← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 803

شرح دليل الطالب - عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

Полный текст (1 686 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

الثانِي: إذَا مَلَكَ أَمَةً ووَطِئَهَا، ثُمَّ أرَادَ أنْ يُزَوِّجَهَا أوْ يَبِيعَهَا قَبْلَ الاسْتِبرَاءِ، فيَحْرُمُ، فلَوْ خالَفَ، صَحَّ البَيعُ دُونَ النِّكاحِ، وإنْ لَمْ يَطَأْ، جَازَ. الثالِثُ: إذا أعْتَقَ أَمَتَه، أوْ أَمَّ وَلَدِه، أوْ مَاتَ عَنْهَا، لَزِمَهَا اسْتِبرَاءُ نَفْسِهَا إنْ لَثم تُسْتَبْرَأْ قَبْلُ. والمشتَري. وإن لم (١) يَفتَرِقا، فلا يَجِبُ الاستبراءُ. الموضِعُ (الثاني: إذا مَلَكَ أمَةً وَوَطِئَها، ثمَّ أرادَ أن يُزوِّجَها أو يَبيعَها قبلَ الاستِبرَاءِ، فيحرُمُ) التزويجُ والبيعُ. (فلو خالَف) فزوَّجَها أو باعَها قبلَ استِبرَائِها (صَحَّ البيعُ) لأنَّ الأصلَ عدمُ الحَملِ (دُونَ النِّكاحِ) فلا يصحُّ، كتَزويجِ المعتدَّةِ. (وإن لم يَطأ) سيِّدٌ أمتَه (جازَ) أي: البَيعُ والنكاحُ قبلَ الاستبراءِ، لعدَمِ وجوبه. الموضِعُ (الثالِثُ: إذا أعتَقَ أمتَه، أو) أعتَقَ (أُمَّ ولَدِه، أو ماتَ عَنها) أي: عَن أُمِّ الولَدِ والسُّرِّيَةِ سَيِّدُها (لزِمَها استبراءُ نَفسِها) لأنَّها فِراشٌ لسيِّدِها، وقد فارَقَها بالمَوت أو العِتقِ، فلم يجُز أن تَنتَقِلَ إلى فِراشِ غيرِه بلا استِبرَاءٍ (إن لم تُستَبرَأْ قَبلُ) فلا يَلزمُها استبراءٌ، لحُصولِ العلمِ ببراءَةِ الرَّحِمِ. * * *

стр. 1507

فَصْلٌ واسْتِبْرَاءُ الحامِلِ بوَضْعِ الحَمْلِ، ومَن تَحِيضُ بِحَيضَةٍ، والآيِسَةِ، والصَّغِيرةِ، والبَالِغَةِ الَّتي لَمْ تَرَ حَيضًا بشَهْرٍ، والمُرْتَفِعِ حَيْضُهَا ولَمْ تَعلم ما رَفَعَهُ بعَشرةِ أشْهُرٍ، والعالِمَةِ مَا رَفَعَهُ بِخَمْسِينَ سَنَةً وشَهْرٍ. ولا يَكونُ الاسْتِبْرَاءُ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ مِلْكِ الأَمَةِ كلِّهَا، (فَصلٌ) (واستِبرَاءُ الحامِلِ: بِوَضعِ الحَملِ) أي: كُلِّ الحَملِ (و) استبراءُ (مَن تَحيضُ: بحَيضَةٍ) تامَّةٍ؛ لحديث: "لا تُوطَأُ حامِلٌ حتَّى تَضَعَ، ولا غيرُ حامِلٍ حتَّى تحيضَ حَيضَةً" (١). (و) استِبرَاءُ (الآيِسَةِ، والصَّغيرَةِ، والبالِغَةِ التي لم تَرَ حيضًا: بشَهرٍ) لإقامَتِه مقامَ حَيضَةٍ، ولذلِكَ اختَلَفَت الشهورُ باختِلافِ الحِيَضِ. (والمُرتَفِعِ حَيضُها ولم تَعلَم ما رفَعَه): فـ (بعَشْرَةِ أشهُرٍ) تِسعَةٌ للحَملِ، وشهرٌ للاستِبرَاءِ؛ لما تقدَّم في العدَّةِ. (والعَالِمَةِ ما رفَعَهُ) أي: الحَيضَ، مِن مَرَضٍ أو رَضاعٍ، أو غَيرِه: (بخَمسينَ سنَةً وشَهرٍ) وتقدَّمَ في العِدَّةِ. (ولا يكونُ الاستِبرَاءُ إلَّا بعدَ تمامِ مِلكِ الأمَةِ كُلِّهَا) أي: جَميعِها. فلو ملَكَ

стр. 1508

ولَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا. وإنْ مَلَكَهَا حَائِضًا، لَئم يَكْتَفِ بتِلْكَ الحَيْضَةِ. وإنْ مَلَكَ مَن تَلْزَمُهَا عِدَّةٌ، اكْتُفيَ بِهَا. وإنْ ادَّعَتِ الأَمَةُ المَوْرُوثَةُ تَحْرِيمَهَا علَى الوَارِثِ بِوَطْءِ مَورِّثِه، أوِ ادَّعَتِ المُشْتَرَاةُ أنَّ لَهَا زَوْجًا، صُدِّقَتْ. بعضَها، ثمَّ ملَكَ باقِيها، لم يُحتَسَب الاستِبرَاءُ إلا مِن حَينِ مَلَكَ باقيها؛ لأنَّه وقتُ حُصُولِها كُلِّها في مِلكِه. (ولو لم يَقبِضها) وجَبَ الاستبراءُ، وإن لم يَقبِضها؛ لأنَّه تجديدٌ. (وإن مَلَكَها) أي: الأَمَةَ (حائِضًا، لم يَكتَفِ بتِلكَ الحَيضَةِ) لأنَّ الحيضَةَ التي مَلَكَها فيها لا يحُتسَبُ لها بِهَا. (وإن مَلَكَ مَن تلزَمُها عِدَّة، اكتُفِيَ بها) اكتِفاءً بالعدَّةِ؛ لأنَّ بَراءَتَها تُعلَمُ بها. (وإن ادَّعَت الأمَةُ الموروثَةُ تحريمَهَا على الوارِثِ بوَطءٍ مُوَرِّثِه) كأَبيهِ وابنِه، صُدِّقَت. قال العلامة الشيخُ مرعيٌّ في "غاية المنتهى": ولعلَّهُ: ما لم تَكُن مكَّنَتهُ قبلُ (١). (أو ادَّعَت المُشتَرَاةُ أنَّ لها زَوجًا، صُدِّقَت) فِيه؛ لأنَّه لا يُعرَفُ إلَّا مِنها. فهَل إذا قُلنَا بتَصديقِهَا هُنا، فهل هو باليَمينِ أو لا؛ لم نَرَ فيه نَقلًا. * * *

