فَصلٌ
وسُنَّ: أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ إِذَا فَرَغَ ، ويَقولَ: الحَمْدُ للَّهِ الذِي أطْعَمَنِي هَذَا الطَّعامَ، ورَزَقَنِيهِ مِن غَيْرِ حَوْلٍ منِّي ولا قوَّةٍ. ويَدْعُو لصاحِبِ الطَّعَامِ، ويُفَضِلَ منه شيئًا، لا سِيَّمَا إنْ كانَ مِمَّن يُتَبَرَّكُ بفضْلَتِه.
(فَصلٌ)
(وسُنَّ أن يَحمَدَ اللهَ إذا فَرَغَ) مِن طعامِه أو شرابِه؛ لحَديثِ: "إنَّ اللهَ ليَرضَى مِن العَبدِ أن يأكُلَ الأَكلَةَ، أو يشربَ الشَّربَةَ، فيَحمدَه عليها" رواه مسلم (١).
(ويَقول: الحمدُ للهِ الذي أطعَمَني هذا الطَّعامَ، ورَزَقَنيه (٢) مِن غَيرِ حَولٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ) وعن مُعاذِ بن أنسٍ الجُهنيِّ مرفوعًا: "مَن أكلَ طَعَامًا، فقالَ: الحمدُ لله الذي أطعَمَني هذا ورَزَقَنِيهِ مِن غَيرِ حَولٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ، غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِن ذَنبه". رواهُ ابنُ ماجه (٣).
(و) يُسنُّ أن (يَدعُوَ لصاحِبِ الطَّعامِ) بما أحَبَّ (ويُفضِلَ مِنهُ) أي: مِن الطَّعامِ (شيئًا) ولو قَليلًا، (لا سِيَّمَا إن كانَ ممَّن يُتبَرَّكُ بِفَضلَتِه (٤)).
стр. 1404
ويُسَنُّ إعْلانُ النِّكَاحِ، والضَّربُ فِيهِ بدُفٍّ -لا حِلَقَ فِيهِ ولا صُنُوجَ-
(ويُسنُّ إعلانُ النِّكاحِ) أي: إظهَارُهُ. (والضَّربُ فيهِ بِدُفٍّ -لا حِلَقَ فِيهِ ولا صُنُوجَ) لحديث: "أعلِنُوا النِّكاحَ" وفي لفظٍ "أظهروا النكاح" (١). وكان يُحِبُّ أن يُضرَبَ عليهِ بالدّفِّ. وفي لَفظٍ: "واضرِبُوا عليه (٢) بالغِربَالِ". رواه (٣) ابن ماجه (٤).
وظاهِرُهُ: سَواءٌ كان الضَّارِبُ رَجُلًا أو امرَأةٌ.
وقال الموفَّقُ: ضربُ الدُّفِّ مخصوصٌ بالنِّساءِ. وفي "الرعاية": ويُكرَهُ للرِّجَالِ مُطلقًا.
وقال أحمدُ: لا بأسَ بالغَزَلِ في العُرْسِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ للأنصارِ: "أتينَاكُم أتينَاكُم، فحَيُّونَا نُحيِّيكُم، ولولا الذَّهبُ الأحمَر، لما حلَّت بوادِيكم، ولولا الحبَّةُ السوداءُ ما سُرَّتْ عَذاريكُم" (٥) -لا علَى ما يَصنَعُ اليَومَ النَّاسُ- ومِن غَيرِ هذا الوجه: "ولولا الحِنطَةُ الحَمراء ما سُرَّت عذارِيكم".
стр. 1405
للنِّساءِ، ويُكْرَهُ للرِّجالِ. ولا بَأْسَ بالغَزَلِ في العُرسِ.
وضَربُ الدُّفِّ في الخِتانِ، وقُدُومِ الغائِبِ، كالعُرسِ.
وتحرُمُ كُلُّ مَلهَاةٍ سوى الدُّفِّ، كمِزمَارٍ، وطُنبورٍ، ورَبَابٍ، وجَنْكٍ. وقال في "المستوعب" و"الترغيب": سواءٌ استُعمِلَت لحُزْنٍ أو سُرورٍ (١). (للنِّساءِ).
(ويُكرهُ) الضَّربُ بالدُّفِّ (للرِّجالِ) مُطلقًا. قاله في "الرعاية". وقال الموفَّق: ضَربُ الدُّفِّ مخصوصٌ بالنِّساءِ. قال في "الفروع": وظاهِرُ نُصوصِه وكلامِ الأصحابِ: التَّسويَةُ (٢).
(ولا بأسَ بالغَزَلِ في العُرسِ) لما تقدَّم، لقوله ﵇: "أتيناكم" .. وتقدَّمَ.
(وضَربُ الدُّفِّ في الخِتانِ، وقُدومِ الغَائِبِ) والوِلادَةِ (كالعُرسِ) لما فيه من السُّرورِ.
* * *
стр. 1406
بابُ عِشْرَةِ النِّساءِ
يَلْزُم كُلًّا مِن الزَّوْجَينِ مُعاشَرَةُ الآخَرِ بالمَعْرُوفِ، مِن الصُّحْبةِ الجَمِيلةِ، وكَفِّ الأَذَى، وأنْ لا يَمْطُلَهُ بِحَقِّهِ. وحَقُّ الزَّوْجِ عَلَيها أعْظَمُ مِن حقِّها علَيْهِ.
(بابُ عِشرَةِ النِّساءِ)
أصلُها: الاجتِماعُ، ويُقالُ لِكُلِّ جماعَةٍ: عِشرَةٌ ومَعشَرٌ.
وهي هُنا: ما يَكونُ بينَ الزَّوجَينِ مِن الأُلفَةِ والانضِمَامِ.
(يَلزَمُ كُلًّا مِن الزَّوجَينِ مُعاشَرَةُ الآخَرِ بالمعرُوفِ، مِن الصُّحبَةِ الجَميلةِ، وكَفِّ الأذى، وأن لا يَمْطُلَهُ بحقِّه. وحقُّ الزَّوجِ عليها أعظَمُ مِن حَقِّها عَليه) لقولِه تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. قال ابن (١) زيدٍ: تتَّقونَ اللهَ فيهنَّ، كما عليهنَّ أن يَتقينَ اللهَ فيكُم.
وقال ابنُ عباس: إنِّي لأُحبُّ أن أتزيَّنَ للمرأَةِ، كما أُحبُّ أن تتزيَنَ لي؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (٢).
ويُستحبُّ لكُل مِنهُما تَحسينُ الخُلُقِ لصَاحِبه، والرِّفقُ به، واحتِمالُ أذاه. وفي الحديث: "استَوصُوا بالنِّساءِ خَيرًا، فإنهنَّ عَوَانٍ عِندَكُم، أخذتمُوهُنَّ بأمانَةِ اللهِ، واستَحلَلتُم فُروجَهُنَّ بكلِمَةِ الله". رواهُ مُسلِم (٣).
стр. 1407
ولْيَكُنْ غَيُورًا مِن غَيرِ إفْرَاطٍ.
وإذَا تَمَّ العَقْدُ، وجَبَ على المَرْأَةِ أنْ تُسلِّمَ نَفْسَها لبَيْتِ زَوْجِهَا، إذَا طَلَبَها، وهِيَ حُرَّةٌ يُمْكِنُ الاسْتِمْتَاعُ بِهَا، كبِنْتِ تِشعٍ،
وحَقُّ الزَّوجِ أعظَمُ مِن حقِّها عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وحديث: "لو كنتُ آمِرًا أحَدًا أن يَسجُدَ لأحدٍ لأمرتُ النِّساءِ أن يَسجُدنَ لأزواجِهنَّ، لما جعَلَ الله لهُم عليهنَّ من الحقِّ". رواه أبو داود (١).
ويَنبَغِي إمساكُها معَ كراهَتِه لها؛ لقوله تعالى: ﴿كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] قال ابنُ الجوزيِّ وغيرُه: قال ابنُ عبَّاس: رُبَّما رُزِقَ مِنها ولَدًا، فجَعَلَ اللهُ فيه خَيرًا كثيرًا (٢).
(وليكُن غَيورًا مِن غَيرِ إفراطٍ) لئلَّا تُرمَى (٣) بالشرِّ مِن أجلِه.
(وإذا تمَّ العقدُ، وجَبَ على المرأةِ أن تُسلِّم) أي: الزَوجَةُ (نَفسَها لبَيتِ زوجِها، إذا طلَبَها) كما يجِبُ تَسليمُها الصَّداقَ إن طلبَتهُ (وهي حُرَّةٌ يُمكِنُ الاستمتَاعُ بها) أي: الزَّوجَةِ، وإلَّا لم يلزَم تسليمُها إليه، وإن قال: أحضُنُها وأُربِّيها؛ لأنَّها ليسَت محلًا للاستمتاعِ، ولا يؤمَن أن يُواقِعَها فيُفضيَها. (كبنتِ تِسعِ) قال الإمامُ أحمدُ: فإن أتَى عليها تِسعُ سِنينَ، دُفِعَت إليهِ. وذَهَب في ذلك إلىَ أنَّ النبي ﷺ بنَى بعَائِشةَ وهي بِنتُ تِسعِ سِنينَ (٤).
