أو ثَوْبًا مُطْلقًا، أو ردَّ عبدِها أين كَانَ، أو خِدْمَتَها مدَّةً فيما شاءَتْ، أو مَا يُثْمِرُ شَجَرُه، أو حَمْلَ أَمَتِه أو دَابَّتِه، لم يَصِحَّ.
ولا يَضُرُّ جَهْلٌ يَسيرٌ، فلَوْ أصْدَقَها عبدًا مِنْ عَبِيدِه، أو دَابَّةً مِن دَوابِّه، أوْ
قَمِيصًا مِن قُمْصَانِه، صَحَّ، وَلَهَا أَحَدُهُم بقُرعَةٍ.
وإنْ أصْدَقَها عِتْقَ قِنِّه، صَحَّ،
مُطلَقَةً، (أو ثَوبًا مُطلَقًا، أو رَدَّ عَبدِهَا أينَ كان، أو) أصدَقَها (خِدمَتَها) أي: أن يَخدِمَها (مدَّةً شاءَت، أو) أصدَقَها مَعدُومًا بنَحوِ (ما يثمِرُ شَجَرُهُ) في هذا العام، أو مُطلَقًا، (أو) أصدَقَها (حَمْلَ أَمَتِه، أو) أصدَقَهَا حملَ (دابَّتِهِ) وكما لو نَكَحَهَا على أن يَحُجَّ بها، أو على طَيرٍ في هَواءٍ، أو سَمَكٍ في ماءٍ، أو حشَرَاتٍ، أو لا يُتموَّلُ عادَةً، كحَبةِ حِنطَةٍ، وقِشَرَةِ جَوزَةٍ (لم يصح (١)).
(ولا يَضرُّ جَهل يَسيرٌ) في صَدَاقٍ (فلَو أصدَقَها عَبدًا مِن عَبيدِه) صَحَّ. (أو) أصدَقَها (دابَّةً مِن دوابِّه) بشَرطِ تَعيينِ نَوعِهَا، كفَرَسٍ من خيلِه، أو جمَلٍ من جمالِه، أو بَغلٍ من بِغالِه، أو حِمارٍ من حَميرِه (٢)، أو بقرَةٍ مِن بَقرهِ، ونحوه، صحَّ. (أو) أصدَقَها (قميصًا من قُمصَانِه، صَحَّ. ولها أَحَدُهُم بقُرعَةٍ) نصًا؛ لأنَّ الجهالَةَ فيه يَسيرَةٌ.
(و) يمكِنُ التَّعيينُ فيهِ بالقُرعَةِ، بخلافِ ما إذا أصدَقَهَا عَبدًا مطلقًا؛ فإن الجهالة تكتْر فلا يصح.
(وإن أصدَقَها عِتقَ قِنِّهِ، صحَّ) قال في "الإنصاف" (٣): لو أصدَقَها عِتقَ أَمَتِه،
стр. 1367
لا طَلاقَ زَوْجَتِه.
وإنْ أصْدَقَهَا خَمْرًا أو خِنْزِيرًا، أوْ مالًا مَغْضوبًا يَعْلَمَانِه، لَمْ يَصِحَّ، وإنْ لَمْ يَعْلَمَاه صَحَّ، ولَهَا قِيمتُه يَوْمَ العَقْدِ. وعَصِيرًا، فبانَ خَمْرًا، صَحَّ، ولَهَا مِثْلُ العَصِيرِ.
صحَّ، بلا نِزاعٍ.
(لا طلاقَ زَوجَتِه) أي: لا يَصحُّ أن يُصدِقَها طلاقَ زَوجَتِه.
(وإن أصدَقها خمرًا، أو خِنزيرًا، أو مالًا مغصُوبًا يَعلَمَانِه) إذ العِبرَةُ بِعلمِهِما.
(لم يَصِحَّ، وإن لم يَعلَمَاهُ، صَحَّ) النِّكاحُ. نصًا؛ لأنَّه عقدٌ لا يَفسُدُ بجهالَةِ العِوَضِ، فلا يَفسُدُ بتَحريمِه، كالخُلعِ، ولأنَّ فسادَ العِوَضِ لا يزيدُ على عدَمِه، ولو عُدِمَ كانَ النكاحُ صَحيحًا، فكذا إذا فسَدَ.
(ولها قِيمَتُه يومَ العَقدِ) لأنَّ فَسادَ العِوَضِ يَقتَضي رَدَّ عِوَضِه، وقد فاتَ ذلك؛ لصحَّةِ النكاحِ، فيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِه، وهو مَهرُ المِثلِ، ولأنَّ ما يُضمَنُ بالعَقدِ الفاسِدِ، اعتُبِرَت قِيمَتُه بالِغَةً ما بَلَغَت، كالمبيع، كمَن اشتَرَى شيئًا بثَمَنٍ فاسِدٍ، فقَبَضَ المبيعَ وتَلِفَ في يَدِه (١).
(و) إن (٢) أصدَقَها (عَصيرًا، فبانَ خمرًا، صحَّ، ولها مِثلُ العَصيرِ) لأنَّه مِثليٌّ، فالمِثلُ أقرَبُ إليهِ مِن القِيمَةِ، ولهذا يُضمَنُ به في الإتلاف.
стр. 1368
فَصْلٌ
وللأَبِ تَزْوِيجُ بِنْتِه مُطْلَقًا، بدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا، وإنْ كَرِهَتْ. ولا يَلْزَمُ أحدًا تَتِمَّتُه.
(فَصلٌ)
(وللأَبِ تَزويجُ بِنتِه مُطلَقًا) أي: بِكرًا أو ثيِّبًا، كبيرةً أو صغيرَةً (١) (بدُون صَدَاقِ مِثلِهَا، وإن كَرِهَت) نصًا؛ لأنَّ عُمرَ خَطَبَ الناسَ، فقالَ: لا تُغَالُوا في صداقِ النِّساءِ، فما أصدَقَ النبيُّ ﷺ أحدًا مِن نسائِه ولا بناتِه أكثَرَ مِن اثنَتي عَشرةَ أوقيَّةً (٢). وكانَ ذلك بمَحضَرٍ من الصحابَةِ، ولم يُنكَر، فكانَ اتِّفاقًا مِنهُم على أنْ يُزوَّجَ بذلكَ، وإن كانَ دُونَ صداقِ مِثلِهَا. ولأنَّه ليسَ المقصودُ من النِّكاحِ العِوَضَ، وإنَّما المقصودُ السَّكَنُ والازدِوَاجُ، ووَضعُ المرأةِ في (٣) منصبٍ (٤) عندَ مَن يَكفيهَا ويَصونُها. والظاهِرُ مِن الأَبِ معَ تمامِ شَفقَتِه وحُسنِ نَظَرِهِ أن لا ينقُصُها مِن الصَّداقِ إلَّا لتَحصيلِ المعاني المقصُودَةِ، فلا يُمنَع مِنه، بخِلافِ عُقودِ المُعاوَضَاتِ، فإنَّ المقصودَ منها العِوضُ.
(ولا يَلزَم أحدًا) إذا زوَّجَ الأبُ بدُونِ مَهرِ المثل (تَتمَّتُهُ) لا الزَّوجُ ولا الأَبُ؛ لصحَّةِ التسميَةِ.
стр. 1369
وإنْ فعَل ذلكَ غيرُ الأَبِ بإذْنِهَا مَعَ رُشْدِهَا، صَحَّ. وبُدُونِ إذْنِهَا، يَلْزَمُ الزَّوْجَ تَتِمَّتُه.
فإنْ قدَّرَتْ لِوَلِّيها مَبْلغًا، فزوَّجَها بدُونِه، ضَمِنَ.
وإنْ زوَّج ابنَه، فقِيلَ لَهُ: ابنُكَ فَقِيرٌ، مِن أينَ يُؤخَذُ الصَّدَاقُ؟ فقال: عندِي، لَزِمَه.
وليسَ للأَبِ قَبْضُ صَدَاقِ بِنْتِه الرَّشِيدَةِ، ولَوْ بِكْرًا، إلَّا بإذْنِهَا.
(وإن فَعَلَ ذلِكَ غَيرُ الأَبِ) بأن زوَّجَها غَيرُ الأَبِ بِدُونِ مَهرِ مِثلِها (بإذنِهَا معَ رُشدِها، صَحَّ) ذلك، ولا اعْتِرَاضَ؛ لأنَّ الحقَّ لها وقَد أسقَطَتهُ.
(وبِدُونِ إذنِهَا، يَلزَمُ الزَّوجَ تتمَّتُه) أي: مَهرُ المِثلِ؛ لفَسادِ التسميَةِ إذَنْ؛ لأنَّها غَيرُ مأذُونٍ فيهَا، فوجَبَ على الزَّوجِ مهرُ المِثلِ، كما لو تَزوَّجَهَا بمحرَّمٍ، وعلى الوليِّ ضَمانُه؛ لأنَّه المفرِّطُ، كما لو باعَ مالَهَا بِدُونِ قِيمَتِه.
(فإنْ قدَّرَت لوليِّهَا مَبلَغًا، فزوَّجَها بدُونِه، ضَمِنَ) لأنَّه مُفرِّطٌ، كما لو باعَ مالَهَا بدُونِ ثَمنِ مِثلِه.
(وإن زوَّجَ ابنَهُ، فقيلَ لهُ: ابنُكَ فَقيرٌ، مِن أَينَ يؤخَذُ الصَّداقُ؟. فقالَ: عِندِي، لَزِمَهُ) المهرُ عَنهُ؛ لأنَّه صارَ ضامنًا بذلك.
(وليسَ للأبِ قَبضُ صدَاقِ بِنتِهِ الرشيدَةِ، ولو بِكرًا، إلَّا بإذنها) لأنَّها المتصرِّفَةُ في مالِهَا، فاعتُبِرَ إذنُها في قَبضِه، كثَمَنِ مَبيعِهَا.
