بَابُ الهِبَةِ
وهِيَ: التَّبَرَّعُ بالمَالِ في حَالِ الحَيَاةِ.
وهِيَ مُستحَبَّةٌ، مُنعَقِدَةٌ بكُلِّ قَولٍ أو فِعلٍ يدلُّ عَليهَا.
(بابُ الهبةِ)
أصلُها مِن هَبوبِ الريحِ، أي: مُرُورِه. يُقالُ: وهَبَ له الشيءَ وَهبًا، بإسكانِ الهاءِ وفَتحِها، فهو واهِبٌ ووَهَّابٌ ووَهُوبٌ ووَهَّابةٌ. والاسمُ: المَوهِبُ والموهِبةُ، بكَسرِ الهاءِ فيهما. والاتِّهابُ: قبولُ الهبةِ. والاستيهَابُ: سُؤالها. وتَواهَبوا: وهَبَ بعضُهم لبعضٍ. وواهبَهُ فوَهبَهُ يَهَبُه، كيَدَعُه، ويَرِثُه: غَلَبَه في الهِبَة. ولا يقالُ: وهَبتُكَه. قالَهُ في "القاموس" (١). وحكاهُ أبو عمرٍو عن أعرابيٍّ.
(وهي) شرعًا: (التبرُّعُ بالمالِ في حَالِ الحياةِ). خَرَجَ: الوَصيةُ.
و (هي): أي الهبةُ (مستحبَّةٌ) إذا قُصِدَ بها وجهُ اللهِ، كالهِبَةِ للعُلماءِ والفُقراءِ والصالحينَ.
قال الحارثيُّ: وجِنسُ الهِبَةِ مَندوبٌ إليه؛ لشُمولِه معنى التَّوسِعَةِ على الغيرِ.
ولا تُستَحبُّ إنْ قُصِدَ بها مباهاةٌ ورياءٌ وسمعةٌ، فتُكرَهُ (٢).
(منعَقِدَةٌ بكلِّ قولٍ أو فِعلٍ يدُلُّ عَلَيها) كإرسالِ هَديَّةٍ، ودَفعِ دَراهِمَ (٣) لفقيرٍ.
стр. 1122
وشُروطُهَا ثَمانِيَة:
كُونُها من جَائزِ التَصرُّفِ، وكَونُهُ مُختَارًا غَيْرَ هَازِلٍ، وكَونُ المَوهُوبِ يَصِحُّ بيعُه، وكَونُ المَوهُوبِ لَهُ يصِحُّ تَمَلُّكُهُ، وكَونُهُ يَقْبَلُ ما وُهِبَ لَهُ بقَولٍ أو فِعلٍ يَدلُّ عَليهِ، قَبلَ تَشَاغُلِهِمَا بِمَا يَقطَعُ البَيعَ عُرفًا، وكَونُ الهِبَةِ منجَّزَةً،
(وشُروطُها ثمانيةٌ):
أحدُها: (كونُها من جائزِ التصرُّفِ) أي: مكلَّفٍ رَشيدٍ.
(و) الشرطُ الثاني: (كونُه مختارًا غَيرَ هازلِ) أي: غَيرَ مُكرَهٍ، ولا لاعِبٍ.
(و) الشرطُ الثالثُ: (كونُ الموهوبِ يصحُّ بيعُه) وما لا يصحُّ بيعُه لا تَصِحُّ هِبتُه، كأمِّ الولدِ.
(و) الشرطُ الرابعُ: (كونُ الموهوبِ له يصحُّ تملُّكُهُ) وهو الحرّ البالغُ الرشيدُ. فلا تصحُّ لصغرٍ ومجنونٍ وقنٍّ.
(و) الشرطُ الخامسُ: (كونُه يقبلُ ما وُهِبَ له (١) بقولٍ أو فعلٍ) كالبَيعِ (يَدلُّ عليه) أي: على القَبولِ (قَبلَ تشاغُلِهما بما يَقطَعُ البَيعَ عُرْفًا) لأنًّ حالةَ المجلِسِ كحالِ العقدِ؛ لأنَّه يُكتفى بالقبضِ فيه لما اعتُبِرَ فيه القبضُ. فإن تفرَّقا من المجلسِ قبلَ إتمامِه، أو تشاغَلا بما يقطَعُه عُرْفًا، بطَلَ؛ لأنَّهما أعرَضا عنه، أشبَهَ ما لو صرَّحَ بالردِّ.
(و) الشرطُ السادسُ: (كونُ الهبةِ منجَّزةً) فلا يصحّ تعليقُها على شرطِ مستقبَلٍ، كـ: إذا جاءَ رأسُ الشهرِ، أو قدِمَ فلانٌ، فقدْ وهبتُكَ كذا؛ قياسًا على البيعِ (٢).
стр. 1123
وكَونُها غَيرَ مُؤقَّتَةٍ، لكِنْ لو وُقِّتَتْ بِعُمُرِ أحَدِهِمَا، لَزِمَت ولَغَا التَّوقِيتُ،
(و) الشرطُ السابعُ: (كونُها غيرَ مؤقَّتةٍ) كقولِه: وهبتُك هذا سنةً، أو شهرًا. فلا تصحُّ؛ لأنَّها تمليكُ عينٍ فلا توقَّتُ، كالبيعِ (١).
(لكنْ لو وقِّتَتَ بعُمُرِ أحدِهما، لزِمَت ولَغَا التَّوقيتُ) فتصحُّ معَ التَّوقيتِ بالعُمُرِ؛ لأنَّ شَرْطَ رجوعِها هُنا على غَيرِ الموهُوبِ له، وهو وارِثُه، بخلافِ التوقيتِ بزَمَنٍ معلومٍ.
ومعنَاهَا (٢): شَرطُ الوَاهِبِ على المتَّهبِ عَودُ مَوهُوبٍ على كُلِّ حَالٍ إليه (٣)، أو إلى ورَثَتِه.
سُمِّيَتْ عُمْرَى؛ لتقييدِها بالعُمُرِ، كأعمَرتُكَ، أو: أرقَبتُكَ هذه الدَّارَ، أو هذه الفَرَسَ، أو هذه الأَمَةَ. يُقالُ: أعمرتُه، وعمَّرتُه، مشدَّدًا: إذا جَعَلتَ له الدَّارَ مُدَّةَ عُمُرِكَ، أو عُمُرِه. وأرقبتُكَ: أعطيتُكَ.
ونصّ أحمدَ فيمَنْ يُعمِرُ أمَةً: لا يَطَؤها. نقلَه يَعقوب وابنُ هانئٍ. وحَمَلَه القاضي على الوَرعِ.
أو: جَعَلتُها لك عُمرَكَ، أو: حياتَكَ. أو: جعلتُها لك عُمُري، أو: رُقْبى، أو: ما بقيتَ. أو: أعطيتُكها عمرَكَ، أو: حياتَكَ، أو: عُمْرَىَ، أو: رُقْبى، أو: ما بقيتُ، فتصحُّ؛ لحديثِ جابرٍ مرفوعًا: "العُمْرَى جائزةٌ لأهلِها". رواه أبو داودَ، والترمذيُّ (٤) وحسَّنَه.
стр. 1124
وكَونُها بَغَيرِ عِوَضٍ، فإن كانت بِعِوَضٍ مَعلُومٍ، فَبَيعٌ، وبعِوَضٍ مَجهُولٍ، فَبَاطِلَةٌ.
وأمَّا حديثُ: "لا تُعمِرُوا ولا تُرقِبُوا" (١). فالنهيُّ على سبيلِ الإعلامِ لهم بنفوذِها للمُعمَرِ والمُرقَبِ؛ بدليلِ بقيَّةِ الحديثِ: "فمَن أعمرَ عُمْرَى، فهي للذي أُعمِرَهَا حيًّا وميِّتًا" (٢).
وتكونُ لمُعطَى ولوَرَثَتِه بَعدَه إنْ كانواح للخبرِ، كتصرِيحِه -أي: المُعْمِرِ- بأنَّ العُمْرَىَ بعدَ مَوتِ مُعمَرٍ لِوَرَثَتِه، سواءٌ كانت عَقَارًا أو حيوانًا، أو غيرَهما. وإلَّا يَكُنْ له وارِثٌ، فهي لبَيتِ المالِ. نصًّا.
قال في "الإقناع" (٣): وإن أضافَ الهبةَ إلى عُمُرِ غَيرِه؛ بأن قال: وهبتُكَ الدَّارَ ونحوَها عُمُرَ زَيدٍ، لم تصحَّ؛ لأنَّها مؤقَّتةٌ، وليعسَتْ مِن العُمْرَى، ولا الرُّقْبى.
(و) الشرطُ الثامنُ: (كونُها بغيرِ عوضٍ).
(فإنْ كانت بعِوضٍ معلومٍ، فـ) هي (بيعٌ) أي: فيُشتَرَطُ لها شُروطُ صِحَّةِ البيعِ؛ لأنَّه تمليكٌ بعِوضٍ معلومٍ، ويَثبتُ الخِيارُ والشّفعَةُ، وكما لو شُرِط في عَاريَّةٍ مُؤقَّتَةٍ عِوَضٌ مَعلومٌ، فتَصيرُ إجارَةً.
(وبعِوضٍ مجهولٍ، فباطلةٌ) كالبيعِ بثَمَنٍ مجهولٍ. وحكمُها كالبيعِ الفاسدِ، فتُرَدُّ بزيادَتِها المتَّصِلةِ والمنفصلةِ؛ لأنَّها نماءُ مِلكِ الواهبِ. وإنْ تَلِفَتْ أو زوائِدُها، ضَمِنَها ببَدَلِها.
стр. 1125
ومَنْ أهدَى ليُهدى له أكثَرَ، فلا بَأسَ.