стр. 1509

كتابُ الرَّضَاعِ يُكْرَهُ اسْتِرْضَاعُ الفاجِرَةِ، والكَافِرَةِ، وسَيِّئةِ الخُلُقِ، والجَذْمَاءِ، والبَرْصَاءِ. وَإذَا أرْضَعَتِ المَرْأَةُ طِفْلًا بلَبَنِ حَمْلٍ لاحِقٍ بالوَاطِئِ، صارَ ذلكَ الطِّفْلُ وَلَدَهُمَا، وأَوْلادُهُ وإنْ سَفَلُوا، أوْلادَ وَلَدِهِمَا، وأوْلادُ كُل مِنْهُمَا مِن الآخَرِ، أوْ غَيرِه، إخْوَتَه وأخَوَاتَه، (كتابُ الرَّضَاعِ) بفَتحِ الرَّاءِ، وقد تُكسَرُ، وهو لُغَةً: مَصُّ اللَّبَنِ مِن الثَّدْي. وشَرعًا: مَصُّ مَن دُونَ الحَولَينِ لبَنًا ثَابَ عن حَملٍ، أو شُربُه، أو سَعُوطُه، أو أكلُهُ بَعدَ أن جُبِّنَ. (يُكرَهُ استرضَاعُ الفاجِرَةِ، والكافِرَةِ، وسَيِّئَةِ الخُلُقِ، والجَذمَاءِ، والبَرْصَاءِ) والزِّنجيَّةِ. وفي "المحرر": والبَهيمَةِ. وفي "الترغيب": وعَمياءَ. فإنه يقالُ: الرَّضاعُ يُغيِّرُ الطِّبَاعَ (١). (وإذا أرضَعَت المرأةُ طِفلًا) ذكَرًا أو أُنثَى، في الحَولَينِ (بلَبَنِ حَمْلٍ لاحِقٍ بالوَاطِئِ) نَسبُهُ (صارَ ذلِكَ الطِّفلُ ولَدَهُما) أي: المُرضِعَةِ والواطِئِ (وأولادُهُ وإن سَفَلُوا، أولادَ ولَدِهِما) وهو الطِّفلُ (وأولادُ كُلٍّ مِنهُما) أي: المرضِعَةِ والواطِئِ (مِن الآخَرِ، أو) مِن (غَيرِه) كأنْ تَزوَّجَت المرضِعَةُ بغَيرِه، فصارَ لها مِنه أولادٌ، أو تزوَّجَ الواطِئُ بغَيرِها، وصارَ له مِنها أولادٌ، فالذّكُورُ مِنهُم يَصيرُونَ (إخوَتَه، و) البَناتُ (أخواتِه) ويَصيرُ آباؤُهُما، أي: المرضِعَةِ والواطِئِ، أجدادَ الطِّفلِ،

стр. 1510

وقِسْ عَلَى ذَلِكَ. وتَحْرِيمُ الرَّضَاعِ في النِّكاحِ وثُبُوتِ المَحرميَّةِ، كالنَّسَبِ، بشَرْطِ أنْ يَرْتَضِعَ خَمْسَ رَضَعاتٍ وأُمَّهاتُهُمَا جدَّاتِه، وصارَ إخوَتُهُما وأخَوَاتُهُما، أي: إخوَةُ المرضِعَةِ وأخواتُهَا، وإخوَةُ الوَاطِئِ وأخواتُهُ، أعمَامَهُ وعمَّاتِه وأخوَالَهُ وخالاته (وقِس على ذلِكَ). ولا تَنتَشِرُ الحرمَةُ إلى مَن بدَرجَةِ مُرتَضِعٍ أو فوقَه، مِن أخٍ وأُختٍ مِن نَسَبٍ، وأَبٍ وأُمٍّ، وعَمِّ وعمَّةٍ، وخالٍ وخالَةٍ، مِن نَسَب، بَيانٌ لمَن فَوقَه. فتَحِلُّ مُرضِعَةٌ لأَبي مُرتَضِعٍ، وأَخيهِ مِن نَسَب، إجماعًا. وتَحلُّ أُمُّهُ وأختُهُ من نَسَبٍ لأَبيهِ وأخيهِ مِن رضاعٍ، إجماعًا. (وتَحريمُ الرَّضاعِ في النِّكاحِ، و) في (ثُبُوتِ المحرميَّةِ) وفي إباحَةِ النَّظَر (١)، وإباحَةِ الخَلوَةِ، لا في وجُوبِ نفَقَةٍ، وإرثٍ، وعِتقٍ، وردِّ شهادَةٍ، ونحوِها (كالنَّسَبِ) لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ النِّساء: ٢٣] وحديثِ عائِشَةَ مرفوعًا: "يَحرُمُ مِن الرَّضاعَةِ ما يحرُمُ مِن الوِلادَةِ ". رواه الجماعة (٢). ولفظُ ابنِ ماجَه: "مِن النَّسَبِ". وأجمَعوا على أنَّ الرَّضاعَ مُحرِّمٌ في الجُملَةِ (بِشرَطِ: أن يَرتَضِعَ) الطِّفلُ (خَمسَ رَضَعَاتٍ) فأكثَرَ؛ لحديث عائِشةَ قالَت: أُنزِلَ في القُرآنِ: عَشرُ رَضَعَاتٍ مَعلومَاتٍ يُحرِّمنَ، فنُسِخَ مِن ذلك خمسُ رضعَاتٍ، وصارَ إلى خمسِ رَضَعَاتٍ