والحاصِلُ: أنَّ قبضَ الصداقِ إنَّما يكونُ للمرأةِ إن كانَت مكلَّفةً رشيدةً، وإلَّا فلِوَليِّها في مالِها.
стр. 1370
فإنْ أقْبَضَه الزَّوْج لأَبِيها، لم يَبْرَأْ، ورجَعَتْ علَيْه، ورجَعَ هُو عَلَى أَبِيها. وإنْ كانَتْ غيرَ رَشِيدةٍ، سَلَّمَه إلَى وَلِيِّها في مالِهَا.
وإنْ تزوَّج العَثدُ بإذْنِ سَيِّدِه، صَحَّ، وعلَى سَيِّدِه المَهْرُ، والنَّفَقَةُ، والكِسْوةُ، والمَسْكَنُ. وإنْ تزوَّج بلا إذْنِه، لَمْ يَصِحَّ،
(فإن أقبَضَهُ الزَّوجُ لأَبيها، لم يَبرَأ) الزَّوجُ (ورَجَعَت عليه) أي: على الزَّوجِ (ورجعَ هو على أبيها. وإن كانَت غَيرَ رشيدةٍ، سلَّمَه إلى وَليِّها) أي: الزَّوجُ (في مالِهَا).
(وإن تزوَّجَ العبدُ بإذنِ سيِّدِه، صحَّ) قال في "الشرح" (١): بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (وعلى سَيِّدِهِ المهرُ، والنفقةُ، والكِسوَةُ، والمسكَنُ) سواءٌ ضَمِنَ ذلك أو لم يَضمَنْهُ، وسواءٌ كانَ العبدُ مأذُونًا له في التجارَةِ أو لا. نصًا؛ لأنَّ ذلكَ حقٌّ تعلَّقَ بعَقدٍ بإذنِ سيِّدِه، فتعلَّقَ بذمَّةِ السيِّد، كثَمَنِ ما اشتَرَاهُ بإذنِه.
فإنْ باعَهُ سيِّدُه أو أعتَقَه، لم يسقُط الصَّداقُ عنهُ، كأَرشِ جِنايَتِه.
(وإن تزوَّجَ) العبدُ (بلا إذنِه) أي: السيِّدِ (لم يَصحَّ) النكاحُ، فهو باطلٌ.
نصًا؛ لما روى جابرٌ مرفوعًا: "أيما عبدٍ تزوَّج بغَيرِ إذنِ سيِّدِه، فهو عاهِرٌ". رواه أحمدُ، وأبو داودُ، والترمذي (٢) وحسَّنَه. والعُهْرُ دَليلُ بُطلانِ النكاحِ؛ إذ لا يكونُ عاهِرًا معَ صِحَّتِه.
стр. 1371
فلَوْ وَطِئَ، وجا في رَقَبَتِه مَهْرُ المِثْلِ.
(فلَو وَطِئَ، وجَبَ في رَقَبَتِه) أي: العَبدِ، في نِكاحٍ لم يأذَن فيهِ سَيِّدُه (مَهرُ المِثلِ) لأنَّه قِيمَةُ البُضعِ الذي أتلَفَ بغَيرِ حقٍّ، أشبَهَ أرشَ الجِنايَةِ.
стр. 1372
فَصْلٌ
وتَمْلِكُ الزَّوْجةُ بالعَقْدِ جَمِيعَ المُسَمَّى، ولَهَا نَماؤُه إنْ كانَ مُعَيَّنًا، ولَهَا التصرُّف فِيهِ.
(فَصلٌ)
(وتَملكُ الزوجةُ) حرَّة، وسَيِّدُ أمَةٍ (بالعَقدِ جميعَ) مهرِهَا (المسمَّى) حالًّا كان أو مُؤجَّلًا؛ لقوله ﵇: "إن أعطَيتَهَا إزارَكَ، جَلَسْتَ ولا إزارَ لَكَ" (١). فيدلُّ على أن الصداقَ كُلَّه للمرَأةِ، ولا يَبقَى للرَّجُلِ فيه شيءٌ، ولأنَّه عقدٌ يَملِكُ به العِوَضَ، فتَملِكُ بِهِ المُعوَّضَ كامِلًا، كالبَيعِ. وسقوطُ نِصفِه بالطَّلاقِ لا يَمنَعُ وجوبَ جميعِه بالعَقدِ، ألا ترَى أنها لو ارتدَّت سقَطَ جميعُه، وإن كانَت ملَكَت نِصفَه.
(ولها) أي: الزوجَةِ (نماؤُهُ) أي: المهرِ (إن كانَ مُعيَّنًا) كعَبدٍ معيَّني، ودارٍ مُعيَّنةٍ، من حينِ العَقدِ (٢)، فكَسبُ العبدِ ومنفعَةُ الدَّارِ لها؛ لأنَّهُ نماءُ مِلكِها. ولحديث: "الخراجُ بالضَّمانِ" (٣).
(ولها التصرُّفُ فيه) أي: المهرِ المعيَّنِ، ببيعٍ ونحوِه؛ لأنَّه مِلكُها، إلَّا نحوَ مَكيلٍ قَبلَ قَبضِه.
стр. 1373
وضَمَانُه ونَقْصُه عَلَيها، إنْ لَمْ يَمْنَعْهَا قبضَه.
وإِنْ أقْبَضَهَا الصَّدَاقَ، ثُمَّ طَلَّقَ قَبلَ الدُّخُولِ، رَجَع علَيهَا بنِصْفِه، إنْ كَانَ بَاقِيًا، وَإنْ كَانَ قَدْ زَادَ زِيَادة مُنْفَصلةً، فالزِّيَادةُ لَهَا.
(وضَمانُهُ ونَقصُهُ عَليها) أي: المَهرِ، إن تَلِفَ بغَيرِ فِعلِها، أو تعيَّبَ كذلك (إن لم يَمنَعْهَا قَبضَهُ) فإن منَعَها قبضَه، فعَليهِ الضمانُ؛ لأنَّه كالغاصِبِ.
(وإن أقبَضَها الصداقَ، ثم طلَّقَ قبلَ الدُّخولِ، رجَعَ عليها بنِصفِه) قهرًا، كمِيرَاثٍ، ولو صَيدًا وهو مُحرِمٌ.
فما يحدُثُ من نمائِه بعدَ طلاقِها، فهو بَينَهُما؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البَقَرَة:٢٣٧] أي: لكُم أو لهنَّ، فاقتَضَى أن النِّصفَ لها والنِّصفَ لَهُ بمجرَّدِ الطلاقِ (إن كانَ باقيًا) في مِلكِها (١) بِصِفَتِه حِينَ عَقدٍ؛ بأن لم يَزِدْ ولم يَنقُص.
(وإن كانَ) الصَّداقُ (قد زادَ زِيادَةً مُنفَصِلَةً) كحَملِ بهائِمَ عِندَها، ووِلادَتِهَا، (فالزِّيادَةُ لها) أي: للزَّوجَةِ؛ لأنها نماءُ مِلكِها، ولو كانت الزيادَةُ وَلَدَ أمَةٍ؛ لأنَّ الولَدَ زِيادَةٌ مُنفَصِلَةٌ، ولا تَفريقَ هُنا؛ لبَقاءِ مِلكِ الزَّوجَةِ في النِّصفِ.
وإن كانَت الزيادَةُ في الصداقِ مُتَّصِلَةً، كسِمَنٍ، وتَعَلمِ صَنعَةٍ -وهي غَيرُ محجورٍ عَليها- خُيِّرَت (٢) بينَ دَفعِ نِصفِه زَائِدًا -ويَلزَمُهُ قَبولُه؛ لأنَّها دفَعَت إليه حقَّه وزِيادَةً لا تتميَّز ولا تَضرُّه- وبَينَ دَفعِ نِصفِ قِيمَتِه يومَ العَقدِ إنْ كانَ الصداقُ مُتَميزًا، كعَبدٍ وبَعيرٍ مُعيَّنَينِ؛ لدُخولِ المتميِّزِ في ضَمانِها بمجرَّدِ العَقدِ، فتُعتَبرُ صِفتُهُ وقتَه. وإنَّما صِيرَ إلى نِصفِ القِيمَةِ؛ لأنَّ الزيادةَ لها. ولا يَلزَمُها بذلُهَا، ولا
وإنْ حصَل ما يُسْقِطُه، رجَعَ ببَدَلِ جَمِيِعه.
(وإن حصَلَ ما يُسقِطُه) وهي ما إذا ارتَدَّت بعدَ أن أسقَطَت عنهُ صداقَها، (رجَعَ) الزَّوجُ (بِبَدَلِ جَميعِه) لأنَّ عَوْدَ نِصفِ الصَّدَاقِ أو كُلِّهِ إلى الزَّوجِ بالطلاقِ أو الردَّةِ، وهما غَيرُ الجِهَةِ المُستَحَقِّ بها الصَّدَاقُ أوَّلًا، فأشبَهَ ما لو أَبرَأَ إنسانٌ آخَرَ من دَينٍ، ثمَّ ثبَتَ له (١) عليهِ مِثلُهُ مِن وَجهٍ آخَرَ، فلا يَتَساقَطانِ بِذلِكَ.
ورِدَّتِه، وبمِلْكِ أحدِهِمَا الآخَرَ، أوْ قِبَلِ أجْنَبِيٍّ، كرَضَاع ونَحْوِه.
ويُقرِّرُه كاملًا: مَوْتُ أحدِهِمَا، ووَطْؤُهَا، ولَفسُه لَهَا، ونَظَرُه إلى فَرْجِهَا لشَهْوَةٍ، وتَقْبِيلُها ولَوْ بِحَضْرةِ النَّاسِ،
أي: الزَّوجِ، إن لم تَكُن كِتابيَّةً (ورِدَّتِه، وبمِلكِ أَحَدِهِمَا الآخرَ) أي: شراءِ كُلٍّ مِنهُمَا الآخَرَ قبلَ الدُّخولِ.