ويكرَهُ رَدُّ الهِبَةِ وإنْ قَلَّتْ، بَلِ السُّنَةُ أنْ يُكَافِئَ أو يَدعُو،
والهبةُ المطلقةُ لا تَقتَضِي عِوَضًا، سواءٌ كانت لمثلِه، أو دونِه، أو أعلى منه. وإنِ اختَلَفا (١) في شرطِه (٢)، فقولُ مُنكِرٍ بيمينِه. وإنِ اختلَفَا في الصَّادِرِ بَينَهُما، فقال مَن بِيَدِه العينُ: وهَبتَني ما بِيَدي. فقال مَن كانت بيدِه قبلُ: بل بِعتُكَه، ولا بيِّنةَ لأحدِهما، يحلِفُ كُلٌّ منهما على ما أنَكرَ من دَعوَى الآخَرِ، ولا يصحُّ البيعُ، ولا الهبةُ.
(ومَن أهدَى) شيئًا (ليُهدَى له أكثرَ) منه، (فلا بأسَ) به.
(ويُكرَهُ ردُّ الهبةِ، وإن قلَّتْ) لحديثِ أحمدَ، عن ابنِ مسعودٍ مرفوعًا: "لا تردُوا الهديَةَ" (٣).
وعُلِمَ منه: أنَّه لا يجِبُ قبولُ هبةٍ، ولو جاءتْ بلا مسألةٍ ولا استشرافِ نفسٍ. وهو إحدَى الروايتينِ. قال الحارثيُّ: وهو مقتضى كلامِ المصنِّفِ، أي: الموفَّقِ، وغيرِه من الأصحابِ. قال في "الإنصاف": وهو الصَّوابُ.
وعنه: يجبُ اختارَها أبو بكر في "التنبيه"، و"المستوعب"، وتبِعَهما صاحبُ "المنتهى" في الزكاة (٤).
(بل السُّنَّةُ أنْ يُكافِئَ) المُهدِيَ له، (أو يَدعُو) له. وفي "الفروع": ويتوجَّه:
стр. 1126
وإنْ عَلِمَ أنَّه أهدَى حَيَاءً، وَجَبَ الردُّ.
إن لم يجدْ، دعا له. كما رواه أحمدُ وغيرُه (١).
(وإنْ علمَ) المهدَى له (أنَّه) أي: المهدي (أهدَى حياءً، وجبَ الردُّ) أي: ردُّ هديَّيه إليه. قالَه ابنُ الجوزيِّ. قال في "الآداب": وهو قولٌ حسنٌ؛ لأنَّ المقاصدَ في العقودِ معتبرةٌ عندنا (٢).
* * *
стр. 1127
فَصْلٌ
وتُملَكُ الهِبَةُ بالعَقْدِ.
وتَلزَمُ بالقَبضِ شَرطِ أنْ يَكونَ القَبضُ بإذِنِ الوَاهِبِ.
فقَبْضُ ما وُهِبَ بكَيلٍ أو وَزْنٍ أو عَدٍّ أو ذَرْعٍ بِذَلِكَ، وقَبضُ الصُّبْرَةِ، وما يُنقَلُ بالنَّقْلِ،
(فصلٌ)
(وتُملَكُ الهبةُ بالعقدِ) أي: إيجابٍ وقبولٍ، بأنْ يقولَ: وهبتُكَ، أو: أهديتُك، أو: أعطيتُك. فيقولُ: قَبِلتُ، أو: رَضِيتُ، ونحوُه.
وبالمعاطاةِ الدالَّة عليها؛ لأنَّه ﵇ كان يُهدي ويُهدَى إليه، ويُفرِّقُ الصَّدقَاتِ، ويأمرُ سُعاتِه بأخذِها، وتَفريقِها، وكان أصحابُه يفعلون ذلك، ولم يُنقلْ عنهم إيجابٌ ولا قبولٌ، ولو كان شرطًا لنُقِلَ عنهم متواترًا، أو مشهورًا (١).
(وتلزمُ) الهبةُ (بالقبضِ، بشرطِ أن يكونَ القبضُ بإذنِ الواهب) فلا تلزمُ قبلَهما.
(فقبضُ ما وُهِبَ بكيلٍ أو وزنٍ أو عَدٍّ أو ذَرْعٍ بذلك) أي: بكيلٍ ووزنٍ وعدٍّ وذرعٍ.
(وقَبضُ الصُّبرةِ) بِيعَت جُزافًا بنَقلٍ، (و) في (ما يُنقَلُ بالنَّقل (٢)) كأحجارِ طواحين. وفي حيوانٍ بتَمشيَتِه.
стр. 1128
وقَبْضُ ما يُتَنَاوَلُ بالتَّنَاوُلِ، وقَبْضُ غَيرِ ذَلِكَ بالتَّخلِيَةِ.
ويَقْبَلُ ويَقْبِضُ لصَغِيرٍ ومَجنُونٍ وليُّهُمَا.
ويَصِحُّ أنْ يَهَبَ شَيئًا، ويَستَثْنيَ نفعَهُ مدَّةً معلُومَةً، وأن يَهَبَ حَامِلًا، ويَستَثْنيَ حَمْلَهَا. وإنْ وهَبَهُ وشَرَطَ الرُّجُوعَ متَى شَاءَ، لَزِمَتْ ولَغَا الشَّرطُ.
إنْ وَهَبَ دَينَهُ لمَدِينِهِ، أو أبرَأَهُ مِنهُ، أو تَرَكَهُ لَهُ، صَحَّ،
(وقبضُ ما يُتناولُ) كدَنانيرَ، ودراهمَ، وكُتُبٍ (بالتّنَاوُلِ) باليَدِ.
(وقبضُ غيرِ ذلك) أي: المذكُورِ، كأرضٍ، وينَاءٍ، وشَجَرٍ (بالتَّخلِيَةِ) مِن واهِبٍ.
(ويَقبَلُ) لصَغيرٍ ومجنونٍ، (ويَقبِضُ لصغيرٍ ومجنونٍ وليُّهما) وهو أبٌ، أو وصيُّة، أو الحاكمُ، أو أمينُه؛ لأنَّه قبولٌ لمال المحجورِ فيه حظٌّ، فكان إلى الوليِّ، كالبيعِ والشراءِ. فإنْ عُدِمَ الوليُّ، فمَن يَليه؛ لدعاءِ الحاجةِ، لئلا تضيعَ وتَهلِكَ.
ويصحُّ من صغيرٍ ومجنونٍ قبضُ مأكولٍ يُدفعُ مِثلُه للصَّغيرِ.
(ويصحُّ أن يَهبَ شيئًا، ويَستَثنيَ نفعَهُ) أي: الموهوبِ (مدَةً معلومةً) نحوَ شهرٍ وسنةٍ.
(وأن يهبَ حاملًا، ويَستثنيَ حملَهَا) كالعتقِ.
(وإن وهبَه وشَرَطَ الرجوعَ) في الموهوبِ (متى شاءَ) أي: في أيِّ وقتٍ شاءَ، (لزمِتْ) الهبةُ (ولغَا) أي: بطلَ (الشَّرطُ) لمنافاتِه التمليكَ.
(وإنْ وهبَ دَيْنَه لمدينِه، أو أبرأَهُ منه، أو تركه له) أو أسقَطَه عنه، أو مَلَّكَه لهُ، أو تصدَّقَ بالدَّينِ عليه - أي: المدينِ - أو عفَا عنه، أي: الدَّين (١) (صحَّ) ذلك
стр. 1129
ولَزِمَ بمُجرَّدِهِ، ولو قَبلَ خلُولهِ. وتصِحُّ البَراءَةُ، ولَوْ مَجهُولًا.
ولا تَصِحُّ هِبَةُ الدَّينِ لغَيرِ مَنْ هُوَ عَلَيهِ، إلَّا إنْ كانَ ضَامِنًا.
جميعُه، وكان مُسقِطًا للدَّينِ، (ولزِمَ بمجرَّدِه (١)، ولو) كان ذلك (قبلَ حُلولِه) أي: الدَّينِ.
(وتصحُّ البراءةُ، ولو مجهولًا) قدرُه ووصفُه، ولو كان الدُّينُ المُبرَأُ منه مجهولًا لهما، أو لأحدِهما، ولو لم يتعذَّرْ علمُه؛ لأنَّه إسقاطُ حقٍّ، فينفذُ مع العلمِ والجهلِ، كالعتقِ والطلاقِ.
(ولا (٢) تصحُّ هِبةُ الدَّين لغيرِ مَن هو عليه) أي: لمَن هو في ذمَّتِه، (إلا إنْ كان ضامنًا) فيصحُّ.
* * *
стр. 1130
فَصْلٌ
ولِكُلِّ واهِبٍ أن يَرجِعَ في هِبَتِه قَبلَ إقبَاضِها مَعَ الكَرَاهَةِ. ولا يَصِحُّ الرُّجوعُ إلَّا بالقولِ.
وبَعدَ إقبَاضِهَا يَحرُمُ، ولا يَصِحُّ
(فصلٌ)
(ولكلِّ واهبِ أن يرجعَ في هِبَتِه قبلَ إقباضِها) أي: قبلَ القبضِ، ولو بعدَ تصرُّفِ المتَّهَبِ، وتبطلُ.
(معَ الكَرَاهةِ) خروجًا من خلافِ مَن قال: إنَّ الهبةَ تلزمُ بالعقدِ.
(ولا يصحُّ الرجوعُ إلا بالقولِ) نحو: رجعتُ في هِبَتي، أو: ارتجعتُها، أو: رددتُها، أو: عدتُ فيها؛ لأنَّ الملكَ ثابتٌ، للموهوبِ له يقينًا، فلا يزولُ إلا بيقينٍ، وهو صريحُ الرجوعِ، فلو تصرَّفَ فيه قبلَ رجوعِه بالقولِ، لم يصحَّ، ولو نوىَ به الرجوعَ (١).
(وبعدَ إقباضِها) أي: الهبةِ - ولو نُقُوطًا، أو حُمُولةً في نحوِ عُرسٍ، كما في "الإقناع"، للزُومِها - (يحرمُ) الرجوعُ فيها (ولا يصحُّ) الرجوعُ بعدَه؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ مرفوعًا: "العائدُ في هبتِه، كالكلبِ يقيءُ ثمَّ يعودُ في قيئِه". متفقٌ عليه (٢). وسواءٌ عَوَّضَ عنها، أو لم يعوِّضْ؛ لأنَّ الهبةَ المطلقةَ لا تقتضي ثوابًا".