стр. 1511

في العامَيْنِ، فلَو ارتَضَعَ بَقِيةَ الخَمْسِ بعدَ العاميْنِ بلَحْظةٍ، لَمْ تَثْبُتِ الحُرْمَةُ. ومَتَى امتَصَّ الثَّدْيَ ثُمَّ قَطَعَه، ولَوْ قَهْرًا، معلومَاتٍ يُحرَّمنَ، فتُوفِّي رسولُ الله ﷺ والأمرُ على ذلِكَ. رواه مسلم (١). والآيَةُ فَسَّرَتهَا السُّنةُ، وبيَّنَت الرضاعَةَ المحرِّمَةَ. وهذا الخبرُ يُخصِّصُ عُمومَ حديثِ: "يحرُمُ مِن الرَّضاعِ ما يحرُمُ مِن النَّسَب" (٢). الشرطُ الثاني: أن يَكونَ (في العَامَينِ، فلو ارتَضَعَ بقيَّةَ الخَمسِ بعدَ العامَينِ بلَحظَةٍ، لم تثبُت الحُرمَةُ) لقَولِه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣] فدلَّ على أنَّه لا حُكمَ للرَّضاعَةِ بعدَهُما، ولحديث عائشةَ مرفوعًا: "فإنما الرَّضاعَةُ مِن المجاعَةِ". متفق عليه (٣). قال في " شرح المحرر": يَعني في حالِ الحاجَةِ إلى الغِذَاءِ واللَّبَن (٤). وعن أمِّ سلمةَ مرفوعًا: "لا يُحرِّمُ مِن الرَّضاعِ إلَّا ما فَتَقَ الأمعَاءَ، وكان قبلَ الفِطَامِ". رواه الترمذي (٥)، وقال: حسن صحيح. (ومَتى امتصَّ الثَّديَ ثمَّ قَطَعَه) أي: المَصَّ، (ولو قهرًا)، أو قَطَعَه لتنفُّسٍ، أو قطَعَه لمُلْهٍ، أو كانَ قَطْعُه له لانتِقَالٍ مِن ثَديٍ إلى ثَدي آخَرَ، أو مِن مُرضِعَةٍ إلى مُرضِعَةٍ أُخرى، فذلِكَ رَضعَةٌ تُحسَبُ مِن الخَمس؛ لأَنَّها مَرَّةٌ مِن الرضاع.

стр. 1512

ثُمَّ امْتَصَّ ثانيًا، فرَضْعَةٌ ثَانِيَةٌ. والسَّعوطُ في الأنْفِ، والوَجُورُ في الفَمِ، وأكْلُ ما جبِّنَ، أو خلِطَ بالمَاءِ وصِفَاتُه باقِيَةٌ، كالرَّضَاعِ في الحُرْمَةِ. وإنْ شُكَّ في الرَّضَاعِ، أوْ عَدَدِ الرَّضَعَاتِ، بُنِيَ عَلَى اليَقِينِ. وإنْ شَهِدَتْ بِهِ مَرْضْيَّةٌ، ثَبَتَ التَّحْريمُ. (ثم امتَصَّ ثانِيًا، فرَضعَةٌ ثانيةٌ) لأنَّ المَصَّةَ الأُولى زالَ حُكمُها بتَركِ الارتِضَاعِ، فإذا عادَ وامتَصَّ فَهيَ غَيرُ الأُولى. (والسَّعوطُ في الأَنفِ، والوَجُورُ في الفَمِ) كرضاعٍ في تحريمٍ. (وأكلُ ما جُبِّنَ، أو خُلِطَ بالمَاءِ وصِفاتُهُ) أي: لونُهُ وطعمُهُ وريحُهُ، (باقِيَة، كالرَّضَاعِ في الحُرمَةِ (١)) فيُحرِّمُ كالخَالِصِ؛ لأنَّ الحُكمَ للأغلَبِ، ولِبَقاءِ اسمِه ومعنَاهُ. فإن غَلَبَه ما خالَطَهُ، لم يَثبُت به تحريمٌ؛ لأنَّه لا يُنبِتُ اللَّحمَ ولا يَنشُرُ العَظمَ. (وإن شُكَّ في الرَّضاعِ، أو) شُكَّ في (عدَدِ الرَّضعَاتِ، بُني على اليَقينِ) لأنَّ الأصلَ بقاءُ الحِلِّ. وكذا لو شُكَّ في وقوعِه في العَامِين. (وإن شَهِدَت به) أي: الرَّضاعِ المُحرِّمِ (مَرضيَّة (٢)، ثبَتَ) بشَهادَتِهَا (التَّحريمُ) مُتبرِّعَةً، أو بأُجرَةٍ، لحديث عُقبةَ بنِ الحارِث قال: تزوَّجتُ أُمَّ يَحيى بِنتَ أبي إهابٍ، فجاءَت أمةٌ (٣) سَوداءُ، فقالَت: قد أرضَعتُكُمَا. فأتيتُ النبيَّ ﷺ

