← Медицина

Медицина · id 802

شرح تشريح القانون لابن سينا

ابن النفيس

Полный текст (179 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كالدود والمحززات ونحوها. ومنها ما يكون له هناك عظام كثيرة كالأضلاع، وهذه إما أن تكون بجملتها على هيئة الاستدارة فيكون الصدر عريضاً، وذلك هو للإنسان خاصة والفيل يقرب من الإنسان في ذلك، أو لا يكون كذلك، وذلك كجميع الماشية، وإنما خلق الإنسان كذلك لأن هذا الشكل أو سع وأقل قبولاً للآفات، وإنما حرم ذلك باقي الحيوانات لأنها تحتاج إلى دقة الصدر، إما ليكون البعد بين أيديها قريباً فتتمكن من قوة الثبات عليها والمشي وذلك كذوات الأربع الماشية عليها. وإما لتستعين بذلك على جودة الطيران كما في الطيور، فإن دقة صدورها وهو الجؤجؤ يسهل عليها خرق الهواء عند الطيران، وإما لتستعين بذلك على جودة السباحة كما في السمك ولذلك جعل مقدم السفينة دقيق الأسفل جداً ليكون خرقه للماء في الحركة أسهل. وأضلاع الصدر بجملتها على شكل قريب من الكرى لما عرفته من المنافع فلذلك يكون الوسطان منها أطول من كل جانب فوق وأسفل ثلاثة متطاولة أي يبتدئ من قصر إلى طول فيكون الذي على الضلعين الطويلين أطول مما بعده، وكذلك حتى تنتهي إلى الأقصر إذ بهذه الهيئة تقرب من الكرة. ومع ذلك فمساحة الصدر ما بين قدام وخلف أقل ما بين الجانبين، وسبب ذلك أن له فيما بين الجانب من خلف عظام الصدر، ومن قدام عظام القص والأضلاع من كل واحد منها على هيئة نصف دائرة فيتسع ما بين الجانبين لا محالة لو جود الفاصلة بين رؤوس الأضلاع وهي الفقرات من خلف والقص من قدام وحكمة ذلك أن يكون ما بين الثديين كثير السعة لتكون جهات الحركات لهما متسقة، وكل واحد من الأضلاع مع كونه محدباً إلى الوحشي، مقعراً إلى الأنسي ففيه أيضاً تحديب إلى أسفل، وتقعير إلى فوق، ويأخذ في التحديب إلى أسفل من حين يفارق المفصل الذي عند الصلب ويرجع طرفه الآخر إلى فوق عند قريب مفصله مع القص، وإنما كان كذلك لأمرين: أحدهما: ليكون أطول فإن المستقيم أقصر الأبعاد، وما هو أبعد عن الاستقامة يكون لا محالة أطول، والحكمة في زيادة طوله التمكن من زيادة اتساع المكان. وثانيهما: لتكون وقاية كل ضلع أكبر لأنه يمر في مواضع مختلفة ويوقي ما هو داخل لكل موضع منها، وثخانة كل ضلع أقل من عرضه لأن ثخانته إنما يقصد بها القوة، وما هي عليه من الثخانة كافٍ في ذلك، وأما زيادة العرض لأجل زيادة الوقاية، وذلك هو المقصود من الأضلاع، فيجب أن يكون بأعظم مقدار يمكن أن تكون عليه الأضلاع. قوله: ويدخل في كل واحد منها زائدتان في نقرتين غائرتين في كل جناح من الفقرات تشبه أن يكون هذا غلطاً من النساخ. والصواب: أن يقال: في نقرتين غائرتين وذلك لأن الزائدتين غير طويلتين، اللهم إلا أن يكون المراد بقوله غائرتين مطلق الغور لاما هو المفهوم في عادة الأطباء. وإنما جعل هذا المفصل بزائدتين لأن الأضلاع تحتاج أن تكون لها حركة يسيرة ليتمكن اتساع الصدر والبطن عند الحاجة إلى ذلك وضيقهما عند فقدان الحاجة إلى الاتساع، فلم يمكن أن يكون هذا على هيئة اللزاق أو الدرز فإذاً: إنما يمكن أن تكون على هيئة الركز تكفي فيه زائدة واحدة، ونقرة واحدة، وإلا كان الضلع متهيئاً لأن يدور في مفصله ضرورة أن هذا المفصل غير موثق، وذلك عند ضربة تتفق على جرمه ونحو ذلك، ويلزم ذلك تضرر اللحم والعضل المحيط به، ولا بد وأن تكون زوائده، ونقره كثيرة، والاثنتان من ذلك يكفي في العرض فيجب أن لا يزاد عليهما، ولا بد وأن تكون الزائدتان غير طويلتين والنقرتين غير غائرتين، وإلا كانت حركة الضلع تتعذر، ويكون المفصل موثقاً، وهيئة هذا المفصل له من كل ضلع، ففي طرفه من فوق زائدة لها غلظ ما، وهي مستديرة غير طويلة تدخل في نقرة من جناح الفقرة غير غائرة على سعة تلك الزائدة، فيركب الضلع على ذلك الجناح فإذا انتهى إلى طرفه برزت منه زائدة أخرى أدق وأصغر من التي فوقها تدخل في نقرة في طرف الجناح على سعتها فيحدث من ذلك لكل ضلع مع الجناح الذي يركب عليه مفصل مضاعف.

стр. 37

قوله: وكذلك السبعة العاليا مع عظام القص معناه أن الأضلاع العالية التي هي سبعة من كل جانب لكل واحد منها عظم من عظام القص مفصل هو كذلك أي هو مضاعف أي من زائدتين تدخلان في نقرتين وفي كلام جالينوس ما يدل على أن هذا المفصل هو برأس واحد يدخل في نقرة غير غائرة أي قليلة الغور، وأما الأضلاع الخمسة القصار، فأطرافها غضاريف تتصل بالحجاب اتصال التحام، وأطراف الأربعة العليا منها متصلة بعضها ببعض والله ولي التوفيق. الفصل الخامس عشر تشريح عظام القص قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه القص مؤلف ... إلى آخره الشرح قد علمت أن الغرض بعظام القص هو تقوية تركيب الأضلاع بعضها مع بعض حتى تكون متصلة من خلف ومن قدام، والأضلاع التي تتصل به سبعة أزواج، فينبغي أن يكون هذا العضو من سبعة عظام ليتصل بكل زوج أعظم، ولم يجعل الكل عظماً واحداً طويلاً، وذلك لأمرين: أحدهما: أن لا تعم الآفة العارضة. وثانيهما: ليكون له أن يتحرك شبيه حركة الأضلاع في انبساط الصدر وانقباضه. فإن قيل: إن حركة هذه العظام محال. أما أو لاً: فإن مفاصلها موثقة، فتكون حركة أحد عظميها دون الآخر محالاً. وأما ثانياً: فلأن هذه العظام إنما يتصل بعضها ببعض بغضاريف يتوسط بينهما يلتزق كل عظمين منها بغضروف بينهما، ومعلوم أن ذلك مما لا يمكن معه حركة أحد العظمين بدون الآخر. وجوابه: إن هذه الحركة ليست كحركة أحد عضوي مفصل بل بأن ينعطف الغضروف الذي بين العظمين تارةً، ويستقيم أخرى، وذلك لأن الغضاريف بينها لا يمتنع عليها الانعواج اليسير فبهذا الوجه يمكن حركة عظام القص ولا ينافي ذلك أن تكون عظامه ملتصقة بالغضاريف، ولا أن تكون مفاصله موثقة، وشكل هذا العضو بجملته شبيه بشكل السيف. فلذلك يسميه بعضهم سيفاً، وبعضهم إنما يسمي بذلك الغضروف الذي في أسفله الذي يسمى في المشهور: خنجراً. وفائدة هذا الغضروف أمران: أحدهما: أن يحجب الجلد عن ملاقاة آخر عظام القص يتألم بصلابتها. وثانيهما: أن يكون وقاية لفم المعدة فإنه موضوع هناك. ووصول الصدمات والضربات ونحوها إليه شديد الإضرار به فخلق هذا الغضروف وقاية له، كالحال في عظمي الزوج لعضلات الصدغين. والله ولي التوفيق. الفصل السادس عشر تشريح الترقوة قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه الترقوة عظم موضوع ... إلى آخر الفصل. الشرح قال جالينوس: إن اتصال هذا العظم بالقص هو بمفصل سلس. وهذا مشكل فإن المفصل إنما يخلق سلساً إذا احتيج أن يكون لأحد عظميه وحده حركة ظاهرة وحده وذلك مما لا يحتاج إليه ها هنا ولا نشاهد له هذه الحركة فوجب أن يكون مفصلاه، وهما اللذان عند طرفيه موثقين ليكون التركيب أقوى وأحكم. وأما هيئة هذا العظم فهو أنه كأنه قوس صغير من دائرة عظيمة، ويكون في أو له عند القص مستديراً، وإذا قرب الكتف أخذ في الاستعراض، وهناك يكثر تحدبه إلى الخارج والظاهر أن اتصاله بالقص بلزاق، إذ لم أجد فيه زائدة من شأنها أن تدخل في نقرة. وأما اتصاله بالكتف فسنذكره في تشريح الكتف قوله: يخلي عند النحر بتحديبه وفي بعض النسخ بتقعيره والكل جائز لأنه هناك يتحدب إلى خارج ويتقعر إلى داخل. والله ولي التوفيق. الفصل السابع عشر تشريح الكتف والكلام فيه يشتمل على ثلاثة مباحث: البحث الأول منفعة عظم الكتف قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه الكتف خلق لمنفعتين ... إلى قوله: والكتف يستدق من الجانب الوحشي. الشرح قد ذكر الشيخ لهذا العظم منفعتين: إحداهما: أن يتعلق به العضد، فإنه لو علق بالصدر بغير هذا العظم وما يقوم مقامه، فقدت اليد سلالة الحركات، وضاق ما بين اليدين فلم تجد حركاتها إلى جميع الجهات.

стр. 38

وثانيتهما: لتكون وقاية حريزة للأعضاء المحصورة في الصدر، وبيان هذا أن الأضلاع تستدير حول الصدر فوقايتها هي بتلك الإحاطة. وأما ما هو أعلى منها فلا مدخل لها في توقيته لكن خرزات العنق وأعلى القص والرأس يوقى وسط أعلى الصدر وقاية ما. وأما جانباه، فلا يحصل لهما بذلك وقاية يعتد بها، فاحتيج إلى عظم الكتف ليكون كالستارة لمؤخر ذلك الموضع، فيقوم في ذلك مقام الفقرات من خلف، وأما مقدم ذلك الموضع فيتستر بعظم الترقوة، وإنما جعل كذلك لأن جهة المؤخر غائبة عن حراسة الحواس، فاحتيج أن تكون وقايتها أتم، فلذلك جعل هذا الساتر من خلف أعظم، واكتفى من جهة المقدم بالترقوة، ومع صغرها وخصوصاً ورأس عظم الكتف يميل إلى قدام فيعين عظم الترقوة على التوقية. وأقول: أن لهذا العظم منفعة أخرى، وهي تحسين الخلقة، إذ لو لاه لبقي موضعه غائراً جداً فكان يكون سطح الظهر مستهجناً. والله ولي التوفيق. البحث الثاني صورة هذا العظم قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه الشرح إن هذا العظم في صورته كأنه مثلث مركب من مثلثين أحدهما: وحشي، والآخر: أنسي ويسمى جملة هذا العظم المثلث العظيم، ويسمى جزؤه الوحشي المثلث الوحشي، وجزؤه الأنسي المثلث الأنسي والمثلث العظيم ليس سطحه بمستوٍ، بل وكأنه مركب من المثلثين على زاوية ومنفرجة جداً. والخط المتوهم بينهما ما بين رأس المثلث العظيم، وبين طرفي قاعدتي المثلثين اللذين هما جزءاه. وحدبة هذا المثلث العظيم إلى خارج. وتقعيره إلى داخل، أعني داخل البدن. والمثلث الأنسي كبير جداً بالنسبة إلى الوحشي وضلع المثلث العظيم الأنسي وقاعدته طويل جداً بالنسبة إلى ضلعه الوحشي وقاعدته ليست خطاً مستقيماً، بل كأنها ضلعاً مثلث منفرج الزاوية جداً. وأحدهما وهو الأنسي قاعدة المثلث الأنسي، وهو طويل بالنسبة إلى الآخر الذي هو قاعدة المثلث الوحشي، والمثلث الأنسي قائم الزاوية التي يوترها الضلع الأنسي من المثلث العظيم، والمثلث الوحشي حاد الزاوية التي يوترها الضلع الوحشي من المثلث العظيم، وضلعا المثلث العظيم ليسا يلتقيان على نقطة بل إذا قربا من الالتقاء امتدا على هيئة خطين متوازيين، ويقطعان بذلك قريباً من عرض إصبعين ثم ينفرجان فيكون العظم موضع توازيهما أدق، وأعلاه أغلظ وفي أعلاه الحفرة التي يدخل فيها رأس العضد، وعلى الخط المتوهم وهو المشترك، وبين المثلثين أعني الوحشي والأنسي عظم يشبه المثلث قاعدته عند رأس المثلث العظيم وزاويته عند ملتقى قاعدة المثلث الوحشي بقاعدة المثلث الأنسي. وأجزاء عظم الكتف مختلفة جداً في الرقة والغلظ، وما سوى مواضع الأضلاع فهو رقيق جداً، وفي المثلث الأنسي نتوءان يمران كالضلعين أحدهما يتصل بالضلع الذي يوتر الزاوية القائمة، والآخر لا يتصل به بل ينقطع دونه بقدر عرض إصبعين، وبعد الأول منهما على الزاوية القائمة قدر عرض إصبعين وبين الضلعين قدر عرض إصبعين أيضاً. وأما المثلث الذي على ظهر المثلث العظيم فأرقه أو سطه وعند أعلى الضلع الوحشي جزء يضيق عن طرف الخنصر قليلاً، ويغور قدر عرض إصبع ونصف، وأسفله مستدير وأعلاه ضيق والضلع الأعلى من المثلث الذي على ظهر المثلث العظيم يميل إلى الجانب الأنسي، ويغلظ عند قاعدته، ويخرج من الجانب الوحشي من رأس الكتف على حافة الحفرة زائدة إلى جانبه الوحشي وإلى فوق قليلاً، وينتؤ لها عنق دقيق عند أو ل خروجها فإذا بعدت قدر ثخن إصبع غلظت وصعد لها رأس على طرف أنملة يتحدب إلى الوحشي ويتقعر إلى الأنسي ويخرج أيضاً من الجانب الوحشي عند قاعدة المثلث الذي على ظهر المثلث العظيم من الضلع الأعلى من ذلك المثلث زائدة تطول حتى تحاذي رأس الكتف أو تتعداه بقدر ثخانة إصبعين ثم يميل إلى الجانب الوحشي، فيخرج إليه قدر ثخانة إصبعين أيضاً وعرض هذه الزائدة قدر عرض إصبع ونصف أعني بذلك من أصابع الإنسان. قوله: والكتف يستدق من الجانب الوحشي، ويغلظ. أما دقته فلأن الموضع المحتاج فيه هناك إلى الوقاية صغير، ولا كذلك موضع باقي أجزائه وأما غلظه فليكون قوياً ليمكن أن يخلق فيه مفصل اليد، وأما زيادة ثخانة طرفيه فلأجل النقرة التي فيه ليكون مكانها متسعاً.

стр. 39

قوله: ولها زائدتان إحداهما من فوق وخلف وتسمى الأخرم ومنقار الغراب أما الزائدة التي ذكرنا أنها تبرز من رأس الكتف فهي التي يسميها قوم: الأخرم. وقوم: منقار الغراب. وأما التي تبرز من الضلع الأعلى من المثلث الذي على ظهر الكتف فقوم يسمونها: قلة الكتف، وقوم يجعلون قلة الكتف اسماً لتركيب هذا العظم مع عظم الترقوة وقوم آخرون يقولون: قلة الكتف اسم لعظم لا يوجد إلا في الإنسان. قوله: ثم لا يزال يستعرض كلما أمعنت في الجهة الأنسية ليكون اشتمالها الوافي أكبر لا شك أن ما قرب من العنق فإن الفضاء الذي يكون بين الأضلاع أكبر وأوسع، فيكون محتاجاً إلى وقاية أكثر عند راس الكتف فإن هناك يكون ذلك الفضاء ضيقاً جداً، وأخذ هذا الموضع من السعة إلى الضيق بتدريج. فلذلك يجب أن تكون هذه الوقاية على هيئة مثلث، وإنما جذب من أعلاه ليكون أقوى لأنه يكون كالسقف الكرى وهو ولا شك أقوى من المسطح. وأما المثلث الذي على ظهر هذا العظم فليكون له كالسنسنة حتى لا يصل إليه أذى المصادم والصاك. وعلى الكتف غضروف يغشيه في مواضع كثيرة، وأكثره في طرف قاعدته، ولهذا العظم اتصال بعظام كثيرة بأربطة تصل بينها وبين هذه العظام، وهي الجدار الرابع من عظام الرأس، وشوك الصلب والأضلاع والعظم الذي عند أعلى الحنجرة. والله ولي التوفيق. البحث الثالث هيئة ارتباط الكتف بالترقوة إن الترقوة كما قلنا تستعرض كلما أمعنت في الجهة الوحشية، ثم يدخل طرفها بين الزائدتين اللتين ذكرناهما: وهما قلة الكتف، والأخرم. ويرتبط بروابط قوية، ونحن نذكر هيئة هذه الروابط في ذكرنا تشريح العضد والجزء الذي ذكرناه في الكتف، وهو الذي في أعلى ضلعه الوحشي، فائدته أن تدخل فيه بعض الأربطة الشادة. وهذا المفصل موثق من جملة اللزاق. الفصل الثامن عشر تشريح العضد والكلام فيه يشتمل على ثلاثة مباحث: البحث الأول تشريح العضد مع الكتف قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه عظم العضد خلق مستديراً ... إلى قوله والعضد مقعر إلى الأنسى محدب الشرح إن عظم العضد له مفصلان أحدهما من أعلاه، وهو مفصل مع الكتف، والآخر من أسفله، وهو مفصل مع الساعد. ومفصله الكتف برأس غليظ يدخل منه في حفرة الكتف، وعنق هذا الرأس قصير. لأن حفرة الكتف ليست بغائرة كثيراً، وأعلى هذا الرأس مستدير ليتهندم في تلك الحفرة، وخلق عظيماً غليظاً ليمكن أن يحيط به أربطة كثيرة فإن الرقيق لا يتسع كما يتسع له الغليظ وإنما احتيج إلى تكثير أربطة هذا المفصل لأن اليد معلقة وثقلها وثقل ما تحمله يجعل ميلها إلى ضد جهة اتصالها بالكتف. وخصوصاً وحفرة الكتف غير غائرة فيكون خروجه منها سهلاً فاحتيج إلى أن يقوى ذلك بكثرة الأربطة، وإنما كانت هذه الحفرة غير غائرة لئلا تمنع حركة اليد إلى فوق، وإلى أسفل، وإلى الجانبين بسهولة. قال جالينوس: وفي هذا الرأس حفر عظيم عريض كالجزء في مقدمه يقسم ذلك الرأس إلى قسمين كالرمانتين. أقول: إن فائدة الرمانة التي تبقى خارجة من الحفرة أن يتمكن بها من شدة الربط. وهذا المفصل مع كثرة روابطه وشدتها رخو أي ليس يضم رأس العضد إلى داخل الحفرة شديداً. أما كثرة أربطته فليكون تعلق اليد قوياً كما قلنا. وأما الرخاوة فقد جعل الشيخ سبب ذلك حاجة وأماناً. أما الحاجة فلشدة حاجة هذا المفصل إلى سلاسة الحركة، وإنما كان كذلك لشدة حاجة يد الإنسان إلى التحرك إلى جهات مختلفة متباعدة جداً. وذلك ليتمكن من جميع الأعمال والصنائع بسهولة. وأما الأمان فلأن حركة هذا المفصل ليست دائمة أو في أكثر الأحوال تكون حركة اليد بمفاصل أخر إذ تكون أجزاؤها متحركة كالساعد والكتف. ويكون العضد ساكناً، ولهذا المفصل أربعة أربطة: أحدها: غشائي يحيط بالمفصل وفائدة خلقه كذلك أن يكون تشبثه بجميع أجزاء رأس العضد وحفرة الكتف، فيكون أشد هذه الأربطة منعاً من الانخلاع. وثانيها: مستعرض الطرف، ويشتمل أيضاً على طرف العضد.

стр. 40

وثالثها: أعظم من الأول وأصلب، أما أنه أعظم فلأن الأول لو خلق عظيماً لكان يحول بين رأس العضد وبين جرم الكتف بقدر كبير فكان يوجب خروج ذلك الرأس من الحفرة لأن غورها قليل جداً، وأما أنه أصلب فلأن الأول احتيج فيه إلى اللين ليطاوع على سلاسة الحركة. لأنه لو كان مع تشبثه بجميع أجزاء هذا الرأس الحفرة صلباً لم يمكن تمدد أجزاؤه بحسب ما تقتضيه الحركات تمدداً سهلاً. وإنما وجب تطويل هذا الرباط لأنه لصلابته لا يسهل تمدده بحسب حاجة الحركات، فاحتيج أن يكون طويلاً ليكون التمدد اليسير جداً من كل جزء كافياً في الغرض بسبب كثرة تلك الأجزاء، فلذلك أصعد هذا الرباط من الزيادة المتقاربة إلى ذلك الجزء ليطول، وليكون التشبيث بعظم الكتف أكثر فيكون تعلق اليد به أقوى. رابعها: ينزل مع هذا الثالث من ذلك الجزء، وهذه الأربطة الثلاثة تنزل إلى عظم العضد من الزيادة التي ذكرناها في عظم الكتف، وسبب ذلك أن جرم هذه الزيادة أغلظ من الكتف فيكون أقوى فلا يهن بحمل اليد وثقلها. والله ولي التوفيق البحث الثاني هيئة عظم العضد قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه والعضد مقعر إلى الأنسى محدب ... إلى قوله: وأما طرف العضد السافل فإنه قد ركب. الشرح هذا العظم هو أكبر عظام البدن بعد عظم الفخذ، وخلق مستديراً أي اسطوا نياً ليكون أبعد عن قبول الآفات، ولأنه ليس حصول زاوية فيه في جهة أولى من غيرها. وله تجويف واحد يحوي المخ فائدته ما ذكرناه في كلامنا الكلي في العظام، وهذا التجويف كما أنه في الوسط من طوله لأن هذا العظم يفقد التجويف من الجانبين لتجمع أجزائه من الجهتين فيشتد ويقوى، وأدق أجزائه أو سطه وهو موضع التجويف. لأن الطرفين احتيج إلى زيادة على غلظهما ليمكن فيهما حدوث المفصلين اللذين لهما العظم، ولذلك جعل وسطه شديد الصلابة ليتدارك بذلك ما توجبه الدقة والتجويف من الضعف. وأما طرفاه فمتخلخلان للاكتفاء بقوتهما في الغلظ وليسهل نفوذ الغذاء إلى عمق كل واحد منهما وإلى موضع المخ الذي في تجويف الوسط. ولهذا العظم تقعير إلى الجهة الأنسية، وتحديب إلى الجهة الوحشية، وقد ذكر الشيخ لذلك ثلاث منافع: إحداها: أن يكون تحديبه مسكناً لما يوضع عليه من العضل والعصب والعروق. ومعنى ذلك أن هذه الأعضاء تكون كالمدفونة في التقعير فلو كان مستقيماً لكانت هذه الأعضاء تصير باردة ثابتة، فتكون معرضة لو صول الآفات إليها. وثانيتها: أن يجود تأبط الإنسان لما يتأبطه. ومعنى ذلك أن العضو يكون حينئذ عند حمل الشيء تحت الإبط كالمشتمل على ذلك المحمول. وثالثتها: أن يجود إقبال إحدى اليدين على الأخرى، ومعنى ذلك أن تكون اليدان عند اشتمالهما على الشيء الكثير جداً كالمشتملتين عليه من كل جهة لأن العضدين يكونان حينئذ كأنهما قوساً دائرة عظيمة. ولا كذلك لو كانا مستقيمين، وهذا مشكل فإن التقعير الذي يكون به العضدان حينئذ كذلك غير التقعيرين اللذين بهما يجود التأبط فلا تكون هذه المنافع لشيء واحد، وذلك لأن العضد مع تقعيره من جهة أنسى البدن هو أيضاً مقعر من الجهة الأنسية له، وهي الجهة لتي بها تواجه الإبط. والله أعلم بغيبه. البحث الثالث هيئة الطرف السافل من العضد قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما طرف العضد السافل فإنه ركب ... إلى آخر الفصل. الشرح