(أو) أي: ويَتنصَّفُ بِكُلِّ فُرقَةٍ مِن (قِبَلِ أجنبيٍّ، كرَضَاع) أُمِّهِ، أو أُختِه، أو زَوجَةِ أبيه أو ابنِه، رضَاعًا مُحَرِّمًا (ونحوِه) كوَطءِ أبي الزَّوجِ أو ابنِه الزوجَةَ. وكذا لو طَلَّق حاكِمٌ على مُولي ونحوِه قبلَ دُخولٍ؛ لأنَّه لا فِعلَ للزَّوجَةِ في ذلك، فيسقُطُ به صدَاقُها.
(ويُقرِّرُه) أي: المهرَ (كامِلًا: مَوتُ أحَدِهِما) أي: الزَّوجين.
(و) يُقرِّرُه كامِلًا (وَطؤُها) أي: وَطءُ الزَّوجِ زوجَتَه في فَرجٍ، ولو دُبُرًا (ولَمْسُهُ) أي: الزَّوجِ (لها) أي: للزَّوجَةِ. (ونَظَرُهُ إلى فَرجِها لشَهوَةٍ) فيهِمَا (وتَقبيلُهَا ولو بحَضرَةِ النَّاسِ) لأنَّ ذلكَ نَوعُ استِمتَاعٍ، فأوجَبَ المهرَ، كالوطء، ولأنَّه نالَ مِنها شيئًا لا يُباحُ لغَيرِه، ولمفهومِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٧] الآية. وحَقيقَةُ المَسِّ: التِقَاءُ البَشْرَتَين.
ولا يُقرِّرُ الصداقَ النَّظَرُ إليها دُونَ فَرجِها؛ لأنَّه ليسَ منصوصًا عليه، ولا في معنى المنصوصِ عليه.
ولا يُقرِّرُه أيضًا تَحَمُّلُهَا ماءَ الزَّوجِ، أي: مَنِيَّهُ، مِن غَيرِ خلوةٍ منهُ بها، ولا وطءٍ.
стр. 1378
وبِطَلاقِهَا في مَرَضٍ تَرِثُ فِيه، وبِخَلْوَتِه بِهَا عَنْ مُمَيِّزٍ، إنْ كانَ يَطأ مِثْلُه، ويُوطأ مِثْلُهَا.
ويَثبُت بتَحَمُّلِها ماءَهُ النَّسبُ (١).
(و) يُقَرِّرُه (بِطلاقِها) أي: الزَّوجَةِ (في مَرضٍ تَرِثُ فِيه) يعني: أنَّ الزوجَ إذا مَرِضَ مَرضَ الموتِ المخوفَ، وطلَّقَ زوجَتَه فِرارًا، ثم ماتَ فيه، تقَرَّرَ عليه الصداقُ كامِلًا بالمَوتِ؛ لوُجُوبِ عِدَّةِ الوفاةِ عليها في هذِه الحالَةِ، فوجَبَ كمالُ المهرِ، ما لم تتزوَّج أو ترتدَّ عن الإسلام؛ لأنها لا تَرِثُه إذَنْ.
(و) يُقرِّرُه كاملًا (بخَلوَتِه بها) وإن لم يَطَأْهَا (عن مُمَيِّزٍ) وبالِغٍ مُطلَقًا، أي: مُسلِمًا كان أو كافرًا، ذكَرًا أو أُنثى، أعمَى أو بَصيرًا، عاقِلًا أو مجنونًا (إنْ كَانَ (٢)) الزَّوجُ (يَطَأ مِثلُه) كابنِ عَشرٍ فأكثَرَ (و) كانَت الزوجَةُ (يُوطَأ مِثلُها) كبِنتِ تِسعٍ فأكثَرَ. فإن كانَ أحَدُهُما دونَ ذلك، لم يتقرَّر المهرُ.
стр. 1379
فَصْلٌ
وإذَا اخْتَلَفَا في قَدْرِ الصَّدَاقِ، أوْ جِنْسِه، أوْ مَا يَسْتَقِرُّ بِهِ: فقَوْلُ الزَّوْجِ، أوْ وَارِثِه. وفي القَبْضِ، أو تَسْمِيةِ المَهْرِ:
(فَصلٌ)
(وإذا اختلَفَا) أي: الزَّوجَانِ، أو اختَلَفَ ورثَتُهُما، أو أحدُهُما وورَثُةُ الآخر، أو اختَلَفَ زوجٌ ووليُّ نحوِ صغيرَةٍ، أو وَليُّ زَوجِ نَحوِ صَغيرٍ معَ زوجَةٍ رشيدَةٍ، أو معَ وَليِّ يَخرِها، أو معَ وَارِثِها (١) (في قَدرِ الصَّداقِ) بأنْ قالَ: تَزوَّجتُكِ على عِشرين، فتقولُ: بل على ثَلاثِين.
(أو) في (جِنسِه) بأن قالَ: على فِضَّةٍ، فتقولُ: على ذَهَبٍ.
أو في عَينِهِ؛ بأن قالَ: على هذا العَبدِ، فتقولُ: بل على هذِه الأمَةِ.
أو في صِفَتِهِ؛ بأن قالَ: على عَبدٍ زِنجِيٍّ، فقَالَت: بل أبيَض.
(أو) في (ما يَستَقِرُّ به) الصداقُ؛ بأن ادَّعَت وَطئًا، أو خَلوَةً، فأنكَرَ (فقَولُ الزَّوجِ) بِيَمينِه (أو وارِثِه) أو وَلِيِّهِ بيَمينِه؛ لأنَّه مُنكِرٌ، والقَولُ قَولُه بيَمينِه؛ لحَديث: "البيِّنَةُ على المدَّعِي، واليَمينُ على مَن أنكَرَ" (٢).
(وفي القَبضِ) أي: قَبضِ الصَّداقِ (أو تَسمِيَةِ المهْرِ) أي: مَهرِ المِثلِ؛ بأن
стр. 1380
فقَوْلُهَا، أو وَارِثِها.
وإنْ تَزَوَّجَها بعَقْدَيْنِ على صَدَاقيْنِ، سِرًّا وعَلانِيةً، أُخِذَ بالزَّائِدِ.
وهَدِيَّةُ الزَّوْجِ ليسَتْ مِن المَهْرِ، فمَا قَبْلَ العَقْدِ، إنْ وَعَدُوه ولَمْ يَفُوا، رجَعَ بِهَا.
قالَ: لم أُسَمِّ لَكِ مَهرًا. وقالَت: بل سمَّيتَ لي قَدرَ مَهرِ المِثلِ (فقَولُهَا) بيَمينِها، لحديث: "واليَمينُ على مَن أنكَرَ". أو قَولُ وَلِيِّها إن كانَت مَحجُورًا عليها، (أو) قَولُ (وارِثِها) إن كانَت ماتَت. بيَمينٍ؛ لأنَّه الظاهِرُ.
وإن أنكَرَ أن يكونَ لها عليه صَداقٌ، فقولُهَا، قبلَ دُخولٍ وبَعدَه، فيما يُوافِقُ مهرَ مِثلِها، سواءٌ قال: لا تَستَحِقُّ عليَّ شيئًا، أو: وفيتُها، أو: أبرَأَتني، أو غَير ذلك.
وإن دفَعَ إليها ألفًا، أو عَرْضًا. وقال: دَفعتُه صَدَاقًا. وقالَت: بل هِبَةً، فقَولُه بيَمينِه، ولها رَدُّ ما لَيسَ مِن جِنسِ صَدَاقِها، وطَلَبُه بصَدَاقِها.
(وإن تزوَّجَها بعَقدَينِ على صَداقَينِ، سرًّا وعلانِيَةً) بأن عقَدَاهُ سِرًا بصَداقٍ وعلانيَةً بآخَرَ (أُخِذَ بالزَّائِدِ) أي: بالصَّداقِ الزائِدِ مُطلَقًا، أي: سواءٌ كانَ الزائِدُ صدَاقَ السرِّ أو العَلانِيَةِ (١). والغَالِبُ: أن يَكونَ صدَاقَ العلانِيَةِ؛ لأنَّه إن كانَ السرُّ أكثَرَ، فقَد وجَبَ بالعَقدِ، ولم يُسقِطْهُ العلانِيَةُ، وإن كانَ العلانيةُ أكثرَ، فقد بذَلَ لها الزائدَ، فلَزِمَه، كما لو زادَها في صَدَاقِها (٢).
(وهَديَّةُ الزَّوجِ ليسَت مِن المَهْرِ) نصًا، (فما قَبلَ العَقدِ، إن وَعَدُوهُ) بأن يُزَوِّجُوهُ (ولم يَفُوا) بأن زوَّجُوها غيرَه، (رَجَعَ بها) قالَهُ الشيخُ تقيُّ الدِّين.
стр. 1381
وتُرَدُّ الهَدِيَّةُ في كلِّ فُرْقَةٍ مُسْقِطَةٍ للمَهْرِ، وتَثْبُتُ كُلُّها مَعَ مُقَرِّرٍ لَهُ أو لنِصْفِه.
فإن كان الإعرَاضُ مِنهُ، أو ماتَت، فلا رُجُوعَ لَهُ.
وما قُبِضَ بِسَبَبِ النكاحِ، أي: قَبَضَهُ بَعضُ أقارِبها، كالذي يُسمُّونَهُ مَيكَلَةً، فحُكمُه كمَهرٍ فيما يُقرِّرُه، ويُنَصِّفُه، ويُسقِطُه.
(وتُرَدُّ الهديَّةُ) على زَوجٍ (في كُلِّ فُرقَةٍ مُسقِطَةٍ للمَهرِ) كفَسخٍ لعَيبٍ ونحوِه. وتُرَدُّ في فُرقَةٍ قَهريَّةٍ، كفَسخٍ مِن قِبَلِها؛ لفَقدِ كفَاءَةٍ ونحوِه، قبلَ الدُّخُولِ؛ لدَلالَةِ الحالِ على أنَّه وَهَبَ بشَرطِ الثَّوابِ.
(وتَثبُتُ) الهديةُ (كلُّها معَ) أمرٍ (مُقَرِّرٍ له) أي: المَهرِ، كوَطء، وخلوة (أو) مُقَرِّرٍ (لنِصفِه) كطَلاقٍ ونحوِه؛ لأنَّه المُفَوِّتُ على نفسِه.
стр. 1382
فَصْلٌ
ولِمَنْ زُوِّجَتْ بِلا مَهْرٍ، أو بِمَهْرٍ فاسِدٍ، فَرْضُ مَهْرِ مِثْلِهَا عِنْدَ الحاكِمِ، فإنْ تَراضَيَا فِيمَا بينَهُمَا -ولَوْ على قَلِيلٍ- صَحَّ، ولَزَم.
فإنْ حصَلَتْ لَهَا فُرْقَةٌ مُنَصِّفَةٌ للصَّدَاقِ قَبلَ فَرْضِه،
(فَصلٌ)
(ولِمَن زُوِّجَت بلا مَهْرٍ، أو) زُوِّجَت (بمَهرٍ فاسِدٍ)، كأنْ تزوَّجَها (١) على نحوِ خَمرٍ أو خِنزيرٍ (فُرِضَ) لها (مَهرُ مِثلِهَا عندَ الحاكمِ) لأنَّ الزِّيادَةَ عليه مَيلٌ على الزَّوجِ، والنَّقصَ عنه مَيلٌ على الزَّوجَةِ، والميلُ حَرامٌ، ولأنَّه إنَّما يُفرَضُ بَدَلُ البُضعِ فيُقدَّرُ بقَدرِه، كقِيمَةِ المتقوَّمِ أُتلِفَ. ويُعتَبَرُ مَعرِفَةُ (٢) مَهرِ المِثلِ؛ ليُتواصَّلَ إلى فَرضِه.
(فإن تَرَاضَيا) أي: الزَّوجانِ الجائِزَا التصرُّفِ (فيمَا بَينهُما، ولو عَلى) شيءٍ (قليلٍ، صَحَ، ولَزِم) فَرضُه، ولها ما تَرَاضَيا عليه، قليلًا كان أو كثيرًا، عالِمَين كانَا أو جاهِلَين؛ لأنَّه إن فَرَضَ لها كثيرًا، فقَد بذَلَ لها مِن مالِهِ فَوقَ ما يلزمُه، وإن فرَضَ لها يسيرًا، فقَد رضِيَت بدون ما وجَبَ لها.
وإن كان الزَّوجُ مَحجورًا عليه لحَظِّهِ، فلَيس لوليه بَذلُ أكثَرَ من مَهرِ مِثلِها، وإن كانَت كذلِك، فليس لوليِّها الرِّضَا بأقلَّ مِن مَهرِ مِثلِها.
(فإن حصَلَت لها فُرقَةٌ مُنَصِّفَةٌ للصَّدَاقِ قَبلَ فَرضِه) أي: المهرِ.
стр. 1383
أو تَراضِيهما، وجَبَت لَهَا المُتْعَةُ، على المُوسِرِ قَدَرُه، وعلى المُقْتِرِ قَدَرُه. فأعْلاهَا خادِمٌ، وأَدْنَاها كِسْوَةٌ تُجْزِيهَا في صَلاتِهَا، إذَا كانَ مُعْسِرًا.
(أو تَراضِيهِمَا) أي: الزَّوجَين (وجَبَت لها) الزَوجَةِ (المُتعَةُ) نصًا. وهو قولُ ابنِ عمرَ، وابنِ عباس (١)؛ لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٦] والأمرُ يَقتَضِي الوجوبَ، وأداءُ الواجِبِ مِن الإحسانِ، فلا تَعارُضَ.
وكُلُّ فُرقَةٍ يتنصَّفُ بها المسمَّى، تُوجبُ المتعَةَ إذا كانَت مُفوضَةً.
وكُلّ فُرقَةٍ تُسقِطُ المسمَّى، كاختِلافِ دِينٍ، وفَسخٍ لِرَضاعٍ مِن قِبَلِها، لا تَجِبُ به مُتعَةٌ؛ لقِيامِها مَقامَ نِصفِ المسمَّى، فتَسقُطُ (٢) في كُلِّ مَوضِعٍ يَسقُطُ فيه (٣).
(على المُوسِرِ قَدَرُهُ، وعلى المُقتِرِ) أي: المُعسِرِ (قَدَرُه) نصًا. اعتبارًا بحالِ الزَّوجِ؛ للآية.
(فأعلاها) أي: المتعَةِ: (خادِمٌ) إذا كان الزوجُ مُوسِرًا. والخادِمُ: الرَّقيقُ، ذكرًا كان أو أُنثى.
(وأدنَاها) إذا كانَ الزَّوجُ فُقيرًا: (كسوَةٌ تُجزِيهَا) أي: الزَّوجَةِ (في صلاِتها) وهي: في رعٌ وخِمَارٌ، أو ثَوبٌ تُصلِّي فيه، بحَيثُ يَستُرُ ما يجِبُ سترُهُ (إذا كان مُعسِرًا) لأنَّ المتعَةَ مُعتبَرَةٌ بحالِ الزَّوجِ في يَسارِه وإعسارِه. وقُيِّدَت بما يُجزِئُهَا في صلاتِها؛ لأنَّ ذلك أقلُّ الكِسوَةِ.
стр. 1384
فَصْلٌ
ولا مَهْرَ في النِّكاحِ الفاسِدِ، إلَّا بالخَلوةِ، أو الوَطْءِ. فإنْ حصَل أحَدُهُمَا، استَقرَّ المُسَمَّى إنْ كانَ، وإلَّا فمَهْرُ المِثْلِ. ولا مَهْرَ في النِّكاحِ الباطِلِ، إلَّا بالوَطْءِ في القُبُلِ.
وكَذَا المَوْطُوءةُ بشُبْهَةٍ، والمُكْرَهَةُ على الزِّنَى، لا المُطَاوِعَةُ،
(فَصلٌ)
(ولا مَهرَ) للزَّوجة (في النكاح الفاسد)؛ لأنَّ العقدَ الفاسِدَ وجُودُهُ كعَدَمِه، ولم يَستَوفِ المعقودَ عليه، أشبَهَ البيعَ الفاسِدَ، والإجارةَ الفاسدِةَ إذا لم يتسلَّم.
(إلَّا بالخَلوَةِ، أو الوَطءِ، فإن حصَلَ أحدُهُما) أي: الخلوةُ، أو الوَطءُ (استقرَّ) عليهِ المهرُ (المسمَّى) نصًا؛ لما في بعضِ ألفاظِ حديثِ عائشةَ مِن قولِه: "ولها الذي أعطَاهَا بما أصابَ مِنها" (١). قال القاضي: حدَّثناه أبو بكر البُرقَانيُّ، وأبو محمد الخلالُ بإسنادِهِما. ولاتِّفاقِهِما على أنَّه المهرُ. واستقرارُه بالخَلوَةِ؛ بقِياسِهِ على النِّكاحِ الصَّحيح. (إن كانَ) سمَّى لها مَهرًا، (وإلَّا فمَهرُ المِثلِ).
(ولا مَهرَ في النِّكاحِ الباطِلِ) إجماعًا، كنِكاحِ خَامسَةٍ، أو مُعتدَّةٍ (إلَّا بالوَطءِ في القُبُلِ) فيَجِبُ مهرُ المِثلِ.
(وكذا الموطُوءَةُ بشُبهَةٍ) إن لم تَكُن حُرَّةً عالِمَةً مُطاوِعَةً فِيهِمَا (والمكرَهَةُ على الزِّنى) إن كانَ الوَطءُ في قُبُلٍ. ولا مَهرَ للمَزنيِّ بها (لا المُطاوِعَةُ) على
стр. 1385
ما لَمْ تَكُنْ أَمَةً.
ويَتعَدَّدُ المَهْرُ بتعدُّدِ الشُّبْهَةِ، والإكْرَاهِ.
وعلَى مَنْ أَزالَ بَكَارةَ أجْنَبِيَّةٍ بلا وَطْءٍ، أرْشُ البَكَارَةِ، وانْ أزَالَهَا الزَّوْجُ، ثُمَّ طلَّق قَبلَ الدُّخولِ، لم يَكُنْ علَيه إلا نِصْفُ المُسَمَّى
الزِّنى، (ما لم تَكُن) المُطاوِعَةُ (أمَةً)، فيَجِبُ لسيِّدِها مَهرُ مِثلِها على زَانٍ بها، ولو مُطاوِعَةً؛ لأنَّها لا تَملِكُ بُضعَها، فلا يَسقُطُ حقُّ سَيِّدها بمُطاوَعَتِها (١).
(ويتعدَّدُ المهرُ بتَعدُّدِ الشُّبهَةِ) كأنْ وَطِئَها ظانًّا أنَّها زوجَتُه خديجَةٌ، ثم وَطِئَها ظانًّا أنَّها زوجَتُه زَينَبُ، ثم وطِئَها ظانًّا أنَّها سُرِّيَتُه، فيَجِبُ لها ثَلاثةُ مُهورٍ. فإن اتَّحَدَت الشُّبهَةُ وتعدُّدَ الوَطءُ، فمَهرٌ واحِدٌ.
(و) يتعدَّدُ المهرُ بتَعَدُّدِ (الإكرَاهِ) على زِنًا. وإن اتَّحَدَ الإكرَاهُ وتعدّد (٢) الوَطءُ، فمَهرٌ واحِدٌ.
(وعلى مَن أزالَ بَكَارَةَ أجنبيَّةٍ) أي: غَيرِ زَوجَةٍ وأمَةٍ (بلا وَطءٍ، أَرشُ البَكَارَةِ) لا مَهرُ مثلها؛ لأنَّه لم يَطَأْهَا، وهو إتلافُ جُزءٍ لم يَرِد الضَّرعُ بتَقديرِ عِوَضِه، فرُجِعَ فيه (٣) إلى أَرشِه، كسائِرِ المُتلَفَاتِ.
وأَرشُ البَكارَةِ: ما بَينَ مَهرِ البِكرِ والثيِّبِ.
(وإن أزالَها) أي: البَكَارَةَ (الزَّوجُ، ثم طلَّق قبلَ الدُّخُولِ، لم يَكُن عليه إلَّا نِصفُ المسمَّى) مَهرًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ
стр. 1386
إنْ كانَ، وإلَّا فالمُتْعَة.
فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٧] وهذه مُطلَّقَةٌ قبلَ المَسيسِ والخلوَةِ، فلم يَكُن لها (١) سِوَى نِصفِ الصَّدَاقِ المسمَّى، ولأنَّه أتلَفَ ما يَستَحِقُّ إتلافَهُ بالعَقدِ، فلا يَضمَنُه بغَيرِه، كما لو أتلَف عُذرَةَ أمَتِه.
(إن كان) سَمَّى لها، (وإلَّا): وإن لم يَكُن سَمَّى لها، لم يَكُن عَليه، (فـ) يَلزَمُه (المتعَة) وهي واجِبَةٌ على كُلِّ زَوجٍ، حُرٍّ وعَبدٍ، ومُسلِمٍ وذِمِّي، لكُلِّ زَوجَةٍ، مُفَوِّضَةِ بُضعٍ أو مَهرٍ، حُرَّةٍ أو أمَةٍ، مُسلِمَةٍ أو ذميَّةٍ، طُلِّقَت قبلَ الدُّخولِ، وقبلَ أن يُفرَضً لها مهرٌ؛ لما تقدَّم من الآية (٢). ولأنَّ ما يَجِبُ مِن الفَرضِ يَستَوِي فيه المسلِمُ والكافِرُ، والحرُّ والعَبدُ.
وإن وهَبَ الزَّوجُ للمفوِّضَةِ شَيئًا، ثم طلَّقها قبلَ فَرضِ الصَّداق، فلها المُتعَةُ. نصًا؛ لأنَّ المُتعَةَ إنما تجِبُ بالطَّلاقِ، فلا يَصِحُّ قضاؤُهَا قبلَه، ولأنَّها واجِبَةٌ، فلا تَنقَضِي بالهِبَةِ، كالمُسمَّى.
وتُستحَبُّ المُتعَةُ لكُلِّ مُطلَّقَةٍ غَيرِ المُفوِّضَةِ التي لم يُفرَض لها؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البَقَرَة: ٢٤١]. الآية، ولم تَجِب؛ لأنَّه تعالى قَسَّمَ المطلَّقَاتِ قِسمَين، وأوجَبَ (٣) المُتعَةَ لغَيرِ المفروضِ لهنَّ، ونِصفَ المُسمَّى للمَفرُوضِ لهنَّ، وذلكَ يدلُّ على اختِصاصِ كُلِّ قِسمٍ بحُكمِه.
ولا مُتعَةَ للمُتوفَّى عنها؛ لأنَّ النصَّ لم يتناوَلها، وإنما تناوَلَ المطلَّقاتِ.
стр. 1387
ولا يَصِحُّ تَزْوِيجُ مَنْ نِكَاحُهَا فاسِدٌ، قَبْلَ الفُرْقَةِ، فإنْ أَباها الزَّوْجُ، فَسَخَه الحاكِمُ.
(ولا يَصِحُّ تَزويجُ مَن نِكاحُهَا فاسِدٌ) كالنِّكاحِ بلا وَليٍّ (قَبلَ الفُرقَةِ) مِن طَلاقٍ أو فَسخٍ؛ لأنَّه نِكاحٌ يَسوغُ فيه الاجتِهَادُ، فاحتاجَ إلى إيقَاعِ فُرقَةٍ، كالصَّحيحِ المختَلَفِ فيه. ولأنَّ (١) تَزويجَهَا بلا فُرقَةٍ يُفضِي إلى تَسليطِ زَوجَينِ عَليها، كُلُّ واحدٍ يَعتَقِدُ صِحَّةَ نِكاحِه وفَسادَ نِكاحِ الآخَرِ، بخلافِ النكاحِ الباطِل.
(فإن أبَاهَا) أي: الفُرقَةَ (الزَّوجُ، فَسَخَهُ الحاكِمُ) نصًا؛ لقِيامِه مَقامَ المُمتَنِع، مما وجَبَ عليه. فإن تزوَّجَت بآخَرَ قبلَ التَّفريقِ، لم يَصِحَّ النِّكاحُ الثَّاني، ولم يَجُزْ تَزويجُها لثالِثٍ حتَّى يُطلِّقَ الأوَّلان، أو يُفسَخَ نِكاحُهما.
ومن اعترَفَ لامرأةٍ أنَّ هذا ابنُه مِنهَا، لَزِمَه مهرُ مِثلِها؛ لأنَّه الظاهِرُ. قاله في "الترغيب" (٢).
стр. 1388
بَابُ الوَلِيمةِ وآدابِ الأَكْلِ
وَلَيمَة العُرْسِ
(بابُ الوَليمَةِ وآدَابِ الأكلِ)
(وَليمَةُ العُرسِ): اجتِمَاعٌ لِطَعامِ عُرْسٍ. وأصلُ الوليمَةِ: تَمامُ الشَّيءِ واجتِمَاعُه، ثمَّ نُقِلَت لِطَعامِ العُرْسِ خاصَّةً؛ لاجتِمَاعِ الرَّجلِ والمرأةِ. قاله الأزهري (١). قال ابنُ الأعرابيِّ: يُقالُ: أولَمَ الرَّجُلُ: إذا اجتَمَعَ عَقلُه وخُلُقُهُ.
قال بعضُ أصحابِنَا وغَيرُهم: تَقَعُ على كُلِّ طَعامٍ، لسُرُورٍ حادِثٍ.
قال الشيخُ: وتُستَحبُّ بالدُّخُولِ. وقال ابنُ الجوزيِّ: بالعَقدِ. وقد اقتَصَرَ عليه في "الفروع"، و"المبدع".
قال في "الإنصاف": الأولى أن يُقالَ: وقتُ الاستحبابِ مُوسَّعٌ مِن عَقدِ النِّكاحِ إلى انتِهَاءِ أيَّامِ العُرسِ، لصحَّةِ الأخبَارِ في هذا وهذا، وكَمالُ السُّرورِ بعدَ الدُّخولِ (٢).
ومِن هُنا تعلَم أنَّ الوليمَةَ اسمٌ لطعَامِ العُرسِ، لا للاجتِماعِ له.
قال الحجاوي في "حاشيته": الوليمَةُ: هي طَعامُ العُرسِ، قالَهُ أهلُ اللغةِ والفُقهاءُ، وهو صريحٌ في الأحادِيث الصحيحَةِ. وأمَّا الاجتماعُ نَفسُهُ على طعامِ العُرسِ، فليسَ هو الوليمَةَ، خِلافًا لما قالَه في "التنقيح"، وهو غَريبٌ لا يُعوَّلُ
стр. 1389
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه، بل هو غَيرُ صحيحٍ. انتهى (١).
قال العلامة الشيخُ مَرعيٌّ -عمُّ والدِنَا ﵀ مُصنِّفُ هذا الكِتابِ:
عَدُّ الولائِمِ سبعَةَ عشَرَ اسمًا، في أربَعَةِ أبياتٍ، نَظَمَها العلامة السيدُ محمد بنُ مُوسَى بن محمد الحُسينيُّ الشريفُ الجمَّازيُّ المالِكيُّ، رحمه الله تعالى:
عَن العُربِ أسماءُ الولائِمِ قد أَتَت … وأنوَاعُها بالعَدِّ جاءَ مُسطَّرًا
وَليمَةُ إعذَارٌ عَقيقَةُ تُحفَةٌ … نَقيعَةُ خُرْسٌ والعَتيرَةُ والقِرَى
وضِيمَةُ مُشدَاخٌ حِذَاقٌ وَكِيرَةٌ … ومَأدُبَةٌ جَفَلَى ونَقَرَى كمَا تَرَى
ودَعوَةُ إملاكٍ فقُل شُنْدَخِيَّةٌ … جمَعتُ لكَ الدَّعواتِ نظمًا مُحرَّرَا
قوله: "وليمة": أي: وَليمَةُ عُرسٍ، وهي: طعَامُ عُرسٍ؛ لاجتِمَاعِ الرَّجلِ والمرأة.
قوله: "إعذار": اسمٌ لطعَامِ خِتَانٍ.
قوله: "عقيقة": اسمٌ لذَبحٍ لمولُودٍ.
قوله: "تحفة": اسمٌ لطَعامِ قادِمٍ.
قوله: "نقيعة": اسمٌ لطعامِ غائِب مِن السَّفَرِ، طويلًا أو قَصيرًا.
قوله: "خرس": اسمٌ لطعَامِ وِلادَةٍ. ويُقالُ: بالصَّادِ، أي: لِخلاصِهَا وسَلامَتِها مِن الطَّلْقِ.
قوله: "وعتيرة": مُقتَضَى كلامِهم أنها ليسَت مِن أسماءِ الطَّعامِ، بل هي الذَّبيحَةُ تُذبَحُ أوَّلَ يَومٍ في رَجَبٍ (٢).
سُنَّةٌ مُؤكَّدَةٌ.
والإجابةُ إلَيها في المرَّةِ الأُولَى:
وهي (سُنَّةٌ مُؤكدَةٌ) لأنَّه ﵇ فعَلَها وأَمَرَ بها، فقالَ لعَبدِ الرحمن بنِ عوفٍ حينَ قال لهُ: تَزوَّجتُ: "أولِم ولَو بِشَاةٍ" (١). وقال أنس: ما أولم رَسولُ الله ﷺ على امرأةَ مِن نِسائه ما أولم على زَينَبَ، جعلَ يَبعَثُني فأدعُو له الناسَ، فأُطعِمُهم لحمًا وخُبزًا حتى شَبِعُوا (٢). متفقٌ علَيهما.
قال جمعٌ: ويُستحبُّ أن لا تنقصَ عن شاةٍ؛ لحديثِ عبد الرحمن بنِ عَوفٍ. وكانَ وَليمُتُه ﵇ على صَفيَّةَ حَيسًا، كما في خبرِ أنسٍ المتَّفقِ عليه (٣).
وإن نَكَحَ أكثرَ مِن واحِدَةٍ في عَمدٍ أو عُقُودٍ أجزَأتْهُ وليمَةٌ واحِدَةٌ، إن نَوَاهَا للكُلِّ.
(والإجابَةُ إليها) أي: الوَليمَةِ (في المرَّةِ الأُولى) بأنْ يَدعُوهُ في اليَومِ الأوَّلِ؛ لحَديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "شرُّ الطَّعامِ طَعَامُ الوَليمَةِ يُمنَعُها من يأتِيها، ويُدَعى إليها مَن يأبَاهَا، ومَن يُجِبْ الدَّعوةَ فقَد عَصَى اللهَ ورسولَه" رواه مسلم (٤). وعن ابنِ عُمرَ مَرفُوعًا: "أجيبوا هذِه الدَّعوَةَ إذا دُعيتُم إليها "مُتفق عليه" (٥). وفي لَفظٍ له: "مَن دُعيَ فَلَم يُجِبْ، فقَد عصَى اللهَ ورسولَه" رواه أبو داود، والترمذي، وابن
стр. 1392
واجِبَةٌ، إنْ كانَ لا عُذْرَ، ولا مُنْكَرَ. وفي الثَّانيةِ: سُنَّةٌ، وفي الثَّالِثةِ: مَكْرُوهةٌ.
ماجه (١).
(واجِبَةٌ) بالدَّعوَةِ، ولو عَبدًا بإذنِ سَيِّدِه، أو مُكاتَبًا لم تَضرَّ بِكَسبِه (إنْ كانَ لا عُذرَ) فإنْ (٢) كانَ المدعوُّ مَريضًا، أو مُمَرِّضًا، أو مَشغُولًا بحِفظِ مالٍ، أو في شِدَّةِ حرِّ أو بَردٍ، أو مَطَرٍ يَبُلُّ الثيابَ، أو وَحَلٍ، أو كانَ أجيرًا لم يأذَنهُ مُستَأجِرُة، لم تَلزَمهُ الإجابَةُ.
(ولا مُنكَرَ) كالزَّمرِ، والخَمرِ، والعُودِ، والطَّبلِ، والجَنْكِ (٣)، والرَّبَابِ، وآنيةِ ذهَبٍ أو فِضَّةٍ، أو فُرُشٍ مُحرَّمَةٍ. وأمكَنَهُ إزالَةُ المنكرِ، لَزِمَه الحُضورُ والإنكَارُ. وإن لم يَقدِرْ على إزالَةِ المُنكَرِ، لم يحضُر، وحَرُمَت الإجابَةُ؛ لقوله ﵇: "من كانَ يُؤمِن باللهِ واليومِ الآخِر، فلا يَجلِس على مائِدةٍ يُدارُ عليها الخَمرُ". رواه أحمد (٤) من حديث عمر، والترمذيُّ (٥) من حديث جابر.
(وفي) الدَّعوَةِ (الثَّانيَةِ: سُنَّةٌ) كأنْ دُعِيَ في اليَومِ الثاني.
(وفي) المرَّةِ (الثالِثَةِ) بأنْ دعاهُ في اليَومِ الثالث: (مَكرُوهَةٌ) إجابَتُهُ؛ لحديث: "الوليمَةُ أوَّلَ يَومٍ حَقٌّ، والثاني مَعروفٌ، والثالِثُ رِياءٌ وسُمعَةٌ". رواه أبو داود، وابن ماجه، وغيرِهما (٦).
стр. 1393
وإنَّمَا تَجِبُ إذَا كانَ الدَّاعِي مُسلِمًا يَحْرُمُ هَجْرُه، وكَشبُه طَيبٌ. فإنْ كانَ في مالِه حَرَامٌ، كُرِهَ إجابَتُه، ومُعامَلتُه، وقَبُولُ هَدِيَّتِه، وتَقْوَى الكراهَةُ وتَضْعُفُ بِحَسَبِ كَثْرةِ الحَرَامِ وقِلَّتِه.
وإنْ دَعَاهُ اثنانِ فأكْثَرْ، وجَبَ علَيه إجَابةُ الكُلِّ، إنْ أمْكَنَه الجَمْعُ، وإلَّا
(وإنَّما تَجِبُ إذا كانَ الدَّاعِي مُسلِمًا يحرُمُ هجرُهُ) احتُرِزَ بِه عن المُسلِمِ الذي يَجِبُ هجرُه، كالرَّافِضي، أو يُسَنُّ هجرهُ، كمُتجَاهِير بمَعصيَةٍ، فلا تَجِبُ إجابَتُه.
ومَنعَ ابنُ الجوزيِّ من إجابَةِ ظالمٍ، وفاسقٍ، ومُبتَدِعٍ.
(وكَسبُهُ طَيِّبٌ) أي: حلالٌ، (فإن كانَ في مالِهِ حَرامٌ، كُرِهَ إجابَتُهُ) كأكلِهِ مِنهُ (ومُعامَلَتُهُ، وقَبولُ هَديَّتِه) وهِيَبِه، وصَدَقَتِه.
وسُئِلَ الإمامُ أحمدُ عن الذي يُعامِل بالرِّبَا: أيؤكلُ عِندَهُ؟ قال: لا.
وفي "آداب الرِّعايَةِ الكبرى": ولا يأكل مُختَلِطًا بحرَامٍ بلا ضَرورَه. وقِيلَ: إن زادَ الحَرامُ على الثُّلُثِ، حرُمَ الأَكلُ، وإلَّا فَلا؛ إقامَةً للأكثَرِ إقامَةَ الكُلِّ. قطَعَ به ابنُ الجوزيِّ في "المنهاج" (١).
(و) علَى القَولِ الأوَّلِ (تَقوَى الكَراهَةُ، وتَضعُف) بحَسَبِ كثرَةِ الحرَامِ وقِلَّتِه)، وإن لم يَعلَم أنَّ في المالِ حَرَامًا، فالأصلُ الإباحَةُ (٢)، فتَجِبُ الإجابَةُ.
(وإن دَعَاهُ اثنانِ فأكثَرُ، وجَبَ عليه إجابَةُ الكُلِّ، إن أمكَنَهُ الجمعُ، والَّا)
стр. 1394
أجابَ الأسْبَقَ قَوْلًا، فالأدْيَنَ، فالأقْرَبَ رَجمًا، فجِوَارًا، ثُمّ يُقرِعُ.
ولا يُقْصَدُ بالإجَابةِ نَفْسُ الأكْلِ، بلْ يَنْوِي الاقْتِداءَ بالسُّنَّةِ، وإكْرَامَ أَخِيه المُؤْمِنِ، ولئلّا يُظَنَّ بِه التَّكَبُّرُ.
يُمكِن (أجابَ (١) الأسبَقَ قَولًا) لوجُوبِ إجابَتِه بدُعائِه، فلا يَسقُطُ بدُعاءِ مَن بعدَهُ، ولم تَجِب إجابَتُه؛ لأنها غَيرُ مُمكِنَةٍ معَ إجابَةِ الأوَّلِ.
فإن لم يتعارَضَا؛ بأنْ اختَلَفَ الوقتُ، بحيثُ يُمكِنُ الجَمعُ، أجابَ الكُلَّ بِشَرطِه.
فإن لم يَكُن سَبقٌ، حيثُ لم يُمكِن الجَمعُ (٢)، (فالأَدينَ) مِن الدَّاعِيَينِ؛ لأنَّه الأكرمُ عندَ الله.
فإن استَوَوا في الدِّينِ، (فالأقرَبَ رَحِمًا) لما في تَقديمِه مِن صِلَتِه.
فإن استَوَوا في القَرابَةِ وعَدَمِها (فـ) ــالأَقرَب (جِوَارًا)؛ لحديثِ أبي داود مَرفوعًا: "إذا اجتَمَعَ داعِيانِ، أَجِب أقرَبَهُما بابًا، فإن أقرَبَهُما بابًا أقرَبُهُما جِوارًا" (٣). ولأنَّه مِن بابِ البِرِّ، فقُدِّم بهذِه المعاني.
(ثم) إن استَوَوا في ذلِكَ (يُقرعُ) بينَهُم، فيقدِّمُ مَن خَرَجَت له القُرعَةُ؛ لأنَّها تُميِّزُ المستحقَّ عندَ استواءِ الحُقُوقِ.
(ولا يُقصَدُ بالإجابَةِ نَفسُ الأكَلِ، بل يَنوِي الاقتداءَ بالسُّنَةِ، وإكرامَ أخيهِ المؤمِنِ، ولئلا يُظَنُّ به التَّكبُّرُ) بعَدَمِ أكلِهِ مِنهُ.
стр. 1395
ويُسْتَحَبُّ أكْلُه ولَوْ صائِمًا -لا صومًا واجبًا-
(ويُستَحبُّ أكلُهُ) مِنهُ (ولو) كانَ المدعوُّ (صائِمًا) تَطوُّعًا. وفي تَركِ الأكلِ كَسرُ قَلبِ الدَّاعِي، استُحِبَّ أن يُفطِرَ؛ لأنَّ في أكلِهِ إدخَالَ السرُورِ على قلبِ أخيهِ المسلِم. وقد رُوي أنه ﷺ كان في دعوةٍ ومعَهُ جماعَةٌ، فاعتَزَلَ رجلٌ مِن القَومِ ناحيةً، فقال: إني صائِمٌ. فقالَ النبيُّ ﷺ : "دعاكُم أخوكُم وتكلَّفَ لكُم! كُلْ يَومًا، تمَّ صُم يَومًا مكانَه إن شِئتَ" (١).
(لا) إن كانَ (صَومًا واجِبًا) فلا يُفطِر؛ لقَوله : ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. ولأنَّ الفِطرَ مُحرَّمٌ، والأكلَ غَيرُ واجِبٍ. وقد رَوى أبو هريرَة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دُعِيَ أحدُكُم فَليُجِبْ، فإن كان صائِمًا فليَدْع، وإن كان (٢) مفطرًا فليطعم". رواه أبو داود (٣). وفي رواية: "فليُصَلِّ". يعني: يدعُو.
ودُعِيَ ابنُ عمرَ إلى وليمَةٍ، فحضَرَ ومدَّ يدَه، وقال: بِسمِ الله، ثم قَبَضَ يدَهُ وقالَ: كُلُوا فإنِّي صائِمٌ (٤).
وسُنَّ الإخبَارُ بِصيامِه، كما فَعلَ ابنُ عمرَ؛ ليَعلَموا عُذرَهُ فتزولَ عنهُ التُّهمَةُ في تَركِ الأكلِ. وعن عبد الله قال: إذا عُرِضَ على أحدِكُم طعامٌ وهو صائمٌ، فليَقُل: إني صائِمٌ (٥).
стр. 1396
ويَنْوِي بأكْلِه وشُريه التَّقَوِّيَ علَى الطَّاعَةِ.
ويَحْرُمُ الأكْلُ بلا إذْنٍ صَرِيح، أو قَرِينةٍ، ولَوْ مِن بَيتِ قَرِيبِهِ أو صَدِيقِه. والدُّعاءُ إلى الوَلِيمةِ، وتَقْديمُ الطًّعَامِ: إذْنٌ في الأكْلِ.
ويُقَدِّمُ ما حضَرَ مِن الطَّعَامِ مِن غيرِ تَكَلُّفٍ.
وإن كان مُفطِرًا، فالأَولَى له الأكلُ؛ لأنَّه أبلَغُ في إكرامِ الدَّاعِي، وجَبرِ قَلبِه، وإدخالِ السُّرُورِ عَليهِ.
(ويَنوي بأكلِهِ وشُربِه التَّقوِّيَ على الطَّاعَةِ. ويحرُمُ الأكلُ بلا إذنٍ صَريحٍ، أو قَرينَةٍ) تدلُّ على الإذن، كتَقديمِ الطَّعامِ إليه، والدُّعاءِ، ونحوِه، حتى (ولو) كان (مِن بَيتِ قَريبِهِ أو صَديقِه) ولو لم يُحرِزْهُ عنهُ.
(والدُّعاءُ إلى الوَليمَةِ، وتَقديمُ الطَّعامٍ، إذْنٌ في الأكَلِ) لما روَى أبو هريرة عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا دُعِيَ أحدُكُم إلى طعامٍ، فجاءَ معَ الرَّسولِ، فذلِكَ إذْنٌ". رواه أحمد، وأبو داود (١). وقال عبدُ الله بنُ مسعودٍ: إذا دُعيتَ، فقَد أُذِنَ لكَ. رواه الإمام أحمد بإسناده (٢).
لا في الدُّخُولِ. قال في "الفروع" (٣): وليسَ الدُّعَاءُ إذنًا في الدُّخُولِ، في ظاهِرِ كلامِهِم، خلافًا "للمغني". وفي "الغنية"- للشيخ عبد القادِر الجيلي رضي الله تعالى عنه-: لا يحتاجُ بعد تقديمِ الطعامِ إذنًا، إذا جرَت المعادَةُ في ذلك البلَدِ بالأكلِ بذلِكَ، فيكونُ العُرفُ إذنًا.
(ويُقدِّمُ ما حضَرَ مِن الطعامِ مِن غيرِ تكلُّفٍ).
стр. 1397
ولا يُشْرَعُ تَقْبِيل الخُبزِ. وتُكْرَهُ إهَانتُه، ومَسْحُ يَدَيْه بِهِ، ووَضْعُه تَحْتَ القصْعَةِ.
(ولا يُشرَعُ تَقبيلُ الخُبْزِ) أي: ليسَ من السنَّةِ تقبيلُه، ولا تقبيلُ الجمادَاتِ، إلَّا ما استثنَاهُ الشَّرعُ، كتَقبيلِ الحجَرِ الأسوَدِ.
(وتُكرَة إهانَتُه) أي: الخُبزِ. ويُكرَهُ أن يأكُلَ ما انتَفَخَ مِن الخُبزِ ووَجهَهُ، ويَترُكَ الباقِي منه؛ لأنَّه كِبرٌ (١). (ومَسحُ يَدَيهِ بِه) لأنَّ فيه إهانَةً (ووَضعُهُ تَحتَ القَصعَةِ) وهو مِن الإهانَةِ أيضًا، فهو مَكرُوهٌ.
* * *
стр. 1398
فَصلٌ
ويُستَحَبُّ غَسْلُ اليَدَيْنِ قَبلَ الطعَامِ وبَعْدَهُ.
وتُسَنُّ: التسميةُ جَهْرًا علَى الطَّعامِ والشَّرَابِ ، وأنْ يَجْلِسَ علَى رِجْلِه اليُسْرَى ويَنْصِبَ اليُمْنَى، أو يَتربَّعَ، ويأكلَ بيمينِه بثلاثِ أصابِعَ
(فَصلٌ)
في آدَابِ الأكلِ والشُّربِ وما يتعلَّقُ بِهِمَا
(ويُستَحَبُّ غَسلُ اليَدَينِ قَبلَ الطَّعامِ) مُتقدِّمًا به رَبُّهُ (١)، (و) غَسلُهُما (بعدَه) متأخِّرًا بِهِ رَبَّه.
(وتُسنُّ: التسميَةُ جَهرًا) ليُنبِّهَ غَيرَه عَليها (على الطَّعامِ والشَّرابِ)؛ لحديث عائشةَ مرفوعًا: "إذا أكلَ أحدُكُم فليَذكُر اسمَ اللهِ، فإن نَسِيَ أن يَذكُرَ اسمَ اللهِ في أوَّلِه، فليَقُل: بسم اللهِ أولَهُ وآخِرَه" (٢). وقِيسَ عليهِ: الشُّربُ.
(وأن يَجلِسَ على رِجلِه اليُسرَى، ويَنصِبَ اليُمنَى، أو يتربَّعَ).
(و) يُستحبُّ أن (يأكُلَ بيَمينِه بثَلاثِ أصابعَ)، ويُكرَهُ بما دُونَها، وبما فَوقَها، ما لم تَكُن حاجَةٌ. "إقناع" (٣). ولا يَمسَح يدَهُ حتى يَلعَقَها، لما روَى الخلالُ، عن كَعبِ بن مالك، قال: كان النبيُّ ﷺ يأكلُ بثلاثِ أصابِعَ، ولا يَمسَحُ يدَه
стр. 1399
مِمَّا يَلِيهِ، ويُصَغِّرَ اللُّقْمَةَ، ويُطِيلَ المَضْغَ، ويَمسَحَ الصَّحْفَةَ، ويَأكُلَ مَا تَناثَرَ، ويَغُضَ طَرْفَه عن جَلِيسِه، ويُؤثِرَ المُحْتاجَ، ويَأكُلَ مع الزَّوْجةِ والمَمْلُوكِ والوَلَدِ، ولو طِفْلًا، ويلعَقَ أصابِعَه، ويُخلِّلَ أسْنَانَه،
حتى يَلعَقَها (١). ولم يُصحِّح أحمدُ حديثَ أكلِهِ ﵇ بكَفِّهِ كُلِّهَا (٢).
(مما يَليه)؛ لحديث عُمرَ بنِ أبي سَلَمَةَ قال: كُنتُ يَتيمًا في حِجرِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فكانَت يَدي تَطيشُ في الصَّحفَةِ، فقال لي النبيُّ ﷺ : "يا غُلامُ، سَمِّ اللهَ، وكُلْ بيَمينِكَ، وكُلْ مما يَليكَ". متفق عليه (٣). ولمُسلِمٍ (٤) عن ابنِ عمرَ مرفوعًا: "إذا أكَلَ أحدُكُم، فليأكُلْ بيَمينِهِ، فإنَّ الشَّيطانَ يأكُلُ بشِمَالِه".
ويُكرَهُ أكلُهُ (٥) مما يَلِي غَيرَه، إن لم يَكُن أنواعًا، أو فاكِهَةً.
(ويُصَغِّرُ الُّقلمَةَ، ويُطيلُ المضغَ، ويَمسَحُ الصَّحفَةَ) التي أكلَ فيها.
(ويَأكُلُ ما تَنَاثَرَ) مِنهُ. وأكلُهُ (٦) عِندَ حُضُورِ رَبِّ الطعامِ وإذنِه.
(ويَغضُّ طَرفَهُ عن جَليسِه) لئلا يَستَحِي.
(ويُؤثِرُ المحتَاجَ، ويأكُلُ معَ الزَّوجَةِ والمملُوكِ والوَلَدِ، ولو طِفلًا، ويَلعَقُ أصابِعَه، ويُخلِّلُ أسنانَه) من طعامٍ. قال في "المستوعب": رُويَ عن ابنِ عمرَ:
стр. 1400
ويُلْقِي مَا أخْرَجَه الخِلالُ، ويُكْرَة أنْ يَبتَلِعَهُ، فإنْ قَلَعَهُ بلِسَانِه لَم يُكْرَهْ.
ويُكْرَهُ: نَفْخ الطَّعَامِ، وكَوْنه حَارًّا، وأكْلُهُ بأقَلَّ أوْ أكْثَرَ مِنْ ثَلاثِ أصابِعَ،
ترك الخِلالِ يُوهِنُ الأسنَانَ (١). وذكَرَه بعضُهم مَرفوعًا. ورُوي: تخلَّلُوا مِن الطعامِ، فإنَّه ليسَ شيءٌ أشدَّ على المَلَكِ الذي على العَبدِ أن يَجِدَ مِن أحَدِكم ريحَ الطَّعامِ (٢).
(ويُلقِي ما أخرَجَهُ الخِلالُ، ويُكرَهُ أن يَبتَلِعَه، فإن قَلَعَه بلِسانِه، لم يُكرَه).
(ويُكرَهُ: نَفخُ الطَّعام) ليَبرُدَ. زادَ في "الرعاية" "والآداب" وغيرهما: والشَّرابِ. وفي "المستوعب": النَّفخُ في الطَّعامِ والشَّرابِ والكِتَابِ مَنهيٌّ عنه (٣).
(و) كُرهَ أكلُه حالَ (٤) (كَونِه) أي: الطَّعامِ (حارًا) وفي "الإنصاف": قُلت: عندَ عدَمِ الحاجَةِ (٥). لأنَّه لا بركَةَ فيه.
(و) يُكرَهُ (أكلُه بأقَلَّ) لأَنَّه كِبْرٌ (أو أكثَرَ) لأنَّه شَرَهٌ (٦) (مِن ثَلاثِ أصابعَ)؛ لحَديثِ كعبِ بنِ مالك، وتقدَّم. ما لم تَكُن حاجَةٌ.
стр. 1401
أو بشِمالِه، ومِن أعْلَى الصَّحْفَةِ أو وَسَطِهَا، ونَفْضُ يَدِه في القَصْعَةِ، وتَقْدِيمُ رَأْسِه إلَيْهَا عِنْدَ وَضْعِ اللُّقْمَةِ في فَمِهِ، وكَلامُه بِمَا يُستَقْذَرُ، وأكْلُه مُتَّكِئًا أوْ مُضْطَجِعًا، وأكْلُه كَثِيرًا بِحَيثُ يُؤْذِيهِ، أوْ قَلِيلًا بِحَيثُ يَضُرُّهُ.
قال مهنا: سألت (١) أبا (٢) عَبدِ الله عن الأكلِ بالأصابِعِ كُلِّهَا؟. فذَهَب إلى ثَلاثِ أصابِعَ، فذَكَرَ مسألةَ الحديثِ الذي يُروَى عن النبيِّ ﷺ أنَّه كانَ يأكُلُ بكفِّهِ كُلِّها (٣). فلم يُصحِّحُه، ولم يرَ إلَّا ثلاثَ أصابِعَ.
ولا بأسَ بالأكلِ بالمِلعَقَةِ، وإن كان بِدعَةً؛ لأنَّها تَعتَريها الأحكامُ الخَمسَةُ.
(أو) أن يَأكُلَ (بِشِمَالِه) فيُكرَهُ.
(و) يُكرَهُ (مِن أعلَى الصَّحفَةِ، أو وَسَطِهَا).
(و) كُرِهَ (نفضُ يَدِه في القَصعَةِ).
(و) كُرِهَ (تَقديمُ رأسِهِ إليها عندَ وضعِ اللُّقمَةِ في فَمِه).
(و) كُرِهَ (كلامُهُ بما يُستَقذَر).
(و) كُرِهَ (أكلُه مُتَكِئًا، أو مُضطَجِعًا) وفي "الغنية": أو على الطريق.
(و) كُرِهَ (أكلُهُ كَثيرًا، بحيثُ يُؤذِيهِ) فإن لم يُؤذِهِ، جازَ. وكَرِهَ الشيخُ تقيُّ الدِّينِ أكلَه حتَّى يُتخَمَ، وحرَّمَهُ أيضًا. وحرَّمَ الإسرافَ، وهو مُجاوَزَةُ الحدِّ.
(أو) أي: ويُكرَهُ (قَليلًا، بحيثُ يَضُرُّه) لحديث: "لا ضررَ ولا ضِرارَ" (٤).
فَصلٌ
وسُنَّ: أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ إِذَا فَرَغَ ، ويَقولَ: الحَمْدُ للَّهِ الذِي أطْعَمَنِي هَذَا الطَّعامَ، ورَزَقَنِيهِ مِن غَيْرِ حَوْلٍ منِّي ولا قوَّةٍ. ويَدْعُو لصاحِبِ الطَّعَامِ، ويُفَضِلَ منه شيئًا، لا سِيَّمَا إنْ كانَ مِمَّن يُتَبَرَّكُ بفضْلَتِه.
(فَصلٌ)
(وسُنَّ أن يَحمَدَ اللهَ إذا فَرَغَ) مِن طعامِه أو شرابِه؛ لحَديثِ: "إنَّ اللهَ ليَرضَى مِن العَبدِ أن يأكُلَ الأَكلَةَ، أو يشربَ الشَّربَةَ، فيَحمدَه عليها" رواه مسلم (١).
(ويَقول: الحمدُ للهِ الذي أطعَمَني هذا الطَّعامَ، ورَزَقَنيه (٢) مِن غَيرِ حَولٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ) وعن مُعاذِ بن أنسٍ الجُهنيِّ مرفوعًا: "مَن أكلَ طَعَامًا، فقالَ: الحمدُ لله الذي أطعَمَني هذا ورَزَقَنِيهِ مِن غَيرِ حَولٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ، غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِن ذَنبه". رواهُ ابنُ ماجه (٣).
(و) يُسنُّ أن (يَدعُوَ لصاحِبِ الطَّعامِ) بما أحَبَّ (ويُفضِلَ مِنهُ) أي: مِن الطَّعامِ (شيئًا) ولو قَليلًا، (لا سِيَّمَا إن كانَ ممَّن يُتبَرَّكُ بِفَضلَتِه (٤)).
стр. 1404
ويُسَنُّ إعْلانُ النِّكَاحِ، والضَّربُ فِيهِ بدُفٍّ -لا حِلَقَ فِيهِ ولا صُنُوجَ-
(ويُسنُّ إعلانُ النِّكاحِ) أي: إظهَارُهُ. (والضَّربُ فيهِ بِدُفٍّ -لا حِلَقَ فِيهِ ولا صُنُوجَ) لحديث: "أعلِنُوا النِّكاحَ" وفي لفظٍ "أظهروا النكاح" (١). وكان يُحِبُّ أن يُضرَبَ عليهِ بالدّفِّ. وفي لَفظٍ: "واضرِبُوا عليه (٢) بالغِربَالِ". رواه (٣) ابن ماجه (٤).
وظاهِرُهُ: سَواءٌ كان الضَّارِبُ رَجُلًا أو امرَأةٌ.
وقال الموفَّقُ: ضربُ الدُّفِّ مخصوصٌ بالنِّساءِ. وفي "الرعاية": ويُكرَهُ للرِّجَالِ مُطلقًا.
وقال أحمدُ: لا بأسَ بالغَزَلِ في العُرْسِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ للأنصارِ: "أتينَاكُم أتينَاكُم، فحَيُّونَا نُحيِّيكُم، ولولا الذَّهبُ الأحمَر، لما حلَّت بوادِيكم، ولولا الحبَّةُ السوداءُ ما سُرَّتْ عَذاريكُم" (٥) -لا علَى ما يَصنَعُ اليَومَ النَّاسُ- ومِن غَيرِ هذا الوجه: "ولولا الحِنطَةُ الحَمراء ما سُرَّت عذارِيكم".
стр. 1405
للنِّساءِ، ويُكْرَهُ للرِّجالِ. ولا بَأْسَ بالغَزَلِ في العُرسِ.
وضَربُ الدُّفِّ في الخِتانِ، وقُدُومِ الغائِبِ، كالعُرسِ.
وتحرُمُ كُلُّ مَلهَاةٍ سوى الدُّفِّ، كمِزمَارٍ، وطُنبورٍ، ورَبَابٍ، وجَنْكٍ. وقال في "المستوعب" و"الترغيب": سواءٌ استُعمِلَت لحُزْنٍ أو سُرورٍ (١). (للنِّساءِ).
(ويُكرهُ) الضَّربُ بالدُّفِّ (للرِّجالِ) مُطلقًا. قاله في "الرعاية". وقال الموفَّق: ضَربُ الدُّفِّ مخصوصٌ بالنِّساءِ. قال في "الفروع": وظاهِرُ نُصوصِه وكلامِ الأصحابِ: التَّسويَةُ (٢).
(ولا بأسَ بالغَزَلِ في العُرسِ) لما تقدَّم، لقوله ﵇: "أتيناكم" .. وتقدَّمَ.
(وضَربُ الدُّفِّ في الخِتانِ، وقُدومِ الغَائِبِ) والوِلادَةِ (كالعُرسِ) لما فيه من السُّرورِ.
* * *