стр. 1513

ومَن حَرُمَتْ عَلَيْه بِنْتُ امْرَأةٍ، كأُمِّه، وجَدَّتِه، وأُخْتِه، إذَا أرْضَعَتْ طِفْلةً، حَرَّمَتْها علَيْه أَبَدًا. ومَن حَرُمَتْ عَلَيْه بِنْتُ رَجُلٍ، كأَبِيه، وجَدِّه، وأخِيهِ، وابْنِه، إذَا أرْضَعَتْ زَوْجَتُه بلَبَنِه طِفْلَةً، حَرَّمَتَهَا عَلَيْهِ أبدًا. فذَكَرتُ ذلِكَ له، فقال: "وكيف، وقد زعَمَت ذلك". متفق عليه (١). وفي لفظٍ للنسائي (٢): قال: فأتيتُه مِن قِبَل وجهِه، فقُلتُ: إنَّها كاذِبةٌ. فقالَ: "كيفَ وقَد زعَمَت أنَّها قد أرضَعَتكُما؟ خلِّ سَبيلَهَا". وقال الشعبيُّ: كانَت القُضاةُ يُفرِّقُون بينَ الرَّجلِ والمرأةِ بشهادَةِ امرأةٍ واحدَةٍ في الرَّضاعِ، وكالولادَةِ (٣). (ومَن حَرُمَت عليه بِنتُ امرأَةٍ) مِن نَسبٍ، ومِثلُهَا مِن رَضاع، (كأُمِّه، وجَدَّتِه، وأُختِه) وينتِ أَخيهِ، وينتِ أُختِه (إذا أرضَعَت طِفلَةً) رَضَاعًا مُحرِّمًا (حرَّمَتها عليه أبَدًا) لحديثِ: "يحرُمُ مِن الرَّضاعِ ما يحزمُ مِن الوِلادَةِ" (٤). (ومَن حَرُمَت عليه بِنتُ رَجُلٍ، كأبيهِ، وجدِّه، وأخيهِ، وابنِهِ، إذا أرضَعَت زوجَتُه) أو أمَتُه، ولو مَوطُوءَةً بشُبهَةٍ (بلَبَنِه طِفلَةً) رَضَاعًا مُحرْمًا (حرَّمَتها عليه أبدًا). ومن قالَ لزَوجَتِه: أنتِ أُختي لِرَضاعٍ، بطَلَ النكاحُ حُكمًا؛ لأنَّه أقرَّ بما يُوجِبُ

стр. 1514

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فسخَ النكاحِ بينَهُما، فلَزِمَه ذلك. فإن كانَ إقرارُه قبلَ الدُّخُولِ، وصدَّقَته أنَّها أُختُه، فلا مَهرَ لها؛ لأنَّهُما اتَّفقَا على أنَّ النكاحَ باطِلٌ مِن أصلِه. وإن كذَّبَته في قولِه: إنَّها أختُه، قَبلَ الدُّخولِ، فلها نِصفُ المهر؛ لأنَّ قولَهُ غيرُ مقبولٍ عليها في إسقَاطِ حقِّها. ويَجبُ المهرُ كُلُّه إذا كانَ إقرارُهُ بعدَ الدُّخُولِ، ولو صدَّقَته، ما لم تَكُن مكَّنَته مِن نفسِها مُطاوِعَةً. وإن قالَت هي ذلِك، أي: قالت: زوجُهَا أخوها مِن الرَّضاع، وأكذَبَها، فهي زوجتُه حُكمًا؛ لأنَّ قولَها لا يُقبلُ عليه في فسخِ النكاحِ؛ لأنَّه حقّهُ، وأما باطِنًا فإن كانَت صادِقَةً، فلا نِكاحَ، وإلا فهيَ زوجتُه أيضًا (١). * * *

стр. 1515

كِتَابُ النَّفَقاتِ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ مَا لا غِنَى لِزَوْجَتِه عَنه (كِتابُ النَّفَقاتِ) وهي لُغةً: الدَّراهِمُ ونحوُها، مأخُوذَة مِن النَّافِقَاءِ (١): مَوضِع يجعَلُه اليَربوعُ في مُؤخَّرِ الجُحرِ رَقيقًا؛ يُعِدُّهُ للخُروجِ، إذا أُتيَ مِن بابِ الجُحرِ دفَعَهُ وخرَجَ مِنه. ومِنهُ سُمِّيَ النِّفاقُ؛ للخُروجِ من الإيمانِ، أو خُروجِ الإيمانِ من القَلبِ. وشَرعًا: كِفَايَةُ مَن يَمُونُه خُبزًا وأُدَمًا، وكُسوَةً ومَسكَنًا، وتَوابِعَها، كماءِ شُربٍ وطَهارَةٍ، وإعفافِ مَن يَجِبُ إعفافُه ممَّن تَجبُ نفَقتُه. والقَصدُ هُنا: بيانُ ما يَجِبُ على الإنسانِ مِن النَّفقَةِ بالنِّكاحِ والقَرابَةِ والمِلكِ، وما يَتعلَّقُ بذلِكَ. وقَد بدَأَ بالأَوَّلِ، فقَالَ: (يَجِبُ على الزَّوجِ ما لا غِنَى لزَوجَتِه عَنهُ) لقَولِه تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطَّلاق: ٧] الآية. وهي في سياقِ أحكامِ الزوجاتِ، فأوجَبَ النفقةَ على المُوسِعِ، وعلى مَن قُدِرَ عليه رِزقُه، أي: ضُيِّقَ، بقَدرِ ما يجبُ (٢)، ولحديثِ جابرٍ مَرفوعًا: "اتَّقوا اللهَ في النِّساءِ، فإنَّهن عَوانٌ عِندَكُم، أخذتُمُوهُنَّ بأمانَةِ اللهِ، واستَحلَلتُم فُروجَهُنَّ بكِتابِ اللهِ، ولهُنَّ عليكُم رِزقُهُنَّ وكِسوَتُهنَّ بالمعروفِ". رواه مسلم، وأبو داود (٣).