стр. 41

إن في هذا الطرف من العضد زائدتين كالرمانتين، وليستا بمتلاصقتين كما قال الشيخ بل بينهما جزء مستعرض كجزء البكرة إلا أنه غير عميق والأنسية منهما أعظم يسيراً من الوحشية، وهي في الرؤية أعظم منها كثيراً. لأن هذه لا مفصل لها مع شئ إذ الزند الأسفل ركب على الجزء الذي بين الزائدتين والزند الأعلى يدخل رأسه في حفرة في رأس الزائدة الوحشية فتبقى هذه الزائدة الأنسية خارجة عن العظمين فتظهر كبيرة. وفائدتها توقية العصب والعروق التي تمر هناك، وليتم بها تكون الجزء لأنه إنما يتكون بين جسمين مرتفعين عليه. وهاتان الزائدتان ليستا على استقامة العضد بل مائلتان جداً إلى جهة مقدم العضد حتى لو قطع مقدمه في طوله بسطح لم يمر ذلك السطح بشيء من تلك الزائدتين بل كان يقع تحتهما. وفي طرف الجزء الذي بينهما حفرتان يدخل فيهما طرفا تقعير الزند الأسفل المحددان وهاتان الحفرتان تبتدئان من سعة إلى ضيق بالتدريج، فلا تكونان على هيئة تقعير كرى بل على هيئة مخروط، وأعظم هاتين الحفرتين هي الحفرة التي على ظهر العضد وليس حفرها بتمام الاستدارة بل مؤخرها، وهو الأبعد عن الجزء مستقيم كالجدار فيكون شكلها كمخروط قطع منه قطعة من مؤخره بسطح مستوٍ، وفائدة ذلك أن يمنع حركة الساعد إلى خلف العضد حتى لا تختل استقامة اليد فلا تضعف وذلك عند الحاجة إلى استقامتها. وأما الحفرة التي في باطن العضد فمسواة مملسة قاعدتها وهي حيث ابتداء الحفرة أكثر استدارة من التي للأخرى. قوله: من فوق إلى قدام، ومن تحت إلى خلف يريد أن اليد إذا كانت منبطحة حتى يكون الكف متوجهاً إلى فوق كانت الحفرة التي هي حينئذ من فوق هي قدام الجزء والتي هي حينئذ من تحت هي خلف الجزء على هذه الهيئة تكون الزائدتان والجزء الذي بينهما مائلان إلى فوق كثيراً، وفائدة زيادة هذا الميل أن يتمكن من مقاربة الساعد للعضد عند حركة اليد إلى الالتقاء أعني ملاقاة الساعد للعضد. والله ولي التوفيق. الفصل التاسع عشر تشريح الساعد قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه الساعد مؤلف من عظمين ... إلى آخر الفصل الشرح إن الساعد، وهو ما بين العضد والرسغ، يحتاج فيه إلى حركتين إحداهما: انقباض اليد وانبساطها. والأخرى التواؤها وانبطاحها. وليس يمكن أن تكون الحركتان بمفصل واحد لاختلاف جهتهما فلا بد من مفصلين. وهذان المفصلان لا يمكن أن يكونا في عظم واحد وإلا افتقر أن يكون غليظاً جداً، فيكون مثقلاً لليد، وذلك معسر للحركة، فاحتيج أن يكون ذلك من عظمين، فلذلك كان الساعد مركباً من عظمين: أحدهما عظيم وهو الأسفل، ويسمى الزند، والآخر صغير وهو الأعلى ويسمى الزند الأعلى، والأسفل هو بالحقيقة المقدم للساعد، وأما الأعلى فإنما احتيج إليه ليتم مفصل الالتواء والانبطاح كما عرفته، وقد جعل الشيخ السبب في أن الزند الأسفل أعظم هو أنه حامل، والحامل يجب أن يكون أعظم من المحمول. وأقول: إن لذلك سبباً آخر، وهو أن الحركة التي تحتاج فيها اليد إلى قوة قوية إنما هي حركة الانبساط والانقباض، إذ بهذه الحركة يتم جر الأثقال ونحو ذلك، وإذا كان كذلك احتيج أن يكون عظمها أقوى، وإنما يكون كذلك إذا كان أعظم وكل واحد من الزندين فإنه غليظ في طرفيه ودقيق في وسطه لما قلناه في العضد، وهو أن الطرف يحتاج فيه إلى زيادة الغلظ ليمكن حدوث المفاصل، ولتكثر مواضع الربط، ولا كذلك الوسط، فيكون على القدر الذي يحتاج إليه العظم من القوة. وإذا كان كذلك فلا بد وأن يبقى بين الزندين عند وسطهما خلو تنفذ فيه العروق والأعصاب من جانب إلى مقابله. وأما طرفاها فمشدودان برباطات تشد أحد العظمين بالآخر، وخلق الزند الأسفل مستقيماً لأنه ذلك أولى في حركة الانبساط والانقباض. وأما الزند الأعلى فخلق مكبوباً على الأسفل يأخذ من الجهة الأنسية إلى الوحشية لأن هذه الجهة أعون على حركة الالتواء والانبطاح. قوله: ودقيق الوسط من كل واحد منهما لاستغنائه بما يخف من العضل الغليظة عن الغلظ المثقل هذا إنما يصح إذا كان الغرض من مقدار عن العظم أن يكون العضو الذي فيه على مقدار من الغلظ حتى يكون ذلك المقدار إذا حصل بغير العظم استغنى العظم بذلك الغير عن أن يكون في نفسه غليظاً.

стр. 42

ومعلوم أن الغرض ليس هو كذلك بل أن يكون العظم على مقدار من القوة التي يحتاج إليها في ذلك، بل السبب في ذلك ما قلناه، وهو أن غلظ الطرفين احتيج إليه ليمكن حدوث المفصل فيهما وغير ذلك من الأغراض، وأما غظ الوسط فلا يحتاج إليه لأن هو متنف في الوسط، وقد جعل الشيخ السبب في غلظ طرفي هذين الزندين أموراً: أحدها: حاجتها أي حاجة الأطراف إلى كثرة نبات الروابط منها، وذلك لأن الموضع الغليظ أو سع لنبات ما ينبت منه من الدقيق. ثانيها: كثرة ما يلحق الأطراف من المصاكات والمصادمات العنيفة عند حركات المفاصل، وخصوصاً عند الحركات القوية كما عند اللكم ونحوه. وثالثها: تعري الأطراف من اللحم والعضل فلو جعلت مع ذلك دقيقة لاختلف ثخن العضو فكان وسطه غليظاً لأجل ما عليه من اللحم والعضل. وطرفاه رقيقين لتعريه منهما. ولكن هاهنا سؤال: وهو أنه لقائل أن يقول: إن تعري الأطراف عن اللحم إنما كان لأجل غلظ عظامها حتى لا يكون طرفا العضو غليظين، ووسطه دقيقاً، وحتى لا يكون الأطراف مع غلظ عظامها ملبسة باللحم كثيراً والعضل، فيعرض من ذلك ثقل الطرفين جداً. وإذا كان كذلك فلم قلتم إن العظام إذا كانت عند الأطراف مساوية في الثخن كما عند الوسط أن يكون اللحم والعضل يكون فيها على ما هو الآن؟ وذلك لأن المانع من تلبيس الأطراف حينئذ باللحم والعضل يكون قد ارتفع، وذلك يمنع من اختصاص اللحم والعضل بموضع الوسط. والله أعلم. الفصل العشرون تشريح المرفق قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما مفصل المرفق فإنه يلتئم من مفصل ... إلى أخره الشرح مفصل المرفق تتم به حركتان: إحداهما حركة انبساط اليد وانقباضها. والأخرى حركة التوائها وانبطاحها. وهاتان الحركتان محال أن تكونا بمفصل واحد غير مركب من مفصلين أحدهما يتم به انبساط اليد وانقباضها وثانيهما: تتم به حركة اليد في التوائها وانبطاحها وذلك لأن حركة الانبساط والانقباض تتم بمفصل الزند الأسفل مع العضد وذلك بأن يجعل طرفه مقعراً ما بين قدام الزند وخلفه، ومع ذلك فيدقق هذا الطرف من جانبه الوحشي ومن جانبه الأنسي حتى يصير لهذا الطرف زائدتان من خلف وقدام تبتدئان من غلظ إلى رقة وتنتهيان عند رأسين دقيقين جداً، وذلك ليكونا على هيئة النقرتين التين على طرفي الجزء الذي بين زائدتي عظم العضد اللتين في طرفه الأسفل، وقد علمت أن ذلك الجزء محدب على هيئة البكرة إلا أنه متسع قليل العمق، وهذا التقعير الذي في طرف الزند الأسفل يركب على ذلك الجزء الذي في طرف العضد فتبقى الزائدتان اللتان على طرف هذا الزند مواجهتين للنقرتين التين في طرف العضد إلا أنهما لا يدخلان فيهما بل إنما يدخل منهما هناك واحدة دون الأخرى عند حركة الساعد إلى جهة تلك النقرة. فإذا انبسطت اليد دخلت الزائدة التي خلف الزند في النقرة التي قدام العضد. وأما في غير هاتين الحركتين فتكون الزائدتان خارجتين عن الحفرتين لا تصلان إليهما. وأما حركة التواء اليد وانبطاحها فيتم بالمفصل الذي بين الزند الأعلى وبين العضد، وذلك لأن الزند الأعلى طرفه الأسفل كبيراً ويحدث في آخره حفرة غير غائرة مستديرة تدخل في تلك الحفرة الزائدة الوحشية المستديرة التي ذكرناها في طرف العضد أعني الطرف السافل. وهذه الحفرة واسعة بالنسبة إلى تلك الزائدة حتى يكون بينهما انفراج وكذلك الجزء يدخل فيه تقعير الزند الأسفل وهو أو سع من ذلك الطرف المقعر حتى يبقى ذلك الطرف غير مماس للزائدتين اللتين عن جنبي ذلك الجزء والغرض بهذا تأتي الحركتين كل واحدة منهما مع إمكان الأخرى وذلك مما لا يمكن إذ كانت كل واحدة من الحفرة والجزء على قدر الوالج فيهما فقط، فهكذا يجب أن يفهم الحال في مفصل المرفق. وأما المفصل الذي في الطرف السافل من الزندين فإنه يتصل بكل واحد منهما لاحقة محدبة إلى الوحشي، مقعرة إلى الأنسى، ولاحقة الزند الأعلى نحو الإبهام، ولاحقة الزند الأسفل نحو الخنصر، ورأسهما يتحدان كشيء واحد، ويحدث في طرف ذلك حفرة واسعة أكبرها في الزند الأسفل، وما يفصل عن الانحناء يبقى محدباً مملساً. وهذه الحفرة يدخل فيها طرف عظام الرسغ فيكون من ذلك مفصل الرسغ كما نبينه، وللزند الأسفل زائدة تسمى المسلة تخرج من وراء الحفرة.

стр. 43

قوله: وهذا الجزء محدب السطح الذي في تقعيره ليس يريد أن هذا السطح فيه حدبة بل: إن تقعيره كتقعير كرة ذات سطحين متوازيين أي يمكن إلقامه كرة فلا تكون فيه زائدة. قوله: ليتهندم في الجزء الذي على طرف العضد الذي هو مقعر لا يريد التقعير هذا أن يكون كما قلناه في تقعر رأس الزند الأسفل بل إنه منخفض عن كل واحدة من الزائدتين اللتين عن جنبيه. وبالجملة فعبارته رديئة إذ جعل السطح المقعر محدباً، والمحدب مقعراً، ولأجل ذلك يشكل فهم هذا الموضع من كلامه على كثير من المشتغلين. والله أعلم. الفصل الحادي والعشرون تشريح الرسغ قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه الرسغ مؤلف من عظام كثيرة ... إلى آخر الفصل الشرح قد خلق مشط الكف من عظام كثيرة المنافع هناك: إحداهما: أن لا يعم ما يعرض من الآفات. وثانيتها: ليمكن أن يتقعر تارة، ويتسطح أخرى. وذلك بحسب الحاجة إلى التشكل بشكل المقبوض وهذه الحركة خفية جداً لأن مفاصلها موثقة. وثالثتها: ليكون لما ينفذ من ظاهر الكف إلى باطنه، وبالعكس من العصب والعروق منفذ. وخلق من عظام صلاب عديمة المخ. أما صلابتها فلقلة الحاجة فيها إلى الحركة وأما فقدانها المخ فلأنها لإفراط صغرا لا تحتمل التجويف وأشكالها مختلفة، وذلك لأن فيها مواضع محدبة، ومواضع مقعرة، ومواضع مستديرة، ومواضع مستقيمة، وكلها محدبة الخارج مقعرة الداخل للسبب الذي نذكره في الأنامل. وهي مشدودة برباطات قوية بين الغضروفية والعصبية، وتحدث بينها مفاصل موثقة وبعضهم ظن أنها ملتحمة بعضها ببعض. وعددها ثمانية، ثلاثة منها في الصف الذي يلي الساعد تجتمع أطرافها لتكون كالعظم الواحد، ويدخل المجتمع منها في الحفرة التي في رأس الزندين بحيث يكون الأعظم منها، وهو الوسط في الحد المشترك الذي بين الزندين، والثالث منها: يحتوي عليه الزند الأعلى، ويحدث هناك مفصل سلسل بحركة الكف انقباضاً وانبساطاً. وأربعة في الصف الذي يلي مشط الكف، وإنما زيد هذا لأنه يلقى عظاماً أربعة منفرجة انفراجاً ما. فاحتيج أن يكون بعددها وقريباً من انفراجها. وأما الصف الأول: فإنه يلقى طرف الزندين وهو دقيق بالنسبة إلى عظام المشط فخلق لذلك ثلاثة عظام منضمة. والأعلى من كل صف أكثر انفراجاً مما هو منه أسفل. وأما العظم الثامن فليس يدخل في أحد الصفين بل هو في الحقيقة للرسغ كالزائد وهو موضوع نحو الخنصر، وفي طرف الأسفل نقرة يدخل فيها رأس العظم المسمى مسلة وميلاً. وهو الخارج من وراء الحفرة التي في طرف الزندين. وبالمفصل الحادث بينهما حر تتم حركة الكتف في الانقلاب والانبطاح وهذا العظم يوقي عصبه باقي الكف لئلا تنالها آفة، ومعظم المقصود به إنما حدوث مفصل الانقلاب والانبطاح الذي ذكرناه. والله ولي التوفيق. الفصل الثاني والعشرون تشريح مشط الكف قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه ومشط الكف أيضاً مؤلف ... إلى آخر الفصل الشرح وقد كثرت عظام المشط للمنافع التي ذكرناها في عظام الرسغ ولكن هذا صف واحد وذاك صفان وإنما لم يخلق هذا صفين لئلا يطول الكف جداً فيكون قبضه واهياً ويبعد عن الهيئة الكرية عند القبض ومفاصل هذه العظام عسرة غير موثقة. وقوله: هاهنا وهذه العظام موثقة المفاصل، يعني بهذا الإيثاق بالمفهوم اللغوي لا المعنى المصطلح عليه الذي تقدم ذكره. لأنه قال في أو ل كلامه في العظام: والمفصل العسر غير الموثق هو أن تكون حركة أحد العظمين وحده صعبة وقليلة المقدار مثل المفصل الذي بين الرسغ والمشط أو مفصل ما بين عظمين من عظام المشط فلذلك حركة هذه العظام أظهر كثيراً من حركة عظام الرسغ. وأما قول جالينوس: إن مفاصل ما بين الرسغ والمشط موثقة، فإن اصطلاحه أن المفصل الموثق هوا لذي تكون حركة أحد عظميه خفية. والله ولي التوفيق. الفصل الثالث والعشرون تشريح الأصابع قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه الأصابع آلات تعين ... إلى آخر الفصل. الشرح

стр. 44

إنما سنذكر بعد فراغنا من شرح تشريح العظام بحثاً مفرداً في اختلاف الحيوانات في الأعضاء الطرفية. والذي نقوله الآن: إن الإنسان إنما احتيج أن تكون يداه على ما نصفه من إحكام التركيب، وكثرة جهات الحركات لأن ملبسه، ومأكله، وسلاحه كل ذلك صناعي فيحتاج أن يكون له تمكن من مباشرةً أعمال الصناعات أكثر من غيره وعمله بذلك أكثره باليدين فيجب أن تكون يداه أكثر إحكاماً وتفنناً في الحركات من سائر أنواع الحيوان وأصابع الإنسان إن لم تكن ذوات عظام لم تكن قوية على الأعمال. وإن كانت ذوات عظام فإما أن تكون كل واحدة من عظم واحد فلا يكون لها تفنن كثير في جهات الحركات، أو من عظام كثيرة فأما أكثر من ثلاثة فيكون تركيبها واهياً بقدر الزيادة على الثلاثة أو أقل من ثلاثة فتكون جهات الحركات وتفننها أقل بقدر ما نقص عن الثلاثة. ولذلك كان الأولى أن تكون كل واحدة منها من ثلاثة عظام، لأن هذا التركيب كفى في القوة، وجهات الحركات وتفننها وتسمى هذه العظام سلاميات، ولما كان الحامل يجب أن يكون أقوى من المحمول، وجب أن تكون هذه العظام كل سلامية أنملة أصغر مما دونها، ورأس كل سلامية أصغر من قاعدتها، ويجب أن تكون صغاراً جداً لئلا تثقل الأصابع وتغلظ فيعسر دوام حركتها ويجب أن يكون صلباً لتكون قوية فلا تنكسر عند مباشرة الأشياء الصلبة والحركات القوية، ويجب أن تكون قاعدة التجويف والمخ لأجل إفراط صغرها، ويجب أن تكون مستديرة لتبعد عن منال الآفات. ولم يمكن أن تكون محدبة من داخل لئلا تفوت جودة القبض على الأشياء لأن المقعر أعون على جودة القبض بسبب جودة اشتماله وكذلك هو أجود فيما يحتاج إليه من الحركات الدلك والغمز ونحو ذلك فخلقت مقعرة من داخل محدبة من خارج لفقدان الحاجة إلى هذه الأغراض من خارج مع أن المحدب مما تقل معه عروض الآفات وأصبر على ملاقاة المصادمات، وخلقت مستقيمة لأن ذلك أمكن في الأعمال إذ لو كانت معقفة لم يمكن اشتمالها لجميع أجزائها على ذوات الأحجام الكبار ولم يجعل لبعضها عند بعض تحديب لئلا يعرض بينهما خلل يمنع من ضبط السيالات والأشياء المفرطة الصغر، وخلق للخنصر والإبهام تحديب من غير جهة الأصابع لتكون اليد عند القبض مستديرة فيكون أو سع وأبعد عن قبول الآفات، وفائدة اللحم الذي عليها أن يدعمها فلا يكون تركيبها واهياً وأكثر ذلك من داخل السطح ليكون لذلك السطح أن يتشكل بشكل المقبوض فيكون اشتماله عليه أتم وأقله من خارج لفقدان هذا الغرض هناك، وليكون الضرر بخارجها أكثر إيلاماً عند اللكم ونحوه. ولئلا يزداد ثقلها فتضعف حركاتها وأما في جانبي الأصابع فإن اللحم بقدر وسط أما نقصانه عن الباطن فلفقدان الغرض منه وأما زيادته على ما في الظاهر فليسد الخلل الذي قد يقع بين الأصابع فيجود قبض الأشياء الصغيرة جداً، والسيالة ولهذا وفي لحم الأنامل ليجود سده لما يحدث من الخلل عند رؤوسها حالة القبض وليجود إمساك الأشياء الصغيرة جداً لأن اللحم يتشكل بشكل ذلك الممسوك ويحفظه عن السقوط ولذلك لا يجود إمساك ما صغر برؤوس الأظفار، ولما وجب أن تكون جملة اليد عند القبض على هيئة مستديرة وجب أن تكون الوسطى منها أعظم وكذلك ما يليها من الجانبين، وصغرت الأطراف، لأن هذه الهيئة تلزمها الاستدارة حال القبض ولو خلقت على طول واحد لزم ذلك أن يكون عند القبض غير متساوية وضع الأطراف فتبقى عند طرف الوسطى خلل كبير، ودونه عند أطراف ما يليها من الجانبين، ولما وجب أن تكون الوسطى أطول وجب أن تكون عظامها أطول. وأما ما يجب أن يكون قصيراً فإن كان وضعه على صف الطويل كما في الخنصر وجب أن تكون عظامه أصغر وأما ما لا يكون كذلك كالإبهام جاز أن يكون في نفسها طويلة وعظامها طوالاً لكن بخروج موضع أصلها عن الصف إلى أسفل تكون في حكم القصيرة، والقصيرة الأجزاء، وخلقت البنصر أطول من السبابة لأن السبابة يكون طرفها عند القبض على اللحم الناتئ بقرب أصل الإبهام والسبابة يكون طرفها حينئذ بين اللحمين النابتين وإنما كان كذلك لأن هذه المواضع بحذاء هذه الأصابع، ولم يجعل لبعض الأصابع عند بعض فرجة كبيرة إلا الإبهام. فإنه أبعد ما بينه وبين الأصابع الأربع. وذلك لأنه كان ينبغي أن تكون الأصابع من كل جهة حتى تكون مشتملة على المقبوض من كل جهة. ولكن كان يلزم ذلك ثقل الكف، وأن

стр. 45

تكون استدارة اليد بجملتها على المستديرات ونحوها غير جيدة فخلفت الإبهام قائمة مقام أصابع مقابلة لهذه الأربع ومع أنه لا يلزمها ذلك، وذلك لأن هذه الأصابع الأربع إذا اشتملت على المقبوض من جهة قاومها الإبهام من الجهة المقابلة لها فقام مقام أصابع موضوعة في الجهة المقابلة لهذه الأصابع وإنما يمكن ذلك بأن يكون ما بينها متباعداً ليكون في جهة كالمقابلة لهذه الأربع ولذلك خلقت في هذا الموضع المخصوص ولم تربط بالمشط، وإلا لم تكن في ذلك الموضع بل كانت تكون قريبة من موضع الأربع فلا يتم ذلك الغرض ولها في هذا الموضع فائدة أخرى، وهي أنها تكون كالصمام، وهو الذي يغطى به الآنية وذلك لأن الأصابع الأخرى إذا قبضت على شيء بقي أعلاها وهو عند جانب السبابة مفتوحاً فيكون الإبهام إذا جعلت على ذلك الموضع كالغطاء والساتر للمقبوض وفائدة الرطوبة التي في مفاصل الأصابع وغيرها أن تمنع جفاف عظامها، وفائدة كون تلك الرطوبة لزجة أن لا تكون بآلة مرخية ولئلا تتحلل لو كانت مائية. وفائدة الأغشية الغضروفية أن تمنع احتكاك العظام بسبب دوام حركتها وفائدة العظام السمسمانية أن تحفظ وضع كل سلامية لئلا تميل إلى جهة، وإنما اختصت مفاصل السلاميات بذلك لأنها أريد أن تكون سلسلة فلم يمكن أن تكون زوائدها شديدة الغوص في نقرها فلا بد وأن تبقى بين أطرافها خلل كثير يخشى ميل العظام إلى الجهات فيكون التركيب واهياً، ولا يمكن ملء أكثر ذلك الخلل بالغضاريف كما في سائر المفاصل السلسلة وذلك لئلا يثقل الأصابع فاحتيج أن تكون بهذه العظام لأن هذه مع حفظها لو ضع السلاميات خفيفة لأنها تكون منفرجة وينبغي أن يكون في كل مفصل أربعة لتمنع الميل إلى الجهات كلها وهذا تقرير ما قالوه وعندي أن هذه العظام لا وجود لها. والله ولي التوفيق. ن استدارة اليد بجملتها على المستديرات ونحوها غير جيدة فخلفت الإبهام قائمة مقام أصابع مقابلة لهذه الأربع ومع أنه لا يلزمها ذلك، وذلك لأن هذه الأصابع الأربع إذا اشتملت على المقبوض من جهة قاومها الإبهام من الجهة المقابلة لها فقام مقام أصابع موضوعة في الجهة المقابلة لهذه الأصابع وإنما يمكن ذلك بأن يكون ما بينها متباعداً ليكون في جهة كالمقابلة لهذه الأربع ولذلك خلقت في هذا الموضع المخصوص ولم تربط بالمشط، وإلا لم تكن في ذلك الموضع بل كانت تكون قريبة من موضع الأربع فلا يتم ذلك الغرض ولها في هذا الموضع فائدة أخرى، وهي أنها تكون كالصمام، وهو الذي يغطى به الآنية وذلك لأن الأصابع الأخرى إذا قبضت على شيء بقي أعلاها وهو عند جانب السبابة مفتوحاً فيكون الإبهام إذا جعلت على ذلك الموضع كالغطاء والساتر للمقبوض وفائدة الرطوبة التي في مفاصل الأصابع وغيرها أن تمنع جفاف عظامها، وفائدة كون تلك الرطوبة لزجة أن لا تكون بآلة مرخية ولئلا تتحلل لو كانت مائية. وفائدة الأغشية الغضروفية أن تمنع احتكاك العظام بسبب دوام حركتها وفائدة العظام السمسمانية أن تحفظ وضع كل سلامية لئلا تميل إلى جهة، وإنما اختصت مفاصل السلاميات بذلك لأنها أريد أن تكون سلسلة فلم يمكن أن تكون زوائدها شديدة الغوص في نقرها فلا بد وأن تبقى بين أطرافها خلل كثير يخشى ميل العظام إلى الجهات فيكون التركيب واهياً، ولا يمكن ملء أكثر ذلك الخلل بالغضاريف كما في سائر المفاصل السلسلة وذلك لئلا يثقل الأصابع فاحتيج أن تكون بهذه العظام لأن هذه مع حفظها لو ضع السلاميات خفيفة لأنها تكون منفرجة وينبغي أن يكون في كل مفصل أربعة لتمنع الميل إلى الجهات كلها وهذا تقرير ما قالوه وعندي أن هذه العظام لا وجود لها. والله ولي التوفيق. الفصل الرابع والعشرون منفعة الظفر قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه الظفر خلق لمنافع ... إلى آخر الفصل. الشرح قد ذكر هاهنا للظفر أربع منافع: إحداها: أن تكون سنداً للأنملة وبيان ذلك أنه لولا الظفر لكان طرف الأنملة عند الشد على الشيء ينضغط ويميل إلى خارج فيهن الشد لا محالة. وثانيتها: التمكن من لقط الأشياء الصغيرة، وذلك لأن لحم الأنامل اللينة لا تقوى على ضبطها بخلاف الظفر.