لكِنْ قال القَاضي: ليسَ هذا عِندي على طَريقَةِ التَّحديدِ، وإنَّما ذَكَرَه؛ لأنَّ
стр. 1408
إنْ لَمْ تَشْتَرِطْ دَارَهَا.
ولا يَجِبُ عَلَيها التَّسلِيمُ إِنْ طَلَبَها وهِي مُحْرِمَةٌ، أو مَرِيضةٌ، أو صَغِيرةٌ، أوْ حائِضٌ، ولو قالَ: لا أَطَأُ.
الغَالِبَ أن ابنةَ تسعٍ يُتمَكَّنُ من الاستمتاعِ بها.
فيَلزمُ تَسليمُ بِنتِ تسع (إن لم تَشتَرِط دارَهَا) أو دارَ أبوَيها، أو أحدِهِما، أو بَلدَهَا -إذا طلَبَها، فإنَّ الحقَّ له، فلا يجبُ بدونِ طلبِه.
قال في "المبدع" (١): فإن شَرَطَته، لزِمَ الوفاءُ به، ويجبُ عَليها تَسليمُ نَفسِها في دارِها.
قال الشيخُ تقيُّ الدين (٢): إنَّه لو قيلَ إذا اشتَرطَت دارَها، لم يَكُن عليهِ أُجرَةُ تِلكَ الدَّارِ، لكَانَ مُتوجِّهًا. وإلَّا فلَها الفَسخُ إذا نَقَلَها.
(ولا يَجبُ عَليها) أي: على الزوجَةِ، أو وَليِّها (التَّسليمُ) ابتداءً (إن طلَبَها وهِي) أي: الزّوجَةُ (مُحرِمَة) بحجٍّ أو عُمرةٍ (أو مَريضَةٌ) لا يمكِنُ استمتاعٌ بها (أو صَغيرَةٌ، أو حائِضٌ، ولو قالَ: لا أَطأُ) لأنَّ هذِه الأعذارُ تمنعُ الاستمتاعَ بها، ويُرجَى زوالُها، أشبَهَ ما لو طلَبَ تسليمَها في نهارِ رمضانَ.
* * *
стр. 1409
فَصلٌ
وللزَّوْجِ أنْ يَستَمتِعَ بزَوْجَتِه كُلَّ وقْتٍ، علَى أيِّ صِفَةٍ كانَتْ، مَا لَمْ يَضُرَّهَا، أوْ يُشغِلهَا عَنِ الفَرَائِضِ.
(فَصلٌ)
(وللزَّوجِ أن يَستمتِعَ بزَوجَتِه كُلَّ وَقتٍ، على أيِّ صِفةٍ كانَت، ما لم يَضُرَّها، أو يُشغِلَها عن الفرائِضِ) فليسَ له الاستمتاعُ بها إذَن؛ لأنَّ ذلك ليسَ من المعاشَرَةِ بالمعرُوفِ. وحيثُ لم يُشغِلها عن ذلِكَ، ولم يُضرَّها، فلهُ الاستمتاعُ، ولو علَى تنّورٍ أو ظَهرِ قَتَبٍ (١) ونحوِه، كما رواهُ أحمدُ وغيرُه (٢).
وظاهِرُهُ: أنه لا يُقدَّرُ بِشيءٍ سِوَى ذلكَ.
فإن زادَ الزوجُ عليهَا في الجِماعِ، صُولِحَ على شيءٍ منه. قال القاضي: لأنَّه غيرُ مُقدَّرٍ، فرُجِعَ إلى الاجتهادِ بحُكمِ الحاكِمِ.
قال الشيخ تقيُّ الدِّين: فإن تنازَعَا فيَنبَغي أن يَفرِضَهُ الحاكِمُ، كالنَّفقَةِ، وكوَطئِهِ إذا زادَ.
قال في "الإنصاف": ظاهِرُ كلامِ أكثَرِ الأصحابِ خِلافُ ذلك، وأنَّ ظاهِرَ كلامِهِم: ما لم يَشغَلْها عن الفرائِضِ، أو يَضرَّها.
وجعلَ عبدُ الله بن الزبير لرَجُلٍ أربعًا باللَّيلِ، وأربعًا بالنَّهارِ. وصالَحَ أنَسٌ رجلًا
стр. 1410
ولا يَجوزُ لَهَا أنْ تَتطوَّعَ بصلاةٍ أوْ صَوْمٍ -وهو حاضِرٌ - إلَّا بِإذْنِه.
ولَهُ الاسْتِمنَاءُ بيَدِهَا، والسَّفَرُ بلا إذْنِهَا.
ويَحْرُمُ وَطْؤُهَا في الدُّبُرِ، ونَحْوِ الحَيْضِ،
استَعدَى على امرأتِه على ستَّةٍ (١).
ولا يُكرَهُ الجماعُ في لَيلَةٍ من الليالي، ولا يَومٍ من الأيام (٢).
(ولا يجوزُ لها) أي: للمرأةِ (أن تتَطوَّعَ بصلاةٍ أو صَومِ- وهو) أي: الزَّوجُ (حاضِرٌ- إلَّا بإذنِه) لقولِه ﵊: "لا يحلُّ للمَرأةِ أن تصومَ وزَوجُهَا شاهِدٌ إلَّا بإذنِه، ولا تأذَنَ في بيتِهِ إلَّا بإذنِه، وما أنفَقَت من نفقَةٍ بغيرِ إذنِه فإنَّه يُرَدُّ إليه شَطرُه". رواه البخاري (٣).
(ولهُ الاستمناءُ بيَدِها، و) لهُ (السَّفرُ) حيثُ شاءَ (بلا إذنِهَا) أي: الزَّوجَةِ، ولو عَبدًا معَ سيِّدِه وبِدُونِه، بخلافِ سفَرِها بلا إذنِه؛ لأنَّه لا وِلايَةَ لها عليه.
(ويحرُمُ وَطؤُهَا في الدُّبُرِ، ونحوِ الحَيضِ) لقَولِه ﵇: "إنَّ اللهَ لا يَستَحِي مِن الحقِّ، لا تأتُوا النِّساءَ في أعجازِهِنَّ" (٤). وعن أبي هريرةَ وابنِ عباسٍ مرفوعًا: "لا ينظرُ اللهُ إلى رجُلٍ جامَعَ امرأتَه في دُبُرِها" (٥). رواهُما ابن ماجَه. وعن أبي هريرة مرفوعًا: "من أتَى حائِضًا، أو امرأَةً في دُبُرِها، أو أتى عرَّافًا فصدَّقَه،
стр. 1411
وعَزْلُه عَنْهَا بلا إذْنِهَا.
فقد كفَرَ بما أُنزِلَ على محمَّد" (١). رواه الأثرم.
وامَّا (٢) قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
فروى جابرٌ قال: كان اليهودُ يقولُونَ: إذا جامعَ الرجلُ امرأتَه في فرجِها من ورائِها، جاءَ الولدُ أحوَل. فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] مِن بينِ يَديهَا ومِن خَلفِها، غيرَ أن لا يأتِيَها إلَّا في المأتَى. متفق عليه (٣). وفي روايةٍ: ائتهَا مُقبِلَةً ومُدبِرَةً، إذا كانَ ذلكَ في الفَرجِ (٤).
فإن فعَلَ في الدُّبُرِ، عُزِّرَ. وإنْ تَطاوَعَا -الزَّوجَانِ- على الوَطءِ في الدُّبُرِ، فُرِّقَ بينَهُما. قال الشيخُ: كما يُفرَّقُ بينَ الرَّجُلِ (٥) الفاجِرِ وبينَ مَن يَفجُرُ بِهِ مِن رَقيقِه (٦).
(و) يحرُمُ (عزلُهُ عنها بلا إذنِهَا) أي: الزَّوجَةِ.
ومَعنى العَزلِ: أن يَنزِعَ إذا قَرُبَ الإنزالُ، فيُنزِلَ خارِجًا عن الفَرجِ.
ووَجهُ المذهَبِ: ما رُوي عن عمر (٧) قال: نهى رسولُ الله ﷺ أن يُعزَلَ عن
стр. 1412
ويُكْرَهُ أَنْ يُقبِّلَهَا أوْ يُباشِرَهَا عِنْدَ النَّاسِ، أو يُكْثِرَ الكَلامَ حالَ الجِمَاعِ، أو يُحدِّثَا بِمَا جرَى بَينَهُمَا.
الحُرَّةِ إلَّا بإذنِهَا. رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجه (١). ولأنَّ لها في الولَدِ حَقًا، وعليها في العَزلِ ضَررٌ، فلم يجُز إلَّا بإذنِها.
وقاسوا على ذلك: سيِّدَ الأمَةِ.
إلَّا بدَارِ الحَربِ، فيُسنُّ عزلُهُ مُطلَقًا، أي: سَواءٌ كانَت زوجتُه حرَّةً، أو أمةً، أو كانَت لهُ سُرِّيَّةٌ؛ خَشيَةَ استيلاءِ العدوِّ على الحامِلِ، أو استرقَاقِ ولَدِها. وهذا إن جازَ ابتداءُ النِّكاحِ، وإلَّا وجَبَ العَزلُ، كما تقدَّم في أوَّلِ النكاحِ عن "الفصول"، وأطلَقَ في "الإقناع" وجوبَه (٢).
