Полный текст (179 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
أما الأولى من هاتين العضلتين فهي أغلظ وأطول من جميع العضل المحركة لعظم العضد ومنشؤها من الفقار الذي يتصل بها أضلاع الخلف ويلتحم على عضل الصدر صاعدة حتى تلتحم أيضاً بقاعدة الكتف ثم تمتد إلى قدام على تأريب يسير ملتحمة مسافة ما على العضل الموضوع على الضلع المنخفض من أضلاع الكتف فإذا بلغت محاذاة الإبط صعدت إلى عظم العضد والتحمت به بوتر قوي جداً إلى العرض ما هو والتحامها به من الناحية الداخلة من وتر العضلة العظيمة الصاعدة التي تقدم ذكرها وهي إحدى تلك العضلات الثلاث. وهذه العضلة تلتحم بعضلتين: إحداهما: موضوعة فوقها في نفس الإبط.
والأخرى تبلغ إلى مفصل المرفق.
وإذا تشنجت هذه العضلة جذبت العضد إلى جهة ضلوع الخلف، لان تشنجها يكون إلى هناك، وإنما خلقت عظيمة لأن تحريك المستطيل من طرف هذه الحركة عسر جداً.
وأما العضلة الثانية فهي عند مبدئها رقيقة جداً، وتزداد غلظاً كلما ارتفعت ومبدؤها من الأغشية التي تحت الجلد الذي على عظم الخاصرة. فلذلك ولرقتها هناك جهلها كثير من المشرحين، لأنها تنكشط مع الجلد عند السلخ فلا يظهر لهم، فإذا بلغت الإبط ازدادت غلظاً كثيراً حتى ترى هناك عضلة ظاهرة وينتهي إلى وتر غشائي. وهذه تفعل فعل الأولى لأن مبدأ هذه أميل إلى قدام من تلك. وتتصل بطرف العضد فإذا جذبت بتشنجها رأس العضل إلى قدام مال ما فيه إلى خلف، وإنما لم تحتج هذه عند مبدئها أن تكون متصلة بعظم لأنها لطولها تكثر الأجزاء التي تتصل بها من الأغشية ونحوها فيقوم ذلك لها مقام العظم لو كانت قصيرة، وسبب اختصاص هذه بذلك أنها مع عظمها لا تحتاج أن تكون قوية جداً لأنها يقصد منها فعل مستقل بل أن تكون معينة للمذكورة قبلها. والله ولي التوفيق.
البحث الثالث باقي عضلات هذا المفصل قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وخمس عضلات منشؤها من عظم الكتف عضلة منها ... إلى آخر الفصل.
الشرح قد علمت أن عظم الكتف على ظهره عظم مثلث فإذا لم يمتل جانباه لحماً، ولم يختف بعظم الكتف لحم، لم يمكن تسطح ظاهر البدن هناك مستحسناً وكان نتوء الجلد يعده للتضرر بالملاقيات، ولحم العضل أولى بذلك لأنه مع نفعه هذه المنفعة يفيد في تحريك العضد فلذلك خلق على هذا العظم خمس عضلات كبار ذوات أو تار عراض قوية كلها تلتحم بعظم العضد. وهذه العضلات بعضها فيما بين العظم الدرقي المثلث والضلع العالي من عظم الكتف، وبعضها فيما بين ذلك المثلث، وبين الضلع السافل من عظم الكتف، وبعضها في غير هذين الموضعين، والأولى من هذه الخمس تنشأ من الضلع الأعلى من الكتف وتملأ ما بين هذا الضلع وبين المثلث الذي على ظهر الكتف وينفذ إلى الجزء الأعلى من رأس العضد، وهو الرمانة الوحشية، وهي الخارجة عن نقرة الكتف وتتصل بهذه الرمانة مائلة يسيراً إلى الأنسي وهي تبعد العضد عن الصدر مع ميل إلى الأنسي لأنها إذا تشنجت جذبته إلى فوق، وذلك لأن تشنجها يكون إلى ظهر الكتف، وهو فوق العضد، ومع ذلك تميله إلى الأنسي لأن جهته الموضع الذي يشغله لحمها هو بالنسبة إلى موضع اتصالها بالعضد أنسي.
والثانية من هذه الخمس تملأ ما بين العظم المثلث وبين الضلع الأسفل من أضلاع عظم الكتف. وتتصل برأس العضد من الجانب الوحشي جداً فيبعده عن الصدر مع ميل إلى الوحشي إما بتبعيدها له عن الصدر فلأنها ترفعه إلى فوق، ولأنها تتشنج إلى ظهر الكتف وهو أعلى من رأس العضد وإما تمييلها له إلى الوحشي فلأن الموضع الذي يشغله وحشي بالنسبة إلى رأس العضد وقد جعل الشيخ منشأ هذه من الضلع الأعلى من أضلاع الكتف.
وأظن، والله أعلم، أنه من الأجزاء السفلية من ظهر الكتف.
والعضلة الثالثة من الخمس مشتبكة بهذه حتى يظن أنها جزء منها وهي تفعل هذه، وقد جعل الشيخ منشأها من الضلع الأعلى من الكتف أيضاً وأظن أنه من الأجزاء العليا من الضلع المنخفض من أضلاع الكتف من دون نصفه ووترها يتصل بالأجزاء الوحشية بالحقيقة من عظم العضد فلذلك يكون تمييلها له إلى الوحشي أكبر وهي أصغر من الثانية. والعضلة الرابعة من الخمس تحشو تقعير الكتف ووترها قوي عريض جداً.
стр. 72
والعضلة الخامسة تنشأ من الأجزاء السفلية من الضلع المنخفض من أضلاع الكتف وتلتحم بالعضلة العظيمة الصاعدة من الفقار الذي عند أضلاع الخلف التحاماً طويلاً وذلك في المواضيع الأنسية من العضد فهذه عضلات تحرك عظم العضد عند هذا المفصل وله عضلة أخرى ذات رأسين. فيكون جملة عضله إحدى وعشرين عضلة سوى العضلة الصغيرة التي زادها بعضهم. والله ولي التوفيق.
الفصل السابع عشر
تشريح عضل حركة الساعد والكلام في هذا الفصل يشتمل على ثلاثة مباحث: البحث الأول قول كليّ في العضل المحركة للساعد قبضاً وبسطاً قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه العضل المحركة للساعد ... إلى قوله فالباسطة زوج أحد فرديه.
الشرح قد علمت من كلامنا في العظام أن هذا المفصل له حركة انقباض وانبساط وحركة انكباب وانبطاح. وهذه الحركات إرادية إنما تتم بالعضل، فيجب أن يكون لهذا المفصل عضلات تحركه هذين النوعين من هذه الحركة، ويجب أن تكون المحركة قبضاً وبسطاً موضوعة على العضد حتى يكون قبضها بجذب الساعد إلى مقاربته وبسطها بجذبه إلى مباعدة، ويلزم ذلك أن يبقى منبسطاً.
ويجب أن يكون لكل واحدة من هاتين الحركتين عضلتان، إذ لو كان لو احدة منهما عضلة واحدة لكانت تلك العضلة إما أن توضع في جانب من العضد أو في وسطه. فإذا كان الأول كان انجذاب الساعد إلى جهة ذلك الجانب أكثر فلا يكون الانقباض أو الانبساط مستوياً. وأيضاً يكون ثبات الساعد إلى جهة ذلك الجانب أكثر فلا يكون الانقباض أو الانبساط حينئذٍ على تلك الهيئة غير قوى. إذ تلك العضلة لا تكون حينئذٍ مانعة من حركة الساعد إلى أحد الجانبين منعاً قوياً. فإذا كان الثاني كان ثبات الساعد حينئذٍ عند انقباضه أو انبساطه على هيئته ضعيفاً لأن الجذب المحاذي للوسط في القرب أو البعد غير شديد المنع للميل إلى أحد الجانبين فيجب أن يكون لكل حركة عضلتان ويجب أن يكون تحريك كل واحدة على توريب إذ المستقيم لا يمنع الميل إلى الجانبين منعاً قوياً، ويجب أن تكون الجهة التي إليها ميل توريب كل عضلة مضادة لجهة توريب نظيرتها فتكون إحدى القابضتين مثلاً تميل إلى الجانب الأنسي، والأخرى تميل إلى الجانب الوحشي ليكون لكل واحد من الميلين مانعاً من الآخر متقاومان ويبقى الساعد حينئذٍ مستقيماً في انقباضه، وكذلك في انبساطه، ويجب أن يكون وضع كل واحدة من هذه العضلات إلى جانب من العضد يكون ثبات الساعد على حاله في الانقباض والانبساط أقوى لأن تعثر الميل حينئذٍ إلى الجانبين أكبر ويجب أن تكون هذه العضلات كلها متصلة بعظام الساعد وإلا لم يمكن جذبه، ويجب أن يكون اتصال كل واحد منها بالزند المخالف لجهتها ليتحقق الجذب المؤرب. ويلزم ذلك أن يكون وضع كل واحدة منها مؤرباً عند طرفها الذي يلي الساعد، ويجب أن تكون هذه العضلات الأربع بجملتها مجللة للعضد لئلا يبقى جزء غير مستور باللحم ولذلك يجب أن يكون على طول العضد، وها هنا سؤال وهو أنه لقائل أن يقول: إن حركات هذا المفصل أكثر من حركات مفصل العضد مع الكتف إذ في أكثر الأمر يكون ذلك المفصل ساكناً، واليد متحركة، وإذا كان كذلك، وجب أن تكون عضلات هذا المفصل أكثر عدداً من عضلات مفصل العضد مع الكتف ولا أقل أن تكون مساوية لها.
وجوابه: أن الأمر ليس كذلك. وذلك لأمرين: أحدهما: أن العضلات إما أن يلزم أن تكون متكثرة بتكثير الحركات إذا كانت تلك الحركات متكثرة بالنوع، وأما إذا كانت متكثرة بالوجود فقط لم يلزم ذلك إذ قد تكون بعضلات قليلة العدد، شديدة القوة، وهذا المفصل وإن كانت حركاته توجد أكثر من حركات مفصل العضد مع الكتف فأنواعها أقل لأن العضد له أن يتحرك إلى كل واحدة من الجهات التي تعرض على محيط نقرة الكتف ولا كذلك ها هنا.
وثانيهما: أن مفصل العضد مع الكتف احتيج أن يكون عنده لحم كثير ليفي يستر عظم الكتف وحشو الخلل الواقع بين المثلث على ظهره، وبين كل واحد من الضلعين الجنبيين، وذلك لئلا يبقى تسطيح الظهر مختلاً، وأولى اللحم بذلك لحم العضل لأنه مع نقصه في ذلك ينفع في حركة العضد بحسن وجاز أن يكون العضل هناك كثيراً، ولا كذلك ها هنا، فإن هذا العضل لو كان ها هنا كثيراً، لثقل العضد، وغلظ جداً، فكان تحريكه عسراً والله أعلم.
البحث الثاني
стр. 73
هيئة العضلات التي بها انقباض الساعد وانبساطه قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه فالباسطة زوج أحد فرديه ... إلى قوله: وأما الباطحة للساعد.
الشرح أما الزوج القابض فيجب أن يكون موضوعاً على مقدم العضد. ليكون جذبه للساعد إلى ملاقاته فيكون ذلك الانجذاب أسهل، ويجب أن يكون أحد فرديه آخذاً من أنسي مقدم العضد إلى الزند الأعلى كما قلناه. ويكون الآخر آخذاً من وحشي ومقدمه إلى الزند الأسفل، وذلك ليكون الجذب مؤرباً كما أو حيناه، ويجب أن يكون الموضوع على الأنسي أعظم وأقوى، لأن الحاجة إلى ميله إلى الوحشي لأن اليدين عند الانقباض المائل إلى الأنسي يكون إحداهما مقبلة على الأخرى وذلك أحسن أو ضاعهما في التعاون على تحريك الشيء الواحد. وهذه الكثيرة القابضة تشاهد محتوية على مقدم العضد، ويبتدئ أو لاً: من الزيق العالي من زاوية الكتف، ومن الزائدة الشبيهة بالمنقار، واتصالها بالزيق برباط قوي مستدير، واتصالها بالزوائد الشبيهة بالمنقار برباط دقيق شديد الاستدارة ثم تكثر فيها الأجزاء اللحمية، وتماس العضد إلى نصفه ثم تعلو على الفرد الآخر راكبة عليه، فإذا بلغت المرفق اتصلت بالزند الأعلى، فإذا تشنجت جذبت ذلك الزند إلى مقاربة أنسي مقدم العضد. ويلزم ذلك أن يكون ذلك الانقباض مؤرباً إلى الأنسي، وأما العضلة الأخرى فتبتدأ من العضد وحده لأن جذب الأولى لما احتيج فيه أن تكون أقوى كانت محتاجة إلى ما تستند إليه من العظام أكثر وابتداؤها من خلف رأس العضد. ومن هناك تمتد في الجانب الوحشي وتصير بتأريب إلى قدام وتلتحم بالزند الأسفل آخذة تحت العضلة الكبيرة، وإنما كان كذلك لأن هذه لو جعلت من فوق لكانت معرضة للانقطاع والتضرر عن المصادمات مع صغرها ولأن وضع الزند الأعلى أرفع فيكون ارتفاع المتصل به أولى.
وأما الزوج الباسط فأحد فرديه يبتدئ من تحت مقدم رأس العضد، ويبتدئ الآخر من الضلع المنخفض من أضلاع الكتف من منتصفه ثم يتحدان حتى قد يظن أنها عضلة واحدة، وباقي هذا الزوج كما قلناه في الزوج الأول.
قوله: من الزيق الأسفل من الكتف الظاهر أن هذا وقع غلطاً من النساخ، والصواب أن يقال من الزيق الأعلى لأن ذلك هو المحاذي لمقدم العضو. والله ولي التوفيق.
البحث الثالث هيئة العضلات التي بها انبطاح الساعد وانكبابه قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما الباطحة للساعد فزوج ... إلى آخر الفصل.
الشرح أما العضلة الطويلة الرقيقة المتصلة بالعضد فإيجابها لحركة الانبطاح فظاهر، وذلك لأن هذه تبتدئ من الجزء الأعلى من رأس العضد أعني الرأس الذي عند المرفق بما يلي ظاهر العضد، ويمتد إلى حد تقارب الرسغ، وهناك يتصل بالجزء الباطن من الزند الأعلى، ولا شك أن البعد المؤرب أطول من المستقيم. فإذا تشنجت هذه العضلة قصرت فلم تف بالتوريب واضطرت إلى أن تكون مستقيمة، وإنما يمكن ذلك بأن يصير الجزء الذي ينتهي إليه من الزند الأعلى مسامتاً للجزء الذي يبتدئ منه من رأس العضد، وإنما يمكن ذلك بأن تتسطح اليد على ظهرها حتى يصير باطن الكف عند بسطه متجهاً إلى فوق وإنما أمكن ذلك بسبب اتصال هذه العضلة بالعضد، واتصال الساعد عنه بمفصل يتمكن أحد عظميه من الآخر دون الآخر، وهو المرفق حتى يتمكن عند تشنجها تحريك الساعد إلى تلك الهيئة. فلذلك العضلة الأخرى لم يكن لها اتصال بالعضد لم يمكن أن تكون فاعلة لهذه الحركة لأن تشنجها حينئذ إنما تلزمه قوة ارتباط الزند العالي بالسافل، وشدة التلازم بينهما. ولا تلزمه هذه الحركة البتة إذ ليس لأحد الزندين أن يتحرك وحده البتة.
فلذلك إذا لم يكن لهذه العضلة اتصال بالعضد فإنما يكون لها فائدة إلا أنها تشد الارتباط بين الزندين فقط، وإذا عرفت هذا في العضل الباطحة فالأمر في العضل المكبة كما في هذا بعينه، فإن العضلة القصيرة إذا لم يكن لها اتصال بالعضد لم يكن لها فعل في الكتف البتة بل ليكون فعلها موثق ارتباط أحد الزندين من الجهة المقابلة للجهة المذكورة مع الباطحة.
الفصل الثامن عشر
تشريح عضل الرسغ
والكلام في هذا الفصل يشتمل على بحثين: البحث الأول العضلة الباسطة للرسغ قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه
стр. 74
وأما عضل تحريك المفصل ... إلى قوله: وأما العضل القابضة فزوج على الجانب الوحشي.
الشرح الذي نعلمه من كلام الفضلاء في هذا الفن، والله أعلم، أن من جملة العضلات التسع التي على وحشي الساعد ثلاث عضلات عن جنبتيه: إحداهن: على الزند الأسفل منشؤها من الجزء الأسفل من رأس العضد أعني الرأس السافل حيث المرفق وينبت منها وتر فرد بسيط يتصل بالمشط قدام الخنصر وإذا تشنجت بسطت الكف كابة له على وجهه، والعضلتان الأخريان موضوعتان على الساعد تتصل إحداهن بالأخرى حتى يظن أنها عضلة واحدة إحداهما منشؤها وسط الزند الأسفل وينبت منها وتر يتصل بالإبهام، وإذا تشنجت تباعد الإبهام عن السبابة، والأخرى منشؤها من الزند الأعلى.
وينبت منها وتر واحد يتصل بالعظم الأول من عظام الرسغ قدام الإبهام، وإذا تشنجت بسطت الكف قالبة له على قفاه، وإذا تشنجت هذه مع الأولى من عظام الرسغ قدام الإبهام، وإذا تشنجت هذه مع الأولى من الثلث بسطتا بسطاً مستوياً.
وعضلة أخرى بين الأولى والثانية من الثلاث موضوعة على الزند الأعلى تنشأ من الأجزاء السفلية من رأس العضد أعني الذي عند المرفق ويتفرع منها وتران يتصلان بوسط المشط أحدهما قدام السبابة، والآخر قدام الوسطى وإذا تشنجت هذه بسطت الكف بسطا مستوياً، هذا ما وصل إلى ذهننا من كلامهم. والله أعلم بغيبه.
البحث الثاني العضلات القابضة للرسغ قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما العضل القابضة فزوج على الجانب الوحشي ... إلى آخر الفصل.
الشرح العضل القابضة للكف على ما نعرفه عضلتان في جنبي أنسي الساعد. إحداهما منشؤها من الرأس الأنسي من العضد عند المرفق ومن الرأس الزند الأسفل، ويتصل وترها بالمشط أمام الخنصر إذا انسحب قبضت الكف مع قلب قليل له على قفاه.
وثانيتهما: تبتدئ من الجزء الأعلى من الرأس الأنسي من العضد ووترها يتصل بالرسغ من أمام الإبهام والسبابة وإذا تشنجت هذه وحدها قبضت الكف مكبة له على وجهه قليلاً وإذا تشنج العضلتان جميعاً انقبض الكف اقباضاً مستوياً. وإن تشنجت هذه مع التي على الجانب الوحشي أمام الخنصر انكب الكف على وجهه انكباباً ما وإن تشنجت العضلة الأولى من هاتين مع التي على الجانب الوحشي متصلة بعظم الرسغ الذي يلي الإبهام انقلب الكف على ظهره اقلاباً تاماً وليس في العضلات القابضة للكف ما هو موضوع على الجانب الوحشي كما ليس في الباسطة ما هو على الجانب الأنسي، وأما ما يخالف هذا مما هو مذكور في الكتاب فلست أفهمه.
وإنما جعل المكب والباطح ها هنا هو الباسط والقابض بخلاف ما في العضلات المحركة للساعد وذلك لأن هذا العضو لصغره بقي قوة العضلة الواحدة بالفعلين، ولا كذلك الساعد. والله ولي التوفيق.
الفصل التاسع عشر
تشريح عضل أصابع اليد
والكلام في هذا الفصل يشتمل على ستة مباحث: البحث الأول كلام كلي في هذه العضلات قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه العضل المحرك للأصابع ... إلى قوله: فالباسطة عضلة موضوعة على.
الشرح قوله وكلما بعدت الرسغيات، يريد التي تمر أو تارها بالرسغ لا أنها موضوعة، فإن هذه موضوعة على الساعد.
قوله: فحصنت بأغشية تأتيها من جميع الجوانب معناه: فحصنت من جميع الجوانب بأغشية تأتيها لأن التحصين هو من كل جانب لأن تلك الأغشية تستدير عليها فتحيط بها من كل جانب لأن الأغشية تستدير عليها فتحيط بها من كل جانب وأما إتيانها إليها فليس من كل جانب بل لكل نوع منها جانب ما يأتي الأغشية منه كما نذكره. وإنما حصنت من جميع الجوانب لتوقي ضرر كل مؤذ إما من خارج كالمصادمات والصلابات الملاقية بعنف، وإما من داخل كالعظام المؤلمة لها لصلابتها وخلقت هذه الأوتار مستديرة لتكون أبعد عن قبول الآفات. فإذا وصلت إلى حيث تلاقي العضو استعرضت لتصل بأجزاء أكثر حال حركته فيكون المتحرك بها غير قلق في وضعه وجميع الباسطة موضوعة على الساعد لأنها لا بد أن تكون من جهة ظاهر الكف وهو يجب أن يكون قليل اللحم جداً كما نبينه فيما بعد.
قوله: وكذلك المحركة إياها إلى أسفل. هذا مشكل فإن بعض ما يميل إلى أسفل موضوع في باطن الكف على ما تدري من بعد والله ولي التوفيق.
البحث الثاني تشريح العضلة الباسطة لغير الإبهام
стр. 75
من الأصابع قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه فمن الباسطة عضلة موضوعة ... إلى قوله: وأما المميلة إلى أسفل فثلاث.
الشرح لقائل أن يقول: لم خلق لبسط الأصابع الأربع عضلة واحدة وخلق لانقباضها عضلات كثيرة. وكان ينبغي أن يكون بالعكس لأن إشالة الثقيل أعسر من حطه.
وجوابه: إن الحركة القوية التي تحتاج إليها الأصابع عند الأعمال إنما هي حركة الانقباض وذلك في مثل الإمساك القوي وجر الأثقال ونحو ذلك.
وأما حركة الانبساط فهو في الحقيقة كترك العمل بالأصابع فلذلك إنما يحتاج أن تكون القوة فيه بقدر يقوى على رفع الأصابع فقط وهي قليلة الثقل فلذلك تكفي فيها قوة يسيرة، فلذلك كفى الأربعة عضلة واحدة، وهذه العضلة تحتاج أن تكون قوتها قوية، لأنها تحرك أربعة أعضاء، فلذلك خلقت عظيمة، ومنشؤها من الجزء المشرف من الرأس الوحشي من الطرف السافل للعضد، ويمتد في وسط وحشي الساعد. أعني ما بين أعلى ذلك الجنب وأسفله، وإنما خلقت كذلك ليكون ما يتوزع منها من الأوتار آخذاً إلى الأصابع على الوجه العدل، فلا تكون بعض الطرفيات أقرب إليها من مقابلها من الطرف الآخر. والله ولي التوفيق.
البحث الثالث العضلات المميلة للأصابع إلى أسفل لموضوعة على وحشي الساعد قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما المميلة إلى أسفل فثلاث ... إلى قوله: وأما القابضة فمنها ما على الساعد.
الشرح إن الإنسان يحتاج في أعماله إلى تمييل أصابعه تارة إلى أسفل، وتارة إلى فوق، وتارة إلى تمييل بعضها إلى أسفل وبعضها إلى فوق وذلك عند إرادة القبض على شيء عظيم لأن جملة الأصابع تكون حينئذٍ كالمحيطة بالممسوك وتحتاج أن تكون هذه الحركات قوية لتقوى الأصابع حينئذٍ على شدة إمساك ما تحتوي عليه ورفع ثقله، فلذلك خلق لها عضلات كثيرة، وحاجة المميلة إلى أسفل إلى قوة شديدة أشد لأن الأصابع حينئذٍ تحتاج إلى قوة الإحاطة مع قوة رفع ثقل الممسوك، فلذلك احتيج لها إلى عضلات قوية جداً، فاحتيج أن تكون بعض عضلاتها كبارا جداً، فاحتيج أن يكون تلك على الساعد إذ الكف لا يحتمل ذلك لأجل صغره، ولا كذلك إذا كانت مائلة إلى فوق لأنها حينئذٍ إنما تحتاج إلى قوة الإحاطة فقط. وكان ينبغي أن تكون هذه العضلات على عدد الأصابع المتحركة بها، لكن الإبهام لما كانت قوتها تحتاج أن تكون قوية حتى تكون في قوة إصبعين، وجعل لها عضلة واحدة وكفى لكل إصبعين من الباقية عضلة واحدة فلذلك صارت هذه العضلات ثلاثاً، وخلقت من جانبي العضلة الباسطة لأن تلك لما كانت حركاتها مؤربة كان أحسن أو ضاعها الطرفان، ولما كان تأريب هذه الحركات إلى جهة ظاهر الكف خلقت عضلها من الجهة الوحشية. وخلق للإبهام وحدها عضلة واحدة والباقي لكل إصبعين عضلة لأن الإبهام يحتاج إلى قوة قوية تقارب ضعف قوة كل واحدة من الأصابع الأخرى، وخلقت المحركة للخنصر والبنصر أعظم من المحركة للوسطى والسبابة وذلك لأمرين: أحدهما: ضيق المكان على المحركة للوسطى والسبابة لأنها تحتاج أن تكون من جهة أعلى الجانب الوحشي من الساعد، وفي ذلك الجانب العضلة المحركة للإبهام أيضاً فضاق المكان عليهما فاحتيج أن تكونا صغيرتين وأن يكون الاتصال بينهما كثيراً، فلذلك قد يظن أنهما عضلة واحدة ولا كذلك مكان المحركة للخنصر والبنصر فإن مكانهما لا يزاحمهما فيه غيرهما. فأمكن أن تكون عظيمة.
