← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 800

مراقي العزة ومقومات السعادة

سليمان اللاحم

Полный текст (723 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

إذا ما خلوتَ الدهرَ يومًا فلا تقلْ: … خلوتُ، ولكن قل: عليَّ رَقيبُ ولا تحسِبنَّ اللهَ يَغفُلُ ساعةً … ولا أن ما يَخفَى عليه يَغيبُ (١) الوصية الحادية والستون حاسِبْ نفسك على تقصيرها في حقوق الله تعالى، وفي حقوق خلقه ، وكن ذا قلبٍ حي يقِظ، عساك تنجو. قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]. قال عمر ﵁: «حاسبوا أنفسَكم قبل أن تحاسَبوا» (٢). الوصية الثانية والستون لا تنسَ استحضارَ النية الطيبة الصالحة في جميع أعمالك وأقوالك، وأحوالك في عباداتك، وفي أكلك وشربك، ونزهتك ونومك وراحتك وجِماع زوجتك، تُؤجَر على ذلك كله. واعلم أن الموفَّقين عاداتهم عبادات، وأن المخذولين عباداتهم عادات، وشتان بين

стр. 667

الفريقين؛ فريق يُثاب على أكله وشربه ونزهته ونومه ونحو ذلك، وفريق يدخل المسجد ويُهَمْهِم، ويخرج من الصلاة ما كُتب له إلا ربعها أو عشرها أو أقل من ذلك، قلبه سارح في مَزابل الدنيا، وشهواتها، وهذا والله غاية الغُبن. الوصية الثالثة والستون اعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا (١)، فاجعل الصبر سلاحك ومركبك، صبرًا على طاعة الله تعالى، وصبرًا عن معصية الله تعالى، وصبرًا على أقداره المؤلمة، فهو يحب الصابرين، وهو معهم بتوفيقه وعونه لهم، فالصبر سبب للخيرية والعقبى الحسنة في الدنيا والآخرة ومضاعفة الأجر، قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]. وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقال تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. الوصية الرابعة والستون تخلق بالحلم وكظم الغيظ، وبادر إلى العفو والصفح ، فقد جعل الله ذلك من أخص صفات المتقين المسارعين إلى مغفرته وجنته، فقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣، ١٣٤]. وقال ﷺ لأشجِّ عبدِ القيس: «إن فيك خَصلتينِ يحبهما الله: الحِلم والأناة» (٢).

стр. 668

وقال ﷺ : «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملِك نفسه عند الغضب» (١). ويكفي في فضل العفو والصفح قوله : ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]. نسأل الله من فضله. الوصية الخامسة والستون احرِص على التيمُّن في طهورك وتنعلك، وترجلك ولباسك وفي شأنك كله ، فقد كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله (٢). وأمر ﷺ بالأكل والشرب باليمين، وحذَّر من الأكل والشرب بالشمال، فقال: «فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» (٣). وأكل رجل عنده بشماله، فقال له ﷺ : «كلْ بيمينك»، فقال: لا أستطيع، فقال ﷺ : «لا استطعتَ»، ما منعه إلا الكِبر، قال: فما رَفَعها إلى فيه (٤). فالأكل والشرب باليمين واجب، والأكل والشرب بالشمال محرَّم؛ لأن ذلك فعل الشيطان؛ ولأن الرسول ﷺ دعا على من أبى الأكل بيمينه تكبرًا فشَلَّت يدُه، ولو كان ذلك غير واجب لما دعا عليه ﷺ . الوصية السادسة والستون اجعل لك جلسةً يوميًّا مع أهلك وأولادك تعلمهم وتوجههم وتتفقد أحوالهم وتؤانسهم، واحذر كل الحذر أن تنشغِل عنهم بأي شاغل، فهم أمانة في عُنقك ستُسأل

стр. 669

عنهم يوم القيامة. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. وعن مَعقِل بن يَسَارٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من راعٍ يَسترعيه الله رعيةً يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيتِه إلا حرَّم الله عليه الجنةَ» (١). الوصية السابعة والستون اخترْ من الجُلساء والأصدقاء مَن يكون عونًا لك على تقوى الله ، واحذَرْ كلَّ الحذر من جُلساء السوء ومجالس السوء التي هي بمثابة مصائد للشيطان، ولضياع الأعمال والأعمار، فوقتك نَفيس وعُمُرك غالٍ. قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر]. وقال ﷺ : «لا تزول قَدَمَا عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيم أفناه، وعن عِلمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمِه فيم أبلاه» (٢). فتخفف من فضول المجالس ما استطعتَ، واحفَظْ وقتَك، واجعل وقتك بين المسجد والبيت والعمل، والترويح عن النفس بما لا يُخل بتنظيم وقتك، ومع من تنتفع بالجلوس معهم. قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩].

стр. 670

اختر صديقًا كمَن رثاه صديقه بقوله: أخ كان لي نعمَ المُعينِ على التُّقَى … به تَنجلي عني الهمومُ وتَذهَبُ فَطَورًا بأخبارِ الرسولِ وصَحبِه … وطورًا بآدابٍ تلِذُّ وتعذُبُ على ذا مضى عُمري كذاك وعُمرُه … صَفِيَّينِ لا نجفو ولا نتعتبُ (١) وما إخالك واجدًا مثل هذا! الوصية الثامنة والستون اقنَع من الدنيا بما تيسر، وخذ نصيبَك منها مَتاعًا وبُلغةً ، وكنْ حذِرًا منها أشدَّ من حَذَرِك من الفقر، قال ﷺ : «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُفتح عليكم الدنيا كما فُتحت على من قبلكم، فتنافَسوها كما تنافَسوها فتُهلِككم كما أهلكتهم» (٢). وقال ﷺ : «من أصبح آمنًا في سِربه، معافًى في بدنه، عنده قُوتُ يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا» (٣). ونام ﷺ على حَصير، فقام وقد أثَّر في جنبه، فقال ابن مسعود ﵁: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وِطاءً، فقال ﷺ : «ما لي وللدنيا، إنما أنا كراكبٍ استظلَّ تحت شجرةٍ، ثم راح وتَرَكها» (٤). وقال ﷺ : «من كانت الدنيا أكبر همه فرَّق الله شَملَه، وجعل فَقرَه بين عينيه، ولم يأتِهِ منها إلا ما قُسم له، ومن كانت الآخرة أكبر همِّه، جمع الله شمله، وأتتْه الدنيا وهي راغمة» (٥).