(ويُكرَهُ أن يُقبِّلَها) أي: زوجَتَه، أو سُرِّيَّته، (أو يُباشِرَهَما عندَ النَّاسِ)؛ لأنَّه دَناءَةٌ.
(أو يُكثِرَ الكلامَ حالَ الجِمَاعِ) لقوله ﵇: "لا تُكثِرُوا الكلامَ عندَ مُجامَعَةِ النساءِ، فإنَّ منهُ يكونُ الخَرَسُ والفَأفَاءُ" (٣). رواه أبو حفص. ولأنَّه يُكرهُ الكلامُ حالَ البَولِ، وحالُ الجماعِ في مَعناهُ.
(أو يُحدِّثَا (٤) بما جَرَى بَينهُما) ولو لضرَّتِهَا. وحرَّمَهُ في "الغنية"؛ لأنَّه مِن
стр. 1413
ويُسَنُّ أنْ يُلاعِبَهَا قَبلَ الجِمَاعِ، وأنْ يُغَطِّي رَأْسَه،
السرِّ، وإفشاءُ السرِّ حرامٌ (١). وروى الحسنُ قال: جلَسَ رسولُ الله ﷺ بين الرِّجالِ والنساء، فأقبَلَ على الرجالِ (٢)، فقالَ: "لعلَّ أحدَكُم يُحدِّثُ بما يَصنَعُ بأهلِه إذا خَلا؟ " ثمَّ أقبلَ على النِّساءِ، فقالَ: "لعلَّ إحداكُنَّ تُحدِّثُ النِّساءَ بما يصنَعُ بها زوجُها؟ ": قال: فقالَت امرأةٌ: إنَّهم يَفعلُونَ، وإنَّا لنَفعَل. فقالَ: "لا تفعَلوا، فإنَّما (٣) مَثَلُ ذلِكُم، كمَثَلِ شيطانٍ لَقِيَ شيطانَةً، فجامَعَها والنَّاسُ ينظرُون" (٤). وروى أبو داودَ عن أبي هريرةَ مرفوعًا مِثلَهُ بمعنَاهُ (٥).
(ويُسنُّ أن يُلاعِبَهَا قبلَ الجماعِ) لتَنهَضَ شهوتُها، فتَنالَ مِن لذَّةِ الجِماعِ مِثلَ ما ينالُهُ. وروَى عُمرُ بنُ عبد العزيز، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يُواقِعُها إلَّا وقَد أتاهَا مِن الشَّهوَةِ مِثلُ ما نالَه (٦)، لا يَسبِقُها بالفَراغِ" (٧).
(و) يُسنُّ (أن يُغطِّيَ رَأسَه) عندَ الجِماعِ، وأن يُغطِّيَها عندَ الخَلاءِ؛ لحديث عائشةَ قالَت: كان رسول الله ﷺ . إذا دخلَ الخلاءَ غطَّى رأسَه، وإذا أتى أهلَهُ غطَّى رأسَه" (٨).
стр. 1414
وأنْ لا يَستَقْبِلَ القِبلةَ، وأنْ يَقولَ عندَ الوَطْءِ: بسمِ اللَّهِ، اللُّهمَّ جَنِّبنَا الشَّيْطانَ، وجَنِّبِ الشَّيطانَ مَا رَزَقْتَنَا، وأن تتَّخذَ المَرْأَةُ خِرْقَةً تُناوِلُهَا للزَّوْجِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِن الجِمَاعِ.
(وأن لا يَستَقبِلَ القِبلَةَ) عندَ الجماع؛ لأنَّ عمرو بن حَزمِ (١) وعطاء كَرِهَا ذلك. قاله في "الشرح" (٢).
(و) يُسنُّ (أن يقولَ عندَ الوَطءِ: بسمِ الله، اللهمَّ جنِّبنَا الشيطانَ، وجنِّب الشيطانَ ما رزقتَنا) لقولِه تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] قال عطاء: هو التسميةُ عندَ الجِماعِ. وروى ابنُ عباس أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لو أنَّ أحدَكُم إذا أتَى أهلَهُ قال: بسمِ اللهِ، اللهمَّ جنِّبنَا الشيطانَ، وجنِّب الشيطانَ ما رزقتَنا، فوُلِدَ بينَهُما ولدٌ، لم يضرَّهُ الشيطانُ". متفق عليه (٣).
(و) يُستحبُّ (أن تتَّخِذَ المرأةُ خِرقَةً تُناولُهَا للزَّوجِ بعدَ فراغِهِ من الجِماعِ) ليتمسَّح بها. وهو مروىٌّ عن عائشةَ (٤).
* * *
стр. 1415
فَصْلٌ
ولَيْسَ عَلَيْهَا خِدْمَةُ زَوْجِهَا في عَجْنٍ، وخَبْزٍ، وطَبْخٍ، ونَحْوِه، لكِنْ الأَوْلَى: فِعْلُ مَا جَرَتْ بِهِ العَادَةُ.
ولَهُ أنْ يُلْزِمَهَا بِغَسْلِ نَجَاسَةٍ عَلَيْهَا، وبالغُسْلِ مِن الحَيْضِ والنِّفَاسِ والجَنَابةِ،
(فَصلٌ)
(وليسَ عليهَا خِدمَةُ زَوجِهَا في عَجنٍ، وخَبزٍ، وطَبخٍ، ونحوِه) ككَنسِ الدَّارِ، ومَلءِ الماءِ مِن البئرِ، وطَحنٍ. نصًا؛ لأَنَّ المعقودَ عليهَ مَنفَعَةُ البُضعِ، فلا يَملِكُ غيرَه من منافِعِها (لكنْ الأَولى) لها، أي: الزَّوجَةِ (فِعلُ ما جَرَت به العادَةُ) بقيامِها بِهِ؛ لأنَّه العادَةُ، ولا يَصلُحُ الحالُ إلَّا بهِ، ولا تَنتَظِم المعيشَةُ بدُونِه.
وأوجَبَ الشيخُ تقيُّ الدِّين المعروفَ مِن مِثلِها لمثلِه، وِفاقًا للمالكيَّةِ. وقالَه أبو بَكرِ بنُ أبي شيبةَ، وأبو إسحاقَ الجوزجانيُّ (١)، واحتجَّا بقضيَّةِ عليٍّ وفاطمةَ، فإنَّ النبيَّ ﷺ قضَى على بِنتِه فاطمَةَ بخدمَةِ البَيتِ، وعَليٍّ ما كانَ خارِجًا مِن البيتِ مِن عَملٍ (٢). رواهُ الجوزجانيُّ من طُرُقٍ.
(وله) أي: الزَّوجِ (أن يُلزِمَها) أي: الزَّوجَةَ (بغَسلِ نجاسَةٍ عَليها، و) يُلزِمَها (بالغُسلِ مِن الحيضِ والنِّفاسِ والجنابَةِ) - إن كانَت مُكلَّفَةً. وظَاهِرُهُ: ولو ذميَّةً، خِلافًا "للإقناع"- واجتِنابِ المحرَّماتِ، وكذا إزالَةُ وسَخٍ ودَرَنٍ. ويَستَوي في
стр. 1416
وبأَخْذِ مَا يُعافُ مِن ظُفْرٍ وشَعْرٍ.
ويَحْرُمُ عَلَيْهَا الخُرُوجُ بِلا إذْنِه، ولَوْ لِمَوْتِ أَبِيها،
ذلكَ المسلمةُ والذميَّةُ؛ لاستوائِهِما في حُصولِ النُّفرَةِ ممَّن ذلِكَ حالُها.
(و) يُلزِمُها (بأخذِ ما يُعافُ مِن ظُفْرٍ، و) مِن (شَعْرٍ) وظاهِرُهُ: ولو طالا قَليلًا، بحيثُ تَعافُه النفسُ.
وفي مَنعِهَا مِن أكل ما لَهُ رائِحَةٌ كريهَةٌ، كثومٍ وبصلٍ، وجهان: أحدُهُما: له المنعُ؛ لأنَّه يَمنعُ القُبلَةَ وكمالَ الاستمتاعِ بها. والثاني: ليسَ له ذلِكَ؛ لأنَّه لا يمنعُ الوَطءَ.
وجزمَ بالأوَّلِ في "المنور"، وصحَّحه في "النظم"، "وتصحيح المحرر"، وقدَّمه ابنُ رُزَين في "شرحه" (١)، وهو معنى ما في "الإقناع" (٢).
قال الشيخ منصور في "شرحه على الإقناع" (٣): قلتُ: وكذا تناولُ التِّتن، إذا تأذَّى به؛ لأنَّه في معنى ذلك.
(ويحرُمُ عليها) أي: على الزَّوجَةِ (الخروجُ بلا إذنِه) أي: الزَّوجِ؛ لأنَّ حقَّ الزوجِ واجِبٌ، فلا يجوزُ تركُهُ بما ليسَ بواجِبٍ (ولو لموتِ أبيهَا) لحديثِ أنسٍ أنَّ رجُلًا سافرَ ومَنعَ زوجتَهُ الخروجَ، فمرِضَ أبوها، فاستأذَنت رسولَ الله ﷺ في حضورِ جَنازَتِه، فقال لها: "اتَّقي اللهَ، ولا تُخالِفي زوجَكِ"، فأوحَى اللهُ إلى النبيِّ ﷺ : "أني قد غفرتُ لها بطاعَتِها زوجَها" (٤). رواهُ ابن بطَّة في "أحكام النساء".