стр. 46

وثالثتها التمكن من الحك والتنقية. أما الحك فلأنه يحتاج فيه إلى صلابة وأما التنقية فلأنها إنما تتم بأخذ الأشياء الصغيرة عن الجلد ونحوه وقد بينا أن ذلك إنما يكون بشيء صلب. ورابعتها أن يكون سلاحاً، وذلك بالخدش ونحوه. وأقول إن له منافع أخرى: إحداها: التمكن من حل العقد القوية. وثانيتها: أن يشق به بعض الأشياء، ويقطع به ما يهون قطعه، ولا يمكن ذلك بلحم الأنامل. وثالثتها: أن تكون زينة لأنه محسن شكل الأصابع إذ لو لاه لكان شكلها مستقبحاً، والأظفار دائمة النشوء ونشوؤها ليس في جميع الأقطار بل في طولها فقط. وذلك لأن تكونها من الفضول الأرضية التي تدفع إلى الأطراف وما يتكون منها يدفع ما أمامه حتى يمتد ويطول، فلذلك ترتفع الآثار التي تكون فيها كالبياض ونحوه إلى أن تزول بالقطع، ولو كان ذلك النشوء على سبيل الازدياد بالغذاء لما كان كذلك، ولما كان تكونها هو من هذه الفضول وهذه الفضول توجد في جميع الأسنان لا جرم كانت تعود بعد الائتلام في جميع الأسنان. والله ولي التوفيق. الفصل الخامس والعشرون تشريح عظم العانة قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه إن عند العجز عظمين ... إلى آخر الفصل. الشرح إن هذا العظم ليس له اسم موضوع له أعني بجملته وأما عظم العانة فهو اسم لجزء هذا العظم، وهو الذي من قدام. وإنما يسمى هذا عظم العانة على سبيل تسمية الكل باسم الجزء، وهذا العظم مؤلف من عظمين يتصلان من قدام بمفصل موثق، وهما هناك رقيقان مثقوبان ويتصلان من خلف بعظم العجز، وهو العظم العريض فرغنا من تعريفه. وفي هذا العظم زائدتان عظميتان قائمتان يتصل بكل واحد منهما واحد من هذين العظمين ولكل واحد من أجزاء هذين العظمين اسم يخصه. فالجزء العريض منه المسمى بالحرقفة وعظم الخاصرة. وهو الذي في الجانب الوحشي، وهو الموضع العريض منه المرتفع، وحق الفخذ فيه التقعير الذي يدخل فيه رأس الفخذ، وهو عظيم ليتسع لذلك الرأس، ولجملة هذا العظم فوائد: أحدها: أن يكون كالأساس لما فوقه، والحامل الناقل لما تحته. وثانيها أن توضع عليها أعضاء كريمة، وهي الرحم، والمثانة، وأوعية المنى والمعاء المستقيم، وطرفه فتكون مستندة إليه مربوطة به. وثالثها: أن يكون مقلاً لما في البطن من الأمعاء والثرب لئلا ينزل شيء من ذلك عن موضعه. ورابعها: أن يوقي الأعضاء الموضوعة في داخله من وصول ضرر الصدمات ونحوها إليها. وخامسها: أن يكون مفصل الفخذ. وسادسها: أن يحسن بسببه شكل خصر الإنسان ويكون قوامه مستحسناً وذلك بأن ينتقل البدن من ضيق الخصر إلى ثخانة العجز، وما يتصل بها بعد سعة ما بين عظمي الخاصرة. والله ولي التوفيق. الفصل السادس والعشرون كلام كلي في منفعة الرجل قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه جملة الكلام في منفعة الرجل ... إلى آخر الفصل الشرح إن عبارة الكتاب في هذا ظاهرة بينة غنية عن الشرح. والله ولي التوفيق. الفصل السابع والعشرون تشريح عظم الفخذ قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأول عظام الرجل.... إلى آخر الفصل. الشرح إن الإنسان في أو ل ولادته تكون أسافله صغيرة ضعيفة فلذلك لا يقوى على الحركة عليها، فإذا كبر قويت أسافله، وعظم وركه جداً وذلك من خواص الإنسان. وسببه أن الإنسان منتصب القامة، ويقوم على رجليه فقط فاحتاج أن تكون ساقاه وقدماه عظيمتين جداً بالنسبة إلى بدنه بجملته فيحتاج أن يكون العضو الحامل لهما قوياً عظيماً. وأما ذوات الأربع فوركها صغير جداً بالنسبة إلى أبدانها لأن قيامها على أربع ولا تحتاج أن تنتصب. وأما الطير فشابه الإنسان من جهة قيامه على رجلين فقط. وشابه ذوات الأربع من جهة قيامه غير منتصب إذ هو كالراكع، فلذلك خلق وركه في عظمه وذوات الأربع. وعظم الفخذ مختلف الأجزاء وذلك لأنه محدب من قدام ومن الجانب الوحشي، مقعر من خلف ومن الجانب الأنسي. وفي أسفله استعراض وله هناك جوزتان وفي أعلاه رمانة شديدة الاستدارة على عنق طويل مائل إلى الجانب الأنسي. وهذه الرمانة تدخل في حق الورك ودون عنقه بقليل زائدتان الوحشية منهما أعظم. والله ولي التوفيق. الفصل الثامن والعشرون تشريح عظم الساق قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه

стр. 47

الساق كالساعد ... إلى آخر الفصل. الشرح الساق يحتاج إلى خفة لأجل الحركة، وإلى قوة لأنه حامل لما فوقه، وأما الفخذ فحاجته إلى القوة أكثر لأنه حامل لما فوقه ناقل للساق، وما دونه وحركته قليلة وحركة الساق كبيرة، فلذلك روعي في الفخذ جانب القوة أكثر فخلق عظيماً جداً، وروعي في الآخران يخلق متوسط العظم. وكان ينبغي أن يكون عظماً واحداً ليكون أخف وأقوى ولكن مفصل القدم لا يتأتى أن يكون بعظم واحد إلا أن يكون ثخيناً جداً كما نبينه بعد. وذلك مما لا يحتمله الساق فاحتيج أن يكون طرفه السافل من عظمين وأعلاه مستغن عن ذلك فخلق من عظم واحد، واحتيج أن يكون أحد عظميه منقطعاً. وهذان العظمان يتصلان عند طرفي المنقطع بمفصل موثق وينفرجان عند الوسط فيدخل فيما بينهما عصب وعروق. والأنسي من هذين العظمين عظيم هو الساق بالحقيقة ويسمى: القصبة الكبرى، والزند الأنسي والوحشي منهما صغير غليظ الأسفل ليجود معه مفصل الساق مع القدم، وأعلاه دقيق جداً لا يصل إلى الركبة، وتسمى القصبة الصغرى. والزند الوحشي، والموضع الدقيق من الساق في مقدمه العاري من اللحم يسمى: ظهر الساق، والموضعان اللذان من جانبه في أسفله، وهما طرفا القصبتين يسميان الكوع والكرسوع تشبيهاً لهما بمفصل الرسغ من اليد، ولذلك أيضاً تسمى القصبتان بالزندين. والعظمان الناتئان في هذين الموضعين العاريين من اللحم يسميهما الناس في العرف بالكعبين. وقال جالينوس: غلط من سماها بذلك كل الغلط. وقال: إن الكعب هو عظم داخل هذين الموضعين يحيطان به وهو مغطى من جميع النواحي. وأما هذان الموضعان فهما طرفي القصبتين محدبتان من خارج وهذه التخطئة لا أصل لها، فإن لكل أحد أن يسمي بلفظه ما شاء. على أن الكعب في اللغة هو النتوء والارتفاع، وهذان العظمان كذلك ولذلك سمي العقب في العرف كعباً وأيضاً ولا مشاحة في ذلك. والله ولي التوفيق. الفصل التاسع والعشرون مفصل الركبة قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه ويحدث مفصل الركبة ... إلى آخر الفصل. الشرح إن في الطرف العالي من القصبة الكبرى لاحقة فيها نقرتان تدخل فيهما الجوزتان اللتان في الطرف الأسفل من عظم الفخذ وينتؤ ما بين نقرتي هذه القصبة زائدة جرمها بين الغضروف والعصب تدخل فيما بين الجوزتين في موضع غائر شبيه بالجزء وعلى هذا المفصل من قدام الرضفة وهي عظم غضروفي مستدير ذو نقر تدخل فيه الحدبات التي من العظام التي تحته فلذلك تكون هذه النقر على أشكال تلك الحدبات وتنتو من زائدة قصيرة تدخل الخلل التي تلتقي بين عظم الفخذ وعظم الساق، وخلق هذا العظم غضروفياً ليكون بلينه صبوراً على ملاقاة الصدمات فلا يعرض له انصداع لأجل رقته فإن الرقيق إذا كان صلباً كان متهيئاً بسرعة للانشقاق. وخلق مستديراً ليكون ما يستره أكثر. ولأجل استدارته يسمى الفلكة، وخلق ذا نقرة وزائدة لتكون مداخلته للعظام التي تحته كبيرة فلا يزول عن موضعه مع دفع تلك العظام له عند الجثو ونوحه. وخلق إلى ما يلي من قدام لأن أكثر ما يلحق هذا المفصل من العنف هو من قدام. وإنما كان كذلك لأن مؤخر الإنسان ثقيل فيكون عند الجثو ونحوه مائلاً إلى قدام بخلاف الطيور، فإن ثقلها كله من قدام فلذلك جعلت حدبات ركبها إلى خلف وتثني أرجلها إلى قدام. واختص الإنسان بأنه ذو رجلين. ويثنيهما إلى خلف. والله ولي التوفيق. الفصل الثلاثون تشريح عظام القدم والكلام في هذا الفصل يشتمل على بحثين البحث الأول هيئة جملة القدم قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما القدم فقد خلق.... إلى قوله: وعظام القدم ستة وعشرون كعب به. الشرح

стр. 48

لما كان الإنسان بخلاف باقي الحيوانات منتصب القامة، وكان انتصابه على رجلين وأعالي بدنه ثقيل لم يكن له بد من أن يكون قدمه طويلاً ليشتمل على جزء كبير من الموطؤ فيكون يمكن القيام عليه أكثر، ويجب أن لا يكون طويلاً جداً، وإلا كان يثقل الرجل ويعاوق عن الحركة بل جعل طوله قريباً من سبع القامة ليجمع بين جودة الثبات والخفة، ولا بد وأن يكون هذا القدم إلى قدام لأن ذلك هو جهة ميل البدن بثقله إذ مقدم البدن أثقل من مؤخره لأن الأعضاء الثقيلة كالرأس وما دونه مائلة إلى قدام لأن ذلك هو جهة ميل وخصوصاً عند الهرم، وخلق له الأخمص لفوائد: إحداها: أن يخف فلا يثقل على الرجل. وثانيتها: ليجود الوطىء على المحدبات. وثالثتها: أن المشي إنما يتم برفع إحدى الرجلين حيث يراد الانتقال ولا بد من ثبات الرجل الأخرى ليمكن بقاء البدن منتصباً وعند رفع إحدى الرجلين لا بد وأن يميل البدن إلى ضد جهتها كما إذا رفعنا أحد جانبي جسم ثقيل فإنا نجد ذلك الجسم يميل لا محالة إلى ضد جهة ذلك الجانب وتقعير الأخمص يوجب ميل البدن حينئذٍ إلى جهته وهي جهة الرجل المرفوعة فيقاوم الميلان لا محالة ويبقى البدن على انتصابه، ولذلك من يفقد له هذا الأخمص فإن بدنه يميل في حال مشيه عند رفع كل رجل إلى ضد جهتها. ولقائل أن يقول: إنما يلزم الميل إلى ضد جهة المشيل إذا كان ذلك المشيل بحيث لا تكون حركته بانفراده كطرف الخشبة مثلاً. وأما إذا لم يكن كذلك بل كان المشيل له انفصال عن الباقي حتى تمكن حركته بانفراده، كما في الرجل فإنه إنما يلزم من رفعه ميل الباقي إلى تلك الجهة بعينها كما لو أزلنا إحدى الدعامتين، فإن الجسم المدعوم إنما: يميل حينئذٍ إلى جهة المزيلة. ولكن في حال إزالتها إنما يكون الميل إلى ضد تلك الجهة لأن هذه الإزالة إنما تكون بعد رفع جزء من الباقي حتى يزول الثقل عن الدعامة فيزول. ويلزم ذلك ميل الجسم إلى ضد جهتها وليس لكم أن تقولوا إن الدعامة قد يمكن إزالتها بدون ذلك بأن تجر مثلاً لأنا نقول: إن الحال في رفع الرجل عند المشي ليس كذلك، لأن الرجل إنما ترفع بتقلص العضل الرافعة لها تقلصاً إلى فوق ويلزم ذلك رفع بعض أجزاء البدن وذلك يلزمه كما قلنا ميله إلى ضد جهة تلك الرجل. ورابعتها: أن الإنسان قد يحتاج إلى الانتصاب على رجل واحدة مدة ما، ولولا الأخمص لكان البدن حينئذٍ قد يميل إلى ضد تلك الجهة، وأما إذا مال إليها لم يجد هناك رجلا يضعها ليمنع السقوط فيسقط، ولا كذلك الحال مع وجود الأخمص فإن الميل حينئذٍ إنما يكون إلى جهته، لا أعني بذلك حال رفع الرجل بل بعد الفراغ من تلك الحركة، وبقاء البدن على الرجل الواحدة. وإذا كان كذلك فإن للإنسان حينئذٍ أن يضع الرجل المشيلة فتمنع السقوط فيكون في خلقه الأخمص تمكناً من وقوف الإنسان مدة على رجل واحدة من غير ضرر من السقوط. والله ولي التوفيق. البحث الثاني هيئة كل واحد من عظام القدم ووصفه ومنفعته قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وعظام القدم ستة وعشرون ... إلى آخر الفصل. الشرح إن أجزام القدم مقسومة إلى ستة أقسام وهي: الكعب، والعقب، والعظم الزورقي، وعظام الرسغ، وعظام المشط، وعظام الأصابع.

стр. 49

ونحن الآن نتكلم في كل واحد منها. فنقول: أما الكعب فالإنساني منه أشد تكعيباً، وأشد تهندماً مما في سائر الحيوان. وذلك لأن لرجليه قدماً، وأصابع تحتاج في تحريك قدمه انبساطاً وانقباضاً وذلك بحركة سهلة ليسهل عليه الوطىء على الأرض المائلة إلى الارتفاع أو الانخفاض وعلى المستوية. فلذلك تحتاج أن يكون مفصل ساقه مع قدمه مع قوته وإحكامه سلساً سهل الحركة، وهذا المفصل لا يمكن أن يكون بزائدة واحدة مستديرة تدخل في حفرة مستديرة وإلا كان يسهل دوران تلك الزائدة في حفرتها فكان يحدث للقدم كذلك أن يتحرك مقدمه إلى جهة جانبه بل إلى جهة مؤخره وكان يلزم ذلك فساد التركيب ومصاكة إحدى القدمين للأخرى. ولا بد وأن يكون بزائدتين حتى تكون كل واحدة منهما مانعة من حركة الأخرى على الاستدارة ولا يمكن أن تكون إحدى الزائدتين خلفاً. والأخرى قداماً لأن ذلك مما تعسر معه حركة الانبساط والانقباض اللتين بمقدم القدم. فلا بد وأن تكون هاتان الزائدتان إحداهما يميناً والأخرى شمالاً ولا بد وأن يكون بينهما تباعد له قدر يعتد به ليكون امتناع تحرك كل واحدة منهما على الاستدارة أكثر وأشد فلذلك فلا يمكن أن يكون مع ذلك قصبة واحدة. فلا بد من أن تكون مع قصبتين ولو كان بقدر مجموعهما عظم واحد لكان يجب أن يكون ذلك العظم ثخيناً جداً وكان يلزم ذلك ثقل الرأس الساق فلذلك لا بد وأن يكون اسفل الساق عند هذا المفصل قصبتين وأما أعلى الساق وذلك حيث مفصل الركبة فإنه يكتفي فيه بقصبة واحدة. فلذلك احتيج أن تكون إحدى قصبتي الساق منقطعة عند أعلى الساق. ويجب أن تكون الحفرتان في هاتين القصبتين والزائدتان في العظم الذي في القدم لأن هاتين القصبتين يراد منهما الخفة. وذلك ينافي أن تكون الزوائد فيهما لأن ذلك تلزمه زيادة الثقل والحفرة تلزمها زيادة الخفة فلذلك كان هذا المفصل بحفرتين في طرفي القصبتين وزائدتين في العظم الذي في القدم. وهذا العظم لا يمكن أن يكون هو العقب لأن العقب يحتاج فيه إلى شدة الثبات على الأرض وذلك ينافي أن يكون به هذا المفصل لأن هذا المفصل يحتاج أن يكون سلساً جداً لئلا يكون ارتفاع مقدم القدم وانخفاضه عسرين، وغير العقب من باقي عظام القدم بعيد أن يكون له هذا المفصل إلا الكعب فلذلك يجب أن يكون له هذا المفصل جاذباً من طرف القصبتين والعظم الذي هو الكعب وأن تكون النقرتان في طرفي القصبتين والزائدتين في الكعب ويجب أن يكون الكعب مشدوداً مشدوداً جداً بما يليه من عظام القدم حتى تكون حركته يلزمها حركة القدم فلذلك طرفاه يرتكزان في العقب في نقرتين يمنه ويسره وذلك من جهة خلفه، وأما من قدام فيرتبط بالعظم الزورقي، وأما من الجانبين فيرتبط بقصبتي الساق. وهاتان القصبتان محيطتان بطرفيهما من الجانبين. وذلك بالعظمين النابتين اللذين يسميان بالكعبين وقد ذكرناهما. وأما العظم الزورقي فهو عظم يمتد من قدام الكعب ويرتبط به هناك ويمتد فوق القدم في الجانب الأنسي فوق الأخمص. وبذلك يرتفع ذلك الموضع فيكون هذا العظم كالدعامة للقصبة الكبرى التي هي بالحقيقة الساق. وإنما جعلت هذه الدعامة في الجانب الأنسي من القدم ليكون في منتصف ثقل البدن كله. ولهذا العظم فوائد: إحداها: أن يكون دعامة للساق مانعة من سهولة سقوط البدن بثقله إلى قدام. وثانيتها: أن يتم به تحرك القدم إلى الالتواء والانبطاح ونحو الوحشي والأنسي. وذلك لأن هذا العظم هو نظير الزند الأعلى في الساعد إذ بذلك الزند تتم حركة للساعد حركة الالتواء والانبطاح وكذلك هذا العظم به تتم للقدم حركة الدوران نحو الجانبين. فإن الإنسان قد يحتاج إلى ذلك عند حاجته إلى الثبات قائماً على حرف قدمه. وذلك كما إذا كان عند أخمصه جراحة ونحو ذلك.

стр. 50

وثالثتها: أن يجود به شكل القدم فلا يكون عند الأخمص رقيقاً جداً ضعيفاً ثم إن هذا العظم الزورقي يرتبط من خلف وأسفل بعظم العقب ومن قدام بعظام الرسغ، وبذلك يستحكم رباطه. حتى يلزم من تحركه تحرك القدم إلى الجانبين والإبهام في الرجل بخلاف الإبهام في اليد فإن المقصود بها في اليد أن تكون كالمقاومة للأصابع الأربع عند القبض فلذلك احتيج أن يكون بينهما وبين تلك الأصابع فرجة كبيرة. وأما في الرجل فالمقصود بها قوة الثبات على الموطؤ عليه. فلذلك خلقت في صف بقية الأصابع إذا كان المقصود في الكل متشابهاً وإنما نقصت سلامية لتكون أقوى على الثبات فإن كثرة المفاصل يهن القوة لا محالة، ولذلك خلقت غليظة. وأما تفصيل عدد العظام فإن الرأس فيه أحد عشر عظماً: اثنان: هما عظما اليافوخ. وأربعة: كالجدران. وأربعة: في الصدغين. وواحد: كالقاعدة يسمى العظم الوتدي. والأسنان اثنان وثلاثون سناً، واللحى الأعلى من أربع عشرة عظمة ستة في العينين وعظمان تحت الأنف منحرفان، وعظمان مثلثان يتركب الأنف عليهما، وعظما الأنف، وعظما الوجنة. واللحى الأسفل من عظمين. وفقار الصلب ثلاثون فقرة: سبع في العنق. واثنتا عشرة في الظهر، وخمس في القطن وثلاث في العجز، وثلاث في العصعص والأضلاع أربعة وعشرون ضلعاً: سبعة من كل جانب من فوق ملتقية عند القص، وخمسة قصار هن أضلاع الخلف. وعظام القص سبعة. والكتفان عظمان. والترقوتان عظمان وعظم العانة عظمان. وفي كل يد ثلاثون عظماً: عضد وزندان واثنا عشر في الكف، وخمسة عشر في الأصابع. وكذلك في كل رجل ثلاثون عظماً: فخذ، وقصبتان ورضفة، وكعب، وعقب، والعظم الزورقي، وأربعة في الرسغ، وخمسة في المشط، وأربعة عشر في الأصابع. وزاد جالينوس عظمين وهما رأسا الكتفين. فلذلك يكون عدد العظام على هذا، مائتين وثمانية وأربعين عظماً. قال جالينوس: وهذا سوى العظم اللامي الذي في الحنجرة، والعظم الذي في القلب. والله أعلم بغيبه. تم تشريح العظام الجملة الثانية العضل وهي تسعة وعشرون فصلاً الفصل الأول كلام كُلّي في العصب والعضل والوتر والرّباط قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه لما كانت الحركة الإرادية ... إلى آخر الفصل. الشرح غرضه الآن بيان فائدة كل واحد من هذه الأعضاء. قوله: إذ كانت العظام صلبة، والعصب لطيفاً. يريد باللطيف ها هنا الرقيق الدقيق الصغير الحجم، وكان كذلك لا يحسن اتصاله بالصلب لأن الصلب يلزمه أن يكون ثقيلاً، والثقيل لا يقوي اللطيف على إقلاله، ويريد بهذا أن العظام مع كونها صلبة كبيرة المقدار، إذ لو كانت صغيرة جداً لم يكن إيصال العصب بها ضاراً لكن الصغير وإن كان صلباً فهو خفيف لقلة جرمه. قوله: ولما كان الجرم الملتئم من العصب والرباط على كل حال رقيقاً إنما كان كذلك لأن هذا الرباط لا يجوز أن يكون غالباً على العصب جداً وإلا كان ثقيلاً وكان العصب فهولا محالة يحمله عند تحريكه فيعود المحذور المذكور.

