وتحدي العرب أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله، مع أنه بالحروف الهجائية التي يتكلمون وينطقون بها، وهي الثمانية والعشرون حرفًا.
٤ بيان المنسوخ في القرآن الكريم:
اعلم أن المنسوخ في القرآن الكريم خمس آيات فقط؛ في خمسة مواضع هي:
الأول: آية التخيير بين الصيام والإطعام، وهي قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ? فِدْيَة? طَعَامُ مِسْكِين? فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤].
نُسخت بقوله تعالى في الآية بعدها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
الثاني: مفهوم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣].
فمفهوم هذه الآية جواز السكر في غير وقت الصلاة، وقد نُسخ هذا المفهوم بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١].
الثالث: قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥].
فهذه الآية نُسخت بالآية بعدها: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦٦].
فكان المؤمن- في أول الأمر- مطالبًا بمصابرة العشرة من الكفار، كما في الآية الأولى، ثم خفف الله عن المؤمنين ذلك لوجود الضعف فيهم، فطلب من الواحد منهم أن يصابر الاثنين من الكفار.
الرابع: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ
стр. 702
وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المجادلة: ١٢].
نُسخ بقوله تعالى بعدها: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣].
الخامس: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ١ - ٤].
فأوجب الله قيام الليل في هذه الآية، فقام النبي ﷺ وأصحابه عامًا حتى تَفَطَّرتْ أقدامهم، ثم نسخ الله ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠].
هذه هي الآيات المنسوخة، وما عدا ذلك مما قيل فيه النسخ من الآيات فالصحيح أنها مُحكَمة غير منسوخة.
٥ - الشباب هم أمل الأمة بعد الله -، فهم الذين انتصرت بهم دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، كما قال تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣].
وقال تعالى عن أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣].
وهكذا كان جُلُّ أصحاب رسول الله ﷺ شبابًا.
ولهذا تجب العناية بالشباب وتعليمهم وتربيتهم على العقيدة الصحيحة، وعلى الاستقامة على طاعة الله تعالى، وتشجيعهم على الثقة بالله ثم بأنفسهم، فهم أبناء اليوم ورجال المستقبل.
٦ قالت ملكة سبأ «بلقيس» مستشيرة جنودها ورجال مملكتها، لما جاءها خطاب
стр. 703
سليمان ﵊: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢].
فقالوا مغترين بقوتهم وبأسهم: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل: ٣٣].
قالت: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤].
إلى آخر الآيات.
فاختارت بثاقب رأيها وحكمتها وعقلها المسالمة والمهادنة، وعدم المواجهة مع سليمان وجنوده الذين لا قِبل لها بهم، ولم تغتر بقول جنودها: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ بل قدرت للأمر قدره، فسلمت وأسلمت.
ولما جاءت وقيل لها: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤٢].
فأجابت إجابة موفقة سديدة: ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ? هُوَ﴾ [النمل: ٤٢]، فلم تقل: إنه هو؛ لبعد المسافة بين اليمن وفِلَسْطين، وكيف يأتي بهذه السرعة، ولم تقل: إنه ليس هو؛ لأن أوصافه أوصاف عرشها تمامًا.
٧ استبطأ الله خشوع قلوب المؤمنين، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦].
ثم بشرهم وبعث الأمل والرجاء في قلوبهم بأنه كما يحيي الأرض بعد موتها، سيحيي قلوبهم ويردهم إليه؛ لئلا يقنطوا من رحمته ، فقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد: ١٧].
٨ نهى الله المؤمنين عن موالاة الكافرين، فهم أعداؤه وأعداء المؤمنين، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١].
стр. 704
وبما أن هؤلاء الذين نهى الله عن موالاتهم أكثرهم من قرابات المؤمنين من الآباء والأولاد والأزواج وغيرهم، وفي معاداتهم من المشقة على المؤمنين ما لا يخفى، لهذا لم يقنطهم الله من إيمان هؤلاء القرابات، بل فتح لهم باب الرجاء بإيمانهم، فقال بعد ذلك: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ٧].
و «عسى» من الله واجبة؛ أي: هذا وعد من الله بعودة المودة بينهم، وذلك بإيمانهم بإذن الله تعالى، فهو سبحانه قدير يقلِّب القلوب كيف يشاء، وغفور لعباده ورحيم بهم.
٩ اختارت الجار قبل الدار، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١].
هي آسية بنت مُزاحِم ﵇، قال المفسرون: اختارت الجار قبل الدار، فقدمت قولها: ﴿عِنْدَكَ﴾ على قولها: ﴿بَيْتًا﴾، فلم تقل: «بيتًا عندك»، وإنما قالت: ﴿عِنْدَكَ بَيْتًا﴾، فاختارت جوار الله قبل البيت والدار.
