ويكفي قائِفٌ واحِدٌ، وهو كالحَاكِمِ، فيَكفِي مُجرَّدُ خَبَرِه، بشَرطِ كونِه مُكلَّفًا، ذَكَرًا، عَدلًا، حُرًّا، مُجرَّبًا في الإصَابَةِ.
يمكنُ كونُه منهما بنكاحٍ بينهما، أو وطءِ شُبهةٍ.
(ويكفي قائفٌ واحدٌ) في إلحاقِ النسبِ (وهو كالحاكمِ، فيكفي مجرَّدُ خبرِه) لأنَّه ينفُذُ ما يقولُه، بخلافِ الشاهدِ.
فإنْ ألحقَّه بواحدٍ، ثمَّ ألحقَه بآخرَ، كان لاحقًا بالأوَّل فقط؛ لأنَّ إلحاقَه جرى مجرى حكمِ الحاكمِ، فلا يُنقضُ بمخالفةِ غيرِه له. وكذا لو ألحقَه بواحدٍ، ثمَّ عادتْ فألحقتْه بآخرَ. وإنْ أقامَ الآخرُ بيِّنةً أنَّه ولدُه، حُكمَ له به، وسقطَ قولُ القائِفِ لأنَّهُ بدلُه، فيسقُطُ بوجُودِ الأصلِ، كالتيمُّمِ معَ الماءِ (بشرط كونِه):
(مكلَّفًا، ذكرًا) لأنَّ القيافةَ حكمٌ، مُستنَدُها النظرُ والاستدلالُ، فاعتبرتْ فيه الذكورةُ، كالقضاءِ
(عدْلًا) لأنَّ الفاسقَ لا يُقبلُ خبرُه. وعُلِمَ منه: اشتراطُ إسلامِه بالأَوْلى.
(حرًّا) لأنَّه كحاكمٍ. قال في "الإقناع" (١): ولا تشترطُ حريتُه
(مُجرَّبًا في الإصابةِ) أي: كثيرُ الإصابةِ، فَمَنْ عرفَ مولودًا بين نسوةٍ، ليس فيهنَّ أمُّه، ثمَّ وهي فيهنَّ، فأصابَ كلَّ مرَّةٍ، فقائفٌ.
وقال القاضي: يُتركُ الصبيُّ بين عشرةِ رجالٍ غيرَ مدَّعيه، فإنْ ألحقَه بأحدِهم، سقطَ قولُه، وإن نفاهُ عنهم، تركَ مع عشرين، منهم مُدِّعيه، فإن ألحقَه به، عُلمتْ إصابتُه وإلا فلا.
وهذه التجربةُ عندَ عرضِه على القائفِ للاحتياطِ في معرفةِ إصابتِه، ولو لم نجرِّبه
стр. 1087
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بعدَ أنْ يكونَ مشهورًا بالإصابةِ وصحةِ المعرفةِ في مرَّاتٍ كثيرةٍ، جازَ. وقضيةُ إياسِ ابنِ معاويةَ في ولدِ الشريفِ من جاريةٍ شاهدةٌ بذلك (١).
"فائدةٌ": لو ولدتِ امرأةٌ ذكرًا، وأخرى أنثى، وادَّعتْ كلُّ واحدةٍ أنَّ الذَّكرَ ولدها دون الأنثى، ففي "المغني": يحتملُ وجهين:
أحدُهما: أنْ يُرَى المرأتانِ مع الولدينِ القافةَ. قال الحارثيُّ عنه: وهو المذهبُ على ما مرَّ من نصِّه.
الثاني: أن يعرضَ لبنُهما على أهلِ الطبِّ والمعرفةِ، فإنَّ لبنَ الذكرِ يخالفُ لبنَ الأنثى في طبعِه وزِنَتِه. وقد قيلَ: إنَّ لبنَ الابنِ ثقيلٌ، ولبنَ البنتِ خفيفٌ.
فإن لم توجدْ قافةٌ، اعتبرَ باللبنِ خاصَّةً (٢).
وإن تنازَعا أحدَ الولدينِ، وهما ذكرانِ أو أنثيانِ، عُرِضوا على القافةِ، كما ذكرنا (٣).
قال الحارثيُّ عن الثاني، وهو اعتبارُ اللبنِ: إنْ كان مطَّرِدًا في العادةِ غيرَ مختلفٍ، فهو إنْ شاءِ اللهُ تعالى أظهرُ من الأوَّلِ، فإنَّ أصولَ السنَّةِ (٤) قدْ تخفَى على القائفِ (٥).
стр. 1088
كتابُ الوَقفِ
يحصُلُ بأحدِ أمرينِ:
بالفِعلِ مَعَ دَليلٍ يَدُلُّ عليه، كأنْ يَبْنيَ بُنيانًا على هَيئَةِ مَسجدٍ، وَيأذنَ إذنًا عَامًا بالصَّلاةِ فيه، أو يَجعَلَ أرضَه مقبَرَةً، ويأذَنَ إذنًا عامًا بالدَّفنِ فيها.
(كتابُ الوقفِ)
يُقالُ: وقَّفَ الشيءَ، وحبَّسَه، وأحبسَه، وسبَّلَه، بمعنًى واحدٍ. وأوقفَه لغةٌ شاذَّةٌ.
وهو مما اختصَّ به المسلمون. قال الشافعيُّ: لم يحبِّس أهلُ الجاهليةِ، وإنما حبَّسَ أهلُ الإسلامِ (١).
(يحصلُ الوقفُ بأحدِ أمرينِ):
(بالفعلِ مع دليلٍ يدلُّ عليه) أي: الوقفِ؛ (كأنْ يبنيَ بنيانًا على هيئةِ مسجدٍ (٢)، ويأذنَ إذنًا عامًا بالصَّلاةِ فيه) ولو بفتحِ الأبوابِ؛ أو التأذينِ، أو كتابةِ لوحٍ بالإذنِ أو الوقفِ. قالَهُ الحارثيُّ.
وكذا لو دخلَ بيتَه في المسجدِ، وأذنَ فيه، ولو نوى خلافَه. نقلَه أبو طالبٍ. أي: لا أثرَ لنيَّته خلافَ ما دَلَّ عليه الفِعلُ (٣) (أو يجعلَ أرضَه مقبرةً، ويأذنَ) للناسِ (إذنًا عامًا بالدَّفنِ فيها) بخلافِ الإذنِ الخاصِّ، فقد يقعُ على غيرِ الموقوفِ، فلا
стр. 1089
وبالقَولِ، وله صَريحٌ وكِنَايَةٌ.
فصَرِيحُه: وَقفْتُ، وحَبَّستُ، وسَبَّلتُ.
وكنايتُه: تصدَّقتُ، وحرَّمتُ، وأبَّدتُ. فلابدَّ فِيها مِن نيَّةِ الوَقفِ،
يفيدُ دلالةَ الودفِ. قالَه الحارثيُّ (١).
وأشارَ إلى الصفةِ القوليهَ بقولِه: (و) يحصلُ (بالقولِ)، وكذا إشارةٌ مفهومةٌ من أخرسٍ.
(وله) أي: القولِ (صريحٌ، وكنايةٌ).
(فصريحُه) أي: القولِ: (وقَّفتُ، وحبَّستُ، وسبَّلتُ) فمتى أتى بكلمةٍ من هذه الثلاث (٢)، صحَّ بها الوقفُ؛ لعدمِ احتمالِ غيرِه بعُرفِ الاستعمالِ المنضَمِّ إليه عرفُ الشرعِ (٣).
(وكنايتُه: تصدَّقتُ، وحرَّمتُ، وأبَّدتُ) لعدمِ خلوصِ كلَّ منها عن الاشتراكِ. فالصدقةُ: تستعملَ في الزكاةِ، وهي ظاهرةٌ في صدقةِ التطوعِ. والتحريمُ: صريحٌ في الظهارِ. والتأبيدُ: يستعملُ في كلِّ ما يُرادُ تأبيدُه، من وقفٍ وغيرِه.
(فلا بدَّ فيها) أي: في الكنايةِ (من نيةِ الوقفِ) فمتى أتى بإحدى هذه الكناياتِ، واعترَفَ أنَّه نوىَ بها الوقفَ، لزِمَه في الحكمِ؛ لأنَّها بالنيةِ صارتْ ظاهرةً فيه. وإنْ قالَ: ما أردتُ بها الوقفَ. قُبِلَ قولُه؛ لأنَّه أعلمُ بضميرِه؛ لعدمِ
стр. 1090
ما لَمْ يقلْ: على قَبيلَةِ كَذا، أو طَائِفَةِ كَذا.
الاطلاعِ على ما في الضمائرِ (ما لم يقلْ): تصدَّقتُ بداري (على قبيلةِ كذا، أو) على (طائفةِ كذا) لأنَّ ذلك كلَّه لا يُستعملُ في غيرِ الوقفِ، فانتفتِ الشركةُ. وكذا: تصدَّقتُ بأرضي، أو داري على زيدٍ، والنظرُ لي في أيامِ حياتي. أو: ثمَّ من بعدِ زيدٍ على عمرٍو، أو: على ولدِه، أو: على مسجدِ كذا ونحوِه (١).
* * *
стр. 1091
فَصْلٌ
وشُرُوطُ الوَقفِ سَبْعةٌ:
أحدُها: ممونُه مِنْ مالِكٍ جَائزِ التَّصرُّفِ، أو مِمَّنْ يَقومُ مقَامَهُ.
الثَّانِي: كَونُ المَوقُوفِ عَينًا يصِحُّ بيعُها، ويُنتَفَعُ بِها نَفعًا مُباحًا مَعَ بقَائِهَا.
(فصلُ)
(وشروطُ الوقفِ سبعةٌ):
(أحدُها) أي: شروط الوقفِ: (كونُه من مالكٍ جائزِ التصرُّفِ، أو ممَّنْ يقومُ مقامَه) فلا يصحُّ من صغيرٍ أو سفيهٍ، كسائرِ تصرفاتِه الماليةِ.
قال في "الاختيارات": ويجوزُ للإنسانِ أن يتصرَّفَ فيما في يدِه بالوقفِ وغيرِه، حتى تقومَ بينةٌ شرعيةٌ أنه ليس ملكًا له، لكن لا يحكمُ بالوقفِ حتى يثبتَ المِلكُ (١).