стр. 1417
لكِنْ لَهَا أن تَخْرُجَ لقَضَاءِ حَوائِجِهَا؛ حَيْث لَمْ يَقُمْ بِهَا.
ولا يَمْلِكُ مَنْعَهَا مِن كَلامِ أَبَوَيْهَا، ولا مَنْعَهُمَا مِن زِيارَتِهَا، مَا لَمْ يَخَفْ مِنْهُمَا الضَّرَرَ.
ولا يَلزَمُهَا طاعَةُ أبَوَيْهَا، بلْ طَاعَةُ زَوْجِهَا أحَقُّ.
(لكِنْ لها) أي: الزَّوجَةِ (أن تخرُجَ لقَضَاءِ حوائِجِهَا، حيثُ لم يَقُمْ بها) أي: بحوائِجِها، فلا بُدَّ لها مِن الخروجِ؛ للضرورَةِ. فلا تَسقُط نفقَتُها به.
(ولا يَملِكُ) أي: الزَّوجُ (منعَها) أي: الزَّوجَةِ (من كلامِ أبَوَيهَا، ولا مَنعَهُمَا من زيارَتِها) لأنَّه لا طاعَةَ لمخلوقٍ في معصيَةِ الخالِقِ (ما لم يَخَفْ مِنهُما الضَّررَ) بسَبَبِ زِيارَتِهِما، فلهُ منعُهُما إذَنْ من زيارَتِها؛ دفعًا للضَّرر.
(ولا يلزَمُها) أي: الزوجَةَ (طاعَةُ أبوَيهَا) في فِرَاقِه، ولا في زِيارَةٍ، (بل طاعَةُ زوجِها أحَقُّ) لوجُويها عليها.
* * *
стр. 1418
فَصْلٌ
ويَلْزَمُه أنْ يَبِيتَ عِنْدَ الحُرَّةِ بطَلَبِهَا لَيْلَةً مِن أرْبَعٍ، والأَمَةِ ليلَةً مِنْ سَبْعٍ، وأنْ يَطَأَها في كلِّ ثلْثِ سَنَةٍ مَرَّةً إنْ قدَرَ، فإنْ أبَى، فرَّق الحاكِمُ بَيْنَهُمَا إنْ طَلَبَتْ.
(فصلٌ) في القَسْمِ
(ويلزَمُهُ أن يبيتَ عندَ الحرَّةِ بطلَبها ليلَةً من أربَعِ) ليالٍ؛ لأنَّ أكثَرَ ما يُمكِنُ أن يجمعَ معَها ثلاثا مِثلها، وهذا قضاءُ كعبِ بنِ سُور (١) عِندَ عمرَ بنِ الخطاب (٢)، واشتهرَ ولم يُنكَر (٣). (والأَمَةِ لَيلَةً مِن سَبعٍ) لأنَّ أكثَرَ ما يَجمعُ معَها ثلاثُ حَرائرٍ، وهي على النِّصفِ.
(وأن يَطأهَا في كُلِّ ثُلُثِ) - أي: أربَعَةِ أشهُرٍ - (سَنَةٍ مرَّة) بطَلَبِ الزوجَةِ، حُرَّةً كانَت أو أمَةً، مُسلِمَةً أو ذميَّةً؛ لأن الله تعالى قدَّرَ ذلكَ بأربعَةِ أشهُرٍ في حقِّ المُوْلِى، فكذَلِكَ (٤) في غيرِه؛ لأنَّ اليمينَ لا تُوجِبُ ما حَلَفَ عليه، فدلَّ أنَّ الوَطءَ واجِبٌ بدُونِها (إن قَدِرَ) على الوَطءِ. نصًا.
(فإنْ أبى) الوَطءَ (فرَّقَ الحاكمُ بينهُما) فجعله أحمدُ كالمُوْلي (إن طَلَبَت) التفريقَ.
стр. 1419
وإنْ سَافَرَ فَوْقَ نِصْفِ سَنَةٍ في غَيْرِ أمْرٍ واجِبٍ، أوْ طَلَبِ رِزْقٍ يَحْتاجُ إلَيْه، وطلَبَتْ قُدُومَه، لَزِمَه.
ويَجِبُ علَيه التَّسوِيةُ بينَ زَوْجَاتِه في المَبِيتِ،
(وإن سافَرَ) الزوجُ (فوقَ نِصفِ سَنَةٍ في غيرِ أمرٍ واجِبٍ) كحجِّ وغَزوٍ واجِبَين، (أو طَلَبِ رِزقٍ يَحتَاجُ إليه) نَصًا (وطَلَبَت) الزوجَةُ (قُدومَه، لَزِمَه) القُدُومُ.
فإنْ أبى شيئًا من ذلِكَ الواجِبِ عليهِ، مِن المبيتِ، والوَطءِ، والقدومِ من سَفرٍ، بلا عُذرٍ لأحَدِهِما في الجَميعِ، فرَّقَ الحاكمُ بينَهما، بطَلَبها، ولو قَبلَ الدُّخولِ. نصًا. قال في روايَةِ ابنِ منصُورٍ: في رجُلٍ تزوَّجَ امرأةً ولم يدخُل بها، يقولُ: غَدًا أدخُلُ بها، غدًا أدخُلُ بها، إلى شَهرٍ: هل يُجبَر على الدُّخُول؟ قال: أذهَبُ إلى أربَعَةِ أشهُرٍ، إن دخَلَ بها، وإلا فرِّقَ بينَهُما. فجعلَه كالمُولي.
ولا يَصحُّ الفسخُ هُنا إلا بحُكمِ حاكِمٍ؛ لأنَّه مُختَلَفٌ فيه.
(ويجِبُ عليه التَّسوَيةُ بينَ زوجاتِه في المَبيتِ) لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وزِيادَةُ إحداهُنَّ في القَسمِ مَيلٌ. ولا مَعرُوفَ معَ المَيلِ. وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٩] الآية. لأنَّ العَدلَ أن لا يَقَعَ مَيلٌ البتَّةَ، وهو مُتعذِّرٌ.
وعن أبي هريرةَ مرفوعًا: "من كانَ له امرأتَانِ، فمالَ إلى إحدَاهُما، جاءَ يومَ القِيامَةِ، وشِقُّهُ مائِلٌ". وعن عائشةَ قالَت: كانَ رسولُ الله ﷺ يَقسِمُ بينَنَا فيَعدِلُ، ثم يقولُ: "اللهمَّ هذا قَسمِي فيما أملِكُ، فلا تلُمني فيما لا أملِك". رواهما أبو داود (١).
стр. 1420
ويَكُونُ لَيلةً ولَيْلةً، إلَّا أنْ يَرْضَيْنَ بأكْثَرَ.
ويَحْرُمُ دُخُولُه في نَوْبَةِ واحِدَةٍ إلى غَيْرِهَا إلَّا لضرورةٍ، وفي نَهَارِهَا إلَّا لِحاجَةٍ، وإنْ لَبِثَ أو جامَعَ، لَزِمَه القَضَاءُ.
وإنْ طَلَّق واحِدَةً وَقْتَ نَوْبَتِهَا،
(ويَكونُ) القَسْمُ (ليلَةً وليلَةً) لأنَّ في قَسمِهِ لَيلَتَين فأكثَرَ تأخِيرًا لحقِّ مَن لها اللَّيلَةُ الثانيةُ للَّتي قَبلَها.
(إلَّا أن يَرضَينَ بـ) القَسم (أكثَرَ) مِن ليلَةٍ وليلَةٍ؛ لأنَّ الحقَّ لا يعدُوهُنَّ.
وإن كانَت نِساؤُهُ بمَحَالَّ مُتباعِدَاتٍ، قسَمَ بحَسَبِ ما يُمكِنُه، معَ التَّساوِي بينهنَّ، إلا برِضَاهنَّ.
(ويحرُمُ) على الزَّوجِ (دخُولُه في نَوبَةِ واحدَةٍ إلى غَيرِها إلَّا لضرورَةٍ) قال في "المغني" و"الشرح": كدَفْعِ نفقةٍ، وعيادَةٍ، وسُؤالٍ عن أمرٍ يَحتاجُ إلى معرفَتِه، أو زيارَتِها لبُعدِ عهدٍ بها (١)، أو تُوصِي إليه (٢).
(و) يحرُمُ أن يدخُلَ إليها (في نَهارِهَا) أي: نهارِ لَيلَةِ غيرِها (إلَّا لحاجَةٍ) كعِيادَةٍ، أو سؤالٍ عن أمر يَحتاجُ إليه، أو دَفع نَفقَةٍ، أو زيارَةٍ لبُعدِ عهدٍ بها.
(وإن لَبِثَ أو جامَعَ، لزِمَه القَضاءُ) مِثلَ ذلِكَ مِن حقِّ الأُخرَى؛ لأنَّ التسويَةَ واجبَةٌ، ولا تحصلُ إلَّا بذلك.
(وإن طلَّق) زوجُ اثنَتَين فأكثَرَ، أي: تَزوَّجَها (واحِدَةً وقتَ نَوبَتِها) أي:
стр. 1421
أثِمَ، ويَقْضِيَهَا متَى نَكِحَهَا.