стр. 1131
ما لَمْ يَكُنْ أبًا، فلَهُ أن يَرجِعَ بشُروطٍ أربَعَةٍ:
أن لا يُسقِطَ حقَّه من الرُّجُوعِ، وأنْ لا تَزِيدَ زِيادَةً متَّصِلَةً، وأنْ تَكُونَ باقِيَةً في مِلكِهِ، وأنْ لا يَرهَنَهَا.
(ما لم يكنْ إلا فله أن يرجعَ) في هبتِه (بشروطٍ أربعةٍ):
الأوَّلُ: (أن لا يُسقِطَ حقَّه من الرجوعِ) فيما وهبَه لولدِه، فيسقطُ، خلافًا لما في "الإقناع"؛ لأنَّ الرجوعَ مجرَّدُ حقِّه، وقد أسقطه (١).
(و) الثاني: (أن لا تزيدَ) العينُ الموهوبةُ عندَ الولدِ (زيادةً متَّصلةً) تزيدُ في قيمتِها، كالسِّمَنِ، والكِبَرِ، والحَمْلِ، وتعلُّمِ صَنعَةٍ، أو تعلُّمِ كتابةٍ أو قرآنٍ؛ لأنَّ الزيادة للموهوبِ له، لكونِها نماءَ ملكِه، ولم تنتقلْ إليه من جهةِ أبيه، فلم يملكْ الرجوعَ فيها كالمنفَصلةِ. وإذا امتنعَ الرجوعُ فيها، امتنعَ في الأصلِ، لئلا يُفضيَ إلى سُوءِ المشاركةِ وضررِ التشقيصِ.
(و) الثالثُ: (أن تكونَ) العينُ الموهوبةُ (باقيةً في ملكِه) فيَمنعُ الرجوعَ بيعُه، أي: الولدِ لما وهبَه له أبوه. وكذا هبتُه، ووقفُه، ونحوُه مما يَنقلُ المِلكَ، أو يمنعُ التصرَّفَ، كالاستيلادِ.
(و) الرابعُ: (أن لا يرهنَها) لأنَّ في رجوعِه إبطالًا لحقِّ المرتهنِ وإضرارًا به، إلا أنْ ينفكَّ الرهنُ بوفاءٍ أو غيرِه، فيملِكُ الرجوعَ إذنْ؛ لأنَّ ملكَ الابنِ لم يَزُلْ، وقد زالَ المانعُ (٢).
стр. 1132
وللأبِ الحُرِّ أن يتملَّكَ مِن مَالِ ولَدِه ما شَاءَ بشُروطٍ خَمسَةٍ:
أن لا يَضُرَّهُ، وأن لا يَكُونَ في مَرضِ مَوتِ أحدِهِمَا،
(وللأبِ) فقطْ (الحرِّ) محتاجًا وغيرَه (أنْ يتملَّكَ من مالِ ولدِه ما شاءَ) بعلمِه، وبغيرِ علمِه، صغيرًا كان الولدُ أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى، راضيًا أو ساخطًا؛ لحديث: "أنتِ ومالُك لأبيكَ". رواه الطبرانيُّ في "معجمه" (١) مطولًا. ورواه غيرُه، وزادَ: "إنَّ أولادَكم من أطيبِ كسبِكم، فكلوا من أموالهم" (٢). وعن عائشة مرفوعًا: "إن أطيبَ ما أكلتم من كسبِكم، وإنَّ أولادَكم من كسبِكم". أخرجه سعيدٌ، والترمذيُّ (٣) وحسَّنَهُ. وروى محمدُ بنُ المنكدرِ والمطَّلبُ بنُ حنطبٍ قالا: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: إنَّ لي مالًا وعيالًا، ولأبي مالٌ وعيالٌ، وألي يريدُ أن يأخذَ مالي؟ فقال النبيُّ ﷺ : "أنتِ ومالُك لأبيكَ". رواه سعيدٌ (٤).
(بشروطٍ خمسةٍ):
الأوَّلُ: (أن لا يضرَّه) أي يَضرَّ الأبُ ولدَهُ بما يتملَّكُه منه، فإنْ ضرَّه بأنْ تتعلَّقَ حاجةُ الولدِ به، كآلةِ حِرفتِه ونحوِها، لم يتملَّكْه؛ لأنَّ حاجةَ الإنسانِ مقدَّمةٌ على دَينِه، فلأنْ تُقدَّمَ على أبيه أَوْلى.
(و) الشرطُ الثاني: (أن لا يَكونَ) التملُّكَ - بالرفع - (في مرضِ مَوتِ أحدِهما)
стр. 1133
وأنْ لا يُعطِيَه لولَدٍ آخَرَ، وأنْ يَكونَ التَملُّكُ بالقَبضِ مَعَ القَولِ أو النِّيةِ، وأن يكونَ ما يتملَّكهُ عَينًا مَوجُودَةً،
المخوفِ، فلا يصحُّ؛ لانعقادِ سببِ الإرثِ.
وليس للأمِّ ولا للجدِّ التملُّكُ من مالِه، كغَيرِهما مِن الأقارِبِ.
قال الشيخُ تقيُّ الدين: ليس للأبِ الكافرِ أن يتملَّكَ مالَ ولدِه المسلمِ، لاسيَّمَا إذا كان الولَدُ كافرًا ثمَّ أسلمَ. قال في "الإنصاف": وهذا عينُ الصَّوابِ. وقال أيضًا: الأشبَهُ أنَّ الأبَ المسلمَ ليس له أن يأخذَ من مالِ ولدِه الكافرِ شيئًا (١).
(و) الشرطُ الثالثُ: (أن لا يُعطيَه) - ما تملَّكَه الأبُ - (لولدٍ آخرَ)، فلا يتملَّكُ من مالِ ولدِه زيدٍ ليعطيَه لولدِه عمرٍو؛ لأنَّه ممنوعٌ من تخصيصِ بعضِ ولدِه بالعطيَّةِ من مالِ نفسِه، فلأنْ يُمنعَ من تخصيصِه بما أخذَ من مالِ ولدِه الآخرِ أَوْلى (٢).
(و) الشرطُ الرابعُ: (أن يكونَ التملُّكُ بالقَبضِ معَ القَولِ) بقولِه: تملَّكتُه، أو نحوه، (أو النيَّةِ) قال في "الفروع": ويتوجَّه: أو قرينةْ؛ لأنَّ القبضَ أعمُّ من أن يكونَ للتملُّكِ أو غيرِه، فاعتُبرَ القولُ أو النيةُ؛ ليتعيَّنَ وَجهُ القَبضِ (٣).
وزادَ صاحبُ "الإقناع" شرطًا سادَسًا فقَال: ولا يَصِحُّ تَصرّفُه فيه - أي: في مالِ ولَدِه - قبلَ ذلك، أي: قبلَ القبضِ مع القولِ أو النيةِ، ولو عِتْقًا (٤).
(و) الشرطُ الخامسُ: (أنْ يكونَ ما يتملكُه) الأبُ (عينًا موجودةً) فلا يتملَّكُ
стр. 1134
فلا يَصِحُّ أنْ يتملَّكَ ما فِي ذِمَّتهِ مِنْ دَين ولَدِهِ، ولا أنْ يُبرِئَ نَفسَهُ.
وليسَ لولَدِهِ أن يُطَالِبَه بمَا في ذِمَّتِه من الدَّينِ، بَلْ إذا مَاتَ أخَذَه مِنْ تَرِكَتِهِ، مِنْ رَأسِ المَالِ.
دينَ ابنِه؛ لأنَّه لا يملكُ التصرُّفَ فيه قبلَ قبضِه.
(فلا يصحُّ أن يتملَّك) الأبُ (ما في ذمَّتِه من دينِ ولدِه، ولا) يملكُ (أن يُبرِئَ نفسَه) من دينٍ لولدِه عليه، كإبرائِه لغريمِه وقبضِه منه؛ لأنَّ الولدَ لم يملكْهُ قبلَ قبضِه.
(وليس لولدِه) ولا لورثتِه (أن يُطالبَه بما في ذِمَّتِه من الدَّينِ) من نحوِ قرضٍ، وثمنِ مبيعٍ، أو قيمةِ مُتلَفٍ، كثَوبٍ ونحوِه حَرَقَهُ لوَلَدِه، أو أرشِ جنايةٍ على ولدِه، كقلعِ سنةٍ، وقطعِ طرَفِه. ولا بشيءٍ غيرِ ذلك ممَّا للابنِ عليه، كأجرةِ أرضٍ زرعَها، أو دارٍ سكنَها، ونحوِه؛ لحديثِ: "أنتَ ومالُكَ لأبيكَ" (١). إلا بنفقتِه الواجبةِ على أبيه؛ لفقْرِه وعجزِه عن تكسُّبٍ. قال في "الوجيز": له مطالبتُه بها وحبسُه عليها (٢).
(بل إذا ماتَ) الأبُ (أخذَه) أي: الدَّينَ (من تركتِه، من رأسِ المالِ) كسائرِ الديونِ. وإنْ وجدَ الولدُ عينَ مالِه الذي أقرضَه لأبيه، أو باعَه له، ونحوه، كعينِ ما غصبَه منه بعدَ موتِه، فله - أي: الولدِ - أخذُه، أي: ما وجدَه من عينِ مالِه (٣).
* * *
стр. 1135
فَصْلٌ
ويُبَاحُ للإنسَانِ أنْ يَقْسِمَ مالَهُ بينَ وَرَثَتِه في حَالِ حَياتِه، ويُعطِيَ مَنْ حَدَثَ حِصتَهُ وجُوبًا، ويَجِبُ عَليهِ التَّشوِيَةُ بينَهم علَى قَدْرِ إرثِهم.
(فصل)
(ويُباحُ للإنسانِ أن يَقسِمَ مالَه بينَ ورَثَتِه في حَالِ حَيَاتِه) على فرائضِ اللهِ؛ لعدمِ الجَوْرِ فيها (ويُعطيَ مَن حَدَثَ) من وارثٍ (حصَّتَه) ممَّا قَسَمَ (وجوبًا) ليحصلَ التعديلُ الواجبُ.