(الثاني) من شروطِ الوقفِ: (كونُ الموقوفِ عينًا يصحُّ بيعُها، و) - بخلافِ أمِّ ولدٍ - (يُنتفعُ بها نفعًا مباحًا) كإجارةٍ، أي: بأن يكونَ النفعُ مباحًا بلا ضرورةٍ، مقصودًا، متقوَّمًا يستوفى (مع بقائِها) أي: العينِ؛ لأنَّه يُرادُ للدوامِ؛ ليكونَ صدقةً جاريةً، ولا يُوجدُ ذلك فيما لا تبقَى عينُه.
стр. 1092
فلا يَصِحُّ وَقفُ مَطعُومٍ ومَشرُوبٍ - غَيرَ المَاءِ - ولا وَقفُ دُهْنٍ وشَمعٍ وأثمَانٍ وقَنادِيلِ نَقْدٍ عَلى المَساجِدِ، ولا عَلى غَيرِهَا.
الثَّالِثُ: كونُه على جِهَةِ بِرِّ وقُربَةٍ،
(فلا يصحُّ وقفُ مطعومٍ ومشروبٍ، غيرَ الماءِ) وأمَّا الماءُ، فيصحُّ وقفُه، نصَّ عليه. قالَهُ في "الفائق" وغيرِه (١).
(و) لا يصبحُّ (وقفُ دُهْنٍ، وشمع، وأثمانٍ) ولو لتَحَلِّ ووزنٍ، وكوقف الدراهمِ والدنانيرِ؛ ليُنتَفَعَ باقتِرَاضِها؛ لأنًّ الوقف تحبيسُ الأصلِ وتسبيلُ المنفعة، وما لا ينتفع به إلا بإتلافهِ لا يصبحُّ فيه ذلك، فيزكِّي النقدَ ربُّه؛ لبقاءِ ملكِه عليه (٢).
وقال في "الفائق": وعنه: يصبحُّ وقفُ الدراهمِ، فيُنتَفعُ بها في القرضِ ونحوِه. اختارَهُ الشيخُ تقيُّ الدينِ. وقال في "الاختيارات": ولو وقفَ الدراهمَ على المحتاجين، لم يكنْ جوازُ هذا بعيدًا (٣).
(وقناديلِ نقدٍ على المساجد، ولا على غيرِها) أي: غيرِ المساجدِ، وهو باقٍ على ملكِ ربِّه، فيزكِّيه. وقيل: يصبحُّ، فيكسرُ ويصرفُ في مصالحه. اختارَهُ الموفَّق. قال في "الإنصاف": قلتُ: وهو الصَّوابُ (٤).
(الثالثُ) من شروطِ الوقف: (كونُه) أي: الوقفِ (على جهةِ برٍّ وقربةٍ) وهو: اسمٌ جامعٌ للخيرِ، وأصلُه الطاعةُ للهِ تعالى. والمرادُ: اشتراطُ معنى القُربةِ في
стр. 1093
كالمَسَا كِينِ، والمَسَاجِدِ، والقَنَاطِرِ، والأقَارِبِ.
فلا يصِحُّ على الكَنائِسِ، ولا على اليَهودِ والنَّصَارى، ولا عَلى جِنْسِ الأغنيَاءِ، أو الفُسَّاقِ. أمَّا لو وَقَفَ على ذِمي أو فاسِقٍ أو غَنيِّ مُعيَّنٍ، صَحَّ.
الصَّرفِ إلى الموقوفِ عليه؛ لأنَّ الوقفَ قربةٌ وصدقةٌ، فلا بدَّ من وجودِها فيما لأجلِه الوقفُ؛ إذ هو المقصودُ، سواءٌ كان الوقفُ من مسلمٍ أو ذميٍّ.
(كالمساكينِ) والفقراءِ، والغزاةِ، والعلماءِ، والمتعلمينَ (والمساجدِ، والقناطرِ، والأقاربِ) لأنّه شُرِعَ لتحصيلِ الثوابِ، فإذا لم يكنْ على برٍّ، لم يحصلْ مقصودُه الذي شُرِعَ لأجلِه (١).
(فلا يصحُّ) الوقفُ (على الكنائسِ) جمعُ كنيسةٍ: متعبَّد اليهودِ، أو النصارى، أو الكفارِ. قالَه في "القاموس".
(ولا) يصحّ الوقف (على) طائفةِ (اليهودِ والنصارى).
(ولا) يصحّ الوقفُ (على جنسِ الأغنياءِ، أو الفُسَّاقِ) والمَغَاني. ولا على التنويرِ على قبرٍ، ولا على تبخيرِه، ولا على مَنْ يقيمُ عندَه، أو يخدمُه، أو يزورُه. قالَهُ في "الرعاية"؛ لأنَّ ذلك ليس من البرِّ.
لكن في منعِ الوقفِ على من يزورُه نظرٌ، فإنَّ زيارةَ القبورِ سُنَّةٌ للرجالِ، إلا أنْ يُحملَ على زيارةٍ فيها سفرٌ. قالَهُ في "شرح الإقناع" (٢).
(أمَّا لو وقفَ على ذميٍّ أو فاسقٍ أو غنيٍّ معيِّنٍ، صحَّ) لأنَّه لا يتعيَّنُ كونُ الوقفِ عليه لأجلِ دينِه، أو فسقِه، أو غنائِه؛ لاحتمالِ كونِه لفقرِه، أو قرابتِه، ونحوِها،
стр. 1094
الرَّابعُ: كونُه على مُعيَّنٍ - غيرٍ نَفْسِهِ - يَصِحُّ أنْ يَملِكَ.
ولما روي أن صفيَّةَ ﵂ زوجَ النبي ﷺ : وقفتْ على أخٍ لها يهوديٍّ (١).
فيصحُّ الوقفُ على الذميِّ المعيَّنِ، والفاسقِ المعيَّنِ، والغنيِّ المعيَّنِ.
قال أحمدُ في نصارى وقَفُوا على البِيعَةِ ضياعًا كبيرةً، وماتوا، ولهم أبناءُ نصارى، فأسلموا، والضِّياعُ بيدِ النصارى: فلهم أخذُها، وللمسلمين عونُهم حتى يستخرجوها من أيدِيهم.
ولا يصحّ الوقفُ أيضًا على من يعمرُها؛ لأنَّه يُرادُ لتعظيمِها (٢).
الشرطُ (الرابعُ: كونُه) أي: الوقفِ (على معيَّنٍ) من جهةٍ، أو شخصٍ (غيرِ نفسِه) أمَّا لو وقفَ على نفسِه فلا يصحُّ عندَ الأكثرِ؛ لأنَّ الوقفَ تمليكٌ، إمَّا للرَّقبةِ أو المنفعةِ. ولا يجوزُ أن يُملِّكَ نفسَه من نفسِه، كما لا يجوزُ له أن يبيعَ مالَه من نفسِه.
وعنه: يصحُّ الوقفُ على النفسِ. قال المنقِّحُ: "اختارَه جماعةٌ، وعليه العملُ، وهو أظهز. وفي "الإنصاف": وهو الصَّوابُ، وفيه مصلحة عظيمة، وترغيبٌ في فعلِ الخيرِ، وهو من محاسنِ المذهبِ (٣).
(يصحُّ أن يملكَ) مِلكًا ثابتًا، كزيدٍ، أو مسجدِ كذا؛ لأنَّ الوقفَ تمليكٌ، فلا يصحُّ على معيَّنٍ، كالهبةِ، ولأنَّ الوقفَ يقتضي الدوامَ.
(فلا يصحُّ الوقفُ على مجهولٍ، كرجُلٍ)؛ لصِدْقِه بكلِّ رجلٍ (و)
стр. 1095
فلا يَصِحُّ الوَقْفُ على مَجهولٍ، كَرَجُلٍ، ومَسجِدٍ، أو: عَلَى أحَدِ هَذَينِ، ولا عَلَى نَفسِهِ، ولا عَلَى مَنْ لا يَملِكُ كالرَّقيقِ، ولَو مُكَاتَبًا، والمَلائِكَةِ، والجِنِّ، والبَهائِمِ، والأموَاتِ، ولا عَلَى الحَمْلِ استِقْلالًا، بلْ تَبَعًا.
كـ (مسجدٍ) لصدقِه بكلِّ مسجدٍ (أو على) مُبهمٍ، كـ (ــأحَدِ هذينِ) الرَّجُلينِ، أو المسجِدَين، ونحوِهما؛ لتردُّدِه، كبِعتُكَ أحدَ هذين العَبدَينِ (١).
(ولا) يصحّ الوقفُ (على نفسِه) وتقدَّمَ الخلافُ في ذلك.
(ولا) يصحُّ الوقفُ (على من لا يملكُ كالرقيقِ، ولو مكاتبًا) ومدبَّرًا، وأمَّ ولدٍ.
(و) لا يصحُّ الوقفُ على (الملائكَةِ، والجنِّ، والبهائِمِ) لأن الوقفَ تمليكٌ فلا يصحُّ على مَن لا يملِكُ.
وأمَّا الوقفُ على المساجدِ ونحوِها، فعلى المسلمين، إلا أنَّه عُيِّنَ في نفعٍ خَاصٍّ لهم (٢).
(و) لا يصحُّ الوقفُ على (الأمواتِ).
(ولا) يصحُّ الوقفُ على (الحملِ (٣) استقلالًا) كوقفِ دارِه على ما في بطنِ هذه المرأةِ؛ لأنَّه تمليك إذن، وهو لا يملكُ. وكذا الوقفُ على المعدومِ. (بل) يصحّ الوقفُ على الحملِ، وعلى مَن سيولدُ (تبعًا) لمن يصحُّ الوقفُ عليه، كـ: وقفتُ على أولادي، أو: على أولادِ فلانٍ، وفيهم حملٌ، فيشملُه الوقفُ.
стр. 1096
الخَامِسُ: كونُ الوَقفِ مُنَجَّزًا.
فَلا يَصِحّ تَعليقُه، إلَّا بمَوتِهِ، فيلَزَمُ مِنْ حِينِ الوقفِيَّةِ، إنْ خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ.
السَّادِسُ: أنْ لا يشتَرِطَ فيهِ ما يُنافِيه "كَقولِه: وقَفْتُ كَذَا عَلَى أنْ أبيعَه، أو أهبَهُ متَى شِئتُ، أو بشَرطِ الخِيارِ لِي، أو بِشَرطِ أنْ
الشرطُ (الخامس: كونُ الوقفِ مُنَجَّزًا) أي: غيرَ معلَّقٍ، ولا مؤقَّتٍ، ولا مشروطٍ فيه خيارٌ، أو نحوُه.