١٠ أمر الله النبي ﷺ بالإقسام بربه على أن البعث حق في ثلاث آيات:
قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧].
وقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ: ٣].
١١ (أل) العهدية ثلاثة أنواع:
العهد الذهني كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧].
стр. 705
العهد الذكري: كما في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥، ١٦].
العهد الحضوري، كما في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣].
١٢ قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [الآية: ١٢٦].
وقال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [الآية: ٣٥].
فذكر «بلدًا» في سورة البقرة، بالتنكير؛ لأن هذا قبل بناء إبراهيم ﵇ للبيت، وذكره في سورة إبراهيم بالتعريف لأن هذا بعد بنائه له.
١٣ الصبر الجميل الذي لا شكوى فيه لغير الله تعالى، والصفح الجميل الذي لا عتاب فيه، والهجر الجميل الذي لا أذى فيه.
١٤ اللطيف الخبير: اللطيف: يدرك الدقيق، والخبير: يدرك الخفي.
١٥ سُمي عيسى ﵇: المسيح بن مريم؛ لأنه لا يمسح ذا عاهة إلا بَرَأَ، وسُمي المسيح الدجال بذلك لأنه ممسوح العين اليمنى أعور.
١٦ ملك الأرض أربعة: اثنان مؤمنان: سليمان ﵇، وذو القرنين، واثنان كافران: النمرود، وبُخْتنَصَّر.
١٧ السورة التي في كل آية منها لفظ الجلالة «الله»: سورة المجادلة.
стр. 706
١٨ الذي بعثه الله تعالى، وليس هو من الإنس ولا من الجن هو الغراب، قال تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١].
١٩ هارون أخو مريم المذكور في قوله تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨] ليس هو هارون أخا موسى ﵉، فهذا متقدم وبينهما مدة طويلة، حتى قيل: إنه بين موسى وعيسى ﵉ ألف نبي.
٢٠ كل ما حكاه في القرآن الكريم عن السابقين من أقوال فهو بالمعنى؛ لأن لغتهم ليست هي اللغة العربية، لكن تحدث الله به وحكاه على ما يريد (١).
٢١ قال بعض السلف: «ما أمر الله بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين، لا يبالي بأيهما ظفر؛ غلو، أو تقصير» (٢).
٢٢ لم يرد في الفاتحة أنها من أذكار الصباح والمساء، وإنما هي رقية .
٢٣ سميت القيامة الساعة؛ لأنها أعظم حدث.
٢٤ قال عمر بن الخطاب ﵁ لقَبيصة بن جابر: «إن الشاب يكون عنده عشرة أخلاق، تسعة منها حسنة، وواحد سيئ يفسد تلك الأخلاق التسعة، فإياك وعثرات الشباب» (٣).
стр. 707
٢٥ - كان أبو بكر الصديق ﵁ يوتر أول الليل مخافةَ ألا يقوم آخره، وكان عمر ﵁ يوتر آخر الليل لتيقنه أنه سيقوم آخر الليل، ولهذا قال النبي ﷺ لأبي بكر: «أخَذَ هذا بالحَزْمِ»، وقال لعمر: «أخذ هذا بالقوة» (١).
٢٦ يقال: يُهلِك الناس ثلاثة أنصاف: نصف فقيه، ونصف طبيب، ونصف نَحْوي، فالأول يفتيهم في الأديان، والثاني يفتيهم في الأبدان، والثالث يفتيهم في اللسان.
٢٧ سأل أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁ أن يعظهم كل يوم، فقال: «إنما أَتَخَوَّلُكُم بالموعظة كما أن النبي ﷺ يتخولنا بها مخافةَ السأَم» (٢).
٢٨ قيل: رأى عبد الله بن مسعود ﵁ أناسًا في المسجد يعدون حسناتهم بالحصى، وقد جعل كل منهم كومًا من الحصى، فقال: ماذا تفعلون؟ فأخبروه وقالوا: ما أردنا إلا خيرًا. فقال ﵁: «كم من مُريدٍ للخير لم يبلغه، أحصوا سيئاتكم، وأنا كفيل ألا يضيع شيء من حسناتكم» (٣).
стр. 708
٢٩ كان عمر بن الخطاب ﵁ يجهز الجيش وهو في الصلاة (١).
٣٠ النار لا تفنى ولا يفنى عذابها على الصحيح من أقوال أهل العلم، وعليه دل الكتاب والسنة.
٣١ الشك بعد انتهاء العبادة لا يُلتفت إليه، وفي أثنائها إن كثر فلا يُلتفت إليه أيضًا، وإن لم يكن كثيرًا بَنَى على غلبة الظن، فإن تردد بنى على اليقين.