(ويجبُ عليه) أي: على واهبٍ، ذكرٍ أو أُنثى (التسويةُ بينَهم على قَدرِ إرثِهم) نصًّا؛ لحديثِ جابرٍ قال: قالت امرأةُ بشيرٍ لبشيرٍ (١): أعطِ ابني غلامًا، وأشهدْ لي رسولَ اللهِ ﷺ . فأتَى رسولَ اللهِ ﷺ فقال: إنَّ ابنةَ فلانٍ سألتْني أنْ أنحلَ ابنَها غلامي. فقال: "ألَهُ إخوةٌ؟ " قال: نعمْ. قال: "فكلُّهم أعطيتَ مثلَ ما أعطيتَه؟ " قال: لا. قال: "فليس يصحُّ هذا، وإنِّي لا أشهدُ إلا على حقٍّ". رواه أحمدُ، ومسلمٌ، وأبو داودَ (٢). ورواه أحمدُ من حديثِ النعمانِ بنِ بشيرٍ، وقال فيه: "لا تُشهدنِي في على جَورٍ، إنَّ لبنيكَ عليك من الحقِّ أن تعدِلَ بينهم" (٣). وفي لفظٍ لمسلمٍ: "اتقوا اللهَ واعدلوا في أولادِكم" (٤)، ولأحمدَ، وأبي داودَ،
стр. 1136
فإن زَوَّجَ أحدَهُم، أو خَصَّصَهُ بلا إذنِ البقيَّةِ، حَرُمَ عَليه، ولَزِمَه أن يُعطيَهُمْ حتَّى يَستَوُوا.
فإن ماتَ قَبلَ التَّسويَةِ بينَهم، ولَيسَ التَّخصِيصُ بمَرضِ مَوتِه المَخُوفِ، ثَبَتَ للآخِذِ،
والنسائيِّ: "اعدِلوا بين أبنائِكم، اعدِلوا بين أبنائكم، اعدِلوا بين أبنائِكم" (١).
فأمرَ بالعدلِ بينهم، وسمَّى تخصيصَ بعضِهم جَوْرًا، والجَوْرُ حرامٌ. وقِيسَ على الأولادِ باقي الأقاربِ، بخلافِ الزوجِ والزوجةِ والمَوالي.
ولا يجبُ على المسلمِ التعديلُ بين أولادِه الذِّمِّيين. قالَهُ الشيخُ تقيُّ الدينِ (٢).
(فإنْ زوَّجَ أحدَهم) أي: أحدَ أولادِه (أو خصَّصَه بلا إذنِ البقيَّةِ، حَرُمَ عليه، ولزِمَه أن يُعطيَهم حتى يستَوُوا) بمَن خصَّه أو فضَّلَه. نصًّا. ولو في مرضِ موتِه؛ لأنَّه تدارُكٌ للواجبِ. ويجوزُ للأبِ تمليكُه بلا حِيلةٍ. قدَّمَه الحارثيُّ، وتبعَه في "الفروع".
(فإنْ ماتَ) معطٍ (قبلَ التسويةِ) أي: التعديلِ (بينهم، وليس التخصيصُ بمرضِ موتِه) أي: المعطي، (المخوفِ، ثبتَ للآخِذِ) فلا رجوعَ لبقيَّةِ الورَثَةِ عليه. نصًّا؛ لخبرِ الصدِّيقِ (٣). وكما لو كان أجنبيًا، أو انفردَ.
стр. 1137
وإن كانَ بمَرضِ مَوتِه، لم يَثبُت له شَيءٌ زائِدٌ عَنهُم إلَّا بإجازَتِهم، ما لَمْ يكُن وقفًا، فيصِحّ بالثُّلُثِ، كالأجنَبيِّ.
فإن كانت بمرضِه المخوفِ، توقَّفتْ على إجازةِ الباقي، وأشارَ إليها بقولِه: (وإن كانَ بمرضِ موتِه، لم يثبتْ له شيءٌ زائدٌ عنهم إلا بإجازتهم) أي: إجازةِ بقيَّةِ الورثةِ، فحكمُها كالوصيَّةِ (ما لم يكنْ وقفًا، فيصحُّ بالثُّلُثِ) في مرضِ موتِه المخوفِ على بعضِ الورثةِ. قال أحمدُ في روايةِ جماعةٍ منهم الميمونيُّ: يجوزُ للرجلِ أن يقفَ في مرضِه على ورثتِه. فقيل له: أليسَ تذهبُ أنَّه: لا وصيةَ لوارثٍ؟ فقال: نعمْ، والوقفُ غيرُ الوصيةِ؛ لأنَّه لا يباعُ، ولا يورثُ، ولا يصيرُ مِلكًا للورثةِ.
ومرادُ الإمامِ بكونِه لا يصيرُ مِلكًا: يعني: طَلْقًا، وذلك لما تقدَّمَ من أنَّ الوقفَ مِلكٌ للموقوفِ عليه المعيَّنِ.
(كالأجنبيِّ (١)): فلا يصحُّ وقفُ مريضٍ مرضَ الموتِ المخوفِ على أجنبيٍّ بزيادةٍ على الثلثِ، أو على وارثٍ بزيادةٍ على الثلثِ (٢).
* * *
стр. 1138
فَصْلٌ
والمَرَضُ غَيرُ المَخوفِ - كالصُّدَاعِ، ووَجَعِ الضِّرسِ- تبرُّعُ صَاحِبِه نافِذٌ في جَميعِ مَالِه، كَتَبرُّع الصَّحيحِ، حتَّى ولو صَارَ مخُوفًا ومَاتَ منه بَعدَ ذلِكَ.
والمَرضُ المَخُوفُ، كالبِرسَامِ، وذَاتِ الجَنْبِ، والرُّعَافِ الدَّائِمِ، والقِيَامِ المُتدَارِكِ،
(فصلٌ)
(والمرضُ غيرُ المخوفِ - كالصُّدَاعِ) أي: وجَعِ الرَّأسِ (و) كـ (وجعِ الضِّرسِ- تبرُّعُ صاحبِه) أي: صاحبِ المرضِ غيرِ المخوفِ (نافذٌ) أي: صحيحٌ (في جميعِ مالِه، كتبرُّعِ الصحيحِ) لأنَّه في حكمِ الصحةِ؛ لكونِه لا يُخَافُ منه في العادةِ، (حتى ولو صارَ) المرضُ (مخوفًا وماتَ منه بعدَ ذلك) كعطيَّةِ صحيحِ، تصحُّ من جميعِ مالِه.
(والمرضُ المخوفُ: كالبِرسَامِ) بكسرِ الموحدةِ، وهو: بُخَارٌ يَرتَقِي إلى الرأسِ، يؤثرُ في الدِّماغِ، فيختلُّ به العقلُ. وقال عياضٌ: هو ورمٌ في الدِّماغِ يتغيرُ منه عقلُ (١) الإنسانِ ويَهذي. (وذاتِ الجنب): قرْحٌ بباطنِ الجنبِ. (والرُّعافِ الدَّائمِ) لأنَّه يُصفِّي الدَّمَ، فتذهبَ القوَّةُ. (والقيامِ المتدارِكِ) أي: الإسهالِ الذي لا يَستَمسِكُ، وإنْ كانَ ساعَةً؛ لأنَّ مَن لحِقَه ذلك، أسرعَ في هلاكِه. وكذا إسهالٌ معه دمٌ؛ لأنَّه يُضعفُ القوَّةَ.
стр. 1139
وكَذلِكَ مَنْ بَيْنَ الصَّفَينِ وقْتَ الحَربِ، أو كَانَ باللُّجَّةِ وقتَ الهَيَجَانِ، أو وَقَعَ الطَّاعُونُ ببَلَدِهِ، أو قُدِّمَ للقَتلِ، أو حُبِسَ لَهُ، أو جُرِحَ جُرحًا مُوحِيًا.
فكُلُّ مَنْ أصَابَه شَيءٌ من ذَلِكَ، ثُمَّ تبرَّعَ ومَاتَ، نَفَذَ تبرُّعُهُ بالثُّلُثِ فقَط، للأجنَبيِّ فقَط. وإن لَمْ يَمُت، فالكصَّحِيحِ.
(وكذلك مَن بينَ الصَّفينِ وقتَ الحَربِ) أي: اختلاطِ الطائفتينِ للقتالِ، وكلُّ من الطائفتينِ مُكافِئٌ للأُخرَى، أو كان مُعطٍ مِن الطائفةِ المقهورةِ (١).
(أو كان باللُّجَّةِ) بضمِّ اللامِ، أي: لجَّةِ البحرِ (وقتَ الهَيجَانِ) أي: عندَ ثوَرَانِ البحرِ بريحٍ عاصِفٍ.
(أو وقعَ الطاعونُ ببلَدِه) قال في "شرح مسلم": الطاعونُ: وباءٌ معروفٌ، وهو بثرٌ وورَمٌ مُؤلمٌ جدًّا، يخرجُ من لَهَبٍ، ويَسوَدُّ ما حولَه، ويخضرُّ، ويَحمَرُّ حُمرَةً بِنَفسَجيَّةً، ويحصُلُ معه خَفَقَانُ القلبِ "لأنَّه مخوفٌ إذا كان به (٢).
(أو قُدِّمَ للقَتلِ) قِصاصًا أو غيره؛ لظهورِ التَّلَفِ وقُرْبه (أو حُبِسَ له) أي: القتلِ.
(أو جُرِحَ جرحًا موحِيًا) مع ثباتِ عقله، فكَمَرضٍ مخوفٍ. فإن لم يثبتْ عقلُه، فلا حُكمَ لعطيَّتِه، بل ولا لكلامِه (٣).
(فكلُّ مَن أصابَه شيءٌ من ذلك) أي: ممَّا تقدَّمَ من المرضِ المخوفِ وغيرِه (ثمَّ تبرَّعَ وماتَ، نفذَ تبرُّعُه (٤) بالثلثِ) فما دونَه (فقطْ، للأجنبيِّ فقطْ) ويَقِفُ على الإجازةِ فيما زادَ عليه، ولوارثٍ بشيءٍ.
(وإنْ لم يمتْ، فكالصَّحيحِ) من نفوذِ عطاياه كلِّها؛ لعدمِ المانعِ.