стр. 1516

مِن مَأكَلٍ ومَشْرَبٍ ومَلْبَسٍ ومَسْكَنٍ بالمَعْرُوفِ، ويعتبرُ الحاكِمُ ذلكَ إنْ تَنازَعَا بِحالِهِمَا. وعَلَيْه مُؤنةُ نَظَافَتِهَا مِن دُهْنٍ وسِدْرٍ، وثَمَنِ ماءِ الشُّربِ، والطَّهارةِ مِن الحَدَثِ والخَبَثِ، وأجمَعوا على وجوبِ نفقَةِ الزوجَةِ على الزوجِ إذا كانَا بالِغَين، ولم تَكُن ناشِزًا. ذكَرَه (١) ابنُ المنذِرِ، وغَيرُه. ولأنَّ الزوجةَ محبوسَةٌ لحقِّ الزوجِ، فيمنَعها ذلك عن (٢) التصرُّفِ والكَسبِ، فتَجِبُ نفقَتُها عليه. (مِن مأكِلٍ، ومَشرَبٍ، ومَلبَسٍ، ومَسكَنٍ (٣)، بالمعروف) بيانٌ لما لا غِنَى عَنه. (ويَعتَبرُ الحاكِمُ) تقديرَ (ذلكَ إن تَنازَعَا) أي: الزَّوجانِ، في قَدرِه وصِفَتِه؛ لأنَّ النَّفقةَ والكِسوَةَ للزَّوجَةِ، فكانَ النَّظرُ يَقتَضِي أن يُعتَبرَ ذلكَ بحالِهِما، كالمَهرِ. لكِن قالَ تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧]. الآية. فأمَرَ الموسِرَ بالسَّعةِ في النفقَةِ، ورَدَّ الفقيرَ إلى استِطاعَتِه، فاعتُبِرَ حالُ الزَّوجينِ في ذلك؛ رعايَةً لِكِلا الجِنسَينِ، ولاختلافِ حالِ الزوجَينِ، رُجِعَ فيه إلى اجتِهادِ الحاكِم. (وعليه مُؤنَةُ نظافَتِها مِن دُهنٍ وسِدرٍ، وثمَنِ ماءِ الشُّربِ والطهارَةِ مِن الحَدَثِ) أي: حدثٍ أكبرَ أو أصغَرَ. (والخَبَثِ) أي: ونجاسَةٍ على الثوبِ، أو

стр. 1517

وغَسْلِ الثِّيابِ. وعَلَيْه لَهَا خادِمٌ، إنْ كانَتْ مِمَّن يُخْدَمُ مِثْلُهَا، وتَلْزَمُه مُؤنِسَةٌ لِحاجةٍ. البدَنِ. (وغَسلِ الثِّيابِ) وكذا المِشطُ، وأُجرَةُ القَيِّمَةِ، وتَبيضُ الدَّسْتِ وقتَ الحاجةِ إليه؛ لأنَّ ذلكَ يُرادُ للتَّنظيفِ. وفي "الرعاية": يَلزَمهُ ما يَقطَعُ صُنَانَها ورائِحَةً كريهَةً (١). (وعليه لها خادِمٌ، إن كلانَت ممَّن يُخدَمُ مِثلُها) لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّساء: ١٩] ومِن المعروفِ إقامةُ الخادِمِ لها إذَنْ. ولأنَّ ذلك من حاجَتِها كالنفقة. ولا يَلزَمُه أكثَرُ مِن واحِدٍ؛ لأنَّ المستحَقَّ عليه خِدمَتُها في نَفسِها، وذلك حاصِلٌ بالواحِدِ. (وتَلزَمُه مُؤنِسَة لحاجَةٍ) كخَوفِ مَكانِها، وعَدوٍّ تخافُ على نَفسِها مِنهُ. ويَكتَفي بتَونيسِهِ هُو لها. * * *

стр. 1518

فَصْلٌ والواجِبُ عَلَيْه دَفْعُ الطَّعَامِ في أوَّلِ كُلِّ يَوْمٍ ، ويَجوزُ دَفْعُ عِوَضِه إنْ تَرَاضَيَا، ولا يَمْلِكُ الحاكِمُ أن يَفْرِضَ عِوَضَ القُوتِ دَرَاهِمَ -مَثَلًا- إلَّا بتَراضِيهِمَا، وفَرْضُه لَيْسَ بلازِمٍ. (فَصلٌ) (والواجِبُ عليه) أي: الزوجِ (دفعُ الطعامِ) من خُبزٍ وأُدمٍ ونحوِه، لزَوجَةٍ وخادِمِها وكُلِّ مَن وجَبَت نفقَتُه (في أوَّلِ كُلِّ يَومٍ) أي: عندَ طلوعِ شمسِه؛ لأنَّه أوَّلُ وَقتِ الحاجَةِ إليه، فلا يجوزُ تأخيرُه عنه. (ويجوزُ دفعُ عِوَضِه) كدَراهِمَ عَن نَفقَةٍ وكِسوَةٍ؛ لأنَّ الحقَّ لا يَعدُوهُما. ولِكُلٍّ مِنهُما الرّجوعُ بعدَ التَّراضِي (١) في المستقبَلِ (إن تَراضَيا) ولا يُجبَرُ مَن أَبَى منهما ذلِكَ؛ لعَدَمِ وجوبه عليه. (ولا يَملِكُ الحاكِمُ أن يَفرِضَ عِوَضَ القُوتِ دَراهِمَ -مثلًا- إلَّا بتراضِيهِمَا (٢)) أي: الزَّوجَينِ، فلا يُجبر مَن امتَنعَ مِنهُما. قال في "الهدي": أمَّا فرضُ الدَّراهِمِ، فلا أصلَ له في كتابٍ، ولا سنَّةٍ، ولا نصَّ عليه أحدٌ مِن الأئمَّةِ؛ لأنَّها مُعاوضَةٌ بغَيرِ الرِّضَا عن غَيرِ مستقرٍّ (٣). (وفَرضُهُ ليسَ بلازِمٍ) أي: لا يَلزمُ. وفي "الفروع": وهذا مُتَّجِة معَ عَدَمِ