(فلا يصحُّ تعليقُه) أي: الوقفِ، سواءٌ كانَ التعليقُ لابتدائِه؛ كـ: إذا قدمَ زيدٌ، أو: وَلِدَ لي ولدٌ، فهذا وقفٌ عليه. أو: إذا جاء رمضانُ فهذا وقفٌ على كذَا، ونحوه. أو لانتهائِه؛ كـ: دارِي وقفٌ على زيدٍ إلى أن يحضُرَ عمرٌو، أو: يُولدُ لي ولدٌ، ونحوُه؛ لأنَّه نقلٌ للمِلكِ فيما لم يُبْنَ على التغليبِ والسِّرايةِ، فلم يجزْ تعليقُه بشرطٍ في الحياةِ، كالهبةِ.
(إلا) إنْ علَّقَ واقفٌ الوقفَ (بموتهِ) كقولِه: هو وقفٌ بعدَ موتي. فيصحُّ؛ لأنَّه تبرُّعٌ مشروطٌ بالموتِ، فصحَّ (فيلزمُ) الوقفُ المعلَّقُ بالموتِ (من حينِ الوقفيَّةِ) أي: من حينِ قولِه: هو وقفٌ بعدَ موتي (إنْ خرجَ من الثلثِ) أي: ثلثِ (١) مالِ الواقفِ؛ لأنَّه في حكمِ الوصيةِ. فإنْ كان قدرَ الثلثِ فأقلَّ، لزِمَ. وإنْ زادَ، لزمَ في الثلثِ، ووُقِف الباقي على الإجازةِ.
الشرطُ (السادسُ: أن لا يَشتَرِطَ فيه) أي: في الوقف (ما ينافيه، كقولهِ: وقفتُ كذا على أنْ أبيعَه، أو أهبَهُ متى شئتُ، أو بشرطِ الخيارِ لي، أو بشرطِ أن أُحوِّلَه) أي: الوقف، عن الموقوفِ عليه (من جهةٍ إلى جهةٍ) بأنْ قالَ: وقفتُ
стр. 1097
أُحوَلَه مِنْ جِهَةٍ إلى جِهَةٍ.
السَّابِعُ: أنْ يَقِفَهُ على التَّأبيدِ.
فلا يَصِحّ: وقَفتُه شَهْرًا، أو إلى سَنَةٍ، ونَحوِها.
ولا يُشتَرطُ تَعيينُ الجِهَةِ، فلو قَالَ: وقَفْتُ كَذَا، وسَكَتَ، صَحَّ، وكَانَ لِوَرثَتِهِ مِنَ النَّسَبِ
داري على كذا، على أنْ أحوِّلَها عن هذه الجهةِ، أو عن الوقفيَّةِ؛ بأنْ أرجعَ فيها متى شئتُ، لم يصحَّ الوقفُ.
الخرطُ (السابعُ: أنْ يقفَهُ على التأبيدِ) لأنَّ مقتضى الوقفِ التأبيدُ، والتأقيتُ ينافيه.
(فلا يصحُّ: وقفتُه) أي: العبدَ، أو الدارَ، أو البستانَ، ونحوَه (شهرًا، أو) قال: وقفتُه (إلى سنةٍ) لم يصحَّ (ونحوِها) أي: نحوِ ما ذُكرَ ممَّا فيه تأقيتُ الوقفِ.
(ولا يُشترطُ تعيينُ الجهةِ) أي: من جهاتِ البرِّ، (فلو قال: وقفتُ كذا) أي: هذه الدارُ وقفٌ، (وسكتَ) ولم يسمِّ مصرفًا، (صحَّ) الوقفُ.
وعُلِمَ منه: صحَّةُ الوقفِ، وإنْ لمْ يعيِّنْ له مصرفًا، خلافًا لما في "الإقناع".
قال العلَّامةُ الشيخُ يوسفُ الفتوحيُّ: وفيه نظرٌ؛ لأنَّه لم يقفْ على معيَّنٍ، وتقدَّمَ أنَّه شرطَ.
(وكان لورثتِه من النسب (١)) أي: ورثةِ الواقفِ نَسَبًا؛ لأنَّ الوقفَ مصرفُه البرُّ، وأقاربُه أَوْلى الناسِ ببرِّه؛ لقولِه ﵊: "إنَّكَ إنْ تدَعَ ورثتَكَ أغنياءَ،
стр. 1098
على قَدْرِ إرثِهم.
خيرٌ من أنْ تدَعَهم عالةً يتكفَّفون الناسَ" (١). ولأنَّهم أَوْلى الناسِ بصدقاتِه النوافلِ والمفروضاتِ، فكذا صدقتُه المنقولةُ، ولأنَّ الإطلاقَ إذا كان له عرفٌ، صحَّ وصُرفَ إليه. وعرْفُ المصرفِ هنا: أولى الجهات به، فكأنه عيَّنَهم لصرفِه، بخلاف ما إذا عيَّنَ جهةً باطلةً، كقولِه: وقفتُ على الكنيسةِ، ولم يذكرْ بعدَها جهةً صحيحةً، فإنَّه عيَّنَ المصرفَ، واقتصرَ عليه.
وخرجَ بقولِه: "نسبًا": المُعتِقُ والزوجان، فيردُّ على أقرابِه ما للمُعتِقِ والزَّوجِ، أو الزوجةِ (٢).
(على قدرِ إرثِهم) من الواقفِ. فإنْ عُدِمُوا فهو للفُقراءِ والمساكين، ويكونُ ذلك وقفًا عليهم، فلا يملكون نقلَ المِلكِ في رقبتِه (٣).
* * *
стр. 1099
فَصْلٌ
ويَلزَمُ الوَقفُ بمُجرَّدِهِ، ويَملِكُهُ المَوقُوفُ عَليهِ، فَينظُرُ فيهِ هو، أو وَليُّه، ما لم يشتَرِطِ الوَاقِف نَاظِرًا، فيَتَعيَّنُ.
(فصل)
(ويلزمُ الوقفُ بمجرَّدِه) أي: بمجرَّدِ اللفظِ.
وعُلِمَ منه: أنَّ إخراجَه عن يدِه ليس شرطًا لصحَّتِه بطريقِ أَوْلى.
(ويَملِكُه الموقوفُ عليه) إذا كان معينًا؛ لأنَّ الوقفَ سببُ نقلِ الملكِ عن الواقفِ، ولم يخرجْ عن الماليةِ، فوجبَ أن ينتقلَ المِلكُ إليه، كالهبةِ والبيعِ. ولو كان الوقفُ تمليكًا للمنفعةِ المجرَّدةِ، لما كان لازمًا، كالعاريةِ، ولما زالَ مِلكُ (١) الواقفِ عنه، كالعاريةِ. ويفارقُ العتقَ، فإنَّه يُخرجُ المعتوقَ عن الماليةِ. وامتناعُ التصرُّفِ في الرقبةِ لا يمنعُ المِلكَ كأمِّ الولدِ (٢).
(فينظُرُ فيه) أي: الوقفِ (هو) أي: الموقوفُ إنْ كان مكلَّفًا رشيدًا (أو وليُّه) إنْ كان محجورًا عليه (ما لم يشترطْ (٣) الواقفُ ناظرًا، فيتعيَّنُ) لأنَّ عمرَ جعلَ وقفَه إلى بنتِه حفصةَ، ثمَّ يليه ذو الرأي من أهلها (٤).
стр. 1100
ويَتعيَّنُ صَرفُه إلى الجِهَةِ التي وُقِفَ عَليها في الحَالِ، ما لَمْ يَستَثْنِ الوَاقِفُ مَنفَعَتَهُ، أو غَلَّتَه له، أو لِولَدِه، أو لِصَدِيقِهِ مُدَّةَ حَياتِهِ، أو مُدَّةً مَعلُومَةً، فيُعمَلُ بِذَلِكَ.
وحَيثُ انقطَعَتِ الجِهَةُ، والوَاقِفُ حَيٌّ، رجَعَ إليهِ وَقْفًا.
(ويتعيَّنُ صرفُه إلى الجهةِ التي وُقِفَ عليها في الحالِ) فلا يُصرفُ الوقفُ في غيرِ ما شرطَه الواقفُ، وإلا لم يكنْ لتعيينِه فائدةٌ.
(ما لم يستثنِ الواقفُ منفعتَه) أي: منفعةَ الوقفِ.
(أو) المتثنى (غَلَّتَه له) أي: لنفسِه، صحَّ (أو لولدِه، أو لصديقِه مدَّةَ حياتِه، أو مدَّةً معلومةً) كسنةٍ أو سنتين.
أو استثنى الأكلَ ممَّا وقفَه، أو استثنى النفقةَ عليه، وعلى عيالِه ممَّا وقفَهُ. أو شرطَ الانتفاعَ لنفسه وعياله، ونحوِهم. ولو كان الانتفاعُ بسُكنى مدَّةَ حياتِهم (١).
(فيعملُ بذلك) الوقفِ والشرطِ.
(وحيثُ انقطعتِ الجهةُ) الموقوفُ عليها؛ بأنْ وقفَ على أولادِه، أو أولادِ زيدٍ فقطْ، فانقرضوا (والواقفُ حيٌّ، رجعَ) الوقفُ (إليه) أي: الواقفِ (وقفًا) عليه. يعني: ومتى قلنا: يَرجِعُ إلى أقاربِ الواقفِ وقفًا، وكان الواقِفُ حيًّا، فإنَّه يَرجِعُ إليه وَقفًا. فإذا ماتَ، يُصرَفُ للفُقراءِ والمساكينِ.
وعنه: لا يَرجِعُ إليه، بل يُصرفُ للفقراءِ والمساكين في الحَالِ. ومشى على هذه الروايةِ المصنِّفُ في "غاية المنتهى" (٢).
стр. 1101
ومَنْ وَقَفَ عَلَى الفقَراءِ، فافتَقَرَ، تَنَاوَلَ مِنْهُ.
ولا يَصِحّ عِتقُ الرَّقَيقِ المَوقُوفِ بحَالٍ، لكِنْ لو وَطِئَ الأمَةَ المَوقُوفَةَ عَليهِ، حَرُمَ، فإن حَمَلَتْ، صَارَت أُمَّ ولَدٍ تَعتِقُ بمَوتِه،
قال ابنُ الزاغونيِّ في "الواضح": الخلافُ في الرجوعِ إلى الأقاربِ، أو إلى بيتِ المالِ، أو إلى المساكين، مختصٌّ بما إذا ماتَ الواقفُ. أمَّا إذا كان حيًّا فانقطعتِ الجهةُ، فهل يعودُ الوقفُ إلى مِلكِه، أوإلى عصبتِه؟ فيه روايتانِ. انتهى. وجزمَ ابنُ عقيلٍ في "المفردات" بدخولِه.