стр. 671

وكانت نفقة الإمام أحمد ﵀ في الشهر سبعة عشر دِرهمًا، فقال له ابنه: يا أبتِ، زِد في النفقة. فقال ﵀: «يا بنيَّ، طعام دون طعام، ولباس دون لباس حتى نَلقَى الله» (١). وقليلٌ يبارك الله فيه من مال وولد ونحو ذلك خيرٌ من كثيرٍ لا يبارك فيه. زيادة المرء في دُنياه نُقصان ورِبحُه غيرَ محضِ الخيرِ خُسرانُ (٢) وأي سعادة في زيادة الدنيا مع نقصان العمر والدين؟! فاقنع- أخي، وفقك الله- من الدنيا بما تيسر، وتخفَّف من فضول المباحات؛ من المال والطعام والشراب، واللباس والمركب والمسكن، ونحو ذلك، وكن وسطًا في ذلك كله، فخير الأمور الوسط. خذِ القناعةَ من دنياك وارضَ بها … لو لم يكنْ لك فيها إلا راحةُ البدنِ وانظرْ إلى مَن حَوَى الدنيا لِيَجمَعَها … هل راحَ مِنها بغيرِ القُطنِ والكَفَنِ؟ (٣) الوصية التاسعة والستون غُضَّ بصرك واحفَظ فَرجَك، فهو أزكى لك، وأسلم لدينك وعرضك . قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣٠، ٣١].

стр. 672

فالنظر سهم من سهام إبليس (١). قال الشاعر: كل الحوادثِ مَبداها منَ النظَرِ … ومُعظَمُ النارِ مِن مُستصغَرِ الشَّرَرِ كم نظرةٍ فتكتْ في قلبِ صاحبها … فَتْكَ السهام بلا قوسٍ ولا وَتَرِ! (٢) الوصية السبعون كن عصاميًّا عزيز النفس مستغنيًا بالله ، واقطعِ اليأس عما في أيدي الناس ، ولا ترجُ الفواضلَ عند غير المفضل. فقد كان الصحابة ﵃ يسقط سوط أحدهم وهو على ظهر دابته، فلا يقول لأحد المشاة: أعطني إياه، بل ينزل من دابته ويأخذه؛ لأن الرسول ﷺ علمهم أن يستغنوا بالله ، وألا يمُدوا أيديَهم إلا لله ، قال ﷺ : «ومَن يستغنِ يُغْنِهِ الله، ومَن يَستعفِف يُعِفَّه الله» (٣). واعلم أنك عزيز عند الناس ما لم تطلب منهم شيئًا، أو تمد يدك إلى لئيم. قال أحد الحكماء: «تذوقتُ المرَّ والعَلقَمَ والصبر، فما وجدتُ أمَرَّ من الحاجة إلى الناس» (٤).

стр. 673

قال علي ﵁: صُنِ النفس واحمِلها على ما يزينها … تعشْ سالمًا والقولُ فيك جميلُ ولا تُرِيَنَّ الناسَ إلا تَجَمُّلًا نبا بك دهرٌ أو جفاك خليلُ (١) اللهم أغننا بفضلك عمن سواك (٢)، ولا تحوجنا إلى أحد من خلقك طرفة عين، ولا أقل من ذلك. الوصية الحادية والسبعون كن متفائلًا محسنًا الظن بالله تعالى مهما عظُمت عليك الخطوب ، فقد كان النبي ﷺ أكثر ما يكون تفاؤلًا في أحلك الظروف وأشدها، ففي يوم الخندق أحاط الأحزاب بالمدينة من كل حدب وصوب، وأطبقوا عليها كفكي الأسد، وبلغت القلوب الحناجر، كما قال الله : ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١٠، ١١]. واجتمع على المؤمنين في ذلك اليوم: الخوف الشديد، والتعب الشديد من حفرالخندق، والبرد الشديد، والجوع الشديد، وواحدة من هذه كافية، ومع ذلك كان النبي ﷺ في أشد ما يكون من التفاؤل، وأخبر أصحابه أنه رأى كَنْزَ كِسرى، وكنز قَيصَر، وكنز تُبَّع في اليمن. وهكذا بلغ مُلك أمته ﷺ (٣).

стр. 674

الوصية الثانية والسبعون لا تشكوَنَّ حالك إلا إلى الله تعالى الذي يسمع النجوى، وإليه الشكوى، ويرفع البَلوَى . قال الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١]. وقال الشاعر: لا تشَكُونَّ إلى خَلْقٍ فتُشْمِتَه … شَكوَى الجريحِ إلى الغربانِ والرَّخَمِ (١) وقال الآخر: وإذا شكوتَ إلى الأنامِ فإنما … تشكو الرحيمَ إلى الذي لا يَرحمُ (٢) واعلم أنه لا ينافي الشكوى إلى الله الاستئناس برأي أخ أو صديق لَبيب عاقل ناصح، وطلب المواساة منه. وهذا ما عناه الشاعر بقوله: ولا بد من شكوى إلى ذي مُروءةٍ … يُواسيك أو يُسليك أو يَتَفَجَّعُ (٣) فشكوى الحال إلى الله تعالى في كل حال، لا ينافيه الاستئناس وطلب المواساة ممن يقدر على ذلك من الإخوان. الوصية الثالثة والسبعون شاور من تثق به من أهل المعرفة والحكمة والعقل والعلم والنصح وسداد الرأي فيما

стр. 675

يحتاج من أمورك إلى مشورة، فقد قال في مدح المؤمنين: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]. وقال الشاعر: شاوِرْ سواك إذا نابتْك نائبةٌ … يومًا وإن كنتَ من أهلِ المَشوراتِ فالعينُ تنظُرُ منها ما دنا ونأى … ولا ترى نفسَها إلا بمرآةِ (١) وقال الآخر: إذا بلغ الرأي المشورة فاستعِنْ … برأي نصيحٍ أو نصيحةِ حازمِ ولا تجعل الشورى عليك غَضاضةً … فإن الخوافي (٢) قوة للقوادمِ (٣) الوصية الرابعة والسبعون اعلم أن النفس وديعة عند الإنسان، يجب أن يعمل على خلاصها، وأن يسلك بها مسالكَ النجاة في دينها ودنياها وأُخراها، وكما يجب عليه أن يجنبها سُبل الرَّدَى والهلاك في دينها بالكفر والمعاصي، فكذلك يجب عليه ألا يُلقيَ بها إلى التهلكة في دنياها باستعمال ما يضر بعقله وبدنه من المخدِّرات والدخَان ونحو ذلك. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]. وقال ﷺ : «من وجَأ نفسه بحديدة، أو شرِب سمًّا فهو في نار جهنم» (٤).

стр. 676

وقال الشاعر: وما المالُ والأهلون إلا ودائعٌ … ولا بدَّ يومًا أن تُرَدَّ الودائعُ (١) الوصية الخامسة والسبعون عليك بالصدق فهو سبب التوفيق في الدين، وحبل النجاة في الدنيا والآخرة . قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]. وقال ﷺ : «إن الصدق يَهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يَصدُقُ ويَتَحَرَّى الصدقَ حتى يُكتبَ عند الله صِدِّيقًا» (٢). وقال ﷺ : «وإياكم والكذِبَ؛ فإن الكذب يَهدي إلى الفُجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذِب ويَتحرى الكذبَ حتى يُكتبَ عند الله كذابًا» (٣). واحذر كل الحذر من أرباب الكذب الذين يجعلون الكذب من الحنكة والدهاء، ويعتبرون الصدق من التغفيل والغباء. واعلم أن حبل الكذب قصير وإن طال. الوصية السادسة والسبعون ليكنْ لك يد في الأمر بالمعروف والدعوة إلى الخير، والإصلاح بين الناس ما استطعتَ إلى ذلك سبيلًا، بقولك وفعلك وبذلك.

стр. 677

قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]. وقال ﷺ : «ألا أُخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إصلاح ذات البَين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة» (١). وقال ﷺ : «كل سُلَامى من الناس عليه صدقةٌ كلَّ يومٍ تطلُع فيه الشمس، تعدِل بين اثنين صدقة، وتُعِين الرجل في دابته فتحمِل عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة». الحديث (٢). الوصية السابعة والسبعون خذْ بالعزم والحزم في جميع أمورك، وخاصة أمور دينك . فإذا سمعت: حيَّ على الصلاة، حي على الفلاح، فلا يسبقْك أحد إلى المسجد، فإن لم تستطع فاحرِص ألا تقام الصلاة إلا وأنت في المسجد. واحذَر من القواطع؛ فإن الظبي أسرع من الكلب، لكن الظبي إذا التفت إلى الكلب أدركه. وهكذا الإنسان إذا التفت بعد الأذان إلى بعض الشواغل قطعته عن إدراك الصلاة. خذ نصيبك من ربك، وتقدم في صدارة الصف، واحذر من أحوال الذين إذا دخل الواحد منهم المسجد رأيته كالمستوحش، يبحث عن آخر الصف، أو عن الصفوف الأخيرة، أو عن زاوية في المسجد، واعلم أن مكانتك عند الله بقدر تقدمك، فلا يخدعنَّك الشيطان فتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. خذ بالعزم والحزم في أداء حقوق الله تعالى كلها وحقوق الخلق، وخاصة الوالدين

стр. 678

والأهل والأولاد والأقارب والجيران والمسلمين. قال تعالى مخاطبًا نبيه محمدًا ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. وقال الشاعر: بعزمٍ وحزمٍ سادَ في قومِه الفتى … وكونك إياه عليك يَسيرُ (١) وقال الآخر: على قدر أهل العزمِ تأتي العزائمُ … وتأتي على قَدْرِ الكرامِ المكارمُ وتكبُر في عين الصغيرِ صِغارُها … وتصغُر في عين العظيمِ العظائمُ (٢) وقال الآخر: وأحزمُ الناسِ من لو مات من ظمأٍ … لا يقربُ الوِرْدَ حتى يَعرِفَ الصَّدَرَا (٣) الوصية الثامنة والسبعون لا تستوحش من الحق لقلة السالكين، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين ، فهذا مصداق قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]. وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ [الروم: ٨]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦].

стр. 679

فإذا رأيت زهد كثير من الناس فيما يقربهم إلى الله تعالى، وقلتهم في المساجد، فلا يفتّ ذلك في عَضُدِك، فاعلم أن لله تعالى في ذلك حكمة، ولو شاء ربك ما فعلوه. فقد قال الله لسيد الخلق وصفوتهم ﷺ : ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]. وقال تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]. ووطِّن نفسك على التمسك بالحق، واسأل ربك الثبات عليه، وشمِّر عن ساعد الجد، واعلم أن طريق الجنة محفوف بالمكاره، وطريق النار محفوف بالشهوات، كما قال ﷺ : «حُفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات» (١). قال الشاعر: فدَرْبُ الصاعدين كما علِمتم … به الأشواكُ تكثُرُ لا الوُرودُ (٢) والعبرة بالكيف، لا بالكم، فبعث النار من كل ألف تسعمئة وتسعة وتسعون، وواحد إلى الجنة (٣). قال الشاعر: والناس ألفٌ منهمُ كواحدٍ … وواحدٌ كالألفِ إن أَمْرٌ عنَا (٤) الوصية التاسعة والسبعون احذر كل الحذر من التسليم لعقدة المؤامرة، فمصاب الأمة منها لا من غيرها ، كما

стр. 680

قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]. قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]. فاخرج من التسليم لعقدة المؤامرة، فهي موجودة منذ نزل قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]. واحذر من تعليق المسؤولية على الآخرين، كما يتذرع المنهزمون المخذولون، واجتهد في عمل الخير والدعوة إليه، والإصلاح ما استطعت، ما حيِيتَ، وأبشر بالخير. واحذر أيضًا من المثبطين عن عمل الخير والدعوة إليه القانطين اليائسين من رَوح الله تعالى الذين يقولون: هلك الناس. واحذر أيضًا من الذين يقولون: أنت تطلب المثالية؛ لأنهم يثبطونك عن العمل. واحذر أيضًا من ضدهم، وهم من يطالبون بالمثالية في كل شيء؛ لئلا يجلبوا لك الإحباط واليأس في عملك وسيرك إلى الله تعالى. الوصية الثمانون احذر من أمراض القلوب كلها. احذر من النفاق؛ فقد قال عبد الله بن أبي مُليكة ﵁: «أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه» (١).

стр. 681

واحذر من الحسد فإنه اعتراض على قضاء الله وقدره، ويأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب (١)، وصاحبه مهموم مغموم، يقتل نفسه بنفسه، ولا يسود، بل يموت كمدًا بحَسَده. واحذر من الإعجاب فإنه يحبط الأعمال، واحذر من الكبر والخُيَلاء، فإن المتكبرين والمختالين يُحشرون يوم القيامة أمثال الذرِّ، يطؤهم الناس (٢)، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبرٍ (٣). الوصية الحادية والثمانون احذر من الاستغراق في المباحات، ومن المباهاة والمبالغات والإسراف، وإضاعة العمر بالأسفار والتنقلات والتنزهات اتِّباعًا لهوى النفس، وإشباعًا لرغباتها الجامحة. واعلم أن سعادتك وراحتك في التوسط في ذلك كله. قال بعضهم: «مَن طلَب الراحة، تَرَكَ الراحة» (٤). الوصية الثانية والثمانون لا يغب عنك أبدًا التفكير في أمور أربعة:

стр. 682

أولًا: عظمة الله وكبرياؤه وعزته وقوته. ثانيًا: ضعفك وقلة حيلتك. ثالثًا: عِظَم منزلة الآخرة. رابعًا: حقارة الدنيا. ضع هذه الأمور كلها منك على بال؛ فإن هذا مما يعينك على تقوى الله تعالى، وعدم الاغترار بالدنيا، والحذر من فتنتها، والاستعداد للآخرة. الوصية الثالثة والثمانون احذر كل الحذرمن الربا وأكل أموال الناس بالباطل بشتى صور ذلك وألوانه. فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ آكل الربا ومُوكِلَه وكاتبه وشاهِديه» (١). احذر كل الحذر من المساهمات المختلطة والمشتبهة، واحذر أن تتساهل بشيء من ذلك وإن قل، وإن أفتاك من أفتاك. عساك تنجو- وما إخالك ناجيًا- في وقت عبد كثيرٌ من الناس الدرهم والدينار، واستباحوا الربا الذي هو محاربة لله تعالى ورسوله ﷺ . واعلم أن درهم ربا ومن غير وجه شرعي يفسد ويهلك كل ما لديك، وسُحت يؤدي بصاحبه إلى النار.

стр. 683

الوصية الرابعة والثمانون احذر كل الحذر من الفتنة في الدين ، وابتعد عنها كل البعد، وعن أسبابها، واحفظ لسانك وقلمك وبنانك من الدخول فيها، واسأل الله الهداية والثبات على الحق حتى تلقى الله تعالى. وقل: «اللهم فاطرَ السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (١). وقل: «يا مقلِّبَ القلوب، ثبِّت قلبي على دينك» (٢). الوصية الخامسة والثمانون تأمل جيدًا قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩]. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠]. وتأمل قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩، ١٠]. وأخيرًا تأمل قول الله : ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر].

стр. 684

الوصية السادسة والثمانون ينبغي أن يعلم الجميع أن الرجال والنساء بعضهم من بعض، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥]. وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. وقال ﷺ : «إنما النساء شقائقُ الرجال» (١). والرجال من حيث العمومُ أفضل من النساء؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. أما من حيث الخصوص فإن من النساء من هي خير من زوجها، بل خير من عشرات الرجال دينًا وخلقًا وكرمًا، بل وشجاعةً وغير ذلك. ويكفي النساءَ أن منهن فاطمة ﵂ سيدة نساء أهل الجنة، وسيدة نساء العالمين، ومنهن أمهات المؤمنين ﵅، ومنهن مريم ابنة عِمران ﵍، ومنهن آسية امرأة فرعون ﵍ التي اختارت الجار قبل الدار فقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١]. ومنهن أم سليم زوجة أبي أيوب الأنصاري ﵄، ومنهن ومنهن! وأكرم الخلق عند الله أتقاهم.

стр. 685

الوصية السابعة والثمانون الزواج سنة من سنن المرسلين، وقد يجب إذا خاف الإنسان على نفسه الوقوع في الفاحشة، وبعض أهل العلم يوجبه على كل من قدر عليه، فلا ينبغي تركه لمن كان قادرًا عليه، رجلًا كان أو امرأةً، قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. وقال ﷺ : «يا معشرَ الشباب، مَنِ استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضُّ للبصر، وأحصنُ للفرج، ومن لم يستطِع فعليه بالصوم؛ فإنه له وِجاء» (١). وقد أنكر النبي ﷺ على المتبتلين الذين قالوا: نقوم ولا ننام، ونصوم ولا نُفطِر، ولا نتزوج النساء، فقال ﷺ : «أما والله، إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغِب عن سُنتي فليس مني» (٢). فلا ينبغي ترك الزواج والعزوف عنه إلا لعذر؛ لأن به تمام الدين، واستقرار الحياة، وحصول الأولاد الذين هم زينة الحياة ولذتها وجمالها وبهجتها وسعادتها، وقد قال ﷺ : «تزوجوا الودود الولود؛ فإني مُكاثر بكم الأمم يوم القيامة» (٣).

стр. 686

وينبغي لمن حصل بينهم الفراق من الأزواج بطلاق أو وفاة أن يتزوج ولا يموت عَزَبًا، فلربما يُرزق بابن أو ابنة، ويكون ذلك خيرًا له من الدنيا وما فيها، صلاحًا وتُقًى وبرًّا في الحياة وبعد الممات. الوصية الثامنة والثمانون لنعلم أن من أهم أسباب استقرار الحياة الزوجية، وبناء الأسرة الصالحة: عدم التهاون في أداء كل من الزوجين حق الآخر عليه، قولًا وفعلًا وبذلًا، وخاصة حسن المعاشرة لتصفو الحياة الزوجية بينهما، وينتظم أمر أسرتهما، وترفرف على عشهما السعادة الزوجية بإذن الله . مع تفهم كل من الزوجين للآخر، ومعرفة أن الكمال البشري عزيز؛ ولهذا قال ﷺ : «لا يفرَكْ مؤمن مؤمنة، إن كرِه منها خُلقًا رَضِيَ منها آخر» (١). ومَن ذا الذي تُرضى سَجاياه كلُّها … كَفَى المرء نُبلًا أنْ تُعَدَّ مَعايبُهْ (٢) وقال الآخر: ومن لا يُغمِض عينَه عن صَديقِه … وعن بعضِ ما فيه يمت وهو عائبُ ومن يتتبع جاهدًا كلَّ عثرةٍ … يجدها، ولا يسلَم له الدهرَ صاحبُ (٣)