ولا يَجِبُ أنْ يَسوِّي بينهُنَّ في الوَطْءِ ودَوَاعِيهِ، ولا في النَّفَقَةِ والكُسوةِ؛ حيث قامَ بالواجِبِ، وإنْ أمْكَنَه ذَلِكَ، كَانَ حَسَنًا.
قَسمِها (أَثِمَ) لأنَّه وسيلةٌ إلى إبطالِ حقِّها من القَسمِ. ولعلَّه إذا لم يَكُن بسُؤالِها (ويَقضيها مَتى نَكِحَها) وجوبًا؛ لقُدرَته عليه.
(ولا يجبُ) عليه (أن يُسوِّيَ بينهنَّ) أي: بينَ الزَّوجاتِ، بل يُسنُّ تَسويَةُ زوجٍ في وَطءٍ بينَ زوجاتِه؛ لأنَّه أبلَغُ في العَدلِ بينهنَّ. ورُوي: أنَّه ﵇ كان يُسوِّي بينَ زوجاتِه في القُبلَةِ، ويقول: "اللهمَّ هذا قَسمي فيما أملِكُ، فلا تَلُمني فيما لا أملِكُ" (١). (في الوَطءِ ودَواعِيه) لأنَّ ذلك طريقُهُ الشهوَةُ والمَيلُ، ولا سبيلَ إلى التسويةِ بينهنَّ في ذلك (٢).
(ولا) تجبُ التسويةُ (في النَّفقَةِ والكسوَةِ) والشَّهوَاتِ (حيثُ قامَ بالوَاجِبِ) عليه من نفقةٍ وكسوَةٍ، (وإن أمكَنَه ذلك، كان حَسَنًا) لأنَّه أبلغُ في العدلِ بينهنَّ.
* * *
стр. 1422
فَصْلٌ
وَإذَا تَزَوَّجَ بِكْرًا أَقَامَ عِنْدَهَا سَبعًا، وثَيِّبًا ثلاثًا، ثُمَّ يعود إلى القَسمِ بينَهُنَّ.
ولَه تَأْدِيبُهُنَّ علَى تَركِ الفَرَائِضِ.
(فَصلٌ)
(وإذا تزوَّجَ بِكرًا) ومَعَهُ غيرُها، (أقامَ عندَها سَبعًا) ولو كانَت أمةً وضَرائِرُها حرائر (١)، ثم دارَ لقَسمٍ.
(و) إن تزوَّجَ (ثيبًا) ومعَة غيرُها، أقامَ عِندَها (ثلًالا) ولو أمَةً، ثم دارَ لِقَسمٍ؛ لحديثِ أبي قِلابَةَ، عن أنسٍ قال: مِن السنَّةِ إذا تزوَّجَ البِكرَ على الثيِّبِ أقامَ عندَها سَبعًا، وقَسَمَ، وإذا تزوَّج الثيِّبَ أقامَ عندَها ثلاثًا، ثم قَسَمَ. قال أبو قلابة: لو شِئتُ لقُلتُ: إن أنسًا رفَعَه إلى النبيِّ ﷺ . رواه الشيخان (٢).
(ثمَّ يعودُ إلى القَسمِ بينهنَّ) بالتَّرتيبِ. وتَصيرُ الجديدَةُ آخرَهُنَّ نوبَةً.
(ولهُ تأدِيبُهُنَّ على تَركِ الفَرائِضِ) كالصَّلاةِ والصومِ الواجِبَين. نصًا.
قال عليٌّ (٣) ﵁ في قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] قال: علِّمُوهُم وأدِّبُوهم (٤). وروَى الخلالُ بإسنادِه عن جابِرٍ قال: قال
стр. 1423
ومَنْ عَصَتْهُ، وَعَظَهَا، فإنْ أصَرَّتْ، هَجَرَهَا في المَضْجَعِ مَا شاءَ، وفي الكَلامِ ثلاثةَ أَيَّامٍ فَقَطْ،
رسولُ الله ﷺ : "رحِمَ اللهُ عبدًا عَلَّقَ في بَيتِه سوطًا (١) يُؤدِّبُ به أهلَه" (٢).
فإن لم تُصَلِّ، فقالَ أحمدُ: أخشَى أن لا يَحِلَّ للرَّجُلِ أن يقيمَ معَ امرأةٍ لا تُصلِّي، ولا تَغتَسِل مِن الجنابَةِ، ولا تتعلَّمُ القُرآن.
ولا يؤدِّبها في حادِثٍ مُتعلِّقٍ بحقِّ اللهِ تعالى، كسِحَاقٍ (٣).
(ومَن عصَتهُ، وعَظَها) بأن يَذكُرَ لها ما أوجَبَ اللهُ عليها من الحقِّ، وما يَلحَقُها مِن الإثمِ بالمخالَفَةِ، وما يَسقُطُ بذلك مِن الكسوَةِ والنفقةِ. ويباحُ لهُ هجرُها وضربُها؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤].
(فإن أصرَّت، هجَرَها في المضجَعِ ما شاءَ)؛ لقولِه تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤]. وقال ابنُ عباسٍ: لا تُضاجعْها في فِراشِكَ (٤). وقد هجَرَ النبي ﷺ نساءَه، فلم يدخُل عليهنَّ شهرًا. متفق عليه (٥).
(و) هجَرَهَا (في الكلامِ ثَلاثَةَ أيَّامٍ فقَط) لا فَوقَها؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا يحلُّ لمسلمٍ أن يهجُرَ أخاهُ فوقَ ثلاثَةِ أيَّامٍ" (٦). والهَجرُ ضِدُّ الوَصْلِ،
стр. 1424
فإنْ أصَرَّتْ، ضَرَبَهَا ضَرْبًا غَيرَ شَدِيدٍ بعَشرةِ أسْوَاطٍ، لا فَوْقَهَا؛ ويُمْنَعُ مِن ذلكَ، إنْ كانَ مانعًا لِحَقِّهَا.
والتهاجُرُ: التقاطُعُ.
(فإن أصرَّت) معَ هَجرِها في المَضجَعِ والكلامِ على ما هِي عليه: (ضَرَبَها ضَربًا غيرَ شديدٍ) لحديث: "لا يَجلِدُ أحدُكُم امرأتَه جلدَ العَبدِ، ثم يُضاجِعَها في آخرِ اليوم" (١). (بعَشرَةِ أسواطٍ، لا فوقَها) لحديث: "لا يُجلَدُ أحدٌ (٢) فوقَ عشَرَةِ أسواطٍ إلَّا في حدٍّ من حُدودِ اللهِ تعالى". متفق عليه (٣).
(ويُمنَعُ مِن ذلك) أي: من هذِه الأشياءِ (إن كانَ مانِعًا لحَقِّها) لأنَّه يكونُ ظالمًا بِطَلَبه حقَّه معَ مَنعِه حقَّهَا.
ويَنبَغي للمرأةِ أن لا تُغضِبَ زوجَها؛ لما روى أحمد بسنَدِه عن الحُصين بن المِحصَنِ: أنَّ عمَّةً لهُ أتَت النبيَّ ﷺ فقال: "ذاتُ زَوجٍ أنتِ"؟ قالت: نعَم. فقال: "انظُري أينَ أنتِ مِنهُ؟، فإنَّما هو جنَّتُكِ ونارُكِ" (٤). قال في "الفروع": إسنادُهُ جيِّد.
ويَنبَغي للزَّوجِ مُدَارَاتُها. ونقَلَ ابنُ منصور: حُسنُ (٥) الخُلُقِ أن لا تَغضَب، ولا
كِتابُ الخُلْعِ
وشُرُوطُه سَبْعةٌ:
الأوّلُ: أنْ يَقَعَ مِن زَوْجٍ يَصِحُّ طَلاقُهُ.
الثَّانِي: أن يَكونَ علَى عِوَضٍ -ولَوْ مَجْهولًا-
(كِتابُ الخُلْعِ)
بضَمِّ الخاءِ المعجمَةِ وسكونِ اللامِ. سُمِّيَ فِراقُ الزوجَةِ خُلعًا؛ لأنَّ المرأةَ تَخلَعُ نفسَها من الزوجِ، كما تَخلَعُ اللِّباسَ، قال اللهُ تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وهو شَرعًا: فِراقُ امرأتِه بِعِوَضٍ يأخُذُه الزوجُ، بألفَاظٍ مخصوصَةٍ.
(وشُروطُه) أي: الخُلعِ (سَبعَةٌ):
الشرطُ (الأوَّلُ: أن يَقعَ مِن زوجٍ يصحُّ طلاقُه) مُسلِمًا كان أو ذِميًا، بالغًا أو مميِّزًا يَعقِلُهُ، رشيدًا أو سَفيهًا، حُرًا أو عبدًا؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ مِنهُم زوجٌ يصحُّ طلاقُه، فصحَّ خُلعُهُ، ولأنَّه إذا ملَكَ الطلاقَ بغَيرِ عِوَضٍ، فبالعِوَضِ أولى.
وظاهِرُه: لا يَصِحُّ مِن غيرِ الزَّوجِ أو وكيلِه.