стр. 51

والعصب لا بد وأن يكون دقيقاً لما ذكره بعد هذا. ويلزم ذلك أن لا يكون المجتمع منهما غليظاً جداً. والأولى أنه كان يقول: والقوة المحركة إنما هي في العصب. فلو لم يحدث العضل لكان العصب إذا حمل حركة العضو احتاج إلى حمل ما معه من الرباط وجذبه إلى جهة مبدئه فيكون ذلك زيادة ثقل على العضو المتحرك فلا بد من حدوث العضل حتى يكون جذب العصب إلى موضعها فتكون المسافة قريبة فيكون في ذلك أمن من انقطاعها الذي أو جبه بعد المسافة وزيادة الثقل حينئذٍ محتملة لأنها حينئذٍ يسيرة جداً بالنسبة إلى الوهن الذي كان يوجبه بعد المسافة. وفائدة حشو العضلة باللحم أن يبقى وضع أليافها محفوظاً وإنما جعل من اللحم لأنه لو جعل من عضو صلب لم يمكن تقلص تلك الليف عند إرادة تحريك العضو. ولو جعل من الشحم ونحوه لكان يزيد تلك الألياف برداً فجعل من اللحم لأنه مع لينه يسخن تسخيناً معتدلاً لبرد العصب والرباط، وإنما جعل في وسط العضلة كالمحور من جوهر العصب ليكون جوهر العصب ليس بكثير الانتعاش فيضعف وإنما جللت العضلة بالغشاء ليكون لها حس من خارج ولا بد وأن يكون الرباط الذي يحدث منه، ومن العصب العضلة رباطاً متصلاً بعظم قريب منها حتى تكون مرتبطة بها فلا يزول عن مكانها عند جذب الوتر ذلك العضو المتحرك. والله ولي التوفيق. الفصل الثاني تشريح عضل الجبهة قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه من المعلوم أن عضل الوجه.... إلى آخر الفصل. الشرح قوله من المعلوم أن عضل الوجه على عدد الأعضاء المتحركة في الوجه يريد أن أنواعها على عدد الأعضاء المتحركة، أعني المتحركة بذاتها بعضل يخصها، وأما ما يتحرك بالغرض كحركة عضو تبعاً لحركة آخر أو بالذات ولكن بشركة عضو آخر، فإنه لا يلزم أن يكون له نوع من العضل على حدة، ولا يلزم أيضاً أن يكون عدد أشخاص العضل على عدد الأعضاء المتحركة بذواتها وبانفرادها إذ قد يكون لعضو واحد عضلتان. وثلاثة تحركه حركة واحدة، وذلك بأن تكون حركته تلك بفعل الكل جملة، أو بفعل بعضها بدلاً من البعض، وإنما يلزم ذلك أن تكون الأنواع على عدد تلك الأعضاء وأعني بهذه الأنواع التي تكون نوعيتها بالإضافة إلى الأنواع المختلفة كقولنا عضل حركة الخد، وعضل حركة الصدر ونحو ذلك. وإن كان الكل من حيث هو عضل نوعاً واحداً، وإنما كانت عضلة الجبهة رقيقة لِأن العضو المتحرك بها، وهو الجلد خفيف فلا تكون محتاجة إلى كثير من جرم الرباط والعصب، وإنما كانت مستعرضة ليمكن أن تعم جميع أجزاء الجلد لأن هذه العضلة نحرك العضو المتحرك بها بغير وتر بل بذاتها، وإنما كان كذلك لأن تحريكها له لو كان بوتر لكان ذلك الوتر إما أن ينبسط طرفه حتى يلاقي جميع أجزاء الجلد أو لا يكون كذلك. فإن كان الثاني لم يلزم من تحريكها إلا تحريك الجزء الذي يتصل به ذلك الوتر إذ الجلد شديد القبول للتمدد فإذا انجذب منه جزء لم يلزم ذلك انجذاب باقيه. وإن كان الأول لم تكن حاجة إلى ذلك الوتر إذ هذا الاتصال يمكن حصوله من ألياف العضلة من غير حاجة إلى وتر يزيد في ثخنها فيزيد في نتوء الجبهة ويكون ذلك منكراً في الخلق وإنما كانت هذه العضلة غشائية لأنها لرقتها وقلة اللحم فيها تكون كالغشاء. وإنما كانت شديدة المخالطة للجلد لأنها تحتاج أن تكون ملاقية لجميع أجزائه حتى يكون تحريكها لجميع الأجزاء جملةً واحدةً. والله ولي التوفيق. الفصل الثالث تشريح عضل المقلة وأما العضل المحركة للمقلة.... إلى آخر الفصل. الشرح

стр. 52

إنما يتم الإبصار كما بيناه في موضعه بأن يصير الثقب العيني مواجهاً للمرئي. وعلى سمته حتى يتأدى شبحه إلى هناك. وهذه المواجهة قد تتحقق بحركة المرئي، وذلك قد لا يتأتى في كل وقت. أو يكون عسراً. وقد يتحقق بحركة الرائي، وهو أسهل وأسهل ذلك أن يكون المتحرك هو المقل نفسها مع بقاء البدن على وضعه. فلذلك ينبغي أن يكون للمقلة تمكن من جميع الحركات التي تتحقق معها مواجهة المرئيات. وهذه الحركة إما أن تكون مستقيمة أو مستديرة. فإن كانت مستقيمة فلا بد وأن تكون إلى جهة لكن الجهات ست: اثنان منها لا يحتاج إليهما وهما: الخلف والقدام. لأن المواجهة تتحقق بدونهما لأنها إنما تتوقف على المسامتة. وهي لا تختلف مع القرب والبعد، فتبقى الجهات التي تحتاج المقلة أن تتحرك بالاستقامة إلى واحدة منها أو إلى أكثر من واحدة أربعاً وهي: الفوق، والأسفل، واليمين، واليسار. فلذلك حركة المقلة بالاستقامة إما إلى جهة واحدة فتكون إلى إحدى هذه الجهات، وكل واحدة منها إنما تكون بعضلة تحركها إلى تلك الجهة فتحتاج لذلك إلى أربع عضلات أو إلى أكثر من جهة واحدة. ولا يمكن أن يكون ذلك إلى أكثر من جهتين وإلا لزم أن تكون الحركة في حال واحدة إلى جهتين متضادتين ولا شك أن ذلك محال فينبغي أن تكون جهتين فقط. فالمحركة إلى فوق، إما أن تكون مع ذلك إلى اليمين أو إلى الشمال وكذلك المحركة الأسفل فيكون من ذلك أربع حركات ولكن هذه الحركات لا يحتاج فيها إلى عضلات غير تلك الأربع. وذلك لأن الحركة إلى اليمين والفوق تحصل بفعل العضلتين المحركتين إلى هاتين الجهتين. وكذلك الباقي، فلذلك تتم حركات المقلة المستقيمة كلها بأربع عضلات وأما حركاتها على الاستدارة. فإنما يمكن على وجهين فقط، فلذلك تتم بإحدى عضلتين. فلذلك كانت العضلات المحركة للمقلة ستاً. وقد قيل إنها خمس، وهو ظاهر الفساد. وأما العضل التي تدعم العصبة المجوفة من وراء المقلة من الجحوظ المفرط عند التحديق القوي، كما عند تكلف رؤية الأشياء الصغيرة جداً من بعد فقط قيل إنها عضلة واحدة بسيطة. وهو المشهور والحق. وقيل بل واحدة مركبة من عضلتين. وقيل بل ثلاث عضلات، وقيل إنها ليست واحدة بل اثنتان وقيل ثلاث. والله أعلم بغيبه. الفصل الرابع تشريح عضلات الجفن والكلام يشتمل فيه على بحثين البحث الأول السبب في أن الجفن المتحرك هو الأعلى في الإنسان ونحوه هو الجفن الأعلى قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما الجفن فلما كان ... إلى قوله: ولما كان الجفن الأعلى يحتاج إلى حركتي الارتفاع. الشرح كل حيوان فإما أن لا يكون له عين ظاهرة كالخلد. فهذا ظاهر أنه لا يحتاج إلى جفن البتة فضلاً عن حركة الجفن، أو تكون له عين ظاهرة، فإما أن يكون جلده صلباً كما في السمك، فهذا لا يمكن أن يكون له جفن يتحرك، فلا يكون له تغميض، فلا بد وأن تكون عينه صلبة لتكون بعيدة عن قبول الآفات أكثر أو لا يكون جلده صلباً. فإما أن يكون من الطيور أو لا يكون كذلك، فإن كان من الطيور كان الجفن المتحرك منه هو الجفن الأسفل، وهذا إما أن يكون من الجوارح فيكون مع ذلك بعينه غشاء صفاقي يتحرك من تحت الجفن يغطي به الحدقة تارة، ويكشفها أخرى، أو لا يكون من الجوارح فلا يكون له ذلك. فإن كان الحيوان الذي جلده لين ليس من الطيور، فلا بد وأن يكون جفنه المتحرك هو الجفن الأعلى. وذلك لأن المتحرك لو كان هو السافل لكانت العضل المشيل له إلى فوق، إما أن يتصل بطرفيه أو بأحدهما فلا يلزم من رفع ذلك رفع وسط الجفن فلا يتم تغميض العين بل يبقى الموضع الذي الحاجة إلى ستره أشد، وهو موضع الباصر مكشوفاً أو يكون اتصال ذلك العضل بوسط الجفن فيلزم ذلك ستر موضع الباصرة بالوتر النازل دائماً. وذلك مبطل لفائدة العين. فلذلك كانت حركة الجفن الأسفل في هذا الحيوان مما لا يجوز البتة فوجب أن يكون المتحرك هو الجفن الأعلى.

стр. 53

قوله: لكن عناية الصانع مصروفة إلى تقريب الأفعال من مبادئها، وإلى توجيه الأسباب إلى غاياتها، على أعدل طريق وأقوم منهج إن عني ها هنا بالأقوم ما هو أكثر استقامة فذلك ممنوع فإن التعريج قد يكون أو فق وخصوصاً الأعصاب الدماغية المحركة. فإنها بكونها محركة تحتاج أن تكون صلبة، وكونها دماغية يوجب لها أن تكون لينة فتحتاج إلى تعريج مسلكها لتطول المسافة فتصلب، ولو سلم له ذلك لم يفده لأن المتحرك سواء كان الجفن العالي أو السافل فلا بد من عضل نحو الأسفل يحيط الجفن، وعضل من فوق يرفعه. والله ولي التوفيق. البحث الثاني العضل المحرك للجفن الأعلى وموضعه قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه ولما كان الجفن الأعلى يحتاج إلى حركتي ... إلى آخر الفصل. الشرح إذا جذب طرف الجفن الأعلى إلى أسفل لزم ذلك تغميض العين. ولا كذلك لو جذب طرف الجفن الأسفل إلى فوق. وذلك لأن الثقل الطبيعي الذي للجفن الأعلى يعاون على تلك الحركة، ويمانع منها ثقل الجفن الأسفل. والله ولي التوفيق. الفصل الخامس تشريح عضل الخد قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه الخد له حركتان ... إلى آخر الفصل. الشرح إن حركة الخد غير مقصودة لذاتها، إذ لا يتبعها فعل من الأفعال الإنسانية، ولكنها تقع إما ضرورية كما في حركته تبعاً لحركة الفك الأسفل وإما للإعانة على حركة عضو آخر كما في حركته بشركة حركة الشفّة. والحاجة إلى تحريك الشفتين هو التمكن من جودة إخراج الحروف والحركات كالضم والفتح والكسر. ولما كان ذلك يحوج إلى تفنن هذه الحركات بحسب تفنن أنواع الحروف وما يكون منها من الحركات، وجب أن يكون للشفتين حركات متفننة. وكان ينبغي أن يكون لكل واحد منها عضلة لكن كان يعرض من ذلك انتفاخ الخد جداً، فجعل ذلك لعضلة واحدة. ويختلف ما يوجبه من الحركات باختلاف أجزائها، وأعان على ذلك خفة العضو المتحرك وصغره. والله ولي التوفيق. الفصل السادس تشريح عضل الشفة قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه أما الشفة فمن عضلها ... إلى آخر الفصل. الشرح لما كانت الحركات المذكورة أو لاً للشفة حركات سهلة أمكن أن يكون بعضل مشترك بينها وبين الخد وأن تكون بعضلة واحدة حركات كثيرة. وأما هذه الحركات فلعسرها احتيج أن تكون بعضل خاص، وأن يكون لكل حركة عضلة، وبيان عسرها أن الجسم الواحد إذا اتصل طرفه بجسم آخر كان تحريكه بدون تحريك ذلك الآخر عسراً لا محالة. والله ولي التوفيق. الفصل السابع تشريح عضل المنخر قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما طرفا الأرنبة فقد ... إلى آخر الفصل. الشرح الحاجة إلى تحريك المنخر هو عند إرادة دفع الفضول بالارتعاد والانتفاض، وعند إرادة زيادة في جذب الهواء، ودفعه كما في التنفس، وذلك بالانبساط والانقباض، ولما كان الاحتياج إلى ذلك نادراً لا جرم كانت الحاجة إلى تحريك الشفتين. أكثر ولما لم يكن بد من تصغير عضل أحد هذين النوعين لئلا يزداد نتوء الوجنة كان تصغير عضل الحركة التي يحتاج فيها في أو قات أقل أولى. وأما وجوب أن تكون هذه العضلات قوية فلأجل صغرها، ولأجل عسر هذه الحركة، لأن العضو المتحرك بها صلب، فلا يكون شديد القبول للتمدد ونحوها مما توجبه الحركات قبولاً سهلاً بسهولة لقبول الشفتين. والله ولي التوفيق. الفصل الثامن تشريح عضل الفك الأسفل والكلام في هذا يشتمل على أربعة مباحث: البحث الأول السبب في اختصاص الفك الأسفل بالحركة قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه قد خص الفك الأسفل ... إلى قوله: ثم حركات الفك الأسفل لم يحتج فيها أن تكون. الشرح كل حيوان فإن الفك المتحرك منه هو الفك الأسفل إلا التمساح فإنه إنما يحرك فكه الأعلى. أما الأول فقد ذكر الشيخ أسباباً: أحدها: أن الفك الأسفل أخف، وتحريك الأخف أحسن لأن ذلك، أسهل. وإنما كان أخف لأن الأعلى احتيج فيه إلى أن يكون ساتراً واقياً لما وراءه من الدماغ. ولأنه تكون فيه أعضاء كريمة فاحتيج أن يكون عظيماً صلباً. ويلزم ذلك أن يكون ثقيلاً ولا كذلك ها هنا.

стр. 54

وثانيها: أن المتحرك لو كان هو الأعلى وهو مشتمل على أعضاء كريمة لينة لكانت الحركة تضر بتلك الأعضاء لما يلزمها من تمديد بعض جرمها وانقباضه. وخصوصاً الأعصاب. وإنما اختصت هذه الأعضاء بالفك الأعلى لأن أفعالها إنما تتم إذا كانت قريبة جداً من الدماغ كما نبينه في موضعه. والفك الأسفل أبعد من الدماغ. وثالثها: أن المتحرك لو كان هو الفك الأعلى لاحتيج أن يكون مفصله مع الرأس سلساً، ولو كان كذلك لما أمكن أن يكون على سبيل الشأن أو الفراق كما بيناه أو لاً بل لا بد وأن تكون على هيئة الركز. ولو خلق كذلك لتهيأ للانخلاع بسبب ثقله، وكان انخلاعه شديد الإضرار بالأعضاء التي فيه. وها هنا أمران: آخران يوجبان اختصاص الحركة بالفك الأسفل: أحدهما: أنه لو كان المتحرك هو الأعلى والأسفل يكون ساكناً لكان مفصل الأسفل يحتاج أن يكون موثقاً، وإنما يلزم أن يكون كذلك إذا كان شديد الاتصال بعظام الرأس والعنق وإنما يكون كذلك إذ كان عظيماً جداً، ويلزم ذلك أن يكون ثقيلاً، ويلزم ذلك زيادة ثقل الوجه. وثانيهما: لو كان المتحرك هو الفك الأعلى لكان الفغر إنما يتأتى مع تحريك طرفه إلى قدام الوجه لأنه لم يمكن متمكناً من الارتفاع كثيراً بمنع عظام الرأس له عن ذلك، ولو كان كذلك لاحتاج أن يكون هذا التحريك كثيراً جداً عند إرادة أن يكون الفغر واسعاً. ويلزم ذلك أن ينتو مواضع أو تار العضل المحركة تلك الحركة لأنها إنما تكون آتية إليه من فوق، وعند حركته إلى قدام يخرج طرفه عن سمت مواضع تلك العضل، ويلزم ذلك نتوء مواضع الأوتار، وذلك يلزمه قبح صورة الوجه جداً. ولا كذلك إذا كان المتحرك هو الفك الأسفل. وأما الثاني وهو اختصاص التمساح بحركة الفك الأعلى فلأنه حيوان غذاؤه بالصيد ويداه خفيتان لا يتمكن من الثبات عليها حالة الصيد كما في الأسد ونحوه، فيحتاج أن يكون نهشه قوياً جداً ليتدارك بذلك ما فاته بضعف اليدين. وإنما يكون قوياً إذا كان العضو لمتحرك بالإرادة متحركاً بالطبع أيضاً. ولو كان المتحرك هو الفك الأسفل لكان الأمر بضد ذلك لأن الفك الأسفل تكون حركته عند العض والنهش الصادرة عن الإرادة مضادة لحركته بالطبع لأن تلك الحركة إلى فوق، وحركته بالطبع إلى أسفل، فلأجل احتياج التمساح إلى قوة العض جعلت أسنانه العالية موضع السافلة كمنشارين، تدخل زوائد كل واحد منهما في حفر الآخر. والله ولي التوفيق. البحث الثاني عضل إطباق الفم قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه ثم حركات الفك الأسفل لم يحتج فيها ... إلى قوله وأما عضل الفغر وإنزال الفك. الشرح إنما يحتاج هذا الفك إلى الحركة في أحوال: أحدها: عند الكلام، وذلك يتم بفغر الفم وإطباقه بقدر يصلح لإخراج الحروف. وثانيها: عند إيراد النفس من الفم إما لسدة في الأنف أو لأن التنفس به لا يكفي وذلك يتم بحركة الفغر. وثالثها: عند العض والكلام، وذلك يتم بحركة الفغر والإطباق. ورابعها: عند المضغ وذلك يحوج فيه إلى هاتين الحركتين مع حركة سحق المأكول وهي إنما تتم بإدارة الفك.

стр. 55

أما الاحتياج حينئذٍ إلى الإطباق فظاهر. وأما الاحتياج إلى الفغر فليمكن إدخال اللقمة، وليتسع بها ما بين الأسنان وليمكن الإطباق. فإنه إنما يكون بعد الغفر. فإذا الحركات التي يحتاج إليها هذا الفك لا تزيد على هذه الثلاثة وإنما احتيج أن يكون العضل المطبق عند الصدغين، لأن أو تار هذا العضل يحتاج أن يتصل بأطراف هذا الفك ليتمكن من رفعه. فلو وضعت في غير موضع الصدغ لافتقرت عند هذه الإشالة إلى رفع جلدة الوجنة عند مواضع الأوتار. وذلك لأجل بعد حافة الفك حينئذٍ. ويلزم ذلك قبح صورته، فاحتيج أن يكون عند الصدغين وتكون الأوتار متصلة بهذا الفك عند الزائدة المتقاربة، وذلك الموضع قريب جداً من مقدم الدماغ، وهو شديد الرطوبة، فيكون العصب الآتي إلى ذلك ليناً جداً، وعصب الحركة تحتاج أن يكون صلباً فاحتيج إلى تعريج مسلك هذا العصب لتطول المسافة طولاً يستفيد به صلابة ما، ولكنه على كل حال لا بد وأن يكون إلى لين فيكون مستعداً للتضرر بما يرد من خارج من صدمة أو ضربة، وتضرره مؤد إلى تضرر الدماغ بالمشاركة لشدة قربه منه. فاحتيج إلى ساتر يستر هذه العضلات ليكون في كون المؤدي فخلقت لذلك عظام الزوج. وابتداء تكون أو تارها عند طرف هذه العظام. واختص الإنسان بصغر هذا النوع من العضل لأن حاجته إلى القتال بالعض قليلة جداً، ومأكله صناعي فلا يكون شديد الصلابة، ولا عسر القطع، وفكه صغير جداً بالنسبة إلى باقي الحيوان وذلك بالقياس إلى بدنه، ولذلك كانت حاجته إلى قوة هذا النوع من العضل أقل مما في باقي الحيوان، ولأجل أن هاتين العضلتين صغيرتان وعسر رفع الشيء الثقيل، وخصوصاً من طرفه خلق لهذه الحركة عضلتان من داخل الفم ينبسطان على المواضع العريضة الغائرة من هذا الفك، وتمتدان شاخصتين إلى الحنك، ويلتحمان بالعظام المقعرة التي هناك التي تطييف بها الزوائد الشبيهة بالأجنحة، ويوجد لهما هناك وتر قوي. ومنشأ هاتين العضلتين متصلان بعضلتي الصدغين فلذلك قيل أنهما جزء من عضلتي الصدغين، وقوم منعوا وجودهما البتة. والله ولي التوفيق. البحث الثالث عضل فغر الفم قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما عضل الفغر وإنزال الفك ... إلى قوله وأما عضل المضغ فهما عضلتان. الشرح

стр. 56

هذه العضلة تكون أو لاً عضلتين دقيقتين مستطيلتين تبتدئان من خلف الأذنين ومن دونهما فإذا بلغتا أعلى مقدم العنق اتحدتا وصارتا عضلة واحدة. ثم يخرج لتلك العضلة وتر فإذا قرب من طرف اللحى عند الذقن انتفش كرة أخرى وصارت منه عضلة والتحمت هناك باللحى وإنما خلقت كذلك لأن جذبها لا بد وأن يكون إما إلى جهة المؤخر ويلزم ذلك أن يتسفل اللحى وإما إلى أسفل وإنما يمكن ذلك أن يكون جذبها إلى أسفل إذا كان ليفها متصلاً بعظام القص لأن مقدم العنق من غضاريف لا تقوى لحركة هذه العضلة، ولو خلقت كذلك لكان ليفها إذا جذب اللحى يلزمه رفع ما فوقه من الجلد مقداراً كبيراً ولا شك أن ذلك موحش للخلقة فلا بد إذاً وأن يكون جذبها إلى خلف. وحينئذ لا بد وأن يكون ليفها متصلاً بما يحاذي طرف هذا الفك من العظام التي خلفه وذلك هو الموضع المذكور. ولا يمكن أن يكون ابتداء ذلك الليف من جانب واحد وإلا كان الفك يميل عند الفغر إلى ذلك الجانب فلا بد وأن يكون من الجانبين فيكون من ذلك عضلتان لأن هذا الليف لا بد وأن يحتشي لحماً وإلا كان يبرد ويضعف ويتغير وضعه وحينئذٍ يصير عضلاً ويجب أن تكون كل واحدة منهما دقيقة لأن المقصود منهما ليس الانتشار والانبساط عرضاً، بل أن يمران إلى الموضع الذي يتحدان فيه فينبغي أن تكون الألياف على خطوط مستقيمة أو قريبة من المستقيمة ويلزم ذلك أن تكونا دقيقتين ويجب أن يتحدا عند الحد المشترك بين العنق الأسفل وإلا كان الوتر الخارج من كل واحدة منها يرفع بعض الجلد إذا تقلص ثم بعد اتحادهما يحتاج أن يخرج الوتر من ذلك المتحد إلى الطرف السافل من هذا الفك. وهو عند الذقن ليكون جذبه إلى أسفل غير مائل إلى جانب وينبغي أن ينتفش عند اتصاله به ليكون اتصاله به في مواضع كثيرة، ويلزم ذلك الانتفاش أن يحتشي المنتفش لحماً فيصير عضلة وكلام جالينوس يشير إلى أن هذه العضلة مع العضلة المتخذة من العضلتين أعني التي في أعلى مقدم العنق كلاهما عضلة واحدة، وطرفاهما لحمي ووسطها وتري ولا مشاحة في العبارة. قوله: ويتخلص وتراً ليزداد وثاقة ثم ينتفش كرة أخرى. لا شك أن تكرر الانتفاش تلزمه زيادة في القوة. ولكن الغرض به ها هنا زيادة القوة وإلا كان فعل ذلك في العضلة المطبقة للفم أولى، لأن المصعد للثقيل يحتاج إلى قوة أقوى من المحرك له أسفل وخصوصاً، وتلك العضلة لينة فكانت حاجتها إلى القوة أكثر بل الغرض ما ذكرناه. وهو أن يكون الجذب على حالة لا يلزمها رفع الجلد الذي فوق الوتر عن وضعه. والله ولي التوفيق. البحث الرابع عضل المضغ قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما عضل المضغ فهما عضلتان ... إلى آخر الفصل. الشرح هذا الذي ذكره الشيخ هو أحد الآراء المنقولة في هذا الفصل. وقيل إن في كل جانب عضلتين. وقيل إن في كل جانب ثلاث عضلات. قال جالينوس: إن عضلتي المضغ تلبسان من خارج على الفك الأسفل في طوله، وتمران معه وتتصلان برأسيهما وترتقيان إلى الوجنة وإلى العظم الذي يقال له الزوج. وهما في الحقيقة من كل واحد من الجانبين اثنتان لا واحدة والواحدة تميل الفك إلى قدام، والأخرى إلى خلف. وهاتان العضلتان تتصلان أيضاً بعضلتي الصدغ من دون العظم الذي يقال له الزوج داخل الزائدة التي تشبه المنقار. والله ولي التوفيق. الفصل التاسع تشريح عضل الرأس والكلام في هذا الفصل يشتمل على ستة مباحث: البحث الأول تعديد حركات الرأس قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه إن للرأس حركات ... إلى قوله: أما العضل المنكسة للرأس خاصة. الشرح

стр. 57

لما كانت الحاسة المخلوقة لحراسة البدن. وهي العينان موضوعة في الرأس. فينبغي أن يكون للرأس أن تتحرك إلى جميع الجهات حركة تتمكن بها الحاسة من الإشراف على جميع الأعضاء لكن ما سوى الحية من الحيوانات، فإن رؤوسها لا يمكن أن تتحرك إلى خلف حركة تكون بها العينان مشرفة على جميع الأعضاء الخلفية. لأن ذلك لا يمكن أن يكون بأن تتحرك الرأس بالاستدارة حتى تصير العينان من خلف البدن إذ كان يلزمه انقطاع النخاع، وفساد تركيب العنق، ولا يمكن أيضاً تحركة الرأس منقلباً إلى خلف لأن ذلك يلزمه أن تكون العينان نظرهما إلى فوق لا إلى جهة الأعضاء فلذلك أكثر الأعضاء الخلفية لا يمكن أن تكون محروسة بالعينين فيما سوى الحية. وأما الحية فلو لم تكن هذه الحركة ممكنة فيها لم يكن لعينها إشراف على شيء من أعضائها لأن وضع العين في الحية هو إلى قدام جميع أعضائها. فلذلك احتيج أن يكون وضع عينيها بحيث إذا تحرك رأسها هذه الحركة يكون لأعينها إشراف على مؤخر بدنها ثم إن حركة الرأس قد تكون له بذاته، وقد تكون بمشاركة أعضاء أخرى كخرزات العنق ولا يمكن الاكتفاء بإحدى هاتين إذ لو اقتصرت على حركته بالمشاركة، لكان إذا عرضت لتلك الأعضاء آفة تمنع حركتها بطلت حركة الرأس وفائدتها، ولو اقتصر على حركته بانفراده لم تف بالمقصود. إذ حركته بانفراده لا يمكن أن تكون كبيرة تامة وإلا كان مفصله مع العنق رخواً سلساً جداً. ويلزم ذلك أن يكون التركيب واهياً، فلا بد، وأن يكون له مع هذه الحركة حركة بشركة خرزات العنق حتى تتمكن بتلك الحركة من حركات تامة إلى أكثر الجهات. فتكون للعينين اطلاع على أكثر الأعضاء وإذا كان كذلك فلا بد من عضلات لحركاته الخاصة، وعضلات لحركاته التي بالمشاركة. فلنتكلم في كل واحد من هذه الأصناف في بحث يخصه. والله ولي التوفيق. البحث الثاني العضل المنكسة للرأس خاصة قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما العضل المنكسة للرأس خاصة ... إلى قوله: وأما العضل المنكسة للرأس والرقبة معاً إلى قدام. الشرح لما كان التنكيس يتم بالتحريك إلى قدام وإلى أسفل جعل العضل المنكس للرأس وحده يتصل ليفه بما يلزم تقلصه التحريك إلى الجهتين جميعاً فخلق هذا العضل متصلاً بما خلف الأذنين، ومن أسفل بالقص والترقوة. وإنما جعل ذلك لأن هذا العضو لكبره يحتاج أن يكون محركه قوياً، وذلك يحوج إلى معاضدة أحد الجزئين بالآخر، وإنما لم يخلق لكل تحريك عضلة واحدة على حدة لأن التنكيس الثقيل لا يحتاج إلى آلة شديدة القوة. ولما كان هذا العضل متصلاً بهذين الموضعين فلا بد وأن يكون من كل جانب ماراً بالعنق إلى قدام على تأريب، ولا بد وأن يكون العضل من الجانبين حتى إذا أريد تنكيس الرأس من أحد جانبيه حركه العضل الذي في ذلك الجانب. وإن أريد تنكيسه بجملته حرك العضل معاً وكفى من كل عضلة واحدة في كل جانب، ولأن التنكيس كلما قلنا أسهل ولما كان طرفا هاتين العضلتين، ومن أسفل، في موضع ضيق لم يتصل ذلك الموضع بأن يكون طرف كل واحد منهما منفصلاً عن طرف الأخرى، فاحتيج أن يتحد الطرفان هناك، وهذا الاتحاد يبتدئ من العنق ويكون أكثره عند القص لأن هذا الموضع يضيق بتدريج، وإنما يوسع هذا المكان بأن يجعل أكثر ليفها الذي من أسفل البدن متصلاً بعظم الترقوة لأن ذلك يلزمه جذب كثير للترقوة في أو قات التخلص، وهو موهن لاتصالها بعظم القص وإحدى هاتين العضلتين لحمية، والأخرى تبتدئ من خلف الأذنين رباطية. وآخرها عند القص من جوهر الوتر وهذه يصير لها رأسان أحدهما عند القص ولكن جوهره عصبي والآخر عند الترقوة وأكثر جوهره لحمي، ولأجل هذين الرأسين يظن أنها ليست عضلة واحدة وإنها عضلتان: إحداهما فوق الأخرى، ولذلك قيل أن العضل المنكسة للرأس وحده ثلاث عضلات. والحق أنه عضلتان فقط. إذ لم يوجد للتي لها رأسان مبدآن وهاتان العضلتان عظيمتان لكبر العضو المتحرك بهما، وهما في ميلان الذين يكثرون حركة رؤوسهم أو يقوونها أعظم، وذلك كالمصارعين ونحوهم. والله ولي التوفيق. البحث الثالث العضل المنكسة للرأس مع الرقبة قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما العضل المنكسة للرأس والرقبة ... إلى قوله: وأما العضل المقلبة للرأس وحده إلى خلف. الشرح

стр. 58

هذا العضل لا يمكن أن يكون متصلاً بعظام القص لأنه يحتاج أن يمتد إلى أسفل، فلو اتصل بعظام القص لكان ليفه ينعطف عند الترقوة إلى جهة عظام الرقبة فلا يكون ذاهباً على الاستقامة، ولذلك جعل متصلاً بعظام الصلب، ويمتد من أسفل إلى الفقرة الخامسة من فقار الصدر، فلذلك هو كبير الطول، ويمتد على جميع فقار الرقبة من قدام وهو تحت المريء أي تحته إذا كان الإنسان مستلقياً وإنما خلق ذلك عظيماً لأن تنكيس الرأس مع الرقبة إنما يتم بقوة قوية لأن مفاصل الفقرات ليست شديدة السلاسة. وهذا العضل ينتهي من فوق إلى أسافل الرأس، ويحوي الموضع الذي بين مفصل الرأس، والطرف الأسفل من الدرز اللامي وهو عضلتان كل عضلة من جانب وهما لحميتان لئلا يتأذى المريء بمماسة جرمه إلى الصلابة. وإذا تحركتا بجميع أجزائهما مال الرأس والرقبة معاً إلى قدام وتنكسا وإذا تحرك أعلاهما فقط وهو المتصل بأسافل الرأس إلى الفقرة الأولى والثانية من فقرات العنق مال الرأس وحده إلى قدام وتنكس إلى أسفل، وإنما لم يحتج في هاتين العضلتين إلى انبثاق شيء من ليفهما إلى خلف كما في المنكسة للرأس وحده لأن تلك أجزاؤها السفلية مائلة كثيراً إلى قدام، ولا كذلك هذه. فإن جميع أجزائها كأنها إلى خلف لأن مقدم العنق تسامت أكثر من منتصف الرأس ما بين قدام وخلف وعبارة الكتاب غير فصيحة لأنها توهم أن هذا الزوج ينتهي أسفله إلى الفقرة الأولى من فقار العنق، وأنه إذا تشنج بسطحه الذي يلي المريء، وهو السطح الظاهر نكس الرأس وحده. وإذا تشنج سطحه الباطن، وهو الذي يلي الفقرتين نكس الرقبة وهذا مما لا يصح البتة، فإن المتصل بالفقرة الأولى والثانية إذا لم يتصل بها دون ذلك من العظام لم يمكن البتة أن ينكس الرقبة إذ المنكس لا بد وأن يجتذب إلى أسفل والحق في هذا هو ما قلناه. والله ولي التوفيق. البحث الرابع العضل المقلبة للرأس وحده إلى خلف قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما العضلة المقلبة للرأس وحده إلى خلف ... إلى قوله: وأما العضل المقلبة للرأس مع العنق فثلاثة. الشرح قال المشرحون إن هذه العضلات ثمان من كل جانب منها أربع: فالزوج الأول منها ينشأ من فوق مفصل الرأس مع الرقبة بقليل، وذلك هو آخر عظم مؤخر الرأس، وليس منشؤه من وسط ذلك الموضع أعني ليس في وسط ما بين جانبي مؤخر الرأس بل أحد فرديه مائل. إلى الجانب الأيمن من الرأس والآخر إلى الجانب الأيسر، وينزل كل فرد منها مؤرباً حتى يلتقي عصبهما عند سنسنة الفقرة الثانية من فقار العنق بأن يضيق ما بينهما قليلاً قليلاً إلى هناك. والزوج الثاني ينشأ من طرف عظم مؤخر الرأس أيضاً، ولكن يكون ما بينهما من وسط ذلك الموضع أي وسط ما بين جنبيه فيكون ابتداء منشأ هذا وابتداء منشأ الزوج الأولى على خط مستقيم فوق مفصل الرأس مع الرقبة بقليل، وهذان الزوجان يماسان ذلك المفصل. وهذا الزوج ينزل أيضاً مؤرباً، ولكن إلى الجهة الوحشية فلا يزال يتسع ما بين فرديه، حتى يبلغ منتهاه، وذلك عند الزائدتين اللتين عند جنبي الفقرة الأولى، وهما اللتان سماهما جالينوس في تشريح العظام أجنحة لهذه الفقرة، فيكون شكل هذا الزوج مع الأول هكذا: والزوج الثالث ينشأ من هاتين الزائدتين اللتين في جنبي الفقرة الأولى كل فرد منه من زائدة فيكون مؤرباً إلى الأنسي حتى ينتهي عند سنسنة الفقرة الثانية فيكون هذا الزوج واصلاً بين طرفي الزوجين الأولين. والزوج الرابع صغير تحت الثالث. ينشأ من عظم مؤخر الرأس، وينتهي عند الفقرة الأولى، وهو على ما في الكتاب ينزل مؤرباً وينتهي عند جناحي الفقرة الأولى أعني الزائدتين اللتين على جنبيها، وذلك عند مبدأ منشأ الزوج الثالث، فيكون شكل هذه الأزواج الأربعة هكذا:

стр. 59

قوله: فأربعة أزواج مدسوسة تحت الأزواج التي ذكرناها ينبغي أن يقول: تحت الأزواج التي نذكرها. وذلك لأن الأزواج التي هي مدسوسة تحتها هي الأزواج التي تقلب الرأس والعنق إلى خلف وهي المذكورة بعد هذه الأزواج وسنذكر حكمة اندساس هذه تحت تلك قوله: ومنبت هذه الأزواج هو فوق المفصل يعني مفصل الرأس مع الرقبة وذلك هو الحد المشترك بينه وبين الفقرة الأولى من فقار العنق يعني يكون ذلك فوقه لا أنه كذلك إذا كان الإنسان مستلقياً على بطنه أو ظهره بل إذا كان قاعداً أو منتصباً وينبغي أن يقول: ومنبت أكثر هذه الأزواج هو هناك وذلك لأن الزوج الثالث منها منبته ليس من ها هنا بل من زائدتي الفقرة الأولى اللتين عند جنبيها. قوله: زوج يأتي جناحي الفقرة الأولى فوق زوج يأتي سنسنة الثانية يريد ها هنا بالفوق ما يكون فوقاً إذا كان الإنسان مستلقياً على بطنه وإنما خلق هذا الزوج فوق تلك ليسد السافل بعض الجهة التي عند مفصل الرأس، وذلك عند قرب وسط ما بين جانبيها، فلا يكون هذا الزوج الآتي فوقه إلى جناحي الفقرة الأولى آتياً إلى هناك مع انعطاف في وسطه إلى أسفل وإنما لم يعكس ذلك فيجعل الآتي إلى سنسنة الفقرة الثانية من فوق وذلك لأن هذا الزوج ينشأ من جانبي أسفل مؤخر عظم الرأس فيكون طريقه إلى سنسنة الفقرة الثانية متدرجة في التسافل فلا يلزمه انعطاف في وسطه إلى أسفل ولا كذلك الزوج الآتي إلى جناحي الفقرة الأولى فإنه في ابتداء طريقه انخسافاً كثيراً فيحتاج إلى شد ذلك الإنخساف لئلا يلزم انعطافه إلى أسفل، وحينئذٍ كان يلزم تشنجة لجذب الرأس أن يرتفع الجلد هناك. قوله: وخاصيته أن يقيم ميل الرأس عند الانقلاب إلى الحال الطبيعية الذي يظهر لي والله أعلم أن هذا الزوج لا مدخل له في تحريك الرأس البتة. بل ولا في تحريك غيره، وذلك لأن هذا الزوج لا يتصل بالرأس. وقد بينا أن الفقرة الأولى والثانية ليس لو احدة منهما حركة بدون الأخرى وهذا الزوج لا اتصال له بغير هاتين الفقرتين، بل فائدته والله أعلم. أنه يقاوم ما يوجبه الرأس عند انقلابه من حفظ الفقرة الأولى إلى داخل ويلزم ذلك تزعزع مفصلها مع الثانية وإضرار السن الناشبة من الثانية بالنخاع لأن الفقرة الأولى لو مالت إلى داخل مال النخاع معها لا محالة. ولا يلزم ذلك ميل السن لأن يكون ثابتاً بثبات الثانية، ويلزم ذلك انشداخ النخاع به فخلق هذا الزوج من العضل ليقاوم ضغط الرأس حين انقلابه للفقرة الأولى بثقله وتمييله لها إلى داخل بأن يجذبها حينئذٍ إلى خارج معتمداً على ظهر الفقرة الثانية فيبطل تأثير ضغط الرأس إذا ثبت هذا يلزم أن تكون العضلات المحركة للرأس وحده إلى خلف ثلاثة أزواج فقط. قوله: وينفذ تحت الثالث. لقائل أن يقول: إن هذا الزوج الرابع لا يتعدى موضع ابتداء الزوج الثالث فكيف يكون تحته؟ وجوابه: أن مراده ها هنا يكون تحت ذلك لأن السطح الذي هذا فيه لو فرضنا موافاته إلى آخر العنق مثلاً كان حينئذٍ تحت السطح الذي فيه ذلك الزوج أعني تحته إذا كان الإنسان على بطنه، وإنما خلق كذلك، لأن ظاهر الفقرة الأولى أسفل حينئذٍ من ظاهر الفقرة الثانية، وذلك لصغر الأولى ورقتها ومنشأ الزوج الثالث هو من قريب مفصلها مع الرأس فلا يبلغ ارتفاعها إلى سطح ظاهر الفقرة الثانية البتة. قوله: والرابع يقلب إلى خلف مع تأريب ظاهر، الذي يظهر لي والله أعلم أن هذا الزوج لا يخالف الزوج الثاني، وأن كل واحد منهما إنما يلزم حركته توريب إذا كان المحرك هو أحد فرديه، وأما إذا تحرك الفردان معاً فإن انقلاب الرأس يكون مستوياً. قوله: والثالث والرابع أيهما مال وحده ميل الرأس إلى جهته وإذا تشنجاً جميعاً تحرك الرأس إلى خلف منقلباً من غير ميل الزوج. والثالث فقد بينا أنه لا مدخل له في التحريك. وأما الرابع فقد بينا أن ميل الرأس به إلى جانب إنما يكون إذا كان المحرك أحد فرديه. بقي ها هنا مسألة وهي: أن لم خلقت هذه الأزواج مؤربة مع أن ذلك يلزمه تطويل مسافتها لا لفائدة إذ أعصابها تنشأ من النخاع فتكون مستغنية عن استفادة الصلابة بطول المسافة؟ والجواب: أنها لولا تأربها لكان يلزمها انعطاف في أو ساطها ويلزم ذلك أن تكون عند تشنجها رافعة لجلدة الفقار رفعاً مؤلماً فيكون ميلها للرأس إلى خلف مؤلماً.

стр. 60

ولا كذلك إذا جعلت على هذه الهيئة. والله ولي التوفيق. البحث الخامس العضل المقلبة للرأس والرقبة معاً إلى خلف قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما العضل المقلبة للرأس مع العنق فثلاثة ... إلى قوله: وأما العضل المملية للرأس إلى الجانبين فهي زوجان. الشرح هذه العضلات المقلبة للرأس مع الرقبة إلى خلف موضوعة فوق تلك العضلات المقلبة له وحده أعني أنها فوقها إذا كان الإنسان على بطنه. وإنما كان كذلك لأن هذه العضلات تحتاج أن تكون ممتدة من الرأس إلى فقرات الظهر، فلو لم يكن تحتها تلك العضلات لكانت هذه يلزمها أن تنعطف إلى أسفل في المواضع التي تملؤها تلك العضلات فكانت إذا تشنجت لقلب الرأس يلزمها رفع الجلد الذي فوقها، وذلك مؤلم موحش للصورة فاحتيج أن تكون تلك العضلات تحتها لتسند المواضع الغائرة التي في طريقها وما كان من هذه العضلات أعظم وجب أن يكون وضعه فوق ما هو أصغر منه للعلة المذكورة، فلذلك كان أعظم هذه هو الزوج المجلل. قوله: فثلاثة أزواج غائرة، معنى أن هذه غائرة، أنها موضوعة في غور، وهو ما يبقى بعد شد العضلات المقلبة للرأس وحده وذلك لأن هذا الغور كبير فلا تفي تلك العضلات بملئه وإنما خلقت هناك مواضع غائرة، لأن كل واحدة من فقرات العنق فإنها يجب أن تكون أصغر مما تحتها ضرورة أن المحمول ينبغي أن يكون أصغر من الحامل فلذلك تكون الفقرة التي عند الرأس أصغر فقار العنق ولا بد وأن يكون عظم الرأس خارجاً عنها إلى خلف كثيراً ليكون له من خلف ثقل يقاوم ثقله من قدام أو يقرب منه، فلا يكون الرأس شديد الميل بطبعه إلا قدام فلذلك يكون عظم الرأس هناك شديد النتوء وما دون ذلك من الفقار له نتوء وتدرج فيبقى عند الفقرة الأولى غور كثير لا محالة، ولا يزال هذا الغور يقل كلما بعد عن الرأس بقدر كير الفقرات. قوله: كل فرد منه مثلث قاعدته عظم مؤخر الرأس هذه القاعدة هي قاعدة جملة الزوج لا قاعدة كل فرد منه، وذلك لأن هذا الزوج بجملته مثلث حاد الزوايا وفيه ضلعان متساويان وهما اللذان يصل بطرف كل واحد منهما طرف من هذه القاعدة فتكون الزاويتان اللتان تواترانهما متساويتين وهما اللتان على هذه القاعدة والزاوية التي يحيط بها الضلعان أصغر من كل واحدة من هاتين الزاويتين إذ كل واحد من هذين الضلعين يجب أن يكون أطول من القاعدة، وذلك لأن هذا المثلث يجب أن يكون هو والأزواج الثلاثة الأخر، الكل متصلاً بفقرات الظهر حتى يلزم من تشنج هذه العضلات انقلاب الرقبة مع الرأس. ولولا ذلك لكان المنقلب حينئذٍ هو الرأس وحده، وإذا كان كذلك لزم أن يكون ضلعاً كل واحد منهما أطول من القاعدة لأن ما بين الرأس، وفقار الظهر أطول مما بين جانبي مؤخر الرأس هذا إذا كان ما بين الرأس وفقار الظهر كالعمود على هذه القاعدة فكيف ضلع المثلث الذي على هذه الصورة؟ فلذلك يكون كل واحدة من الزاويتين اللتين على القاعدة أكثر من ثلثي القائمة، والزاوية التي يحيط بها الضلعان أقل من ثلثي قائمة. وهذا المثلث ينقسم إلى مثلثين متساويين هما فردا هذا الزوج ويفصل أحدهما عن الآخر خط مستقيم آخذ من منتصف هذه القاعدة إلى ملتقى الضلعين فيكون لا محالة عموداً على هذه القاعدة. فيكون في كل واحد من هذين المثلثين زاوية قائمة وهي التي يوترها أحد الضلعين اللذين في جهة ذلك المثلث والزاوية الأخرى التي عند طرف القاعدة أكبر من ثلثي قائمة والتي عند الطرف الآخر من الضلع توترها الذي يوتر القائمة أقل من ثلث قائمة، وتكون قاعدة كل واحد من هذين المثلثين هو النصف الأيمن أو الأيسر من قاعدة المثلث المجتمع من المثلثين وهي عظم مؤخر الرأس. قال جالينوس: وهذه العضلات عراض بعضها فوق بعض فإذا شيلت المجللة عنها يظهر للرؤية في بعض المرار ثلاثة أزواج وفي أكثرها زوجان فقط، أحد الزوجين عضلة عريضة إلى تأريب يسير يبتدئ من خلف الرأس ويبلغ جنبي عظم الصلب وظاهر أنه يريد بذلك ما دون فقار العنق.

стр. 61

قال: والزوج الآخر مدور العضل وليفه مضاد في الوضع لليف العضل الأول لأنه يبتدئ من جنبي الرأس وهو موضع منتهاه، ويبلغ إلى الشوكة ويعني بالشوكة السنسنة. هذا إذا كان الظاهر زوجين فقط أما إذا كانت ثلاثة فإنا نجد الواحد منها يمتد بجنب عظم الصلب والآخر تحت الزوائد التي عن جنبي الفقار ويريد بهذه الزوائد الأجنحة. والثالث: يوجد في الوسط بينهما، وربما رأينا مراراً كثير الليف بجميع مبادئها تنشأ من خلف، على تأريب، ويصير إلى قدام حتى يبلغ الفقار إلى المواضع منها التي قيل: قد عرفت أن الأجنحة موضوعة في جنبي الفقار فكيف جعل جنبي الفقار ها هنا مغايراً لموضع الأجنحة؟ قلنا: الأجنحة وإن كانت إلى جنبي الفقار ولكنها ليست على الوسط فيما بين خلف وقدام والمراد ها هنا بالجنبين ما هو كذلك، وها هنا مسألتان: إحداهما: ما السبب في وضع العضلات المقلبة للرأس إلى خارج؟ وهلا وضعت كلها إلى داخل الفقار مبتدئه من خلف الرأس فإن ذلك الموضع أحرز لها؟ وثانيتهما: ما السبب في تكثير أعداد هذه العضلات مع صغر جرم أكثرها؟ وهلا جعلت مثل المنكسة للرأس إلى قدام قليلة العدد؟ والجواب: أما الأول فلأن تحريك الثقيل من جهة حركته أسهل كثيراً من تحريكه من الجهة المقابلة فإن الانعطاف مما يضعف قوة الجذب. وأما الثانية: فلأن حركة الرأس إلى خلف لما كانت عسرة لأجل ميل اكثر ثقله إلى قدام كان إذا حرك إلى خلف بمعرض التزعزع لكلال قوة الجذب فاحتيج أن تكون تلك الآلات كثيرة العدد لتكون متشبثة به من جوانب كثيرة كالأطناب فيكون ثباته عند هذه الحركة في الموضع الذي يحرك إليه محكماً. وأما حركته إلى قدام فإنها على وفق ثقله وميله الطبيعي المثقل فلا تفتقر فيها إلى ذلك. والله ولي التوفيق. البحث السادس العضل المميلة إلى الجانبين قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما العضل المميلة للرأس إلى الجانبين ... إلى آخر الفصل. الشرح قد جعلت العضلات المحركة للرأس إلى الجانبين أصغر مقداراً أو أقل عدداً وذلك لأن مفصل حركة الرأس يميناً وشمالاً سلس وسبب ذلك أنه يحدث من زائدتين من عظام الرأس تدخل في نقرتين من الفقرة الأولى، ولا كذلك مفصل حركته قداماً وخلفاً، فإنه يحدث بدخول طرف السن في نقرة الأولى ولا كذلك مفصل فلو لم يكن أكثر إيثاقاً لعرض له الخلع كثيراً وإذا كان المفصل سلساً كانت حركته سهلة فيقوم بها العضل القليل العدد والمقدار مقام الكثير العدد والمقدار ولا كذلك ما كان من المفاصل إلى الوثاقة وجعل عدد هذه العضلات أربعاً لأنها لو كانت اثنتين فقط، لكان يجب أن يكون موضعها ما بين مقدم العنق ومؤخره على السواء، ولو كان كذلك لكان الرأس إذا حرك إلى أحد الجانبين يبقى حينئذٍ قلقاً ربما مال إلى قدام وخلف وأكثر ميله حينئذٍ هو إلى قدام لزيادة ثقل مقدم الرأس فاحتيج أن يخلق من كل جانب عضلتان. إحداهما: في طرف ذلك الجانب من قدام والأخرى في طرفه من خلف حتى إذا تحرك الرأس بهما إلى ذلك الجانب بقيت كل واحدة منهما مانعة من حركته حينئذٍ إلى ضد جهتها فتكون التي إلى خلف مانعة من حركته نحو قدام والتي إلى قدام مانعة من حركته إلى خلف. وجعلت التي في الطرف الذي إلى خلف أصغر لأنها تصل بين الرأس والفقرة الأولى فقط والتي في الطرف الذي يلي إلى قدام أعظم لأنها تصل بين الرأس والفقرة الأولى والثانية. وذلك لأن المحرك ينبغي أن يكون على نسبة قدر المتحرك، ومؤخر الرأس أصغر كثيراً من مقدمه، والمتحرك من جهة ينبغي أن يكون أصغر من المتحرك من جهة المقدم. والله أعلم بغيبه. الفصل العاشر تشريح عضل الحنجرة والكلام في هذا الفصل يشتمل على ثلاثة مباحث: البحث الأول تشريح الحنجرة قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه الحنجرة عضو غضروفي ... إلى قوله: وعند الحنجرة وقدامها عظم مثلث. الشرح

стр. 62

لما كان الصوت من الإنسان ونحوه إنما يتم بخروج النفس بهيئة مخصوصة وجب أن تكون آلته وهي الحنجرة متصلة بأعلى مجرى النفس ليتم هناك تكون الصوت كما نبينه في كلامنا في الصوت. ويحتاج أن تكون هذه الآلة ليست شديدة اللين فلا يكون لقرعها في بالهواء الخارج صوت يعتد به، ولا شديدة الصلابة، فيكون ما يحدث فيها من الصوت غير مستطاب، وأيضاً لو خلقت من أجسام صلبة جداً كالعظام فإما أن تكون دقيقة فتتهيأ للانكسار بسهولة، أو لا تكون كذلك فتوجب زيادة في الثقل وغلظ في جرم العنق لا لضرورة فلذلك وجب أن تكون مخلوقة من غضاريف لتكون.. متوسطة الصلابة فيكون ما يحدث فيها من الصوت لذيذاً وتكون بما فيها من اللين آمنة من الانكسار عند المصادمات التي ليست شديدة القوة، وبما فيها من الصلابة معينة على قوة الصوت فلذلك: الحنجرة عضو غضروفي خلق آلة للصوت. وينبغي أن يزاد هذا الحد فيقال: موضوع فوق القصبة الرئة ليخرج بذلك قصبة الرئة وأجزاؤها فإن كل واحد من ذلك يصدق عليه أنه غضروفي خلق آلة للصوت لأن قصبة الرئة وأجزاؤها، وإن كان المقصود الأول بخلقها إنما هو أن تكون آلة للتنفس فإنها أيضاً مع ذلك آلة للصوت. لأن الصوت وإن كان يتم بالحنجرة، ولكن بشرط أن يكون الهواء الذي يجتذب به نافذاً إليها من القصبة حتى يكون آخذاً من مضيق ينحصر فيه إلى فضاء يحدث فيه بقرع الهواء لجدرانه كالطنين، والحال في البوق ونحوه من الآلات الصناعية للصوت الصناعي. ولم تجعل هذه الآلة من غضروف واحد ليمكن أن ينفرج عند إرادة تعظيم الصوت، وأن يضيق عند إرادة تحديده، وأيضاً لئلا تعم الآفة التي قد تحدث في بعض أجزائه وأقل ما يمكن أن يكون من غضروفين ليمكن أن ينفرج أحدهما عن الآخر فيتسع وأن ينضم أحدهما إلى الآخر فيضيق فلا بد وأن يكون بينهما مفصل ليمكن تحرك أحدهما إلى الآخر عند الانضمام وتباعده عنه عند الانفراج فلا يمكن أن يكون وضعهما بأن يكون أحدهما يميناً والآخر شمالاً، وإلا كان المفصل إلى قدام وخلف فيكون ما يظهر منهما إلى قدام ضعيفاً بسبب المفصل فيكون مهيئاً للتضرر عند الملاقاة فلا بد وأن يكون هذا المفصل ما بين اليمين والشمال حتى يكون أحد الغضروفين من قدام والآخر من خلف فيكون كل واحد منهما في جهته وينبغي أن يكون القدامي مقبباً ليكون شكله كرياً فيكون أبعد عن قبول الآفات ومشتملاً على فضاء أو سع.

стр. 63

وأن يكون الخلفي منهما مستوى السطح لأنه لا يمكن أن يكون محدباً إلى داخل فضاء الحنجرة وإلا كان يضيقها ولا إلى خارج وإلا كان يزاحم أعلى المريء ويمنع نفوذ الطعام فيه ثم لما وجب أن وجب أن يكون منفذ الطعام والشراب من وراء هذا المنفذ فلا بد وأن يمر أعلى هذا المنفذ إلى منفذهما فلو كان هذا منفجرجاً حينئذٍ لسقط فيه أكثر الطعام وسال فيه كل الماء، أو أكثره. فلابد أن يكون هذا المنفذ بحيث ينسد عند نفوذ المأكول والمشروب. وأن ينفتح في غير ذلك الوقت ليمكن خروج الهواء ودخوله. ولا يمكن أن يكون ذلك بأن ينضم أحدهما إلى الآخر تارة لأن الغضاريف لصلابتها لا تطاوع لمثل هذا الانضمام فلا بد إذاً من جسم آخر ليكون في أعلاهما بحيث ينطبق على فم الحنجرة إذا أريد نفوذ الطعام أو الشراب ونحوهما وأن ترتفع عنه فيمكن نفوذ الهواء ولا بد وأن يكون هذا الجسم صلباً وإلا أمكن أن ينثني بثقل الطعام وينعطف إلى أسفل فيحصل هناك خلل ينفذ فيه الماء عليه ولا يمكن أن يكون بغاية الصلابة كالعظم وإلا لم يكن سده تاماً لأن شدة الصلابة تمنع من انثناء الأطراف انثناء يكون معه السد محكماً فلا بد وأن يكون غضروفياً ولا بد وأن يكون له مع أحد الغضروفين مفصل حتى يمكن أن يتحرك تارة إلى الإطباق وأخرى إلى الفتح ولا بد وأن يكون هذا المفصل سلساً جداً وإلا كان تحركه لذلك ببطء فيسبقه نفوذ الطعام والشراب إلى هذا المجرى ولا بد وأن يكون مفصله مع الغضروف الخلفي إذا لو كان مع القدامى لكان عند فتح الحنجرة يبقى أمام هذا المجرى فيضيق منفذ الهواء إلى خارج أو يسده ولا كذلك إذا كان مع الخلفي لأنه يكون حينئذٍ عند الفتح وراء هذا المجرى وحينئذٍ لا يعرض من ذلك أيضاً ضرر في مجرى الطعام والشراب، لأن ذلك المجرى إنما ينفذ إليه الطعام إذ كان هذا المجرى مطبوقاً ولا بد وأن يكون مفصله مع ذلك الغضروف مضاعفاً، إذ لو كان بزائدة واحدة تدخل في نقرة واحدة لكان قابلاً لحركة الاستدارة فلم يؤمن من ارتفاع أحد جانبيه عند الانطباق بحبس النفس وذلك بقوة دفع الهواء المحتبس له، وإذا ارتفع ذلك خرج منه الهواء فلا يكون الإطباق محكماً ولا بد وأن تكون الزوائد في هذا المفصل ناشبة من الغضروف الذي لا اسم له، والنقر من المكبي ليكون عند الإطباق تامة الدخول في النقر فيكون الإطباق قوياً، ولو كانت الزوائد من المكبي ليكون عند الإطباق تامة الدخول في النقر فيكون الإطباق قوياً، وإذا كانت الزوائد من المكبي لكانت عند الإطباق قليلة الدخول في نقرها فيضعف اتصال أحد الغضروفين بالآخر، ويكون الإطباق واهياً ولا بد من ارتباط هذه الغضاريف بعضها ببعض ارتباطاً محكماً، لتكون قوية على مقاومة عضلات الصدر كلها عند الإطباق بحصر النفس. وكذلك الإطباق لا بد وأن يكون شديد القوة. والله أعلم بغيبه. البحث الثاني تشريح العظم اللامي قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وعند الحنجرة وقدامها عظم مثلث ... إلى قوله: والحنجرة محتاجة إلى عظم يضم الدرقي إلى الذي. الشرح قد عرفت أن الحنجرة لا بد لها من إطباق وفتح وتوسيع وتضييق وستعرف أن اللسان لا بد وأن تكون له حركة لأجل الكلام ومضغ الطعام. وهذه الحركات لا بد وأن تكون من الحركات الإرادية التي إنما تتم بالعضل، والعضل لا بد وأن يكون في تحريكها مستندة إلى عظم أو ما يقوم مقامه وعظام العنق واللحيين بعيدة وغير موافقة في وضعها لأن تستند إليها جميع العضلات التي تحتاج إليها في هذه الحركات كما نبينه عليه عند تفصيلنا الكلام في تلك الحركات فلا بد من عظم يكون بالقرب من هذه الأعضاء تستند إليه تلك العضلات ولا بد وأن تكون لهذه الحركات عضلات تجذب إلى فوق وإلى أسفل وإلى قدام وإلى خلف فلا بد وأن يكون لها مستند في هذه الجهات كلها، فلا بد وأن تكون لهذا العظم أجزاء في جميع هذه الجهات وأقل ما تتم به ذلك إذا كان له خمس أضلع: أحدها: منتصب على الاستقامة في طول العنق وراء المرئ هو كالأصل لجميع أضلاعه.

стр. 64

وضلعان من فوق يأخذان منه يمنة ويسرة، وضلعان من أسفل كذلك ها هنا هكذا: وسنحقق من كلامنا في تلك العضلات وجوب أن يكون على هذه الهيئة والضلع المنتصب منه قليل العرض، والضلعان العاليان دقيقان كالمسال، والسافلان أعرض منهما قليلاً، وذلك على قدر العضل الذي يحتاج أن يتشبث بكب واحد من هذه الأجزاء. وقوم يسمون هذا العظم: العظم اللامي وهم الأكثر، لأنه يوجد فيه ما يشبه اللام في كتابة اليونان. وقوم يسمونه العظم الواوي لأنه لا يوجد فيه ما يشبه الواو في كتابتهم، وخاصة أنه غير متصل بعظم آخر، فلذلك يحتاج إلى أشياء يرتبط بها بعظام أخرى ليبقى وضعه محفوظاً عند تحريك عضلات الحنجرة وقصبة الرئة واللسان، وغير ذلك. فلذلك ربط من فوق بأربطة دقية مدورة تتصل بضلعيه العاليين وبالزوائد الإبرية التي عند الأذنين، ومن الأسفل بأربطة أغلظ وأقوى وأطول، تتصل بضلعيه السافلين وينتهي إلى الغضروف الحنجري، وتحت القص، وإنما كانت هذه أغلظ وأقوى لأن إمكان خروج هذا العظم عن وضعه إلى فوق أكثر لأن خروجه عن ذلك إلى أسفل يمنع منه جميع أضلاعه العالية والسافلة منعاً قوياً. ولا كذلك خروجه عنه إلى فوق، فإن الأضلاع العالية قليلة المنع من ذلك، ولهذا جعلت أضلاعه السافلة أغلظ ليكون أقوى، وخلق له ثلاثة أزواج من العضل: أحدها: عريض متصل بجانبي العظم المنتصب، وينتهي إلى جانبي الفك الأسفل. وثانيها: يتصل بالطرف العالي من العظم المنتصب وينتهي إلى رأس الفلك الأسفل الزوج الثاني قد تركه معظم النساخ وهو زوج ينشأ من تحت الذقن ثم تحت اللسان إلى أن ينتهي إلى الطرف الأعلى من العظم اللامي، وهذا الزوج أيضاً يحدث هذا العظم إلى جانب أسفل اللحى. وثالثها: يتصل بالطرف الأسفل من العظم المنتصب وينتهي إلى الزوائد الإبرية عند الأذنين، وأظن أن فائدة هذه العضلات أن يكون لها تحريك هذا العظم إلى جهات العظام المتصلة بها فتقوم بذلك مقام العضلات أن يكون لها تحريك هذا العظم إلى جهات العظام المتصلة بها فتقوم بذلك مقام العضلات المتصلة به لتحريك أعضاء أخرى كقصبة الرئة والحنجرة. فلا يلزم بطلان التنفس والصوت إذا عرض لعضلات تلك الأعضاء آفة. وذلك لأن هذا العظم إذا حرك إلى جهة لزم ذلك انجذاب العضلة المتصلة به إلى تلك الجهة فيحصل المقصود منها، وإن لم يكن يتحرك بنفسها وإنما لم تفعل كذلك في أضلاعها العلوية والسفلية لأن العضل المتصل بذلك جعل في نفسه مضاعفاً وذلك لأن توسيع الحنجرة يجذب الغضروف الدرقي تكفي فيه عضلة واحدة تتصل بوسطه فخلقت اثنين لتقوم الواحدة مقام الأخرى إذا عرض لها آفة، فاستغني بذلك عن عضلة تقوم مقامها بتحريك هذا العظم مع أن تحريكه من هناك موهن لثباته على وضعه. والله أعلم بغيبه. البحث الثالث تشريح عضل الحنجرة نفسه قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه والحنجرة محتاجة إلى عضل يضم ... إلى آخر الفصل. الشرح إن الحنجرة تحتاج إلى عضل يضم الدرقي إلى الذي لا اسم له فتضيق الحنجرة وإلى عضل يمد الدرقي جاذبة له عن الذي لا اسم له فتتوسع الحنجرة. وهذا لم يذكره الشيخ ها هنا، ولكنه ذكره عند تعديد العضل، وإلى عضل تضم الطرجهال وتطبقه فتنطبق الحنجرة، وإلى عضل يوسع الطرجهال عن الدرقي فتنتفخ الحنجرة، وإنما احتاجت إلى هذه الأنواع من العضل لاحتياجها إلى كل واحدة من هذه الحركات كما بيناه أو لاً. قوله: وعضل يبعد الطرجهال عن الآخرين. العبارة غير جيدة لأن الطرجهال إذا ارتفع عند فتح الحنجرة لا يلزم ذلك بعده عن الذي لا اسم له. فلنتكلم الآن في كل واحد من هذه الأنواع: والنوع الأول الموسع للحنجرة: وهو زوجان: أحدهما يجذب إلى فوق وقدام ويتصل من أسفل بالدرقي، ومن فوق الضلعين العاليين من العظم اللامي كل فرد منه بضلع، ويأخذ من جانبي الدرقي، ويصعد مستقيماً فإذا تشنج جذب الغضروف الدرقي إلى قدام وفوق، فاتسعت الحنجرة. وثانيتهما: تجذب إلى قدام وتحت، ويتصل من فوق الدرقي. ومن أسفل بعظام القص حتى يبلغ الغضروف الحنجري، ويمر إلى هناك من داخل القص. فإذا تشنج جذب الدرقي إلى قدام وتحت، فاتسعت الحنجرة.

стр. 65

وقد كان يمكن حصول كل واحدة من هاتين الحركتين بعضلة واحدة تتصل بوسط الدرقي. وإنما خلق لكل واحدة منها زوج ليكون إذا عرض لإحداهما ما يبطل حركتها قامت الأخرى مقامها. والنوع الثاني المضيق للحنجرة، وهو زوجان أيضاً: أحدهما: يأتي من العظم المنتصب من عظام اللامي، ويتصل بالدرقي من قدام ثم يستعرض ويلتف على الذي لا اسم له حتى يتحد طرفا فرديه وراء الذي لا اسم له، فإذا تشنج ضم الدرقي إلى الذي لا اسم له فتضيق الحنجرة. وثانيهما: زوج كل فرد منه مضاعف فلك أن تجعله زوجاً واحداً ولك أن تجعله زوجين ويصل ما بين الدرقي، والذي لا اسم له. فإذا تشنج ضيق لا محالة، ومن يجعل هذا زوجين ربما ظن بعضهم أن أحدهما يستبطن الحنجرة، والآخر يظهر عليها، وإنما احتيج إلى هذين الزوجين ليتعاضدا على قوة هذه الحركة. وإنما ضعف أحدهما دون الموسع لأن الحاجة إلى قوة هذه الحركة أكثر منها في الموسعة، لأن المضيقة فعلها مقاوم لفعل عضلات الصدر مقاومة ما، لأن تلك تحاول إخراج الهواء وإدخاله بسرعة وذلك إنما يكون في منفذ واسع، وهذه تمنع ذلك بتضييق الحنجرة. والنوع الثالث: المفتح للحنجرة. وهو زوجان: أحدهما: تأتى عضلتاه إلى الطرجهال من خلفه فيلتحمان بطرفه اللامي الذي لا اسم له يمنة ويسرة. فإذا تشنجتا رفعتا الطرجهال فتبرأ عن ملاقاة الدرقي. وثانيهما: يأتي الطرجهال من جانبيه فيتصل كل فرد منه بجانبه من أسفل فإذا تشنجا رفعاه مادين له إلى الجانبين، وإنما احتيج إلى هذين الزوجين ليتعاضدا على رفع الطرجهال بسرعة، فإن رفع المبطوح بجذب طرفه فقط أو بجذبه من الجانبين فقط عسر، والجذب من الجانبين ظاهر أنه إنما يمكن بعضلتين. فأما الجذب من الطرف فإنه وإن أمكن بعضلة واحدة في وسطه لكنه بعضلتين أولى. وكلا الزوجين يلتحمان بالذي لا اسم له، كل واحدة من الجهة التي يأتي منها الطرجهال. والنوع الرابع: المطبق للحنجرة. وهذا ليس يمكن أن يكون من خارج الحنجرة لأن أطباقها إنما يمكن أن يجذب الطرجهال إلى ملاقاة الدرقي. فلو كان هذا الجاذب من خارج الحنجرة لكان ليفه إنما يصعد إلى الطرجهال من قدام فم الحنجرة أو من جانبيه إلى قدام، فكان عند انفتاحها ورفع هذا الطرجهال فإنما يبقى ذلك الليف مضيقاً لمنفذ الهواء إلى الحنجرة، وموجباً لخلل في الكلام فلا بد وأن يكون من داخل الحنجرة، فلو كان كبيراً لضيقها فلا بد وأن يكون صغيراً، ولكن هذا الإطباق لا بد وأن يكون قوياً جداً حتى يكون مقاوماً لجميع العضلات الصدر والحجاب عند إرادة حبس النفس. وإنما يمكن ذلك مع صغر هذا العضل بأن يكون ذلك العضل قوياً جداً. ولم يمكن أيضاً أن يكون عدده كبيراً لئلا يلزم ذلك ضيق الحنجرة فجعل هذا العضل زوجاً واحداً. وكل واحد من فرديه صغير جداً قوي غاية القوة، ويبتدئ الفردان من داخل الدرقي يمنة ويسرة. ويصعدان آخذين إلى خلف ليتصلا بالطرجهال مثبتين فيه من جانبي طرفه الملاقي للذي لا اسم له، ولا بد وأن يلتحما في ممرهما بالذي لا اسم له. وفائدة ابتدائهما من أصل الدرقي أن يكون تشنجهما مع كونه محدثاً للانطباق موجباً لانضمام الدرقي إلى الذي لا اسم له انضماماً ما، فيكون السد محكماً، وقد يوجد في بعض الناس زوج صغير موضوع في أعلى الذي لا اسم له من داخل يتصل بالدرقي من طرفه يعين الزوج المذكور في الانطباق. قوله: والعضل المفتحة للحنجرة منها زوج ينشأ من العظم اللامي فيأتي مقدم الدرقي هذا الزوج ليس من العضل المفتحة بل من الموسعة. قوله: فإذا تشنج أبرز الطرجهال يشبه أن يكون ذلك غلطاً من النساخ، لأنه حينئذٍ إنما يبرز الدرقي. قوله: يعد في عضل الحلق الجاذبة. هذا أيضاً كأنه قد وقع على سبيل الغلط من النساخ. والحق أن يقال: من عضل الحلقوم لا الحلق. قوله: فأعان في انبساط الحنجرة. ينبغي أن يقال: فأعان في انفتاح الحنجرة لأن التمدد الحادث عن هذا الزوج إنما هو تمدد الطرجهال لا تمدد الحنجرة. قوله: فإذا تشنج ضيق أسفل الحنجرة ليس المراد هنا أنه يضيق أسفلها فقط، بل أنه يضيق جميع أجزائها حتى أسفلها، ولا كذلك الزوج الأول. فإن أكثر تضيقه إنما هو لو سط الحنجرة، لأن التفافه عليها لا على الذي لا اسم له. والله ولي التوفيق. الفصل الحادي عشر تشريح عضل الحلقوم الحلق

стр. 66

قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه فأما الحلقوم جملة ... إلى آخر الفصل. الشرح لفظ الحلقوم يقال عند الأطباء على قصبة الرئة، وليس ذلك المراد ها هنا، فإن العضل المذكور ها هنا ليس هو عضل قصبة الرئة. وقد يقال على المجتمع من قصبة الرئة والحنجرة إذ الحنجرة هي طرف الحلقوم ورأسه فتكون من جملته، وهذا هو المراد ها هنا. والعضل المذكور له ها هنا هو في الحقيقة عضل الحنجرة، وهو الزوجان اللذان ذكرناهما في تشريح عضل الحنجرة. والثاني منهما: هوا لذي ذكر أنه يصحب الزوج الأول في كثير من الحيوان. وأما لفظ الحلق فالمراد به العضو المشتمل على الفضاء الذي فيه مجرى الطعام والنفس وفائدة النغانغ منع تسخين ذلك المكان، وإدفائه حتى لا يتضرر ببرد الماء والهواء الواردين، هو أن يكون المكان هناك ضيقاً ولذلك فائدة الصوت والازدراد. أما الصوت فليكون الهواء الخارج من فضاء الحنجرة خارجاً إلى مكان ضيق فيكون ما يحدث عنه من القرع أكبر، ونظير ذلك من المزمار الطرف الضيق الذي في أعلاه الذي ينتهي إليه الفضاء الواسع الذي دونه. وأما فائدة ذلك للازدراد فلأنه يعين على سهولة نزول الطعام إلى فضاء المريء لأن المكان هناك لو كان متسعاً لكان الطعام قد يقع على حافات فم المريء فيعسر نزوله فيه. وقد حذف الشيخ ها هنا عضلات قصبة الرئة فينبغي أن نشير إليها إشارة حقيقية فنقول: لما كانت قصبة الرئة مخلوقة لأجل التنفس، ولأجل الصوت وكان الصوت يختلف في ثقله وحدته باختلاف منفذ الهواء الفاعل له في سعته وضيقه وجب أن يكون بهذه القصبة تمكن من التضييق، وذلك إذا أريد تحديد الصوت كما قد يستعمل لذلك حينئذٍ في الآلات الصناعية واليراع المعروف بالزير ومن الاتساع وذلك إذا أريد تثقيل الصوت أو تعظيمه جداً كما قد يستعمل لذلك حينئذٍ من الآلات الصناعية اليراع المعروف بالبم وإنما يمكن ذلك كما قلنا مراراً بأن يكون هناك عضل تحركها هذه الحركات لكنها قد خلقت على السعة التي قلما يحتاج الإنسان لذلك إذا أزيد منها فلهذا خلق لها عضل التضييق فقط، وهي عضلات أربع: اثنتان منها تأتيان من الطرف الأسفل من العظم المنتصب الذي في العظم اللامي وينزلان على طول القصبة ملتحمين بالقص من داخل. وقد يتوهم أنها أربع عضلات والاثنتان الأخريان أصغر من هاتين، وتأتيان من الأجزاء السفلية من الغضروف الدرقي، وتنتهيان أيضاً عند القص محتويتين على القصبة من الجانبين. وهذه العضلات إذا تشنجت جمعت أجزاء القصبة وضمتها وانجذب لذلك ما يتصل بكل زوج منها. أما الزوج الأول فضلع العظم اللامي. وأما الزوج الثاني فالغضروف الدرقي. وكلاهما ينجذبان حينئذٍ إلى أسفل. وإنما احتيج إلى تكثير هذه العضلات لأن جرم القصبة لصلابته إنما يمكن انضمامها عن قوة قوية تفتقر إلى عضلات كثيرة. وإنما احتيج أن تكون هذه العضلات متشبثاً بعضها بالعظم اللامي وبعضها بالغضروف الدرقي، لأن الحاجة إلى تضييق الحنجرة إنما يكون في الأكثر إذا أريد تحديد الصوت وذلك محوج إلى تقصير المنفخ فجعلت هذه العضلات مع أنها مضيقة للقصبة هي أيضاً مقصرة لها تجذب الغضروف الدرقي والعظم اللامي إلى أسفل. والله ولي التوفيق. الفصل الثاني عشر تشريح عضل العظم اللامي قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما العظم اللامي ... إلى آخر الفصل. الشرح إنا قد تكلمنا في هذه العضلات عند تشريحنا لهذا العظم. إذ وقع ذلك بسبب أننا تكلمنا هناك في الأشياء التي ترتبط بها، ومن جملتها هذه العضلات. والله ولي التوفيق. الفصل الثالث عشر تشريح عضل اللسان قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه أما العضل المحرك للسان ... إلى آخر الفصل. الشرح إن لسان الإنسان ونحوه يحتاج إلى حركات متفننة. أما الإنسان فلأجل الكلام ومضغ الطعام. وأما غير الإنسان فإنما يحتاج إلى ذلك لأجل الطعام فقط. ولذلك وجب أن يكون للسان الإنسان عضلات تحركه الحركات التي يفتقر إليها في ذلك. ويجب أن يكون منشأ كل واحدة منها من الموضع الذي هو أجود لها. فالزوج الذي ينشأ من الزوائد السهمية ينشأ من قواعد تلك الزوائد، وهو دقيق طويل يتصل به كل فرد منه بجانب من اللسان، ويحركه حركة مؤربة فيعرضه بذلك.