٣٢ إذا سلم عن نقص وطال الفصل أعاد الصلاة كلها، وإن كان الفصل قليلًا في حدود ثلاث إلى خمس دقائق بنى على ما مضى وأتم الصلاة وسجد للسهو بعد السلام.
٣٣ إذا قام إلى ثالثة في النافلة وجب عليه الرجوع؛ لأن صلاة الليل وكذا صلاة النهار مَثنَى مَثنَى، فإن لم يعلم إلا في التشهد فلا يطالَب برابعة، وهذا بخلاف الوتر فيصلي ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر.
٣٤ يجوز عند الحاجة تحويل الفريضة إلى نافلة، ولا يجوز تحويل النافلة إلى فريضة.
٣٥ الاستخارة إنما تكون في الأمور المباحة، لا في الأمور الواجبة والمستحبة، وتكون فيما تردد فيه الإنسان، فيصلي ركعتين، ويدعو بدعاء الاستخارة بعد التشهد قبل السلام أو بعده، أما إذا عزم الإنسان على الأمر فعليه أن يتوكل على الله ولا حاجة للاستخارة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
стр. 709
٣٦ لا تجوز الإطالة في الجلوس والدعاء بعد دفن الميت، بل يستغفر له ثلاثًا ويسأل الله له التثبيت، ثم ينصرف؛ لقوله ﷺ : «استغفروا لأخيكم واسألوا الله له التثبيت فإنه الآن يسأل» (١).
وكان من عادته ﷺ يكرر الدعاء ثلاث مرات (٢).
٣٧ قال الإمام أحمد ﵀ لابنه لما قال: أوصني، قال: «انوِ الخير فما تزال بخير ما نويت الخير» (٣).
٣٨ قال معاوية بن أبي سفيان ﵁ لرجل من سبأ: ما أجهلَ قومَك حين مَلَّكوا عليهم امرأة.
فقال الرجل لمعاوية: أجهل من قومي قومُك؛ قالوا لرسول الله ﷺ حين دعاهم إلى الحق: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢].
ولم يقولوا: إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له (٤).
стр. 710
٣٩ جلوس طالب العلم كالجلوس بين السجدتين، والجلوس للأكل أيضًا كالجلوس بين السجدتين، أو ينصب الركبة اليمنى ويفترش الرجل اليسرى.
٤٠ حالات سجود السهو:
سجود السهو يجوز أن يكون كله قبل السلام، ويجوز أن يكون كله بعد السلام باتفاق أهل العلم.
والأفضل أن يكون سجود السهو بعد السلام في الحالات الآتية:
الحالة الأولى: إذا سلم عن نقص ركعة فأكثر، فيقوم ويكمل الصلاة، ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين للسهو، ثم يسلم.
عن أبي هريرة ﵁، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتَيِ العَشِيِّ- قال ابن سِيرين: سماها أبو هريرة ولكن نسِيتُ أنا- قال: فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السَّرَعان من أبواب المسجد، فقالوا: قَصُرت الصلاة؟ وفي القوم أبو بكرٍ وعمر، فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول، يقال له: ذو اليدين، قال: يا رسول الله، أنسِيتَ أم قَصُرت الصلاة؟ قال: «لم أنسَ ولم تُقصَرْ»، فقال: «أكما يقول ذو اليدين؟» فقالوا: نعم، فتقدم فصلى ما ترك، ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، فربما سألوه: ثم سلم؟ فيقول: نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم (١).
وعن عمران بن حصين ﵁، أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات،
стр. 711
ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخِرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، وخرج غضبانَ يجر رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال: «أصدق هذا؟» قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (١).
الحالة الثانية: إذا بنى على غالب ظنه، كما إذا شك في الرباعية هل صلى ثلاثًا أو أربعًا، أو شك في المغرب، هل صلى اثنتين أو ثلاثًا، أو شك في الفجر هل صلى واحدة أو اثنتين، وغلب على ظنه أحد الأمرين، وهو النقص أو التمام، فإنه في هذه الحال يبني على غالب ظنه، ويسجد للسهو بعد السلام؛ لقوله ﷺ في حديث ابن مسعود ﵁: «إذا شك أحدكم في صلاته، فليتحرَّ الصواب، فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين بعد السلام» (٢).
ومثل هاتين الحالتين إذا نسي أن يسجد للسهو قبل السلام، فإنه يسجد بعد السلام، ما لم يطل الفصل.
وما عدا هذه الحالات فالأفضل أن يكون السجود قبل السلام (٣).
والحمد لله على التيسير.
стр. 712
ثالثًا: حكم ومعان شعرية مختارة
الشعر ديوان العرب، فيه حكم عظيمة، ومعانٍ جميلة، وفوائد جمة.