قال في "الاختيارات": والتحقيقُ أنَّه يصِحُّ ممَّن يصحُّ طلاقُه بالمِلكِ، أو الوكالَةِ، أو الوِلايَةِ، كالحاكِمِ في الشِّقَاقِ، وكذا لو فعَلَة الحاكِمُ في الإيلاءِ، أو العُنَّةِ، أو الإعسارِ، وغيرِها من المواضِع التي يَملِكُ الحاكِمُ فيها الفُرقَةَ (١).
الشرط (الثاني: أن يكونَ على عِوَضٍ) فلا يَصحّ بلا عِوضٍ، (ولو مجهُولًا)
стр. 1427
مِمَّنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ مِنْ أجنَبِيٍّ وزَوْجَةٍ، لكِنْ لَوْ عَضَلَهَا ظُلْمًا
لأنَّهُ فَسخٌ، ولا يَملِكُ الزوجُ فسخَ النكاحِ بلا مُقتَضٍ، بخلافِه على عِوَضٍ، فيَصيرُ مُعاوَضَةً، فلا يَجتَمِعُ له العِوَضُ والمعوَّضُ.
ولو قالَت: يعني عَبدَكَ فُلانًا، واخلَعني بكذا، ففَعَلَ، صحَّ، وكانَ بيعًا وخُلعًا بعِوَضٍ واحدٍ؛ لأنَّهما عقدانِ يَصِحُّ إفرادُ كُلَّ منهُما بعوضٍ، فصحَّ جمعُهما، كبَيعِ ثَوبَين.
ويَصِحّ الخُلعُ بالمجهولِ، كالوصيَّةِ. ولأنَّه إسقاطٌ لحَقِّه مِن البُضعِ، وليسَ تَمليكُ شَيءٍ. والإسقاطُ تدخُلُه المسامَحَةُ، ولهذا جازَ بلا عِوَضٍ، بخلافِ النكاح. وأبيحَ لها افتداءُ نَفسِها لحاجَتِها إليه، فوجب ما رَضِيَت ببَذْلِه دونَ ما لم تَرضَهُ.
(ممَّن) أي: كُلِّ مَن (يَصِحُّ تبرُّعُه) وهو المكلَّفُ غيرُ المحجورِ عليه، بخلافِ المحجورِ عَليه؛ لأنَّه بَذلُ مالِه في مُقابَلَةِ ما لَيسَ بمالٍ ولا منفعَةٍ، أشبَهَ التبرُّعَ.
وسواءٌ كانَ بذلُه (مِن أجنبيٍّ)، أي: ويصحّ الخلعُ مِن الأجنبيِّ الجائِزِ التصرُّفِ؛ بأن يَسألَ الزوجَ أن يخلَعَ زوجَتَه بعِوَضٍ بذَلَهُ لهُ، ولو بِغَيرِ إذنِها. (وزَوجَةٍ) بأن تقولَ المرأةُ: اخلَعني على كذا. أو يقولَ الأجنبيُّ: اخلَع زوجَتَكَ على أَلفٍ، أو يَقولَ: طلِّقها على ألفٍ، أو: بألفٍ عليَّ، أو: على سِلعَتي هذِه، فيُجيبُه الزَّوجُ، فيَصحُّ الخلعُ. ويَلزَمُ الأجنبيَّ وحدَهُ العِوضُ؛ لأنَّه التزمَهُ بالعَقدِ دونَ الزوجَةِ".
(لكِنْ لو عضَلَها ظُلمًا) أي: ضَرَبَها، أو ضيَّقَ عليها، أو منَعَها حقَّهَا، مِن نفقَةٍ
стр. 1428
لتَخْتَلِعَ، لَمْ يَصِحَّ.
الثالِثُ: أنْ يَقَعَ مُنَجَّزًا.
الراجُ: أنْ يَقَعَ الخُلْعُ عَلَى جَمِيعِ الزَّوْجَةِ.
الخامِسُ: أنْ لا يَقَعَ حِملَةً لإسْقَاطِ يَمِينِ الطَّلاقِ.
وكِسوَةٍ، أو قَسْمٍ ونحوِه، كما لو أنقَصَها شيئًا مِن ذلك (لتَختَلِعَ، لم يَصِحَّ) الخلعُ، وهو باطِلٌ، والعِوَضُ مَردُودٌ، والزوجيَّةُ بحالِها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] ولأنَّ ما تَفتَدِي به نفسَها معَ ذلِكَ، عِوَضٌ أُكرِهَت على بذلِه بغَيرِ حقِّ، فلم يستحِقَّ أخذُه مِنها، للنَّهي عنهُ، والنهيُ يقتضي الفسادَ.
الشرطُ (الثالِثُ) من شُروطِ الخُلعِ: (أن يقَعَ مُنجَّزًا) فلا يَصِحُّ مُعلَّقًا، كـ: إن قَدِمَ زَيدٌ، أو: الحجُّ.
الشرط (الرابع (١)) من شروطِ الخُلعِ: (أن يقعَ الخلعُ على جميعِ الزوجَةِ) فمَن خُولِعَ جُزءٌ مِنها، مُشاعًا كانَ كنِصفِها أو رُبعِها أو ثُلثها، أو مُعينًا كيَدِها أو رجلِها، لم يَصحَّ الخلعُ؛ لأنَّه فَسخٌ.
الشرطُ (الخامِسُ) من شُروطِ الخُلعِ: (أن لا يَقعَ حِيلَةً لإِسقَاطِ يمينِ الطلاق) ولا يَصحُّ، أي: لا يَقعُ الخلعُ لذلك؛ لأنَّ الحيلَ خِدَاعٌ لا تُحِلُّ ما حرَّم اللهُ.
قال تقيُّ الدين: خُلعُ الحِيلَةِ لا يَصحُّ، على الأصحِّ، كما لا يَصِحُّ نِكاحُ المحلِّلِ؛ لأنَّه ليسَ المقصودُ مِنهُ الفُرقَةَ، وإنَّما يُقصَدُ منه بَقاءُ المرأةِ معَ زوجِها،
стр. 1429
السادِسُ: أنْ لا يَقَعَ بلَفْظِ الطَّلاقِ، بَلْ بصِيغَتِه المَوْضُوعَةِ لَهُ.
الساجُ: أنْ لا يَنْوِي بِهِ الطَّلاقَ.
فمتَى توفَّرتِ الشُّرُوطُ،
كما في نكاحِ المحلِّلِ. والعَنْدُ لا يُقصَدُ بهِ (١) نفيضُ مقصودِه.
قال المنقِّحُ: وغالِبُ الناسِ واقِعٌ في ذلك (٢).
الشرطُ (السادِسُ) مِن شروطِ الخُلعِ: (أن لا يَقعَ بلَفظِ الطَّلاقِ، بل بصِيغَتِه الموضُوعَةِ له) كـ: فَسختُ، و: خَلَعتُ، و: فادَيتُ، ولم يَنوِ بِه طَلاقًا، فيكونُ فسخًا لا ينقصُ به عَددُ الطلاقِ، ولو لم يَنوِ بِهِ خُلعًا.
الشرطُ (السابعُ) مِن شُروطِ الخُلعِ: (أن لا يَنوي به الطلاقَ)، فإن نَوَى به طلاقًا وقَعَ رَجعيًا بلَفظِ خُلعٍ؛ لأنَّه طلاقٌ لا عِوَضَ فيه، فكان رجعيًا كغَيرِه، ولأنَّه يَصلُحُ كِنايَةً عن الطَّلاقِ. فإن لم ينوِ بهِ طَلاقًا، لم يَكُن شيئًا؛ لأنَّ الخُلعَ إن كانَ فَسخًا، فالزَّوجُ لا يَملِكُ فسخَ النكاحِ إلَّا بعَيبِها.
وكذلِكَ لو قال: فَسَختُ النكاحَ، ولم ينوِ بهِ الطلاقَ، لم يَقع شيءٌ، بخلافِ ما إذا دخَلَهُ العِوَضُ، فإنَّه مُعاوَضَةٌ، ولا يَجتَمِعُ العِوَضُ والمعوَّضُ (٣).
فإن وقَعَ الخُلعُ بلَفظِ الخُلعِ، أو الفَسخِ، أو الفِدَاءِ؛ بأن قالَ: فَسَختُ، أو: خَلَعتُ، أو: فادَيتُ، ولم يَنوه طَلاقًا، كانَ فَسخًا (٤).
(فمتَى توفَّرَت الشُّروطُ) المتقدِّمَةُ
стр. 1430
كَانَ فَسْخًا بَائِنًا، لا يَنْقُصُ به عَدَدُ الطَّلاقِ.
وصِيغَتُهُ الصَّرِيحةُ -لا تَحْتاجُ إلَى نِيَّةٍ- وهِي: خَلَعْتُ، وفَسَخْتُ، وفادَيْتُ. والكِنَايةُ: بارَيْتُكِ، وأبْرَأْتك، وأَبَنْتُك.
(كان فَسخًا بائِنًا (١) لا ينقصُ به عددُ الطلاقِ). ورُوي كَونُه فَسخًا لا ينقصُ به عددُ الطلاقِ عن ابنِ عبَّاس (٢).