وكذا لو وقفَ على أولادِه وأنسالِهم أبدًا، على أنَّه مَن تُوفي منهم عن غيرِ ولدٍ، رجعَ نصيبُه إلى أقربِ الناسِ إليه، فتُوفيَ أحدُ أولادِه عن غيرِ ولدٍ، والأبُ الواقفُ حيٌّ، رجعَ إليه نصيبُه؛ لأنَّه أقربُ الناسِ إليه (١).
(ومَن وقفَ على الفقراءِ، فافتقَرَ، تناولَ) أي: جازَ له التناولُ (منه) لوجودِ الوصفِ -الذي هو الفقرُ- فيه.
(ولا يصحُّ عِتقُ الرقيقِ الموقوفِ بحالٍ)؛ لتعلُّقِ حقِّ مْنْ يؤولُ إليه الوقفُ به، ولأنَّ الوقفَ عقدٌ لازمٌ لا يمكنُ إبطالُه، وفي القولِ بنفوذِ عتقِه إبطالٌ له.
وإنْ كانَ بعضُه غيرَ موقوفٍ، فأعتقَه مالكُه، صحَّ فيه، ولم يَسرِ إلى البعضِ الموقوفِ؛ لأنَّه إذا لم يعتقْ بالمباشرةِ فلأنْ لا يعتقَ بالسرايةِ أَوْلى.
الكنْ لو وطئَ الأمةَ الموقوفةَ عليه، حرُمَ) ولا حدَّ عليه؛ للشبهةِ. ولا مهرَ عليه. (فإنْ حملَتْ، صارتْ أمَّ ولدٍ تَعتِقُ بموتِه) وولدُه حرٌّ؛ للشبهةِ، وعليه قيمته يوم وضعِه حيًّا؛ لتفويته رقَّه على مَن يؤولُ إليه الوقفُ بعدَهُ.
стр. 1102
وتَجِبُ قِيمَتُها فِي تَرِكَتِهِ، يُشتَرى بِهَا مِثلُها.
(وتجبُ قيمتُها في تركتِه)؛ لأنَّه أتلفَها على مَن بعدَهُ من البطونِ (يُشترى بها) أي: بقيمتِها (مثلُها) لتَجبُرَ على البطنِ الثاني ما فاتَهم. وتكونُ المشتراةُ وقفًا بمجرَّدِ الشراءِ، كبدَلِ أضحيةٍ.
* * *
стр. 1103
فَصْلٌ
ويُرجَعُ في مصرِفِ الوَقْفِ إلى شَرْطِ الواقِفِ، فإن جُهِلَ، عُمِلَ بالعَادَةِ الجَارِيَةِ، فإن لم تَكُنْ فَبِالعُرفِ، فإن لم يَكُن فالتَّسَاوِي بين المُستَحِقِّينَ.
ويُرْجَع إلى شَرطِه في التَّرتِيبِ بينَ البُطُونِ، أو الاشتِرَاكِ، وفي إيجَارِ
(فصل)
(ويُرجعُ) بالبناءِ للمفعوِل (في مصرفِ الوقفِ إلى شرطِ الواقفِ).
(فإنْ جُهِلَ) شرطُه؛ بأنْ قامتْ بينةٌ بالوقفِ في دون شرطِه (عُمِلَ بالعادةِ الجاريةِ) أي: المستمرَّةِ إنْ كانتْ.
(فإنْ لم تكنْ) عادةٌ جاريةٌ (فـ) يُعملُ (بالعُرْفِ) لأنَّ العادةَ المستمرَّةَ، والعُرْفَ المستقِرَّ في الوقفِ يدلُّ على شرطِ الواقفِ أكثرَ ممَّا يدلُّ لفظُ الاستفاضةِ. قالَهُ الشيخُ تقيُّ الدين.
ونُقِلَ عنه أنَّه أفتَى فيمَن وقفَ على أحدِ أولادِه، وله عِدَّةُ أولادٍ، وجُهِلَ اسمُه: أنَّه يميَّزُ بالقرعةِ (١)
(فإنْ لم يكنْ) عادةٌ ولا عرفٌ ببلدِ الواقفِ، كمَنْ بباديةٍ (فالتساوي بين المستحقِّين) فيسوِّي بينهم؛ لثبوتِ الشركةِ دون التفضيلِ.
(ويُرجعُ)، بالبناءِ للمفعولِ، في أمورِ الوقفِ (إلى شرطِه) أي: إلى شرطِ الواقفِ (٢) (في الترتيب بين البطونِ) كجَعلِ استحقاقِ بطنٍ مُرتَّبًا على آخَرَ، كـ:
стр. 1104
الوَقْفِ أو عَدَمِهِ، وفي قَدرِ مُدَّةِ الإيجَارِ، فلا يُزادُ على ما قَدَّرَ.
ونَصُّ الوَاقِفِ كَنَصِّ الشَّارِعِ، يَجِبُ العَمَل بجَمِيعِ ما
على أولادي، ثمَ أولادِهم، (أو الاشتراكِ) بأنْ قال: على أولادي وأولادِهم ونَسلِهم وعقبِهم، كانتِ الواوُ للاشتراكِ؛ لأنَّها لمطلقِ الجمعِ، فيشتركون فيه بلا تفضيلٍ (١).
(و) يُرجعُ إلى شرطِ واقفٍ (في إيجارِ الوقفِ، أو عدمِه (٢)) أي: عدمِ إيجارِه، (وفي قدرِ مدَّةِ الإِيجارِ) أي: في قدرِ المُدَّةِ. فإذا شرطَ أن لا يؤجَّرَ أكثرَ من سنةٍ، لم تجزِ الزيادةُ عليها، لكن عندَ الضرورةِ يُزادُ بحسبِها.
ولم يزلْ عملُ القضاةِ في عصرِنا وقبلَه عليه، بل نُقِلَ عن أبي العباسِ ﵀. وهو داخلَ (٣) في قولِه: "والشروطُ إنَّما يلزمُ الوفاءُ بها، إذا لم تفضِ إلى الإخلالِ بالمقصودِ الشرعيِّ". وأفتى به شيخُنا المرداويُّ، ولم نزلْ نُفتي به، إذ هو أَوْلى من بيعِه إذًا.
قال الحارثيُّ: وعن بعضِهم: جوازُ الزيادةِ بحسب المصلحةِ، وهو يحتاجُ عندي إلى تفصيلٍ. ذكرَه العلَامةُ الشيخُ منصورٌ في "شرح الإقناع" (٤).
(فلا يُزادُ) في المدَّةِ (على ما قَدَّرَ) إلا عندَ الضرورةِ، كما أوضحتُه فيما تقدَّمَ.
(ونصُّ الواقفِ كنصِّ الشارعِ) لا تجوزُ مخالفتُه، بل (يجبُ العملُ بجميعِ ما
стр. 1105
شَرَطَهُ، ما لَمْ يُفْضِ إلى الإخلالِ بالمَقصُودِ، فَيُعْمَلُ به فِيمَا إذا شَرَطَ أنْ لا يَنزِلَ في الوَقْفِ فَاسِقٌ، ولا شِرِّيرٌ، ولا ذُو جَاهٍ.
وإنْ خَصَّصَ مَقْبَرَةً، أو مَدرَسَةً، أو إمَامَتَهَا بأهْلِ مَذهَبٍ، أو بَلَدٍ، أو قَبيلَةٍ، تخصَّصَت، لا المُصلِّينَ بها،
شرطَه) الواقفُ، (ما لم يُفضِ إلى الإخلالِ بالمقصودِ) الشرعيِّ. ولا تجوزُ المحافظةُ على بعضِها مع فواتِ المقصودِ الشرعي بها.
ومَن شَرَطَ في القُرُباتِ أنْ يُقدَّمَ فيها الصنفُ المفضولُ، فقدْ شرطَ خلافَ شرطِ اللهِ، كشرطِه في الإمامةِ تقديمَ غيرِ الأعلم، فشرطُه باطلٌ لا يجوزُ العملُ به (١).
(فيُعمَلُ به) أي: الشرطِ وجوبًا (فيما إذا شرطَ أن لا ينزلَ في الوقفِ فاسقٌ) سواءٌ كان فسقُه بظلمِه الخَلقَ وتعدِّيه عليهم بقولِه وفعلِه، من نحوِ سبٍّ أو ضربٍ، أو كان فسقُه بتعدِّيه حدودَ اللهِ. يعني: ولو لم يشرطْه الواقفُ (٢).
(ولا شِرِّيرٌ، ولا ذو جاهٍ) ولا رافضيٌّ، أو مبتدعٌ، أو مَن يقول (٣) بخلقِ القرآنِ.
(وإن خصَّصَ) واقفٌ (مقبرةً، أو مدرسةً، أو) خصَّصَ (إمامتَها بأهلِ مذهبٍ، أو) بأهلِ (بلدٍ، أو) بأهلِ (قبيلةٍ، تخصَّصتْ) بهم؛ عملًا بشرطِه.
و (لا) يصحُّ شرطُ واقفِ المدرسةِ ونحوِه، تخصيصَ (المصلِّين بها) بذي
стр. 1106
ولا إن شَرَطَ عَدَمَ استحقَاقِ مَنْ ارتَكَبَ طَريقَ الصَّلاحِ.
مذهبٍ، فلا تختصُّ بهم، ولغيرِهم الصلَّاةُ بها؛ لعدمِ التزاحم. ولو وقعَ، فهو أفضلُ؛ لأنَّ الجماعةَ ترادُ.
(ولا) يصحُّ (إنْ شرَطَ) الواقفُ (عدمَ استحقاقِ من ارتكبَ طريقَ الصَّلاحِ) لمخالفةِ ما شرطَه اللهُ، ولإخلالِه بالمقصودِ الشرعيِّ.
قال الشيخُ: ولو حكمَ حاكمٌ بمحضَرٍ لوقفٍ فيه شروط، ثمَّ ظهرَ كتابُ الوقف (١) غيرُ ثابتٍ، وجبَ ثبوتُه والعملُ به (٢).
وفي "الأحكام السلطانية" لأبي يَعلى (٣) ﵀: يَعملُ والي المظالمِ في وقفٍ عامٍّ بديوانِ حاكمٍ، أو سَلطنةٍ، أو كتابٍ قديمٍ يقغ في النفسِ صحَّتُه (٤).