قال ﷺ : «إن من الشعر حُكْمًا، وإن من البيان سِحرًا» (١).
وقد اخترت لك أكثر من مئة وأربعين بيتًا من الشعر، تم انتقاؤها مما استُشهد به وخُرِّج في هذا التفسير؛ لتطلع على ما فيها من الفوائد الكثيرة، وتستمتع بما اشتملت عليه من الحكم والمعاني الجميلة، وتستشهد منها في خطبة، أو محاضرة، أو مقال، أو كلمة، أو جلسة أدبية، أو غير ذلك.
ولم أقصد ترتيبها لا على الروِيِّ، ولا على الموضوعات، ولا على الأهم؛ لينتقل القارئ بين أفيائها، ويقطف منها ما لذَّ له وطاب، ويتذوَّق ما فيها من الحسن والبلاغة والجمال.
قال علي بن أبي طالب ﵁:
مَا الْفَضْلُ إلَّا لِأَهْلِ الْعِلْمِ إنَّهُمُ … عَلَى الْهُدَى لِمَنِ اسْتَهْدَى أَدِلَّاءُ
وَقِيمَةُ الْمَرْءِ مَا قَدْ كَانَ يُحْسِنُهُ … وَالْجَاهِلُونَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَعْدَاءُ
فَقُمْ بِعِلْمٍ وَلَا تَطْلُبْ بِهِ بَدَلًا … فَالنَّاسُ مَوْتَى وَأَهْلُ الْعِلْمِ أَحْيَاءُ
وقال حسَّان ﵁:
وَضَمَّ الْإِلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ … إِذَا قَالَ فِي الْخَمْسِ الْمُؤَذِّنُ أَشْهَدُ
وَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ … فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ
وقال الشافعي ﵀:
أَخِي لَنْ تَنَالَ الْعِلْمَ إِلَّا بِسِتَّةٍ … سَأُنْبِيكَ عَنْ تَأْوِيلِهَا بِبَيَانِ
ذَكَاءٌ وَحِرْصٌ وَاجْتِهَادٌ وَبُلْغَةٌ … وَإِرْشَادُ أُسْتَاذٍ وَطُولُ زَمَانِ
نبذة عن المؤلف
• ولد المؤلف- حفظه الله- في محافظة الشماسية بالقصيم، ونشأ يتيمًا؛ حيث توفي والده إبراهيم ابن عبد الله اللاحم ﵀ وهو صغير، فتولت تربيته والدته هيلة بنت عبد الرحمن اليحيى -رحمها الله-.
• درس في المدرسة السعودية في الشماسية، وتخرج فيها سنة ١٣٨٤ - ١٣٨٥ هـ.
• والتحق بالمعهد العلمي ببريدة، وتخرج فيه سنة ١٣٨٩ - ١٣٩٠ هـ.
• ثم التحق بكلية الشريعة بالرياض وتخرج فيها سنة ١٣٩٣ - ١٣٩٤ هـ.
• وحصل من كلية أصول الدين بالرياض على درجة الماجستير في القرآن وعلومه سنة ١٤٠١ هـ، وعلى درجة الدكتوراه سنة ١٤٠٧ هـ.
• وكان من الأوائل في سني دراسته كلها.
• بعد تخرجه في الجامعة عمل مدرسًا في التعليم العام في محافظة الشماسية، ثم بعد أن حصل على الماجستير انتقل إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وعمل فيها محاضرًا في قسم القرآن الكريم وعلومه في كلية الشريعة وأصول الدين بالقصيم.
• ثم بعد أن حصل على الدكتوراه عين أستاذًا مساعدًا، ثم رقي أستاذًا مشاركًا، ثم أستاذًا.
• تولى وكالة قسم القرآن الكريم وعلومه بالكلية عدة سنوات، ثم عين رئيسًا للقسم ثماني سنوات، ويعمل الآن أستاذًا متعاقدًا في القسم.
• كان له عدة دروس ومحاضرات في عدد من المساجد في محافظة الشماسية وفي بعض المراكز القريبة منها، وفي بريدة، وفي المنطقة وخارجها.
• أشرف على كثير من رسائل الماجستير والدكتوراه، وناقش الكثير منها.
• حقق كتاب «الناسخ والمنسوخ» للنحاس.
• وله: «منهج ابن كثير في التفسير»، و «الأئمة والمؤذنون والعاملون في بيوت الله، بين التكليف والتشريف»، وهو كتاب صغير. وكلها منشورة.
• كما نشر له عدة كتب ورسائل في تفسير آيات الأحكام، وفي مفصل القرآن، وقد جمعها كلها في تفسيره: «عون الرحمن في تفسير القرآن».
نسأل الله تعالى أن يجزيه عن هذه الخدمة لكتاب الله تعالى خير الجزاء، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.