ورُوي عن عُثمانَ، وعَليٍّ، وابنِ مَسعُودٍ (٣): أنَّه طلقَةٌ بائِنَةٌ بكلِّ حالٍ، لكِنْ ضعَّفَ أحمدُ الحديثَ عَنهُم فيه، وقال: ليسَ لنَا في البابِ شيءٌ أصحَّ مِن حديث ابنِ عبَّاسٍ أنه فَسخٌ.
واحتجَّ ابنُ عباسٍ بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ثم قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. فذَكَرَ تَطليقَتَين والخُلعَ، وتَطليقَةً بعدَهُما، فلو كانَ الخُلعُ طلاقًا لكَانَ رابِعًا، ولأنَّ الخُلعَ فُرقَةٌ خَلَت في صَريحِ الطلاقِ ونيَّتِه، فكانت فَسخًا، كسائرِ الفُسُوخِ.
وأمَّا كونُ: فَسَختُ، صَريحًا فيه، فلأنها حقيقيَّةٌ فيه. وأمَّا: خَلَعتُ، فلِثُبوتِ العُرفِ به. وأمَّا: فادَيتُ، فلقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
(وصِيغَتُهُ الصريحَةُ، لا تحتَاجُ إلى نيَّةٍ، وهي) أي: الصيغَةُ: (خَلَعتُ، وفَسَختُ، وفادَيتُ. والكِنايَةُ: بارَيتُكِ، وأبرَأتُكِ، وأبَنتُكِ).
стр. 1431
فَمَعَ سُؤالِ الخُلْعِ وبَذْلِ العِوَضِ، يَصِحُّ بلا نِيَّةٍ، وإلَّا فلا بُدَّ مِنهَا.
ويَصِحُّ بكلِّ لغةٍ من أهْلِهَا، كالطَّلاقِ.
(فمَعَ سُؤالِ الخُلعِ، وبَذلِ العِوَضِ، يَصِحُّ) الخُلعُ (بلا نيَّةٍ) للخُلعِ؛ لأنَّ دِلالَةَ الحالِ، مِن سُؤالِ الخُلعِ، وبَذلِ العِوَضِ، صارِفَةٌ إليه، فأغنَت عن النيَّةِ فيه (وإلَّا فلا بُدَّ مِنها) يعني: وإن لم تَكُن دِلالَةُ حالٍ، فلا بُدَّ في الكِنايَاتِ من نيَّةِ الخُلعِ ممَّن أتَى بالكِنايَةِ مِن الزَّوجَين، كالطلاقِ بالكِنايَةِ.
(ويَصحُّ) الخلعُ، (بِكُلِّ لُغَةٍ من أهلِها) أي: تِلكَ اللُّغَةِ، (كالطَّلاق) وإن تخالَعَا هازِلَينِ فلَغوٌ، ما لم يَكُن بلَفظِ طلاقٍ أو نيَّتِه.
* * *
стр. 1432
كِتابُ الطَّلاقِ
يُباحُ: لسُوءِ عِشْرةِ الزَّوْجَةِ. ويُسَنُّ إنْ تَرَكَتِ الصَّلاةَ ونَحْوَهَا.
(كِتابُ الطَّلاقِ)
وأجمَعوا على جَوازِه؛ لقولِه تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقولِه: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وقولِه ﵇: "إنما الطلاقُ لمن أخذَ بالسَّاق".
والمعنى يدلُّ عليه؛ لأنَّ الحالَ ربَّما فَسدَ بينَ الزَّوجَين، فيؤدِّي إلى ضررٍ عظيم، فبقاؤُهُ إذَنْ مَفسدَةٌ محضَةٌ، فشُرِعَ ما يُزيلُ النكاحَ؛ لتزولَ المفسدَةُ الحاصِلَةُ منه.
وهو مصدَر: طَلُقَت المرأةُ -بفتحِ اللامِ وضمِّها- أي: بانَت من زوجِها، فهي طالِقٌ. وطلَّقَها زوجُها، فهي مُطلَّقَةٌ. وأصلُه: التَّخليَةُ. يقالُ: طَلُقَت الناقةُ: إذا سُرِّحَت حيثُ شاءَت. وحُبِس فلانٌ في السِّجنِ طَلْقًا: بغَيرِ قَيدٍ.
وشرعًا: حَلُّ قيدِ النكاحِ، أو بَعضِه، إذا طَلَّقَها طلقَةً رجعيَّةً.
(يُباحُ) الطلاقُ (لسُوءِ عِشرَةِ الزَّوجَةِ) ولِسُوءِ خُلُقِها. وكذا يُباحُ للتَّضرُّرِ بها من غيرِ حصولِ الغَرضِ بها.
(ويُسنُّ) الطلاقُ (إن تَركَت الصلاةَ) وعِفَّةً (ونحوَها)، كتَفريطِها في حُقوقِ اللهِ تعالى إذا لم يُمكِنْه إجبارُها عليها، ولأنَّ فيه نَقصًا لدِينِه، ولا يأمَن مِن إفسادِ فِراشِه، وإلحاقِهَا به (١) ولَدًا مِن غَيرِه إذا لم تَكُن عفيفَةً. ولهُ عضلُها إذَنْ والتضييقُ
وطَلاقُ السَّكْرَانِ بِمَائِعٍ.
ولا يَقَعُ مِمَّنْ نَامَ، أوْ زَالَ عَقْلُه بِجُنُونٍ أو إغْمَاءٍ،
ومَعنَى كَونِ المميِّزِ يَعقِلُه: أن يعلَمَ أنَّ زوجَتَه تَبينُ مِنهُ، وتَحرُمُ عليه، إذا طلَّقها.
(و) يقعُ (طلاقُ السَّكرَانِ بمائِعٍ) من نحوِ خَمرٍ؛ بأن يكونَ مُختَارًا عالمًا بهِ.
وقولُه: "مائع" أخرَجَ بذلِكَ الَحشيشَةَ، والبَنجَ، خلافًا لما قالَه في "شرح المنتهى" للمصنِّف، تبعًا للشيخ تقي الدِّين حيثُ ألحَقَ الحشيشَةَ بالشَّرابِ المُسكِرِ، حتَّى في وُجُوبِ الحَدِّ.
وأمَّا البَنجُ، فلا يَقع به طَلاقٌ، كما مشَى عليه في "المنتهى".
ويُفرِّقُ بينَها وبينَ البَنْجِ بأنَّها تُشتَهَى وتُطلَبُ، فهي كالخَمرِ، بخلافِ البَنجِ، فالحُكمُ عِندَه مَنوطٌ باشتِهاءِ النَّفسِ وطَلَبِها. وجزَم في "المنتهى" "وشرحه" بما قاله الشيخُ من حيثُ وقوعُ الطلاقِ بالحَشيشَةِ (١).
وقال جماعَةٌ من الأصحابِ: لا تَصحُّ عِبادَةُ السكرَانِ أربعينَ يومًا حتَّى يَتوبَ.
(ولا يَقَعُ) الطلاقُ (ممَّن نامَ، أو زالَ عقلُه بجنونٍ أو إغماءٍ) أو بِرسَامٍ (٢)، أو نَشَافٍ، ولو بِضَربِه نَفسَه؛ لحديث: "رُفِعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عن الصبيِّ حتَّى يحتَلِمَ، وعن النائمِ حتَّى يَستيقِظَ، وعن المجنونِ حتَّى يفيقَ" (٣). ولأنَّ الطلاقَ قولٌ (٤) يُزيلُ المِلكَ، فاعتُبِرَ له العَقلُ، كالبَيعِ.
стр. 1435
ولا مِمَّنْ أكْرَهَهُ قادِرٌ -ظُلْمًا- بعُقُوبةٍ، أو تَهْديدٍ لَه، أو لوَلَدِه.
(ولا) يَقَعُ طلاقٌ (ممَّن أكرَهَه) على الطلاقِ (قادِرٌ) على ما هدَّدَهُ به بسَلطَنَةٍ، أو تَغلُّبٍ، كلِصٍّ وقاطِعِ طريقٍ، بقَتلٍ، أو قَطعِ طَرَفٍ، أو ضَربٍ كثيرٍ.
قال الموفَّقُ والشارِحُ: فإن كانَ يَسيرًا في حقِّ مَن لا يُبالي به (١)، فلَيسَ بإِكرَاهٍ. وإن كانَ في (٢) ذَوي المُروءةِ على وجهٍ يكونُ إخرَاقًا لصَاحِبِه، وغَضًّا (٣) له وشُهرَةً، فهو كالضَّربِ الكَثيرِ في حقِّ غَيرِه.
(ظُلمًا، بعقُوبَةٍ) كضَربٍ، وخَنقٍ، وعَصرِ ساقٍ، وحَبسٍ، والْغَطِّ في الماءِ معَ الوَعيدِ، (أو تهديدٍ لهُ، أو لوَلَدِه) فطلَّقَ تبعًا لقَولِ مُكرِهِه، لم يقَع طلاقُه. رواهُ سعيدٌ، وأبو عبيدٍ، عن عثمانَ، وهو قولُ جماعةٍ من الصحابَةِ (٤).
قال ابنُ عباسٍ فيمَن يُلزِمُهُ اللُّصوصُ، فطلَّق: ليسَ بشيءٍ. ذكرَه البخاري (٥)، ولقوله ﵇: "إنَّ اللهَ وضَعَ عن أمَّتي الخَطأَ والنِّسيانَ، وما استُكرِهُوا عليه". رواهُ ابن ماجَه، والدارقطني (٦). قال عبدُ الحقِّ: إسنادُهُ مُتَّصل صحيحٌ.