وثانيهما: أن هذه الحركة تحتاج أن يكون الخنصر والبنصر أقوى لما قلناه فيحتاج أن يكون عضلهما أعظم.
قوله: فثلاث منها يتصل بعضها ببعض. أما اتصال المحركة للإبهام بالمحركة للوسطى والسبابة فذلك ظاهر وشبيه ما قلناه، وأما الأخرى فظاهر أنها إنما تتصل بالوسطى الباسطة للأصابع الأربع لأنها مجاورة لها بخلاف المميلة للوسطى والسبابة. والله ولي التوفيق.
البحث الرابع العضلات القابضة للأصابع الموضوعة على أنسي الساعد قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما القابضة فمنها ما هي على الساعد ... إلى قوله: وأما العضلة الثالثة فليست للقبض ولكنها تنفذ.
الشرح
стр. 76
لما كانت العضلات القابضة للأصابع تحتاج أن يلاقيها من باطنها لا جرم فإن وضعها من تلك الجهة. ولأن هذه الحركة تحتاج أن تكون قوية فلذلك جعل لها عضلات أكثر مما للباسطة كما قلناه، ولذلك أيضاً جعل بعضها موضوعاً على الساعد للحاجة فيه إلى أن يكون عظيماً.
وهذا الموضوع على الساعد عند جالينوس عضلتان فقط.
وأما الثلاثة فليست عنده للقبض كما ظنه بعض الأقدمين بل لفوائد أخرى سنشير إليها ولكنها عدت مع القابضة بناء على قول الأقدمين، وإنما كانت هذه العضلات موضوعة في وسط أنسي الساعد أعني وسط ما بين أعلاه وأسفله للسبب الذي له خلقت الباسطة في وسط وحشي الساعد، وقد ذكرناه هناك.
ولما وجب أن تكون كلها في الوسط لم يكن بد من أن يكون بعضها فوق بعض أعني بالفوق ها هنا ما يكون فوقاً إذا كان الساعد ملقى على ظهره، ولزم ذلك فائدة وهي أن يكون بعضها مستوراً بالبعض ليكون المستور محروساً بالساتر، فلذلك كان أشرفها الذي يلاقي العظم لأنها محروسة بالباقي وإنما كانت هذه أشرف لأن تحريكها اشرف لأنها تحرك مفصلين من الأصابع، ولا كذلك الأخرى، ولذلك جعلت هذه أعظم مع أن المجلل ينبغي أن يكون أعظم مما يجلله.
قوله: متصلاً بالزند الأسفل سبب ذلك أن الزند الأعلى منحرف إلى الجانب الوحشي فيبقى وسط الجانب الأنسي في الزند الأسفل فقط. وهذه العضلة العظيمة القابضة خلق وترها يستعرض أو لاً ثم ينقسم إلى خمسة أو تار، وأما الباسطة فإن انقسام أو تارها يكون أو لاً وينقسم إلى أربعة أو تار فقط والسبب في ذلك أما الأول: فلأن هذه العضلة تعلوها عضلات أخر، فلو لم تستعرض أو تارها أو لاً جملة لكان موضعها يرتفع كثيراً إذ غير المستعرض يكون سمكه أكبر، ولا كذلك الباسطة، فإنها لا يعلوها غيرها من العضل، فتكون أو تارها معرضة للضرر والانفعال عن الملاقيات، فكان الأولى لها أن تكون مستديرة من أو ل بروزها. وأما الثاني فلأن هذه العضلة القابضة لما كانت تستعين على قبض الأصابع بعضلات أخرى أمكن تقسيمها على الخمس، ولا كذلك هذه الباسطة، فاقتصر بها على تحريك الأصابع الأربعة، وخلق للإبهام واحدة على حدة.
قوله: وقد جعل الإبهام مقتصراً في الانقباض على عضلة واحدة والأربع تنقبض بعضلتين عضلتين هذا إنما يصح إذا أراد بهذه العضلات، العضلات التي في الساعد وحينئذٍ لا تكون العلة المذكورة صحيحة. وإنما قلنا إنه إنما يستقيم إذا أريد ذلك لأن العضلات التي في باطن الراحة منها ثلاث عضلات تقبض الإبهام وثمان إذا اجتمع منها اثنتان اثنتان منها على الفعل قبضتا إصبعاً قبضاً مستوياً.
فلذلك أو تار هذه خمسة دون الباسطة. والله ولي التوفيق.
البحث الخامس تشريح العضلة المفروشة عل باطن الكف قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما العضلة الثالثة فليست ... إلى قوله: وأما العضل التي في الكف نفسها فهي.
الشرح هذه العضلة هي أرق العضلات التي على الساعد وفوق جميع ما في وسط أنسي الساعد حتى تماس الجلد، ويمتد لها أو لاً وتر مدور من فوق الرسغ بكثير إذا تجاوز الرسغ استعرض وانفرش والتحم بجلدة باطن الكف، وقد قال بعض قدماء المشرحين إنها ثلثي الأصابع كلها.
وجالينوس ينكر ذلك، وقد ذكر لها منافع: إحداها لتفيد الموضع حساً، وينبغي أن يعني بذلك، أنها تجعل ما تحت الجلد الذي هناك حساساً حتى لو فسد حس ذلك الجلد قامت مقامه في الحس وإنما اختص هذا الموضع بذلك لأن الحاجة إلى الحس في باطن الكف أكثر مما في باقي الأعضاء، مع أن الأعمال التي تحاولها اليد أكثرها مفسدة لحس ذلك الجلد، وذلك كحمل الأثقال ونحو ذلك مما يغلظ له هذا الجلد.
ولقائل أن يقول: لو كان الأمر كذلك لكانت خلقة هذه العضلة معطلة لأن الحس إنما يكون بالعصب فيكون خلط ذلك العصب بالرباط وانتفاشهما وحشو خللهما لحماً وغير ذلك مما يتم به يكون العضل معطلاً لا فائدة فيه.
وثانيتها: أنها تمنع نبات الشعر هناك. والفائدة في ذلك أن يبقى حس ذلك الموضع قوياً لأن الحاس اللمس إذا لقي المحسوس كان إدراكه له شديداً.
وثالثتها: أنها تدعم ما تحت الجلد وتقويه حتى لا يتضرر بصلابة ما يمسك بقوة ونحو ذلك.
والله ولي التوفيق.
البحث السادس العضلات الموضوعة في باطن الكف قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه
стр. 77
وأما العضل الذي في باطن الكف نفسها فهي ... إلى آخر الفصل.
الشرح هذه العضلات هي أصغر عضلات اليد وبينها أيضاً خلاف كبير في العظم. والخمس التي تميل الأصابع إلى فوق تميلها أيضاً إلى الجانب الأنسي والمميلة للإبهام إلى أسفل يلزم فعلها ذلك أن يقربها من السبابة، والمميلة للخنصر إلى أسفل يلزم فعلها أن يبعدها من البنصر والمميلة لما سوى الإبهام من الخمس، وهن أربع منشؤهن من الغشاء المجلل لأوتار العضلة الكبيرة القابضة لجميع الأصابع، ولكل واحدة من هذه الأربع وتر دقيق مدور يتصل بجانب إصبع، وإذا تشنجت حركة تلك الإصبع الحركة المذكورة، وكذلك الوتر الذي ينتهي إليه الخامسة من هذه العضلات وهي المحركة للإبهام، ويلزم تحريكها لها هذه الحركة أن يبعدها عن السبابة بعداً كبيراً، والعضلتان الأخريان وهما المميلتان للإبهام والخنصر إلى اسفل أعظم من العضلات الخمس.
قال جالينوس: وإذا سلت هذه العضلات مع أو تارها ظهرت لك في المشط عضلات أخر لم يعرفها المشرحون، ولا عرفتها أنا أيضاً إلا بعد مدة طويلة. ومبدؤها من الرباط الذي يحتوي على عظام الرسغ في الموضع الذي ينتهي إليه الرسغ ثمان منها متصلة بعضها ببعض حتى ترى لكل إصبع عضلة. والله ولي التوفيق.
بحث مفرد تعديد عضلات الساعد والعضد على سبيل الاقتصار العضلات التي في الساعد منها ما هو على جانبه الأنسي، وهي سبع، ومنها ما هو على جانبه الوحشي وهي تسع. ومنها ما هو على حافته التي من فوق وهي الحافة الممتدة إلى الإبهام. وذلك أن العضلة الواحدة، جرت العادة بعدها في العضلات التي في الجانب الوحشي، وأما حافة الساعد التي من أسفل وهي التي فيها الخنصر فلم تخلق فيها عضلة البتة. فعلى هذا تكون العضلات المعدودة على الجانب لو حشي عشراً. واحدة موضوعة في وسطه وهي الباسطة للأصابع الأربع بأربعة أو تار تنشأ منها وعلى جانبها ثلاث عضلات متصلات بها. واحدة من أسفل وهي المحركة للخنصر والبنصر إلى أسفل بوترين ينشآن منها، والأخريان متوحدتان حتى يظنان واحدة إحداهما: تميل الوسطى والسبابة إلى أسفل بوترين.
وثانيتهما: تميل الإبهام إلى أسفل بوتر واحد، وعن جنبي هذه العضلات أربع عضلات، واحدة من أسفل تبسط الكف كابة له على وجهه بوتر يتصل بالمشط قدام الخنصر وعضلتان تتصلان حتى يظنا عضلة واحدة.
إحداهما تباعد الإبهام عن السبابة بوتر ينشأ منها.
وثانيتهما: تبسط الكف قالبة له على قفاه بوتر يتصل بالعظم الأول من عظام الرسغ عند الإبهام.
والرابعة هي التي تبسط الكف بسطاً مستوياً بوترين يتصل أحدهما قدام الوسطى. وثانيهما: قدام السبابة. وعضلتان مؤربتان وهما اللتان يقال: إنهما تقلبان الساعد على قفاه. فهذه عشر عضلات.
وقال بعضهم: إنها ثمان لظنه أن المميلة للإبهام إلى أسفل هي والمميلة للوسطى والسبابة عضلة واحدة، وأن المبعدة للإبهام عن السبابة غير الباسطة للكف مع قلب فتكونان عضلتين أو بالعكس، وأما العضلات التي على الجانب الأنسي من الساعد فهي سبع: واحدة في وسط هذا الجانب، وهي التي تبسط، وتنشأ منها خمسة أو تار لقبض المفصل الأول والثالث من الأصابع الأربع، والمفصل الثاني والثالث من الإبهام وأخرى فوقها، والمجللة، وأصغر منها وهي التي تقبض المفاصل الوسطى من الأصابع الأربع وتأتي منها شعبة إلى الإبهام، وفوق هاتين عضلة أخرى، والمجللة لهما، وهي التي تستعرض وتنفرش في باطن الكف، وهي أصغر من الثانية، وعضلتان على جنبي هذه الثلاث تقبضان الكف، أما السفلية فمع قلب له يسير وأما العلوية فمع كب يسير واتصالهما بعظام المشط، أما السفلية فأمام الخنصر وأما العلوية فأمام الإبهام والسبابة، وتحت هذه العضلات الخمس عضلتان مؤربتان، وهما اللتان تكبان الساعد فهذه عضلات الساعد، فأما عضلات العضد، فهي الأربع المحركة للساعد قبضاً وبسطاً، وقد بينا حالها أو لاً، فإذاً جميع العضلات التي في اليدين ثمان وستون عضلة لكل يد تسع وثلاثون عضلة. والله ولي التوفيق.
الفصل العشرون
تشريح عضل حركة الصلب
قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه عضل الصلب منها ... إلى آخر الفصل.
الشرح
стр. 78
ليس يمكن أن يكون الإنسان في قوامه كالخشبة لا يملك الميل إلى جهة ما. ولا بد أن يكون متمكناً من الميل في أعماله وتصرفاته يميناً وشمالاً وقداماً وخلفاً وأن يكون ذلك له بإرادته فلا بد من عضلات يكون بها ذلك ولا بد وأن تكون هذه العضلات شديدة القوة جداً. وذلك لأمرين: أحدهما: ليكون قوام الإنسان قوياً.
وثانيهما: أن هذه الحركات يلزمها تحرك أعضاء كثيرة عظام فلا بد وأن يكون الفاعل لها شديد القوة، فلذلك لا بد وأن تكون هذه العضلات عظيمة جداً، ولابد أن يكون استنادها إلى عظم عظيم جداً وذلك لأمرين: أحدهما: ليكون تمكنها قوياً.
وثانيهما: لأنها في نفسها عظيمة، وليس في البدن ما يصلح لذلك سوى الصلب، فلا بد وأن تكون موضوعة عليه فلا بد وأن تكون المنكسة للبدن إلى خلف على ظاهره، والحانية إلى قدام على باطنه حتى يكون أي نوع منهما تشنج أعالي البدن جذب إلى ناحيته فانعطف إلى تلك الجهة. ويجب أن يكون وضع كل منها في جانبي تلك الجهة وذلك لأمرين: أحدهما: ليكون إذا تشنج ذلك النوع من الجانبين معاً كان قوام البدن منتصباً على الاستقامة انتصاباً محكماً.
وثانيهما: ليكون إذا تشنج ما في أحد الجانبين. أما من النوع الواحد فيميل البدن ميلاً مؤرباً إلى الجهة التي منها ذلك النوع من الجانب الذي فيه المتشنج وأما من النوعين معاً فيميل البدن إلى ذلك الجانب ميلاً مستوياً محكماً.
قوله: فالثانية إلى خلف هي المخصوصة بأن تسمى عضل الصلب، إنما خصت هذه بذلك لأنها هي التي تظهر أو لاً للمشرحين.
قوله: وهما عضلتان نحدس أن كل واحدة منهما مؤلفة من ثلاث وعشرين عضلة، هذه يجب أن تكون كل واحدة منهما، إما عضلة واحدة أو عضلات مجتمعة يلتصق بعضها ببعض حتى يكون الجميع في حكم عضلة واحدة، وذلك ليكون المجموع بالاتحاد قوة الواحد العظيم، وإذا كان كذلك يحكم بتكثير العضلات بسبب تكثير مبادئها فتكون هذه عنده عضلات كثيرة، ثلاثاً وعشرين عضلة لأن فقرات العجز والعصعص لا تنشأ منها ليف متصل بهذه العضلات إذ تلك لا حركة لها، وكذلك الفقرة العليا من فقرات العنق وهي الأولى منها لأن هذه الفقرة كما قلناه لا حركة لها فلذلك تبقى الفقرات التي يتصل بها هذا العضل ثلاث وعشرون فقرة.
قوله: ليف مؤرب إنما وجب أن يكون هذا الليف مؤرباً لأن هذه الهيئة أو فق في تحريك ما يراد انتصابه على الاستقامة انتصاباً قوياً محكماً كما قلناه في حركة مفصل الساعد.
قوله: وهذه العضلة إذا تمددت بالاعتدال نصبت الصلب يريد بالتمدد ها هنا التشنج.
قوله: وأما العضل الحانية فهي زوجان إنما كان كذلك لأن حركة الصلب إلى خلف يمكن بكل واحدة من الفقرات التي ذكرناها، وهي الثلاثة والعشرون، وأما حركته إلى قدام غير ممكنة بالفقرات التي في أسافل الصدر إذ عظام القص تمنع من تلك الحركة فلا يكون لتلك الفقرات حاجة إلى هذا العضل فوجب أن يكون هذا العضل من قدام إلى فوق واسفل دون الوسط فصار زوجين. ولا كذلك من خلف. والله ولي التوفيق.
الفصل الحادي والعشرون
تشريح عضل البطن
قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه الشرح قد ذكر الشيخ لهذا العضل ثلاث منافع: إحداها: المعونة على عصر ما في الأحشاء من البراز والبول والأجنة ليسهل خروج ذلك، وإنما احتيج في خروج هذه إلى هذا العضل: أما البراز فلأن الأمعاء بعضها تلتف، ومع ذلك يعرض لها الجفاف كثيراً لأجل جذب الماساريقا ما فيه من الرطوبات الغذائية. ولأجل حرارة الأحشاء وإذا كان كذلك كانت قوة الأمعاء الدافعة يعرض لها العجز عن دفعه فيحتاج إلى الاستعانة بعصر هذه العضلات.
وأما البول: فلأنه وإن كان رقيقاً سهل الانفصال إلا أن عنق المثانة الذي فيه المجرى موضوع إلى فوق فإنما يخرج البول بانعصار شديد من المثانة حتى يضيق تجويفها على البول، فيضطر إلى الصعود إلى ذلك المجرى، ومثل هذا الانعصار مما لا يستغنى فيه عن الاستعانة بهذا العضل.
وأما الجنين فلأن خروجه إنما يتم بتمديد شديد ليتسع منفذه إلى خارج ومع ذلك فلا يمكن أن يبلغ في الاتساع إلى حد يخرج منه الجنين بثقله فقط أو بدفع يسير يقوي عليه الرحم، فلا بد من الاستعانة بعصر هذا العضل ليشتد ذلك الدفع فيسهل خروج الجنين.
стр. 79
وثانيتها: لأن هذه العضلات تدعم الحجاب عند إخراج النفس وهو المراد بالنفخ، وذلك عند الانقباض، وذلك لأن هذه العضلات إذا انقبضت حينئذٍ أعانت الحجاب على انقباض الصدر، ودعمته أي قوته على هذه الحركة. وإنما احتيج إلى ذلك لأن تحريك الصدر عسر بسبب وثاقة مفاصل عظامه، وإنما احتيج إلى هذه المعونة في الانقباض دون الانبساط لأن عضلات انقباض الصدر أقل من عضلات انبساطه على ما بيناه هناك.
وثالثتها: إن هذه العضلات تسخن المعدة والأمعاء بإدفائها. وإنما احتيج إلى ذلك لأن المعدة مع كونها مطبخ الغذاء يكون الغذاء فيها مجتمعاً فيكون انفعاله عسراً ومع ذلك فإنها تحتاج أن تكون كثيرة العصب لأجل شدة حاجتها إلى قوة الحس لأجل الجوع وأن تكون حرارتها غير مفرطة لأن ذلك مانع من الشهوة المقصودة من المعدة. وأما الأمعاء فلأن جرمها عصبي وهي مع ذلك محتاجة إلى قوة الهضم ليكمل هضم ما فات المعدة هضمه.
أقول: ولهذه العضلات منافع أخر: إحداها: أن يكون لجرم البطن ثخانة فيقل تضرر الأحشاء التي فيه من الحر والبرد.
وثانيتها: أن يكون جرم محيط هذا التجويف قوياً فلا تقوى الرياح التي تحدث فيه والامتلاءات المحدودة له على خرقه، ولتكون الأحشاء في ركن وثيق.
وثالثتها: أن يكون البطن مناسباً للصدر في كثرة اللحم عليه، فتكون صورة البدن أحسن. ولا كذلك لو كان بغير تكون هذه العضلات فإنه حينئذٍ كان يكون مهزولاً قحلاً، ويجب أن تكون هذه العضلات ممتدة طولاً وعرضاً وورباً من الجانبين لأن هذا التأليف أو فق في نفسه وأوفق في قوة ضمه لما في داخله، ويجب أن يكون الطول أكثر لحمية لأنه فوق المعدة والأمعاء المحتاج فيهما إلى الإدفاء كما قلناه. ويجب أن يكون العرضي تحت الكل لأنه هو المقاوم لتمديد الأحشاء فيجب أن يكون بالقرب منها، وأن يكون المؤرب أعلى الكل ليكون الطولي ملاقياً للعرضي فيكون مقوياً له شديد الحفظ لو ضعه، وإنما كان هذا في الطولي أكثر من المؤرب لأن المؤرب لا ينافي ميل أجزاء العرضي إلى فوق وأسفل منافاة كثيرة بخلاف الطولي. ويجب أن تكون هذه العضلات عند المقاطع أقل لحمية لئلا يكون لذلك الموضع نتوء مستقبح. والله ولي التوفيق.
الفصل الثاني والعشرون
تشريح عضل الأنثيين
قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه أما للرجال....إلى آخر الفصل.
الشرح أما للرجال ففائدة هذه العضلات فيهم أربع فوائد: إحداها: أن يتعلق بها الأنثييان، وإنما لم يتعلق بأجسام غشائية ونحوها لأن الغشاء بارد وضار بالمني، ولا كذلك العضلات فإنها نافعة في توليده، وتمام نضجه بإسخانها للأنثيين بما فيها من اللحمية، ويمكن أن نجعل هذا منفعة أخرى والانتفاع بهذا المتعلق غير موجود للنساء.
وثانيتها: أن تكون هذه العضلات وقاية للأنثيين من البرد والحر ونحوهما، وهذا أيضاً غير محتاج إليه في النساء.
وثالثتها: أن هذه العضلات تعين على خروج المني بعصرها للأنثيين عند وقت الحاجة إلى الإنزال، وهذا موجود للنساء أيضاً.
ورابعتها: أن يكون للأنثيين حركة إرادية ليكون عند الإنزال على الموضع الذي يسهل ذلك معه، وهذا لا يحتاج إليه في النساء فإن لهن أنثييهن مدفونة فلا يعرض لهما من الأوضاع ما يخرجهما عن الوضع الموافق لخروج المني.
وأما السبب في بروز أنثيي الرجال، واندفانهما في النساء فقد بيناه أو لاً. وهو أنه لولا ذلك لما أمكن النسل لأن تولد الجنين إنما يتم إذا كان حصول المنيين في الرحم في أو قات متقاربة جداً، وإنما يمكن ذلك بأن يكون الحال كما هو في الواقع وذلك لأن مني الرجال سريع الحركة، ومني المرأة قليل الحرارة بطيء الحركة، ولولا اندفان أنثييها لكان إنزالها بطيء جداً، ولولا بروز أنثثي الرجال لكان إنزالهم يسرع جداً، فلا يتفق الإنزالان في وقت واحد ولا في وقتين متقاربين فكان يتعذر الإحبال. والله ولي التوفيق.
الفصل الثالث والعشرون
تشريح عضل المثانة
قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وعلى فم المثانة ... إلى آخر الفصل.
الشرح عبارة الكتاب في هذا ظاهرة، ولكن ها هنا بحث وهو أنه ما السبب في جعل خروج البول والبراز إرادياً؟
стр. 80
وسبب ذلك أن خروجهما مستقذر لأجل كراهيتهما، فلو كان بالطبع لم يؤمن خروجهما في وقت أو حال يفتح ذلك فيهما، ولا كذلك العرق والوسخ ونحوهما.
وأما المني، فإن خروجه وإن كان طبيعياً فهو موقوف على الأكثر على أمر إرادي وهو فعل ما يوجبه كالجماع ونحوه.
وهذه العضلة لحمية وأكثرها في اسفل العنق لأن الأجزاء العالية بطبعها تهبط إلى أسفل، فيكتفي فيها بشيء يسير من انضمام وبالعكس من ذلك الأجزاء السافلة، وهذه العضلة مع منعها خروج البول بغير إرادة فهي أيضاً تعين على خروج ما يمر بها منه بعصره. والله ولي التوفيق.
الفصل الرابع والعشرون
تشريح عضل القضيب
قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه العضل المحرك ... إلى آخر الفصل.
الشرح إن خروج المني لم يجعل طبيعياً صرفاً، وإلا لم يمكن خروجه مرتبطاً بحال اجتماع الذكر والأنثى للإحبال، ولم يجعل أيضاً إرادياً صرفاً، وإلا كان الإنسان وغيره من الحيوانات يستكثر الجماع فوق حاجته لأجل التلذذ فيضر به، ولا كذلك البراز والبول ونحوهما فإن خروجهما غير ملذ لذة خروج المني. فلذلك جعل خروج المني متوقفاً على الأمرين. ولكل واحد منهما إعانة على تحقيق الآخر. فلولا توقفه على الأمر الطبيعي لأمكن الاستكثار منه بأي قدر أريد وفي أي سن أريد. ولولا توقفه على الإرادة لكان يكثر خروجه في غير الوقت المراد فيه الجماع ولولا أن الأمر الطبيعي محرك للإرادة لما كان المني يقل في المعرض عن الجماع ويكثر في المكثر من استعماله.
وهذا التوقف على الأمرين غير مختص بخروج المني إذ الجماع نفسه كذلك وتهيؤ الآلة له أيضاً بالانتصاب فلذلك افتقر إلى أن يكون تحريك هذه الآلة موقوفاً على عضل يحركها. وهذا العضل مع أنه يعين على نصب هذه الآلة، فإنه يوسع مجرى المني بجذبه ظاهر القضيب إلى جوانبه. لأن المجوف إذا انجذب محيطه من جوانبه اتسع تجويفه لا محالة، ولما لم يكن انتصاب هذه الآلة إرادياً صرفاً لا جرم كانت هذه العضلات غير كافية فيه معها إلى ريح ناقحة تسوقها روح شهو أنية يصحبها دم ليغذوها، فلأجل هذه الريح يغلظ القضيب عند الانتصاب. ولأجل هذه الروح يسخن، ولأجل هذا الدم يحمر ويزرق.
قوله: فإذا تمددتا يريد بهذا التمدد التشنج خاصةً. والله ولي التوفيق.