قال ابنُ قندسٍ في "حاشيته" على "المحرر": فائدةٌ: إذا جُهِلَ شرطُ الواقفِ، وتعذَّرَ العثورُ عليه، قُسِمَ على أربابِه بالسَّويَّةِ، فإنْ لم يُعرَفوا، جُعِلَ كوقفٍ مطلقٍ لم يُذكَر مصرِفُه. قال ذلك في "التلخيص" (٥).
وفي "الاختيارات" (٦): العادةُ المستمرةُ، والعُرْفُ المستقرُّ في (٧) الوقف يدلُّ على شرطِ الواقفِ، أكثرَ ممَّا يدلُّ لفظُ الاستفاضة. انتهى.
* * *
стр. 1107
فَصْلٌ
ويُرجَعُ في شَرطِه إلى النَّاظِرِ.
ويشترَط في النَّاظِرِ خَمسَةُ أشيَاءَ:
الإسلامُ، والتَّكلِيفُ،
(فصلٌ)
(ويُرجعُ في شرطِه) أي: الواقفِ (إلى الناظرِ) سواءٌ شرطَه لنفسِه، أو للموقوفِ عليه، أو لغيرِهما. إمَّا بالتَّعيينِ كفُلانٍ، أو بالوصفِ كالأرشدِ، أو الأعلمِ، أو الأكبرِ، أو مَن هو بصفةِ كذا.
فمن وُجِدَ فيه الشروطُ، ثبتَ له النظرُ؛ عملًا بالشروطِ (١).
(ويُشترطُ في الناظرِ) مطلقًا (خمسةُ أشياءَ):
أحدُها: (الإسلامُ) إن كان الوقفُ على مسلمٍ، أو جهةٍ من جهاتِ الإسلامِ، كالمساجدِ، والمدارسِ، والرُّبُطِ، ونحوِها، لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١].
فإن كان الوقفُ على معيَّنٍ كافرٍ، فله النظرُ عليه؛ لأنَّه ملكُه، كما تقدمَ، ينظرُ فيه لنفسِه، أو وليُّه.
(و) الشرطُ الثاني: (التكليفُ) لأنَّ غيرَ المكلَّفِ لا يَنظرُ إلا في مِلكِه الطَّلْقِ، ففي الوقفِ أَوْلى.
стр. 1108
والكفايةُ للتَّصرُّفِ، والخِبْرةُ بِهِ، والقوَّةُ عَليهِ، فإن كَانَ ضَعيفًا، ضُمَّ إليهِ قَوِيٌّ أمينٌ.
ولا تُشتَرطُ الذُّكُورَةُ، ولا العَدالَةُ، حيثُ كانَ بِجَعْلِ الوَاقِفِ لَهُ، فإن كَانَ مِنْ غَيرِهِ، فَلا بُدَّ مِنَ العَدَالَةِ.
(و) الشرطُ الثالثُ: (الكفايةُ للتصرُّفِ).
(و) الشرطُ الرابعُ: (الخِبرةُ به) أي: العلمُ بالتصرُّفِ فيه.
(و) الشرطُ الخامسُ: (القوَّةُ عليه) لأنَّ مراعاةَ حفظِ الوقفِ مطلوبةٌ شرعًا، وإنْ لم يكن الناظرُ متَّصفًا بهذه الصفةِ، لم يمكنْه مراعاةُ حفظِ الوقفِ. (فإنْ كان ضعيفًا، ضُمَّ إليه قويٌّ أمينٌ) ليحصلَ المقصودُ، سواءٌ كان ناظرًا بشرطٍ، أو موقوفًا عليه.
(ولا تُشترطُ) فيه (الذُّكورةُ) لأنَّ عمرَ أوصى بالنظرِ إلى حفصةَ ﵄ (١).
(ولا) تُشترطُ فيه (العدالةُ) ويُضمُّ إلى الفاسقِ عدلٌ، لما فيه من العملِ بالشَّرطِ وحفظِ الوقفِ (حيثُ كان بجَعْلِ الواقفِ له) إمَّا بشرطِ الواقفِ، أو كونِ الوقفِ عليه.
(فإنْ كان من غيرِه) أي: غيرِ موقوفٍ عليه (فلا بدَّ من) شرطِ (العدالةِ) فيه؛ لأنَّها ولايةٌ على مالٍ، فاشُترِطَ لها العدالةُ، كالولايةِ (٢) على مالِ اليتيمِ.
فإن لم يكُنِ الأجنبيُّ المولَّى من حاكِمٍ، أو ناظرٍ أصليٍّ عدلًا، لم تصحَّ ولايتُه؛
стр. 1109
فإن لم يَشرُطِ الوَاقِفُ نَاظِرًا، فالنَّظَرُ للموقُوفِ عَليه مُطلقًا، حَيثُ كان مَحصُورًا، وإلَّا فللحَاكِمِ.
ولا نَظَرَ لحَاكِمٍ مَعَ ناظِرٍ خَاصٍّ،
لفواتِ شرطِها، وهو العدالةُ، وأُزيلتْ يدُه عن الوقفِ؛ حفظًا له (١).
(فإنْ لم يشرُطِ الواقفُ ناظرًا) لوقفِه، أو شرَطَه لمعيَّنٍ فماتَ (فالنَّظر للموقُوفِ عليه) إن كان الموقوف (٢) عليه آدميًّا مُعيَّنًا، كزيدٍ. (مطلقًا): أي: عدْلًا كان (٣) أو فاسقًا (حيث كان) الموقوفُ عليه جَمْعًا (محصورًا) كلّ منهم ينظرُ على حصَّته؛ لأنَّه مِلكُه وغلَّتُه له، (وإلا) بأنْ كان الوقفُ على غيرِ محصورٍ، كالوقفِ على جهةٍ لا تنحصرُ، كالفقراءِ، والمساكينِ، والعلماءِ، والغزاةِ (فـ) نظرُه (للحاكمِ) أو من يستنيبُه الحاكمُ على بلدِ الوقفِ (٤).
(ولا نظرَ لحاكمٍ مع ناظرٍ خاصٍّ) قال في "الفروع": ويتوجَّه: مع حضورِه، فيقرِّرُ حاكمٌ في وظَيفةٍ خلتْ في غيبتِه؛ لما فيه من القيامِ بلفظِ الواقفِ في المباشرةِ، ودوامِ نفعِه. انتهى.
وعلى هذا: لو ولَّى الناظرُ الغائبُ إنسانًا، وولَّى الحاكمُ آخرَ، قُدِّمَ الأسبقُ توليةً منهما (٥).
стр. 1110
لكِنْ له أن يَعتَرِضَ عَليهِ إنْ فَعَلَ ما لا يَسُوغُ.
ووَظيفَةُ النَّاظِرِ: حِفظُ الوَقفِ، وعِمَارتُه، وإيجَازه، وزَرعُه، والمُخَاصَمَةُ فيهِ، وتَحصِيلُ رَيعِه، والاجتِهَادُ في تَنميَتِهِ، وصَرفُ الرَّيعِ في جِهَاتِه؛ مِنْ عِمَارَةٍ، وإصلاحٍ، وإعطَاءِ المُستَحِقِّينَ.
وإن آجَرَة بأنقَصَ، صَحَّ، وضَمِنَ النَّقصَ.
وله الأكلُ بمَعرُوفٍ، ولو لَمْ يَكُن
(لكن له) أي: الحاكمِ (أن يعترضَ عليه) أي: على الناظرِ الخاصِّ (إنْ فعلَ) الخاصُّ (ما لا يسوغُ) له فعلُه؛ لعمومِ ولايتِه.
(ووظيفةُ الناظرِ: حفظُ الوقفِ، وعمارتُه، وإيجارُه، وزرعُه، والمخاصمةُ فيه، وتحصيلُ رَيعِه) من أجرةٍ، أو زرعٍ، أو ثمرٍ (والاجتهادُ في تنميتِه، وصرفُ الرَّيعِ في جهاتِه، من عمارةٍ، وإصلاحِ) نحو مائل ومنكسرٍ (وإعطاءِ المستحقِّين) وشراءِ طعامٍ، وشرابٍ، ولباسٍ شرَطَهُ واقفٌ من رَيعِه؛ لأنَّ الناظرَ هو الذي يلي الوقفَ. وحفظُه، وحفظُ رَيعِه، وتنفيذُ شرطِ واقفِه، وطلبُ الحظِّ فيه، مطلوبٌ شرعًا، فكان ذلك إلى الناظرِ (١).
(وإنْ آجَرَه) أي: الوقفَ ناظرٌ (بأنقصَ) من أجرِ مثلِه (صحَّ) عقدُ الإجارةِ (وضمِنَ) الناظرُ (النقصَ) الذي (٢) لا يُتغابَنُ به عادةً، إنْ كان المستحقُّ غيرَه؛ لأنَّه يتصرَّفُ في مالِ غيرِه على وجهِ الحظِّ، فضمِنَ ما نقصَه بعقدِه، كالوكيلِ.
(وله) أي: الناظرِ (الأكلُ بمعروفٍ) قال في "القواعد": (ولو لم يكن
стр. 1111
مُحتَاجًا، وله التَّقرِيرُ في وظَائِفِه.
ومَنْ قُرِّرَ في وَظيفَةٍ عَلى وِفْقِ الشَّرعِ، حَرُمَ إخراجُهُ منها بلا مُوجبٍ شَرعِيٍّ. ومَنْ نَزَلَ عَنْ وظِيفَةٍ بيَدِه لِمَنْ هو أَهلٌ لها، صَحَّ، وكَانَ أحَقَّ بها.
محتاجًا). وقال الشيخُ: له أخذُ أجرةِ عملِه، مع فقرِه.
(وله) أي: الناظرِ (التقريرُ في وظائفِه) لأنَّه من مصالحِه.
(ومَن قُرِّرَ) بالبناءِ للمجهولِ (في وظيفةٍ على وَفقِ الشرعِ، حَرُمَ) على ناظرٍ وغيرِه (إخراجُه منها بلا موجِبِ شرعيٍّ) كتعطيله القيامَ بها.
وله الاستنابةُ، ولو عيَّنَه واقفٌ. ولو تصادقَ مستحقُّون لوقفٍ، على شيءٍ من (١) مصارفِه ومقاديرِ استحقاقِهم فيه ونحوه، ثمَّ ظهرَ كتابُ وقفٍ مُنافٍ لما وقعَ عليه التصادقُ، عُمِلَ بما في كتابِ الوقفِ، ولَغا ما في التصادقِ. أفتى به ابنُ رجبٍ.
وإنْ حكمَ بمحضرِ وُقِفَ فيه شروطٌ، ثمَّ ظهرَ كتابُ وقفٍ فيه ما ينافي المحضرَ المذكورَ، وجبَ ثبوتُ كتابِ الوقفِ إنْ أمكنَ، والعملُ به (٢).