وعن عائشةَ قالَت: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "لا طلاقَ ولا عَتَاقَ في
стр. 1436
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
غِلاقٍ". رواهُ أبو داود، وهذا لفظُه، وأحمدُ، وابنُ ماجَه (١)، ولفظُهما: "في إغلاق". قال المنذري: هو المحفوظُ. والإغلاقُ: الإكرَاهُ؛ لأنَّ المكرَهَ مُغْلقٌ (٢) عَليه في أَمرِه، مُضيَّقٌ عليه في تَصرُّفِه، كما يُغلَقُ البابُ على الإنسانِ.
وخرَج بقوله: "ظلمًا" ما لو أُكرِهَ بحقٍّ، كإكرَاهِ الحاكِمِ المُوليَ على الطَّلاقِ بعد التربُّصِ، إذا لم يَفيء، وإكراهِ الحاكمِ رَجُلَين زوَّجهُما وليَّانِ، ولم يُعلَم السابِقُ مِنهُما؛ لأنَّه قول حُمِل عليه بحقٍّ، فصحَّ، كإسلامِ المرتدِّ.
* * *
стр. 1437
فَصْلٌ
ومَن صَحَّ طَلاقُهُ، صَحَّ أنْ يُوكِّلَ غَيْرَه فيه، وأنْ يَتوكَّلَ عَنْ غَيْرِه.
وللوَكِيلِ أنْ يُطلِّقَ متَى شَاءَ، ما لَمْ يَحُدَّ له حدًّا. ويَمْلِكُ طَلْقَةً، مَا لَمْ يَجْعَلْ لَهُ أكْثَرَ.
وإنْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ، كانَ لَهَا ذلكَ متَى شاءَتْ، وتَمْلِكُ الثلاثَ إنْ قالَ: طَلاقُك، أوْ أَمْرُكِ بيَدِكِ، أوْ: وكَّلْتُكِ في طَلاقِكِ.
(فَصلٌ)
(ومَن صحَّ طلاقُه) مِن بالغٍ ومميِّزٍ يَعقِلُه (صحَّ أن يوكِّلَ غيرَه فيه) لأنَّ مَن صحَّ تصرُّفُه في شيءٍ تجوزُ فيه الوكالَةُ بنفسِهِ، صحَّ توكيلُه وتوكُّلُه فيهِ. ولأنَّ الطلاقَ إزالَةُ مِلكٍ، فصحَّ التوكيلُ والتوكُّلُ فيه، كالعِتقِ، (وأن يتوكَّلَ عن غَيرِه) لأنَّ من صحَّ طلاقُهُ، صحَّ توكيلُه.
(وللوَكيلِ) الذي يُعيِّن لهُ وَقتًا (أن يُطلِّقَ متَى شاءَ) كالوَكيلِ في البيعِ (ما لم يَحُدَّ له حدًا) فإن حدَّ له حدًا، فعلَى ما أُذِنَ لهُ؛ لأنَّ الأمرَ إلى الموكِّلِ في ذلك.
(ويَملِكُ طَلقَةً) لأنَّ الأمرَ المُطلَقَ يَتناوَلُ أقلَّ ما يقعُ عليه الاسمُ (ما لم يَجعَل له أكثَرَ) مِن طلقَةٍ واحدَةٍ، بلَفظِه، أو نيَّتِه، ويُقبلُ قولُه في نيَّتِه.
(وإن قالَ) الزوجُ (لها: طلِّقي نفسَكِ، كان لها ذلكَ) أي: طلاقُ نفسِها (متَى شاءَت) ولو كانَ مُترَاخِيًا. (وتملِكُ) زوجَةٌ (الثلاثَ) أي: أنْ تُطلِّقَ نفسَها ثلاثًا (إن قالَ) لها زوجُها: (طلاقُكِ، أو: أمرُكِ بِيَدِك) لأنَّه مُفردٌ مضافٌ فيَعمُّ (أو: وكَّلتُكِ في طلاقِكِ) أو في الطلاقِ.
بابُ سُنَّةِ الطلاقِ وبِدْعَتِه
السُّنَّةُ لِمَنْ أرَادَ طَلاقَ زَوْجَتِه أنْ يُطلِّقَهَا واحِدَةً، في طُهْرٍ لَمْ يَطَأْهَا فِيهِ. فإنْ طَلَّقَهَا ثلاثًا - ولَوْ بكَلِمَاتٍ - فحَرَامٌ، وفي الحَيْضِ، أو في طُهْرٍ وَطئ فِيهِ، ولو بواحدةٍ، فبِدْعِيٌ حَرَامٌ، وَيَقَعُ.
(بابُ سُنَّةِ الطلاقِ وبِدعَتِه)
أي: إيقاعِ الطلاقِ على وَجهٍ مشروع، وإيقاعِه على وجهٍ مَنهيٍّ عنه.
(السنَّةُ لمن أرادَ طلاقَ زوجَتِه: أن يطلِّقَها واحدَةً، في طُهرِ لم يَطأهَا فيه) أي: الطُّهرِ.
(فإن طلَّقَها ثلاثًا - ولو بِكَلِماتٍ) في طُهرٍ لم يَطأهَا فيه (فحَرامٌ) نصًا.
(وفي الحَيضِ، أو) طلاقُها (في طُهرٍ وَطئَ فيه) ولو أنَّه طلَّقَها في آخرِه، ولم يَظهَر لها حملٌ، (ولو بِواحِدَةٍ) أي: ولو بطلقَةٍ واحدَةٍ، (فبِدعيٌّ حرامٌ) ويَقَعُ الطلاقُ. نصًا؛ لحديثِ ابن عمر. قال نافعٌ: وكانَ عبدُ الله طلَّقَها تطليقَةً، فحُسبَت مِن طلاقِه، وراجَعَهَا، كما أمَرَهُ رسولُ اللهِ ﷺ .
ولأنَّه طَلاقٌ مِن مكلَّفٍ في محلِّ الطلاقِ، فوَقَعَ، كطلاقِ الحامِلِ. ولأنَّه ليسَ بقُربَةٍ، فيُعتَبرُ لوقُوعِه مُوإفَقةُ السنَّةِ، بل هو إزالَةُ عِصمَةٍ، وقَطعُ مِلكٍ، فإيقاعُهُ في زمَنِ البدعَةِ أولى؛ تغليظًا عليه، وعقوبةً له.
(ويَقَعُ) نصًا طلاقُ البدعَةِ، قال ابنُ المنذرِ، وابنُ عبدِ البرِّ: لم يُخالِف في ذلكَ إلَّا أهلُ البِدَعِ والضلالِ.
стр. 1440
ولا سُنَّةَ ولا بِدْعَةَ لِمَنْ لَمْ يُدْخَلْ بِهَا، ولا لِصَغِيرةٍ، وآيِسَةٍ، وحامِلٍ. ويُباحُ الطَّلاقُ والخُلْعُ بسُؤالِهَا زَمَنَ البِدْعَةِ.
لأنَّه ﵇ أمَرَ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ بالمراجعَةِ (١)، وهي لا تكونُ إلَّا بعدَ وقوعِ الطلاقِ. وفي لفظِ الدارقُطني (٢): قال: قُلتُ: يا رسولَ الله، أرأَيتَ لو أنِّي طلَّقتُها ثَلاثًا؟ قال: "كانَت تبينُ مِنكَ، وتكونُ معصيةً".
وإذا طلَّقَها زمَنَ بِدعَةٍ طلاقًا رجعيًا، تُسَنُّ مُراجَعَتُها؛ لحديثِ ابنِ عمر المتقدِّم.
(ولا سُنَّةَ ولا بِدعَةَ) مُطلقًا. أي: لا في زَمَنٍ، ولا عَدَدٍ (لمَن لم يُدخَل بِهَا) لأنَّها لا عِدَّةَ لها، فتتضرَّر بتَطويِلهَا.
(ولا) سُنَّةَ ولا بِدعَةَ (لصَغيرَةٍ) أي: زَوجَةٍ صغيرَةٍ (وآيِسَةٍ) لأنَّها لا تعتدُّ بالأقرَاءِ، فلا تختَلِفُ عِدَّتُها (وحامِلٍ).
فإذا قالَ لإحداهُنَّ: أنتِ طالِقٌ للسنَّةِ طلقَةً، وللبدعَةِ طَلقَةً، وقَعَتا في الحالِ، إلَّا أن يُريدَ - في غَيرِ الآيسَةِ - إذا صارَت مِن أهلِ ذلك (٣)، أي: السنَّةِ والبدعَةِ.
وإن قالَ (٤) لمَن لها سُنَّةٌ وبدعَةٌ، فواحِدَةٌ في الحالِ، والأُخرَى في ضِدِّ حالِهَا إذَن.
(ويُباحُ الطلاقُ والخُلعُ بسؤالها) أي: الزَّوجَةِ ذلكَ على عِوَضٍ (زمَنَ البِدعَةِ) لأنَّ المنعَ مِنهُ لحقِّ المرأةِ، فإذا رَضِيَت بإسقَاطِ حقِّها زالَ المنعُ.