الفصل الخامس والعشرون
تشريح عضل المقعدة
قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه عضل المقعدة أربع ... إلى آخر الفصل.
الشرح قد بينا أن خروج البراز والبول يجب يكون إرادياً فلذلك يحتاج فيهما إلى عضلات. وكلاهما إنما يحصل بخروج الخارج باسترخاء العضل الذي له، ولكن يختلفان، وذلك لأن البول اكتفى فيه بعضلة واحدة، فاحتيج في البراز إلى عضلات، وذلك أن المراد بهذه العضلات هو حبس الفضلة عن الخروج في غير الوقت المراد خروجها فيه، وذلك يكفي في البول أن تكون عضلة واحدة، لأن مجراه إلى فوق الوعاء الذي له وهو المثانة. ومع ذلك غير شديد التمديد لمجراه لرقته، وقلة ثقله.
وأما البراز فمجراه إلى أسفل، وغاية الذي هو المعاء المستقيم ومع ذلك فهو كثير الثقل، شديد التمديد للمجرى بالغلظ والثقل، فلذلك احتيج في حبسه إلى عضلات كثيرة، وإنما يمكن خروجه باسترخائها بأسرها، فإن قيل: ولم خلق مجرى البول إلى فوق المثانة مع أن ذلك أعسر لخروجه؟ قلنا: سبب ذلك لأن فم هذا المجرى لا بد وأن يكون حساساً حتى يتألم بحدة البول فيخرج إلى إرادة دفعه، فلو كان في أسفل المثانة لكان يحصل هذا الألم من أدنى بول يحصل في المثانة، فكان الإنسان يحتاج إلى دفع البول قليلاً قليلاً في أو قات متقاربة. وكان الحال يكون كما يكون لأصحاب تقطير البول ولا شك أن ذلك رديء شاغل. وإنما لم يخلق مخرج البراز إلى فوق أيضاً كما للبول وذلك لأمور: أحدها: إن إصعاد الثقيل عسر، فكان يكون خروج البراز عسراً وخاصة إذا كان قد غلظ وجف.
وثانيهما: أن جرم المعاء الذي كان يجتمع فيه البراز كان يعرض له فساد لأجل إفراط حدة البراز، وإنما كان أكثر حدة من البول لما يخالطه من المرار الكثير الذي يندفع إليه من المرارة، ولأجل عفنه لطول احتباسه في تجاويف الأمعاء إلى أن تستوفي من ذلك الجداول مصبها.
стр. 81
وثالثها: أن البراز يندفع إلى المعاء المستقيم جملة لما نذكره من السبب في موضعه فلا تفتقر إلى إبقائه فيه مدة لتجتمع، ولا كذلك البول فإنه إنما يندفع إلى المثانة قليلاً قليلاً على قدر ما ينفصل منه من الكليتين فلو احتيج إلى إخراج كل قذر يحصل من المثانة عند أو ل حصوله لعرض من ذلك تقطير البول كما قلناه.
وهذه العضلات التي في المقعدة أعني الدبر. وهي طرف المعاء المستقيم ويسمى المخرج والسرم، وعددها أربع: إحداها: عضلة لحمية شديدة المخالطة لجلد هذا العضو حتى يجوز تسمية هذا الموضع لحماً جلدياً، ويجوز تسميته جلداً لحمياً. وأكثر جرم هذه العضلة في الأجزاء القدامية من هذا العضو، وإنما خلقت كذلك ليتمكن من عصر طرف هذا العضو عند إخراج الثقل، فيسهل اندفاع ما تبقى في طرفه منه.
وثانيها: عضلة مستديرة فوق هذه بالنسبة إلى طول البدن تحيط بالدبر عرضاً لأجل ضمه إذا تشنجت وتماس في وسطها عظم العصعص وينتهي إلى أصل القضيب، وفائدة ذلك أن يضيق هذا المخرج عند انتصاب القضيب بسبب انجذاب ليف هذه العضلة لانجذاب ما يتصل بالقضيب لأجل زيادة طوله وتمده، وفائدة ذلك أن يكون هذا المخرج عند الجماع شديد الضيق لئلا يخرج ما في المعاء المتصل به من البراز حينئذٍ. وذلك لأن إفراط اللذة يلزمه إفراط تحلل الروح كما عرف من كلامنا السالف ويلزم ذلك ضعف البول، وحصول حالة كالغشي، وهذا يظهر في الجماع كثيراً. لأنه مع إفراط لذته يلزمه استفراغ المني، وهو مضعف بما يلزمه من خروج أرواح كثيرة، فإذا عرض ذلك استرخى البدن، وجميع عضلاته، وإذا استرخت هذه العضلة يتهيأ البراز للخروج فلو لم يكن ليفها حينئذٍ منجذباً بسبب انتصاب القضيب لكان خروج البراز عند الجماع يعرض لأكثر الناس.
ولا شك أن هذا مستقذر ولهذا فإن من يكون شبقه شديداً، وهذه العضلة منه رخوة، فإن ما يعرض له عند الجماع أن يلقي زبله.
وأما العضلتان الباقيتان فهما غشائيتان تنشآن من الأجزاء الداخلة من عظم العانة، ومن عظم الفخذ، ويلتحمان من كل جانب عضلة، ويأخذان على تأريب فائدتهما إقلال المقعدة إلى فوق فلذلك تبرز المقعدة عند استرخائها. وإنما احتيج في هذا الغرض إلى عضلتين، لأن رفع العضو إلى فوق أعسر. والله ولي التوفيق.
الفصل السادس والعشرون
تشريح عضل حركة الفخذ
والكلام في هذا الفصل يشتمل على مباحث: البحث الأول كلام كلي في عضل حركة الفخذ قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه أعظم عضل الفخذ ... إلى قوله: والعضل الباسطة لمفصل الفخذ منها عضلة.
الشرح لما كانت العضلات الباسطة للفخذ إنما يتم فعلها عند القيام بإشالة جميع الأعضاء إلى فوق الفخذ، وذلك هو حمل البدن، والقابضة له إنما يتم فعلها بحمل الساق والقدم وجب أن تكون هاتان الحركتان بقوة أقوى من الحركات التي لا يلزمها ذلك كالمبعدة للفخذ والمقربة له.
ولما كان جوهر هذه العضلات متساوياً في اللحمية، فإنما يزيد قوة بعضها على بعض إذا كانت مختلفة المقادير فتكون الكبرى أقوى من الصغرى فلذلك كان عضل الفخذ المحرك له هاتين الحركتين أعظم من العضلات المحركة له باقي الحركات ووجب أن تكون الباسطة أعظم من القابضة لأن تحريك الأعضاء العالية كلها أعسر من تحريك الساق والقدم. ونحن نتكلم في كل واحد من أنواع هذه العضلات في بحث يخصه أن شاء الله . والله ولي التوفيق.
البحث الثاني العضلات الباسطة للفخذ قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه والعضل الباسطة لمفصل الفخذ منها عضلة ... إلى قوله: وأما العضل القابضة لمفصل الفخذ فمنها عضلة تقبض.
الشرح قوله منها عضلة هي أعظم جميع عضل البدن سبب زيادة عظم هذه أن المتحرك بها أعظم من المتحرك بكل واحدة من عضلات البدن، لأن هذه يلزم تحريكها لعظم الفخذ تحريك جميع الأعضاء التي فوقه وليس كذلك عضلات باقي الأعضاء.
قوله: وتجلل عظم العانة والورك، وتلتف على الفخذ كله من داخل ومن خلف سبب ذلك أمران: أحدها: أنها لقوة فعلها تحتاج أن تكون تشبثها بأجزاء كبيرة جداً.
وثانيهما: أن فعلها متفنن، فتحتاج إلى تفنن وضع ليفها وجهات مبدئه ومنتهاه، وهذه تجلل جميع عظم العانة، وأما عظم الورك فإنها تحتوي على أسفله وجنبيه على أن يبلغ الموضع المعرى من اللحم.
стр. 82
قوله: فلأن بعض ليفها منشؤه من أسفل عظم العانة فينبسط مائلاً إلى الأنسي.
سبب ذلك أن هذا الليف يمتد في أنسي عظم الفخذ في خلقه فبانجذاب الأجزاء الخلفية ينجذب هذا العظم إلى خلف، ويلزم ذلك أن ينبسط لأن انقباضه يكون بتحركة إلى قدام، وانجذابه، وبانجذاب الأجزاء الأنسية يميل هذا العظم إلى الجانب الأنسي. وأما الليف الذي منشؤه من عظم الورك، فإنه يذهب في خلف هذا العظم فلذلك إذا تشنج جذبه إلى خلف جذباً مستوياً، فيبسطه بسطاً مستوياً.
وأما ما منشؤه المواضع التي هي من هذين الموضعين فما كان منها من المواضع العالية جداً، فإنه إذا تشنج جذب هذا العظم إلى خلف جذباً قوياً رافعاً إياه إلى فوق لأن كثرة ارتفاع مبدئه ويلزم ذلك أيضاً أن تجذبه إلى الجهة الأنسية فيقربه من الفخذ الأخرى، وذلك بسبب ما يتشنج حينئذ من الأجزاء الأنسية من الليف.
وأما ما كان من المواضع العالية علواً يسيراً فالذي نعرفه من كلام فضلاء المشرحين أنه إذا تشنج جذب هذا العظم إلى الجانب الأنسي فقط.
والذي قاله الشيخ أنه حينئذ يشيل الفخذ إلى فوق فقط أي أنه لا يميله مع ذلك إلى الجانب الأنسي وبين الكلامين تناقض. وما قاله الشيخ موافق لكتاب الجوامع.
وطريقة تعرف الحق في هذا أن يوقف على موضع توزع هذا الليف. فإن كان يتوزع في المواضع الأنسية من هذا العظم فلا شك أن تشنجه إنما يحرك الفخذ إلى الجهة الأنسية فقط، فإن كان يتوزع في المواضع التي خلف هذا العظم، فلا شك أن تشنجه يحرك الفخذ إلى فوق، ولا يقتصر على بسطه لأنه يجذبه إلى ما هو أعلى موضعاً من الباسط.
قوله: ومنها عضلة تجلل مفصل الورك كله من خلف هذه العضلة يمكن أن تعد واحدة. ويمكن أن تعد اثنتين: إحداهما: لحمية ذات رأسين.
والأخرى: غشائية الرأس، ويمكن أيضاً أن تعد اثنتين بوجه آخر، وهو بسبب أن لها طرفين فيجعل كل طرف كعضلة. والأول عندي أولى، لأن التكثير بسبب اختلاف الجوهر أولى من التكثير بسبب تكثير الأطراف.
ويمكن أن تعد ثلاث عضلات بعدد الرؤوس إذ لها ثلاثة رؤوس، وهذه العضلة منبسطة مستبطنة للجلد تشاكل العضلة التي تحتوي على معظم لحم الكتف مع أنها تجلل هذا المفصل من خلف فتملأ ما يكون هناك من الحفر لحماً. ويحتبس ويجود سطحه الظاهر وأكبر رأسيها اللحمين ينشأ من ظهر عظم الخاصرة الشاخص. وأصغرهما ينشأ من عظم الورك، وعظم العصعص والرأس العالي ينشأ مما بين هذين الموضعين وأعلى منهما.
وأما ذهاب ليف هذه العضلة فإنه: أو لاً يستدير على رأس الفخذ من خلف فإذا جاوز ذلك قليلاً امتد وانتهى إلى وتر عريض ينزل على الاستقامة وتلتحم بها العضلة التي وترها لحمي، وهي الملتحمة بالأجزاء الوحشية من الساق وسنذكرها في موضعها.
قوله: وأما الطرفان فيتصلان بالجزء المؤخر من رأس الفخذ، فإن جذبت بطرف واحد بسطت مع ميل إليه، وإن جذبت بالطرفين بسطت على الاستقامة.
هكذا قيل في الجوامع، وسبب ذلك أن كل واحد من الطرفين مائل إلى أحد الجانبين، فإذا كان الجذب به وحده، مال المجذوب إلى جهته لا محالة، وإن كان بهما معاً كان كل واحد منهما مبطلاً لميل الآخر، فيكون بسط الفخذ مستوياً.
قوله: ومنها عضلة منشؤها من جميع ظاهر عظم الخاصرة هذه العضلة موضوعة تحت العضلة التي تقدم ذكرها ومنشؤها من أكبر الأجزاء الوحشية من عظم الخاصرة ومن الأجزاء المنخفضة من عظم العجز إلى أن يبلغ العصعص، وتمتد صاعدة ناحية القطن، وتلتحم هناك بالجلد حيث الرأس العالي الذي ذكرناه للعضلة التي فوقها، وتنتهي إلى وتر عريض قوي يلتحم بجميع رأس الزائدة الوحشية من الزائدتين اللتين ذكرناهما في تشريح عظم الفخذ وهما من عند العنق الذي يتصل به الرأس الداخل في حق الورك وفعلها أنها تبسط الفخذ مميلة لرأسه إلى الجانب الوحشي وذلك لأن اتصالها بعظم الفخذ ما بين خلفيه ووحشيه، فإذا تشنجت جذبت ما يتصل به من وراء هذا العظم إلى جهة مبدئها.
وأما قول الشيخ إنها تبسط مع ميل إلى الأنسي فمما لست أفهمه.
قوله: وأخرى مثلها وتتصل أو لاً بأسفل الزائدة الصغرى الذي نعرفه من هذه العضلة أنها تنشأ من الأجزاء الوحشية السفلية من عظم الخاصرة، وأنها تتصل بالجزء الأسفل من الزائدة الوحشية، وهي الزائدة العظمى فإن فعلها بسط الفخذ يسيراً وتمييله إلى الوحشي كثيراً.
стр. 83
قوله: ومنها عضلة تنبت من أسفل عظم الورك. هذه العضلة لها فعلان أحدهما بالذات وهو الفعل الذي ذكره، وهو أنها تبسط وتزيد في بسطه، إلى أن تميله إلى خلف يسيراً، وتميله إلى الأنسي إمالة صالحة، وإنما تفعل ذلك لأن ليفها يذهب إلى خلف الفخذ إلى أنسيه فإذا تشنجت جذبت هذين الجزأين ويلزم ذلك الحركة المذكورة.
وثانيهما: بالعرض، وهو أنها تميل الساق إلى الأنسي، وذلك لأنها تتصل بالعضلة التي تأتي بطن الساق، ولهذا السبب إذا تشنجت انجذبت تلك العضلة بفعل ما يفعله لو تشنجت هي، وقد بقي من العضلة الباسطة للفخذ عضلة أخرى، وهي عضلة تنشأ من عظم العجز، وتتصل بالزائدة الوحشية التي عند عنق عظم الفخذ واتصالها بها من جميع أجزائها التي من خلف، وفعلها بسط الفخذ بسطاً يسيراً وتميله إلى الأنسي ميلاً كثيراً. والله ولي التوفيق.
البحث الثالث العضلات القابضة للفخذ قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما العضل القابضة لمفصل الفخذ ... إلى قوله: وأما العضل المميلة إلى داخل فقد ذكر.
الشرح العضل الظاهر القابض للفخذ هو العضلتان الأوليان من هذه الأربع. وأما الأخريان فهما خفيتان ليس توجدان تجدان دائماً، بل قد توجد واحدة منهما متصلة بالعضلة الثانية من الظاهرتين، وقد توجدان معاً، وهما متصلتان بهما؛ وقد تتصل بها ثلاث عضلات فلذلك يختلف عدد العضلات القابضة للفخذ، وكيف كانت فهي أقل من الباسطة وسبب ذلك ما بيناه أو لاً. وهو أن الباسطة تحتاج في فعلها إلى تحريك جملة الأعضاء التي فوق الفخذ فلذلك خلقت عظيمة كبيرة العدد، ولا كذلك القابضة والعضلة الثانية من هاتين الظاهرتين لو نها إلى الخضرة. وأنت قد عرفت من هيئة هذه العضلات فائدة الزوائد التي على عظم الفخذ وهي تعلق هذه العضلات بها. والله ولي التوفيق.
البحث الرابع باقي عضلات الفخذ قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما العضل المميلة إلى داخل فقد ذكر ... إلى آخر الفصل.
الشرح العضلات المميلة للفخذ إلى أحد الجانبين أعني الوحشي والأنسي أكثر من المديرة له، وسبب ذلك كثرة حاجة الإنسان إلى تمييل فخذه، وقلة حاجته إلى إدارته، والناشئة من المديرتين من الجانب الوحشي تديره إلى خلف، وإلى الأنسي والناشئة من الجانب الأنسي تديره إلى قدام، وإلى الجانب الوحشي. والله ولي التوفيق.
الفصل السابع والعشرون
تشريح عضل حركة الساق والركبة
والكلام في هذا الفصل يشتمل على بحثين: البحث الأول العضلات الباسطة للساق قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه أما العضل المحركة لمفصل ... إلى قوله: وأما القوابض للساق فمنها عضلة ضيقة طويلة.
الشرح قوله: وهي أكبر العضل الموضوع في الفخذ يريد أنها أكبر الموضوعة في الفخذ التي لأجل حركة غيره، إذ العضلة العظيمة الباسطة للفخذ التي ذكرنا أنها تلتف على الفخذ من داخل ومن خلف أعظم من هذه الثلاث بكثير، وإنما كانت هذه الثلاث أعظم من تلك الثلاث لأنها تحتاج فيها إلى قوة قوية جداً لأنها تدعم الرضفة وتقوي ارتباطها وتمنع زوالها، وإنما يقوى على ذلك إذا كانت مقاومته لثقل البدن عند الجثو وإنما تكون.
قوله: وفعلها البسط إنما كان كذلك لأن هذه العضلة إذا تشنجت جذبت الساق إلى قدام. ويلزم ذلك انبساطه لأن الإنسان يثني رجله بتحريكها إلى خلف ويبسطها بتحريكها إلى قدام. وهذا الإنسان خاصة مما هو ذو رجلين.
قوله: وواحدة من هذه كالمضاعفة.
قال جالينوس: إني لا أعتقد أن هذه عضلة واحدة، ولكني إنما أقول بذلك كراهة مخالفة الذين أسن مني إذ التضعيف فيها ظاهر بيّن. وهذه العضلة تحت العضلتين الأخريين من هذه الثلاث متوارية بهما وهي تلتحم بالرضفة وبالرباطات التي حول المفصل وتنتهي في المواضع التي من قدام إلى طرف لحمي، وفي الموضع الأنسي إلى طرف غشائي.
وأما العضلتان الأخريان فهما فوق تلك العضلة وتحت الجلد. والله ولي التوفيق.
البحث الثاني العضلات القابضة للساق قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما القوابض للساق فمنها عضلة ... إلى آخر الفصل.
الشرح
стр. 84
قوله: وينفذ بالتوريب إلى داخل طرفي الركبة هذه العضلة تمر في الأجزاء الأنسية من الفخذ ثم تتورب صاعدة إلى مقدم الساق نافذة في داخل الركبة، فتمر بطرفيها أعني الطرف الأنسي والطرف الأسفل.
قوله: ثم تبرز وتنتهي إلى النتوء الذي في الموضع المعرق من الركبة. هذا الموضع هو الموضع الثاني في أو ل مقدم الساق العاري من اللحم تحت الركبة.
قوله: مائلة بالقدم إلى ناحية الأربية، يريد بالأربية التي من جهة الرجل الأخرى، وهذه الحركة كما يكون الإنسان عند تحريك رجليه بحيث تكون قدميه على فخذ الرجل الأخرى. وألفاظ الكتاب ظاهرة. والله ولي التوفيق.
الفصل الثامن والعشرون
تشريح عضل مفصل القدم
فال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما العضل المحركة ... إلى آخر الفصل.
الشرح قد يحتاج الإنسان تارة إلى رفع قدمه وذلك كما عند المشي صاعداً، وكما إذا أراد المشي أو القيام على عقبيه، وكذلك قد يحتاج إلى خفض قدمه، كما إذا أراد القيام أو المشي على أصابعه ليطول إلى شيء عال.
وكذلك قد يحتاج إلى بسط قدمه. وذلك إذا أراد الإحاطة والتشكل بالهيئة الصالحة للموطؤ عليه، إذا كان له نتوء في موضع أو مواضع ليكون الثبات على الموضع الموطؤ عليه أحكم. وإنما يمكن ذلك بعضلات تفعل هذه الحركات، ويجب أن تكون الرافعة للقدم في مقدم الساق، حتى إذا تشنجت جذبت القدم إلى مقاربة موضعها فارتفع لا محالة.
وقد كان يكفي في ذلك عضلة واحدة، ولكن لو فعل ذلك لكان اتصال تلك العضلة إما أن يكون بجانب القدم فلا يكون ارتفاعها مستوياً أو بواسطة فيكون عند الارتفاع متقلقلاً مائلاً للحركة إلى الجانبين فلا بد وأن يكون بعضلتين كل واحدة منها تتصل به إلى جانب فإذا تشنجت إحداهما وحدها ارتفع القدم مائلاً إلى جهتها، وإذا تشنجتا معاً ارتفع القدم مستقيماً وكان استواؤه حينئذٍ محكماً لأن كل واحدة من العضلتين تكون حينئذٍ مانعة من ميله إلى جهة العضلة الأخرى.
وأما العضلات الخافضة فيجب أن تكون أعظم مقداراً من الرافعة وأكثر عدداً لأن خفض القدم عند القيام أو المشي إنما يتم برفع جميع البدن، وذلك إنما يكون بعضلات شديدة القوة، قوية الأوتار جداً، ولا بد وأن تكون موضوعة في مؤخر الساق حتى إذا تشنجت جذبت ما يتصل به من القدم وهو مؤخره، أو ما يقرب من مؤخره جذباً إلى فوق فينخفض مقدمه بالضرورة. والزوج الذي ينشأ من رأس الفخذ ينشأ من مؤخر ذلك الرأس.
وأما العضلة الثالثة التي تتصل بالعقب فهي موضوعة تحت هذا الزوج.
وقول الشيخ: إن التصاقها بالعقب فوق التي قبلها. يريد أن ذلك فوق التصاق الوتر النابت من الزوج الذي تقدم ذكره، ومعنى قوله أنه فوقه بالنسبة إلى طول البدن، ولا ينافي ذلك أن يكون تحته بمعنى أنه أبعد منه عن الجلد وأقرب إلى العظم.
وقد قال جالينوس: إن لو ن هذه العضلة أسمانجوني وأما الوتر الذي ينفرش تحت القدم فانفراشه وتعريضه إنما يكون بعد مروره بأسفل العقب. والعضلة التي ينشأ منها هذا الوتر صغيرة بقدر ثلث واحد من الزوج الذي يصير منه الوتر العظيم، وبقدر ثلثي العضلة الأسما نجونية، إذ تلك بقدر نصف واحد من الزوج، والفردان من الزوج متساويان. والله ولي التوفيق.
الفصل التاسع والعشرون
تشريح عضل أصابع الرجل
والكلام في هذا الفصل يشتمل على بحثين: البحث الأول العضلات القابضة لأصابع الرجل الموضوعة خلف الساق قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه أما العضل المحركة للأصابع فالقوابض ... إلى قوله: وأما اللواتي وضعها في كف الرجل فمنها عضل عشر.
الشرح إن أصابع رجل الإنسان تحتاج أن تكون لها حركة انقباض وانبساط، وميل إلى جهة الخنصر، وميل إلى جهة الإبهام. وذلك ليحسن تشكلها بشكل الموطؤ عليه وإمساكها له، فيكون الثبات والمشي أجود وأحكم، وحاجتها إلى الانقباض أشد لأن معظم الإمساك على الموطؤ به تكون بهذه الحركة وينبغي أن تكون هذه الحركة فيها أقوى من غيرها، لأن بها يكون إمساك الموطؤ عليه فلذلك احتاجت إلى عضلات كثيرة، وهذه العضلات بعضها موضوع على القدم نفسها كالحال كان في اليد، والموضوعة منها على الساق يجب أن تكون موضوعة في خلفه لتمر إلى أسفل القدم. وتحت الأصابع عند تشنجها لتمر إلى هناك تمتد فتنقبض.
стр. 85
وهذه العضلات ثلاث: إحداها: عظيمة تمتد على القصبة الوحشية من أو لها إلى آخرها ومبدؤها المواضع التي فوق الرأس العالي من هذه القصبة، وتنتهي إلى وتر قوي يجوز فيما بين أسفل الساق وبين عظم العقب، ويتصل بالأصبع الوسطى والبنصر.
وثانيتها: عضلة بقدر نصف الأولى تبتدئ من المواضع التي أسفل رأس الساق، وينفذ وترها مع وتر الأولى فيما بين أسفل الساق وعظم العقب، ويتصل بالأصبع الخنصر والسبابة، وتتشعب من هذا الوتر ومن وتر الأولى وتر يأتي الإبهام.
هذا هو المفهوم من كلام جالينوس فلذلك قول الشيخ: ثم يتشعب من كل واحد من القسمين وتر ينبغي أن يكون المراد من القسمين لا قسمي وتر الثانية بل وتر الأولى ووتر الثانية.
وثالثتهما: عضلة يظن أنها جزء من الثانية، وهذه العضلة تبتدئ من عند رأس القصبة الوحشية، أعني الرأس العالي، وذلك حيث تضام القصبة الأنسية، وتمتد ملتحمة بكل واحدة من القصبتين آخذة بينهما. ووترها ظاهر بين للجس قبل وصوله إلى الكوع، ويشده عند العقب رباط قوي يمر عرضاً يربط العقب بالساق، وهذا الوتر من هناك ينفرد من هناك إلى قدام. ويتوكأ على موضع منخفض قليلاً عند موضع اتصال الساق بالقدم، ثم ينزل إلى أسفل القدم، ويلتحم أكثر بالرسغ ويجذب القدم إلى خلف مميلاً له الجهة الأنسية، وباقي هذا الوتر يأتي الإبهام. والله ولي التوفيق.
البحث الثاني العضلات المحركة لأصابع الرجل الموضوعة على القدم قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما اللواتي وضعها في كف الرجل ... إلى آخر الفصل.
الشرح إن القدم مشتملة على ست وعشرين عضلة: خمس منهن في أعلاه شأنها تمييل الأصابع إلى جهة الخنصر، وإحدى وعشرون في أسفله سبع منهن موضوعة في مشط القدم.
فالسبعة الموضوعة في مشط الكف، ولمثل فعلها خمس من هذه السبعة، لكل أصبع واحدة تميلها إلى جهة الإبهام واثنتان للإبهام والخنصر كما في الكف وأربع كل واحدة لقبض المفصل الأول من أصبع موضوعة أيضاً على الرسغ، وعشر عضلات كل اثنتين لقبض المفصل الأول من أصبع، وكل زوج لأصبع؛ فموضعه عن جنبي المفصل، فلذلك جملة عضلات البدن كلها خمس ماية وتسع وعشرون عضلة، وتفصيلها تعرفه مما قلناه في كتابنا الذي نعمله في الطب مع استقصاء الكلام في هيئات العضلات ومنافعها، وأوتارها، ومبادئها. وكذلك نستقصي هناك الكلام في جميع فن التشريح كما ينبغي، فإن كلامنا فيه، في هذا الكتاب أكثره موجز. والله ولي التوفيق.
الجملة الثالثة
العصب
وهي ستة فصول
الفصل الأول من الجملة الثانية من التعليم الخامس
قول في العصب خاص
قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه الشرح أما حقيقة العضلة وأجزاؤها التي هي العصب والرباط واللحم وما يتصل بها، وهو الوتر فقد عرف مما سلف، وعرفت من كلامه في تشريح العضل مبادئ رباط كل عضل ولحمة.
وأما الأعصاب فلم يعرف ذلك فيها. ولذلك نتكلم فيها بعد الكلام في تشريح العضل. والأعصاب تنقسم بوجوه من التقاسيم: أحدها: باعتبار هيئتها. فإن من الأعصاب ما فيه تجويف ظاهر، وهو العصبتين الآتيتين إلى العينين، ومنها ما ليس كذلك كما في الأعصاب.
وثانيها: باعتبار قوامها، فإن من الأعصاب، ما هو شديد اللين كأعصاب الحس، وخصوصاً منها ما كان في مقدم الدماغ كأعصاب حس العينين. ومنها ما ليس كذلك كأعصاب الحركة، وخصوصاً ما كان منها ناشئاً من أسافل النخاع.
وثالثها: باعتبار حجمها فإن من الأعصاب ما هي غليظة جداً كالأعصاب الآتية إلى العينين. ومنها ما هو دقيق جداً كالأعصاب الآتية الناشئة من الفقرة الأولى من فقار العنق. ومنها ما ليس كذلك كبقية الأعصاب.
ورابعها: باعتبار ما يفيده من القوة، فإن من الأعصاب ما تفيده قوة الحس فقط، كأعصاب الذوق والسمع ونحو ذلك. ومنها ما يفيد قوة الحركة فقط، كالعصب المحرك للسان ومنها ما يفيد الأمرين في عضلات اليدين والرجلين ونحوهما.
وخامسها: باعتبار الأعضاء التي تأتي إليها فإن من الأعصاب ما يأتي الأحشاء فقط، كأكثر أعصاب الدماغ، ومنها ما يأتي الأعضاء الظاهرة فقط كأكثر أعصاب النخاع.
стр. 86
وسادسها: باعتبار ما يتكون منها، فإن من الأعصاب ما لا يتكون منه عضو آخر كالأعصاب المفيدة للسمع والذوق ومنها ما يتكون منها شيء آخر، وذلك إما غشاء كالأعصاب الآتية إلى الأحشاء. وإما طبقة كالأعصاب التي تنفذ فيها قوة البصر، وإما عضل كأكثر أعصاب النخاع.
وسابعها: باعتبار مبادئها، فإن الأعصاب منها دماغية، ومنها نخاعية. والدماغية منها ما هي من مقدم الدماغ، ومنها ما ليس كذلك.
والنخاعية منها ما هي عنقية، ومنها ما هي صدرية، ومنها ما هي قطنية. ومنها غير ذلك كالناشئة من العجز والعصعص. وقد يمكن تقسيمها باعتبارات أخرى كثيرة. وفيما ذكرناه ها هنا كفاية، ولنتكلم الآن في منفعة الأعصاب. والله ولي التوفيق.
منفعة العصب
قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه منفعة العصب منها ما هو ... إلى آخر الفصل.
الشرح قوله: منها ما هو بالذات ومنها ما هو بالعرض، يريد بالتي بالذات ما تكون مقصودة من خلقة العصب أو لاً. وبالتي بالعرض ما خلقه العصب لا لأجلها بل لشيء آخر فاتفق أن أفاد ذلك النفع وخلقة الأعصاب إنما هي لأجل إفادة الأعضاء الحس والحركة. وإنما كان كذلك لأن الدماغ كما عرف مبدأ لقوة الحس والحركة إما بذاته كما هو مذهب الأطباء أو بتوسط القلب كما هو مذهب كثير من الفلاسفة وكيف كان فإن الروح إنما يمكن من صدور أفعال الحس والحركة عنها بعد أن تحصل في الدماغ وإنما يمكن استفادة الأعضاء منها ذلك بعد نفوذها إليها من الدماغ. فلا بد من آلة تصلح لنفوذها فيها، وهذه الآلة لا بد وأن تكون لينة ليكون مع كونها عسرة الانقطاع سهلة الانعطاف والانثناء بحسب ما يوجبه وضع الأعضاء. ولا بد وأن تكون مستحصفة الظاهر لتمنع من تحلل ما ينفذ فيها من الروح ولا بد وأن تكون متخلخلة الباطن ليتسع لجرم الروح، ولا بد وأن تكون باردة المزاج لتكون على مزاج العضو المصلح لمزاج الروح النافذة فيها وهو الدماغ، فلا يعرض للروح تغير عن المزاج الذي به تصلح لصدور أفعال الحس والحركة، ولا بد وأن تكون إلى يبوسة، وإلا لم تكن أرضيتها كبيرة فلم يمكن بأن تكون عسرة الانقطاع ولا بد وأن تكون هذه اليبوسة يسيرة، وذلك لأمرين: أحدهما: لئلا يفسد مزاج الروح لأنها تكون حينئذٍ خارجة عن مزاج الدماغ خروجاً كبيراً.
وثانيهما: ليمكن أن تكون سهلة الانعطاف والانثناء. وهذه الآلة هي الأعصاب فإذا المقصود بالذات من خلقة الأعصاب أن تكون آلة لنفوذ هذه القوى من الدماغ إلى الأعضاء المستفيدة منه أفعالها.
وأما كونها مقوية للبدن واللحم فذلك بما اتفق منها لأنها لقوة جرمها وعسر انقطاعها، إذا انبثت في اللحم جعلته كذلك لأنها عسرة أي جعلته عسر الانفصال بسبب عسر انفصال ما هو منبث فيه، وإذا صار اللحم كذلك صار ظاهر البدن كذلك أيضاً لأنه ظاهر لحمي.
قوله: ومن ذلك الإشعار بما يعرض من الآفات للأعضاء وهذه المنفعة هي منفعة إفادة الدماغ للحس، وذلك لأن هذه الإفادة تكون تارة بأن يجعل العضو نفسه حاساً بذاته، وتارة بأن يجعل ما يحيط به كذلك. فيكون له حس بالعرض فلذلك لا يصلح عند هذه المنفعة من المنافع التي بالعرض.
قوله: على عناية عظيمة تختص بما ينزل من الدماغ إلى الأحشاء بالعصب ها هنا ثلاث مسائل: إحداها: لم اختص العصب الدماغي بالنزول إلى الأحشاء مع أن النخاعي إليها أقرب؟ وثانيتها: لم اختصت الأحشاء بالعصب الدماغي مع أن حاجة الأعضاء الظاهرة إلى قوة الحس أكثر لأنها هي الملاقية للمؤذيات الواردة على البدن؟.
وثالثتها: لم اختصت الأعصاب الواردة إلى الأحشاء بزيادة الوقاية مع أن أعصاب الأعضاء الظاهرة ملاقية لما يرد من المؤذيات فكان وجوب التحرس عليها أولى؟ الجواب: أما المسألة الأولى فإن الأعصاب الدماغية لما كانت شديدة اللين كانت شديدة القبول للتضرر بالواردات المؤذية، فكان الأولى بها البعد عن ظاهر البدن لثقل ما يرد إليها من المؤذي.
وأما أعضاء الرأس والوجه فلما كانت بمرصد من الحس، وكان العصب النخاعي لو سلك إليها لا فتقر إلى تعريج كبير جعلت أعضاؤها دماغية.
стр. 87
وأما المسألة الثانية: فقد أجاب الشيخ عنها، وذلك لأن هذه الأعصاب لما كانت مع لينها تحتاج إلى قطع مسافة بعيدة احتيج إلى توثيقها وخاصة في المواضع المذكورة ولا كذلك باقي الأعصاب فإنها إما صلبة كالنخاعية أو لينة. ولكنها لا تحتاج إلى مسافة بعيدة كالدماغية التي في الوجه والرأس.
قوله: فما كان المنفعة فيه إفادة الحس أبعد من منبعثه على الاستقامة يريد بذلك أن شأنه يكون كذلك إذا لم يكن هناك سبب آخر يوجب خروجه عن الاستقامة كما في الأعصاب الآتية إلى العينين.
قوله: بل كلما كانت ألين كانت لقوة الحس أشد تأذية ينبغي أن يقال: كان الحس أتم وأكمل، وذلك لأن العصب اللين أشد انفعالاً عن الملاقيات وأسرع انفعالاً، فإذا كان كذلك كان إدراك القوة لانفعاله أسرع وأكثر. وهذا فيما يكون الحس فيه بالملاقاة.
وأما ما ليس كذلك كحس البصر فإنه لا يكون كذلك وأما أن زيادة اللين تقتضي أن يكون تأذية القوة أشد أو أكثر فليس بلازم. والله ولي التوفيق.
الفصل الثاني
تشريح العصب الدماغي ومسالكه
والكلام في هذا الفصل يشتمل على سبعة مباحث: البحث الأول تشريح الزوج الأول قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه قد ينبت من الدماغ أزواج ... إلى قوله: والزوج الثاني من أزواج العصب الدماغي منشؤه خلف.
الشرح إن لهذا الزوج من العصب خواص ليست لغيره: إحداها: أنه ينبت من أو ل مقدم الدماغ، وإنما كان كذلك لأن الروح النافذ فيه يجب أن يكون شديد الرطوبة المائية حتى يكون من جنس جوهر البخار متوسطاً بين طبيعة الماء والهواء وإنما كان كذلك لأنه يحتاج أن تنطبع فيه أشباح المرئيات، وذلك لا يتأتى في مثل جوهر الماء لذلك لا ترى أشباح الأشياء في الهواء الصافي بل في الهواء الرمادي وهو الكثير المائية، ولذلك إنما ترى الهالة وقوس قزح ونحو ذلك في هواء هو بتلك الصفة ولذلك كثيراً ما يعرض لراكب السفينة أن يرى خياله في هواء البحر، وذلك لشدة مخالطته للأجزاء المائية التي تتصعد إليه بالتبخر وأيضاً يحتاج هذا الروح إلى سرعة شديدة في الحركة حتى يمكن أن يؤدي الشبح إلى أمام القوة الباصرة في زمان غير محسوس. وذلك مما لا يتأتى في مثل جوهر الماء، فلا بد وأن يكون هذا الروح كالمتوسط بين الماء والهواء وإنما يكون كذلك إذا كان تولده في أو ل مقدم الدماغ ونفوذه في عصب في غاية ما يمكن من الرطوبة الممكنة للعصب وإنما يكون العصب كذلك إذا كان منشؤه من أرطب جزء من جرم الدماغ، وهو ذلك الموضع.
الخاصية الثانية: أن هذا العصب ذو تجويف ظاهر، وإنما كان كذلك لأن إحساس القوة الباصرة إنما يتم بانطباع شبح المرئي في الروح النافذ في هذا العصب على ما نبينه في موضعه. وانطباع الشبح إنما يكون في سطح له مساحة ظاهرة وإنما يمكن ذلك إذا كان الروح المنطبع فيه الشبح في موضع متسع، وليس يكفي أن يكون ذلك الاتساع في موضع الانطباع فقط. بل لا بد وأن يكون في مسافة نفوذ الروح بالشبح إلى أمام القوة الباصرة ليمكن نفوذها والشبح فيها بحاله، ولا يكفي ذلك أيضاً بل ولا بد وأن يكون في مسافة نفوذ تلك الروح راجعة إلى الدماغ أيضاً ليمكن إيصالها الشبح إلى موضع القوة التي تسمى الخيال كما نبينه في موضعه.
فلذلك لا بد وأن يكون هذا العصب مجوفاً من أو له إلى آخره خصوصاً وهذا الروح ولا بد وأن يكون غليظ القوام ليكون كالمتوسط بين قوام الماء والهواء، ولا بد وأن يكون كبيراً لتكون منه أجزاء تقبل الأشباح الواردة وأجزاء تؤدي شبحاً بعد شبح ولا بد وأن يكون سريع الحركة جداً، ليمكن تأدية الشبح في زمان غير محسوس. وإنما يمكن ذلك إذا كان منفذه شديد الاتساع.
стр. 88
الخاصية الثالثة: أن هذا العصب مع كونه للحس فقط فإنه ينفذ في العضو الذي هو آلته على غير الاستقامة وإنما كان كذلك لأن الإنسان ونحوه ينبغي أن تكون له عينان حتى إذا عرضت لإحداهما آفة قامت الأخرى مقامها في الإبصار وينبغي أن يكون بين موضعهما بعد ما. إذ لو كانت في موضع واحد لكانت الآفة العارضة لإحداهما يلزمها في الأكثر آفة الأخرى فلم يبق للتكثير فائدة وإذا كان كذلك فلو ذهب هذا العصب على الاستقامة إلى العينين لكان خروجهما إما أن يكون من موضع واحد حتى يكون أخذهما إلى العينين مؤرباً وتكون القوة الباصرة موضوعة في الموضع المشترك بينهما، وهو عند منشئهما، أو لاً يكون كذلك بل يكونان خارجين من موضعين ذاهبين إلى العينين بغير تأريب. فإن كان الأول، لزم ذلك ضعف جرم الدماغ هناك، لأنه حينئذٍ يحتاج أن يكون في موضع واحد ثقب عظيم في جوهر الدماغ إلى بطونه بحيث يعم ذلك الثقب لثقبتي العصبتين، ولزم أيضاً أن يكون أيضاً موضع القوة الباصرة بعيداً عن موضع ابتداء تشبح الروح بالمرئي، ويكون الشبح الواقع في روح كل واحدة من العصبتين بمعرض الانمحاء والتغير قبل وصوله إلى موضع القوة ولا كذلك إذا كانا يلتقيان في وسط تلك المسافة. فإن انطباق أحدهما على الآخر موجب لقوة ثبات هيئته في الروح.
وإن كان الثاني، وهو أن تكون العصبتان آخذتين إلى العينين على الاستقامة وناشئتين من موضعين مختلفين فحينئذٍ إما أن يكون في كل واحدة من العصبتين قوة باصرة، فيلزم أن ترى الشيء اثنين أو لا يكون في كل واحد منهما قوة فلا يرى الشيء البتة أو يكون في إحداهما دون الأخرى قوة فيكون الإبصار بالعين الواحدة والأخرى معطلة. وذلك محال.
ولقائل أن يقول: يجوز أن تكون القوة الباصرة حينئذٍ في داخل الدماغ فلا يلزم أن ترى الشيء اثنين لأن ما يرد من الشبحين حينئذٍ ينطبق أحدهما على الآخر في داخل الدماغ فتدركه القوة واحداً كما يقولون حيث القوة في موضع اجتماع تجويفي العصبتين في وسط المسافة إلى العينين.
وجوابه: إن هذا غير ممكن لأن القوى التي تكون في داخل الدماغ إنما يمكن أن تكون مدركة لما أدركته الحواس الظاهرة فقط فما لا يدركه شيء من الحواس الظاهرة لا يمكن إدراكه بقوة في داخل الدماغ البتة.
فإذاً لا بد وأن يكون نفوذ هاتين العصبتين إلى العينين على غير الاستقامة بل أن تأخذ المسافة على تأريب ويلتقيان في وسطها، وتكون القوة الباصرة هناك.
الخاصية الرابعة: أن هذا العصب لا بد وأن يكون كل واحد من فرديه مثقوباً في سطحه الذي يواجه به الآخر ثقباً ينفذ إلى تجويفه، وإن يكون ذلك الثقب في موضع التقائهما حتى يتحد تجويفهما هناك وتكون القوة الباصرة موضوعة في الموضع المشترك بينهما لتكون رؤية الشبحين واحداً على وجه ولا يكون كل واحد من الشبحين بمعرض التغيير والبطلان.
الخاصية الخامسة: أن هذا العصب لا بد وأن يكون مع غلظه قصيراً لأنه لا يبعد العينين ومسافة ما بينهما، وبين مقدم الدماغ قصيرة جداً.
قوله: مبدؤه من غور البطنين المقدمين. يريد أن هذا الزوج مبدؤه من داخل الدماغ أعني المخ، وإنما كان كذلك ليكون التجويف الذي في كل واحد من فرديه نافذاً إلى بطون الدماغ ليكون نفوذ الروح إلى هناك متشبحة تشبح المرئي حتى ينحفظ ذلك الشبح بحاله بقوة الخيال. وفائدة خروجها من البطنين أن يكونا بحيث إذا عرضت آفة لأحد بطني الدماغ المقدم يوجب فساد الإبصار قام الآخر مقامه.
قوله: ثم يلتقيان على تقاطع صليبي. قد قيل: أن العصبتين متقاطعتان بحيث تنفذ اليمنى منهما إلى العين اليسرى واليسرى إلى العين اليمنى.
وجالينوس يعتقد خلاف ذلك، ويرى أن اليمنى تنفذ إلى العين اليمنى واليسرى إلى اليسرى وأن العصبتين لا تتقاطعان بلا تتلاقيان، وينثقب كل واحدة منهما عند موضع التلاقي حتى يكون هناك موضع مشترك لتجويفهما ثم يتفارقان فتذهب كل واحدة منهما إلى العين المحاذية لمبدئه وهذا هو الرأي المشهور به ويقول الشيخ أيضاً فقوله على تقاطع صليبي يريد أن يكون ذلك في الرؤية. وفي الحقيقة إنه ليس كذلك.
стр. 89
قوله: فلذلك تصير كل واحدة من الحدقتين أقوى إبصاراً إذا غمضت الأخرى إنما يكون كذلك إذا كان الضعف عارضاً بسبب قلة الروح، فإن الحاصل في كل واحدة من الحدقتين من الروح يكون حينئذٍ أقل مما ينبغي فإذا غمضت إحداهما أمكن للأخرى أن تأخذ من الروح قدر الحاجة لتعطله عند الحدقة الأخرى، ويلزم ذلك أ؟ تقوى الإبصار لتوفر الروح وأما إذا لم يكن الضعف كذلك لم يلزم أن يقوى الإبصار لأن كل واحدة من الحدقتين فإنها إما تأخذ من الروح قدر الحاجة في الإبصار فإذا لم يكن ما عندها قاصراً عن ذلك لم يحدث شيئاً آخر وإن تعطل عن الحدقة الأخرى.
وكذلك كان قوله: ولهذا ما يزيد الثقبة العنبية اتساعاً إذا غمضت الأخرى إنما يصح إذا كان ثقب تلك العنبية قد عرض له أن ضاق لأجل قلة الروح فإنه حينئذٍ إذا وجد روحاً أزيد مما عنده لأجل تعطله عن الحدقة الأخرى عاد إلى مقداره الطبيعي فاتسع عما كان قبل ذلك. وأما أن هذا الاتساع يكون أزيد من المقدار الطبيعي فغير صحيح فإن العين يستحيل أن تأخذ بالطبع من الروح مقداراً يمددها حتى يخرج ثقبها عن المقدار الطبيعي بل إنما تأخذ مقدار حاجتها، وإن وجدت روحاً كبيرة جداً.
قوله: أن يكون للعينين مؤدى واحد يريد موضعاً واحداً يتأدى إليه الشبحان قوله: فلذلك يعرض للحول أن يروا الشيء شيئين عندما تزول إحدى الحدقتين إلى فوق وإلى أسفل إذا ارتفع مثلاً إحدى الحدقتين إلى فوق أو إلى أسفل فتارة ترتفع معها العصبة التي تأتيها عند موضع التقائها بالعصبة الأخرى فتكون هناك إحدى العصبتين على حاله، ويكون الموضع من العصبة الآتية إلى الحدقة المرتفعة طرفها فقط أعني أن موضع الالتقاء يرتفع وهذا تلزمه أن تصير مسافة المرتفعة أطول لأنها تصير وتراً للزاوية القائمة التي تحيط بها بعد الارتفاع وبعد العصبة التي كان أو لاً ولا يلزم ذلك الأمر الأول إذ يجوز أن يكون طرف العصبة حينئذٍ مساوياً لارتفاعها عند التقاطع فلا يكون بعدها حينئذٍ بالقياس إلى ما كان أو لاً كبعدي ضلعين متقابلين من سطح متوازي الأضلاع فإن كان الأول، وهو أن يرتفع موضع الالتقاء لزم أن يكون شبح الحدقة المرتفعة أرفع من موضع شبح الأخرى ويلزم ذلك أن لا ينطبق كل واحد من أجزائه على نظيره من الشبح الآخر بل تنطبق أجزاؤه السافلة على أجزاء الآخر العالية إن كان الارتفاع قليلاً، وإن كان كبيراً لم ينطبق شيء من أجزائه على أجزاء الآخر بل يقع بجملته فوق الآخر، فإن لم ينطبق شيء من أجزائه على الآخر رأى الشيء شيئين تامين أحدهما على الآخر بقدر نسبة ارتفاع أحد الشبحين على الآخر، وإن انطبق بعض أجزاء الشبح العالي على بعض أجزاء السافل لم ير الشيء تامين بل حينئذٍ لا يخل وإما أن يكون ارتفاع العصبة عند موضع الالتقاء مساوياً لارتفاعها عند العين حتى تكون مسافتها كما كانت أو لاً أو لا يكون كذلك بل إما أزيد من ذلك أو أنقص.
стр. 90
فإن كان مساوياً كانت مسافة هذه العصبة كمسافة الأخرى لأنها تكون بقدر ما كانت أو لاً، ويلزم ذلك أن يكون وصول الشبحين معاً في وقت واحد. فتختلط الأجزاء السافلة من الشبح العالي بالأجزاء العالية من الشبح الآخر من أو ل حصولهما هناك فتكون لما رأى أعلاه وأسفله مرتين على التمام رؤية صحيحة ولكن بينهما بعد ترى فيه الأجزاء السافلة مختلطتين وتكون هذه الأجزاء المختلطة بقدر المنطبق من كل واحد من الشبحين على الآخر، وإن كان مختلفاً أعني إن كان ارتفاع العصبة عند موضع الالتقاء مخالفاً لارتفاعها عند العين لزم ذلك أن تكون مسافتها أطول مما كانت أو لاً، ويلزم ذلك أن يكون وصول شبح العين السليمة قبل وصول شبح الأخرى فيرى الشبح الشيء أو لاً رؤية صحيحة ثم يرى على ما قلناه حيث الارتفاعان متساويان ويكون زمان ما بين الرؤيتين قصيراً جداً، ويختلف باختلاف تفاوت الارتفاعين فيطول حيث يكون التفاوت كبيراً، ويقصر حيث يكون أقل. هذا وأما الأمر الثاني وهو أن تكون العصبة الآتية إلى العين مرتفعة لم ترتفع عند الالتقاء بالأخرى وهذا يلزمه أن تكون مسافتها أطول مما قلناه ويلزم ذلك أن يكون ورود الشبح من العين السليمة قبل ورود شبح الأخرى وهذا لا يلزمه خلل في البصر، إذ يرى الشبح أو لاً شبحاً واحداً ثم يرى شبحين المنطبقين أحدهما على الآخر لكن لو اتفق أن عرض لشبح العين السليمة اختلال رئي الشيء أو لاً مختلاً بذلك النوع من الاختلال ثم يرى صحيحاً وبينهما زمان لا يكاد يحس وكذلك لو مالت إحدى الحدقتين إلى جانب طالت مسافة وصول شبحها إلى موضع الالتقاء لا محالة ثم هذا إما أن يلزمه مع ذلك تمدد عصبتها عند موضع الالتقاء أو لا يلزمه ذلك.
فإن كان الأول فإما أن يكون ذلك التمدد كبيراً حتى لا ينطبق شيء من شبحها على شبح الأخرى، فيرى الشيء شيئين: أحدهما عن جانب الآخر. أو يكون التمدد دون ذلك بحيث تنطبق بعض أجزاء شبح هذه الحدقة على بعض شبح الأخرى فيرى الشيء كما قلناه حيث ينطبق بعض أجزاء أحد الشبحين على بعض أجزاء الآخر إذا كانت إحدى الحدقتين مرتفعة. ولكن يختلف ها هنا بأن الأجزاء التي تكون رؤيتها صحيحة تكون من الجانبين لا إلى فوق ولا أسفل كما كانت هناك.
وكذلك الأجزاء التي ترى ها هنا مختلطة هي الأجزاء التي بين الجانبين كما كانت هناك بين الفوق والسفل.
وأما الثاني: وهو أن يكون ميل إحدى الحدقتين ليس يلزمه تمدد عصبتها عند موضع الالتقاء. فهذا لا يلزمه خلل البصر بل يكون الحال كما قلنا حيث ارتفاع إحدى الحدقتين لا يلزمه ارتفاع عصبتها عند موضع التقاطع.
هذا هو التحقيق.
وأما قول الشيخ: إن ارتفاع إحدى الحدقتين يبطل معه استقامة نفوذ المجرى إلى التقاطع ويعرض قبل الحد المشترك حد لانكسار العصبة فغير مسلم. وذلك لأن هذا الانكسار إنما يلزم لو كان بعض أجزاء تلك العصبة التي بين العين وموضع الالتقاء لازماً لو ضعه دائماً يكون كذلك لو كان مربوطاً بالأعضاء المجاورة فليس الأمر كذلك. والله ولي التوفيق.
البحث الثاني تشريح الزوج الثاني قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه والزوج الثاني من أزواج العصب الدماغي ... إلى قوله: وأما الزوج الثالث فمنشؤه.
الشرح قد علمت أن الزوج الذي في عيني الإنسان ونحوه يجب أن يكون شديد الرطوبة المائية وإنما يمكن ذلك بأن يكون محلها رطباً ليبقى ما فيها من الرطوبة محفوظاً، فلذلك يجب أن يكون مزاج العينين وما يتصل بها رطباً فلذلك يجب أن تكون العضلات المحركة للعينين متكونة من عصب رطب لين فلذلك يجب أن يكون منشؤه بالقرب من منشأ الزوج الأول. وذلك هو هذا الزوج خصوصاً وهو لا يصلح لتحريك غير العينين من الأعضاء لأجل إفراط لينه.
стр. 91
ويجب أن يكون منشؤه وراء منشأ الأول لأن الأول يحتاج أن يكون أكثر رطوبة منه، لأنه للحس، وهو للحركة ويجب أن يكون هذا المنشأ في طرفي الدماغ من الجانبين أكثر من الأول، لأن الوسط ما بين جانبي الدماغ أكثر رطوبة فلذلك ما بين فردي هذا الزوج أو سع كثيراً مما بين فردي الزوج الأول، ومخرج هذا الزوج من ثقبين في نقرتي العين بالقرب من مخرج الأول يفصل بينهما عظم رقيق، وإنما ينصبان عن خروجهما من الجمجمة إلا عند أو ل منشئهما كما في الزوج الأول، وذلك لأن الزوج الأول يحتاج أن يلتقي فراده قبل الوصول إلى الجمجمة فيحتاج أن يتقارب أحدهما إلى الآخر من أو ل منشئهما،، ولا كذلك الزوج، وإنما أخرج هذا من نقرة العين لأمرين: أحدهما: أنه يحتاج إلى أن يتفرق في جميع الجوانب التي تقرب من العين لتكون منه العضلات المحركة لها إلى جميع تلك الجوانب، وإذا كان كذلك وجب أن يكون خروجه من الوسط ليكون تقسيمه إلى جميع الجوانب على العدل.
وثانيهما: أن العضلة التي خلف العينين تحتاج أن تكون قريبة الشبه من مزاجها وإنما يمكن ذلك إذا كان عصبها شديد الرطوبة وإنما يمكن ذلك إذا كان مخرجه من هناك إذ لو خرج من موضع آخر لكان يتصلب في مسافة نفوذ هذا الموضع. والله ولي التوفيق.
البحث الثالث تشريح الزوج الثالث قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه أما الزوج الثالث فمنشؤه الحد ... إلى قوله: وأما الزوج الرابع فمنشؤه خلف الثالث وأميل.
الشرح إن هذا الزوج أيضاً يحتاج أن يكون شديد اللين لأن أكثره لأجل الحس، ومنه ما هو لحس الذوق وهو إنما يكون بعصب ظاهر اللين لأن إدراك التفاوت بين الطعوم إنما يتم إذا كان المنفعل شديد القبول جداً ولكن لا يجب أن يكون لينه كلين الزوج الأول بل دونه في ذلك فلذلك شعب هذا الزوج الثالث التي في داخل الدماغ متوسطة اللين بين لين الزوج الأول والزوج الثاني. وأما بعد خروجه، فالظاهر أنه يكون أقل ليناً من الزوج الثاني لبعد مسافة ما بين منشئه ومخارجه ولذلك فيما أظن خلق منشؤه خلف منشأ الثاني.
قال جالينوس: وقد ظن المشرحون في هذا العصب أنه عصبة واحدة، وكذلك يعتقد فيه من لم يستقص النظر، وإذا تأمل الاستقصاء ظهر له شعب كثيرة في داخل القحف كالشعر موضوع بعضها على بعض من غير تلبد. وهو أو لاً يخالط الزوج الرابع ويخرج معه من الأم الغليظة ثم بعد ذلك يتشعب إلى الشعب المذكورة في الكتاب وهذه العدة من الشعب ليست مجموع شعب هذا الزوج بل لأحد فرديه، وللفرد الآخر شعب نظيرة لها من الجانب الآخر.
стр. 92
قوله: فمنشؤه الحد المشترك بين مقدم الدماغ، ومؤخر الدماغ مقسوم في طوله وعرضه. وذلك أنه ينقسم إلى قسمين يميناً وشمالاً لك أن تسميهما جزأين ولك أن تسميهما بطنين. وقد جعل بينهما حاجز، وهو الحجاب القاسم للدماغ، وتنقسم أيضاً ما بين أو له وآخره إلى أجزاء وإلى بطون. أما الأجزاء فجزآن أحدهما من قدام والآخر من خلف والظاهر أنهما كالمتساويين في المساحة لست أعني مساحة الطول بل مساحة جميع الجرم بحيث يكون المقدم بجملته مساوياً للمؤخر بجملته إذ لا موجب لزيادة أحدهما على الآخر. ولما كن المؤخر أدق كثيراً من المقدم وجب أن يكون الجزء المؤخر أطول كثيراً من المقدم حتى يكون طوله كالضعف من طول المقدم. ولما كانت الأعصاب السبعة آخذة في طول الدماغ. وينبغي أن تكون الأبعاد التي بينها في طول الدماغ متساوية إذ لا موجب للتفاوت فيجب أن تكون حصة الجزء المقدم من الدماغ أقل وكالنصف من حصة المؤخر فلذلك صار في الجزء المقدم زوجان وفي المؤخر أربعة. والزوج الثالث في الحد المشترك بينهما وانفصال الجزء المقدم عن المؤخر هو باندراج الحجاب بينهما فقط، وأما انقسامه بالبطون فإن الدماغ ينقسم إلى بطون ثلاثة وهي التجاويف التي يكون فيها الروح وفيها يتعدل. وهذه البطون مختلفة في المقدار وذلك لأن البطن المقدم منها لأجل الحس المشترك، والخيال، وإنما يدرك المحسوس ويحفظ بأن يتشنج مثاله في الزوج، وذلك إنما يكون فيما له مقدار ومساحة فلذلك يجب أن يكون هذا البطن عظيماً جداً ليتسع لمقادير أشباح المحسوسات وأما البطن المؤخر فلأجل حفظ المعاني وهي مما لا مقدار له حتى يحوج أن يكون مثالها في مقدار ومساحة فلذلك خلق هذا البطن صغيراً جداً، وأصغر من نصف المقدم. وكذلك البطن الوسط فإنه لإدراك المعاني بالوهم فلذلك خلق أيضاً صغيراً، فلذلك تكون الأعصاب التي في البطن المقدم كبيرة جداً بالنسبة إلى التي في البطنين الآخرين، فلذلك لا منافاة بين كلام الشيخ ها هنا وبين كلامه في الكتاب الثالث من كتب القانون إذ قال هناك: وإنما لين مقدم الدماغ لأن أكثر عصب الحس وخصوصاً الذي للبصر والسمع ينبث منه، فإنه يريد هناك بالمقدم البطن المقدم، لا الجزء المقدم. وإن كان كلامه هناك إنما كان أو لاً في الأجزاء.
قوله: ثم تفارقه وتتشعب أربع شعب يريد أن كل فرد من هذا الزوج يتشعب هذه الشعب وينبغي أن يكون مخرج كل شعبة من الموضع الأقرب إلى مواضع تفرقها وانبثاثها.
قوله: وشعبه تطلع في الثقب الذي يخرج منه الزوج الثاني. سبب ذلك: أن هذه الشعبة لو أخرجت من غير هذا الموضع فإما من ثقب مستقل فتكثر ثقوب القحف ويزداد ضعفاً أو من ثقب مشترك بينها وبين غيرها فيتعين لها هذه الثقبة لأن ما سواها مما هو خارج عن نقرة العين بعيد عن مواضع انبثاث هذه الشعبة والتي مع هذه فقرة العين وهي مخرج الزوج الأول لا يمكن أن يخرج فيها مع ذلك الزوج غيره لئلا يضعفه فيفسد تجويفه ويلزم ذلك فقدان الإبصار. إن هذا الزوج شديد الاستعداد للانضغاط لزيادة تجويفه ولفرط لينه.
قوله: والجزء الذي يأتي اللسان أدق من عصب العين لأن صلابة هذا ولين ذاك يعادل غلظ ذلك ودقة هذا.
قد قلناه: إن سبب غلظ عصب العين ليس لإفراط لينه بل ليمكن أن يكون تجويفه كبيراً ظاهراً، ولما لم يحتج إلى ذلك ها هنا لا جرم كان هذا العصب دقيقاً. والله ولي التوفيق.
البحث الرابع تشريح الزوج الرابع قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما الزوج الرابع فمنشؤه ... إلى آخر الفصل.
الشرح عبارة الكتاب في هذا ظاهرة. والله ولي التوفيق.
البحث الخامس تشريح الزوج الخامس قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما الزوج الخامس فكل فرد ينشق بنصفين ... إلى آخر الفصل.
الشرح قوله: كل فرد منه ينشق بنصفين. قد قال جالينوس: أن العصبتين لا تخرجان من مخرج واحد لكن لكل واحدة منهما مخرج إلى جانب الأخرى وكل واحدة منهما تنشأ من أصل غير الأصل الذي تنشأ منه الأخرى وإذا كان كذلك لم يكن كل فرد منه واحداً ثم ينشق.
стр. 93
قوله: والقسم الأول من كل زوج منه يعتمد إلى الغشاء المستبطن للصماخ يريد القسم الأول من كل فرد من فردي الزوج الخامس، وإنما قال من كل زوج لأن كل فرد من هذين زوج كما قلناه أو لاً ويريد بالقسم الأول لا ما هو أولى في الخروج أو الظهور ونحو ذلك بل ما هو أولى في الكلام فيه، ويريد بكونه يعمد إلى الغشاء أنه يذهب إلى هناك ليكون ذلك الغشاء منه ومن الجزء من الأم الغليظة الذي يصحبه، وذلك لأن هذا الجزء من العصب وهو الذي يسمى عصب السمع، يدخل إلى ثقب السمع من قدام ومعه جزء من الأم الغليظة، فيعرضان معاً ويغشيان الصماخ.
قوله: وهذا القسم منبته بالحقيقة من الجزء المؤخر من الدماغ يريد الجزء المؤخر لا البطن المؤخر بل القسم الذي ينفصل عن المقدم باندراج الحجاب بينهما، وهذا الجزء يقع في بعضه مؤخر البطن المقدم، ومنه ينبت هذا الزوج فلذلك لا منافاة كما قلنا أو لاً بين قوله ها هنا، وقوله في الكتاب الثالث: إن عصبة السمع تنبت من مقدم الدماغ، إذ يريد هناك بالمقدم البطن المقدم وذلك البطن يقع آخره في الجزء المؤخر.
قوله: وهو الثقب الذي يسمى الأعور والأعمى لشدة التوائه وتعريج مسلكه. هذه التسمية على سبيل المشابهة وذلك لأن هذا الثقب يشبه الأعمى من جهة أنه لا يسلك طريقه على الاستقامة بل يميل يميناً وشمالاً وغير ذلك.
وقد ذكر الشيخ ها هنا مسألتين: إحداهما: ما السبب في خلقة الذوق أي حس الذوق في العصبة أي الشعبة الرابعة من الزوج الثالث، وخلق حس السمع في الزوج الخامس؟ وأجاب: بأن آلة السمع تحتاج أن تكون مكشوفة، وآلة الذوق مخبأة وبيان هذا أن السمع إنما يتم بأن يصل إلى الصماخ بتموج الهواء الحامل للصوت، وإنما يكون ذلك بأن يكون للهواء مدخل إلى هناك، فلا بد وأن يكون هذا المدخل مفتوحاً دائماً ليكون للإنسان إدراك الأصوات في أي وقت حدثت.
وأما الذوق فإنه إنما يدرك بأن ينحل من الجسم الحامل للطعم أجزاء تخالط الرطوبة العذبة التي في الفم وينفذ معها إلى العصب الذي فيه فتدرك كيفية تلك الأجزاء. وإنما يكون ذلك إذا كان وضع اللسان في الفم ومن لا يحتاج أن يكون دائماً بل إنما تحتاج إلى فتحة لإدراك الطعم إذا أريد إدخال المطعوم في الفم، فلذلك كانت هذه الآلة محرزة موقاة بالفم، وآلة السمع ليست كذلك وذلك موجب أن تكون آلة السمع أصلب لتكون عن قبول الآفات أبعد.
أقول: وها هنا أيضاً سبب آخر وهو أن إدراك الصوت إنما يتم بانفعال العصب عن تموج الهواء الراكد في الأذن تبعاً لتموج الهواء الحامل للصوت، وهذا التموج لا يخلو من قرع فلو كان عصبه ليناً جداً لتضرر بذلك وبكيفية ذلك الهواء في حره وبرده ولا كذلك إدراك لطعم.
وثانيتهما: ما السبب في الاكتفاء في عضلات العين بعضلة واحدة ولم يفعل ذلك في عضل الصدغين بل جعل من الزوج الثالث والخامس من الجزء الثاني من كل واحد منهما؟ وأجاب: بأن عصب عضلات العين يحتاج أن يكون مخرجه من نقرة العين وهذه النقرة فيها ثقب واسع لأجل الزوج الأول. فلو جعل فيها ثقوب كثيرة لاشتد ضعفها ولا كذلك عضل الصدغين فإن مخرج عصبها من العظم الحجري وهو مما يحتمل ثقوباً كثيرة لصلابته.
ولقائل أن يقول: إن عصب عضلات العين إنما احتيج إلى خروجه من النقرة لأنه عصب واحد يحتاج أن يكون بعد خروجه إلى جميع تلك العضلات متقارباً وإنما يكون كذلك إذا كان من النقرة. أما لو كان أعصاباً كثيرة لكان مخرج كل واحد منها يجب أن يكون من جهة العضلة التي يأتي إليها فلا يكون في النقرة ثقوب كثيرة وأيضاً فإن العظم الحجري كما احتمل أن يكون فيه ثقوب كثيرة كذلك هو أيضاً محتمل لان يكون فيه ثقب واسع فيه يخرج منه عصب واحد يكفي عضلات الصدغ. والله ولي التوفيق.
البحث السادس تشريح الزوج السادس قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما الزوج السادس فإنه ينبت ... إلى قوله: وأما الزوج السابع فمنشؤه من.
الشرح
стр. 94
قد اتفق إن كانت الأزواج التي من الجزء المؤخر من الدماغ على النسبة التي من الجزء المقدم منه، فكما أن تلك الأجزاء الثلاثة الأولى منها قصيرة جداً، والثالث طويل جداً والثاني كالمتوسط بينهما في الطول كذلك هذه الثلاثة الأول منها، وهو رابع الأزواج الدماغية قصير جداً بالنسبة إلى الآخرين والثالث طويل جداً، والثاني كالمتوسط بينهما وذلك لتكون قسمة العصب على الوجه العدل، وكانت الثلاثة التي في الجزء الأول يجب فيها أن تكون في الطول على ما قلناه. لأن الأول منها إنما يأتي العينين فلا يجوز أن يكون أكثر طولاً مما عليه. والثالث: يأتي الأحشاء الباطنة فيجب أن يكون طوله كبيراً جداً. والثاني يأتي عضلات العينين ولا يصلح لغيرها. وتلك العضلات أبعد مكاناً من العينين فيجب أن يكون أطول من الأول، وأقصر من الثالث، وإذا كان كذلك وجب أن تكون أزواج الجزء الثاني كذلك إذ لا سبب يوجب اختلاف حال الجزأين لكونهما يختلفان في شيء وذلك لأن أزواج الجزء المؤخر أطول وتدارك ذلك أن جعلت أدق من أزواج الجزء المقدم فتكون أزواج الجزأين كالمتكافئة.
قوله: متصلاً بالخامس مشدوداً معه بأغشية وأربطة، إني إلى الآن لا أعرف لهذا الاتصال والارتباط حكمة، بل ولا أتحقق صحته فإن منشأ هذا الزوج خلف منشأ الخامس ومخرجه خلف مخارجه فلم يتقدم حتى يرتبط بالخامس ثم يتأخر ليخرج؟ وليس لقائل أن يقول: إن فائدة ذلك أن يعتضد كل واحد من الزوجين بالآخر ويقوى به، لأنا نقول: لو احتيج في هذين الزوجين إلى ذلك لكانت الحاجة إليه في الأزواج الأولى أولى لأنها أضعف لأجل لينها، ويخرج من الثقب الذي في منتهى الدرز اللامي كل واحد من فردي هذا الزوج ينقسم في داخل القحف إلى ثلاثة أقسام ويخرج الثلاثة جملة من ثقب في طرف الضلع اللامي من أسفل وذلك لان ثقب الجانب الأيمن منه الفرد الأيمن وثقب الجانب الأيسر يخرج منه الفرد الأيسر.
قوله: ليعاضد الزوج السابع على تحريكها. إن العمدة في تحريك عضل الحلق واللسان على الزوج السابع إذ الآتي إليه ذلك عصب عظيم والآتي إليه من هذا الزوج دقيق جداً، فلذلك جعله معاضداً للزوج السابع في التحريك لا أصلاً فيه.
قوله: وأتت العضل العريضة الحنجرية التي رؤوسها إلى فوق يريد بهذه الرؤوس مبادئ العضل وهي التي تنشأ منها، وللحنجرة قريب من عشرين عضلة منها ما هو موضوع عرضاً ومنها ما هو موضوع وراباً ومنها ما هو موضوع طولاً. وهذا الطول مستوياً منه ما يبتدئ من فوق ويحرك الحنجرة بطرفه الأسفل، وهو العضلات الآتية من العظم اللامي إلى الغضروف الدرقي، وكذلك المنحدرة من ذلك العظم، ومن الغضروف الدرقي، وفعلها رفع الحنجرة وغضاريفها.
وهذه تحتاج أن يأتيها العصب من فوق فلذلك ظاهر من أمرها أن عصبها يحتاج أن يكون من الدماغ. وينبغي أن يكون من هذا الزوج لأن ما قبله فمخارجه من قدام هذه العضلات وما بعده فمخرجها من خلفها وإذا كان كذلك فلو جعلت هذه العضلات من أحدها لكان إنما يأتيها مؤرباً فكان تحريك هذا العضل يكون كذلك.
قوله: فإذا جاوزت الحنجرة صعد منها شعب تأتي العضل المنكسة للحنجرة التي رؤوسها إلى أسفل وهي التي لا بد منها في إطباق الطرجهالي وفتحه إذ لا بد من جذب إلى أسفل، ومن العضل الموضوع طولا ما يبتدئ من أسفل، ويحرك بطرفه العالي.
وقد قال جالينوس في أو اخر كتابه في منافع الأعضاء إن هذا العضل هوا لذي يربط أطراف الغضروف الدرقي السفلية بالذي لا اسم له، وهو مشكل فإن ذلك العضل يتحرك مؤرباً وهذا العضل الذي ينفذ من أسفل ويتحرك بطرفه العالي قد كان يمكن أن يأتيه العصب من نخاع العتق، ومن نخاع الصدر، ولكن العصب من هناك إنما يخرج من جانبي الفقار كما بيناه فيحتاج في مجيئه إلى هذا العضل إلى أن يمر أو لاً إلى قدام، وإلى وسط ما بين اليمنى واليسرى حتى يحاذي مبادئ هذه العضلات ثم يصعد إليها مستقيماً، وذلك ليمكن أن يكون تحريكه على الاستقامة فلذلك جعل من هذا الزوج لأن مرور هذا الجزء منه في قرب ذلك العضل فلا يحتاج في صعود ما يتشعب من شعبه إلى مبادئ تلك العضلات إلى مرور إلى جهة أخرى فكان يكون هذه العضلات من هذا العصب أولى.
стр. 95
قوله: وإنما أنزل هذا من الدماغ. الأجود أنه كان يقول: وإنما خلقت هذه العضلات من العصب النازل من الدماغ وذلك لأن نزول هذا من الدماغ ليس ليكون منه هذه العضلات وأغشية الأحشاء التي نذكرها بعد لأن الأعصاب النخاعية لا يمكن أن تأتى هذه العضلات.
قوله: لأن النخاعية لو صعدت لصعدت مؤربة.
لقائل أن يقول: إن هذا غير لازم إذ يجوز أن يكون صعودها بأن يأتي أو لاً إلى محاذاة مبادئ هذه العضلات ثم يصعد على الاستقامة معتمدة على عضو هناك كما في هذا العصب الراجع. والله ولي التوفيق.
البحث السابع تشريح الزوج السابع قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما الزوج السابع فمنشؤه الحد ... إلى آخر الفصل.
الشرح إن عبارة الكتاب ها هنا ظاهرة بينة غنية عن الشرح. والله ولي التوفيق.
الفصل الثالث
تشريح العصب النابت من نخاع العنق
ومسالكه
قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه العصب النابت من النخاع ... إلى آخر الفصل.
الشرح قد جعل الأزواج النابتة من نخاع العنق ثمانية وذلك لأنه عد الزوج الخارج مما بين الفقرة الأخيرة من فقار العنق والفقرة الأولى من فقار الصدر من جملة أزواج هذه الأزواج والفقرة الأولى من فقار العنق يخرج منها زوج من ثقب فيها، وزوج مما بينها وبين الثانية. ويلزم ذلك أن تكون هذه الأزواج ثمانية.
قوله: وهو صغير دقيق، إذ كان الأحوط في مخرجه أن يكون ضيقاً. هذا يختلف بحسب اختلاف حال الحيوانات. فما كان من الحيوان سلاحه في رأسه إما في نفس رأسه كما في ذوات القرون أو في فكه كما في ذوات الأنياب الحادة كالسباع، وهذا يحتاج أن تكون الفقرة الأولى من فقار العنق قوية جداً ليكون متمكناً من استعمال سلاحه بقوة، وإنما تكون هذه الفقرة كذلك إذا كانت مع صلابتها عظيمة وحينئذٍ يمكن أن يكون ما فيها من الثقوب متسعاً، فلذلك كان هذا الزوج أعني الأول يكون في هذا الحيوان كبيراً عظيماً وخاصة وحاجة مثل هذا الحيوان إلى قوة العضل التي هناك شديدة، تكون تلك العضلات فيه عظيمة أيضاً، وذلك محوج إلى كثرة الأعصاب التي تكون فيها، وذلك محوج إلى زيادة عظم هذا الزوج وما لم يكن من الحيوان كذلك كالإنسان والقرد ونحوهما. فإن هذه الفقرة تكون فيه ضعيفة لأنها تكون فيه أصغر من بقية فقار العنق لأن الحامل ينبغي أن يكون أعظم من المحمول إذا لم يكن سبب آخر يقتضي زيادة عظم المحمول وثقبها الذي ينفذ فيه النخاع يجب أن يكون اكثر سعة مما لغيرها لأن أو ل النخاع أغلظ، ويلزم ذلك أن يكون جرمها رقيقاً جداً وذلك موجب لزيادة ضعفها فلا بد وأن يكون ما فيها من الثقوب ضيقة جداً لئلا يفرط بها الضعف، ويلزم ذلك أن يكون العصب الخارج منه دقيقاً جداً، وخصوصاً ومثل هذا الحيوان غير شديد الحاجة إلى زيادة عظم العضلات التي يكون فيه هناك فلذلك يكون هذا الزوج دقيقاً قصيراً.
قوله: والزوج الثاني مخرجه مما بين الفقرة الأولى والثانية أعني الثقبة المذكورة في باب العظام.
قال جالينوس: إن هذا الزوج ليس يخرج من ثقب بل في كل ثقب واحدة من ناحيتي الزائدة المشبهة بالشوكة موضع معرى من عظام النقرة فيما بين الفقرة الأولى والثانية منه تخرج أعصابه. والحق كما قاله جالينوس.