стр. 1140
كِتابُ الوَصيَّةِ
تَصِحُّ الوَصيَّةُ مِنْ كُلِّ عَاقِلٍ لَمْ يُعَايِنِ المَوتَ، وَلو مُمَيِّزًا، أو سَفِيهًا.
فَتُسَنُّ بخُمُسِ ....
(كتابُ الوصيَّةِ)
مِن وَصَيْتُ الشيءَ: إذا وصَلْتَهُ؛ لأنَّ الميِّتَ وَصَلَ ما كان فيه من أمرِ حياتِه بما بعدَه من أمرِ مماتِه.
(تصحُّ الوصيةُ من كلِّ (١) عاقلٍ) للوصيَّةِ؛ لأنَّها تصرّفٌ تمحَّضَ نفعًا له، فصحَّ، كالإسلامِ، والصَّلاةِ.
وأركانُها أربعةٌ: موصٍ وصيغةٌ، وموصَى به، وموصَى له.
وقدْ أشارَ إلى الأوَّلِ بقولِه: من عاقلٍ (لم يعاينِ الموتَ) فإنْ عاينَه، لم تصحَّ؛ لأنَّه لا قولَ له، والوصيةُ قولٌ. قال في "الفروع": ولنا خلافٌ: هل تقبلُ التوبةُ ما لم يعاينِ المَلَكَ، أو ما دامَ مكلَّفًا، أو ما لم يُغَرْغرْ؟.
قال في "تصحيح الفروع": والأقوالُ الثلاثةُ متقاربةٌ. والصَّوابُ: تقبلُ ما دامَ عقلُه ثابتًا (٢).
(ولو مُميِّزًا) يَعقِلُها (أو سَفيهًا) فتصحُّ؛ لتمحُّضِها نفعًا له بلا ضررٍ.
(فتسنُّ) الوصيةُ (بخُمُس) أي: من مالهِ. روي عن أبي بكرٍ، وعليٍّ (٣). قال
стр. 1141
مَنْ تَرَكَ خَيرًا، وهُوَ المَالُ الكَثيرُ عُرفًا.
وتُكرَهُ لفَقيرٍ لَهُ ورَثَةٌ. وتُباحُ له إن كَانُوا أغنياءَ. وتَجِبُ على مَنْ عَليهِ حَقٌّ بلا بيِّنَةٍ. وتَحرُمُ على مَنْ له وَارِثٌ بزَائِدٍ عَلَى الثُّلُثِ، ولِوارِثٍ بشَيءٍ، وتَصِحُّ
أبو بكرٍ: وصَّيتُ بما رضيَ اللهُ تعالى به لنفسِه (١). يعني في قولِه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفَال:٤١].
(مَن تركَ خيرًا، وهو) أي: الخيرُ: (المالُ الكثيرُ عُرْفًا) ولا يتقدَّرُ بشيءٍ.
(وتكره) وصيةٌ (لفقيرٍ) أي: منه، إن كان (له ورثةٌ) محتاجونَ، كما في "المغني"؛ لقولِه ﵊: "إنْ تتركْ ورثتَكَ أغنياءَ خيرٌ من أن تدعَهم عالةً" (٢).
(وتُباحُ له) الوصيَّةُ (إنْ كانوا) أي: الورثَةُ (أغنياءَ) قاله في "الإنصاف".
(وتجبُ على مَن عليه حقُّ بلا بيِّنةٍ) ذِكْرُ الحقِّ، سواءٌ كان للهِ، أو لآدميٍّ؛ لئلا يضيعَ.
(وتحرُمُ) الوصيةُ (على مَن له وارثٌ بزائدٍ على الثلثِ) لأجنبيٍّ، (ولوارثٍ بشيءٍ) مطلقًا. نصًّا؛ لقولِه ﵇: "إنَّ اللهَ قد أعطَى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصيةَ لوارثٍ". رواه الخمسةُ إلا النسائيُّ (٣).
(وتصحُّ) هذه الوصيةُ المحرَّمةُ ....
стр. 1142
وتَقِفُ على إجَازَةِ الوَرَثَةِ.
والاعتبارُ بكَونِ مَنْ وُصِّيَ أو وُهِبَ له وارِثًا أو لا: عِندَ المَوتِ، وبالإجَازَةِ أو الرَّدِّ: بعدَه.
فإن امتَنَعَ المُوصَى له -بعدَ مَوتِ المُوصِي- مِنَ القَبولِ ومِنَ الردِّ،
(وتقفُ على إجازةِ الورثةِ)، لحديثِ ابنِ عباسٍ مرفوعًا: "لا تجوزُ وصيةٌ لوارثٍ، إلا أنْ يشاءَ الورثةُ" (١).
(والاعتبارُ بكونِ مَن وُصِّيَ) له (أو وُهِبَ له) هبةٌ (٢)، من مريضٍ (وارثًا أو لا: عندَ الموتِ) أي: موتِ موصٍ وواهبٍ.
فمن وصَّى لأحدِ إخوتِه، أو وهبَه في مرضِه، فحدثَ له ولدٌ، صحَّتا إن خرَجَتا من الثلثٍ؛ لأنَّه عندَ الموتِ ليس بوارثٍ.
وإنْ وصَّى أو وهبَ مريضٌ أخاه، وله ابنٌ، فماتَ قبلَه، وقَفَتا على إجازةِ باقي الورثةِ.
(و) الاعتبارُ (بالإجازةِ) في (٣) وصيةٍ، أو عطيةٍ، (أو الردِّ) لأحدِهما: (بعدَه) أي: الموتِ، وما قبلَ ذلك من ردٍّ، أو إجازةٍ، لا عبرةَ به؛ لأنَّ الموتَ هو وقتُ لزومِ الوصيةِ، والعطيةُ في معناها (٤).
(فإنْ امتنعَ المُوصَى له -بعدَ موتِ الموصى- من القبولِ، ومن الردِّ)
стр. 1143
حُكِمَ عليه بالرَّدِّ، وسَقَطَ حقُّه.
وإن قَبِلَ ثمَّ رَدَّ، لَزِمَت ولم يصِحَّ الرَّدُّ.
وتَدخُلُ في مِلكِه مِنْ حِينِ قَبولِه، فَما حَدَثَ مِنْ نَماءٍ مُنفَصِلٍ قَبلَ ذَلِكَ، فلِلوَرَثَةِ.
وتَبطُلُ الوصيَّةُ بخَمسَةِ أشياءَ:
برجُوعِ المُوصِي بقَولٍ ....
للوصيةِ، (حُكِمَ عليه بالردِّ، وسقطَ حقُّه) من الوصيةِ؛ لعدمِ قبولِه.
(وإنْ قَبِلَ) الوصيةَ، (ثمَّ ردَّ) الوصيةَ (لزِمتْ) ولو قبلَ القبضِ (ولم يصحَّ الردُّ).
(وتدخلُ في مِلكِه من حينِ قبولِه) لأنَّ مِلكَه قد استقرَّ عليها بالقبولِ (فما حدثَ) من عينٍ مُوصًى بها بعدَ موتِ موصٍ، وقبلَ قبولِ موصًى له بها (من نماءٍ منفصلٍ) ككَسبٍ (١)، وثمرةٍ، وولدٍ (قبلَ ذلك) أي: قبلَ القبولِ (فللورثةِ) أي: ورثةِ موصٍ؛ لملكِهم العينَ حينئذٍ. ويتبعُ العينَ الموصَى بها نماءٌ متَّصلٌ، كسِمَنٍ، وتعلُّمِ صنعةٍ.
(وتبطلُ الوصيةُ بخمسةِ أشياءَ):
الأوَّلُ: (برجوعِ المُوصِي) في وصيتِه (بقولٍ) كـ: رجعتُ في وصيتي، أو: أبطلتُها، كـ: رَدَدتها، أو فسختها. أو قال موصٍ في موصًى به: هذا لورثتي، أو: في ميراثي. أو قال: ما وصيتُ به لزيدٍ فلعمرٍو. فهو رجوعٌ عن الوصيةِ الأولى، لمنافاتِه لها.
وإن وصَّى بشيءٍ لإنسانٍ، ثمَّ وصَّى به لآخرَ، ولم يقلْ: ما وصيت به لزيدٍ،
стр. 1144
أو فِعلٍ يَدلُّ عَليه، وبمَوتِ المُوصَى لَه قَبلَ المُوصِي، وبقَتلِه للمُوصِي، وبردِّهِ للوصيَّةِ، وبتَلَفِ العَينِ المُعيَّنةِ المُوصَى بِهَا.
فلعمرٍو، فالموصى به بينَهُما (١).
(أو فعلٍ) بأن أزالَ اسمَه، فطَحَنَ الحنطَةَ، أو خبزَ الدَّقيقَ الموصَى به، أو جعَلَ الخبزَ فَتيتًا، أو نسجَ الغَزلَ، أو عمِلَ الثوبَ قميصًا، أو ضربَ النُّقرَةَ دَرَاهِمَ، أو ذبحَ الشاةَ، أو بنىَ الحَجَرَ أو الآجُرَّ الموصَى به، أو غرَسَ نَوًى مُوصًى، فصارَ شجرًا، أو نجَرَ الخشَبةَ بابًا، أو كُرسيًّا، أو دُولابًا، أو أعادَ دارًا انهدَمتْ، أو جَعلَها حمَّامًا، أو نحوَه، فرجُوعٌ (٢). (يدلُّ عليه) أي: ذلكَ الفعلُ، أو القولُ.
(و) الثاني: (بموتِ الموصَى له قبلَ الموصِي)؛ لأنَّها عطيةٌ صادفتِ المعطَى له ميتًا، فلم تصحَّ، كهبتِه ميتًا (٣).
(و) الثالثُ: (بقتِله) أي: قتلِ الموصَى له (للموصي).
(و) الرابعُ: (بردِّه للوصيةِ) فتبطلُ بذلك.
(و) الخامسُ: (بتلفِ العينِ المعيَّنةِ الموصَى بها) بأنِ انهدمتِ الدارُ، أو ماتَ العبدُ الموصَى به قبلَ موتِ موصٍ، أو بعدَه قبلَ قبولِها؛ لأنَّ حقَّ موصًى له لم يتعلَّقْ بغيرِ العينِ، فإذا ذهبتْ زالَ حقّه، بخلافِ إتلافِ وارثٍ، أو غيرِه له؛ لأنَّه (٤) إذا قَبِلَه موصًى له، فإنَّ على مُتلفِه ضمانُه له (٥).
стр. 1145
بَابُ المُوصَى لَهُ
تصِحُّ الوصيَّةُ لِكُلِّ مَنْ يَصِحُّ تَمليكُه، ولو مُرتَدًّا، أو حَربيًّا، أو لا يملِكُ، كحَملٍ، …
(بابُ الموصَى له)
وهو الثالثُ من أركانِ الوصيةِ.
(تصحُّ الوصيةُ لكلِّ مَن يصحُّ تمليكُه) من مسلمٍ معيَّنٍ كزيدٍ، أوْ لا كالفقراءِ، وكافرٍ معيَّنٍ.
(ولو مرتدَّا، أو حَربيًّا) فلا تصحّ لعامَّةِ النصارى، ونحوِهم، لكنْ لو وصَّى لكافرٍ بعبدٍ مسلمٍ، أو مصحفٍ، أو سلاحٍ، أو حدِّ قذفٍ، لم يصحَّ (١).
(أو لا يملكُ، كحملٍ) لأنَّه يرِثُ، وهي في معنى الإرثِ من جهةِ الانتقالِ عن الميِّتِ مجَّانًا، إن كان موجودًا حالَ الوصيةِ؛ لأنها تمليكٌ، فلا تصحُّ لمعدوم؛ بأن تضعه حيًّا لأقلَّ من ستَّةٍ أشهُر مِن حِينِ الوصيةِ؛ لأنَّ أقلَّ مدَّةِ الحملِ ستَّةُ أشهرٍ، كما يأتي، فإذا وضَعَتْه لأقلَّ منها، وعاشَ، لزِمَ أن يكونَ موجودًا حينَها، فراشًا كانت لزوجٍ أو سيِّدٍ، أو بائنًا، أو تضعَه لأقلَّ من أربعِ سنينَ إن لم تكنْ فراشًا، أو كانتْ فراشًا لزوجٍ أو سيِّدٍ إلا أنَّه لا يطؤُها؛ لكونِه غائبًا في بلدٍ بعيدٍ، أو مريضًا مرضًا يمنعُ الوطءَ، أو كانَ أسيرًا، أو محبوسًا، أو عَلِمَ الورثةُ أنَّه لم يطأْها، أو أقرُّوا بذلك؛ للحاقِه بأبيه. فإنْ وضعتْه لأكثرَ من أربعِ سنينَ، لم يستحقَّ؛ لاستحالةِ الوجودِ حينَ الوصيةِ.
стр. 1146
وَبهيمَةٍ، ويُصرَفُ في عَلَفِها.
وتصِحُّ للمسَاجِدِ، ....
"تنبيهٌ": قولُه: "أو أقرُّوا" صوابَه: "وأقرُّوا" لأنَّ علمَهم مع عدمِ إقرارِهم به لا وصولَ إلى الاطلاعِ عليه.
ويثبتُ الملكُ (١) من حينِ قبولِ الوليِّ الوصيةَ (٢) بعدَ موتِ الموصى. وإنِ انفصلَ ميتًا، بطلتِ الوصيةُ، واللهُ أعلمُ. قالَهُ في "شرح الإقناع" (٣).
(و) تصحُّ الوصيةُ لـ (بهيمةٍ، ويُصرَفُ في عَلَفِها) قال في "المنتهى" و "شرحه" (٤): وتصحُّ الوصيةُ لفرَسٍ حبيسٍ يُنفقُ عليه؛ لأنَّه من أنواعِ البرِّ، فإنْ ماتَ الفرسُ الموصَى له قبلَ صرفِ موصًى به، أو بعضِه، رُدَّ موصًى به، أو باقيه للورَثةِ، ولا يصرفُ في فرسٍ حبيسٍ آخرَ. نصًّا.
(وتصحُّ) الوصيةُ (للمساجدِ) وتُصرفُ في مصالحِهم؛ لأنَّه العُرْفُ. ويبدأُ الناظرُ بالأهمِّ والأصلحِ باجتهادٍ.
فإنْ قال: إنْ متُّ، فبيتي للمسجدِ، أو: فأعطوِه مائةً من مالي. فقال في "الفروع": يتوجَّهُ صِحَّتُه.
فلو أرادَ بها تمليكَ المسجدِ، لم يصحَّ، كما صرَّحَ بعدمِ الصحةِ بذلك في "المبدع"، وكذا حكمُ الرِّباطِ، والمدرسةِ في ذلك. ولعلَّ مثلَ ذلك: الكعبةُ،
стр. 1147
والقَنَاطِرِ ونَحوِهَا، وللَّهِ ولِرَسُولِه، وتُصرَفُ في المَصالِحِ العَامَّةِ.
وإن أوصى بإحرَاقِ ثُلُثِ مالِه، صَحَّ، وصُرِفَ في تَجمِيرِ الكَعْبَةِ، وتَنويرِ المسَاجِدِ. و: بِدَفنِهِ في التُّرابِ، صُرِفَ في تَكفِينِ المَوتَى. و: برَميهِ في المَاءِ، صُرِفَ في عَمَلِ سُفُنٍ للجِهَادِ.
ولا تَصِحُّ لكَنيسَةٍ، أو بَيتِ نَارٍ، أو كُتُبِ التَّورَاةِ والإنجِيلِ، أو مَلَكٍ، أو مَيِّتٍ، ....
والضريحُ النبويُّ (١)، (و القناطر) ويُصرفُ في عمارتِهم. (و نحوِها)، كسِقَايَةٍ.
(و) تصحَّ الوصيةُ (لله ولرسولِه (٢)، وتُصرفُ في المصالحِ العامةِ) كالفيء.
(وإنْ أوصى (٣) بإحراقِ ثُلُثِ مالِه، صحَّ، وصُرِفَ في تجميرِ الكعبةِ) أي: تَبخيرِها (٤) (و) في (تنويرِ المساجدِ).
(و) مَن وصَّى بثلثِ مالِه (بدفنِه في الترابِ، صُرِفَ في تكفينِ الموتى).
(و) مَن وصَّى بثلثِه (برميِه في الماءِ، صُرِفَ في عملِ سُفُنٍ للجهادِ) تصحيحًا لكلامِه حسَبَ الإمكانِ.
(ولا تصحُّ) الوصيةُ (لكنيسةٍ، أو بيتِ نارٍ) أو مكانٍ من أماكِنِ الكفرِ (أو كتُبِ التوراةِ والإنجيلِ) فلا تصحُّ الوصيةُ له؛ لأنَّهما منسوخانِ، وفيهما تبديلٌ، والاشتغالُ بهما غيرُ جائزٍ.
(أو ملَكٍ) بفتح اللام: أحدِ الملائكةِ، (أو ميِّتٍ) فلا تصحُّ الوصيةُ لهما؛
стр. 1148
أو جِنِّيٍّ، ولا لِمُبَهمٍ، كأحَدِ هَذَين.
فلو أوصَى بثُلُثِ مالِه لِمَن تَصِحُّ له الوَصيَّةُ، ولِمَن لا تَصِحُّ، كانَ الكُلُّ لِمَن تَصِحُّ له، لكن لو أوصَى لحَيٍّ ومَيِّتٍ، كانَ للحَيِّ النِّصفُ فَقَط.
لأنَّهما لا يَملِكانِ، أشبَه ما لو وصَّى لحَجرٍ (أو جنيٍّ)، كالهبةِ لهم؛ لعدمِ صحةِ تمليكِهم (١).
(ولا) تصحُّ (لمبهمٍ، كأحدِ هذينِ) بأنْ قال: وصيتُ بثلثي لأحدِ هذينِ، أو قال: وصيتُ به لجاري فلانٍ، أو قريبي فلانٍ، باسمٍ مشتَرَكٍ معه يصحُّ.
(فلو أوصَى بثلثِ مالِه لمَن تصحُّ له الوصيةُ، ولمَن لا تصحُّ، كان الكلُّ لمَن تصحُّ له، لكنْ لو أوصَى لحيٍّ وميِّتٍ، كان للحيِّ النصفُ فقطْ) من الموصَى به؛ لأنَّه أضافَ الوصيةَ إليهما، فإذا لم يكنْ أحدُهما أهلًا للتمليكِ، بطلتِ الوصيةُ في نصيبِه دونَ نصيبِ الحيِّ؛ لخلوِّه عن المعارضِ، كما لو كانت لحيَّينِ، فماتَ أحدُهما.
стр. 1149
فَصْلٌ
وإذا أوصَى لأهلِ سِكَّتِهِ، فلأَهلِ زُقَاقِه حَالَ الوَصيَّةِ. ولِجِيرَانِه، تنَاوَلَ أربعينَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ.
والصَّغيرُ، والصَّبي، والغُلامُ، واليافِعُ، واليَتيمُ: مَنْ لم يبلُغ …
(فصل)
(وإذا أوصَى لأهلِ سِكَّتِه) بكسرِ السينِ (فـ) الموصَىْ به (لأهلِ زُقَاقِه) أي: الموصى -بضمِّ الزايِّ- وهو دَربُه. سُمِّيَ سِكَّةً؛ لاصطِفَافِ البيوتِ به. وكانت الدروبُ بمدينةِ السَّلامِ تسمَّى سِكَكًا. فيستحقُّ مَن كان ساكنًا به (حالَ الوصيةِ) نصًّا؛ لأنَّه قدْ يلحظُ سكَّانَها الموجودين؛ لحصرِهم.
(و) إنْ وصَّى (لجيرانِه، تناولَ أربعين دارًا من كلِّ جانب) نصًّا؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "الجارُ أربعونَ دارًا، هكذا، وهكذا، وهكذا" (١).
وجارُ المسجدِ: مَن سمِعَ أذانَه؛ لقولِ علي في حديثِ: "لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلا في المسجدِ" (٢). قال: مَن سمِعَ النداءَ. ولا يدخلُ فيهم مَن وُجِدَ بين الوصيةِ والموتِ، كمَن وُجِدَ بعدَ الموتِ.