стр. 1519

ويَجِبُ لَهَا الكِسْوَةُ في أوَّلِ كُلِّ عامٍ، وتَمْلِكُهَا بالقَبْضِ، فَلا بَدَلَ لِمَا سُرِقَ، أوْ بَلِيَ. وإنْ انْقَضَى العَامُ والكِسْوَةُ باقِيَةٌ، فعلَيْه كِسْوَةٌ للعامِ الجَدِيدِ، الشِّقاقِ، وعَدَمِ الحاجَةِ. فأمَّا معَ الشِّقاقِ والحاجَةِ، كالغَائِبِ مَثلًا، فيتوجَّهُ الفَرضُ، للحاجَةِ إليه، على ما لا يَخفَى، قطعًا للنِّزاعِ. انتهى (١). (ويَجِبُ لها) أي: للزوجَةِ (الكِسوَةُ في أوَّلِ كُلِّ عام) مِن زمَنِ الوجُوبِ مرَّةً؛ لأنَّه العادَةُ. وقالَ الحَلوَانيُّ وابنُه وابنُ حمدَانَ: في أوَّلِ الصَّيفِ كِسوَةٌ، وفي أوَّلِ الشِّتاءِ كِسوَةٌ. ولعلَّهُ مُرادُ " الواضح" بقَولِه: كُلَّ نِصفِ سنَةٍ (٢). (وتَملِكُها بالقَبضِ) أي: واجبَ نَفقَةٍ وكِسوَةٍ. كمَا يَملِكُ رَبُّ الدَّينِ دَينَهُ بقَبضِه. (فَلا بَدَلَ) على الزَّوجِ (لمَا سُرِقَ) مِن ذلِكَ (أو بَلِيَ) مِنهُ، كالدَّينِ يَفيهِ، فيَضبعُ مِن قابِضِه. وتَملِكُ التصرُّفَ فيه، أي: ما قبَضَتهُ مِن واجِبِ نفَقَتِها وكِسوَتِها على زوجِها، على وجهٍ لا يضرُّ بها، ولا يُنهِكُ بدنَها، مِن بيعٍ وهِبَةٍ ونحوِه، كسائِرِ مالِها. فإنْ ضرَّ ذلك ببَدَنِها، أو نَقصَ في استمتاعِه بها، لم تَملِكْهُ، بل تُمنَعُ مِنهُ؛ لتَفويتِ حقِّ زوجِها به. (وإن انقَضَى العامُ والكِسوَةُ) التي قَبَضَتها مِنهُ (باقيَةٌ، فعَليهِ كِسوَةٌ للعَامِ الجَديدِ) اعتبارًا بمضيِّ الزَّمانِ دونَ حقيقةِ الحاجَةِ، كما أنَّها لو بَلِيَت قبلَ ذلك، لم

стр. 1520

وإنْ مَاتَ أوْ مَاتَتْ أوْ بَانَتْ قَبْلَ انْقِضَائِه، رَجَعَ عَلَيْهَا بقِسْطِ مَا بَقِيَ. وإنْ أَكَلَتْ مَعَه عادَةً، أو كَسَاهَا بلا إذْنٍ، سَقَطَتْ. يَلزَمْهُ بدلُها. ولو أهدَى إليها كِسوَةً، لم تَسقُط كِسوَتُها. وكذا لو أهدَى إليها ما أكلَتهُ وبَقِي قُوتُها إلى الغَدِ، لم يَسقُط قُوتُها فيه. (وإن ماتَ) الزوجُ قبلَ مُضيِّ العَامِ (أو ماتَت) قبلَ مُضيِّهِ، (أو بانَت قبلَ انقِضائِهِ، رجَعَ علَيها بقِسطِ ما بَقَي) مِن العامِ؛ لتبيُّنِ عدمِ استحقاقِها له. (وإن أكلَت) زوجتُه (معَهُ) أي: زوجِها (عادَةً، أو كسَاها بلا إذنٍ) مِنها، أو مِن وَليِّها، وكان ذلك بقَدرِ الواجِبِ عليه (سقَطَت) نفقَتُها وكِسوَتُها؛ عمَلًا بالعُرفِ. وظاهِرُهُ: ولو بَعدَ فَرضِ نحوِ دراهِمَ عن نفَقَتِها، فإن ادَّعَت تبرُّعَه بذلك، حلَفَ. * * *

стр. 1521

فَصْلٌ والرَّجْعِيَّةُ مُطْلَقًا، والبائِنُ والناشِزُ الحامِلُ، والمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا حَامِلًا، كالزَّوْجَةِ في النَّفَقَةِ، والكِسْوَةِ، والمَسْكَنِ . ولا شَئءَ لغَيْرِ الحامِلِ مِنْهُنَّ، ولا لِمَنْ سَافَرَتْ لِحاجَتِهَا، أو لِنُزْهَةٍ، أو زِيارةٍ، ولَوْ بإذْنِ الزَّوْج. وإنِ ادَّعَى نُشُوزَهَا، أوْ أَنَّهَا أخَذَتْ نَفَقَتَها، وأنْكَرَتْ، فقَوْلُهَا بيَمِينِهَا. (فَصلٌ) (والرجعيَّةُ مُطلقًا، والبائِنُ، والنَّاشِزُ الحامِلُ، والمتوفَّى عنها زوجُها حامِلًا، كالزَّوجَةِ في النَّفقَةِ، والكِسوَةِ، والمسكَنِ). (ولا شَيءَ) من النفقَةِ والكِسوَةِ والمسكَنِ (لغيرِ الحامِلِ مِنهُنَّ) أي: المطلَّقَاتِ، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطَّلاق: ٦] وفي بعضِ أخبارِ فاطِمَةَ بنتِ قَيسٍ: "لا نَفقَةَ لكِ، إلَّا أن تكوني حامِلًا" (١). ولأنَّ الحَملَ ولَدُ المُبينِ، فيلزَمُه الإنفاقُ عليه، ولا يُمكِنُه ذلِكَ إلَّا بإنفاقٍ عليها، فوجَبَ كأجرَةِ الرَّضاعِ. (ولا) نفقَةَ (لمَن سافَرَت لحاجَتِها) ولو بإذنِه (أو) سافَرَت (لنُزهَةٍ) ولو بإذنِه (أو) سافَرَت لـ (زيارَةٍ، ولو بإذنِ الزَّوجِ) في الجَميعِ. (وإن ادَّعَى نُشوزهَا، أو أنَّها أخذَت نفقَتَها، وأنكَرَت، فقَولُها بيَمينِها) لأنَّها

стр. 1522

ومتَى أعْسَرَ بنَفَقَةِ المُعْسِرِ، أوْ كِسْوَتِه، أوْ مَسْكَنِه، أوْ صَارَ لا يَجِدُ النَّفَقَةَ إلَّا يومًا دُونَ يَوْمٍ، أوْ غَابَ المُوسِرُ وتَعذَّرَتْ عَلَيْهَا النَّفَقَةُ بالاسْتِدَانَةِ وغَيْرِهَا، مُنكِرَةٌ، والأصلُ عدَمُ ذلِكَ. لكِن لو كانَت بدَارِ أبيها مَثلًا، وادَّعَت أنَّها خرَجَت بإذنِه، فقَولُه؛ لأنَّ الأصلَ عدمُه. "فائدة": وإن أعطَاها شَيئًا زائِدًا عمَّا يجبُ عليهِ، كمُصَاغٍ وقلائِدَ على وَجهِ التَّمليكِ، مَلَكَتهُ، فلا رجُوعَ به إن طلَّق أو ماتَ، وإن لم يَكُن على وجهِ التمليكِ، بل لتتجمَّلَ به فقَط، فلهُ الرجوعُ فيه، طلَّقَها أو لا. (ومتى أعسَرَ) زوجٌ (بنفقَةِ المُعسِرِ)، فلم يَجِد القُوتَ، (أو) أعسَرَ بـ (كِسوَيه، أو مسكَنِه (١)، أو صارَ) الزَّوجُ (لا يجِدُ النفقَةَ) لزوجَتِه (إلَّا يومًا دُونَ يومٍ) خُيِّرَت الزوجَةُ؛ للحُوقِ الضَّررِ الغالِبِ بذلك بها، إذ البَدنُ لا يقومُ بدون كِفايَتِه. وسواءٌ كانَت حرَّةً بالغةً رشيدةً، أو رقيقَةً، أو صغيرةً، أو سفيهةً، دونَ سيِّدِها ووليِّها، فلا خِيرَةَ له، ولو كانَت مجنونَةً، لاختِصاصِ الضررِ بها بين فسخِ نِكاحِ المُعسِر، وبينَ مُقامٍ معَه مع (٢) مَنعِ نَفسِها، بأن لا تُمكِّنَه مِن الاستمتَاعِ بها، لأنَّه لم يُسلِّم إليها عِوَضَه (٣). (أو غابَ المُوسِرُ) عن زوجَتِه (وتعذَّرَت عليها النفقَةُ) بأن لم يَترُك لها نفقَةً، ولم تَقدِر له على مالٍ، ولم يُمكِنْها تحصيلُ نَفَقَتِها (بالاستِدانَةِ) أي: اقتِراضٍ أو نحوِه عليه (و) لا (غَيرِهما) لتعذّرِ الإنفاقِ عليها مِن مالِه، كحالِ الإعسارِ، بل

стр. 1523

فلَهَا الفَسْخُ فَوْرًا ومُتَراخِيًا، ولا يَصِحُّ بلا حَاكِمٍ، فيَفْسَخ بِطَلَبِهَا، أوْ تَفْسَخُ بِأمْرِهِ. وإنِ امْتَنَعَ المُوسِرُ مِنَ النَّفَقَةِ أو الكِسْوَةِ، وقَدَرَتْ عَلَى مَالِه، فلَهَا الأخْذُ مِنْهُ بلا إذْنِه بقَدْرِ كِفَايَتهَا وكِفَايَةِ وَلَدِهَا أولى (١)، ولأنَّ في الصبرِ ضَرَرًا أمكَنَ إزالتُه بالفَسخِ، فوَجَبت إزالتُه، دفعًا للضَّرَر. (فلها الفَسخُ فَورًا ومُتَرَاخِيًا) لأنَّه خيارٌ لدَفعِ ضَررٍ، أشبَهَ خِيارَ العَيبِ في المبيع (٢). (ولا يَصحُّ) الفسخ في ذلِكَ كُلِّه (بلا حَاكِمِ، فيَفسَخُ) الحاكِمُ (بطَلَبِها، أو تَفسَخُ بأمرِه) أي: الحاكِمِ؛ للاختِلافِ فيه، كالفَسخِ للعُنَّةِ، وتَوقُّفُه على طلَبِها، لأنَّه لحقِّهَا. فإن فرَّق بينَهُما، فهو فسخٌ لا رجعَةَ فيه، كتَفريقِه للعُنَّةِ. (وإن امتنَعَ) الزوجُ (الموسِرُ) الظاهِرُ: أنه (٣) لا مفهومَ له (٤)، بل كذلِكَ لو مَنَعَ المتوسِّطُ أو الفقيرُ ما وجَب عليه أو بعضَه، وقَدرَت له على مالٍ، أخذَت كفايتَها وكفايَةَ ولَدِها. فلو أسقَط لفظَةَ "مُوسِر" لكانَ أشملَ. والله أعلم. (من النفقَةِ أو الكِسوَةِ، وقَدَرَت على) أخذِ ذلِكَ مِن (مالِه)، ولو مِن غيرِ جنسِ الواجِبِ، (فلَها الأخذُ منه) أي: مِن الزَّوجِ (بلا إذنِه بقَدرِ كفايَتِها وكفايَةِ ولَدِها) وخادِمِها بالمعروفِ، لقولِه ﵇ لهند بنتِ عُتبةَ حين قالت له: إنَّ أبا