(ومَن نزل عن وظيفةٍ) من إمامةٍ، أو خطابةٍ، أو تدريسٍ، ونحوِه (بيدِه، لمن هو أهلٌ لها، صحَّ، وكان أحقَّ بها) أي: لم يتقرَّرْ غيرُه فيها؛ لتعلُّقِ حقِّه بها، وإلا -بأن لم يقرِّرْه مَن له ولايةُ التقريرِ- فهي، أي: الوظيفةُ، للنازلِ؛ لأنَّه لم يحصلْ له رغبةٌ مطلقةٌ عن وظيفتِه.
стр. 1112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الشيخُ (١): لا يتعيَّنُ المنزولُ له، ويُولِّي مَن له الولايةُ مَن يستحقُّها شرعًا.
واعترضَه ابنُ أبي المجدِ: بأنَّه لا يخلو إمِّا أنْ يكونَ نزولُه بعوضٍ أو لا، وعلى كلٍّ لم يحصلْ منه رغبةٌ مطلقةٌ عن وظيفتِه.
وقال الموضِّحُ: ملخَّصُ كلامِ الأصحابِ: يَستحقُّها منزولٌ له إن كان أهلًا، وإلا فلناظِرٍ توليةُ مستحقِّها شرعًا. انتهى.
وممَّا يُشبِه النزولَ عن الوظائفِ: النزولُ عن الإقطاعِ، فإنَّه نزولٌ عن استحقاقٍ يختصُّ به، لتخصيصِ الإمامِ له استغلاله، أشبَه مستحقَّ الوظيفةِ، وأخذُ العِوضِ من ذلك قريبٌ من الخُلعِ، كما قالَهُ ابنُ نصرِ اللهِ وغيرُه.
قال العلَّامةُ الشيخُ منصورٌ في "شرحه" على "الإقناع": قلتُ: وإنْ لم يتمَّ النزول، فله الرجوعُ بما بذلَه من العِوضِ؛ لأنَّ البدلَ لم يسلَّمْ له.
وقال ابنُ القيمِ: ومَن بيدِه أرضٌ خراجيةٌ، فهو أحقُّ بها بالخراجِ، كالمستأجرِ، ويرثُها ورثتُه كذلك، فيكونونَ أحقَّ بها بالخراجِ.
وليس للإمامِ أخذُها منه، ولا من ورثتِه، ودفعُها إلى غيرِه؛ لأنَّه أحقُّ بها من غيرِه. وإنْ نزلَ عنها أوآثرَ بها أحدًا، فالمنزولُ له أحقُّ بها، والمؤثَرُ أحقُّ بها من غيرِه (٢).
"فائدةٌ ": في استحقاقِ الورثةِ ما تجمد لمورِّثِهم: قال في "الفروع" (٣): وأنَّ لورثةِ إمامِ مسجدٍ أجرةُ عملِه في أرضِه، كما لو كان الفلاحُ غيرَه، ولهم من مَغلِّه
стр. 1113
وما يأخذُه الفُقهَاءُ مِنْ الوَقفِ، فَكالرِّزقِ مِنْ بيتِ المَالِ، لا كَجُعلٍ، ولا كأُجْرَةٍ.
بقدرِ ما باشرَ مُورِّثُهم من الإمامةِ.
(وما يأخذُه الفقهاءُ من الوقفِ، فكالرَّزقِ من بَيتِ المالِ) للإعانةِ على الطاعةِ. وكذا الموقوفُ على أعمالِ البرِّ، والموصى به، أو المنذورُ له (١) (لا كجُعْلٍ، ولا كأُجرةٍ) فلا ينقصُ به الأجرُ مع الإخلاصِ.
قال في "شرح المنتهى" للمصنِّفِ (٢): وعلى الأقوالِ الثلاثةِ حيث كان الاستحقاقُ بشرطٍ، فلابدَّ من وجودِه. انتهى.
وهذا في الأوقافِ الحقيقيةِ، وأمَّا الأوقافُ التي من بيتِ المالِ، كأوقافِ السَّلاطين، فيجوزُ لمَن له الأخذُ من بيتِ المالِ التناولُ منها، وإن لم يباشرِ المشروطَ، كما أفتى به صاحبُ "المنتهى" بالموافقةِ لبعضِ المعاصرين له، وهو الشيخُ الرمليُّ وغيرُه في وقفِ جامعِ طولونَ ونحوِه.
* * *
стр. 1114
فَصْلٌ
ومَنْ وقَفَ على ولَدِهِ، أو ولدِ غَيرِه، دَخَلَ المَوجُودُونَ فَقط، مِن ذُكُورٍ وإناثٍ بالسَّويَّةِ مِنْ غَيرِ تَفضِيلٍ، ودَخَلَ أولادُ الذّكُورِ خاصَّةً.
(فصل)
(ومَن وقفَ على ولدِه، أو) وقفَ على (ولدِ غيرِه) كـ: على ولدِ زيدٍ، (دخلَ) الأولادُ (الموجودون) حالَ الوقفِ، ولو حملًا (فقط) نصًّا. (من ذكورٍ وإناثٍ) وخناثي؛ لأن اللفظَ يشملُهم؛ إذ الولدُ مصدرٌ أُريدَ به اسمُ المفعولِ، أي: المولودِ (بالسُّويةِ) لأنَّه شِركٌ بينهم، وإطلاقُ التشريكِ يقتضي التسويةَ (من غيرِ تفضيلٍ) بينهم.
(ودخلَ) أيضًا في الوقفِ على ولدِه، أو أولادِه، أو ولدِ غيرِه: (أولادُ) بنيهِ - مطلقًا، سواءٌ وُجدوا حالةَ الوقفِ، أو لا- (الذكورِ خاصَّةً) دون أولادِ البناتِ؛ لأنَّهم لا يُنسَبونَ إليه، بل إلى آبائِهم. قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. قال الشاعر:
بنونا بنو أبنائِنا، وبناتُنا … بنوهُنَّ أبناءُ الرجالِ الأباعِدِ (١)
وأمَّا قولُه ﵇: "إنَّ ابني هذا سيِّدٌ" (٢). ونحوُه، فمِن خصائصِه: انتسابُ أولادِ فاطمةَ إليه (٣).
стр. 1115
وإن قَالَ: علَى وَلَديِ، دَخَلَ أولادُه المَوجُودُونَ، ومَنْ يولَدُ لَهُم، لا الحَادِثُونَ.
و: عَلَى وَلَدِي، ومَنْ يُولَدُ لي، دَخَلَ المَوجُودُونَ، والحَادِثُونَ تَبَعًا.
ومَنْ وقَفَ على عَقِبِهِ، أو نَسلِهِ، أو وَلَدِ وَلَدهِ، أو ذُرِّيته، دَخَلَ الذُّكُورُ والإناثُ، لا أولادُ الإنَاثِ، إلَّا بِقَرِينَةٍ.
(وإنْ قالَ): وقفتُ (على ولدي. دخلَ أولادُه الموجودونَ) حالَ الوقفِ، (ومَن يولدُ لهم) تبعًا لهم، (لا الحادِثونَ) بعدَ الوقفِ، خلافًا لما مشى عليه في "الإقناع".
(و) مَن قالَ: وقفتُ (على ولدي، ومَن يولدُ لي، دخلَ الموجودونَ، والحادِثونَ تبعًا) لهم.
(ومَن وقفَ على عَقِبِه، أو) وقفَ (على نسلِه، أو) وقفَ على (ولدِ ولدِه، أو) وقفَ على (ذُرِّيتِه، دخلَ الذكورُ والإناثُ، لا أولادُ الإناثِ) ولا يستحقّون من الوقفِ، كما لو وقفَ على من يُنسبُ إليه (إلا بقرينةٍ) كقولِه: مَن ماتَ عن ولدٍ، فنصيبُه لولدِه. وكقولِه: وقفتُ على أولادي: فلانٍ، وفلانٍ، وفلانةٍ، ثمَّ أولادِهم، ونحوِه. أو: على أنَّ لولدِ الذكرِ سهمينٍ، ولولدِ الأنثى سهمًا، ونحوِه.
وأصلُ "النسلِ" من النُّسَالةِ؛ وهي: شعرُ الدَّابةِ إذا سقطَ عن جسدِها.
وأعقبَ الرجلُ: ترك عَقِبًا، وعَقَّب: إذا خلَّف. قال القاضي عياضٌ: هو الرجلُ الذي يأتي بعدَه.
والذريَّةُ من ذرأ: إذا زرعَ (١)، ومنه قولُهم:
شَقَقتِ القَلبَ نمَّ ذرأتِ فيه
أو مِن ذرَّ: إذا طلع. ومنه قولهم: ذرَّ قرنُ الشمس. وقيلَ غيرُ ذلك (٢).
стр. 1116
ومَنْ وقَفَ على بَنيِهِ، أو بَني فُلانٍ، فللذُّكُورِ خاصَّةً.
وئكَرهُ هُنا أن يُفَضِّلَ بعضَ أولادِه عَلى بَعضٍ لغَيرِ سَببٍ. والسُّنَةُ: أن لا يُزادَ ذَكرٌ على أُنثَى.
فإن كانَ لبَعضِهم عِيالٌ، أو به حَاجَةٌ، أو عَاجِزٌ عن التَكسُّبِ، أو خَصَّ المُشتَغِلينَ بالعِلمِ، أو خَصَّ ذَا الدِّينِ والصَّلاحِ، فلا بأسَ.
(ومَن وقفَ على بَنيهِ، أو بني فُلانٍ، فللذُّكورِ خاصَّةً) لأنَّ لفظَ البنينَ وُضِعَ لذلك حقيقةً. قال تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)﴾ [الصافات: ١٥٣] ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]. فلا يدخلُ فيه الخُنثى؛ لأنَّه لا يُعلمُ كونُه ذكرًا.
وكذلك لو وقفَ على بناتِه، اختصَّ به الإناثُ، ولا يدخلُ فيهنَّ الخُنثى. قال في "الشرح": لا نعلمُ فيه خلافًا (١).
(ويُكرَهُ هنا) أي: في كتابِ الوقفِ (أن يُفضِّلَ بعضَ أولادِه على بعض) أو يخُصَّ بعضَهم بالوقفِ دونَ بعضٍ؛ لأنَّه يؤدِّي إلى التقاطعِ الغيرِ سببٍ) يقتضي التفضيلَ.