стр. 67

أما دقته فلأن للسان للحميته يسهل تحركه عرضاً، فيكفي في ذلك أدنى قوة. وأما طوله، فلبعد المسافة بين هذه الزوائد وبين اللسان. وإنما كان زوجاً لأنه لو كانت واحدة لكانت إذا جذبت اللسان من جانب مال إلى ذلك الجانب من غير أن يستعرض لأن اللسان لخفته يسهل جداً تحركه إلى الجوانب. وأما الاستعراض فإنما يتم بتمدد جرمه. فتكون حركة الميل أسهل وإنما أنشئ هذا الزوج من هذه الزوائد لأنه لو كان من جانبي الفك لكان ليفه يأخذ من الفك إلى اللسان فيصير الجرم المركب من اللسان ومن ذلك الليف مالئاً لفضاء الفم عرضاً ومانعاً من باقي حركات اللسان لأجل اتصاله بالفك، ولو أنشئ من العظم اللامي لكان أخذه على اللسان على الاستقامة فلا يمكن جذبه له إلى كل واحد من الجانبين، ولأجل أن هذه الزوائد وراء اللسان ومائلة عنه إلى الجانبين. لا جرم صار جذب هاتين العضلتين للسان جذباً مؤرباً. وأما باقي هذه العضلات فلما جاز أن تكون آخذة إلى اللسان على سمت مستقيم من غير توريب لا جرم كان الأولى أن يكون منشؤها من العظم اللامي. وإنما أنشئ الزوج المطول من أعالي هذا العظم ليكون على محاذاة اللسان في السمك، إذ لو كان في مكان أعلى من اللسان لكان يرفعه عند التطويل إلى فوق، ولو كان من مكان واحد أسفل منه لكان يحطه حينئذٍ إلى أسفل، وإنما جعل اتصاله باللسان في وسطه ليكون إذا تمدد ضغط كل واحد من طرفيه فيبعده عن الآخر ويلزم ذلك طوله، وإنما احتيج في اللسان إلى هذه الحركة لأن من الأشياء ما يحتاج الإنسان ونحوه إلى ذوقها من غير إدخالها في الفم، وإنما يتم ذلك بإبراز اللسان إليها. والحية تخرج لسانها مسافة طويلة، وبعض الحيات يخرج لسانها مقسوماً باثنين، وأما الزوج المحرك على الوراب قلما احتيج فيه أن يكون وضعه مع ميل يسير إلى جانبي اللسان ليكون بين المعرض والمطول احتيج أن يكون منشؤه من ضلعي العظم اللامي اللذين من فوق أحد فرديه من الضلع الأيمن والآخر من الأيسر. قوله: من الضلع المنخفض من أضلاع العظم اللامي لا يريد بالمنخفض ها هنا السافل لأن الضلعين السافلين اللذين لهذا العظم لا يجاذبان اللسان بل ينزلان عنه فلا يجوز اتصال المحرك على الوراب بهما، وأما الزوج الباطح للسان فمنشؤه من الطرف الأعلى من العظم المنتصب من جملة العظم اللامي. وإنما أنشئ من هناك لأن التحريك المعتد به لهذا الزوج إنما هو لهذا العظم فقط وذلك بأن يجذبه إلى فوق فيكون في مقابلة العضل الجاذبة له إلى أسفل وهي التي من عند القص. وأما تحريكه للسان فيبلغ من قلته إلى حد فلا يظهر للحس. وهذا الزوج يمتد تحت اللسان في طوله إلى موضع الذقن. وجالينوس جعل هذا الزوج عضلة واحدة مضاعفة. والله ولي التوفيق. الفصل الرابع عشر تشريح عضل العنق قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه العضل المحركة للرقبة ... إلى آخر الفصل. الشرح إن عبارة الكتاب في هذا ظاهرة بينة غنية عن الشرح. والله أعلم. الفصل الخامس عشر تشريح عضل الصدر والكلام في هذا الفصل يشتمل على ثلاثة مباحث: البحث الأول العضلات التي تبسط الصدر قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه العضل المحركة للصدر منها ما.... إلى قوله: وأما العضل القابضة للصدر فمن ذلك ما تقبض. الشرح لما كان التنفس إنما يتم بانبساط يجذب معه الهواء لاستحالة الخلاء وانقباض تندفع معه فضول الروح وما يسخن من الهواء الوارد لأجل ضيق المكان واستحالة تداخل الأجسام فلا بد من عضلات تفعل ذلك ولما كان الغرض بالصدر أن يكون وقاية لما يحويه من القلب والرئة ونحوهما من الأعضاء الكريمة لم يمكن أن تكون عظامه بحيث تزول عن مواضعها عند هذه الحركات، وإلا كان يكون تركيبه واهياً فلا بد وأن تكون هذه الحركات عسرة فلذلك لا بد وأن تكون بعضلات كثيرة جداً، وخصوصاً وهذا المتحرك وهو الصدر عضو عظيم وهذه العضلات منها ما ينبسط فقط، ومنها ما ينقبض فقط، ومنها ما يفعل الأمرين. أما التي تنبسط فقط، فمنها ما هي بتحريك الصدر خاصة، ومنها ما ليس كذلك.

стр. 68

والثانية: زوج: كل فرد منه مضاعف يتصل أعلاه بالرقبة من قدامها ومنشؤه من أجنحة فقار الرقبة خاصة الثانية منها، وتبلغ إلى الإبط، وتصير إلى الضلع الخامس، وربما ما بين السادس، وملتحم بجزء من الخامس بالضلع الأول الذي هو عند الترقوة وهو إلى الاستدارة مع طول، وله فعل بجزئه المتصل بالرقبة، وهو جذبها إلى قدام، وفعل بالأجزاء المتصلة بالصدر وهو بسطه. وبسط هذا الزوج للصدر ظاهر بين، ولا كذلك تحريكه للرقبة فقط. فلذلك يعد في عضلات الصدر دون عضلات الرقبة وسبب ذلك أنه لما أريد منه بسط الضلع الأول بسطاً ظاهراً احتيج أن يكون متصلاً بالرقبة حتى إذا تشنج جذب ذلك الضلع إلى فوق وقدام فبسطه، وإنما يتم ذلك بقوة قوية فاحتيج أن يكون هذا الزوج عظيماً متصلاً بالرقبة كلها من قدامها، فلزم ذلك أن يكون تشنجه موجباً لانجذابها إلى أسفل. ولم يكن ذلك مقصوداً منه أو لاً، فلذلك لا يكون لها ظاهراً. قال جالينوس: وهو يحني الرقبة مع تأريب. أقول: إن ذلك إنما يكون إذا كان المتحرك أحد فردي هذا الزوج، وأما إذا تحركا معاً فإن جذبه للرقبة يكون على الاستقامة، وسبب ذلك أن ليفه يتصل من جانبي الفقرات بالأجنحة وينحدر إلى الإبطين، فإذا تشنج أحد فرديه كان جاذباً للرقبة إلى أسفل وإلى ناحية الإبط. ويلزم ذلك أن يكون جذبه لها مؤرباً. وأما إذا تشنج الفردان جميعاً فإن انجذاب الرقبة إلى أحد الجانبين يبطله انجذابها إلى الجانب الآخر، وإنما لم يمتد هذا الليف من سناسن الفقرات لئلا يلزم عند تشنج أحد الفردين ميل العنق إلى جهة ذلك الفرد ويلزم ذلك ضيق قصبة الرئة، وهو مضاد للغرض من بسط الصدر المقصود بحركة هذا العضل. إذا الغرض من بسط الصدر هو جذب الهواء إلى داخله وضيق قصبة الرئة معسر لذلك والأولى وهي العضلات التي تحرك الصدر وتبسطه وهذه فيها ما فعلها كذلك متفق عليه عند المشرحين. ومنها ما ليست كذلك. والثانية: هي التي تسمى عضل الترقوة وهي زوج تحت كل ترقوة عضلة خفية إنما تدرك إذا شيلت تلك الترقوة وهي لحمية تتصل بالترقوة وبالضلع الأول. واتصالها بالترقوة بالجزء الأصغر المتصل منها بالقص وبالجزء الذي يصعد إلى رأس الكتف، وقد وقع في فعل هذا الزوج خلاف بين المشرحين. والذي ذهب إليه جالينوس، وهو الحق، أنه ليسط الصدر يجذب الضلع الأول الصغير إلى قرب حد الذي أكبر منه والأولي وهي التي بسطها للصدر متفق عليه فمنا زوج. قال جالينوس فيه: من شاء أن يجعله عاماً للصدر والكتف فله ذلك، ومن شاء أن يجعله خاصاً بالصدر فله ذلك، وذلك لأن هذا الجزء الزوج ينشأ كل فرد منه من قاعدة الكتف، ويمتد على الصدر حتى يبلغ إلى ضلعين من أضلاع الخلف عند قرب منشأ الأجزاء الغضروفية منها، والجزء من هذا العضل الذي عند قاعدة الكتف متوار حتى إنما يرى بعد شيل الكتف وأجزاؤه التي على الصدر غير ملتحمة بل كأنها تنقسم عند كل ضلع إلى عضلة. وهذا الزوج يبسط الصدر بسطاً عظيماً، وذلك بسبب اتصاله بأضلاع كثيرة منه وجذبه لها إلى قدام، وإلى الجانب الوحشي، ومن هذه العضل ما ليس كذلك، فمن ذلك ما يسمى باسم آخر غير العضل وهو الحجاب، وسنذكره في موضعه. ومنها ما ليس كذلك، وهي الزوج الذي ينشأ من الفقرة السابعة من فقار العنق. ومن الفقرة الأولى والثانية من فقار الصدر، ويتصل بأضلاع القص، وللصدر زوجان آخران يبسطانه، أحدهما يبتدئ من الفقرة الثانية من فقار الرقبة ويمتد إلى أضلاع الخلف، ويمر بالموضع المقعر من الكتف. وثانيهما: أصغر من هذا يبتدئ من الفقرة الأولى من فقرات العنق، وتمتد إلى الضلع الخامس، ويمر إلى قدام الكتف. والله أعلم. البحث الثاني العضلات التي تقبض الصدر قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما العضل القابضة للصدر فمن ذلك ... إلى قوله: وأما العضل التي تقبض وتبسط معاً فهي العضل. الشرح العضل التي تقبض الصدر ولا تبسطه منها ما تنسب إلى البطن وهي الأجزاء العالية من العضلات الشاخصة من عضلات البطن وستعرفها. ومنها ما ليس كذلك فمنها ما هو ممتد مع عضلات الصلب عند أصول الأضلاع وهذه إذا تشنجت جمعت هذه الأصول بعضها إلى مقاربة بعض وشدتها، ومنها ما هو ممتد في جنبي عظام القص من داخل من أو له إلى آخره.

стр. 69

فإذا تشنجت ضمت أطراف الأضلاع المتصلة به بعضها إلى مقاربة بعض، ومنها العضل الذي يجذب الأضلاع الأخيرة إلى أسفل. وإنما كانت العضلات القابضة أقل من الباسطة لأن البسط يفتقر فيه إلى تمديد العظام ومفاصلها وذلك لا محالة عسر فلذلك إنما يتم بقوة أخرى، وأما القبض فيتم بضم العظام إلى مفاصلها، وذلك أسهل من تمديدها إلى خارج لأنه على وفق فعل الأربطة والتمديد على ضد فعلها. ولما كان القبض يتم بضم العظام إلى مفاصلها لا جرم كان وضع عضله بقرب تلك المفاصل. قوله: فمن ذلك ما يقبض بالعرض، وهو الحجاب إذا سكن القابض حينئذٍ ليس هو الحجاب بل الصدر هو بطبيعته لأن القاسر له على الانبساط إذا بطل فعله عاد هو بنفسه إلى طبيعته. وأما سكون الحجاب فهو شرط لا سبب ولو صح أن يقال إنه يقبض بالعرض لصح أن يقال ذلك في العضلات الباسطة أيضاً فإن سكون كل واحد منهما شرط في انقباض الصدر بالطبع. والله ولي التوفيق. البحث الثالث العضلات التي تبسط الصدر وتقبضه قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما العضل التي تقبض وتبسط معاً ... إلى آخر الفصل. الشرح كل ضلعين فلا بد وأن يكون بينهما عضل يسد الخلل بينهما ويشد كل واحد منهما بالآخر حتى يكون وضعهما محفوظاً موثقاً. وهذا وإن أمكن أن يكون بغير العضل إلا أن العضل أولى لأن لها مع ذلك نفع في فعل الصدر. وهو الانبساط والانقباض وينبغي أن يكون هذا العضل آتياً من فقار الصلب واصلاً إلى عظام القص ليكون ساداً لجميع ما يقع بين الضلعين، ولكن وضع هذا الليف يجب أن يكون في وضعه مخالفاً لو ضع العضل لأن هذا العضل آخذ من خلف إلى قدام. وأما الليف فيجب أن يكون آخذاً من فوق إلى أسفل ليكون واصلاً بين الضلعين. وينبغي أن يكون سلوكه كذلك بتوريب. فإنه لو كان منتصباً لم يكن قابلاً للتمدد الذي يوجبه بسط الصدر قبولاً سهلاً ضرورة أن يكون حينئذٍ على أقصر الطرق الواصلة بين الضلعين وينبغي أن يكون سلوكه كذلك بتوريب فإنه لو كان منتصباً لم يكن قابلاً للتمدد الذي يوجبه بسط الصدر قبولاً سهلاً ضرورة أنه يكون حينئذٍ على أقصر الطرق الواصلة بين الضلعين وينبغي أن لا يكون كله على وضع واحد بل على وجه مقاطع بعضه بعضاً ليكون بعضه مرتبطاً ببعض فيكون تأليفه قوياً فلذلك تكون هيئته على صورة كتابة السين في كتابة اليونان. قال جالينوس: وعدد هذه العضلات اثنتان وعشرون عضلة إذ بين كل ضلعين عضلة واحدة، وليس بين الطرفين، وبين غيرها هذا النوع من العضل، وعدد الأضلاع أربعة وعشرون ضلعاً فلذلك تكون هذه العضلات اثنتين وعشرين عضلة. وأما صاحب الكتاب فقد جعل كل واحدة من هذه العضلات أربع عضلات فيكون عددها ثمانياً وثمانين عضلة. واحتج على ذلك بأن هيئات الليف في كل واحدة منها على أربعة أحوال وذلك لأن كل واحد من هذه كلها أجزاء تلي الصلب. وهو حيث الأضلاع منحدرة من فوق إلى أسفل وجزء يلي القص وهو حيث الرؤوس الغضروفية. والليف في كل واحد من الجزأين ما كان منه إلى خارج الصدر فهو على خلاف هيئة ما هو فيه إلى داخله، فلذلك تكون ألياف ما بين كل ضلعين على أربعة أو جه. فيكون ذلك أربع عضلات. ونحن نقول: إن الأمر كذلك لا لأن هذه الألياف مختلفة الوضع فقط بل لأن فعلها مختلف أيضاً. وذلك لأن الألياف التي من جهة الصلب ما كان منها إلى خارج الصدر فهو باسط، وما كان منها إلى داخله فهو قابض، والألياف التي من جهة القبض بالعكس، أعني ما كان منها إلى خارج الصدر فهو قابض. وما كان منها إلى داخله فهو باسط، واختلاف الأفعال لا شك في دلالته على اختلاف العضل. وقال جالينوس: إن مع هذه العضلات زوج صغير يجذب الضلع الأول إلى فوق كما تجذب عضلتان أخريان الضلع العاشر والحادي عشر إلى أسفل، وأما الضلع الثاني عشر فهو خارج من الحجاب ويلتحم بالعضلة الصغيرة من العضل المؤرب الذي على البطن. وربما رأينا مراراً كثيرة عضلة خاصة صغيرة تجذبها إلى أسفل. والله ولي التوفيق. الفصل السادس عشر تشريح عضل حركة العضد والكلام في هذا الفصل يشتمل على ثلاثة مباحث: البحث الأول العضلات الثلاث الآتية إلى الكتف من الصدر قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه

стр. 70

عضل العضد هي المحركة ... إلى قوله: وعضلتان تأتيان من ناحية الخاصرة وتتصلان أدخل. الشرح لما كان مفصل العضد مع الكتف محتاجاً إلى أنواع كثيرة من الحركات الإرادية التي إنما آلام بالعضل. وكان تحريك المستطيل من طرفه رفعاً وإلى الجانبين ونحو ذلك مما يحوج إلى قوة قوية جداً، وجب أن تكون العضل المحركة لهذا المفصل كبيرة عظيمة وإنما وجب أن يكون اتصال هذه العضلات بطرف العضد لأنها لو اتصلت بغير ذلك الموضع لزمها عند التحريك رفع ما فوق أو تارها من الجلد وذلك عسر مؤلم وأول هذه العضلات المذكورة في الكتاب ثلاث عضلات تأتي من الصدر: الأولى: تبتدئ من تحت الثدي وهو الموضع المنخفض الخارج عنه وتلتحم أكثر أجزائها بالعضلة الثالثة التي نذكرها، وتنتهي إلى وتر غشائي ويلتحم في مقدم العضو في الجزء المعروف بزيق النقرة خاصة الذي من قدام، وإنما جعل هذا الوتر غشائياً ليتسع له ولعظم العضد الزيق فإذا تشنجت هذه العضلات جذبت العضد مقربة له من الصدر لأن ابتداء ليفها من هناك، وتقريبها له من الصدر مع اشتراك، لأن موضع اتصالها بالعضد أعلى من موضع اتصالها بالصدر وهذا الاشتراك ليستتبع الكتف لارتباطه بالعضد بالأربطة التي عرفتها عند كلامنا في العظام. والعضل الثانية: تبتدئ من العظم الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس من عظام القص، ويصعد إلى الجزء العالي من رأس العضد وهو الذي يلي الترقوة وهناك يلتحم برباط غشائي حول هذا المفصل. ووتر هذه العضلة أقوى من وتر التي قبلها وذلك لأمرين: أحدهما أن وتر تلك احتيج أن يكون غشائياً لما ذكرناه، ويلزم ذلك أن يكون ضعيفاً لأجل رقته. وثانيهما: أن تحريك تلك العضلة هو تقريب العضد من الصدر مع اشتراك وذلك أسهل من تحريك هذه، وهو تقريب العضد من الصدر مع استرفاع. وسبب ذلك أن وترها يأتي طرف العضد من فوق والعضلة الثالثة هي أعظم هذه العضلات وتبتدئ ليفها من جميع عظام القص ويمر الجزء الأعلى من ليفها عرضاً إلى موضع الكتف لأن منشأه على محاذاته أو بالقرب من ذلك، ويمر الجزء الأسفل منه إلى هناك صاعداً على توريب لأن منشأه هذا الجزء من أسافل القص فيكون طريقه إلى الكتف، لذلك قال جالينوس: أن للأول أن يضع أن هذه عضلتان لا عضلة واحدة وذلك لأجل اختلاف المذكور في ليفها أو ليف جزئها السافل شديد المخالفة لليف جزئها العالي وكلا الجزأين كبيران لكن العالي أكبر كثيراً إذ الثدي موضوع على هذه العضلة لأنه في طريق سلوكها. والجزء اللحمي من الإبط الذي في مقدم الصدر من هذه العضلة إلا القليل منه، وأكثر ذلك من الجزء السافل منها، وذلك لأن هذا الجزء من الإبط لما كان جذب الجزء من العضلة للعضد حينئذٍ قوياً إذ لا يكون ذلك الجذب معتمداً على عظم لأنه لو لم يكن جذباً إلى المنشأ بل إلى موضع الزاوية المنفرجة فلذلك احتيج أن يكون نفوذ هذا الجزء إلى الكتف على وجه يجذب عنه هذا الجزء من الإبط. وسواء كان هذا الجزآن عضلة واحدة، أو عضلتين فإن الوتر الجاذب منهما واحد وهو وتر دقيق بالقياس إلى ما يقتضيه جرم هذه العضلة ومع ذلك فلحميته قليلة وإنما خلق كذلك ليكون مع دقته شديد القوة، وإنما أريد أن يكون دقيقاً لئلا يثقل طرف العضد ويغلظه، واتصال هذا الوتر هو بأسفل مقدم العضد فإذا تشنج جزؤها العالي أقبل بالعضد نحو الصدر رافعاً له إلى فوق قليلاً لأن ليف هذا الجزء يرتفع بعضه عن طرف العضد فإذا تشنج جزؤها الأسفل أقبل العضد نحو الصدر خافضاً له لأن جذب هذا الجزء يكون على تأريب كما هو وضع ليه فإذا تشنج الجزآن معاً أقبلا بالعضد نحو الصدر على استقامته من غير رفع ولا خفض لأن ما يقتضيه كل واحد من الجزأين من ذلك يبطله الجزء الآخر، وإنما تتكافأ القوتان في ذلك فلا يكون الرفع أولى بسبب كون الجزء العالي أكبر وذلك لأن هذا الجزء وإن كان اكبر فليس جميع أجزائه ذاهباً إلى رأس العضد في أعلاه بل بعضه يكون أسفل من محاذاة ذلك الموضع وهو ما قرب من الجزء السافل. والله ولي التوفيق. البحث الثاني عضلتي الخاصرة المحركتين للصدر قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وعضلتان تأتيان من ناحية الخاصرة تتصلان ... إلى قوله وخمس عضلات منشؤها من عظم الكتف عضلة منها منشؤها. الشرح

стр. 71

أما الأولى من هاتين العضلتين فهي أغلظ وأطول من جميع العضل المحركة لعظم العضد ومنشؤها من الفقار الذي يتصل بها أضلاع الخلف ويلتحم على عضل الصدر صاعدة حتى تلتحم أيضاً بقاعدة الكتف ثم تمتد إلى قدام على تأريب يسير ملتحمة مسافة ما على العضل الموضوع على الضلع المنخفض من أضلاع الكتف فإذا بلغت محاذاة الإبط صعدت إلى عظم العضد والتحمت به بوتر قوي جداً إلى العرض ما هو والتحامها به من الناحية الداخلة من وتر العضلة العظيمة الصاعدة التي تقدم ذكرها وهي إحدى تلك العضلات الثلاث. وهذه العضلة تلتحم بعضلتين: إحداهما: موضوعة فوقها في نفس الإبط. والأخرى تبلغ إلى مفصل المرفق. وإذا تشنجت هذه العضلة جذبت العضد إلى جهة ضلوع الخلف، لان تشنجها يكون إلى هناك، وإنما خلقت عظيمة لأن تحريك المستطيل من طرف هذه الحركة عسر جداً. وأما العضلة الثانية فهي عند مبدئها رقيقة جداً، وتزداد غلظاً كلما ارتفعت ومبدؤها من الأغشية التي تحت الجلد الذي على عظم الخاصرة. فلذلك ولرقتها هناك جهلها كثير من المشرحين، لأنها تنكشط مع الجلد عند السلخ فلا يظهر لهم، فإذا بلغت الإبط ازدادت غلظاً كثيراً حتى ترى هناك عضلة ظاهرة وينتهي إلى وتر غشائي. وهذه تفعل فعل الأولى لأن مبدأ هذه أميل إلى قدام من تلك. وتتصل بطرف العضد فإذا جذبت بتشنجها رأس العضل إلى قدام مال ما فيه إلى خلف، وإنما لم تحتج هذه عند مبدئها أن تكون متصلة بعظم لأنها لطولها تكثر الأجزاء التي تتصل بها من الأغشية ونحوها فيقوم ذلك لها مقام العظم لو كانت قصيرة، وسبب اختصاص هذه بذلك أنها مع عظمها لا تحتاج أن تكون قوية جداً لأنها يقصد منها فعل مستقل بل أن تكون معينة للمذكورة قبلها. والله ولي التوفيق. البحث الثالث باقي عضلات هذا المفصل قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وخمس عضلات منشؤها من عظم الكتف عضلة منها ... إلى آخر الفصل. الشرح قد علمت أن عظم الكتف على ظهره عظم مثلث فإذا لم يمتل جانباه لحماً، ولم يختف بعظم الكتف لحم، لم يمكن تسطح ظاهر البدن هناك مستحسناً وكان نتوء الجلد يعده للتضرر بالملاقيات، ولحم العضل أولى بذلك لأنه مع نفعه هذه المنفعة يفيد في تحريك العضد فلذلك خلق على هذا العظم خمس عضلات كبار ذوات أو تار عراض قوية كلها تلتحم بعظم العضد. وهذه العضلات بعضها فيما بين العظم الدرقي المثلث والضلع العالي من عظم الكتف، وبعضها فيما بين ذلك المثلث، وبين الضلع السافل من عظم الكتف، وبعضها في غير هذين الموضعين، والأولى من هذه الخمس تنشأ من الضلع الأعلى من الكتف وتملأ ما بين هذا الضلع وبين المثلث الذي على ظهر الكتف وينفذ إلى الجزء الأعلى من رأس العضد، وهو الرمانة الوحشية، وهي الخارجة عن نقرة الكتف وتتصل بهذه الرمانة مائلة يسيراً إلى الأنسي وهي تبعد العضد عن الصدر مع ميل إلى الأنسي لأنها إذا تشنجت جذبته إلى فوق، وذلك لأن تشنجها يكون إلى ظهر الكتف، وهو فوق العضد، ومع ذلك تميله إلى الأنسي لأن جهته الموضع الذي يشغله لحمها هو بالنسبة إلى موضع اتصالها بالعضد أنسي. والثانية من هذه الخمس تملأ ما بين العظم المثلث وبين الضلع الأسفل من أضلاع عظم الكتف. وتتصل برأس العضد من الجانب الوحشي جداً فيبعده عن الصدر مع ميل إلى الوحشي إما بتبعيدها له عن الصدر فلأنها ترفعه إلى فوق، ولأنها تتشنج إلى ظهر الكتف وهو أعلى من رأس العضد وإما تمييلها له إلى الوحشي فلأن الموضع الذي يشغله وحشي بالنسبة إلى رأس العضد وقد جعل الشيخ منشأ هذه من الضلع الأعلى من أضلاع الكتف. وأظن، والله أعلم، أنه من الأجزاء السفلية من ظهر الكتف. والعضلة الثالثة من الخمس مشتبكة بهذه حتى يظن أنها جزء منها وهي تفعل هذه، وقد جعل الشيخ منشأها من الضلع الأعلى من الكتف أيضاً وأظن أنه من الأجزاء العليا من الضلع المنخفض من أضلاع الكتف من دون نصفه ووترها يتصل بالأجزاء الوحشية بالحقيقة من عظم العضد فلذلك يكون تمييلها له إلى الوحشي أكبر وهي أصغر من الثانية. والعضلة الرابعة من الخمس تحشو تقعير الكتف ووترها قوي عريض جداً.