قوله: ويوصل أكثره إلى الرأس حس اللمس بأن يصعد مؤرباً إلى أعلى الفقار، وينعطف إلى قدام.
الذي قاله جالينوس: إن أعظم جزء من هذا الزوج ينقسم في عضل خلف الرقبة، ويصير من جزء إلى العضلات العراض المحركة للخدين والجزء الباقي من هذا العصب بعضه يرتقي إلى الرأس، وينبث في مؤخره. وكذلك الجزء الذي يرتقي من قدام ينبث في مقدم الرأس.
стр. 96
قوله: وفي غير الإنسان ينتهي إلى الأذنين فيحرك عضل الأذنين، يريد بذلك غير الإنسان مما له أذن بارزة. وإنما اختص غير الإنسان مما له أذن يحركها دون أكثر الناس، لأن الإنسان لا كلفة عليه في تحريك رأسه بحيث يحاذي كل جهة يريد بأذنه فيتمكن بذلك من سماع الصوت من أي جهة كانت ولو كذلك باقي ما له أذن فإن الفرس مثلاً ليس يتمكن من تحريك رأسه بانفراده إلى حيث يصير أحد أذنيه إلى خلف والأخرى إلى قدام وإذا كان كذلك فلو لم يمكن هذا الحيوان أن يحرك أذنيه إلى الجهات تعذر عليه سماع كثير من الأصوات ولذلك خلقت أذن أكثر هذا النوع من الحيوان طويلة لتكون عند التحريك إلى جهة ما كالباذهنج يحصر الهواء الوارد بالصوت ويعم هذا والأزواج الأخر التي بعده، أن كل واحد منها ينقسم عند خروجه كل فرد منه إلى قسمين أصغرهما يتفرق في النواحي إلى قدام.
قوله: لكن الصائر من السادس إلى ناحية اليد لا يجاوز الكتف ومن السابع لا يجاوز العضة وأما الذي يجيء الساعد من الكتف فهو من الثامن.
وقد قال في التعليم الثالث من الكتاب الأول: كما يستدل على ألم في الأصبع من سبب سابق أنه لآفة عارضة في الزوج السادس من أزواج عصب العنق وبين الكلامين تباين.
والأول هو الحق. فإن الأصابع لا يأتيها من الزوج السادس شيء وبذلك قال جالينوس.
قوله: وإنما قسم الحجاب من هذه الأعصاب دون أعصاب النخاع الذي تحت هذه ليكون الوارد عليها منحدراً من مشرف فيحسن انقسامه فيها. سبب هذا هو أن العضلات المحركة للحجاب تحتاج أن تكون العصب آتياً إليها من وسط الحجاب. وإنما يمكن ذلك أن تكون نازلة من هذه الأزواج إذ ما هو أسفل منها إنما يأتي إلى هناك بتأريب فلا يكون تحريكها كما هو الواجب في الحجاب والله ولي التوفيق.
الفصل الرابع
تشريح فقار الصدر
قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه الأول من أزواجه مخرجه ... إلى آخر الفصل.
الشرح قال جالينوس: إن تقسيم هذه الأعصاب تقسيماً متشابهاً وذلك لأن كل زوج منه فإن جزءاً منه يصير إلى عضل الصلب وجزءاً يصير إلى العضل الموضوع هناك المحرك للكتف والعضل الذي يرتقي إلى الكتف والثالث من أجزائه وهو الأعظم يتفرق في العضل الذي بين الأضلاع والعضل الموضوع عليها إما الذي بين الأضلاع التامة وعليها فينتهي إلى القص وإما على أضلاع الخلف وبينها فأكثره يتفرق في العضل الموضوع على الشراسيف والعضل المنحدر إلى الصدر والمتدلي الذي من جنس اللحم. اللهم إلا ما ينقسم في ما بين الضلع الثاني والثالث من الأضلاع الأولى فإن جزءاً منه يرتقي إلى جلدة العضد. والله ولي التوفيق.
الفصل الخامس
تشريح عصب القطن
قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه عصب القطن ... إلى آخر الفصل.
الشرح إن عبارة الكتاب في هذا ظاهرة بينة غنية عن الشرح. والله ولي التوفيق.
الفصل السادس
تشريح عصب العجز والعصعص
قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه الزوج الأول ... إلى آخر الفصل.
الشرح إن عبارة الكتاب في هذا أيضاً ظاهرة بينة صريحة غنية عن الشرح. والله ولي التوفيق.
الجملة الرابعة
الشرايين
وهي خمسة فصول.
الفصل الأول
كلام كلّي في صفة الشرّيان
قد كان ينبغي للشيخ أنه بعد الفراغ من الكلام في العصب أن يتكلم في الأربطة واللحم ليستوفي الكلام في أجزاء العضل وإنما لم يفعل ذلك لما عرف من كلامه في العضل كما قلناه.
ونحن نبتدئ به في ذلك ها هنا، ونبسط الكلام في هذا وأشباهه في الكتاب الكبير الذي نعمله في الصناعة الطبية إن شاء الله تعالى. والله ولي التوفيق.
قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه العروق الضوارب وهي الشرايين ... إلى آخر الفصل.
الشرح قد تكلمنا فيما سلف من شرحنا للكتاب الأول من كتب القانون في حقيقة الشرايين وهيئتها ما يستغنى به عن الإطالة ها هنا فليراجع ذلك من كلامنا في الأعضاء.
وقد كان ينبغي أن يكون الكلام في الشرايين قبل الكلام في الأعصاب لأن الابتداء بفروع ما هو أشد رئاسة أولى، وإنما قدم العصب لأن الكلام فيها من تتمة الكلام في العضل. والله ولي التوفيق.
الفصل الثاني
صفة الشّريان الورّيدي
والكلام في هذا الفصل يشتمل على ثلاثة مباحث: البحث الأول
стр. 97
كلام خاص بهذا الشّريان
قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأول ما ينبت من التجويف الأيسر ... إلى قوله وأما الشريان الأكبر وهو الأكبر وتسميته.
الشرح إن هذا العرق شبيه بالأوردة وشبيه بالشريان.
أما شبهه بالأوردة فلأنه من طبقة واحدة، وأن جرمه سخيف، وأنه على قوام ينفذ فيه الدم لغذاء عضو.
وأما شبهه بالشرايين فلأنه ينبض وينبت على قولهم من القلب، وينفذ فيه هواء التنفس، ولما كان نبض العروق من خواص الشرايين لا جرم، كان إلحاق هذا العرق بالشرايين أولى. ولذلك سمي شرياناً وريدياً لا وريداً شريانياً.
ونقول إن العروق التي تنبت في الرئة تخالف جميع عروق البدن، وذلك لأنه في جميع الأعضاء يكون للعرق الضارب طبقتان ولغير الضارب طبقة واحدة والضارب مستحصف وغير الضارب سخيف. وعروق الرئة بالعكس من هذا. واختلفوا في سبب ذلك فقال إسقليبيداس: إن ذلك لأن شرايين الرئة شديدة الحركة كثيرتها جداً فتهزل. وذلك لأنها تنقبض بنفسها وتنبسط وتنقبض تبعاً لانبساط الرئة وانقباضها والحركة المفرطة تهزل. وأما أو ردتها فإنها تتحرك تبعاً لحركة الرئة فقط.
والحركة المعتدلة مسمنة مغلظة للجرم. وأما في باقي الأعضاء فإن الشرايين إنما تتحرك بنفسها فقط. فتكون حركتها متوسطة فتحصف وتغلظ. والأوردة ساكنة دائماً. وذلك مهزل مذبل للأعضاء. وقد أفسد هذا جالينوس بأمرين: أحدهما: أنه لو كان كذلك لكان الاختلاف إنما هو بزيادة الغلظ وقلته لا بعدد الطبقات.
وثانيهما: أنه لو كان كذلك لكانت هذه العروق قبل عروض هذه الحركة متساوية في الرئة وغيرها، وذلك كما في الأجنة، فإن رئاتهم لم تكن بعد تحركت، ومع ذلك فإن عروقها تخالف عروق سائر الأعضاء.
والذي ذهب إليه جالينوس أن سبب ذلك هو أن شرايين الرئة الحاجة إليها جذب الهواء إلى القلب ودفع فضوله فيحتاج أن تكون سهلة الإجابة لمتابعة الرئة في انبساطها وانقباضها، ولا كذلك الأوردة فإن المقصود منها تنفيذ الغذاء. وذلك ما يضر فيه الحركة. فلذلك ينبغي أن تكون أبعد عن قبول متابعة الرئة في الحركة.
والذي نقوله نحن الآن، والله أعلم، أن القلب لما كان من أفعاله توليد الروح وهي إنما تكون من دم رقيق جداً، شديد المخالطة لجرم الهواء فلا بد وأن يجعل في القلب دم رقيق جداً وهو اء ليمكن أن يحدث الروح من الجرم المختلط منهما وذلك حيث تولد الروح، وهو في التجويف الأيسر من تجويفي القلب.
ولا بد في قلب الإنسان ونحوه مما له رئة من تجويف آخر يتلطف فيه الدم ليصلح لمخالطة الهواء فإن الهواء لو خلط بالدم وهو على غلظه لم يكن من جملتهما جسم متشابه الأجزاء، وهذا التجويف هو التجويف الأيسر حيث يتولد الروح. ولكن ليس بينهما منفذ، فإن جرم القلب هناك مصمت ليس فيه منفذ ظاهر كما ظنه جماعة، ولا منفذ غير ظاهر يصلح لنفوذ هذا الدم كما ظنه جالينوس فإن مسام القلب هناك مستحصفة وجرمه غليظ فلا بد وأن يكون هذا الدم إذا لطف نفذ في الوريد الشرياني إلى الرئة لينبث في جرمها ويخالط الهواء ويتصفى ألطف ما فيه، وينفذ إلى الشريان الوريدي ليوصله إلى التجويف الأيسر من تجويفي القلب، وقد خالط الهواء وصلح لأن تتولد منه الروح وما يبقى منه الروح أقل لطافة تستعمله الرئة في غذائها. ولذلك جعل الوريد الشرياني شديد الاستحصاف ذا طبقتين ليكون ما ينفذ من مسامه شديد الرقة وجعل الشريان الوريدي سخيفاً ذا طبقة واحدة ليسهل قبوله لما يخرج من ذلك الوريد. ولذلك جعل بين هذين العرقين منافسة محسوسة.
قوله: وأول ما ينبت من التجويف الأيسر شريانان المراد بهذا أن هذين الشريانين أنهما أو ل شرايين البدن كله، إلا أن هذا التجويف تنبت منه أشياء منها هذان الشريانان.
أولهما: وإنما كان نبات هذين التجويف الأيسر لأن الشريان المطلق منهما ينفذ فيه الروح إلى الأعضاء الأخر.
وإنما يمكن ذلك بأن يكون تجويفه مبتدئاً من التجويف الذي يتم فيه تكون الروح وذلك هو التجويف الأيسر من تجويفي القلب.
وأما الشريان الوريدي فلأنه عندهم لأجل نفوذ الروح إلى الرئة وأخذ الهواء منها وعندنا أنه كذلك، ولكن الهواء الذي يأخذه من الرئة لا بد وأن يكون مخالطاً للدم مخالطة تصلح معها لأن يتكون منهما الروح.
стр. 98
واعلم أن نبات هذين الشريانين ليس من التجويف الأيسر بل من الجرم الذي بين بطني القلب لكنهما مع ذلك مائلان إلى التجويف الأيسر حتى يكون تجويفهما متصلاً بذلك التجويف مؤرباً كان النافذ من ذلك التجويف منحرفاً إلى اليمين قليلاً حتى يدخل في تجويفهما، ومعنى كونهما نابتين من هناك لا أنهما ناشئان من هناك كما ينشأ النبات من الأرض كما يقولون، بل أنهما متصلان بذلك الموضع كاتصال النبات وكذلك قولنا في العصب ونحوه إنه ينبت من موضع كذا من النخاع أو من الدماغ إنما نريد بذلك هذا المعنى لا ما والمشهور بين الأطباء كما بيناه في شرحنا للأعضاء.
قوله: واتصال الدم الذي يغذو الرئة إلى الرئة من القلب.
هذا هو الرأي المشهور. وهو عندنا باطل. فإن غذاء الرئة لا يصل إليها من هذا الشريان لأنه لا يرتفع إليها من التجويف الأيسر من تجويفي القلب إذ الدم الذي في هذا التجويف إنما يأتي إليه من الرئة لا أن الرئة تأخذه منه فأما نفوذ الدم من القلب إلى الرئة فهو في الوريد الشرياني الذي نذكره بعد.
قوله: وليكون أطوع ليرشح منه ما يرشح منه إلى الرئة من الدم اللطيف.
هذا أيضاً على الرأي المشهور.
والحق: أنه ليس كذلك، بل ليكون أطوع لقبول ما ينفذ فيه من الدم والهواء الذي يوصله من الرئة إلى القلب. والله ولي التوفيق.
البحث الثاني
الشريان المسمى أورطيوهو الأبهر
قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما الشريان الآخر ... إلى قوله: وعلى مخرج أورطيأغشية ثلاثة.
الشرح لما كان الدم والهواء النافذان في الشريان الوريدي يجب أن يكونا قليلين. إما على قولهم فلأن ذلك الدم هو والنافذ في الوريد الشرياني لغذاء الرئة وهي عضو واحد. وإما على الحق فلأن ذلك الدم هو والهواء ينفذان إلى التجويف الأيسر من القلب فلو لم يكونا قليلين لزم ذلك اختناق الروح التي في ذلك التجويف فانطفأ الحار الغريزي فلذلك لا بد وأن يكون هذا الشريان صغيراً جداً بالنسبة إلى الشريان الآخر وهو المسمى أورطيلان هذا تنفذ فيه الروح إلى الأعضاء كلها.
ولا بد وأن يكون مع هذا الروح دم رقيق كما بيناه في شرحنا للكتاب الأول فلذلك يجب أن يكون أورطيعظيماً جداً، ولأن ما سوى التجويف الأيسر من القلب فهومحتاج إلى نفوذ الروح إليه، فلذلك لا بد إليه وأن ينفذ في جرم القلب شعبتان إحداهما ظاهرة فلا بد وأن تكون محيطة به وإنما كان كذلك إذا استدارت عليه. وثانيتهما إلى باطنه وذلك هوالبطن الأيمن. وأما الجدار الذي بين البطنين فيكفيه ما يدخل في خلله من الروح التي في البطن الأيسر ويجب أن يكون خروج هاتين الشعبتين من أورطيفإن الشريان الوريدي لتخلخه لا يصلح لتنفيذ الروح إلى غير الرئة، فلا يكواتصالها به، واتصالهما بجرم القلب تلزمه زيادة في الثقوب، وذلك يلزمه ضعف جرم القلب، ولأنه أورطيتنفذ فيه الروح إلى جميع الأعضاء، فلا بد وأن يكون متصلاً بها جميعاً. فلا بد وأن يكون منه ما ينزل إلى الأعضاء التي دون القلب، ومنه ما يصعد إلى التي فوقه، ويجب أن يكون هذا التقسيم إلى قرب صعوده من القلب لأنه لو تأخر عن ذلك كثيراً لكان لهذا الشريان إما أن يأخذ في الصعود فتطول المسافة على الجزء النازل أو في النزول فتطول المسافة على الجزء الصاعد وذلك ضرر لا فائدة فيه. ويجب أن الجزء النازل أعظم من الصاعد لأن الأعضاء التي دون القلب أكبر كثيراً من التي هي فوقه. والله ولي التوفيق.
البحث الثالث الأغشية التي في مخارج الشرايين قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وعلى مخرج أورطي أغشية ... إلى آخر الفصل.
الشرح إن القلب تخرج منه أربعة عروق. وأما الشريان الوريدي منها فعلى مخرجه غشاءان. وأما الثلاثة الأخر فعلى مخرج كل واحد منها ثلاثة أغشية ونحن قد تكلمنا في هذه الأغشية في كلامنا في النبض كلاماً مختصراً وتمام تحقيق الكلام فيها يأتي في تشريح القلب إن شاء الله تعالى . والله ولي التوفيق.
؟ الفصل الثالث
تشريح الشريان الصاعد
قال الشيخ رحمة الله عليه أما الجزء الصاعد.. إلى آخر الفصل.
الشرح
стр. 99
القسم الأكبر من القسم الصاعد من أورطي أخذ نحو اللثة كما قاله. وأما الأصغر فإنه يتفرق في كتف اليد اليسرى وفي الجانب الأيسر من الرقبة وفي سائر ما هناك من الأعضاء. قوله: حتى إذا بلغ اللحم الرخو التوتي الذي هناك انقسم ثلاثة أقسام: اثنان منها هما الشريانان المسميان بالسباتيين. السبب في انقسامه ها هنا إلى هذه الأقسام الثلاثة أنه يحتاج أن يصعد إلى الدماغ مقدار كبير من هذا الشريان لأجل إمكان حدوث الروح النفساني من الروح الحيواني النافذ فيه، ولا يمكن ذلك بأن يكون صعوده، وهو قسم واحد، إذ لو كان واحداً لكان صعوده إما في جانب واحد فيكون بعيداً عن الأعضاء التي في الجانب الآخر فيكون قسمة الروح غير عادلة أو في الوسط فيكون غير موافق لشيء من الأوداج في سلوكه فإن الأوداج موضوعة في الجانبين على ما تعرفه بعد، ولو كان كذلك لبطل استمداده الدم من الأوداج الذي لا بد منه كما بينا فيما سلف أن سلوك الشرايين يحتاج أن يكون مع الأوردة فلذلك احتيج أن يكون الصاعد إلى الدماغ قسمين، ولا بد من قسم آخر يتفرق في الأعضاء التي ذكرناها وهي القص والأضلاع والرقبة واليدان. قوله: وأما القسم الأصغر من قسم أورطيا لصاعد فإنه يأخذ إلى ناحية الإبط ولقائل أن يقول: ما السبب في احتياج هذه الأعضاء العالية إلى قسمين من الشرايين وهلا لها قسم واحد منهما؟ أما هذا الذي ينفصل أو لاً من الشريان الصاعد أو الذي هو الثالث من تلك الأقسام الثلاثة فإن قيل إن الواحد من هذين لا يكفي لصغره فتحتاج تلك الأعضاء إلى الآخر قلنا قد كان يمكن أن يكون أحد هذين عظيماً يقوم مقام الاثنين.
وجوابه: أن هذين القسمين يصعد الأول منهما وهو المفضل قبل صعود الشريان إلى اللثة إلى تلك الأعضاء من الجانب الأيسر لأنه أقرب إلى هذا الجانب ويصعد الآخر وهو المنفصل عن اللثة إلى تلك الأعضاء من الجانب الأيمن، لأن هذا الجانب أقرب إلى هذا القسم الأول.
ولو كان الأول يصعد إلى الجانبين بأن يتفرق إليهما لكان وصول أجزائه إلى الجانب الأيسر قبل وصلها إلى الجانب الأيمن، لأن هذا القسم صعوده هو من الجانب الأيسر ويلزم ذلك أن تكون قسمة الروح على الجانبين غير عادلة.
قوله: اثنان منها هما: الشريانان المسميان بالسباتيين ويصعدان يمنة ويسرة، مع الوداجين الغائرين أما وجوب صعود هذين مع وداجين أي صحبتهما فلما قلناه في وجوب مصاحبة الشريانين للأوردة وأما وجوب أن تكون هذه الصحبة للوداجين الغائرين دون الظاهرين فلأن نفوذ هذين إلى داخل الدماغ إنما هو في مؤخره، ومن قرب مؤخره فيجب أن يكون سلوكهما مما هو أقرب إلى مؤخر الدماغ. والوداجان الغائران كذلك بخلاف الظاهرين فلذلك وجب أن يكون سلوك هذين السباتيين في صحبة الوداجين الغائرين لا الظاهرين. والله ولي التوفيق.؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
الفصل الرابع
تشريح الشريانين السباتيين
وكلامنا في ذلك يشتمل على بحثين البحث الأول هيئة تصعد الشريانين إلى الرأس قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وكل واحد من الشريانين ... إلى قوله: بل تنتسج عنه الشبكة عروقاً.
الشرح إن الغرض بخلقة هذين الشريانين إيصال لروح الحيواني إلى الدماغ، وإلى الأعضاء الظاهرة من الرأس والباطنة منه، وإلى التي هي منه قداماً وخلفاً. وذلك لأن هذه الأعضاء جميعها تحتاج إلى الروح الحيواني كما يحتاج إليه غيرها من الأعضاء ويحتاج الدماغ خاصة إلى أن تكون هذه الروح فيه أكثر ليحيلها إلى مزاج تصلح به لأن تصدر عنها الأفعال النفسية مضافاً إلى ما يحتاج إليه منها لاستفادته منها الحياة فلذلك هذان الشريانان يحتاجان أن يكون ما يتفرق منهما من الأجزاء كافياً لجميع أعضاء الرأس، ما ظهر منها، وما بطن وما هو من قدام، وما هو من خلف، ومع ذلك يكون ما يدخل منهما إلى داخل الدماغ كثيراً ليكون ما ينفذ إلى داخل الدماغ من الروح الحيواني كثيراً جداً، فلذلك ينقسم هذان الشريانان في تصعدهما التقسيم المذكور في الكتاب.
стр. 100
والفائدة من تلاقي الأجزاء المتصعدة إلى قمة الرأس أعني تلاقي فوهات الصاعدة من اليمين لفوهات الصاعدة من اليسار أن يكون ما ينقص من الروح الحيواني لو زيد في فروع الصاعد من اليمين أو من اليسار يمكن أن يعدل بما في فروع الصاعدة من الجانب الآخر فلا تكون هذه الروح ناقصة في أحد الجانبين عن الآخر، وإنما كان نفوذ ما ينفذ إلى داخل الدماغ من هذه الشرايين ليس ينفذ من مقدم الدماغ بل إما من مؤخره أو من قرب مؤخره لأن الحق أن هذه الروح تكون عند مؤخر الدماغ على طبيعتها غير متغيرة تغيراً كثيراً، وتغيرها الكثير إنما يكون في مقدم الدماغ، والمشهور غير هذا وهيئة التشريح تصدق ما قلناه، وسنبرهن على ذلك كما ينبغي إذا نحن تكلمنا في تشريح الدماغ. إن شاء الله . والله ولي التوفيق.
البحث الثالث هيئة الشبكة التي تحت الدماغ قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه بل تنتسج عند الشبكة عروقاً في عروق طبقات من غضون على غضون ... إلى آخر الفصل.
الشرح الغرض من هذه الشبكة تعديل الروح الصاعد إلى الدماغ، وهو الروح الحيواني معدلاً عن حرارة الزائدة حتى يقارب الاعتدال فيقرب بذلك من الاستعداد لأن تصدر عنه الأفعال النفسية، وإنما جعلت تحت الدماغ لا فوقه ولا إلى جانب لأن تبرد ما يوضع تحت الجسم المبرد أكثر كثيراً من برد ما يوضع فوقه أو إلى جانبه، لأن البارد وأجزاءه من شأنها التسفل لا غير، وإنما فرقت هذه العروق كالشبكة ليتفرق ما فيها من الروح إلى أجزاء صغيرة، فتكون أقبل للانفعال.
وإنما احتيج إلى ذلك مع أن الروح وإن كانت شديدة اللطافة فإنها شديدة الحرارة، وتبرد الحار عن البارد الضعيف البرد من غير مداخلة ومخالطة بطيء جداً وعسر، فلذلك احتيج إلى هذا التفرق، ولذلك خلقت هذه الشبكة من شرايين لا تخالطها أو ردة وذلك لئلا تخالط هذه الروح الدم فيغلظ قوامها، ويلزم ذلك قلة استعدادها بسرعة الانفعال، وجعلت هذه الشبكة بين العظام الموضوعة تحت الدماغ وبين الأم الجافية المحيطة بالدماغ من أسفل، وإنما فعل كذلك لأنها لو وضعت فوق الأم الجافية لكانت مع أنها أقرب إلى جوهر الدماغ، فإنها تجاوز الدم الذي يكون في البركة التي هي المعصرة، فإن هذه المعصرة، على ما نبينه بعد هي وهذه تحدث من أسفل موضع من الأم الجافية، وذلك الموضع المتسفل مملوء من الدم، فلو جعلت الشبكة فوقه تسخنت به فإن الحرارة من شأن حاملها التصعد كما أن البرودة من شأن حاملها التسفل. وكان أيضاً تكثير ما يخالطها من الأبخرة المتصعدة من ذلك الدم لأجل حرارته، فكانت الأرواح منها تغلظ، ويقل قبولها بسرعة الانفعال، فلذلك احتيج أن يكون وضع هذه الشبكة تحت الأم الجافية، ووضع المعصرة فوق تلك الأم، ثم إذا تعدلت هذه الروح واحتيج إلى تصعدها إلى الدماغ، وجب أن تجتمع عروقها وتصير كما كانت أو لاً زوجاً، وذلك لأن هذه العروق لما كانت موضوعة تحت الأم الجافية، فإنما يمكن نفوذها إلى الدماغ بأن يخرق أو لاً تلك الأم، ولو خرقتها وهي على حالها متفرقة لزم ذلك حدوث ثقوب كثيرة جداً في الأم الجافية ولزم ذلك وهن جرمها جداً، وإنما وجب أن تكون هذه العروق بعد تجمعها زوجاً ليكون كل فرد منه يصعد من جانب فتكون قسمة الروح على الجانبين عادلة، وإنما لم يجعل منها زوج آخر أحد فرديه قدام الدماغ، والآخر خلفه، لأن هذا الزوج يجب أن يكون تصعدها أو لاً إلى البطن المؤخر من الدماغ فلذلك يكون تصعدها من قرب جانبيه فقط.