(والسُّنَّةُ) للواقفِ (أن لا يزادَ ذكرٌ على أنثى) أي: للذكرِ مثلُ حظِّ الأنثى؛ لأنَّ القصدَ القربةُ على وجهِ الدوامِ، وقد استووا في القَرَابةِ.
(فإنْ كان لبعضِهم عيالٌ، أو به حاجةٌ) كمسكَنَةٍ، أو عمًى، ونحوِه (أو عاجزٌ عن التكسُّبِ، أو خَصَّ) أو فضَّلَ (المشتغلينَ بالعلمِ، أو خصَّ) أو فضَّلَ (ذا الدِّينِ والصَّلاحِ، فلا بأسَ) بذلك، نصَّ عليه؛ لأنَّه لغرضٍ مقصودٍ شرعًا.
стр. 1117
فَصْلٌ
والوَقفُ عَقدٌ لازِمٌ، لا يَنفَسِخُ بإقالَةٍ ولا غَيرِها، ولا يُوهَبُ، ولا يُرهَنُ، ولا يُورَثُ، ولا يُبَاعُ إلَّا أن تتعطَّلَ منافِعُه بخرَابٍ أو غَيرِه، ولم يُوجَدْ ما يُعَمَّرُ به، فيُباعُ ويُصرَفُ ثَمنُه في مِثلِه، أو بَعضِ مِثلِه، وبمُجرَّدِ شِراءِ البَدَلِ يَصيرُ وَقفًا.
وكَذا حُكمُ المَسجِدِ لو ضَاقَ
(فصلٌ)
(والوقفُ عقدٌ لازمٌ) بمجرَّدٍ القولِ، أو ما يدلُّ عليه (لا ينفسخُ (١)) الوقفُ (بإقالةٍ ولا غيرِها) لأنَّه عقدٌ يقتضي التأبيدَ.
(ولا يُوهبُ، ولا يُرهنُ، ولا يُورثُ، ولا يُباعُ) فيحرمُ بيعُه، ولا المناقلةُ به (إلا أنْ تتعطَّلَ منافعُه) المقصودةُ منه (بخرابٍ) له، أو لمحلَّتِه (أو غيرِه) كخشبٍ تشعَّثَ وخِيفَ سقوطُه، أو غيرِه (ولم يوجدْ) في رَيعِ الوقفِ (ما يُعمِّرُ به، فيباعُ).
(و) حيثُ يُباعُ الوقفُ، فإنَّه (يُصرفُ ثمنُه في مثلِه) لأنَّ في إقامةِ البدَلِ مقامَه تأبيدًا له وتحقيقًا للمقصودِ، فتعيَّنَ وجوبُه، (أو بعضِ مثلِه) إن لم يمكنْ في مثلِه. ويُصرفُ في جهتِه.
(وبمجرَّدِ شراءِ البدَلِ) لجهةِ الوقفِ (يصيرُ وقفًا) والاحتياطُ وقفُه؛ لئلا ينقضُه بعدَ ذلك من لا يَرى وقفَه بمجرَّدِ الشراءِ.
(وكذا حكمُ المسجدِ) الذي تعطَّلَتْ منفعتُه المقصودةُ منه، حتى (لو ضاقَ
стр. 1118
على أهلِه، أو خَرِبَت مَحَلَّتُهُ، أو استَقْذَرَ مَوضِعُهُ.
ويَجوزُ نَقلُ آلتِه وحِجَارَتِه لِمَسجِدٍ آخَرَ احتاجَ إليها، وذَلِكَ أولَى مِنْ بيعِه.
ويَجوزُ نَقْضُ مَنَارةِ المَسجِدِ، وجَعلُها في حَائِطِه؛ لتَحصِينِه.
ومَنْ وقَفَ على ثَغرٍ، فاخْتَلَّ، صُرِفَ في ثَغرٍ مِثلِه، وعَلَى قِياسِهِ مَسجِدٌ ورِبَاطٌ، ونحوُهُما.
على أهلِه) المصلِّينَ به. قال في "المغني" (١): ولم تُمكنْ توسعتُه في موضعِه.
(أو) كان تعطيلُ نفعِه بأن (خَرِبتْ محلَّتُه) أي: النَّاحيةُ التي بها المسجدُ.
(أو استَقذَرَ موضِعُه) أي: المسجدِ، فيصحُّ بيعُه، ويصرفُ ثمنُه في مثلِه.
(ويجوزُ نقلُ آلتِه وحِجارته)، أي: المسجدِ الذي يجوزُ بيعُه لخرابه، أو خرابِ محلَّتِه، أو قَذَرِ محلِّه (لمسجدٍ آخرَ احتاجَ إليها. وذلك) أي: نقلُ آلاتِه وأنقاضِه إلى مثلِه (أَوْلى من بيعِه) لبقاءِ الانتفاعِ من غيرِ خللٍ فيه.
وعُلِمَ من قولِه: "لمسجدٍ آخرَ": أنَّه لا يُعمَّرُ بآلاتِ المسجدِ مدرسةٌ، ولا رباطٌ، ولا بئرٌ، ولا حوصٌ، ولا قنطرةٌ. وكذا آلاتُ كلِّ واحدٍ من هذه الأمكنةِ، لا يعمرُ بها ما عداه؛ لأنَّ جعلَها في مثلِ العينِ ممكنٌ، فتعيَّنَ. قالَه الحارثيُّ (٢).
(ويجوزُ نقضُ منارةِ المسجدِ، وجعلُها في حائطِه؛ لتحصينِه) من نحوِ كلابٍ؛ لأنَّه أنفعُ.
(ومَن وقف على ثغرٍ، فاختلَّ) الثغرُ الموقوفُ عليه، (صُرِفَ في ثغرٍ مثلِه. وعلى قياسِه) أي: الثغرِ: (مسجدُ، ورباطٌ، ونحوُهما) كسقايةٍ، فإذا تعذَّرَ
стр. 1119
ويَحرُمُ حَفرُ البِئرِ وغَرسُ الضَّجَرِ بالمَسَاجِدِ، ولعلَّ هَذا حَيثُ لم يَكُنْ فيهِ مَصلَحَةٌ.
الصرفُ فيها، صُرِفَ في مثلِها؛ تحصيلًا لغرضِ الواقفِ حسبَ الإمكانِ.
(ويحرُمُ حفرُ البئرِ) بمسجدٍ، ولو للمصلحةِ العامَّةِ؛ لأنَّ البقعةَ مستحقةٌ للصَّلاةِ، فتعطيلُها عدوانٌ.
(و) يحرُمُ (غرسُ الشجرِ بالمساجدِ) لما تقدَّمَ. (ولعلَّ هذا حيثُ لم يكنْ فيه مصلحةٌ) بأن كان ينتفعُ بثمرِها، ويُصرفُ في مصالحِ الوقفِ.
قال ابنُ عقيلٍ في "الفنون": لا بأسَ بتغييرِ حجارةِ الكعبةِ إن عرضَ لها مَرَمَّةٌ؛ لأنَّ كل عصرٍ احتاجتِ الكعبةُ فيه إليه، أي: إلى تغيير الحجارةِ قدْ فُعِلَ، ولم يظهرْ نكيرٌ. ولو تعيَّنتِ الآلةُ، لم يجزْ التغييرُ، كالحجرِ الأسودِ، فلا يجوزُ تغييرُه، ولا يجوزُ نقلُه من موضعِه إلى موضعٍ آخرَ، ولا يقومُ غيرُه مقامَه، مع وجودِه، ولا يَنتَقلُ النسكُ معه إذا نقلَ من موضعِه.
ويُكرَهُ نقلُ حجارتِها عند عمارتِها إلى غيرِها. كما لا يجوزُ ضرْبُ ترابِ المساجدِ لَبِنًا في غيرِها، أي: المساجدِ، بطريقِ الأَوْلى، لما تقدَّمَ من أنَّه يتعيَّنُ صرفُ الوقفِ للجهةِ المعينةِ.
قال في "الفنون": ولا يجوزُ أن تُعَلَّى أبنيتُها زيادةً على ما وُجِدَ من عُلْوِها.
قال في "الفروعِ": ويتوجَّهُ: جوازُ البناءِ على قواعدِ إبراهيمَ ﵇، يعني: إدخالُ الحِجْرِ في البيتِ، وجعلُ بابين له؛ لأنَّ النبي ﷺ لولا المُعارِضُ في زمنِه - وهو أنَّ قومَه حديثٌ عهدُهم بجاهليةٍ - لفَعَلَه، كما في حديثِ عائشةَ (١).
стр. 1120
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال ابن هبيرةَ فيه - أي: حديثِ عائشةَ -: يدلُّ على جوازِ تأخيرِ الصَّوابِ؛ لأجلِ قالةِ الناسِ. ورأى مالكٌ والشافعيُّ تركَه. أي: تركَ البناءِ على قواعدِ إبراهيمَ ﵇؛ لئلا يصيرَ البيتُ ملعبةً للملوكِ. وهو ظاهرٌ (١).
"خاتمةٌ": قال الشيخُ تقيُّ الدينِ: والأرزاقُ التي يقدِّرُها الواقفونَ، ثمَّ يتغيرُ النقدُ فيما بعدُ، نحو أنْ يَشرُطَ مائةَ درهمٍ ناصريةً، ثمَّ يحرمُ التعاملُ بها، وتصيرُ الدراهمُ ظاهريةً، فإنَّه يعطى المستحقُّ من نقدِ البلدِ ما قيمتُه قيمةُ المشروطِ (٢).
* * *
стр. 1121
بَابُ الهِبَةِ
وهِيَ: التَّبَرَّعُ بالمَالِ في حَالِ الحَيَاةِ.
وهِيَ مُستحَبَّةٌ، مُنعَقِدَةٌ بكُلِّ قَولٍ أو فِعلٍ يدلُّ عَليهَا.
(بابُ الهبةِ)
أصلُها مِن هَبوبِ الريحِ، أي: مُرُورِه. يُقالُ: وهَبَ له الشيءَ وَهبًا، بإسكانِ الهاءِ وفَتحِها، فهو واهِبٌ ووَهَّابٌ ووَهُوبٌ ووَهَّابةٌ. والاسمُ: المَوهِبُ والموهِبةُ، بكَسرِ الهاءِ فيهما. والاتِّهابُ: قبولُ الهبةِ. والاستيهَابُ: سُؤالها. وتَواهَبوا: وهَبَ بعضُهم لبعضٍ. وواهبَهُ فوَهبَهُ يَهَبُه، كيَدَعُه، ويَرِثُه: غَلَبَه في الهِبَة. ولا يقالُ: وهَبتُكَه. قالَهُ في "القاموس" (١). وحكاهُ أبو عمرٍو عن أعرابيٍّ.