стр. 687

الوصية التاسعة والثمانون لنعلم أن الأولاد من أعظم الأمانات في أعناق آبائهم، وحقوقهم من أعظم الحقوق: من أهمها: اختيار أمهاتهم من ذوات الدين والخلق القويم، كما قال ﷺ : «فاظفَر بذات الدين ترِبت يداك» (١). ومنها: ذكر اسم الله عند الجِماع ودعاؤه لحفظهم من الشيطان، كما قال ﷺ : «لو أن أحدَكم إذا أراد أهله قال: باسمِ الله، اللهم جنِّبْنا الشيطانَ وجنِّبِ الشيطانَ ما رزقتَنا، فقُدر بينهم ولدٌ، لم يَضُرَّه الشيطان» (٢). وهذا يغفُل عنه كثير من الناس، ولهذا يتسلط الشياطين على كثير من الأولاد. ومنها: اختيار الأسماء الحسنة لهم ذكورهم وإناثهم؛ كعبد الله وعبد الرحمن للذكور، وغير ذلك من الأسماء المعبدة لله تعالى، والتسمية بالأسماء ذات المعاني الطيبة الجميلة، وأسماء الرسل، وأسماء الصحابة والصحابيات؛ إحياءً لذِكرهم ﵃، أو التسمية باسم الوالد والوالدة إذا كان مناسبًا، ورَغِبَا في ذلك، أو باسم يختاره أحدهما وهو مناسب، فهذا من البر بهما. ومنها: خِتان الذكور منهم، وذبح العقيقة عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة، كما جاء في الحديث (٣). ومنها: الاهتمام والعناية كل العناية بتربيتهم التربية الإسلامية الصحيحة، وتعليمهم كل ما ينفعهم في دينهم ودنياهم وأخراهم، وتحذيرهم عن كل ما يضرهم في دينهم

стр. 688

ودنياهم وأخراهم وتأديبهم، وفي مقدمة ذلك أمرهم بالصلاة وهم أبناء سبع، وضربهم على تركها لعشر، كما قال ﷺ (١). وتربيتهم على تعظيم الله ، وتعظيم حقوقه، والتوكل عليه وحده، والثقة به، والحذر من تربيتهم التربية العقيمة الهزيلة على الخوف من الخلق؛ من الجن والسحر والعين، والحروب والأمراض والجوع، وغير ذلك مما يعرضهم لكثير من الأوهام والوساوس والأمراض النفسية ويضعف عندهم التوكل على الله تعالى، ويضعف عندهم المناعة الجسمية ضد الأمراض، وغير ذلك. الوصية التسعون لنعلم أن من أكبر الكبائر قطيعة الرحم، قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٢، ٢٣]. وقال في الحديث القدسي: «الرحم معلقة بالعرش، مَن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته» (٢). وصلة الأرحام تكون بالزيارة والسلام عليهم، والتواصل معهم بالهاتف والرسائل، والنصيحة لهم، ودعوتهم إلى الخير، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وبذل الندى لهم، والإحسان إليهم، ودفع الأذى عنهم. والحذر كل الحذر من أذيتهم؛ فإن أشد شيء على القريب أذية قريبه وظلمه له. كما قال الشاعر: وظلم ذوي القُربى أشدُّ مَضاضةً … على النفسِ من وقعِ الحُسامِ المُهنَّدِ (٣)

стр. 689

ومن المؤسِف: أن كثيرًا من الأقارب لا يجد إلا قريبه يحسده ويؤذيه ويظلمه، وقد قيل: «العداوة للأقارب، والحسد للجيران». واشتكى رجل لابن عباس ﵄ أذية أحد أقاربه وأبناء عمه فقال: «هوِّن عليك، فما من ضارٍ على طَريدةٍ بأسرعَ إليها من ابن عمٍّ دَنِيٍّ إلى ابن عمٍّ سَرِيٍّ؛ فهوِّن عليك» (١). وهذا ظاهر، ومن أعظم المعضِلات. والله المستعان. الوصية الحادية والتسعون أكرم جارك واقدره قدره، فقد عظم الإسلام شأنه ، فقال ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلْيُكرِمْ جارَه» (٢). وقال ﷺ : «ما زال جبريل يوصيني بالجارِ حتى ظننتُ أنه سيُورِّثه» (٣). وهذا مما يُوجب احترام الجار، وأداء حقوقه، والإحسان إليه، والنصيحة له، والتعاون معه على البر والتقوى. والحذر كل الحذر من أذيته، فقد استعاذ النبي ﷺ من جار السوء في دار المقامة (٤). وقال ﷺ : «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن». قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من لا يأمن جاره بوائقه» (٥).

стр. 690

الوصية الثانية والتسعون استشعر- بقوة- رابطة الأخوة الإيمانية بينك وبين إخوانك المسلمين ، التي هي أعظم من رابطة النسب والقرابة وغير ذلك. واعلم أن الله رتب عليها حقوقًا عظيمة للمسلم على أخيه المسلم، منها المبادرة بالسلام عليه عند ملاقاته، والتبسم في وجهه، وإجابة دعوته، والنصيحة له، وتشميته إذا عطس وحمِد الله، وزيارته إذا مرض، واتباع جنازته إذا مات (١)، إلى غير ذلك. قال جرير بن عبد الله ﵁: «بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم» (٢). وقال ﵁: «ما لقيني رسول الله ﷺ إلا تبسم في وجهي» (٣). ولنا به أسوة وقدوة ﷺ . وقال ﷺ : «الدين النصيحة» قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابِه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (٤). وهذا يوجب النصيحة لجميع المسلمين والاهتمام بأمرهم.

стр. 691

الوصية الثالثة والتسعون اعلم أنه لا يجوز أذية غير المسلم من الذِّمِّيِّين والمعاهدين والمستأمنين، بل يجب أداء حقوقهم والإقساط إليهم، ويُستحب الإحسان والبر بهم. كما قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]. وقال ﷺ : «من قتل معاهدًا لم يَرِحْ رائحةَ الجنة» (١). الوصية الرابعة والتسعون يجب أن يكون للمسلم شخصيته المستقلة المتميزة في عقيدته وفي عباداته، وأقواله وأفعاله، وهيئته ولباسه وعاداته، وغير ذلك، وأن يعتبر بذلك. وأن يحذر كل الحذر من التشبه بالكفار في عقائدهم وعباداتهم الباطلة وأعيادهم وهيئاتهم ولباسهم وعاداتهم، وأن يعتد ويعتز بذلك. قال ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» (٢). الوصية الخامسة والتسعون احرص على أن يكون لك يد في رفع شأن لغة القرآن الكريم اللغة العربية، بأي جهد