(والصغيرُ، والصبيُّ، والغلامُ، واليافعُ، واليتيمُ: مْن لمْ يبلغْ) فتطلقُ هذه الأسماءُ على الولدِ مِن ولادتِه إلى بُلُوغِه، بخلافِ الطفلِ، فإلى التمييزِ. قال الجوهريُّ: الصبيُّ: الغلامُ.
стр. 1150
والمُميِّزُ: مَن بَلَغَ سَبعًا. والطِّفل: مَنْ دَونَ سَبعٍ. والمُراهِقُ: من قَارَبَ البُلوغَ.
والشَّابُ، والفَتَى: مِنَ البُلوغِ إلى ثَلاثِينَ. والكَهْلُ: مِنَ الثَّلاثِيَن إلى الخَمسين. والشَّيخُ: مِنَ الخَمسينَ إلى السَّبعينَ. ثمَّ بعدَ ذلِكَ هَرِمٌ.
والأيِّمُ، والعَازِبُ: مَنْ لا زَوجَ لهُ مِنْ رَجُلٍ وامرَأةٍ. والبِكرُ: مَن لم يتزوَّج.
ورَجُلٌ ثيِّبٌ، وامرأةٌ ثيِّبَةٌ: إذا كانَا قَدْ تزوَّجَا ....
(والمميِّزُ: مَن بلغَ سبعًا. والطفلُ: مَن دونَ سبعٍ) قال في "البدر المنير": الطفلُ: الولدُ الصغيرُ من الإنسانِ والدوابِّ. قال بعضُهم: ويبقى هذا الاسمُ للولدِ حتى يميِّز، ثمَّ لا يقالُ له بعدَ ذلك: طفلٌ، بل صبيُّ، وحَزَوَّرٌ، ويافعٌ، ومراهقٌ وبالغٌ (١).
(والمُراهِقُ: مَن قاربَ البلوغَ) قال في "القاموس": راهقَ الغلامُ: قاربَ الحُلمَ.
(والشَّابُ، والفتىَ: من البلوغِ إلى ثلاثين (٢)) سنةً.
(والكهلُ: من الثَّلاثينَ) سنةً (إلى الخمسين) سنةً.
(والشيخُ: من الخمسين) سنةً (إلى السَّبعينَ) سنةً (ثمَّ بعدَ ذلك: هرِمٌ) إلى آخرِ عمرِه.
(والأيِّمُ، والعازبُ: مَن لا زوجَ له من رجلٍ وامرأةٍ).
(والبِكرُ: من لم يتزوَّجْ. ورجلٌ ثيِّبٌ، وامرأةٌ ثيِّبةٌ: إذا كانا قد تزوَّجَا.
стр. 1151
والثُّيُوبَةُ: زوالُ البَكَارَة، ولو مِنْ غَيرِ زَوجٍ.
والأرَامِلُ: النِّسَاءُ اللاتِي فارَقَهنَّ أزواجُهُنَّ بمَوتٍ أو حَياةٍ.
والرَّهطُ: ما دَونَ العَشَرَةِ مِنَ الرِّجَالِ خَاصَّةً.
والثُّيُوبةُ: زوالُ البكارةِ، ولو من غيرِ زوجٍ).
(والأراملُ: النساءُ اللاتي فارقهنَّ أزواجُهنَّ بموتٍ، أو حياةٍ).
(والرَّهطُ: ما دونَ العشَرَةِ من الرجالِ خاصَّةً) قالَه في "القاموس".
стр. 1152
بَابُ المُوصَى بِهِ
تَصِحُّ الوصيَّةُ حتَّى بمَا لا يَصِحُّ بَيعُهُ، كالآبِقِ والشَّارِدِ، والطَّيرِ بالهوَاءِ، والحَمْلِ بالبَطْنِ، واللَّبَنِ بالضَّرعِ.
وبالمَعدُومِ، كبِمَا تَحمِلُ أمتُهُ، أو شَجَرَتُه أبدًا، أو مُدَّةً معلُومَةً.
(بابُ الموصى (١) به)
وهو المُكمِّلُ لأركانِ الوصيَّةِ الأربعةِ.
(تصحُّ الوصيةُ حتى بما لا يصحُّ بيعُه) لعدمِ القدرةِ على تسليمِه، وللوصيِّ السعيُّ في تحصيلِه، (كالآبقِ، والشاردِ، والطَّيرِ بالهواءِ، والحملِ بالبطنِ، واللَّبنِ بالضرعِ) وسمكٍ في لُجَّةٍ.
قال الحارثيُّ: وعلى التمثيلِ هاهنا بالَّلبنِ في الضَّرعِ مناقشةٌ، فإنَّه يمكنُ التسليمُ بالحلبِ، لكنَّه من نوعِ المجهولِ، أو المعدومِ؛ لتجدُّدِه شيئًا فشيئًا (٢).
(و) تصحُّ الوصيةُ (بالمعدومِ، كـ: بما تحملُ أمتُهُ) قال أبو العباس في تعاليقِه القديمةِ: ويظهرُ لي أنَّه لا تصحُّ الوصيةُ بالحملِ؛ نظرًا إلى علَّةِ التفريقِ، إذ ليس التفريقُ مختصًا بالبيع، بل هو عامٌّ في كلِّ تفريقٍ إلا العتقِ وافتداءِ الأسرى (٣) (أو): تحملُ (شجرتُه أبدًا، أو: مدَّةً معلومةً) كسنةٍ، أو سنتين.
стр. 1153
فإن حَصَلَ شَيءٌ، فللمُوصَى له، إلا حَمْلَ الأمَةِ، فقيمَتُه يَومَ وَضعِهِ.
وتَصِحُّ بغَيرِ مَالٍ، كَكَلبٍ مُباحِ النَّفعِ، وزَيتٍ مُتنجِّسٍ.
وتَصِحُّ بالمَنَفَعَةِ المُفرَدَةِ، كَخِدمَةِ عَبدٍ، وأُجرَةِ دَارٍ، ونَحوِهِما.
(فإنْ حصلَ شيءٌ) ممَّا وصَّى به من المعدومِ (فللموصَى له) -ولا يلزمُ الوارثَ السقيُ؛ لأنَّه لم يضمن تسليمَها، بخلافِ بائعٍ - (إلا حمْلَ الأمةِ) الموصَى له به، (فـ) ـــيكونُ له (قيمتُه)؛ لئلا يُفرَّقَ بينَ ذوي الرَّحمِ في المِلكِ.
والظاهرُ: أنَّ القيمةَ تُعتبرُ يومَ الولادةِ، إنْ قَبِلَ قَبْلَها، وإلا فوقتَ القبولِ. ولهذا أشارَ المصنِّفُ بقولِه: (يومَ وضعِه) أي: يومَ الولادةِ.
(وتصحُّ) الوصيةُ (بغير مالٍ، ككلبِ مباحِ النفعِ، وزيتٍ مُتنجِّسٍ) فتصحُّ الوصيةُ به لغيرِ مسجدٍ؛ لأنَّ فيه نفعًا مباحًا، وهو الاستصباحُ، بخلافِ المسجدِ، فإنَّه يحرُمُ فيه.
(وتصحُّ) الوصيةُ (بالمنفعةِ المفردةِ) عن الرقبةِ؛ لأنَّه يصحّ تمليكُها بعقدِ المعاوَضَةِ، فصحَّتِ الوصيةُ بها كالأعيانِ (كخدمةِ عبدٍ، وأجرةِ دارِ، ونحوِهما) كثمرةِ بستانٍ، أو ثمرةِ شجرةٍ، سواءٌ أوصَى بذلك مدَّةً معلومةً، أو أَوصَى بجميعِ الثمرةِ والمنفعةِ في الزَّمانِ كلِّه؛ لأنَّ غايتَه جهالةُ القدرِ، وجهالةُ القدرِ لا تقدحُ. ولو قال: وصَّيتُ بمنافعِه، وأطلقَ، أفادَ التأبيدَ أيضًا؛ لوجودِ الإضافةِ المعمَّمةِ. ولو وقَّتَ شهرًا أو سنةً، وأطلقَ، وَجَبَ في أولِ زَمنٍ لظهورِ معنَى الإبهامِ بقولِه: مِنَ السنين (١).
стр. 1154
وتَصِحُّ بالمُبهَمِ، كثَوبٍ، ويُعطَى ما يقعُ عليهِ الاسْمُ.
فإن اختلَفَ الاسمُ بالعُرفِ والحَقيقَةِ، غُلِّبَتِ الحَقيقَةُ.
فالشَّاةُ، والبَعيرُ، والثَّورُ: اسمٌ للذَّكَرِ والأُنثَى مِنْ صَغيرٍ وَكَبيرٍ.
والحِصَانُ، والجَمَلُ، والحِمَارُ، والبَغْلُ، والعَبدُ: اسمٌ للذَّكَرِ خاصَّةً.
والحِجْرُ، والأتَانُ، والنَّاقَةُ، والبَقَرَةُ: اسمٌ للأُنثَى.
(وتصحُّ) الوصيةُ (بالمبهمِ، كثوبٍ، ويُعطى) الموصَى له (ما يقعُ عليه الاسمُ) أي: اسمُ الثوبِ؛ لأنَّه اليقينُ، سَواءٌ كان منسوجًا من حريرٍ، أو كتَّانٍ، أو قطنٍ، أو صوفٍ، أو شعرٍ، ونحوِه، مصبوغًا أو لا، صغيرًا أو كبيرًا؛ لأنَّ غايتَه أنَّه مجهولٌ، والوصيةُ تصحُّ بالمعدومِ، فبهذا أَوْلى.
(فإنِ اختلفَ الاسمُ) أي: اسمُ الموصَى به (بالعُرْفِ والحقيقةِ) اللُّغويَّةِ، (غُلِّبتِ الحقيقةُ) على العُرْفِ.
(فالشَّاةُ، والبعيرُ) ..