الفصل الخامس
تشريح الشريان النازل من الأورطي
قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما القسم الثاني ... إلى آخر الفصل.
الشرح إن هذا الفصل مشتمل على مطلبين، أحدهما في هيئة الشريان النازل.
وثانيهما: في تعديد المواضع التي لا تصحب الشرايين فيها الأوردة فلذلك اشتمل كلامنا في هذا الفصل على بحثين.
البحث الأول تعريف هيئة الشريان النازل قد عرفت مما سلف أن الشريان العظيم المسمى أورطي ينقسم إلى قسمين: أصغرهما إلى أعالي البدن ويتفرق فيها، ويسمى الشريان الصاعد. وأعظمها ينزل إلى أسافل البدن، ويسمى الشريان النازل، وفائدة ذلك إيصال الروح الحيواني إلى جميع الأعضاء، لإفادتها الحياة والحياة الغريزية.
стр. 101
وينبغي أن يكون نزول هذا الشريان إلى أسفل من أقرب الطرق وأحرزها والطريق الأقرب هي المستقيمة، وأحرز الطرق أن تكون قدام عظام الصلب ملاقياً لها، وإنما كانت هذه الطريق أحرز، لأنه يكون فيها من خلف محروزاً بعظام الصلب. وأما من قدام، فإن أعلاه يكون محروزاً بعظام القص، وأسفله محروزاً بالأحشاء الموضوعة أمامه.
وأما من الجانبين فإن أعلاه يكون محروزاً بالأضلاع، وأسفله محروزاً بالأحشاء التي في جانبيه.
وإنما احتيج أن يكون المحرز له من خلف أكبر وأعظم وهو عظام الصلب لأنه من خلف غائب عن حراسة الحس، وإنما لم يجعل أسفله محروزاً بعظام من قدامه وجانبيه كما في أعلاه لأن ذلك غير ممكن إذ لو فعل في أسا فل تنور البدن، عظام من قدامه وجانبيه لتعذر مع ذلك انحناء البدن وانعطافه إلى جهة من الجهات، وكان ذلك مانعاً من الأعمال الإنسانية ونحوها.
فلذلك تعذر أن يكون أسفله محروزاً من قدامه، وجانبيه بعظام كما في أعلاه، وأما في أعلاه، فإن ذلك ممكن لأنه لا يعاوق عن الأعمال الإنسانية ونحوها. ولما كان القلب موضع مخرج هذا الشريان منه غير ملاق لعظام الصلب احتاج هذا الشريان في نفوذه إلى ملاقاة تلك العظام التي توجه إليها. وينبغي أن يكون ذلك على الاستقامة لئلا تطول المسافة التي هو فيها غير متكئ على عظام، وموضع انفصال هذا الشريان من الشريان الآخر الصاعد إلى محاذاة الفقرة الخامسة من فقار الظهر، فلذلك يجب أن يكون نفوذ هذا الشريان في توجهه إلى عظام الصلب، وهو إلى هذه الفقرة.
وعند نفوذه إليها يحتاج أن ينعطف لينزل إلى أسفل فلذلك يحدث له هناك زاوية، وملاقاة تلك الزاوية لعظام الصلب مضر لا محالة لهذا الشريان، فلذلك خلقت هناك غدّة تسمى التوتة. لتكون بهذا لشريان وطئاً، وهناك يرتبط لا محالة بعظام الصلب، ويمتد عليها إلى حيث يمكنه النفوذ إلى الرجلين على الاستقامة، وذلك عند فقرات العجز فلذلك هذا الشريان يمتد على عظام الصلب من الفقرة الخامسة من فقرات الظهر إلى فقرات العجز. ولما كان النخاع جزءاً من الدماغ وجب أن تكون حاجته إلى كثرة الأرواح الحيولية قريبة من حاجة الدماغ فلذلك احتيج أن ينفذ إليه شعب كثيرة من هذا لشريان إلى النخاع شعب من كل فقرة يمر عليها. ولذلك ترسل شعباً أخر إلى الأعضاء التي يمر على محاذاتها على ما هو مذكور في الكتاب.
قوله: ثم من بعد ذلك تنفصل منه ثلاثة شرايين: الصغير منها يختص الكلية اليسرى. السبب في اختصاص هذه الكلية بذلك أنها في الجانب الأيسر، وبقرب الطحال، فلو لم يختص بهذه الشعب تسخنها لكانت تبرد، فتخالف كثيراً لمزاج الكلية اليمنى.
قوله: والآخران يصيران إلى الكليتين لتجذب الكلية منهما مائية الدم فإنهما كثيراً ما يجتذبان من المعدة والأمعاء دماً غير نقي، لا شك أن هذين الشريانين، مع أنهما يفيدان الكليتين الحياة والحرارة، فإنهما ينتفع بهما في الكليتين لأنهما يجتذبان منهما مائية كثيرة فتنقى بسبب ذلك ما في الشرايين من الدم عن تلك المائية وأما سبب هذه المائية التي تحتاج إلى اجتذاب الكليتين لها فليس ما قاله. فإن الشرايين ليس من شأنها اجتذاب الدم المائي، بل سبب ذلك أن الدم الذي يصل إلى القلب لا بد من أن يكون كثير المائية. ولذلك سبب فاعلي، وسبب غائي.
أما السبب الفاعلي: فهو أن الدم الذي يأتي القلب إنما يأتيه من الوريد الصاعد. ودم هذا الوريد لا يخلو من مائية كثيرة خاصة عند قرب الكبد، وذلك لأن هذا الوريد يتصل به ما يصفي الدم من المائية كما في الوريد النازل على ما تعرفه بعد.
وأما السبب الغائي: فهو أن القلب يحتاج إلى أن يتصعد منه أجزاء كثيرة من الدم وينفذ إلى الرئة فيخالط الهواء، ويحدث من ذلك جرم مستعد لأن يصير في القلب روحاً وتصعد هذه الأجزاء يكون بالتبخر، وكثرة المائية في الدم مهيئة لذلك التبخير فإن الأجسام الأرضية يقل تصعدها بالحرارة ومخالطة المائية للأرضية تهيئها لذلك فلذلك احتيج أن يكون الدم الواصل إلى القلب كثير المائية، وجرم القلب كثير الأرضية فلا بد من أن يكون اغتذاؤه بما يناسبه من ذلك الدم، فلذلك تكثر المائية في الدم الذي يتصعد منه إلى الرئة لأجل انصراف الأرضية إلى غذاء القلب.
стр. 102
فلذلك يكون ما ينفذ إلى التجويف الأيسر من القلب من الأجزاء الدموية المخالطة للأجزاء الهوائية كثير المائية جداً، فلذلك يكون النافذ من ذلك التجويف إلى الشرايين كذلك وهذه المائية الزائدة تجعل الدم مستعداً للفساد والعفونة، فلذلك تحتاج إلى تنقيته منها، والعضو الذي من شأنه جذب المائية من الدم هو الكلي فلذلك يحتاج أن ينفذ إلى كل شعبة من الشرايين لتجتذب منها المائية المخالطة لدم الشرايين.
قوله: فالآتي إلى اليسرى منهما يستصحب دائماً من الآتي إلى الكلية اليسرى. السبب في ذلك أن الجانب الأيسر أكثر برداً من الأيمن، فلو لم يكن ما يأتي البيضة اليسرى من الشرايين أزيد مما يأتي الكلية اليمنى، لكانت البيضة اليسرى أبرد كثيراً من اليمنى. ولو كان كذلك لكان ما يخرج منها من المني مخالفاً جداً في المزاج لما يخرج من البيضة اليمنى، ولو كان كذلك لكان المني الخارج منهما غير متشابه المزاج، ولأجل كثرة الشرايين في البيضة اليسرى صارت مشاركتها للقلب أكثر من مشاركة البيضة اليمنى له، ولأجل الشعبة الآتية إليها من الكلية صارت البيضة اليسرى مشاركة للكلية اليسرى ولا كذلك الكلية اليمنى فإنها لا تشاركها البيضة اليمنى كثير مشاركة.
البحث الثاني المواضع التي لا تصاحب الشرايين فيها الأوردة
الجملة الخامسة
صفة الأوردة
هي خمسة فصول
الفصل الأول
العروق الساكنة
قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه أما العروق الساكنة ... إلى آخر الفصل.
الشرح لما كانت الكبد وهي العضو الذي من شأنه إحالة الكيلوس كيموساً لتغذية نفسها وتغذية البدن كله بذلك الكيموس. وإنما يمكن ذلك بأن يكون للكيموس طريق ينفذ فيه من المعدة والأمعاء إلى الكبد ويكون للكيموس طريق ينفذ فيه من الكبد إلى جميع الأعضاء، ولا بد من أن يكون جرم كل واحد من الطرق قوياً لئلا ينخرق عند تمديد الكيموس أو الكيلوس له. ولا بد أن يكون مع ذلك لدناً حتى يكون قابلاً للانثناء والانعطاف بسهولة على حسب ما يعرض للأعضاء الأخر من ذلك فلا يكون معاوقاً عن تحرك الأعضاء. ولا بد من أن يكون مع ذلك مجوفاً ليمكن أن ينفذ في تجويفه كل واحد من هذين: أعني الكيلوس والكيموس وما هو من الأعضاء كذلك فهو المسمى عند متأخري الأطباء بالأوردة، وهي التي نريد أن نتكلم الآن فيها.
ولما كان تولد الكيموس هو في المعدة، وانجذابه هو في الأمعاء، وجب أن يكون الطريق الذي ينفذ فيه الكيلوس إلى الكبد مع اتصاله بالكبد هو متوجه إلى ناحية المعدة وإلى الأمعاء وما يقرب منهما ليكون منهما ترشح من هذين العضوين شيء من الكيلوس فيمكن لتلك الأوردة المنبثة هناك من استرشاحه لينفذ في تجاويفها ويوصله إلى الكبد.
أما اتصال هذه الأوردة بالكبد فيكفي أن تكون في موضع واحد. ومن ذلك موضع يتفرق الكيلوس في جرم الكبد فلذلك يكفي أن يكون الآتي للكبد بالكيلوس عرقاً واحداً، ويكون لذلك العرق تفرع في جرم الكبد إلى فروع كثيرة فيها ينفذ الكيلوس في جرمها متفرقاً متشتتاً ليكون أقوى على إحالة قوية.
وهذا العرق يسمى الباب وفروعه التي تنبت في جرم الكبد تسمى فروع الباب.
وأما أطراف هذا العرق عند المعدة والأمعاء ونواحيهما فيجب أن تكون كثيرة جداً لتفي باستنشاق جميع ما يرشح من هذين العضوين من أي موضع كان. فلذلك يجب أن ينقسم الباب في أخذه إلى المعدة والأمعاء إلى فروع كثيرة.
وهذه الفروع تسمى الماساريقا والمشهور أن هذه الماساريقا متصلة بالمعدة وبالأمعاء جميعها نافذة بتجاويفها إلى تجاويف المعدة والأمعاء وهذا قد بيناه فيما سلف أن من جملة الخرافات المشهورة هذا.
وأما الأوردة الموصلة للكيموس من الكبد إلى جميع الأعضاء فظاهر أنها يجب أن تكون متصلة أيضاً بالكبد وبالأعضاء جميعها واتصالها بالكبد يكفي أيضاً أن يكون في موضع واحد وذلك هو الوريد المسمى بالأجوف.
стр. 103
ولما كان اتصال الباب بالكبد يجب أن يكون من جهة مواجهتها للمعدة والأمعاء وذلك هو مقعر الكبد، وجب أن يكون اتصال الأجوف هو محدب الكبد لأن الكيلوس إنما يجذبه الكبد ليأخذ منه الغذاء، واندفاعه بعد أن صار كيموساً من الكبد إلى الأعضاء الأخر، إنما يكون لأنه فضل غذائها، وجهة دفع الفضل يجب أن تكون مقابلة لجهة جذب الغذاء كما بيناه مراراً، فلا بد أن يكون اتصال العرق المسمى بالأجوف من محدب الكبد، ويجب أن يكون لهذا الأجوف أصول كثيرة متفرقة في أجزاء الكبد لتمتص الكيموس من جميع أجزاء الكبد وتوصله إلى هذا الأجوف.
وبعد هذا نتكلم إن شاء الله تعالى في تفصيل الكلام في كل واحد من هذين العرقين: وهما الباب والأجوف.
ولنقدم أو لاً الكلام في الباب لأن فعله متقدم على فعل الأجوف. والله ولي التوفيق.
الفصل الثاني
تشريح الوريد المسمى بالباب
قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه ولنبدأ بتشريح العرق ... إلى آخر الفصل.
الشرح قوله: ينقسم طرفه في تجويف الكبد إلى خمسة أقسام. السبب في أن هذه الأقسام خمسة هو أن الكبد يمكن أن يكون لها خمس زوائد فلذلك جعلت هذه الأقسام خمسة ليكون لكل زائدة يمكن حدوثها قسم على حدة.
قوله: ويذهب وريد منها إلى الزائدة.
السبب في جعل العرق الآتي إلى المرارة من جملة هذه الفروع لا من أقسام الباب كما في الطحال، هو أن المندفع إلى المرارة شديد المنافاة لمادة الغذاء، فلذلك لا يصلح نفوذه في مجرى الغذاء، بخلاف النافذ إلى الطحال، وكذلك الطحال لبعده لا يمكن أن يكون النافذ إليه من هذه الفروع بخلاف المرارة، فإنها شديدة القرب من الكبد.
وقوله: وهذه الشعب هي مثل أصول الشجرة التي ينبغي أن تكون مثل أصول الشجرة هو الأقسام المنقسمة من الباب خارج الكبد لأن تلك منها تنفذ مادة الغذاء إلى هذه الثقبة في جرم الكبد.
وكذلك أصول الشجر التي تنفذ منها مادة الغذاء وينتهي إلى الفروع وعبارة الكتاب في هذا ظاهرة غنية عن الشرح. والله ولي التوفيق.
الفصل الثالث
تشريح الأجوف وما يصعد منه
وكلامنا في هذا الفصل يشتمل على أربعة مباحث: البحث الأول تشريح العرق الصاعد من الأجوف بعد انفصاله من الكبد إلى أن يقارب القلب قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما الأجوف فإن أصله ... إلى قوله: ثم ينقسم إلى قسمين قسم منه عظيم يأتي من القلب.
الشرح: الأجزاء التي تنبث من العرق الأجوف ثم جرم الكبد تخالف الأجزاء المنبثة فيه من العرق المسمى بالباب لان تلك المنبثة من الباب تشبه كما قلناه لفروع الشجرة. وأما هذه المنبثة من العرق المسمى بالأجوف فإنها تشبه أصول الشجرة لأنها تأخذ مادة الغذاء. أما هي منبثة فيه، ويرسلها إلى غيرها كما هي أصول الشجرة.
قوله: لتجذب الغذاء من شعب الباب المتشعبة أيضاً كالشعر.
لقائل أن يقول: إن هذه الأصول، وتلك الفروع لو خلقت متصلة كأنها عروق واحدة لكان ذلك أسهل من نفوذ الغذاء من مقعر الكبد إلى محدبها. وأولى من بقاء الكبد بقية من الفضول بخلاف ما إذا كانتا متغايرتين منفصلة إحداهما عن الأخرى. فإن الغذاء حينئذٍ إنما يصل إلى أصول الأجوف بعد أن يخرج من أفواه فروع الباب وتمتصه تلك الأصول. وقد بقي منه شيء لا تقوى هذه الأصول على امتصاصه فيبقى محتبساً في جرم الكبد، وفضلاً فيها.
فما الحكمة في انفصال أحدهما عن الآخر؟
стр. 104
وجوابه: أن الأمر وإن كان كما قلتموه إلا أن هذا الانفصال ضروري في جودة تغذية الأعضاء، وذلك لأن عروق الباب إذا كانت منفصلة من عروق الأجوف بقي الغذاء في مقعر الكبد إلى أن يتم انهضامه لأنه قبل تماماً انهضامه لا يتمكن من النفوذ في أفواه فروع الباب ولا في أفواه أصول الأجوف فلذلك تبقى في مقعر الكبد إلى أن يتم انهضامه وحينئذٍ يستعد بسبب ترققه للنفوذ في تلك الأفواه، فلذلك إذا كانت هذه العروق في الكبد غير متصلة بقي الغذاء في مقعر الكبد انهضامه وحينئذٍ تجتذبه أجزاء العرق الأجوف وإنما تجتذبه لتغذية أجزاء محدب الكبد، فلذلك إنما يجتذب حينئذٍ ما يصلح لتغذية تلك الأجزاء، وذلك هو الدم والكيلوس والبلغم أما الدم فلأنه صالح بالفعل لتغذية محدب الكبد وأما البلغم والكيلوس فلأنهما أيضاً صالحان لذلك بالقوة أي بأن يستحيلا إلى الدموية وحينئذٍ يصلحان لتغذية محدب الكبد، ويلزم ذلك أن تبقى في مقعرها ما في ذلك الكبد مما يضر ذلك المقعر ويمنع نفوذ الغذاء إلى المواضع التي هما فيها فلذلك يضطر مقعر الكبد إلى دفع هذين الخلطين وإنما يسهل دفعهما حينئذٍ إلى الجهة التي فيها المقعر، لأن محدب الكبد لأجل ضيق أفواه عروقه لا يسهل اندفاع هذين الخلطين إليه لذلك فإنما يندفعان حينئذٍ من مقعر الكبد لأن أو ائل تلك الفروع المنبثة فيه من الباب اكبر سعة لا محالة من أفواه أصول الأجوف.
أما السوداء فلأجل غلظها إنما تندفع حينئذٍ من الباب لأن فروعه بقربه أو سع كثيراً من أطراف تلك الفروع. وأما الصفراء فلأجل لطافتها يمكن نفوذها في بعض تلك الفروع، وذلك بأن يكون ذلك الفرع الذي يندفع فيه منعطفاً من داخل مقعر الكبد إلى ظاهره فلذلك تنفذ الصفراء في بعض فروع الباب إلى المرارة.
وأما السوداء فتندفع إلى الطحال، ولكن من العروق المنقسمة من العرق المسمى بالباب أعني المنقسم منه من خارج الكبد، ويلزم ذلك أن يكون الغذاء الواصل إلى محدب الكبد خالياً من السوداء والصفراء المتكونتين في مقعرها، وبذلك يكون الدم الواصل إلى البدن نقياً من هذين الخلطين إلا ما يتكون منهما في محدب الكبد، وهذا إنما يتم إذا كانت أصول العرق الأجوف غير متصلة بأطراف فروع الباب بل هي ملاقية لها.
قوله: وأما الصاعد منه فيخرق الحجاب وينفذ فيه وأما جواب خرق هذا العرق الصاعد للحجاب فلأنه يحتاج إلى النفوذ إلى أعالي البدن وإلى القلب، والحجاب موضوع بين آلات الغذاء وآلات التنفس فلذلك إنما يتمكن هذا العرق من النفوذ إلى القلب ونواحيه بعد نفوذه إلى الحجاب، وذلك بأن يخرقه نافذاً فيه. ولا بد وأن يكون عند موضع خرقه شديد الاتصال بالحجاب إذ لو كان متبرماً عنه ولو بقدر يسير لكان النفس يخرج من الخلل الذي بينهما وينفذ إلى آلات الغذاء وذلك فيه ضرر عظيم.
ولكان أيضاً ما يسيل إلى داخل الصدر من القيح وغيره ينفذ في ذلك الخلل إلى آلات الغذاء فلذلك احتيج أن يكون التحام هذا العرق بالحجاب في موضع خرقه له شديداً وإنما يتمكن من ذلك إذا خرجت منه أجزاء تنبث في جرم الحجاب وأقل ذلك عرقان كل واحد منهما من جانب، وبذلك يشتد التحام هذا العرق بالحجاب.
قوله: ثم يحاذي غلاف القلب فيرسل إليه شعباً كثيرة تتفرع كالشعر. أما نفوذ هذه الشعب إلى غلاف القلب فلأجل تغذيته.
وأما أن هذه الشعب يجب فيها أن تكون شعرية فلأن هذا الغلاف يحتاج أن يكون جرمه كثير الشحم ليمد القلب بالدهنية فلا يعرض له جفاف لأجل حرارته ويبوسة جرمه مع دوام تحركه ومادة الشحم كما علمت هي مائية الدم فلذلك يجب أن يكون الغذاء الواصل إلى هذا الغلاف كثير المائية وإنما يمكن ذلك بأن تكون العروق التي تنفذ فيها شعرية حتى يمتنع نفوذ الدم الغليظ والمتين فيها، وها هنا سؤال ينبغي أن نحقق الكلام فيه: وهو أنه للقائل أن يقول: ما السبب في أن العرق الخارج من القلب إلى غيره من الأعضاء عند أو ل خروجه منه تنفصل منه شعبتان إحداهما تستدير حول القلب وتنبث في أجزائه، والأخرى تنفذ إلى البطن الأيمن؟ وأما الكبد فإن العرق الخارج منها إلى الأعضاء الأخر لا ينفصل منه شيء يتفرق في أجزائها؟
стр. 105
وجوابه: أن سبب ذلك أن العرق الخارج من القلب إلى الأعضاء فائدته إفادة الروح للأعضاء والحياة، وهذا العرق إنما يخرج من البطن الأيسر من القلب. وهناك الروح الحيواني فلو لم تنفصل من ذلك العرق ما ينفذ إلى بقية أجزاء القلب لكانت تلك الأجزاء تخلو من الروح، وعن قوة الحياة.
وأما العرق الخارج من الكبد فإن فائدته إيصال الغذاء إلى جميع الأعضاء. والغذاء إنما يصل إلى هذا العرق بعد عمومه لأجزاء الكبد كلها، وذلك من الأجزاء المتفرقة منه ومن الأجزاء المتفرقة من الباب ولذلك تكون جميع أجزاء الكبد مستغنية عن غذاء ينفذ إليها من عرق ينفصل من هذا العرق الأجوف، وقد عرفت مما سلف أن رأي جالينوس أن الأوردة جميعها تنبت من الكبد، وأن الشرايين تنبت من القلب، وأن العصب ينبت من الدماغ أو النخاع.
والمشهور عن أرسطوطاليس أن هذه جميعها تنبت من القلب، ومذهب الرئيس ابن سينا تجويز كل واحد من هذين المذهبين مع جواز أن يكون شيء من هذه ينبت من عضو.
وأما الحق الذي ذهبنا إليه، فهو أنه ليس شيء من هذه يجوز البتة أن ينبت من عضو، وأنها لها أسوة بباقي الأعضاء في أنها تتكون ابتداء من غير أن تكون نابتة من شيء من الأعضاء.
وأما ساسينوس القبرصي فقد قال: إن مبادئ نبات العروق جميعها من ناحية العينين والحاجبين ثم ينحدر عرقان يمنة ويسرة.
وقد قال ديباجانس: إن أصل العروق عرقان يبتدئان من البطن ثم ينحدران ويصعدان، ولم يشرح هو كيفية ذلك.
وقال: إن العرقين يرتفعان إلى فوق إلا شعبتين منهما دقيقتين فإنهما ترسلان إلى الكبد، وإلى الطحال وعرقان آخران يبتدئان من خرز الظهر يتيامن من أحدهما، ويتياسر من الآخر، ويمضي اليمين إلى الكبد، واليسار إلى الطحال وكل واحد منهما يتشعب في يد، ومنهما الكتفي والإبطي، ثم إنه يطول في قسمة ذلك بما لا فائدة.
وأما بولونيوس فإنه جعل مبدأ العروق من أزواج أربعة: زوج من خلف الرأس إلى العنق، من خلف إلى اسفل.
وزوج آخر من الرأس والدماغ عند الأذنين ثم إلى الفقار والظهر وجعل مبدأ العروق جملة هو الرأس والدماغ.
وقال الإمام أبقراط: والعروق الغلاظ التي في البدن على هذه الصفة. وهي أربعة أزواج: أحدها: يبتدئ من مؤخر الرأس، وينحدر على الرقبة من خارج، ويمتد على جنبي عظم الصلب إلى أن يبلغ إلى الوركين، والرجلين ثم ينحدر من هناك على الساق إلى أن يبلغ الكرسوع والقدمين من خارج فقد ينبغي لمن أراد فصد العرق في أو جاع الخاصرتين والأنثيين أن يفصد العرق الذي يظهر تحت الركبة، والعرق الذي على الكرسوع من خارج.
وأما الزوج الثاني: فيبتدئ من الرأس وينحدر إلى جانب الأذين على الرقبة من داخل ويمتد على جنبتي عظم الصلب ويسمى هذان العرقان الأوداج إلى أن يبلغ الخواصر، ثم ينقسم من هناك في الانثيين ويمتد أيضاً على الجانب الداخل من مأبض الركبة، ثم على الساقين إلى أن ينتهي إلى الكرسوع والقدمين من داخل فقد ينبغي لمن أراد فصد العرق في أجزاء الخاصرة والانثيين أن يفصد العرق الذي يظهر تحت الركبة، والعرق الذي على الكرسوع من داخل.