стр. 692

تستطيعه من الالتزام بالتكلم بها، والكتابة بها ما استطعت، وتسمية الأشياء بها، تؤجر بإذن الله تعالى على ذلك، ولا تحقِرن ما تقوم به من عمل في ذلك مهما قل. واحذر من أن يكون لك يد في هدمها، في التكلم والكتابة بغيرها لغير حاجة، أو تسمية الأشياء بغيرها. الوصية السادسة والتسعون سابق ونافسْ في أداء عملك الوظيفي الذي تتولاه للمسلمين على أكمل الوجوه وأتمها وأحسنها، قاضيًا كنت أو معلمًا، أومؤذنًا، أو إمامًا، أو موظفًا، أو غير ذلك. واعلم أن العمل في الأمة جهاد يؤجر عليه الإنسان مع حسن النية. وحذارِ، ثم حذار، ثم حذار من تبِعات التفريط فيما ولِيتَه من مسؤوليات في أعمال المسلمين، فإنك مسؤول عن ذلك غدًا أمام الله الحَكَم العَدْل، واعلم أن خصمك غدًا ليس شخصًا واحدًا أو أشخاصًا معدودين، بل خصمك الأمة كلها؛ لأن التفريط في المسؤولية ضرره على الأمة كلها، فهو هدم لكيانها، وتعطيل لمصالحها ولحقوق المسلمين. فالحذرَ الحذرَ أن تأتيَ غدًا بتبِعات تَنُوءُ عن حملها الجبال، بسبب التغيب والتأخر عن العمل، وتقديم وتقريب هذا، وتأخير وإبعاد ذاك، فالأمر خطير جد خطير! الوصية السابعة والتسعون اعلم أن القرآن الكريم شفاء ورحمة وهدى للمؤمنين، وشفاء لما في الصدور، شفاء لأمراض القلوب والأبدان كلها المعنوية والحسية والنفسية. قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾

стр. 693

[الإسراء: ٨٢]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]. فاطلب منه الهدى والرحمة والشفاء، لكل داء، ولا تنغلق الأبواب دونك وعندك القرآن الكريم فتكون كما قيل: كالعِيسِ في البَيداءِ يَقتُلُها الظَّما والماءُ فوقَ ظُهُورِها مَحمولُ (١) اقرأه والتمس منه الهدى والرحمة والشفاء لكل ما يصيبك في دينك، من قسوة القلب، وشتات الأمر، وضعف الإقبال على الله تعالى، وغير ذلك، ولكل ما يصيبك في دنياك، من فقر وحاجة وغير ذلك من المصائب. واقرأه على نفسك للاستشفاء به من جميع الأمراض البدنية الحسية والنفسية. ولا بأس إن دعت الحاجة أن يقرأ عليك من تثق بدينه وتقواه وورعه، فقد قال ﷺ : «منِ استطاع أن ينفَع أخاه فليفعلْ» (٢). مع الحذر كل الحذر من ضعاف الإيمان وأهل الدجل وأدعياء علم الغيب، ممن إذا جاءهم الشخص ولو كان مريضًا بالصداع فقط قالوا: فيك كذا وكذا، فيك سحر، أو عين، أو جن أو غير ذلك، فأدخلوه في دوامة من الوساوس والشكوك والظنون لا يخرج منها طيلة عمره، وشككوا كثيرًا ممن يتردد عليهم في عقائدهم، كذبوا وصدق الله العظيم: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥].

стр. 694

الوصية الثامنة والتسعون إذا رأيت في منامك رؤيا، فقد قال النبي ﷺ : «الرؤيا من الله، والحُلم من الشيطان، فمن رأى رؤيا يكرهها فلا يخبرْ بها ولْيتفُلْ عن يساره ثلاثًا، وليستعِذْ بالله من شرها؛ فإنها لا تَضُره» (١). واحذر كل الحذر من عرضها على مفسري الأحلام تَسلَم من شرها بإذن الله تعالى، وتسلم من شر كثير منهم؛ فإن كثيرًا منهم أضروا بعقائد المسلمين وأفسدوا العلاقات الطيبة بينهم، وأدخلوا عليهم الشكوك وسوء الظن فيما بينهم، وأدخلوا كثيرين منهم في دوامة من الوساوس والمشكلات. الوصية التاسعة والتسعون للمعلم خاصة: اعلم أخي المعلم الكريم- بارك الله فيك ووفقك- أن عملك من أفضل الأعمال وأشرفها وأجلها، وأكثرها نفعًا للأمة، وأعظمها وأكثرها أجرًا، وهي وظيفة محمد ﷺ وجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام. وقد قال ﷺ : «وإن الملائكة لتصلي على معلم الناس الخير» (٢). فاقدر لهذا الأمر قدره، واحمد الله على ذلك، وسر على بركة الله تعالى، وأبشر بالخير.

стр. 695

واعلم بارك الله فيك أن ثمرة التعليم هي التربية، فاحرص على تربية الطلاب وتوجيههم إلى ما ينفعهم في أمر دينهم ودنياهم وأخراهم. واجمع لطلابك بين التربية والتعليم، بين المعلومة والتوجيه والإرشاد، ليتخرجوا على يديك بإذن الله تعالى لديهم الثقة التامة بالله ، ثم بأنفسهم في خوض غِمار الحياة أوفياء لدينهم وأمتهم ووطنهم، ويكون في سجلك وميزان حسناتك بإذن الله تعالى. قُمْ للمعلمِ وفِّه التبجيلا … كاد المعلمُ أن يكون رسولَا أرأيتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي … يَبني وينشئُ أنفسًا وعقولَا (١) الوصية المئة للمرأة خاصة: أختي الكريمة، اعلمي أن الوصايا السابقة عامة للرجال والنساء، كلٌّ فيما يخصه، وهذه الوصية لك خاصة. أختي الكريمة، اعرفي مكانتك العظيمة في الإسلام، فأنتِ الأم، والبنت، والأخت، والعمة، والخالة، أنت المربية والمعلمة الأولى. على يدك ومن مدرستك تتخرج الأجيال، فكل عظيم من الرجال وراءه امرأة عظيمة؛ أمٌّ أو زوجةٌ، فأنتنَّ صانعات العظماء والأعلام من الرجال والنساء، من العلماء والمصلحين والأبطال والساسة وغيرهم. كما قال شوقي: الأمُّ مدرسةٌ إذا أَعْدَدْتَها … أعددتَ شعبًا طيِّبَ الأعراقِ (٢)