стр. 72

والعضلة الخامسة تنشأ من الأجزاء السفلية من الضلع المنخفض من أضلاع الكتف وتلتحم بالعضلة العظيمة الصاعدة من الفقار الذي عند أضلاع الخلف التحاماً طويلاً وذلك في المواضيع الأنسية من العضد فهذه عضلات تحرك عظم العضد عند هذا المفصل وله عضلة أخرى ذات رأسين. فيكون جملة عضله إحدى وعشرين عضلة سوى العضلة الصغيرة التي زادها بعضهم. والله ولي التوفيق. الفصل السابع عشر تشريح عضل حركة الساعد والكلام في هذا الفصل يشتمل على ثلاثة مباحث: البحث الأول قول كليّ في العضل المحركة للساعد قبضاً وبسطاً قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه العضل المحركة للساعد ... إلى قوله فالباسطة زوج أحد فرديه. الشرح قد علمت من كلامنا في العظام أن هذا المفصل له حركة انقباض وانبساط وحركة انكباب وانبطاح. وهذه الحركات إرادية إنما تتم بالعضل، فيجب أن يكون لهذا المفصل عضلات تحركه هذين النوعين من هذه الحركة، ويجب أن تكون المحركة قبضاً وبسطاً موضوعة على العضد حتى يكون قبضها بجذب الساعد إلى مقاربته وبسطها بجذبه إلى مباعدة، ويلزم ذلك أن يبقى منبسطاً. ويجب أن يكون لكل واحدة من هاتين الحركتين عضلتان، إذ لو كان لو احدة منهما عضلة واحدة لكانت تلك العضلة إما أن توضع في جانب من العضد أو في وسطه. فإذا كان الأول كان انجذاب الساعد إلى جهة ذلك الجانب أكثر فلا يكون الانقباض أو الانبساط مستوياً. وأيضاً يكون ثبات الساعد إلى جهة ذلك الجانب أكثر فلا يكون الانقباض أو الانبساط حينئذٍ على تلك الهيئة غير قوى. إذ تلك العضلة لا تكون حينئذٍ مانعة من حركة الساعد إلى أحد الجانبين منعاً قوياً. فإذا كان الثاني كان ثبات الساعد حينئذٍ عند انقباضه أو انبساطه على هيئته ضعيفاً لأن الجذب المحاذي للوسط في القرب أو البعد غير شديد المنع للميل إلى أحد الجانبين فيجب أن يكون لكل حركة عضلتان ويجب أن يكون تحريك كل واحدة على توريب إذ المستقيم لا يمنع الميل إلى الجانبين منعاً قوياً، ويجب أن تكون الجهة التي إليها ميل توريب كل عضلة مضادة لجهة توريب نظيرتها فتكون إحدى القابضتين مثلاً تميل إلى الجانب الأنسي، والأخرى تميل إلى الجانب الوحشي ليكون لكل واحد من الميلين مانعاً من الآخر متقاومان ويبقى الساعد حينئذٍ مستقيماً في انقباضه، وكذلك في انبساطه، ويجب أن يكون وضع كل واحدة من هذه العضلات إلى جانب من العضد يكون ثبات الساعد على حاله في الانقباض والانبساط أقوى لأن تعثر الميل حينئذٍ إلى الجانبين أكبر ويجب أن تكون هذه العضلات كلها متصلة بعظام الساعد وإلا لم يمكن جذبه، ويجب أن يكون اتصال كل واحد منها بالزند المخالف لجهتها ليتحقق الجذب المؤرب. ويلزم ذلك أن يكون وضع كل واحدة منها مؤرباً عند طرفها الذي يلي الساعد، ويجب أن تكون هذه العضلات الأربع بجملتها مجللة للعضد لئلا يبقى جزء غير مستور باللحم ولذلك يجب أن يكون على طول العضد، وها هنا سؤال وهو أنه لقائل أن يقول: إن حركات هذا المفصل أكثر من حركات مفصل العضد مع الكتف إذ في أكثر الأمر يكون ذلك المفصل ساكناً، واليد متحركة، وإذا كان كذلك، وجب أن تكون عضلات هذا المفصل أكثر عدداً من عضلات مفصل العضد مع الكتف ولا أقل أن تكون مساوية لها. وجوابه: أن الأمر ليس كذلك. وذلك لأمرين: أحدهما: أن العضلات إما أن يلزم أن تكون متكثرة بتكثير الحركات إذا كانت تلك الحركات متكثرة بالنوع، وأما إذا كانت متكثرة بالوجود فقط لم يلزم ذلك إذ قد تكون بعضلات قليلة العدد، شديدة القوة، وهذا المفصل وإن كانت حركاته توجد أكثر من حركات مفصل العضد مع الكتف فأنواعها أقل لأن العضد له أن يتحرك إلى كل واحدة من الجهات التي تعرض على محيط نقرة الكتف ولا كذلك ها هنا. وثانيهما: أن مفصل العضد مع الكتف احتيج أن يكون عنده لحم كثير ليفي يستر عظم الكتف وحشو الخلل الواقع بين المثلث على ظهره، وبين كل واحد من الضلعين الجنبيين، وذلك لئلا يبقى تسطيح الظهر مختلاً، وأولى اللحم بذلك لحم العضل لأنه مع نقصه في ذلك ينفع في حركة العضد بحسن وجاز أن يكون العضل هناك كثيراً، ولا كذلك ها هنا، فإن هذا العضل لو كان ها هنا كثيراً، لثقل العضد، وغلظ جداً، فكان تحريكه عسراً والله أعلم. البحث الثاني

стр. 73

هيئة العضلات التي بها انقباض الساعد وانبساطه قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه فالباسطة زوج أحد فرديه ... إلى قوله: وأما الباطحة للساعد. الشرح أما الزوج القابض فيجب أن يكون موضوعاً على مقدم العضد. ليكون جذبه للساعد إلى ملاقاته فيكون ذلك الانجذاب أسهل، ويجب أن يكون أحد فرديه آخذاً من أنسي مقدم العضد إلى الزند الأعلى كما قلناه. ويكون الآخر آخذاً من وحشي ومقدمه إلى الزند الأسفل، وذلك ليكون الجذب مؤرباً كما أو حيناه، ويجب أن يكون الموضوع على الأنسي أعظم وأقوى، لأن الحاجة إلى ميله إلى الوحشي لأن اليدين عند الانقباض المائل إلى الأنسي يكون إحداهما مقبلة على الأخرى وذلك أحسن أو ضاعهما في التعاون على تحريك الشيء الواحد. وهذه الكثيرة القابضة تشاهد محتوية على مقدم العضد، ويبتدئ أو لاً: من الزيق العالي من زاوية الكتف، ومن الزائدة الشبيهة بالمنقار، واتصالها بالزيق برباط قوي مستدير، واتصالها بالزوائد الشبيهة بالمنقار برباط دقيق شديد الاستدارة ثم تكثر فيها الأجزاء اللحمية، وتماس العضد إلى نصفه ثم تعلو على الفرد الآخر راكبة عليه، فإذا بلغت المرفق اتصلت بالزند الأعلى، فإذا تشنجت جذبت ذلك الزند إلى مقاربة أنسي مقدم العضد. ويلزم ذلك أن يكون ذلك الانقباض مؤرباً إلى الأنسي، وأما العضلة الأخرى فتبتدأ من العضد وحده لأن جذب الأولى لما احتيج فيه أن تكون أقوى كانت محتاجة إلى ما تستند إليه من العظام أكثر وابتداؤها من خلف رأس العضد. ومن هناك تمتد في الجانب الوحشي وتصير بتأريب إلى قدام وتلتحم بالزند الأسفل آخذة تحت العضلة الكبيرة، وإنما كان كذلك لأن هذه لو جعلت من فوق لكانت معرضة للانقطاع والتضرر عن المصادمات مع صغرها ولأن وضع الزند الأعلى أرفع فيكون ارتفاع المتصل به أولى. وأما الزوج الباسط فأحد فرديه يبتدئ من تحت مقدم رأس العضد، ويبتدئ الآخر من الضلع المنخفض من أضلاع الكتف من منتصفه ثم يتحدان حتى قد يظن أنها عضلة واحدة، وباقي هذا الزوج كما قلناه في الزوج الأول. قوله: من الزيق الأسفل من الكتف الظاهر أن هذا وقع غلطاً من النساخ، والصواب أن يقال من الزيق الأعلى لأن ذلك هو المحاذي لمقدم العضو. والله ولي التوفيق. البحث الثالث هيئة العضلات التي بها انبطاح الساعد وانكبابه قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما الباطحة للساعد فزوج ... إلى آخر الفصل. الشرح أما العضلة الطويلة الرقيقة المتصلة بالعضد فإيجابها لحركة الانبطاح فظاهر، وذلك لأن هذه تبتدئ من الجزء الأعلى من رأس العضد أعني الرأس الذي عند المرفق بما يلي ظاهر العضد، ويمتد إلى حد تقارب الرسغ، وهناك يتصل بالجزء الباطن من الزند الأعلى، ولا شك أن البعد المؤرب أطول من المستقيم. فإذا تشنجت هذه العضلة قصرت فلم تف بالتوريب واضطرت إلى أن تكون مستقيمة، وإنما يمكن ذلك بأن يصير الجزء الذي ينتهي إليه من الزند الأعلى مسامتاً للجزء الذي يبتدئ منه من رأس العضد، وإنما يمكن ذلك بأن تتسطح اليد على ظهرها حتى يصير باطن الكف عند بسطه متجهاً إلى فوق وإنما أمكن ذلك بسبب اتصال هذه العضلة بالعضد، واتصال الساعد عنه بمفصل يتمكن أحد عظميه من الآخر دون الآخر، وهو المرفق حتى يتمكن عند تشنجها تحريك الساعد إلى تلك الهيئة. فلذلك العضلة الأخرى لم يكن لها اتصال بالعضد لم يمكن أن تكون فاعلة لهذه الحركة لأن تشنجها حينئذ إنما تلزمه قوة ارتباط الزند العالي بالسافل، وشدة التلازم بينهما. ولا تلزمه هذه الحركة البتة إذ ليس لأحد الزندين أن يتحرك وحده البتة. فلذلك إذا لم يكن لهذه العضلة اتصال بالعضد فإنما يكون لها فائدة إلا أنها تشد الارتباط بين الزندين فقط، وإذا عرفت هذا في العضل الباطحة فالأمر في العضل المكبة كما في هذا بعينه، فإن العضلة القصيرة إذا لم يكن لها اتصال بالعضد لم يكن لها فعل في الكتف البتة بل ليكون فعلها موثق ارتباط أحد الزندين من الجهة المقابلة للجهة المذكورة مع الباطحة. الفصل الثامن عشر تشريح عضل الرسغ والكلام في هذا الفصل يشتمل على بحثين: البحث الأول العضلة الباسطة للرسغ قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه

стр. 74

وأما عضل تحريك المفصل ... إلى قوله: وأما العضل القابضة فزوج على الجانب الوحشي. الشرح الذي نعلمه من كلام الفضلاء في هذا الفن، والله أعلم، أن من جملة العضلات التسع التي على وحشي الساعد ثلاث عضلات عن جنبتيه: إحداهن: على الزند الأسفل منشؤها من الجزء الأسفل من رأس العضد أعني الرأس السافل حيث المرفق وينبت منها وتر فرد بسيط يتصل بالمشط قدام الخنصر وإذا تشنجت بسطت الكف كابة له على وجهه، والعضلتان الأخريان موضوعتان على الساعد تتصل إحداهن بالأخرى حتى يظن أنها عضلة واحدة إحداهما منشؤها وسط الزند الأسفل وينبت منها وتر يتصل بالإبهام، وإذا تشنجت تباعد الإبهام عن السبابة، والأخرى منشؤها من الزند الأعلى. وينبت منها وتر واحد يتصل بالعظم الأول من عظام الرسغ قدام الإبهام، وإذا تشنجت بسطت الكف قالبة له على قفاه، وإذا تشنجت هذه مع الأولى من عظام الرسغ قدام الإبهام، وإذا تشنجت هذه مع الأولى من الثلث بسطتا بسطاً مستوياً. وعضلة أخرى بين الأولى والثانية من الثلاث موضوعة على الزند الأعلى تنشأ من الأجزاء السفلية من رأس العضد أعني الذي عند المرفق ويتفرع منها وتران يتصلان بوسط المشط أحدهما قدام السبابة، والآخر قدام الوسطى وإذا تشنجت هذه بسطت الكف بسطا مستوياً، هذا ما وصل إلى ذهننا من كلامهم. والله أعلم بغيبه. البحث الثاني العضلات القابضة للرسغ قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما العضل القابضة فزوج على الجانب الوحشي ... إلى آخر الفصل. الشرح العضل القابضة للكف على ما نعرفه عضلتان في جنبي أنسي الساعد. إحداهما منشؤها من الرأس الأنسي من العضد عند المرفق ومن الرأس الزند الأسفل، ويتصل وترها بالمشط أمام الخنصر إذا انسحب قبضت الكف مع قلب قليل له على قفاه. وثانيتهما: تبتدئ من الجزء الأعلى من الرأس الأنسي من العضد ووترها يتصل بالرسغ من أمام الإبهام والسبابة وإذا تشنجت هذه وحدها قبضت الكف مكبة له على وجهه قليلاً وإذا تشنج العضلتان جميعاً انقبض الكف اقباضاً مستوياً. وإن تشنجت هذه مع التي على الجانب الوحشي أمام الخنصر انكب الكف على وجهه انكباباً ما وإن تشنجت العضلة الأولى من هاتين مع التي على الجانب الوحشي متصلة بعظم الرسغ الذي يلي الإبهام انقلب الكف على ظهره اقلاباً تاماً وليس في العضلات القابضة للكف ما هو موضوع على الجانب الوحشي كما ليس في الباسطة ما هو على الجانب الأنسي، وأما ما يخالف هذا مما هو مذكور في الكتاب فلست أفهمه. وإنما جعل المكب والباطح ها هنا هو الباسط والقابض بخلاف ما في العضلات المحركة للساعد وذلك لأن هذا العضو لصغره بقي قوة العضلة الواحدة بالفعلين، ولا كذلك الساعد. والله ولي التوفيق. الفصل التاسع عشر تشريح عضل أصابع اليد والكلام في هذا الفصل يشتمل على ستة مباحث: البحث الأول كلام كلي في هذه العضلات قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه العضل المحرك للأصابع ... إلى قوله: فالباسطة عضلة موضوعة على. الشرح قوله وكلما بعدت الرسغيات، يريد التي تمر أو تارها بالرسغ لا أنها موضوعة، فإن هذه موضوعة على الساعد. قوله: فحصنت بأغشية تأتيها من جميع الجوانب معناه: فحصنت من جميع الجوانب بأغشية تأتيها لأن التحصين هو من كل جانب لأن تلك الأغشية تستدير عليها فتحيط بها من كل جانب لأن الأغشية تستدير عليها فتحيط بها من كل جانب وأما إتيانها إليها فليس من كل جانب بل لكل نوع منها جانب ما يأتي الأغشية منه كما نذكره. وإنما حصنت من جميع الجوانب لتوقي ضرر كل مؤذ إما من خارج كالمصادمات والصلابات الملاقية بعنف، وإما من داخل كالعظام المؤلمة لها لصلابتها وخلقت هذه الأوتار مستديرة لتكون أبعد عن قبول الآفات. فإذا وصلت إلى حيث تلاقي العضو استعرضت لتصل بأجزاء أكثر حال حركته فيكون المتحرك بها غير قلق في وضعه وجميع الباسطة موضوعة على الساعد لأنها لا بد أن تكون من جهة ظاهر الكف وهو يجب أن يكون قليل اللحم جداً كما نبينه فيما بعد. قوله: وكذلك المحركة إياها إلى أسفل. هذا مشكل فإن بعض ما يميل إلى أسفل موضوع في باطن الكف على ما تدري من بعد والله ولي التوفيق. البحث الثاني تشريح العضلة الباسطة لغير الإبهام

стр. 75

من الأصابع قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه فمن الباسطة عضلة موضوعة ... إلى قوله: وأما المميلة إلى أسفل فثلاث. الشرح لقائل أن يقول: لم خلق لبسط الأصابع الأربع عضلة واحدة وخلق لانقباضها عضلات كثيرة. وكان ينبغي أن يكون بالعكس لأن إشالة الثقيل أعسر من حطه. وجوابه: إن الحركة القوية التي تحتاج إليها الأصابع عند الأعمال إنما هي حركة الانقباض وذلك في مثل الإمساك القوي وجر الأثقال ونحو ذلك. وأما حركة الانبساط فهو في الحقيقة كترك العمل بالأصابع فلذلك إنما يحتاج أن تكون القوة فيه بقدر يقوى على رفع الأصابع فقط وهي قليلة الثقل فلذلك تكفي فيها قوة يسيرة، فلذلك كفى الأربعة عضلة واحدة، وهذه العضلة تحتاج أن تكون قوتها قوية، لأنها تحرك أربعة أعضاء، فلذلك خلقت عظيمة، ومنشؤها من الجزء المشرف من الرأس الوحشي من الطرف السافل للعضد، ويمتد في وسط وحشي الساعد. أعني ما بين أعلى ذلك الجنب وأسفله، وإنما خلقت كذلك ليكون ما يتوزع منها من الأوتار آخذاً إلى الأصابع على الوجه العدل، فلا تكون بعض الطرفيات أقرب إليها من مقابلها من الطرف الآخر. والله ولي التوفيق. البحث الثالث العضلات المميلة للأصابع إلى أسفل لموضوعة على وحشي الساعد قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما المميلة إلى أسفل فثلاث ... إلى قوله: وأما القابضة فمنها ما على الساعد. الشرح إن الإنسان يحتاج في أعماله إلى تمييل أصابعه تارة إلى أسفل، وتارة إلى فوق، وتارة إلى تمييل بعضها إلى أسفل وبعضها إلى فوق وذلك عند إرادة القبض على شيء عظيم لأن جملة الأصابع تكون حينئذٍ كالمحيطة بالممسوك وتحتاج أن تكون هذه الحركات قوية لتقوى الأصابع حينئذٍ على شدة إمساك ما تحتوي عليه ورفع ثقله، فلذلك خلق لها عضلات كثيرة، وحاجة المميلة إلى أسفل إلى قوة شديدة أشد لأن الأصابع حينئذٍ تحتاج إلى قوة الإحاطة مع قوة رفع ثقل الممسوك، فلذلك احتيج لها إلى عضلات قوية جداً، فاحتيج أن تكون بعض عضلاتها كبارا جداً، فاحتيج أن يكون تلك على الساعد إذ الكف لا يحتمل ذلك لأجل صغره، ولا كذلك إذا كانت مائلة إلى فوق لأنها حينئذٍ إنما تحتاج إلى قوة الإحاطة فقط. وكان ينبغي أن تكون هذه العضلات على عدد الأصابع المتحركة بها، لكن الإبهام لما كانت قوتها تحتاج أن تكون قوية حتى تكون في قوة إصبعين، وجعل لها عضلة واحدة وكفى لكل إصبعين من الباقية عضلة واحدة فلذلك صارت هذه العضلات ثلاثاً، وخلقت من جانبي العضلة الباسطة لأن تلك لما كانت حركاتها مؤربة كان أحسن أو ضاعها الطرفان، ولما كان تأريب هذه الحركات إلى جهة ظاهر الكف خلقت عضلها من الجهة الوحشية. وخلق للإبهام وحدها عضلة واحدة والباقي لكل إصبعين عضلة لأن الإبهام يحتاج إلى قوة قوية تقارب ضعف قوة كل واحدة من الأصابع الأخرى، وخلقت المحركة للخنصر والبنصر أعظم من المحركة للوسطى والسبابة وذلك لأمرين: أحدهما: ضيق المكان على المحركة للوسطى والسبابة لأنها تحتاج أن تكون من جهة أعلى الجانب الوحشي من الساعد، وفي ذلك الجانب العضلة المحركة للإبهام أيضاً فضاق المكان عليهما فاحتيج أن تكونا صغيرتين وأن يكون الاتصال بينهما كثيراً، فلذلك قد يظن أنهما عضلة واحدة ولا كذلك مكان المحركة للخنصر والبنصر فإن مكانهما لا يزاحمهما فيه غيرهما. فأمكن أن تكون عظيمة. وثانيهما: أن هذه الحركة تحتاج أن يكون الخنصر والبنصر أقوى لما قلناه فيحتاج أن يكون عضلهما أعظم. قوله: فثلاث منها يتصل بعضها ببعض. أما اتصال المحركة للإبهام بالمحركة للوسطى والسبابة فذلك ظاهر وشبيه ما قلناه، وأما الأخرى فظاهر أنها إنما تتصل بالوسطى الباسطة للأصابع الأربع لأنها مجاورة لها بخلاف المميلة للوسطى والسبابة. والله ولي التوفيق. البحث الرابع العضلات القابضة للأصابع الموضوعة على أنسي الساعد قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما القابضة فمنها ما هي على الساعد ... إلى قوله: وأما العضلة الثالثة فليست للقبض ولكنها تنفذ. الشرح
следующие страницы →