وأما الزوج الثالث: فيبتدئ من الأصداغ وينحدر إلى الرقبة تحت الأكتاف ثم يصير من هناك إلى الرئة ويمتد العرق منه إلى الجانب الأيمن ثم إلى الجانب الأيسر تحت الثدي إلى أن يصل إلى الطحال والكلية اليسرى ويمتد الذي في الجانب الأيسر من الرئة إلى الجانب الأيمن تحت الثدي إلى أن يصل إلى الكبد والكلية اليمنى وأطراف هذين العرقين تنتهي عند طرف المعاء المستقيم.
وأما الزوج الرابع: فيبتدئ من مقدم الرأس من ناحية العينين على الرقبة والترقوتين من كل جانب ثم يصير من هناك ممتداً على العضد إلى المأبض من كل واحدة من اليدين ثم من هناك إلى الساعدين والكتفين والأصابع ثم يمتد من الأصابع أيضاً على الذراع إلى المأبض ويمتد على الجانب الداخل من العضد ثم يمر على الأضلاع من خارج فيأتي عرق واحد منها إلى الطحال والعرق الآخر إلى الكبد، ثم يمتد على البطن من خارج إلى أن ينتهي إلى الفرج ثم ينقضي فعلى هذا يكون منشأ العروق الغلاظ. وفي البدن عروق كثيرة مختلفة في الجنس منشؤها من البطن تؤدي الغذاء إلى جميع البدن.
стр. 106
وقد يصير أيضاً الدم من العروق إلى جميع البدن ويتأدى من العروق التي في ظاهر البدن والعروق التي في باطنه بعضها إلى بعض، فيصير من العروق التي من خارج إلى التي من داخل، إلى التي من داخل وإلى التي من خارج.
وليكن فصدك العروق على حسب هذا القول وهذا كلامه.
وقد شنع جالينوس وأفرط، ولم يفهم أن غرض أبقراط من هذا إنما هو بيان امتداد العروق التي تفصد لأنها تنبث من هذه المواضع.
وقد بسطنا الكلام في ذلك عند شرحنا لكتاب طبيعة الإنسان فلترجع إليه هناك. والله ولي التوفيق.
البحث الثاني العرق الصاعد من حيث يقارب القلب
إلى أن ينبث في الرئة وفي جرم القلب
قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه ثم ينقسم إلى قسمين قسم منه عظيم.... إلى قوله: وأما النافذ.
الشرح قوله: ثم ينقسم إلى قسمين قسم منه عظيم يأتي القلب ليس المراد أن هذا عظيم بالنسبة إلى القسم الآخر، فإن هذا أصغر من ذلك القسم بكثير، لأن هذا القسم ينحو إلى القلب والرئة وبعض الأضلاع والقسم الآخر يتوجه إلى الصدر والرقبة والرأس والثديين فلذلك يحتاج أن يكون أعظم من هذا القسم بكثير لأن هذا القسم مع أنه أصغر كثيراً من ذلك القسم فإنه في نفسه عظيم ومع ذلك هو أعظم عرق يتصل بالقلب لأن هذا ينفذ فيه الدم وإنما غيره ينفذ فيه النسيم وإن نفذ فيه دم فذلك الدم مع قلته رقيق جداً، فلذلك احتيج أن يكون هذا القسم أعظم عروق القلب.
قوله: وهذا الوريد يخلف عند محاذاة القلب عروقاً ثلاثة.
يريد بهذا المحاذاة الوصول لأن تقسيم هذا الوريد إلى الأقسام الثلاثة هو عند نفوذه في أذن القلب اليمنى وإنما انقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة لأنه يحتاج أن ينفذ منه قسم إلى الرئة ويحتاج أن ينبث منه قسم في جرم القلب لتغذيته ويحتاج أيضاً أن ينفذ منه قسم إلى الأضلاع السفلي والعضل الذي هناك وسائر ما هناك من الأجسام لإفادة الغذاء.
قوله: عرق يصير منه إلى الرئة نابتاً عند منبت الرأس بقرب الأيسر يريد بهذا النبات أنه من هناك يصعد إلى الرئة مع أن دخوله إلى داخل القلب إنما كان عند يمينه وإنما كان كذلك ليستفيد بقربه من البطن الأيسر حرارة بها يصير الدم الذي فيه قريباً من الاستعداد ولأن يكون منه، ومن الهواء الذي يستخلط به ما يصلح لأنه يصير في القلب روحاً وإنما يمكن أن تخرج هذه العروق من قريب البطن الأيسر، مع أن دخوله إلى تجويف القلب، إنما هو من جهة يمينه بأن ينعطف في داخل تجويف القلب من اليمين آخذاً إلى اليسار.
قوله: وقد خلق ذا غشائين كالشريانات. يريد ذا طبقتين وإنما خلق كذلك ليكون جرمه مستحصفاً ضيق المسام جداً فلا يرشح منه من الدم إلا ما لطف جداً، وهذا لذي يرشح منه يصادف هواء كثيراً مبثوثاً في تجاويف الرئة فيختلط به وبذلك يصلح لأن يصير في القلب روحاً وباقي الدم الذي لا يرشح من تلك المسام ينفذ من فوهات أجزاء هذا العرق فتغتذي به الرئة فلذلك غذاء الرئة إنما هو ما تبقى من أجزاء هذا العرق بعد ترشيح لطيفه إلى تجاويف الرئة.
قوله: أن يكون ما يرشح منه دماً كثيراً في غاية الرقة مشاكلاً لجوهر الرئة هذا الكلام لا يصح فإن جوهر الرئة ليس بغاية الرقة وإنما الفائدة فيه ما ذكرناه وإنما كان غذاء الرئة يأتي إليها من القلب مع العرق العظيم الحاوي للدم الغاذي للأعضاء العلوية كما سنذكره بعد تصعيد إلى خلف الرئة، وقريبا منها جداً ومن القلب مع أن العرق قريب منها جداً فيكون أخذها الغذاء منه أسهل.
стр. 107
السبب في ذلك أن الرئة عضو من شأنه تهيئة المادة لأن تستحيل في القلب روحاً وإنما يمكن ذلك إذا كانت المادة يغلب عليها الجوهر الهوائي حتى تكون مناسبة لجوهر الروح ولا يمكن أن يكون هواءً صرفاً. فإن الأجسام البسيطة قد بينا أنها لا تصلح للتغذية فلذلك إنما يصير هذا الهواء صالحاً لتغذية الروح إذا خالطته أجزاء دموية حتى يصير بسبب ذلك ممتزجاً مع الهواء وتلك الأجزاء وإنما يمكن تلك الأجزاء، أن تعد الهواء لتغذية الروح إذا كانت شديدة اللطافة حارة وإنما يمكن ذلك إذا كانت قد تسخنت في القلب ولطفت جداً، فلذلك لابد من أن تكون الأجزاء الدموية التي تخالط الهواء الذي في الرئة ويصير من جملة ذلك ما يصلح لغذاء الروح متسخنة في القلب وإنما يمكن نفوذها إلى الرئة بأن تكون الرئة جاذبة لها ولكل عضو يجذب خلطاً فإنه إنما يجذبه ليغتذي به وإنما يمكن ذلك إذا كان غذاء الرئة يأتي إليها من القلب فإنه لو وصل إليها من القلب العرق العظيم الذي هو وراءها لاستغنت تلك عن جذب الدم من القلب. ولو كانت كذلك لم ينفذ الدم اللطيف من القلب إليها فلذلك احتيج أن يكون غذاء الرئة يأتي إليها من القلب لا كما قاله جالينوس. وهو أن ذلك لأن دم العرق العظيم الذي وراءها لا يصلح لتغذيتها لأنه لا يغلب عليه الصفراء، وغذاء الرئة عنده يجب أن تكون الصفراء غالبة عليه.
ونحن قد بينا سهوه في ذلك وبينا أن الصفراء لا تصلح لتغذية عضو البتة لا بانفرادها، ولا بأن تكون غالبة على الدم بل إن كان الصفراء تغذيه كما تغذو الأبازير الحارة إذا وضعت في الأطعمة. والله ولي التوفيق.
البحث الثالث القسم الأعظم من قسمي العرق الصاعد عند انقسامه إلى الجزأين اللذين أصغرهما أعظم عروق القلب هو الذي ينقسم عند الأذن اليمنى من أذني القلب إلى ثلاثة أقسام قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما النافذ ... إلى قوله: والذي يبقى من الإنشعاب الأول.
الشرح قوله: يتفرق منه في أعالي الأغشية المنصفة للصدر وأعالي الغلاف وفي اللحم الرخو المسمى توتة شعب شعرية أما تفرق الشعب إلى هذه الأشياء فلأجل تغذيتها، واختصت بهذا الصاعد لأجل قربها منه. وكانت هذه الشعب شعرية لتمنع نفوذ الدم الغليظ فيها فإن غذاء الأغشية أما تفرق الشعب إلى هذه الأشياء فلأجل تغذيتها هذه الأغشية يجب أن يكون رقيقاً كما بيناه أو لاً.
وغذاء الغلاف أعني به غلاف القلب يجب أن يكون مائياً وكذلك غذاء اللحم الرخو، إلا أن مائية غذاء هذا اللحم يجب أن يكون أقل من مائية غذاء الغلاف لأن الشحم أكثر مائية من اللحم الرخو.
قوله: ثم عند القرب من الترقوة يتشعب منه شعبتان تصير كل شعبة منهما شعبتين هاتان الشعبتان تصعدان من العرق العظيم الصاعد إذا قارب في صعوده الترقوتين وهما مع عظمهما صغيران بالقياس إلى الباقي من ذلك العرق وهاتان الشعبتان تصعدان إلى قرب الترقوتين جداً، وتصعدان مؤربتين متباعدتين فيكونان على هيئة اللام اليونانية فإذا قاربتا جداً الترقوتين انقسمت كل واحدة منهما إلى قسمين وهذان القسمان أحدهما أصغر من الآخر والصغير منهما ينحدر كل فرد منه عن جانب القص إلى أسفل حتى تنتهي إلى المواضع المذكورة في الكتاب. السبب في نزول هذين أن الأعضاء التي ينتهيان إليها كالثرب والعضل المستقيم الذي في طول البطن والعضلات الخارجة من الصدر ونحو ذلك.
وهذه العضلات كلها تحتاج أن يكون دمها الغاذي لها شديد الحرارة أما الثرب وعضلات البطن فلأن هذه الأعضاء تحتاج أن تكون حارة بالفعل لتسخن المعدة فتعينها على طبخ الأغذية.
стр. 108
وأما عضلات الصدر ونحو ذلك فلأن الصدر اكثر أجزائه باردة المزاج كالعظام والأغشية ونحو ذلك فيحتاج أن يكون ما عليه من العضل حار المزاج ليفي بتعديل برودة تلك الأعضاء وإنما يمكن أن يكون الدم شديد الحرارة بالطبع إذ قارب القلب حتى يتسخن بحرارته خاصة دم هذا العرق فإنه يقارب القلب مرتين مرة في صعوده ومرة في نزوله. فلذلك احتاج كثير من الأعضاء السفلية إلى أن يأتيها غذاها من العرق الصاعد. وأما الأعضاء العلوية فليس فيها ما يصل إليه شيء من العرق النازل إلا الثدي فإن الثديين ينتهي إليهما عرق من العرق النازل ويصعد إليهما من الرحم. وذلك ليكون من الرحم والثديين مشاركة له، وإنما احتيج إلى ذلك ليمكن أن يتصعد إليهما ما يفضل من غذاء الجنين من دم الطمث فيستحيل في الثديين لبناً.
وقوله: وأما الباقي في كل واحد منهما وهو زوج يعني بذلك الباقي من كل واحدة من الشعبتين الصاعدتين إلى مقاربة الترقوتين جداً فإن كل واحدة من تلك الشعبتين تنقسم إلى قسمين أصغرهما يمر عن جانبي القص إلى أسفل وينتهي إلى الأعضاء المذكورة في الكتاب وأعظمها وهو قسم من كل واحدة من الشعبتين فلذلك هو زوج، وهذا الزوج في كل فرد منه في قرب ترقوة وهو ينقسم إلى خمسة أقسام. والله ولي التوفيق.
البحث الرابع العرق العظيم الصاعد بعد تشعب الشعبتين منه عند مقاربة الترقوتين إلى أن يبلغ أعلى الرأس قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه والذي يبقى من الإنشعاب الأول الذي انشعب ... إلى آخر الفصل.
الشرح قوله: وقبل أن يمعن في ذلك ينقسم قسمين: أحدهما: الوداج الظاهر والثاني الوداج الغائر.
معناه: أن الأول من هذين القسمين يصير منه الوداج الظاهر. والآخر يصير منه الوداج الغائر.
قوله: على ما هما عليه فليس شيء منهما بوداج لأن كل واحد منهما فإنه إنما يصير منه الوداج الذي سماه به بعد أن ينفصل منه أجزاء، ويكون الوداج ما بقي بعد ذلك. وذلك فلا يكون المجموع هو الوداج وكل واحدة من الترقوتين فإنها تصعد من عندها ما يكون منه وداج ظاهر، ووداج غائر والذي يصير منه الوداج الظاهر كما يصعد من الترقوة ينقسم إلى قسمين: أحدهما: يأخذ إلى قدام الترقوة وإلى جانبها والثاني يأخذ أو لاً إلى قدام ثم يتسافل قليلاً ثم يصعد إلى قدام الترقوة ويستدير عليها ثم يصعد حتى يلحق بالقسم الأول فيختلط به، ويصير من جملتها الوداج الظاهر.
وفائدة انقسامه أو لاً اختلاط قسمته حتى يكون منهما قسم واحد أن يمر أحد القسمين بباطن الترقوة، والآخر بظاهرها فيعم الغذاء لظاهرها وباطنها وذلك مما لا يتم لو كانا قسماً واحداً، والذي يمر بظاهر الترقوة ويحتاج أن يستدير عليها ليصل منه الغذاء إلى أجزاء كثيرة بين ظاهر الترقوة وإنما لم يحتج إلى ذلك المار بباطنها لأن باطن الترقوة يستغني عن ذلك بكثرة العروق هناك ثم إذا تم ذلك الغرض عاد القسمان فصارا عرقاً واحداً لأن ذلك هو المقصود منهما قبل القسمة.
قوله: وقبل أن يختلط به ينفصل عنه جزءان أحدهما يأخذ عرضاً. القسم الثاني من القسمين اللذين يكون من اختلاطهما الوداج الظاهر وهو الذي يتسفل قبل تصعده قليلاً ثم يصعد مستظهراً للترقوة وينفصل منه قبل اختلاطه بالقسم الآخر أربعة عروق أخر.
اثنان منها يتميزان عن الاثنين الآخرين، فلذلك هما زوجان وهما المرادان بالجزأين لأنه جعل كل زوج الاثنين جزءاً، والزوج الأول من هذين يأخذان عرضاً نحو أعلى القص أي إنه يأخذ في عرض العنق مع تسفل يسير وهذا الزوج يلتقي فرداه ويتصل أحدهما بالآخر وذلك عند الموضع الغائر الذي بين الترقوتين وأما الزوج الآخر، فإن فرديه يتوربان صاعدين مستظهرين للعنق، ولا يلتقي أحد فرديه بالآخر كما في الزوج الآخر.
قوله: ويؤديها إلى الموضع الواسع وهو الفضاء الذي ينصب إليه الدم ويجتمع فيه ثم يتفرق عنه فيما ما بين الطاقين.
معناه: ثم يؤدي الصفة الثخين هذه العروق إلى الموضع الواسع، وهو الفضاء الذي من شأنه ذلك موضوع فيما بين الطاقين أي الاثنين: الجافية والرقيقة. وذلك لأن الأم الجافية تنعطف إلى أسفل وتخلي هناك تجويفاً وذلك التجويف هو الفضاء الذي ينصب فيه الدم.
هذا التجويف هولا محالة فوق الأم الجافية، وتحت الأم الرقيقة فهو بين الطاقين. والله ولي التوفيق.
стр. 109
الفصل الرابع
تشريح أوردة اليدين إلى الكتفي منه
وهو القيفال أما الكتفي منه ... إلى آخر الفصل.
الشرح قوله: وأما الكتفي وهو القيفال أي وهو الذي يصير منه القيفال فإنه يتفرق منه شعب في جلد العضد، وفي الإبط ظاهره، ويكون منه أيضاً حبل الذراع ويجتمع جزء منه وجزء آخر من العرق الإبطي فيكون منهما العرق المسمى بالأكحل وكذلك أيضاً يجتمع منه جزء وجزء من الإبطي فيكون منه ذلك عرق يتعمق في الساعد، وهذا غير مشهور ولا اسم له، لأنه لأجل غوصه لا يصل إليه المبضع فلذلك لا يفصد فلذلك هو غير مشهور.
والقيفال ليس هو مجموع هذه الأشياء بل ما يبقى من الكتفي بعد هذه الأشياء وهو عرق يمتد في الساعد ماراً في أعلى معطف المرفق. وألفاظ باقي الفصل ظاهرة. والله ولي التوفيق.
الفصل الخامس
تشريح الأجوف النازل
وكلامنا في هذا الفصل يشتمل على بحثين: البحث الأول الأجوف النازل من عند انفصاله من الأجوف الصاعد إلى أن يتوكأ على أعلى الصلب قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه قد ختمنا الكلام في الجزء ... إلى قوله: وبعد نبات الطالعين.
الشرح قوله: فأول ما يتفرع منه كما يطلع من الكبد، وقبل أن يتوكأ على الصلب يتشعب منه بشعب شعرية تصير إلى لفائف الكلية اليمنى.
السبب في ذلك أن الكليتين تحتاجان أن يكون على ظاهرهما شحم كثير لما نذكره من منفعة ذلك عند كلامنا في تشريح الكلي. والشحم إنما يتكون من مائية الدم كما علمته من قبل.
وإذا نفذ هذا الأجوف عن الكبد قليلاً تصفى دمه عن المائية الزائدة فاحتيج أن يكون ما يصل إلى ظاهر الكليتين من الدم واصلاً إليهما أو لاً والعروق النافذة إلى ظاهر الكلية اليمنى من أو ل انفصالها عن هذا الأجوف شعرية، ولا كذلك النافذة إلى ظاهر الكلية اليسرى. فإنها تكون أو لاً عرقاً واحداً ثم ينقسم إلى عروق شعرية، وإنما احتيج أن تكون هذه العروق شعرية لتمنع نفوذ الدم المتين فيها، ولا ينفذ فيها من الدم إلا ما تغلب عليه المائية حتى ترققه جداً، وإنما كانت عروق الكلية اليمنى من أو ل انفصالها شعرية لأن هذه الكلية قريبة جداً من الكبد، فلذلك لا يخشى على عروقها الدقاق من الانقطاع لأجل طول المسافة ولا كذلك الكلية اليسرى فإنها بعيدة عن الكبد لأنها مع أنها في خلاف جهتها هي كثيرة النزول إلى أسفل فلذلك جعل ما ينفذ إليها عرقاً واحداً غليظاً ثم يتفرع ذلك العرق إلى عروق كثيرة جداً شعرية.
قوله: يتوجهان إلى الكليتين لتصفية مائية الدم إذ الكلية إنما تجتذب منها غذاها، وهو مائية الدم ها هنا سؤالان: أحدهما: ما السبب في أن العرق النازل جعل له وحده ما يصفى من المائية؟ وهلا جعل ذلك للعرق الصاعد أيضاً؟ أجعل ما يصفي المائية قبل انقسام الأجوف إلى الصاعد والنازل لتكون التصفية عامة للدم النافذ فيهما؟ وثانيهما: أن الكلية كيف تجذب الدم المائي وكل عضو فإن جذبه للمواد الغذائية إنما يكون لتغتذي من ذلك المجذوب. وغذاء الكلي يجب أن يكون من الدم المتين الكثير الأرضية لأن جوهر الكلية كذلك والغذاء يجب أن يكون فيه شبيهاً بالمغتذي؟
стр. 110
الجواب: أما السؤال الأول فإن الدم الصاعد في العرق الصاعد مستغن عن التصفية عن المائية وإنما يحتاج إلى ذلك العرق النازل فقط، وإنما كان كذلك. لأن تصعد المائية في العرق الصاعد لا يمكن أن يكون بالطبع، ولا أيضاً تجذبه الأعضاء فلذلك تصعدها في ذلك الصاعد غير ممكن إنما تصعدها بالطبع محال فلأن المائية من شأنها السيلان إلى أسفل لا إلى فوق وأما أن تصعدها يجذب الأعضاء لا محال فلأن جذب الأعضاء إنما يكون لما يغتذي به ولما يعين على تغذيتها والمائية لا تصلح للأعضاء فلذلك كان تصعد هذه المائية الزائدة في العرق الصاعد حينئذٍ محالاً وأما العرق النازل فإن هذه المائية تنفذ فيه لأن المائية شأنها السيلان إلى أسفل وهذه المائية لأنها زائدة عن المقدار الذي يستحقه الدم الغاذي يحتاج إلى تصفية الدم منها وإنما يمكن ذلك باندفاعها عنه، وذلك بأن تجتذبها الكلى فيخلص الدم منها، وجذب الكلى لها لا لأنها ملازمة للدم الذي يحتاج إليه الكلى في تغذيتها، فتجذب الكلى لذلك الدم ويلزم ذلك انجذاب هذه المائية والسبب في أن هذا الدم تنجذب معه مائية كثيرة بخلاف الدم الباقي وغيره هو أن الأعضاء تجذب الدم أيضاً ولا تجذب المائية، وجب تلك الأعضاء يمانع من أن يندفع إلى الكلى لجذبها دم كثير ولأجل فقدان جذب تلك الأعضاء المائية تكون مندفع منها مع ذلك الدم كثيراً ولأجل هذا وجدت المائية يكون المندفع منها من ذلك الدم كثيراً، فلذلك تندفع إلى الكلى دم كثير المائية وبكثرة تلك المائية يخلص الدم الباقي منها، وبعد انفصال هذين الطالعين من العرق العظيم النازل ينفصل منه أيضاً عرقان آخران ينفذان إلى الأنثيين في نفوذ هذين العرقين إلى مع أن الأنثيين ينبغي أن يكون ما يأتيهما من العروق آتياً إليها من هذا العرق العظيم النازل بعد وصوله إلى عظام العجز. لأن ذلك الموضع أقرب إلى الأنثيين. سبب ذلك أن الدم المائي النافذ في الطالعين إلى الكليتين ليس يكاد يستقصي ما في الدم من المائية الزائدة فيبقى في الدم الباقي يسير من تلك المائية الزائدة فيحتاج إلى دفعها إلى عضو يحتاج في غذائه إلى رطوبة زائدة وذلك هو الأنثيان فلذلك ينفذ إليهما العرقان.
قوله: وما يأتي من الأنثيين من الكلية وفيه المجرى الذي ينضج فيه المني بعد احمراره ولكثرة معاطف عروقه وعروق الكلى كما عرفته كثيرة المائية فلذلك يكون فيها دم كثير الرطوبة فيكون ذلك الدم كثير الاستعداد والاستحالة إلى المنوية وذلك إذا خالطه ما يحيله إلى طبيعة المني.
وقد بينا في غير هذا الكتاب أن الأصل في المني والخميرة فيه هو ما ينزل من الدماغ وهذا النازل من الدماغ يخرج من الدماغ في العروق التي عند السحا وتنفذ تلك العروق إلى عظام الصلب فيجري فيها المني مصاحباً للنخاع ليبقى في تلك المنافذ على مزاجه، وهو في الدماغ، ولا يزال ينفذ إلى أسفل حتى ينتهي إلى هذين العرقين فينفذ فيهما، وتحيل ما فيهما من الدم إلى طبيعة المني فلذلك هذان العرقان، وليسا لتغذية الأنثيين فقط بل ولأن يستحيل كثير من الدم الذي فيهما إلى طبيعة المني، وتكمل استحالته إلى ذلك إذا حصل في الأنثيين.
وقد قال الإمام الفاضل أبقراط: إذ نزل المني ووصل إلى مخ عظم الظهر تميز فيه، ثم ينزل في مجار له في الكليتين أعني التي لا تنزل إلى أسفل ولكنها تصعد إلى الكبد، وهي التي إن أصابها شيء من الأوجاع يسيل منها دم، وقوله: التي لا تنزل إلى أسفل يعني التي لا تتعدى الأنثيين إلى أسفل كمالتي تنفذ إلى جهة الرجلين. وقوله: وهي التي إن أصابها شيء من الأوجاع يسيل منها دم، يريد بذلك أن هذه العروق فيها يستحيل الدم إلى طبيعة المنى فإذا عرض له شيء من الأوجاع أي من الأمراض يسيل منها دم عند الإنزال أو يكون ما ينزل حينئذٍ دموياً، وذلك لأجل قصور استحالة الدم الذي فيها إلى المنوية لأجل ضعفها بذلك المرض ولذلك يعرض أيضاً لمن استكثر الجماع أن ينزل منيه دموياً لأنه ينزل حينئذٍ ما لا يكون قد استحكمت استحالته إلى المنوية والله ولي التوفيق.
البحث الثاني الأجوف النازل من حين ما يتوكأ على عظم الصلب إلى أن ينتهي إلى الرجلين قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وبعد نبات الطالعين وصنعتهما يتوكأ الأجوف ... إلى قوله: وما يبقى من هذا باقي.
الشرح
следующие страницы →