стр. 696

فارفعن رؤوسكن عِزةً وفخرًا بنعمة الإسلام والإيمان، والهدى والقرآن. توكلن على الله ، واسألنَه الهداية والثبات، والْزَمْنَ التستر والعفة والحجاب، واحذرن من التبرج والسفور، وكثرة الخروج بلا حاجة، واحفظنَ اللسان والبنان والجوارح، وتوسطنَ في الملبس والمتطلبات. احذَرْنَ كل الحذر من كيد أعداء الإسلام وأتباعهم من دعاة التغريب والفسق والضلال، الذين وصفهم المصطفى ﷺ بقوله: «دعاةٌ على أبوابِ جهنّم مَن أجابَهم إليها قذفوه فيها» (١). فلا تنخدِعْنَ بطنينهم ورنينهم ودندنتهم حول حرية المرأة وحقوقها، كما يزعمون، قاتَلَهُمُ الله أنى يُؤفَكون! أهم أشفق على المرأة من ربها ، كذبوا ورب الكعبة، وإنما يريدون تحقيق مآربهم الخبيثة من المرأة، وزجَّها في حياة الضياع وأتُّون المهالك، لتخسر دينها ودنياها وأخراها. وما مثل هؤلاء في خداعهم للمرأة، ودعوتهم لها للتخلي عن ثوابت دينها وقيمها وأخلاقها، إلا كمثل الشيطان. قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. فاستمسكنَ من الإسلام بالعروة الوثقى، وتأملنَ كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وسِيَر أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابيات ﵅. وكنَّ عصيَّات على من أراد إخراجكن من الطريق المستقيم إلى طريق الضياع والهلاك

стр. 697

والشقاء، واسمعن لقول الناصح الشفيق الرؤوف الرحيم بكن وبالأمة كلها صلوات الله وسلامه عليه: «اتقوا الله في النساء» (١). وقوله ﵊: «إذا صلتِ المرأةُ خمسها، وصامت شهرها، وحفِظت فرْجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئتِ». واعلمن أخواتي الكريمات أن الرسول ﷺ أباح لكنَّ الخروج للحاجة (٢)، فاقدُرن للحاجة قدرها دون زيادة. كما نهى ﷺ عن منعكن من المساجد، وبيَّن أن الصلاة في بيوتكن أفضل حفاظًا عليكن وطهارة لقلوبكن، وصيانة للمجتع، فقال ﷺ : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتُهن خير لهن» (٣). فاحرصن إذا خرجتن على آداب المساجد والصلاة، وعلى تسوية الصفوف، وإكمال الصف الأول فالأول، واحذرن من التبرج والزينة والطيب والكلام في المسجد لغير حاجة، ورفع الصوت بالدعاء أو التأمين، والمرور أمام الصفوف في الصلاة، وغير ذلك. احتسبن في كل ما تقمن به في البيوت من خدمة الأزواج والأولاد، واعلمن أن ذلك أفضل من نوافل العبادات، كالصلاة والصيام، وقراءة القرآن، وغير ذلك. ففرق بين امرأة صامت النفل وقصرت في خدمة زوجها وأولاده بسبب الصوم والنوم، وبين امرأة لم تصم لكنها قامت بخدمة زوجها وأولاده على الوجه المطلوب، ولهذا كانت عائشة ﵂ يكون عليها الصوم من رمضان فلا تقضي إلا في شعبان مراعاة للنبي ﷺ (٤). وعن أنس ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في السفر، فمنا الصائم ومنا المفطر، قال: فنزلنا

стр. 698

منزلًا في يوم حار، أكثرنا ظلًّا صاحبُ الكساء، ومنا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصوَّام، وقام المفطرون، فضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال رسول الله ﷺ : «ذهب المفطرون اليوم بالأجر» (١). أخواتي الكريمات، ابتلى الله النساء بالحيض، وفي ذلك تعظيم لأجرهن، ورفعة لدرجاتهن بإذن الله . ومن الأمور التي تشتد الحاجة إلى معرفتها ما يلي: - إذا رأت المرأة الدم بعد طهرها بيوم أو يومين، فإنه يُعتبر حيضًا؛ لأنه لا حدَّ لأقل الطهر بين الحيضتين على الصحيح. - إذا زادت العادة يومًا أو يومين ونحو ذلك فهو حيض؛ لأنه لا حد لأكثر الحيض على الصحيح. - إذا رأت المرأة الحيض بعد غروب الشمس فصومها صحيح، وإن انتقل قبل ذلك؛ لأن العبرة بخروج الدم. - إذا رأت الصُّفرة قبل الغروب ولم ينزل الدم إلا بعد الغروب فصومها صحيح. - إذا رأت الدم بعد الغروب، وحصل عندها شك أنزل قبله أم بعده فصومها صحيح؛ لأن الأصل أنها طاهرة حتى وقت رؤيتها له. - إذا طهرت قبل الفجر فصومها صحيح وإن لم تغتسل إلا بعده. - إذا حاضت المرأة بعد دخول الوقت، وكان قد مضى عليها وقت يتسع للصلاة، فذهب بعض أهل العلم إلى أن عليها القضاء، وهو أحوط، وذهب بعضهم إلى أنه لا قضاء عليها؛ لأن الوقت موسع. - إذا طهرت المرأة بعد العصر، قال بعض أهل العلم: تصلي الظهر والعصر؛ لأن وقتهما واحد، وكذا إذا طهرت بعد العشاء تصلي العشاء والمغرب؛ لأن وقتهما واحد،

стр. 699

وذهب بعض أهل العلم إلى أنها تصلي الصلاة الحاضرة، وهي العصر والعشاء، وهذا أرجح. - المستحاضة قال بعض أهل العلم: تتوضأ لوقت كل صلاة، وقال بعضهم: لا يلزمها ذلك، وهو الراجح.

стр. 700

ثانيًا: أربعون من الفوائد والفرائد ١ الاستعاذة «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» تُشرع في أول القراءة مرة واحدة، سواء في ابتداء السورة أو في وسطها، في الصلاة، أو خارج الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [النحل: ٩٨]. وعلى هذا فالاستعاذة في الصلاة مرة واحدة بعد التكبير والاستفتاح، يستعيذ ثم يبسمل، ثم يقرأ الفاتحة؛ لأن قراءة الصلاة كلها في جميع الركعات بمثابة قراءة واحدة، وهي ليست بآية من القرآن الكريم بالاتفاق. ٢ البسملة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية مستقلة من القرآن الكريم تنزل مع كل سورة، عدا سورة التوبة، فلم تنزل معها؛ ولهذا لم تُكتب في مطلعها، وليست آية من أي سورة من سور القرآن الكريم على الصحيح، لا الفاتحة ولا غيرها من السور، وهي بعض آية من سورة النمل في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]. وتُشرع قراءتها في بداية كل سورة، حتى لو كرر قراءة السورة يكرر البسملة معها؛ لأنها آية مستقلة، تُقرأ في مطلع كل سورة، ففي الصلاة يقرؤها قبل الفاتحة في كل ركعة، ويقرؤها مع كل سورة ابتدأها من أولها. ٣ الحكمة من ذكر الحروف المقطعة في أوائل بعض السور في القرآن الكريم: اعلم أن الحكمة- على القول الراجح- في ذكر الحروف المقطعة في أوائل بعض السور في القرآن الكريم، مثل: «الم»، «المص»، «الر»، «كهيعص»، «طه»، «حم»، «حم عسق»، «ق»، «ن»، وغيرها هي بيان إعجاز القرآن الكريم.

стр. 701

وتحدي العرب أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله، مع أنه بالحروف الهجائية التي يتكلمون وينطقون بها، وهي الثمانية والعشرون حرفًا. ٤ بيان المنسوخ في القرآن الكريم: اعلم أن المنسوخ في القرآن الكريم خمس آيات فقط؛ في خمسة مواضع هي: الأول: آية التخيير بين الصيام والإطعام، وهي قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ? فِدْيَة? طَعَامُ مِسْكِين? فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]. نُسخت بقوله تعالى في الآية بعدها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. الثاني: مفهوم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. فمفهوم هذه الآية جواز السكر في غير وقت الصلاة، وقد نُسخ هذا المفهوم بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١]. الثالث: قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥]. فهذه الآية نُسخت بالآية بعدها: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦٦]. فكان المؤمن- في أول الأمر- مطالبًا بمصابرة العشرة من الكفار، كما في الآية الأولى، ثم خفف الله عن المؤمنين ذلك لوجود الضعف فيهم، فطلب من الواحد منهم أن يصابر الاثنين من الكفار. الرابع: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ

стр. 702

وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المجادلة: ١٢]. نُسخ بقوله تعالى بعدها: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣]. الخامس: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ١ - ٤]. فأوجب الله قيام الليل في هذه الآية، فقام النبي ﷺ وأصحابه عامًا حتى تَفَطَّرتْ أقدامهم، ثم نسخ الله ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]. هذه هي الآيات المنسوخة، وما عدا ذلك مما قيل فيه النسخ من الآيات فالصحيح أنها مُحكَمة غير منسوخة. ٥ - الشباب هم أمل الأمة بعد الله -، فهم الذين انتصرت بهم دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، كما قال تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣]. وقال تعالى عن أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]. وهكذا كان جُلُّ أصحاب رسول الله ﷺ شبابًا. ولهذا تجب العناية بالشباب وتعليمهم وتربيتهم على العقيدة الصحيحة، وعلى الاستقامة على طاعة الله تعالى، وتشجيعهم على الثقة بالله ثم بأنفسهم، فهم أبناء اليوم ورجال المستقبل. ٦ قالت ملكة سبأ «بلقيس» مستشيرة جنودها ورجال مملكتها، لما جاءها خطاب

стр. 703

سليمان ﵊: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢]. فقالوا مغترين بقوتهم وبأسهم: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل: ٣٣]. قالت: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤]. إلى آخر الآيات. فاختارت بثاقب رأيها وحكمتها وعقلها المسالمة والمهادنة، وعدم المواجهة مع سليمان وجنوده الذين لا قِبل لها بهم، ولم تغتر بقول جنودها: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ بل قدرت للأمر قدره، فسلمت وأسلمت. ولما جاءت وقيل لها: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤٢]. فأجابت إجابة موفقة سديدة: ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ? هُوَ﴾ [النمل: ٤٢]، فلم تقل: إنه هو؛ لبعد المسافة بين اليمن وفِلَسْطين، وكيف يأتي بهذه السرعة، ولم تقل: إنه ليس هو؛ لأن أوصافه أوصاف عرشها تمامًا. ٧ استبطأ الله خشوع قلوب المؤمنين، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦]. ثم بشرهم وبعث الأمل والرجاء في قلوبهم بأنه كما يحيي الأرض بعد موتها، سيحيي قلوبهم ويردهم إليه؛ لئلا يقنطوا من رحمته ، فقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد: ١٧]. ٨ نهى الله المؤمنين عن موالاة الكافرين، فهم أعداؤه وأعداء المؤمنين، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١].

стр. 704

وبما أن هؤلاء الذين نهى الله عن موالاتهم أكثرهم من قرابات المؤمنين من الآباء والأولاد والأزواج وغيرهم، وفي معاداتهم من المشقة على المؤمنين ما لا يخفى، لهذا لم يقنطهم الله من إيمان هؤلاء القرابات، بل فتح لهم باب الرجاء بإيمانهم، فقال بعد ذلك: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ٧]. و «عسى» من الله واجبة؛ أي: هذا وعد من الله بعودة المودة بينهم، وذلك بإيمانهم بإذن الله تعالى، فهو سبحانه قدير يقلِّب القلوب كيف يشاء، وغفور لعباده ورحيم بهم. ٩ اختارت الجار قبل الدار، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١]. هي آسية بنت مُزاحِم ﵇، قال المفسرون: اختارت الجار قبل الدار، فقدمت قولها: ﴿عِنْدَكَ﴾ على قولها: ﴿بَيْتًا﴾، فلم تقل: «بيتًا عندك»، وإنما قالت: ﴿عِنْدَكَ بَيْتًا﴾، فاختارت جوار الله قبل البيت والدار. ١٠ أمر الله النبي ﷺ بالإقسام بربه على أن البعث حق في ثلاث آيات: قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]. وقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ: ٣]. ١١ (أل) العهدية ثلاثة أنواع: العهد الذهني كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧].

стр. 705

العهد الذكري: كما في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥، ١٦]. العهد الحضوري، كما في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. ١٢ قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [الآية: ١٢٦]. وقال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [الآية: ٣٥]. فذكر «بلدًا» في سورة البقرة، بالتنكير؛ لأن هذا قبل بناء إبراهيم ﵇ للبيت، وذكره في سورة إبراهيم بالتعريف لأن هذا بعد بنائه له. ١٣ الصبر الجميل الذي لا شكوى فيه لغير الله تعالى، والصفح الجميل الذي لا عتاب فيه، والهجر الجميل الذي لا أذى فيه. ١٤ اللطيف الخبير: اللطيف: يدرك الدقيق، والخبير: يدرك الخفي. ١٥ سُمي عيسى ﵇: المسيح بن مريم؛ لأنه لا يمسح ذا عاهة إلا بَرَأَ، وسُمي المسيح الدجال بذلك لأنه ممسوح العين اليمنى أعور. ١٦ ملك الأرض أربعة: اثنان مؤمنان: سليمان ﵇، وذو القرنين، واثنان كافران: النمرود، وبُخْتنَصَّر. ١٧ السورة التي في كل آية منها لفظ الجلالة «الله»: سورة المجادلة.
следующие страницы →