(وهي) شرعًا: (التبرُّعُ بالمالِ في حَالِ الحياةِ). خَرَجَ: الوَصيةُ.
و (هي): أي الهبةُ (مستحبَّةٌ) إذا قُصِدَ بها وجهُ اللهِ، كالهِبَةِ للعُلماءِ والفُقراءِ والصالحينَ.
قال الحارثيُّ: وجِنسُ الهِبَةِ مَندوبٌ إليه؛ لشُمولِه معنى التَّوسِعَةِ على الغيرِ.
ولا تُستَحبُّ إنْ قُصِدَ بها مباهاةٌ ورياءٌ وسمعةٌ، فتُكرَهُ (٢).
(منعَقِدَةٌ بكلِّ قولٍ أو فِعلٍ يدُلُّ عَلَيها) كإرسالِ هَديَّةٍ، ودَفعِ دَراهِمَ (٣) لفقيرٍ.
стр. 1122
وشُروطُهَا ثَمانِيَة:
كُونُها من جَائزِ التَصرُّفِ، وكَونُهُ مُختَارًا غَيْرَ هَازِلٍ، وكَونُ المَوهُوبِ يَصِحُّ بيعُه، وكَونُ المَوهُوبِ لَهُ يصِحُّ تَمَلُّكُهُ، وكَونُهُ يَقْبَلُ ما وُهِبَ لَهُ بقَولٍ أو فِعلٍ يَدلُّ عَليهِ، قَبلَ تَشَاغُلِهِمَا بِمَا يَقطَعُ البَيعَ عُرفًا، وكَونُ الهِبَةِ منجَّزَةً،
(وشُروطُها ثمانيةٌ):
أحدُها: (كونُها من جائزِ التصرُّفِ) أي: مكلَّفٍ رَشيدٍ.
(و) الشرطُ الثاني: (كونُه مختارًا غَيرَ هازلِ) أي: غَيرَ مُكرَهٍ، ولا لاعِبٍ.
(و) الشرطُ الثالثُ: (كونُ الموهوبِ يصحُّ بيعُه) وما لا يصحُّ بيعُه لا تَصِحُّ هِبتُه، كأمِّ الولدِ.
(و) الشرطُ الرابعُ: (كونُ الموهوبِ له يصحُّ تملُّكُهُ) وهو الحرّ البالغُ الرشيدُ. فلا تصحُّ لصغرٍ ومجنونٍ وقنٍّ.
(و) الشرطُ الخامسُ: (كونُه يقبلُ ما وُهِبَ له (١) بقولٍ أو فعلٍ) كالبَيعِ (يَدلُّ عليه) أي: على القَبولِ (قَبلَ تشاغُلِهما بما يَقطَعُ البَيعَ عُرْفًا) لأنًّ حالةَ المجلِسِ كحالِ العقدِ؛ لأنَّه يُكتفى بالقبضِ فيه لما اعتُبِرَ فيه القبضُ. فإن تفرَّقا من المجلسِ قبلَ إتمامِه، أو تشاغَلا بما يقطَعُه عُرْفًا، بطَلَ؛ لأنَّهما أعرَضا عنه، أشبَهَ ما لو صرَّحَ بالردِّ.
(و) الشرطُ السادسُ: (كونُ الهبةِ منجَّزةً) فلا يصحّ تعليقُها على شرطِ مستقبَلٍ، كـ: إذا جاءَ رأسُ الشهرِ، أو قدِمَ فلانٌ، فقدْ وهبتُكَ كذا؛ قياسًا على البيعِ (٢).
стр. 1123
وكَونُها غَيرَ مُؤقَّتَةٍ، لكِنْ لو وُقِّتَتْ بِعُمُرِ أحَدِهِمَا، لَزِمَت ولَغَا التَّوقِيتُ،
(و) الشرطُ السابعُ: (كونُها غيرَ مؤقَّتةٍ) كقولِه: وهبتُك هذا سنةً، أو شهرًا. فلا تصحُّ؛ لأنَّها تمليكُ عينٍ فلا توقَّتُ، كالبيعِ (١).
(لكنْ لو وقِّتَتَ بعُمُرِ أحدِهما، لزِمَت ولَغَا التَّوقيتُ) فتصحُّ معَ التَّوقيتِ بالعُمُرِ؛ لأنَّ شَرْطَ رجوعِها هُنا على غَيرِ الموهُوبِ له، وهو وارِثُه، بخلافِ التوقيتِ بزَمَنٍ معلومٍ.
ومعنَاهَا (٢): شَرطُ الوَاهِبِ على المتَّهبِ عَودُ مَوهُوبٍ على كُلِّ حَالٍ إليه (٣)، أو إلى ورَثَتِه.
سُمِّيَتْ عُمْرَى؛ لتقييدِها بالعُمُرِ، كأعمَرتُكَ، أو: أرقَبتُكَ هذه الدَّارَ، أو هذه الفَرَسَ، أو هذه الأَمَةَ. يُقالُ: أعمرتُه، وعمَّرتُه، مشدَّدًا: إذا جَعَلتَ له الدَّارَ مُدَّةَ عُمُرِكَ، أو عُمُرِه. وأرقبتُكَ: أعطيتُكَ.
ونصّ أحمدَ فيمَنْ يُعمِرُ أمَةً: لا يَطَؤها. نقلَه يَعقوب وابنُ هانئٍ. وحَمَلَه القاضي على الوَرعِ.
أو: جَعَلتُها لك عُمرَكَ، أو: حياتَكَ. أو: جعلتُها لك عُمُري، أو: رُقْبى، أو: ما بقيتَ. أو: أعطيتُكها عمرَكَ، أو: حياتَكَ، أو: عُمْرَىَ، أو: رُقْبى، أو: ما بقيتُ، فتصحُّ؛ لحديثِ جابرٍ مرفوعًا: "العُمْرَى جائزةٌ لأهلِها". رواه أبو داودَ، والترمذيُّ (٤) وحسَّنَه.
стр. 1124
وكَونُها بَغَيرِ عِوَضٍ، فإن كانت بِعِوَضٍ مَعلُومٍ، فَبَيعٌ، وبعِوَضٍ مَجهُولٍ، فَبَاطِلَةٌ.
وأمَّا حديثُ: "لا تُعمِرُوا ولا تُرقِبُوا" (١). فالنهيُّ على سبيلِ الإعلامِ لهم بنفوذِها للمُعمَرِ والمُرقَبِ؛ بدليلِ بقيَّةِ الحديثِ: "فمَن أعمرَ عُمْرَى، فهي للذي أُعمِرَهَا حيًّا وميِّتًا" (٢).
وتكونُ لمُعطَى ولوَرَثَتِه بَعدَه إنْ كانواح للخبرِ، كتصرِيحِه -أي: المُعْمِرِ- بأنَّ العُمْرَىَ بعدَ مَوتِ مُعمَرٍ لِوَرَثَتِه، سواءٌ كانت عَقَارًا أو حيوانًا، أو غيرَهما. وإلَّا يَكُنْ له وارِثٌ، فهي لبَيتِ المالِ. نصًّا.
قال في "الإقناع" (٣): وإن أضافَ الهبةَ إلى عُمُرِ غَيرِه؛ بأن قال: وهبتُكَ الدَّارَ ونحوَها عُمُرَ زَيدٍ، لم تصحَّ؛ لأنَّها مؤقَّتةٌ، وليعسَتْ مِن العُمْرَى، ولا الرُّقْبى.
(و) الشرطُ الثامنُ: (كونُها بغيرِ عوضٍ).
(فإنْ كانت بعِوضٍ معلومٍ، فـ) هي (بيعٌ) أي: فيُشتَرَطُ لها شُروطُ صِحَّةِ البيعِ؛ لأنَّه تمليكٌ بعِوضٍ معلومٍ، ويَثبتُ الخِيارُ والشّفعَةُ، وكما لو شُرِط في عَاريَّةٍ مُؤقَّتَةٍ عِوَضٌ مَعلومٌ، فتَصيرُ إجارَةً.
(وبعِوضٍ مجهولٍ، فباطلةٌ) كالبيعِ بثَمَنٍ مجهولٍ. وحكمُها كالبيعِ الفاسدِ، فتُرَدُّ بزيادَتِها المتَّصِلةِ والمنفصلةِ؛ لأنَّها نماءُ مِلكِ الواهبِ. وإنْ تَلِفَتْ أو زوائِدُها، ضَمِنَها ببَدَلِها.
стр. 1125
ومَنْ أهدَى ليُهدى له أكثَرَ، فلا بَأسَ.
ويكرَهُ رَدُّ الهِبَةِ وإنْ قَلَّتْ، بَلِ السُّنَةُ أنْ يُكَافِئَ أو يَدعُو،
والهبةُ المطلقةُ لا تَقتَضِي عِوَضًا، سواءٌ كانت لمثلِه، أو دونِه، أو أعلى منه. وإنِ اختَلَفا (١) في شرطِه (٢)، فقولُ مُنكِرٍ بيمينِه. وإنِ اختلَفَا في الصَّادِرِ بَينَهُما، فقال مَن بِيَدِه العينُ: وهَبتَني ما بِيَدي. فقال مَن كانت بيدِه قبلُ: بل بِعتُكَه، ولا بيِّنةَ لأحدِهما، يحلِفُ كُلٌّ منهما على ما أنَكرَ من دَعوَى الآخَرِ، ولا يصحُّ البيعُ، ولا الهبةُ.
(ومَن أهدَى) شيئًا (ليُهدَى له أكثرَ) منه، (فلا بأسَ) به.
(ويُكرَهُ ردُّ الهبةِ، وإن قلَّتْ) لحديثِ أحمدَ، عن ابنِ مسعودٍ مرفوعًا: "لا تردُوا الهديَةَ" (٣).
وعُلِمَ منه: أنَّه لا يجِبُ قبولُ هبةٍ، ولو جاءتْ بلا مسألةٍ ولا استشرافِ نفسٍ. وهو إحدَى الروايتينِ. قال الحارثيُّ: وهو مقتضى كلامِ المصنِّفِ، أي: الموفَّقِ، وغيرِه من الأصحابِ. قال في "الإنصاف": وهو الصَّوابُ.
وعنه: يجبُ اختارَها أبو بكر في "التنبيه"، و"المستوعب"، وتبِعَهما صاحبُ "المنتهى" في الزكاة (٤).
(بل السُّنَّةُ أنْ يُكافِئَ) المُهدِيَ له، (أو يَدعُو) له. وفي "الفروع": ويتوجَّه: