الحَيضِ أو النِّفَاسِ، أو الإحْرَامِ، أوْ في صَوْمِ الفَرْضِ.
فلَوْ طَلَّقَها الثانِي، وادَّعَتْ أنَّه وَطِئَها، وكذَّبها، فالقولُ قولُه في تَنْصِيفِ المَهْرِ، وقولُهَا في إبَاحَتِهَا للأوَّلِ.
الحَيضِ، أو النِّفاسِ، أو الإحرَامِ، أو) وطِئَها (في صَومِ الفَرضِ) أو في دُبُرٍ، أو نِكاحٍ باطِلٍ، أو فاسِدٍ، أو رِدَّةٍ؛ لأنَّ التحريمَ في هذِه الصُّوَرِ لمعنًى فِيها لحقِّ اللهِ تعالى، ولأنَّ النكاحَ الفاسِدَ لا أثَرَ له في الشَّرعِ في الحِلِّ، فلا يدخُلُ في قولِه تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
(فلو طلَّقَها) الزوجُ (الثاني، وادَّعَت أنَّه وَطِئَها، وكذَّبَها، فالقَولُ قَولُه في تَنصيفِ المَهر (١). و) يُقبَلُ (قَولُها في إباحَتِها للأوَّلِ) إلَّا إنْ قالَ الأوَّلُ: أنا أعلَمُ أنَّه ما أصابَها، فلا تحلُّ لهُ، مؤاخذَةً له بإقرارِهِ. فإن عادَ فأكذَبَ نفسَه، وقال: قَد عَلِمتُ صِدقَها، دُيِّنَ فِيمَا بَينه وبينَ اللهِ؛ لأنَّه إذا عَلِمَ حِلَّها، لم تحزم بكَذِبِه، ولأنَّه قد يَعلَمُ في المستقبَلِ ما لم يَعلَمْه في الماضِي. وإن قالَ: ما أعلَمُ أنَّه أصابَها، لم تحرُم عليهِ بذلك؛ لأنَّ المعتبَرَ في حِلِّها لهُ خبرٌ يَغلِبُ على ظنِّه صِدقُها، لا حقيقَةُ العِلم (٢).
* * *
стр. 1472
كتابُ الإيلاءِ
وهُوَ حَرَامٌ كَالظِّهَارِ.
ويَصِحُّ مِنْ زَوْجٍ يَصِحّ طَلاقُهُ، سِوَى عاجِزٍ عَن الوَطْءِ، إمَّا لِمَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُه، أوْ لِجَبٍّ كَامِلٍ، أوْ شَلَلٍ.
فإذَا حَلَف الزَّوْجُ باللَّهِ تعالَى، أوْ بصِفَةٍ مِن صِفَاتِهِ، أنَّه لا يَطَأ زَوْجَتَه أَبَدًا، أوْ مُدَّةً تَزِيدُ علَى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ،
(كِتابُ الايلاءِ)
بالمَدِّ، لُغَةً: الحَلِفُ (وهُو) أي: الإيلاءُ (حَرَامٌ) لأنَّه يَمينٌ على تَركِ واجِبٍ (كالظِّهارِ) لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢].
(ويَصِحُّ مِن زوجٍ يَصِحُّ طلاقُه) مِن مُسلِمٍ وكافِرٍ، وحُرٍّ وقِنٍّ، وبالِغٍ ومميِّزٍ، وغَضبانَ، وسكرَانَ، ومَريضٍ (سِوَى عاجِزٍ عن الوَطءِ، إمَّا لمرَضٍ لا يُرجَى بُرؤُهُ، أو لِجَبٍّ كامِلٍ) أي: كُلِّهِ (أو شَلَلٍ).
(فإذا حلَفَ الزوجُ باللهِ تعالى، أو بِصِفَةٍ مِن صفاتِه) كالرَّحمن، والرَّحيم: (أنَّه لا يَطأ زوجَتَه أبدًا، أو مُدَّةً تزيدُ على أربَعَةِ أشهُرٍ) مُصرِّحًا بها، أو يَنويها؛ بأنْ يحلِفَ أن لا يَطأَهَا، ويَنوي فوقَ أربعَةِ أشهرٍ. وسَواء حلَفَ في حالِ الرِّضَا أو غيرِه، والزوجَةُ مَدخول بها أو لا. نصًا.
والأصلُ فيه: قولُه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]
стр. 1473
صارَ مُؤلِيًا.
ويُؤجِّلُ لَهُ الحاكِمُ - إنْ سَأَلَتْ زَوْجَتُه ذلكَ - أربعةَ أشْهُرٍ مِن حينِ يَمِينِه، ثُمَّ يُخَيَّرُ بَعْدَهَا بينَ أنْ يُكفِّرَ ويطأَ، أو يُطلِّقَ. فإنِ امْتَنَعَ مِن ذلكَ، طلَّقَ علَثه الحَاكِمُ.
٢٢٦] الآية. وكانَ أُبيُّ بنُ كعبٍ (١) وابنُ عباس (٢) يَقرءانِ: "يُقسِمُونَ" مَكانَ: "يُؤلُون".
قال ابنُ عبَّاس: كانَ أهلُ الجاهليَّةِ، إذا طلَبَ الرجلُ مِن امرألَه شَيئًا، فأبَت أن تُعطِيَه، حلَفَ أن لا يَقَرَبَها السَّنَةَ والسَّنتَين والثلاثَ، فيدعُها لا أيِّمًا ولا ذاتَ بَعل، فلمَّا كان الإسلامُ جعلَ اللهُ ذلكَ للمسلمين أربعهً أشهُرٍ، ونزلَتَ هذه الآيةُ.
وقال سعيدُ بنُ المسيب: كانَ الإسلامُ ضِرارًا لأهلِ الجاهليَّةِ حتَّى نزلَت هذه الآيِةُ.
(صارَ مُؤلِيًا. ويؤجِّلُ له الحاكمُ (٣)) أي: حُكمَ الإيلاءِ (إن سألَت زوجَتُه ذلِكَ) وهُو (أربعَة أشهُرٍ مِن حينِ) أي: وقتِ (يمينِه) للآيةِ. فلا تَفتَقِرُ إلى ضَربِ حاكِمٍ، كالعدَّةِ.
(ثمَّ يُخيَّرُ بعدَها) أي: بعدَ مُدَّةِ الإيلاءِ (بينَ أن يُكفِّرَ) وهي: رقبَةٌ يُعتِقُها، أو إطعامُ ستِّينَ مِسكينًا، أو صِيامُ شَهريِنِ مُتتابِعَين. (ويَطأَ) في القُبلِ، (أو يُطلِّقَ. فإن امتَنَعَ مِن ذلك، طلَّق عليه الحاكمُ) إزالَةً لضَرَرِها.
стр. 1474
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن أبى مُولٍ أن يَفِيءَ، وأن يُطلِّقَ، طلَّقَ الحاكِمُ عليهِ طلقَةً أو ثلاثًا، أو فَسَخَ؛ لأن الطلاقَ تدخُله النيابَةُ، وقد تعيَّنَ مُستَحقُّه، فقَامَ الحاكمُ فيه مَقامَ الممتَنِعِ، كأداءِ الدَّينِ.
وإن قالَ حاكِمٌ: فرَّقتُ بينَكُما، ولم يَنوِ طَلاقًا، فهو فَسخٌ لا ينقصُ به عددُ الطلاقِ؛ لأنها فُرقَةٌ ليسَت بلَفظِ الطلاقِ، ولا نيَّتِه، أشبَهَ قولَه: فسَختُ النكاحَ.
ولا تَحلُّ لهُ إلَّا بعقدٍ جديدٍ. قاله في "شرح الإقناع" (١).
* * *
عَلَيْه مِن رَجُلٍ، أو امْرَأةٍ، أو بعُضْوٍ مِنْهُ.
فمَن قالَ لزوجتِه: أنتِ، أو: يَدُكِ عَلَيَّ كظَهْرِ، أو يَدِ أُمِّي، أو: كظَهْرِ، أو يَدِ زيدٍ، أو: أنتِ عليَّ كفلانَةَ الأجنبيةِ، أو أنتِ عليَّ حَرَامٌ، أو قالَ: الحِلُّ عليَّ حَرَامٌ، أو: ما أحَلَّ اللَّهُ لِي، صارَ مُظاهِرًا.
وإنْ قالَ: أنتِ عليَّ كأُمِّي، أو: مِثْلَ أُمِّي، وأطْلَق، فظِهَارٌ. وإنْ نوَى: في الكَرَامةِ ونحوِهَا، فلا.
وحَماتِه، وزوجَةِ ابنِه، ولو كانَ تحريمُها إلى أمَدٍ، كأُختِ زَوجَتِه، وخالَتِها. أو يُشبِّهها بعُضوٍ مِنها.
(مِن رَجُلٍ، أو امرَأَةٍ) كظَهرِ أبي، أو أخِي، أو أُمِّي، أو أُختي، (أو بِعُضوٍ مِنهُ) كذلك.
(فمَن قالَ لزوجَتِه: أنتِ، أو: يَدُكِ عليَّ كظَهرِ، أو: يَدِ أُمِّي، أو): أنتِ (كظَهرِ) زَيدٍ، (أو: يَدِ زَيدٍ، أو: أنتِ عَلىَّ كفُلانَةَ الأجنبيَّةِ، أو: أنتِ عَلىَّ حرَامٌ، أو قال: الحِلُّ عَلىَّ حَرامٌ، أو: ما أحلَّ اللهُ لي) حرَامٌ، (صارَ مُظاهِرًا) ولو نَوى طلاقًا، أو يمينًا.
(وإن قالَ: أنتِ عليَّ كأمَّي، أو: مِثلَ أُمِّي، وأطلَقَ) صارَ مُظاهِرًا؛ لأنَّه الظاهِرُ مِن اللَّفظِ؛ لأنَّه شبَّه امرأتَه بأُمِّه، أشبَهَ ما لو شبَّهَها بعُضوٍ مِن أعضائِها.
وسَواءٌ نوَى به الظِّهارَ، أو أطلَقَ (١) (فظِهارٌ).
(وإن نَوَى) به: (في الكرَامَةِ، ونحوِهَا) كالمحبَّةِ، (فلا) ظِهَارَ؛ لأنَّ هذا
стр. 1477
و: أنتِ أُمِّي، أو: مِثْلُ أُمِّي، أو: عليَّ الظِّهارُ، أو: يَلْزَمُني، ليسَ بظِهَارٍ، إلَّا مَعَ نِيَّةٍ، أو قَرِينةٍ.
و: أنتِ عليَّ كالميْيْتَةِ، أوْ: الدَّمِ، أوْ: الخِنْزِيرِ، يَقَغ ما نَوَاه من طَلاقٍ، وظِهارٍ، ويَمِينٍ، فإنْ لَمْ يَنْوِ شيئًا، فظِهارٌ.
اللفظ (١) ظاهِرٌ في الكَرامَةِ، فتعيَّنَ حملُه عليهِ عِندَ الإطلاقِ، ولأنَّه ليسَ بصَريحٍ فيهِ، لكَونِه غَيرَ اللفظِ المستعمَلِ فيه، كما لو قال: أنتِ كَبيرَةٌ مِثلَ أُمِّي (٢).
(و: أنتِ أُمِّي، أو: مِثلَ أُمِّي، أو: عَلىَّ الظِّهارُ، أو: يلزَمُني) الظِّهارُ، (ليَسَ بِظِهارٍ) أي: لا يَلزَمُه ظهارٌ (إلَّا معَ نيَّةٍ، أو قرينَةٍ (٣))؛ لأنَّ احتمالَ هذِه الصُّورِ لغَيرِ الظِّهارِ أكثَرُ من احتمالِ الصُّورِ التي قَبلَهَا لهُ. وكثرَةُ الاحتمالاتِ تُوجِبُ اشتراطَ النيَّةِ في المحتَمل الأقلِّ؛ ليتعيَّنَ له؛ لأنَّه يصيرُ كِنايَةً فيه، والقَرينَةُ تقومُ مَقامَ النيَّةِ.
(و) إن قالَ: (أنتِ عَلىَّ كالمَيتَةٍ، أو: الدَّمِ، أو: الخِنزيرِ. يقَعُ ما نَواهُ مِن طلاق، وظِهارٍ، ويمينٍ. فإن لم يَنوِ شَيئًا، فظِهارٌ) وكذَا لو قالَ: أنتِ عَلىَّ كظَهرِ فُلانَةٍ الأجنبيَّةِ، أو: كظَهرِ أبي، أو أختي.
وإن قالَ: أنتِ أُمِّي، أو: كأُمِّي، فليسَ بِظِهَارٍ إلَّا معَ نيَّةٍ أو قرينَةٍ.
وإن قالَ: شعرُكِ، أو سمعُكِ ونحوه كظَهرِ أُمِّي، فليسَ بظِهار (٤).
стр. 1478
فَصْلٌ
ويَصِحُّ الظِّهارُ مِن كلِّ مَن يَصِحُّ طَلاقُه، مُنَجَّزًا، أو مُعَلَّقًا، أو مَحْلُوفًا به.
فإنْ نجَّزَه لأجنبيَّةٍ، أو عَلَّقَه بتَزْوِيجِهَا،
(فَصلٌ)
(ويَصحُّ الظِّهارُ مِن كُلِّ مَن يَصحُّ طلاقُه) مُسلِمًا كانَ أو كافِرًا، حُرًا أو عَبدًا، كَبيرًا أو مميزًا يَعقِلُه؛ لأنَّه تحريمٌ كالطَّلاقِ فجَرَى مجرَاهُ، وصحَّ ممَّن يصحُّ مِنهُ.
(مُنجَّزًا) أي: حالًّا (ومُعلَّقًا) كـ: إن قُمتِ فأنتِ عَلىَّ كظَهرِ أُمِّي. (ومَحلُوفًا به) أي: الظِّهارِ.
(فإنْ نجَّزَه) أي: الظَّهارَ (لأجنبيَّةٍ) بأنْ قال لها: أنتِ عليَّ كظَهرِ أُمِّي، صحَّ ظِهارُهُ. رواهُ أحمدُ (١) عن عمرَ. وكاليَمينِ باللهِ تعالى. والآيَةُ خرَجَت مخرَجَ الغَالِبِ.
والفَرقُ بينَهُ وبينَ الطَّلاقِ: أنَّ الطلاقَ حَلُّ قَيدِ النكاحِ، ولا يُمكِنُ حَلُّه قبلَ عَقدِه. والظِّهارُ: تحريمُ الوَطءِ، فيجوزُ تقديمُه على العَقدِ.
(أو علَّقَه بتَزويجِها)، بأن قالَ لها: إن تزوَّجتُكِ فأنتِ عَلىَّ كظَهرِ أُمِّي. أو قال: النِّساءُ عليَّ كظَهرِ أُمِّي، أو: كُلُّ امرأةٍ أتزوَّجُها فَهيَ عليَّ كظَهرِ أمِّي. ذكَرَهُ
стр. 1479
أو قالَ لَهَا: أنتِ عليَّ حَرَامٌ، ونَوَى: أبدًا، صحَّ ظِهَارًا، لا إنْ أطْلَقَ، أو نَوَى إذَن.
ويَصِحُّ الظِّهارُ مُؤقتًا، كـ: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي شَهْرَ رَمَضانَ، فإنْ وَطِئَها فِيهِ، فمُظاهِرٌ، وإلَّا فلا.
وإذَا صَحَّ الظِّهارُ، حَرُمَ على المظاهِرِ الوَطْءُ ودَوَاعِيه قَبْلَ التَّكفيرِ، فإنْ وَطِئَ ثَبَتَت الكَفَّارةُ في ذِمَّتِه،
في "الشرح". (أو قالَ لها: أنتِ عليَّ حرامٌ، ونَوى: أبدًا، صحَّ) ذلِكَ (ظِهَارًا) لأنَّه ظِهارٌ في الزَّوجَةِ، فكذا الأجنبيَّةُ. فإن تزوَّجَها، لم يَطَأها حتَّى يُكفِّرَ (١).
و (لا) يَكونُ قولُه لأجنبيَّةٍ: أنتِ عَلىَّ حرامٌ، ظِهَارًا (إن أطلَقَ) فلَم يَنوِ أبَدًا، (أو نَوَى) أنَّها حرامٌ عليه (إذَنْ) لأنَّه صادِقٌ في حُرمَتِها عليه قَبلَ عقدِ التزويجِ. ويُقبَلُ مِنهُ دَعوَى ذلكَ حُكما؛ لأنَّه الظاهِرُ
(ويَصحُّ الظهارُ مُؤقَّتًا، كـ: أنتِ عَلىَّ كظَهرِ أُمِّي شهرَ رَمضَان. فإن وَطئها (٢) فيه) أي: رمَضانَ (فمُظاهِرٌ) أي: كغَيرِه (وإلَّا) يَطَأَ فيهِ (فلا) ظِهارَ.
(وإذا صحَّ الظهارُ، حرُمَ على المظاهِرِ الوطءُ ودواعِيه) أي: دَواعِي الوَطءِ (قَيل التَّكفيرِ) لقولِه تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، وقوله: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجَادلة: ٤].
وقوله: (فإن وَطئَ، ثبَتَت الكفَارَة (٣)) أي: تَستِقِرُّ كفارةُ الظهار (في ذمَّتِه)
стр. 1480
ولَوْ مَجْنونًا، ثُمَّ لا يَطَأُ حتَّى يُكفِّرَ، وإنْ ماتَ أحدُهُمَا قبلَ الوَطْءِ، فلا كَفَّارةَ.
أي: المظاهِرِ (ولو) كانَ الواطِئُ (مجنُونًا) بأن ظاهَرَ ثُمَّ جُنَّ.
(ثمَّ) إن وَطِئَ قبلَ أن يُكفِّرَ (لا يَطأ) بَعدُ (حتى يُكَّفِرَ) للخَبرِ، ولبَقاءِ التحريم، وتُجزِئُهُ كفَّارَةٌ واحِدَةٌ، ولو كرَّرَ الوَطءَ؛ للخَبرِ. ولأنَّهُ وُجِدَ العَوْدُ والظِّهارُ، فدخَلَ في عموم: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجَادلة: ٣]. الآيتين.
(وإن ماتَ أحدُهُما) أي: الزَّوجَينِ بعدَ ظِهارٍ (قَبلَ الوَطءِ، فلا كفَّارَةَ) أي: سقَطَت كفَّارَةُ الظِّهارِ، وسواءٌ ماتَ عَقِبَ ظهارِه، أو تَراخَى عنه؛ لأنَّه لم يُوجَد الحِنْثُ، ويَرِثُها وترثُه، كما بعدَ التكفيرِ.
* * *
стр. 1481
فَصْلٌ
والكَفَّارهُ علَى التَّرتيبِ: عِتْقُ رَقَبةٍ مُؤمنةٍ، سالِمَةٍ مِن العُيُوبِ المضرَّةِ في العَمَلِ،
(فَصلٌ) في كفَّارَةِ الظِّهارِ، وما بِمَعنَاهَا
(والكفَّارةُ) أي: كفَّارةُ الظِّهارِ (على التَّرتيبِ) وهي:
(عِتقُ رقَبَةٍ مُؤمِنَةٍ) حكاهُ ابنُ المنذرِ إجماعًا في كفَّارَةِ القَتلِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وما عَدَا كفَّارَةَ القَتلِ، فبِالقِياسِ عَليها (١).
وأن تَكونَ (سالمِةً مِن العُيوبِ المضرَّةِ في العَمَل) ضَررًا بيِّنًا؛ لأنَّ المقصودَ تمليكُ الرقبَةِ منافِعَها، وتَمكينُها من التصرُّفِ لنَفسِها، ولا يحصُلُ هذا معَ ما يَضرُّ بالعَملِ ضررًا بيِّنًا، كالعَمَى، وقَطعِ اليَدينِ أو أحدِهِما، أو قَطعِ الرِّجلَين أو أحدِهِما، أو أَشلَّ شيءٍ مِن ذلِكَ؛ لأنَّ اليدَ آلةُ البَطشِ، والرِّجلَ آلةُ المشيِ، فلا يتهيَّأُ له كثيرٌ من العملِ، مع تلَفِ إحداهُما، أو شللِها (٢) - أو قَطعِ سَبَّابَةٍ، أو أصبعٍ وسطَى، أو إبهامٍ مِن يدٍ أو رِجلٍ. تَبعَ فيه "التنقيح"، وخالف صاحب "الإقناع" (٣).
стр. 1482
ولا يُجْزِئ عِتْقُ الأخْرَسِ الأصَمِّ، ولا الجَنِينِ.
فإنْ لَمْ يَجِدْ، فصِيامُ شهريْنِ متَتابعيْنِ،
"تنبيه": تَبِعَ المصنِّفُ - أي: صاحِبُ "المنتهى" ﵀ المنقِّحَ في التَّسويَةِ بينَ اليَدِ والرِّجلِ فيما تقدَّم.
قال الحجَّاوي في "الحاشية": ولم نَرَ مَن قالَهُ غيرَه فيمَا اطَّلَعنا عليه من كلامِ الأصحاب، وظاهِرُ كلامِهِم خِلافُه. ولأنَّ ذلكَ لا يَضرُّ بعَملِ الرِّجلِ، وهو المَشىُ، وقد صرَّحُوا أنَّ العَرَجَ اليَسيرَ لا يَضرُّ، فكيفَ يضرُّ قَطعُ إبهامِها أو غَيرِها، بل لو قُطِعَت أصابعُ الرِّجلِ كُلُّها، أَجزَأَ. قطَعَ به في "الرعاية الكبرى".
والمنقِّحُ فَهِمَ ما قالَهُ مِن كلامِ "الفروع": "وقيل: فيهنَّ مِن يَدٍ"، ففَهِمَ أنَّ المقدَّم أنَّ حُكمَ القَطعِ مِن الرِّجلِ حُكمُ القَطعِ من اليَدِ، كما صرَّح به في "الإنصاف". نتهى.
وبهذا تعلَم أنَّ قولَه: "من يَدٍ" احترازٌ عمَّا لو كانَ مَن يَدَينِ، لا عمَّا إذا كانَ مِن رِجلٍ. انتهى. ذكرَهُ العلامةُ الشيخُ منصور البهوتي في "حاشيته" على "المنتهى" (١).
(ولا يُجزئُ عِتقُ الأخرَسِ الأَصمِّ) ولو فُهِمَت إشارتُه؛ لأنَّه ناقِصٌ حاسَّتَين، تنقصُ بنَقصِهما قِيمَتُه نقصًا كثيرًا.
(ولا) يُجزِئُ عِتقُ (الجنين) وإن وُلِدَ حيًّا؛ لأنَّه لم تثبُت له أحكامُ الدُّنيا (٢).
(فإن لم يجِد) رقبَة (فصيامُ شهرينِ مُتتابِعَين) أي: تتابُعُ صَومِ الشَّهرَين؛ بأنْ
стр. 1483
ويَلْزَمُه تَبْيِيتُ النِّيَّةِ مِن اللَّيْلِ.
فإنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الصَّوْمَ لكِبَرٍ، أوْ مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُه، أطْعَمَ سِتِّينَ مسكينًا مُسْلِمًا، لكلِّ مسكينٍ مُدُّ بُرٍّ، أوْ نِصْفُ صاعٍ مِن
لا يُفرِّقَ الصومَ؛ للآية.
(ويَلزَمُه تَبييتُ النيَّةِ) لصومِ كُلِّ يَومٍ، كما تقدَّمَ في الصَّومِ (مِن الليل) ويَلزَمُهُ تَعيينُها.
(فإن لم يَستَطِع الصَّومَ لِكِبَرٍ، أو مَرَضٍ لا يُرجَى بُرؤُه) اعتبارًا بوَقتِ الوجوبِ، أو يخافُ زِيادَتَه، أو تطاوُلَه، أو لم يَستَطِع صومًا لشَبَقٍ. قال في "الإقناع": أو لضَعفٍ عن مَعيشَته (١)، (أطعَمَ سِتِّينَ مِسكينًا)؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، ولمَّا أمرَ رسولُ الله ﷺ أوسَ بنَ الصامِتِ بالصَّومِ، قالت امرأتُه: يا رسولَ الله، إنه شيخٌ كبيرٌ ما بِه من صِيامٍ. قال: " فيُطعِمُ سِتِّينَ مِسكينًا" (٢). ولمَّا أمرَ سَلمَةَ بنَ صخرٍ بالصِّيامِ قال: وهَل أصَبتُ ما أصَبتُ إلَّا مِن الصِّيام؟. قال: "فأطعِم" (٣). فنقَلَه إليه لمَّا أخبَرَه أنَّ به مِن الشَّبَقِ والشَّهوَةِ ما يمنعُه مِن الصَّومِ، وقِيسَ عَليهِمَا مَن في مَعنَاهُما.
ويُشتَرَطُ أن يكونَ المسكينُ (مُسلِمًا) حُرًا، كالزَّكاةِ.
(لِكُلِّ مِسكينٍ مُدُّ بُرٍّ) وهو نِصفُ قَدَحٍ بكَيلِ بلدِنا مِصرَ (أو نِصفُ صاعٍ من
стр. 1484
غَيْرِه، ولا يُجْزِئُ الخُبْزُ، ولا غيرُ مَا يُجْزِئُ في الفطرة.
ولا يُجْزِئُ العِتْقُ والصَّوْمُ والإطعامُ، إلا بالنِّيَّةِ.
غَيرِه) وهو التَّمرُ، والشعيرُ، والزَّبيبُ، والأَقِطُ. وذلِكَ قَدَحٌ بِكَيلِ مِصرَ (١).
(ولا يُجزِئُ الخُبزُ) لخُروجِه عن الكَيلِ والادِّخَارِ، أشبَهَ الهريسَةَ. (ولا غيرُ ما يُجزِئُ في الفِطرَةِ (٢)) ولو كانَ ذلِكَ قُوتَ بلَدِه؛ لأنَّ الكفَّارَةَ وجَبَت طُهرَةٌ للمُكفَّرِ عَنهُ، كما أنَّ الفِطرَةَ طُهرَةٌ للصائِمِ، فاستَوَيا في الحُكمِ.
قال العلامةُ الشيخ منصور (٣): قُلتُ: فإن عُدِمَتِ الأصنافُ الخمسةُ، أجزَأَ عنها ما يُقتاتُ مِن حبٍّ وثَمَرٍ، على قياسِ ما تقدَّم في الفِطرَةِ.
ولا يُجزِئُ في كفَّارَةٍ أن يُغدِّي المساكينَ، أو يُعشِّيَهم، ولا تجزئهُ القيمةُ عن الواجِبِ؛ لظاهِر قولِه تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤].
(ولا يُجزئُ) في كفَّارةِ (العِتق والصَّوم والإطعَام، إلَّا بالنيَّةِ) بأن يَنويَه عن جِهَةِ الكفَّارَةِ؛ لحديث: "وإنما لِكلِّ امرئٍ ما نَوى" (٤). ولأنَّه يختَلفُ وجهُه، فيقَع (٥) تبرُّعًا ونَذرًا وكفَّارَةً، فلا يَصرِفُه إلى الكفَّارَةِ إلَّا النيَّةُ. ولا يَكفِي فيه التقرُّبُ إلى الله فقَط دُونَ نيَّةِ الكفَّارةِ، لتنوُّعِ التقرُّبِ إلى واجبٍ ومندوبٍ. ومحلُّ النيَّةِ في الصَّومِ: الليلُ. وفي العِتقِ والإطعامِ: معَه، أو قبلَهُ بيَسيرٍ.
стр. 1485
كتابُ اللِّعانِ
إذَا رمَى الرلمجل زَوْجَتَه بالزِّنَى، فعلَيْهِ حَدُّ القَذفِ، أو التَّغريرُ، إلَّا أنْ يُقِيمَ البَيِّنَةَ، أو يُلاعِنَ.
وصِفَةُ اللِّعانِ: أنْ يَقولَ الزَّوْجُ أرْبَعَ مَرَّاتٍ: أشْهَدُ باللَّهِ إنِّي لِمَن الصَّادقينَ فيمَا رَمَيْتُها بِهِ مِن الزِّنَى -ويُشيرُ إلَيْها - ثُمَّ يَزيدُ في الخامِسَةِ: و ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾ [النور: ٧].
(كتابُ اللِّعانِ)
من الَّلعن، وهو: الطَّردُ والإبعَادُ؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ من الزوجين يَلعَنُ نفسَه في الخامِسَة إن كان كاذِبًا. وقيل: لأنَّه (١) لا يَنفكُّ أحدُهما عن أن يكونَ كاذِبًا، فتحصُل اللعنةُ عليه.
وهو شَرعًا: شهاداتٌ مُؤكَّدَاتٌ بأيمانٍ من الجانِبَين، مَقرونَةٌ بلَعنٍ وغضَبٍ.
(إذا رمَى الرجُلُ زوجَته بالزِّنَى) في قُبلٍ أو دُبُرٍ (فعَليه حَدُّ القَذفِ) إن كانَت محصنَة (أو التَّعزيرُ) إن لم تَكُن كذلك (إلَّا أن يُقيمَ البيِّنَةَ، أو يُلاعِنَ) فيسقُطُ الحدُّ أو التعزيرُ.
(وصِفةُ اللِّعانِ: أن يقولَ الزوجُ أربعَ مرَّاتٍ: أشهَدُ باللهِ إنِّي لمِنَ الصَّادِقِينَ فيما رَميتُها بهِ من الزِّنَى، ويُشيرُ إليها) معَ حُضُورِها (ثمَّ يَزيدُ في الخامِسَة: ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾ [النور: ٧].
стр. 1486
ثُمَّ تَقولُ الزَّوْجةُ أربعًا: أشْهَدُ باللَّهِ إنَّه لِمَن الكاذِبينَ فيمَا رماني بِهِ مِن الزِّنَى، ثمَّ تَزِيذ في الخامِسَةِ: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩].
(ثمَّ تَقولُ الزَّوجَةُ أربعًا: أشهدُ باللهِ إنَّه لمِن الكاذِبين فيما رماني بهِ من الزِّنَى، ثم تَزيدُ في الخامِسَةِ: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [لنُّور: ٩]).
ولا يُشتَرَطُ أن تقولَ: فيما رَماني به من الزِّنى؛ لظاهِرِ الآية.
فإن نقَصَ لَفظٌ من ذلك، أي: مِن الجُملِ الخمس، أو ما يختلُّ به المعنى، ولو أتيَا بالأكثَرِ من ذلكَ، وحكَمَ به حاكِمٌ، لم يصحَّ.
أو بدأَتْ به، أو قدَّمَت الغضبَ، أو أبدلَته باللَّعنَةِ، أو السَّخَطِ، لم يَصحَّ.
أو قدَّمَ اللَّعنَةَ قبلَ الخامسةِ، أو أبدلَها بالغَضَبِ، أو الإبعادِ، أو أبدَلَ أحدُهما لفظَ: أشهدُ، بأُقسِمُ، أو أحلِفُ، لم يصحَّ؛ لمخالفَةِ النَّص.
أو أتَى زوجٌ باللِّعانِ قبلَ إلقائِه عليه، أو بلا حضورِ حاكمٍ أو نائبِه، لم يصحَّ.
أو لاعَن بغَيرِ العربيَّةِ مَن يُحسِنُها، لم يصحَّ. ولا يلزمُ مَن لا يُحصِنُ العربيَّةَ تعلُّمُها إن عجَزَ عنه.
أو علَّقَ اللِّعانَ بشَرطٍ، أو عُدِمَت موالاةُ الكَلِمَاتِ، لم يَصحَّ اللِّعانُ؛ لمخالَفَةِ النَّص.
ويَصحُّ مِن أخرَسَ، وممَّن اعتُقِلَ لسانُه، أو أُيِسَ مِن نُطقِه إقرارٌ (١) بزنى، بكتابة (٢)، أو إشارَةٍ مَفهومَةٍ.
стр. 1487
وسُنَّ تَلاعُنُهُما قِيامًا بحَضْرَةِ جَمَاعةٍ، وأنْ لا يَنْقُصُوا عن أربَعَةٍ، وأنْ يَأمُرَ الحاكِمُ مَن يَضَعُ يَدَه على فَمِ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ عِندَ الخامِسَةِ، ويَقولُ: اتَّقِ اللَّهَ، فإنَّها المُوجِبَةُ، وعذابَ الدُّنْيَا أهْوَنُ مِن عذابِ الآخِرَةِ.
(وسُنَّ تلاعُنُهُما قِيامًا بحَضرَةِ جماعَةٍ) لأنَّ ابنَ عبَّاسٍ، وابنَ عُمر، وسَهلًا، حضَرُوه معَ حداثَةِ سِنِّهم، فدلَّ على أنه (١) حضره جمعٌ كثيرٌ؛ لأنَّ الصبيانَ إنَّما يحضُرُونَ المجالِسَ تَبَعًا للرِّجالِ، ولذَلك قال سَهلٌ: فتلاعَنَا وأنا معَ الناسِ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ (٢).
(و) سُنَّ (أن لا يَنقُصُوا) أي: الحاضِرُونَ عن أربعَةِ رِجالٍ؛ لأنَّ الزوجةَ ربَّما أقرَّت فشَهِدُوا عليها. وسُنَّ أن يتلاعَنا بوَقتٍ ومكانٍ مُعظَّمَين، كبَعدَ العَصرِ يومَ الجُمعَةِ، وبين الرُّكنِ والمقامِ بمكَّةَ، وبَيتِ المقدِسِ عندَّ الصخرَةِ، وعندَ مِنبَرِ باقي المساجد، وبينَ الأذانِ والإقامةِ؛ لأنَّ الدعاءَ بينَهُما لا يُردُّ.
(و) سُنَّ (أن يأمُرَ الحاكمُ مَن يضَعُ يدَه على فمِ الزَّوجِ والزَّوجَةِ عِندَ الخامِسَةِ، ويقولُ: اتَّقِ اللهَ، فإنَّها المُوجِبَةُ، وعذابُ الدُّنيا أهونُ مِن عذابِ الآخِرَةِ) لحديثِ ابنِ عباس (٣)، رواهُ الجوزجاني.
وكونُ الخامِسَةِ هي المُوجِبَةَ للَّعنَةِ أو الغَضَبِ على مَن كذَبَ مِنهُما؛ لالتِزَامِه ذلك فِيها.
وكَونُ عَذابِ الدُّنيا أهونَ؛ لأنَّه ينقَطِع، وعذابُ الآخرةِ دائمٌ.
والسرُّ في ذلك التخويف؛ ليتوبَ الكاذِبُ مِنهُما ويرتَدِعَ.
стр. 1488
فَصْلٌ
وشُرُوطُ اللِّعانِ ثلاثةٌ:
كَوْنُه بينَ زَوْجَيْنِ مُكَلَّفيْنِ .
الثانِي: أنْ يَتقدَّمَه قَذْفُها بالزِّنَى.
الثالث: أنْ تُكذِّبَه، ويَستمِرَّ تَكْذِيبُهَا إلَى انقضاءِ اللِّعانِ.
ويَثْبُتُ بتمامِ تَلاعُنِهِما أربعةُ أحْكَامٍ:
الأوَّلُ: سُقُوطُ الحَدِّ، أو التَّعْزيرِ.
(فَصلٌ)
(وشُروطُ اللِّعانِ ثلَاثةٌ):
أحدُها: (كونُه بينَ زَوجَينِ مُكلَّفَين) ولو كانَا قِنَّين، أو أحدُهما، أو كانَا فاسِقَين، أو أحدُهُما، أو ذِميَّين أو أحدُهما؛ لعُمومِ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النّور: ٦]. فلا لِعانَ بقَذفِ أمَتِه، ولا تعزيرَ. وأمَّا اعتبارُ التكليفِ، فلأنَّ قَذفَ غَيرِ المكلَّفِ لا يُوجِبُ حدًّا، واللِّعانُ إنَّما وجبَ لإسقاطِ الحدِّ.
الشرطُ (الثاني: أن يتقدَّمَه قذفُها) أي: قذفُ الزوج الزوجةَ (بالزِّنى)، ولو في دُبُرٍ؛ لأنَّه قذفٌ يجبُ به الحدُّ، وسواءٌ الأعمَى والبصيرُ. نصًا؛ لعُمومِ الآية. وهو أن يقولَ لها: زنَيتِ، أو: يا زَانِيَةُ، أو: رأيتُكِ تَزنين، أو: زنَا فرجُكِ.
الشرطُ (الثالِثُ: أن يُكذِّبَه، ويَستمرَّ تَكذِيبُهَا إلى انقِضاءِ اللِّعانِ).
(ويَثبتُ بتَمامِ تلاعُنِهِما أربعَةُ أحكامٍ):
الحُكمُ (الأوَّلُ: سُقوطُ الحدِّ) عنهَا وعَنهُ، إن كانت الزوجةُ مُحصنَةً (أو التعزيرِ)
стр. 1489
الثانِي: الفُرْقَة، ولَوْ بِلا فِعْلِ حاكِمٍ.
الثالثُ: التَّحْرِيمُ المُؤبَّدُ.
الر اجُ: انتفاغ الوَلَدِ، ويُعْتَبَرُ لنَفْيِه ذِكْرُه صَرِيحًا، كـ: أشْهَدُ باللَّهِ لقَد زَنَتْ، وما هَذَا وَلَدِي.
إن لم تَكُن مُحصنَةً.
الحُكمُ (الثاني): تَثبتُ (الفُرقَةُ) بينَ المتلاعِنَينِ بتَحريمٍ مُؤبَّدٍ (ولو بلا فِعلِ حاكلمِ) لأنَّه مَعنًى يقتَضِي التحريمَ المؤبَّدَ، فلَم يَقِف على حُكمِ حاكبم، كالرَّضَاعِ، ولأنَّها لو وقفَت على تَفريقِ الحاكِمِ، لفَاتَ تركُ التفريقِ إذ لم يَرضَيا به، كالتفريقِ للعَيبِ والإعسارِ. وتفريقُه ﷺ بمعنَى: إعلامِهِمَا بحصُولِ الفرقَةِ (١).
الحكم (الثالِثُ: التحريمُ المؤبَّدُ) لقولِ عمر: المتلاعِنَانِ يُفرَّقُ بينهُما، ولا يجتَمِعان أبدًا. رواه سعيد (٢).
ولأنَّ اللعان معنًى يَقتَضِي التحريمَ المؤبَّدَ، فلم يتوقَّف على حُكمِ حاكمٍ، كالرَّضَاعِ.
ولو أكذَبَ نفسَهُ، أو كانَت أمَةً فاشتَراهَا بعدَه، فلا تحلُّ لهُ؛ لأنَّه تحريمٌ مُؤبَّدٌ.
الحكمُ (الرابعُ: انتفاءُ الولَدِ) مِن الملاعِن، (ويُعتَبرُ لنَفيهِ ذِكرُهُ صريحًا) في اللِّعان (كـ) غولِه: (أشهَدُ باللهِ لقَد زَنَت، وما هذَا وَلَدِي) ويُتمِّمُ اللِّعانَ. وتَعكِسُ
فَصْلٌ فيمَا يُلْحَقُ مِنَ النَّسَبِ
إذَا أتَتْ زَوْجَةُ الرَّجُلِ بوَلَدٍ بَعْدَ نِصْفِ سَنَةٍ منذُ أمْكَنَ اجتماعُه بِهَا، ولَوْ مَعَ غيبةٍ فَوْقَ أربعِ سِنينَ، حتَّى ولَوْ كانَ ابنَ عشرٍ، لَحِقَه نَسَبُه،
(فَصلٌ فِيمَا يُلحَقُ مِن النَّسبِ)، وما لا يُلحَقُ مِنهُ
(إذا أتَت زَوجَةُ الرجُلِ بوَلَدٍ بعدَ نصفِ سنَّةٍ) أي: ستَّةِ أشهُرٍ (مُنذُ أمكَن اجتماعُه بها، ولو معَ غَيبَةٍ فوقَ أربَعِ سِنينَ) ولو عِشرين سنَةً. قال في "الفروع" و"المبدع": ولعلَّ المرادَ: ويخفَى سَيرُهُ (١) (حتى ولو كانَ) الزوجُ (ابنَ عشرِ) سِنينَ، (لحِقَهُ نَسبُه) لحديث: "الولَدُ للفِراشِ" (٢). ولإمكانِ كونِه مِنهُ.
وقدَّروهُ بعَشرِ سِنينَ؛ لحديث: "واضرِبوهُم عليها لعَشرٍ، وفرِّقُوا بينَهم في المضاجِع" (٣). ولأنَّ العَشر (٤) يمكِنُ فيها البلوغُ، فأُلحِقَ به الولَدُ، كالبالِغِ المتيقَّنِ، وقد رُوِي أن (٥) عمرَو بنَ العاصِ وابنَه لم يكُن بينَهُما إلَّا اثنَا عشَرَ عامًا (٦).
وأَمرُهُ ﵇ بالتَّفريقِ بينَهُما في المضاجِعِ دليلُ إمكانِ الوَطءِ، وهو سبَبُ الولادَةِ.
стр. 1492
ومَعَ هذا لا يُحْكَمُ ببُلُوغِه، ولا يَلْزَمُه كلُّ المَهْرِ، ولا تَثْبُتُ به عِدَّةٌ، ولا رَجْعَةٌ.
وإنْ أتَتْ بِهِ لدُونِ نِصْفِ سَنَةٍ مُنْذُ تَزوَّجَها، أو عُلِمَ أنَّه لم يَجْتَمِعْ بها، كما لو تَزوَّجَها بحضرةِ جَماعةٍ، ثُمَّ أبانَهَا في المَجْلِسِ، أو ماتَ، لَمْ يَلْحَقْهُ.
(ومعَ هذا) أي: لحُوقِ الولَدِ بابنِ عشرٍ (لا يُحكَم ببلُوغِه) لاستِدعاءِ الحُكمِ ببلُوغِه يَقينًا؛ لتَرتِيبِ الأحكامِ عليه، مِن التكالِيفِ، ووجوبِ الغَرَامَاتِ، فلا يُحكَم به معَ الشكِّ وإلحاقِ الولَدِ به لحفظِ النَّسبِ؛ احتياطًا.
(ولا يَلزَمُه كُلُّ المهرِ) أي بإلحاقِ ابنٍ، إن لم يَثبُت الدخولُ أو الخلوةُ ونحوُه؛ لأنَّ الأصلَ براءتُه منه.
(ولا تَثبُت به عِدَّو، ولا رجعَة) لعدَمِ تبوتِ مُوجِبهِمَا.
(وإن أتَت به لدُونِ نِصفِ سَنَةٍ مُنذُ تزوَّجَها) وعاشَ، لم يلحَقْهُ؛ للعِلمِ بأنَّها كانَت حامِلًا به قبلَ التزوُّجِ، فإن ماتَ أو ولدَتهُ مَيِّتًا، لحِقَه بالإمكان.
(أو عُلِم أنه) أي: الزّوجَ الم يَجتَمِع بها، كما لو تزوَّجَها بحضرَةِ جماعَةٍ)، أو حاكِمٍ (ثمَّ أبانَها في المجلِسِ، أو ماتَ) الزوجُ بالمجلِسِ (لم يَلحَقْهُ) للعِلمِ بأنَّه ليسَ منه.
* * *
стр. 1493
فَصْلٌ
ومَن ثَبَتَ، أوْ أقَرَّ أنَّه وَطِئَ أمَتَه في الفَرْجِ -أو دُونَه- ثُمَّ وَلَدَتْ لنِصْفِ سَنَةٍ، لَحِقَه.
ومَن أعْتَقَ أوْ بَاعَ مَن أقَرَّ بوَطْئِهَا، فوَلَدَتْ لدُونِ نِصْفِ سَنَةٍ، لَحِقَه، والبَيْعُ باطِلٌ، ولنِصْفِ سَنَةٍ فأكْثَرَ، لَحِقَ المُشتَرِي.
(فَصلٌ)
(ومَن ثَبَتَ، أو أقرَّ أنَّه وَطِىَ أمَتَه في الفَرجِ -أو دونَه- ثمَّ ولَدَت لنِصفِ سنَةٍ) فأكثرَ (لَحِقَهُ) نسبُ ما ولدَتهُ؛ لأنها صارَت فِراشًا له بوَطئِه. ولأنَّ سعدًا نازَعَ عَبدَ بنَ زَمْعَةَ في ابنِ وليدَةِ زَمعَةَ، فقالَ: هو أَخِي وابنُ وليدَةِ أبي، وُلِدَ على فراشِه. فقال النبيُّ ﷺ : "هو لك يا عَبدَ بنَ زَمْعَةَ، الولدُ للفِرَاشِ، وللعَاهِرِ الحَجَرُ". متفق عليه (١). فيلحَقُه.
(ومَن أعتَقَ) أمةً أقرَّ بِوَطئِها، (أو باعَ مَن أقَرَّ بِوَطئِهَا، فولَدَت لدُونِ نِصفِ سنَةٍ) مُنذُ أعتقَها، أو باعَهَا (لَحِقَه) أي: المُعتِقَ أو البائِعَ، ما ولدَته؛ لأنَّ أقلَّ مُدَّةِ الحملِ نِصفُ سنَةٍ، فما ولَدَتهُ لدُونِها وعاشَ، عُلِمَ أنَّها كانَت حاملًا به قبلَ العِتقِ أو البَيعِ، حينَ كانَت فِرَاشًا له (والبَيعُ باطِلٌ) لأنَّها أُمُّ ولَدٍ، والعِتقُ صحيحٌ.
(ولنِصفِ سَنَةٍ فأكثَرَ) مِن بيعٍ، لم يَلحَق بائِعًا، و (لحِقَ المشتَرِي) ولم يَلحَق بائِعًا؛ لأنَّه ولَدُ أمَةِ المشتَرِي، فلا تُقبَل دَعوَى غَيرِه لهُ بدُونِ إقرارِه.
стр. 1494
ويَتْبَعُ الوَلَدُ أبَاه في النَّسَبِ، وأُمَّه في الحُرِّيَّةِ، وكَذَا في الرِّقِّ، إلَّا مَعَ شَرْطٍ، أو غُرُورٍ.
ويَتْبَعُ في الدِّينِ: خَيْرَهُمَا، وفي النَّجاسةِ، وتَحْريمِ النِّكاحِ، والذَّكَّاةِ، والأكْلِ: أخْبَثَهُمَا.
(ويَتبَعُ الولدُ أباهُ في النَّسَبِ) إجماعًا، لقوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزَاب: ٥] (وأمّهُ في الحريَّةِ) فولَدُ حُرَّةٍ حُرٌّ، وإن كانَ مِن رَقيقٍ، وولَدُ أمَةٍ، ولو مِن حُرٍّ، قِنٌّ لمالِكِ أمِّه.
(وكذَا في الرِّقِّ) أي: ويتبَعُ أمَّه في الرقِّ (إلَّا معَ شرطٍ) إلَّا إن اشترَطَ الزوجُ حريَّةَ الولَدِ.
(أو غُرورٍ) أي: غُرَّ بها، بأن تزوَّجَ بامرأةً شَرطَهَا أو ظنَّها حرَّةً، فتبيَّنَت أمَةً، فولَدُها حرٌّ، ولو كانَ أبوه (١) رقيقًا، ويَفدِيه.
(ويَتبَعُ في الدِّينِ خَيرَهُمَا) أي: أبوَيهِ دِينًا، فولَدُ مُسلِمٍ مِن كتابيَّةٍ مُسلِمٌ، ووَلَدُ كتابيِّ مِن مجوسيَّهٍ كِتابيٌّ، لكِن لا تَحلُّ ذبيحتُه، ولا لِمُسلمٍ نِكاحُهُ لو كانَ أُنثَى.
(وفي) تبعيَّةِ (النجاسَةِ، وتحريمِ النكاحِ، و الذَّكاةِ، والأَكلِ أخبثَهُمَا) أي: الأبوَينِ. فالبَغلُ مِن الحِمارِ الأهليِّ، محرَّمٌ نجِسٌ، تبَعًا للحِمَارِ، دُود أطيَبِهِما، وهو الفرس. وما تولَّد مِن هِرٍّ وشاةٍ، مُحرَّمُ الأكلِ؛ تغليبًا لجانِب الحَظْرِ.
* * *
стр. 1495
كِتْابُ العِدَّةِ
وهِي: تَربُّصُ مَن فارَقَتْ زَوْجَهَا بوَفَاةٍ أو حَيَاةٍ.
فالمُفارَقَةُ بالوَفَاةِ تَعْتَدُّ مُطْلَقًا.
(كِتابُ العِدَّةِ)
بكَسرِ العَينِ المهملَة، مأخوذَةٌ (١) من العَددِ؛ لأنَّ أزمِنةَ العِدَّة محصورَةٌ مُقدَّرةٌ بعَدَد الأزمانِ والأحوالِ، كالحِيَضِ، والأشهُرِ.
(وهي) شَرعًا: (تربُّصُ مَن فارَقت زوجَها بوفاةٍ، أو حياةٍ) وأجمَعوا على وجويها؛ للكتابِ والسنَّةِ في الجملَةِ.
والقَصدُ مِنها: استِبرَاءُ رحِمِ المرأةِ من الحَملِ، لئلا يَطَأهَا غيرُ المفارِقِ لها قَبلَ العِلم، فيحصُلُ الاشتباهُ، وتضيعُ الأنسابُ.
والعِدَّةُ إمَّا لمعنًى مَحضٍ، كالحامِل. أو تَعبُّدٍ محضٍ، كالمتوفَّى عنها زوجُها قبلَ الدُّخُولِ، أو لهُمَا.
والمعنَى أغلَبُ، كالموطُوءَةِ التي يمكِنُ حَبلُها ممَّن يولَدُ لمثلِه، أو لَهُمَا.
والتعبَّدُ أغلَبُ، كعِدَّةِ الوفاةِ في المدخُولِ بها الممكنِ حملُها، إذا مضت مُدَّةُ أقرائِها في أثناءِ الشُّهور (٢).
(فالمُفارَقَةُ بالوفَاةِ تَعتدُّ مُطلَقًا) قبلَ الدخولِ أو بعدَه، وُطِئَ مِثلُها أو لا.
стр. 1496
فإنْ كانَتْ حامِلًا من المَيِّتِ، فعِدَّتُهَا: حتَّى تَضَعَ كلَّ الحَمْلِ.
وإنْ لَمْ تَكُنْ حامِلًا، فإنْ كانَتْ حُرَّةً فعِدَّتُهَا: أرْبَعةُ أشْهُرٍ وعَشرُ لَيَالٍ بأيَّامِهَا. وعِدَّةُ الأَمَةِ: نِصْفُها.
والمُفارَقَة في الحَيَاةِ لا تَعْتَدُّ، إلَّا إنْ خَلا بِهَا، أوْ وَطِئَهَا، وكَانَ مِمَّن يَطَأُ مِثْلُه ويُوطَأُ مِثْلُهَا، وهُو: ابنُ عَشْرٍ، وبِنْتُ تِسْعٍ.
(فإن كانَت) الزوجةُ (حامِلًا مِن الميِّتِ، فعِدَّتُها: حتَّى تضَعَ كُلَّ الحَملِ) إن كان الحملُ ولَدًا واحِدًا، أو وَضعِ الأخيرِ مِن عدَدٍ إن كانَت حامِلًا بعَدَدٍ.
(فإن كانَت حُرَّةً، فعدَّتُها: أربعَةُ أشهُرٍ وعَشرُ لَيالٍ بأيَّامِها. وعِدَّةُ الأمَةِ: نِصفُها) أي: شَهرانِ وخَمسَةُ أيَّامٍ بليالِيها؛ لأنَّ الصحابَةَ أجمعُوا على أنَّ عِدَّةَ الأمَةِ على النِّصفِ من عِدَّةِ الحرَّةِ. قاله في "المبدع" (١).
(والمفارَقَةُ في الحيَاةِ) ولو بطَلقَةٍ ثالثَةٍ (لا تَعتدُّ) المفارَقَةُ في الحيَاةِ (إلَّا إن خَلَا بها) وهي مُطاوِعَةٌ غَيرُ مُكرَهَةٍ، ولو لم يمسَّها، معَ علمِه بها، ولو كانَت الخلوةُ في نكاحٍ فاسِدٍ، فعَليها العدَّةُ، وسواءٌ كان بهِمَا أو بأحدِهِما مانِعٌ مِن الوَطء، حِسِّيٌ أو شَرعيٌّ، كإحرَامٍ، وصيامٍ، وحيضٍ، ونفاسٍ، ومرضٍ، وجَبٍّ، وعُنَّةٍ، ورَتْقٍ، وظِهارٍ، وإيلاءٍ، لما روَى أحمدُ والأثرم عن زُرارَةَ بنِ أبي أوفَى، قال: قضَى الخلفاءُ الراشِدُونَ أنَّ مَن أغلَقَ بابًا، أو أرخَى سِترًا، فقَد وجَبَ المهرُ، ووجبَت العِدَّةُ (٢).
(أو وَطِئَها، وكانَ ممَّن يَطَأُ مِثلُه ويُوطَأُ مِثلُها، وهو: ابنُ عشرٍ، وبِنتُ تِسعٍ).
стр. 1497
وعِدَّتُها إنْ كانَتْ حاملًا: بوَضْعِ الحَمْلِ.
وإنْ لَمْ تَكُنْ حامِلًا، فإنْ كانَتْ تَحِيضُ، فعِدَّتُهَا: ثلاثُ حِيَضٍ إنْ كانَتْ حُرَّةً، وحَيضَتانِ إنْ كانَتْ أَمَةً.
وإنْ لَمْ تَكُنْ تَحِيضُ، بأنْ كانَتْ صَغِيرةً، أو بالِغَةً ولَمْ تَرَ حَيْضًا ولا نِفاسًا، أو كانَتْ آيِسَةً، وهِي مَنْ بَلَغَتْ خَمْسِينَ سَنَةً، فعِدَّتُهَا: ثَلاثةُ أشْهُرٍ إنْ كانَتْ حُرَّةً، وشَهْرَانِ إنْ كانَتْ أَمَةً.
ومَن كَانَتْ تَحِيضُ، ثُمَّ ارتَفَع حَيْضُهَا قَبلَ أنْ تَبْلُغَ سِنَّ الإياسِ، ولم تَعْلَمْ مَا رَفَعَه، فتتربَّصُ تِسْعَةَ أشْهُرٍ، ثُمَّ تَعْتَدُّ عِدَّةَ آيِسَةٍ.
(وعِدَّتُها إن كانَت حامِلًا: بوَضعِ الحَملِ).
(وإن لم تَكُن حامِلًا، فإن كانَت تحيضُ، فعِدَّتُها: ثلاثُ حِيَضٍ إن كانَت حُرَّةً، وحَيضَتانِ إن كانَت أمَةً. وإن لم تَكُن تحيضُ؛ بأنْ كانَت صغيرَةً، أو بالِغَةً ولم تَرَ حَيضًا ولا نِفَاسًا، أو كانَت آيِسَةً، وهي مَن بلَغَت خمسينَ سنَةً، فعِدَّتُها: ثلَاثةُ أشهُرٍ إن كانَت حُرَّةً، وشَهرانِ إن كانَت أمَةً).
(ومَن كانَت تحيضُ، ثم ارتَفَع حيضُها قبلَ أن تبلُغَ سِنَّ الإياسِ (١)) وهو خمسونَ سنَةً (ولم تَعلَم ما رَفَعَهُ، فتتربَّصُ) غالِبَ مُدَّةِ الحملِ، وهو (تِسعَة أشهُرٍ) ليُعلَمَ براءَةُ رَحِمِها (ثم تعتدُّ) بعدَ ذلك (عِدَّةَ آيسَةٍ) على ما فُصِّلَ آنِفًا في (٢) الحرَّةِ والأمَةِ. قال الشافعيُّ: هذا قضَاءُ عُمرَ بينَ المهاجرين والأنصار، لا يُنكِرُ مِنهُم مُنكِرٌ عَلِمنَاهُ.
стр. 1498
وإنْ عَلِمَتْ ما رَفَعَه مِن مَرَضٍ، ورَضَاعٍ، ونَحْوِه، فلا تَزَالُ مُتربِّصَةً حتَّى يَعودَ الحَيْضُ، فتَعْتَدُّ بِهِ، أو تَصِيرَ آيِسَةً، فتَعْتَدُّ عِدَّةَ آيِسَةٍ.
ولأنَّ الغرضَ بالعِدَّةِ مَعرِفَةُ براءةِ رَحِمِها، وهي تحصُلُ بذلِكَ، فاكتُفِي به، وإنَّما وجَبَت العدَّةُ بعد التسعَةِ أشهُرْ؛ لأنَّ عدَّةَ الشهورِ إنَّما تجِبُ بعدَ العِلمِ ببراءَةِ الرَّحِمِ من الحَملِ، إمَّا بالصِّغَرِ أو الإياس. وهُنا لمَّا احتمَلَ انقطاعُ الحيضِ للحَملِ أو الإياسِ، اعتُبِرَت البراءةُ مِن الحملِ بمُضيِّ مُدَّتِه، فتعيَّن كونُ الانقطاعِ للإياسِ، فوجَبَت عدَّتُه عندَ تَعيينِه، ولم يُعتبر ما مَضَى، كما لا يُعتَبرُ ما مَضَى مِن الحيضِ قبلَ الإياسِ؛ لأنَّ الإياسَ طَرَأَ عليه.
ولا تَنقَضي العِدَّةُ بعَودِ الحيضِ بعدَ المدَّةِ؛ لانقِضاءِ عدَّتِها، كالصَّغيرَةِ تعتدُّ بثلاثَةِ أشهُرٍ، ثم تحيضُ.
(وإن عَلِمَت) مُعتدَّة انقطَعَ حيضُها (ما رَفعَهُ مِن مرضٍ، ورَضاعِ (١)، ونحوِه، فلا تزالُ مُتربِّصَةً حتى يَعودَ الحيضُ، فتعتدُّ به) وإن طالَ الزمنُ؛ لعَدَمِ إياسِها من الحَيضِ، فتناوَلَها عمومُ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨] وكما لو كانَت ممَّن بينَ حيضِها مدَّة طويلةٌ.
(أو) حتى (تَصيرَ آيسَةٍ) أي: تبلغَ سِنَّ الإياسِ (فتعتدُّ عدَّةَ آيِسَةٍ) نصًا، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطَّلاق: ٤]. الآية.
* * *
стр. 1499
فَصْلٌ
وإنْ وَطِئَ الأجنبِيُّ بشُبْهَةٍ، أو نِكَاحٍ فَاسِدٍ، أوْ زِنًى، مَن هِيَ في عِدَّتِهَا، أتَمَّتْ عِدَّةَ الأوَّلِ، ثُمَّ تَعْتَدُّ للثانِي.
وإنْ وَطِئَهَا عَمْدًا مَن أبَانَهَا، فكالأجنبِيِّ،
(فَصلٌ)
(وإن وَطِئَ الأجنبيُّ بشُبهَةٍ، أو نِكاحِ فاسدٍ، أو زِنًى، مَن هِيَ في عِدَّتِها، أتمَّت عِدَّةَ الأوَّلِ) سواءٌ كانَت عِدَّتُه مِن نكاحٍ صحيحٍ أو فاسدٍ، أو وَطءِ شُبهَةٍ أو زنى (١)، ما لم تَحمِل من الثاني، فتَنقَضِي عِدَّتُها مِنهُ بوَضعِ الحَملِ، ثمَّ تُتَمِّم عِدَّةَ الأوَّلِ.
ولا يُحسَبُ مِن العدَّةِ مُقامُها عندَ الثاني بعدَ وَطئِه؛ لانقِطاعِها بِوَطئِه.
(ثمَّ تعتدُّ للثَّاني) لخَبرِ مالِكٍ (٢)، عن عليٍّ: أنَّه قضَى في التي تتزوَّجُ في عدَّتِها، أنَّه يُفرَّقُ بَينَهُما، ولها الصداقُ بما استحلَّ مِن فَرجِها، وتُكمِلُ ما أفسَدَت من عدَّةِ الأوَّلِ، وتعتدُّ مِن الآخَرِ.
ولأنَّهُما حقَّانِ اجتَمَعَا لرَجُلَينِ، فلم يتدَاخَلا، وقُدِّم أسبَقهُما، كما لو تَساوَيا في مُباحٍ غيرِ ذلكَ.
(وإنْ وَطِئَها عَمدًا) بلا شُبهَةٍ (مَن أبانَها، فكَالأجنبيِّ) تُتِمّ العدَّةَ الأُولى، ثمَّ تَبتَدئ العدَّةَ الثانيةَ للزِّنى؛ لأنَّهما عِدَّتانِ مِن وَطئَين يلحقُ النَّسبُ في أحدِهِما دونَ
стр. 1500
وبشُبْهَةٍ، اسْتَأْنَفَتْ العِدَّةَ مِن أوَّلِهَا. وتَتعَدَّدُ العِدَّة بتَعدُّدِ الوَاطِئِ بالشُّبْهَةِ، لا بالزِّنَى.
ويَحْرُمُ علَى زَوْجِ المَوْطُوءةِ بشُبْهَةٍ أو زِنًى أنْ يَطَأَهَا في الفَرْجِ ما دَامَتْ في العِدَّةِ.
الآخَرِ، فلَم يتداخَلا، كمَا لو كانَا مِن رجُلَين.
(و) إن وَطِئَها مُبينُها في عِدَّتِها مِنهُ (بِشُبهَةٍ، استأنَفَت العدَّةَ مِن أوَّلها) لأنَّهُما عدَّتانِ مِن واحِدٍ لِوَطئَينِ يلحقُ النسبُ فيهما لُحُوقًا واحِدًا، فتدَاخَلا، كما لو طلَّق الرجعيَّةَ في عدَّتِها.
(وتتَعدَّدُ العدَّةُ بتعدُّدِ الواطئِ بالشُّبهَةِ) لحديثِ عُمرَ، ولأنَّهُما حقَّانِ مقصُودانِ لآدميين، فلم يتداخَلا، كالدَّينَينِ. فإن تعدَّدَ الوطءُ من واحدٍ، فعِدَّة واحدَةٌ.
و (لا) تتعدَّدُ العدَّةُ بتعدُّدِ واطِئ (بالزِّنى) قال في "شرحه": في الأصحِّ. وفي "التنقيح": وهو أظهَرُ. وهذا اختيارُ ابنِ حمدَان؛ لعَدَمِ لحوقِ النَّسبِ فيه، فبَقِي القَصدُ: العِلمُ ببرَاءَةِ الرَّحِمِ. وعليه: فعِدَّتُها مِن آخِرِ وطءٍ.
وقدَّمَ في "المبدع" و "التنقيح"، وهو مُقتَضى "المقنع": تتعدَّدُ بتَعدُّدِ زَانٍ، وجَزمَ به في "الإقناع" (١).
(ويحرُمُ على زوجِ الموطُوءَةِ بشُبهَةٍ، أو زِنًى أن يَطأَهَا في الفَرجِ ما دامَت في العِدَّةِ)؛ لأنَّ تحريمَها لعَارضٍ يَختَصُّ به الفرجُ، فأُبيحَ الاستمتاعُ مِنها بما دُونَ الفَرجِ، كالحَيضِ.
стр. 1501
فَصْلٌ
ويَجِبُ الإحْدَادُ علَى المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ مَا دَامَتْ في العِدَّةِ
(فَصلٌ)
(ويَجبُ الإِحدادُ) وهو المَنعُ؛ إذ المرأةُ تمنعُ نفسَها ممَّا كانَت تتهيَّأُ به لزَوجِها مِن تطيُّبٍ وتزيُّنن.
يُقالُ (١): أحدَّت (٢) المرأةُ إحدَادًا، فهي مُحِدَّة (٣). وحَدَّت تُحِد، بالضمِّ والكَسرِ، فهي حادَّةٌ.
ويُسمَّى الحديدُ حديدًا للامتِناعِ به، أو لامتِناعِه على مَن يُحاوِله.
(على المتوفَّى عَنها زوجُها بنِكاحٍ صحيحٍ) لحديث: "لا يحلُّ لامرأةٍ تُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ أن تُحِدَّ على مَيتٍ فوقَ ثلاثِ لَيالٍ، إلَّا على زَوجٍ، أربعَةَ أشهُرٍ وعَشرًا". متفق عليه (٤).
وأمَّا الفاسِدُ، فلَيسَت زوجَةً فيه شَرعًا، فلا يَلزَمُها الإحدادُ.
(ما دَامَت في العِدَّةِ) لعُمومِ الأحادِيثِ.
стр. 1502
ويَجوزُ للبائِنِ.
والإحْدَادُ: تَرْكُ الزِّينةِ والطِّيبِ، كالزَّعْفَرَانِ، وَلُبْسِ الحُلِيِّ -ولَوْ خَاتَمًا- ولُبْسِ المُلَوَّنِ مِن الثِّيابِ كالأحْمَرِ والأصْفَرِ والأخْضَرِ، والتَّحْسِينِ بالحِنَّاءِ والإسْفِيداجِ، والاكْتِحَالِ بالأسْوَدِ، والادِّهانِ بالمُطَيَّبِ،
(ويجوز) الإحدادُ (للبائِنِ) ولا يُسنُّ لها. قاله في "الرعاية" (١).
(والإحدَادُ): (تَركُ الزينَةِ).
(و) تَركُ (الطِّيبِ، كالزَّعفَرَانِ).
(و) تَركُ (لُبسِ الحُليِّ، ولو خاتمًا) لقَوله ﵇: "ولا الحُليَّ" (٢).
ولأنَّ الحُليَّ يَزيدُ حُسنَها، ويَدعُو إلى نِكاحِهَا (٣).
(و) تَرك (لُبسِ المُلوَّنِ مِن الثِّيابِ، كالأحمَرِ والأصفَر والأخضَرِ) ولو لم يَكُن حريرًا.
(و) تَركُ (التَّحسينِ بالحِنَّاء والاسفيدَاجِ (٤)).
(و) تَركُ (الاكتِحَالِ بالأَسوَدِ) بلا حاجَةٍ إليه، فإن كانَ لها حاجَةٌ إليه، جازَ، ولها الاكتِحالُ بنَحوِ تُوتِيَاءَ (٥).
(و) تَركُ (الادِّهَانِ بالمُطيَّبِ) كدُهنِ الوَردِ، والبَانِ.
стр. 1503
وتَحْميرِ الوَجْهِ وحَفِّه. ولَهَا لُبسُ الأبْيَضِ، ولَوْ حَرِيرًا.
وتَجِبُ عِدَّةُ الوَفَاةِ في المَنْزِلِ الَّذِي ماتَ زَوْجُهَا فِيهِ،
(و) تركُ (تحميرِ الوَجهِ، و) تَركُ (حَفِّهِ) ونحوِه، كنَقشٍ وتَخطيطٍ.
لحديثِ أمِّ عطيَّةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا تُحِدُّ المرأةُ فَوقَ ثلاثٍ إلَّا على زوجٍ، فإنَّها تُحِدُّ عليه أربَعَةَ أشهُرٍ وعَشرًا، ولا تَلبَسُ ثوبًا مَصبوغًا (١) إلا ثَوبَ عَصْبٍ، ولا تَكتَحِلُ، ولا تَمَسُّ طِيبًا". متفق عليه (٢). والعَصْبُ -بفَتحِ العين وإسكانِ الصادِ المهمَلتَين-: نوعٌ مِن البُرُودِ يُصبَغُ غزلُه، تم يُنسَج. قاله القاضي. وقال في "الشرح": الصحيحُ أنَّه نَبتٌ يُصبَغُ به الثيابُ (٣).
(ولها لُبسُ الأبيَضِ، ولو حَريرًا) لأنَّ حُسنَهُ مِن أصلِ خِلقَتِه، فلا يلزَمُ تَغييرُهُ، كالمَرأةِ حَسنَاءَ الخِلقَةِ، لا يَلزَمُها تغييرُ نَفسِها في عدَّةِ الوفاةِ وتَشويهُها.
ولا تُمنَعُ من مُلوَّنٍ لدَفعِ وَسَخٍ، ككُحليِّ ونحوه (٤)، كأخضَرَ غَيرِ صافٍ؛ لأنَّه في مَعنى ثَوبِ العَصْبِ، وهو مُستثنًى في الخَبرِ.
ولا تُمنَعُ مِن نِقابٍ، ولا تُمنَعُ مِن أخذِ ظُفرٍ، ولا مِن أخذِ عانةٍ، ونَتفِ إبِطٍ.
ولها تَزيُّنٌ في نحوِ فُرُشٍ؛ لأنَّ الإحدادَ في البَدَنِ فقط.
ولا تُمنَعُ مِن تَنظيفٍ وغَسلٍ وامتِشَاطٍ ودُخولِ حمَّامٍ.
(وتجبُ عِدَّةُ الوفاةِ في المنزلِ الذي ماتَ زوجُها فيه) ولو مُؤجَّرًا أو مُعارًا.
стр. 1504
مَا لَمْ يَتعذَّرْ.
وتَنْقَضِي العِدَّةُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ حَيْثُ كانَتْ.
روي عن عمرَ، وعثمانَ، وابنِ مسعودٍ، وأُمِّ سلمَةَ (١)؛ لحديث فُرَيعَةَ، وفيه: "امكُثي في بَيتِكِ الذي أتَاكِ فيهِ نَعيُ زَوجِكِ حتَّى يَبلُغَ الكتابُ أجلَهُ" فاعتدَّت فيه أربعَةَ أشهُرٍ وعَشرًا. رواه الخمسة (٢)، وصححه الترمذي.
(ما لم يتعذَّر) كخَوفٍ على نَفسِها، أو تَحويلِ مالِكِه لها، أو طَلبِه فَوقَ أُجرَتِه، أو لا تجدُ مِن مالِها ما تَكتَرِي به، فيَجوزُ حِينَئذٍ تحوُّلُها إلى حيثُ شاءَت؛ لسُقوطِ الواجِبِ للعُذرِ، ولم يَرِد الشرعُ بالاعتِدَادِ في مُعيَّنٍ غَيرِه، فاستَوَى في ذلكَ القريبُ والبعيدُ.
(وتَنقَضي العدَّةُ) للوفَاةِ (بمُضيِّ الزَّمانِ) الذي يَنقَضِي به العدَّةُ (حيثُ كانَت) لأنَّ المكانَ ليسَ شَرطًا لصحَّةِ الاعتِدَادِ.
ولا تخرُجُ مُعتدَّةٌ لوفاةٍ إلَّا نهارًا؛ لأنَّ الليلَ مَظِنَّةُ الفَسادِ، ولا تخرُجُ نهارًا إلَّا لحاجَتِها مِن بَيعٍ وشراءٍ ونحوِهما.
ولو كانَ لها من يَقومُ بمصالِحِها، فلا تَخرُجُ لحاجَةِ غَيرِها، ولا لِعيادَةٍ وزيارَةٍ ونحوِهما.
* * *
стр. 1505
بابُ اسْتِبْرَاءِ الإمَاءِ
وهُو واجِبٌ في ثَلاثةِ مَواضِعَ:
أحَدُهَما: إذَا مَلَكَ الرَّجُلُ، ولَوْ طِفْلًا، أَمَةً يُوطَأُ مِثْلُهَا، حتَّى ولَوْ مَلَكَهَا مِن أُنْثَى، أوْ كانَ بائِعُها قَدِ اسْتَبْرَأَهَا، أو بَاعَ أوْ وَهَبَ أَمَتَه، ثُمَّ عادَتْ إلَيْه بفَسْخٍ أوْ غَيْرِه.
وحَيْثُ انتَقَلَ المِلْكُ، لَمْ يَحِلَّ اسْتِمْتَاعُه بِهَا -ولَوْ بالقُبْلَةِ- حتَّى يَسْتَبْرِئَهَا.
(بابُ استِبرَاءِ الإمَاءِ)
الاستِبراءُ مِن البَراءَةِ، أي: التَّمييزِ والانقِطاعِ. يُقالُ: بَرِئَ اللَّحمُ مِن العَظمِ، إذا قُطِعَ عنه وفُصِلَ.
(وهو) أي: الاستبرَاءُ: قَصدُ عِلمِ بَراءَةِ رَحِمِ مِلكِ يَمينٍ.
(واجِبٌ في ثلَاثةِ مواضِعَ) فقَط بالاستقراء:
(أحدُها: إذ ا مَلَكَ الرجُلُ، ولو) كانَ (طِفلًا) بإرثٍ أو شراءٍ، ونحوِه (أمَةً يُوطآُ مِثلُها) بِكرًا كانَت أو ثيبًا (حتَّى ولو مَلَكَها مِن أُنثَى، أو كانَ بائِعُها قد استَبرَأَها، أو باعَ) أمَتَهُ، (أو وَهَبَ أمتَه، ثم عادَت) الأمةُ (إليه بفَسخ) الخِيارِ، أو عيبٍ، أو إقالَةٍ (أو غَيرِهِ) أي: غَيرِ الفَسخِ، كما لو عادَت إليهِ ببَيعٍ أو هِبَةٍ ونحوِها.
(وحيثُ انتقَلَ المِلكُ، لم يَحِلَّ استِمتَاعُه بها -ولو بالقُبلَةِ- حتَّى يَستَبرِئَهَا) لأنَّه تَجديدُ مِلكٍ، سواءٌ كان المُشتَري لها ونحوُه رَجُلًا أو امرأةً. إن افتَرَق البائِعُ
стр. 1506
الثانِي: إذَا مَلَكَ أَمَةً ووَطِئَهَا، ثُمَّ أرَادَ أنْ يُزَوِّجَهَا أوْ يَبِيعَهَا قَبْلَ الاسْتِبرَاءِ، فيَحْرُمُ، فلَوْ خالَفَ، صَحَّ البَيعُ دُونَ النِّكاحِ، وإنْ لَمْ يَطَأْ، جَازَ.
الثالِثُ: إذا أعْتَقَ أَمَتَه، أوْ أَمَّ وَلَدِه، أوْ مَاتَ عَنْهَا، لَزِمَهَا اسْتِبرَاءُ نَفْسِهَا إنْ لَثم تُسْتَبْرَأْ قَبْلُ.
والمشتَري. وإن لم (١) يَفتَرِقا، فلا يَجِبُ الاستبراءُ.
الموضِعُ (الثاني: إذا مَلَكَ أمَةً وَوَطِئَها، ثمَّ أرادَ أن يُزوِّجَها أو يَبيعَها قبلَ الاستِبرَاءِ، فيحرُمُ) التزويجُ والبيعُ.
(فلو خالَف) فزوَّجَها أو باعَها قبلَ استِبرَائِها (صَحَّ البيعُ) لأنَّ الأصلَ عدمُ الحَملِ (دُونَ النِّكاحِ) فلا يصحُّ، كتَزويجِ المعتدَّةِ.
(وإن لم يَطأ) سيِّدٌ أمتَه (جازَ) أي: البَيعُ والنكاحُ قبلَ الاستبراءِ، لعدَمِ وجوبه.
الموضِعُ (الثالِثُ: إذا أعتَقَ أمتَه، أو) أعتَقَ (أُمَّ ولَدِه، أو ماتَ عَنها) أي: عَن أُمِّ الولَدِ والسُّرِّيَةِ سَيِّدُها (لزِمَها استبراءُ نَفسِها) لأنَّها فِراشٌ لسيِّدِها، وقد فارَقَها بالمَوت أو العِتقِ، فلم يجُز أن تَنتَقِلَ إلى فِراشِ غيرِه بلا استِبرَاءٍ (إن لم تُستَبرَأْ قَبلُ) فلا يَلزمُها استبراءٌ، لحُصولِ العلمِ ببراءَةِ الرَّحِمِ.
* * *