بَابُ المُوصَى إليه
تَصِحُّ وصيَّةُ المُسلِمِ إلى كُلِّ مُسلِمٍ مُكلَّفٍ رَشِيدٍ عَدْلٍ، ولو ظَاهِرًا، أو أعمَى، أو امرأةً، أو رَقيقًا، لكِنْ لا يَقبَلُ إلَّا بإذنِ سَيِّدِهِ.
وتَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ إلى عَدلٍ في دِينِهِ.
ويُعتَبرُ وجودُ هَذهِ الصِّفَاتِ عندَ الوصيَّةِ والمَوتِ.
وللمُوصَى إليهِ أن يَقبَلَ، وأن يَعزِلَ نفسَه متَى شَاءَ.
وتَصِحُّ الوصيَّةُ معلَّقَةً، كإذا بلغَ، أو حَضَرَ، أو رَشَدَ، أو تَابَ مِن فِسْقِهِ، أو إن ماتَ زيدٌ فعَمرٌو مكانَه.
وتصِحُّ مؤقَّتةً، كزيدٍ وَصيٌّ سَنةً، ثمَّ عَمرٌو.
وليسَ للوَصيِّ أن يُوصِيَ، إلَّا إن جَعَلَ له ذَلِكَ.
ولا نَظَر للحَاكِم معَ الوصيِّ الخَاصِّ إذا كانَ كُفؤًا.
… (١) (إذا كان) الوصيُّ (كفُؤًا) في ذلك التصرُّفِ الذي أُسندَ إليه، فقُطعَ نظرُ الحاكمِ، لكنْ له الاعتراضُ عليه إنْ فعلَ ما لا يَسوغُ على ما تقدَّمَ في ناظرِ الوقفِ (٢).
стр. 1157
فَصْلٌ
ولا تَصِحُّ الوصيَّةُ إلَّا في شيءٍ مَعلُومٍ يَملِكُ المُوصِي فِعلَه، كقَضَاءِ الدَّينِ، وتَفريقِ الوصيَّةِ، ورَدِّ الحُقوقِ إلى أهلِها، والنَّظَرِ في أمرِ غَيرِ مُكلَّفٍ، لا باستيفَاءِ الدَّينِ مَعَ رُشْدِ وارِثِه.
(فصلٌ)
(ولا تصحُّ الوصيةُ إلا في شيءٍ): تصرُّفٍ (مَعلومٍ) ليعلَمَ الوصيُّ ما وُصِّي به إليه؛ ليحفَظَه ويتصرَّفَ فيه (يَملِكُ الموصى (١) فعلَه، كقضاءِ الدَّينِ، وتفريقِ الوصيةِ، وردِّ الحقوقِ إلى أهلِها، والنظرِ في أمرِ غيرِ مُكلَّفٍ) رشيدٍ، من طفلٍ، ومجنونٍ، وسفيهٍ.
و (لا) تصحُّ الوصيةُ (باستيفاءِ الدَّينِ مع رُشدِ وارثِه) لأنَّ المالَ انتقلَ عن الميِّتِ إلى ورثتِه الذين لا وِلايةَ له عليهم، فلم تصحَّ الوِصيةُ باستيفائِه، كما لو لم يكونوا وارثين (٢).
"تتمَّةٌ": قال الضيخُ تقيُّ الدينِ: ما أنفقَه وصيٌّ متبرِّعٌ بالمعروفِ في ثبوتِ الوصيةِ، فمن مالِ اليتيمِ. انتهى.
وعلى قياسِه: كلُّ ما فيه مصلحةٌ له. ذكرَهُ الشيخُ منصورٌ في "شرحه على "الإقناع" (٣).
стр. 1158
ومَنْ وُصِّيَ في شَيءٍ، لم يَصِرْ وصيًّا في غَيرِه.
وإنْ صَرَفَ أجنبيٌّ المُوصَى بِهِ لمُعيَّنٍ في جهَتِهِ، لم يَضمَنْهُ.
وإذا قالَ له: ضَعْ ثُلُثَ مالِي حيثُ شِئتَ، أوأعطِهِ، أو تصدَّقَ به عَلَى مَنْ شِئتَ، لم يَجُزْ له أخذُهُ، ولا دَفعُه إلى أقارِبِه الوَارِثينَ، ولا إلى وَرَثَةِ المُوصِي.
ومَنْ مَاتَ ببريَّةٍ ونَحوِهَا، …
(ومَن وُصِّي في شيءٍ، لم يَصِرْ وصيًّا في غيرِه) لأنَّه استفادَ التصرُّفَ بالإذنِ من جهتِه، فكان مقصورًا على ما أُذنَ فيه، كالوكيلِ. فإنْ وصَّى إليه في تركتِه، وأن يقومَ مقامَه، فهذا وصيٌّ في جميعِ أمورِه، يبيعُ ويشتري إذا كان نظرًا لهم.
(وإنْ صَرَفَ أجنبيٌّ) أي: مَن ليس بوارثٍ، ولا وصيِّ (الموصى به لمعيَّنٍ في جهتِه): الموصَى به فيها، (لم يضمنْه) لمُصَادَقَةِ (١) الصَّرفِ مُستَحِقَّه، كما لو دفعَ وديعةً إلى ربِّها بلا إذنِ مودِعٍ.
وظاهرُه: ولو مع غيبةِ الورثةِ.
وظاهرُه أيضًا: أنَّ الموصَى به لغيرِ معيَّنٍ، كالفقراءِ، إذا صرفَه الأجنبيُّ في جهتِه، ضمنَه؛ لأنَّ المدفوعَ إليه لم يتعيَّنْ مستحِقًّا ولا نظرَ للدافعِ في تعيينِه.
(وإذا قال له: ضعْ ثلثَ ما لي حيثُ شئتَ، أو: أعطِهِ) لمَن شئتَ، (أو: تصدَّقْ به على مَن شئتَ، لم يجزْ له أخذُه) لأنَّه مُنَفِّذٌ، كالوكيلِ في تفرقةِ مالٍ، (ولادفعُه إلى أقار بِه) أي: الوصيِّ (الوارثين) له، ولو كانوا فقراءَ. نصًّا. (ولا) دفعُه (إلى ورثةِ الموصِي) نصًّا. لأنَّه قدْ وصَّى بإخراجِه، فلا يُرجَعُ إلى ورَثَتِه.
(ومَن ماتَ ببريَّةٍ) بفتحِ الباءِ، وهي الصحراءُ، (ونحوِها)، كجزائرَ لا عمرانَ
стр. 1159
ولا حَاكِمَ، ولا وَصِيَّ، فلِكُلِّ مُسلِمٍ أخذُ تَرِكَتِهِ، وبيغ ما يَراهُ، ويُجَهِّزُهُ مِنها إنْ كانَتْ، وإلَّا جَهَّزَهُ مَنْ عِندَهُ، ولهُ الرُّجوُعُ بمَا غَرِمَه، إن نَوَى الرُّجوعَ.
بها. (ولا حاكمَ) حضرَ موتَه، (ولا وصيَّ) له؛ بأنْ لم يوصِ لأحدٍ، أو لم يَقبَلْ المحوصَى إليه (فلكلِّ مسلمِ) حضرَ (أخذُ تركتِهِ، وبيعُ ما يراه) منها، كسريعِ الفسادِ؛ لأنَّه موضعُ ضرورَةٍ لحفظِ مالِ المسلمِ عليه؛ إذ في تركِه إتلافٌ. نصَّ عليه.
(ويُجهِّزُهُ منها) أي: تركتِه (إنْ كانت) أي: وُجِدتْ (وإلا) يكنْ معه شيءٌ (جهَّزهُ) مَن حضرَه: (مَنْ عِندَه، وله الرجوعُ بما غَرِمَه) على تركتِه حيثُ كانتْ (إنْ نوىَ الرجوعَ) مطلقًا -أي: سواءٌ استأذنَ حاكمًا أو لا، أشهَدَ على نيَّةِ الرجوعِ أو لا- أو استأذنَ حاكمًا في تجهيزِه، فله الرجوعُ على تركتِه، أو على مَن يلزمُه كفنُه؛ لأنَّه لو لم يرجعْ إذن لامتنعَ الناسُ من فعلِه مع حاجةِ الناسِ إليه، ما لم ينوِ التبرُّعَ، فإنْ نواه، فلا رجوعَ له. وكذا لو لم ينوِ تبرُّعًا ولا رجوعًا، فإنَّه لا رجوعَ له على مقتضى قولِه: "إنْ نواه"، وهو قياسُ ما تقدَّمَ فيمَن قامَ عن غيرِه بدينٍ واجبٍ. واللهُ أعلم (١).
стр. 1160
كِتابُ الفرائِضِ
(كِتابُ الفرائِضِ)
جمعُ فريضةٍ، بمعنى: مفروضةً، أي: مُقدَّرَةً، فهي نَصيبٌ مقدَّرٌ شرعًا لمُستَحِقِّه.
وقدْ حَثَّ ﷺ على تعلُّمِه وتعليمِه فقال: "تعلَّموا الفرائضَ، وعلِّمُوها النَّاسَ (١)، فإنِّي امرؤٌ (٢) مقبوضٌ، وإنَّ العلمَ سيُقبضُ، وتظهرُ الفتنُ، حتى يختَلِفَ اثنانِ في الفريضةِ، فلا يجِدَانِ مَن يفصلُ بينهما". رواه الإمامُ أحمدُ، والترمذيُّ، والحاكمُ، ولفظُه له عن ابن مسعودٍ (٣). وعن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "تعلَّموا الفرائضَ، وعلِّموها، فإنَّها نِصفُ العلمِ، وهو يُنسى، وهو أوَّلُ عِلمٍ (٤) يُنزعُ عن أمتي". رواه ابنُ ماجه، والدارقطنيُّ (٥). وعن ابنِ عمرَ أنَّه ﷺ قال: "العلمُ ثلاثةٌ وما سِوى ذلك فضلٌ: آيةٌ محكمةٌ، وسنَّةٌ قائمةٌ، وفريضةٌ عادلةٌ". رواه ابنُ ماجه (٦).
وحُكيَ أنَّ الوليدَ بنَ مسلمٍ رأى في منامِه أنَّه دخَلَ بُستانًا، فأكلَ من جميعِ ثمَرِه