стр. 1524

الصَّغِيرِ. سُفيانَ رجلٌ شحيحٌ، وليس يُعطيني مِن النفقةِ ما يكفيني وولَدي؟: " خُذي ما يَكفيكِ وولَدَكِ بالمعروف" (١). فرخَّصَ لها ﵇ أخذَ تمامِ الكِفايَةِ بغَيرِ عِلمِه؛ لأنَّه مَوضِعُ حاجَةٍ؛ إذ لا غِنى (٢) عن النَّفقَةِ ولا قَوامَ إلَّا بها. وتتجدَّدُ بتجدُّدِ (٣) الزَّمنِ شيئًا فشيئًا، فتشقُّ المرافَعةُ بها إلى الحاكِمِ والمطالبةُ في كلِّ يومٍ. بقَدرِ كِفايَتِها وكِفايَةِ ولدِها (الصغيرِ). وإن لم تَقدِر على أخذِ كِفايَتِها وكفايَةِ ولَدِها مِن مالِه، أجبَرَهُ الحاكِمُ إذا رَفعَت أمرَها إليه على كِفايَتِها وكفايَةِ ولدِها ونحوِه بالمعروف؛ لأن ذلك واجِبٌ عليه. فإن أبى الزوجُ ذلكَ، حبسَه الحاكِمُ. فإن صبَرَ على الحَبسِ، وقدَرَ الحاكِمُ على مالِه، أنفق (٤) منه عليها وعَلى مَن وجَبَت له النفقَةُ؛ لأنَّها حقٌّ واجبٌ عليه. فإن لم يَقدِر الحاكمُ له على مالٍ يأخُذُه، أو لم يَقدِر الحاكمُ على النفقَةِ من مالِ الغائِبِ، ولم يجد الحاكمُ إلَّا عُروضًا أو عَقارًا، باعَه وأنفَقَ منه، فيدفَعُ الحاكِمُ إليها نفقَةَ يومٍ بيومٍ. فإن تعذَّر ذلك عليها، بأن لم يَكُن نقدٌ ولا عَرْضٌ ولا عَقارٌ، فلها الفَسخُ؛ لتعذّرِ الإنفاقِ عليها من مالِه، كحال الإعسَارِ، بل هذا أولى بالفَسخ.

стр. 1525

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولو فَسخَ الحاكِمُ نِكاحَ الزوجةِ؛ لفَقدٍ مالٍ -لِزوجِها الغائِبِ- يُنفِقُ منه، ثمَّ تبيَّن له مالٌ. قال ابنُ نصر اللهِ في "حواشي القواعد الفقهية": الظاهِرُ: صحَّةُ الفَسخِ وعَدمُ نقضِه؛ لأنَّ نفقَتَها إنَّما تتعلَّق بما يُقدَرُ عليه من مالِ زوجِها. وأمَّا ما كانَ غائبًا عنها لا عِلمَ لها به، فلا تُكلَّفُ الصَّبرَ لاحتماله. ولا تُشبِهُ مسألةَ المتيمِّمِ إذا نَسِيَ الماءَ في رحلِه؛ لأنَّ الماءَ في قبضَةِ يدِه، ونسيانُه لا يخلُو من تقصيرٍ وتفريطٍ؛ بخلافِ هذه. قال: ولم أجِد في المسألةِ نقلًا (١). "تنبيه": ومَن أمكَنَه أخذُ دَينِه الذي يَصيرُ بأخذِه مُوسِرًا، فهُو مُوسِرٌ، كما لو كانَ بيَدِه. * * *

стр. 1526

بابُ نَفَقَةِ الأقارِبِ والمَمَالِيكِ يَجِبُ علَى القَرِيبِ نَفَقة أقَارِبِهِ وكِسْوتُهُم وسُكْنَاهُمْ بالمَعْرُوفِ (بابُ نفقَةِ الأقارِبِ والمماليكِ) مِن الآدميِّين والبهائِمِ المرادُ بالأقارِبِ: مَن يَرِثُه بفَرضٍ أو تعصيبٍ. فيدخُلُ فيهم: العتيقُ. (يجبُ على القَريبِ نفقَةُ أقارِبِه وكِسوَتُهم وسُكنَاهُم بالمعرُوفِ). وأجمَعوا على وجوبِ نفقةِ الوالِدَين والمولُودَينِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣]، وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسرَاء: ٢٣] ومن الإحسانِ: الإنفاقُ عليهِما عندَ حاجتِهِما. وحديثِ هِند: "خُذي ما يَكفيكِ وولدَك بالمعروفِ". متفق عليه (١). وعن عائشةَ مرفوعًا: "إنَّ أطيبَ ما أكلَ الرجلُ مِن كَسبِه، وإنَّ ولدَه مِن كسبِه". رواه أبو داود (٢). ولأنَّ ولَدَ الإنسانِ بَعضُهُ، وهو بَعضُ والِدِه (٣)، فكما يجبُ عليه أن يُنفِقَ على نفسِه وأهلِه، فكذلِك على بَعضِه وأهلِه.، وقوله: "بالمعروف"، لقولِه تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ إلى قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣] فأوجَبَ على الأبِ نفقَةَ الرَّضاعِ، ثم أوجَبَ على الوَارِثِ مِثلَ ما أوجَبَه على الأبِ، ولحديث: "مَن أبَرُّ؟ قال: "أمَّكَ، وأبَاك، وأُختَكَ، وأخَاك". وفي لفظٍ: "ومَولاكَ الذي هو

стр. 1527

بثَلاثةِ شُرُوطٍ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونُوا فُقَراءَ لا مَالَ لَهُمْ ولا كَسْبَ. الثانِي: أنْ يَكونَ المُنْفِقُ غَنِيًّا، إمَّا بِمالِه أوْ كَسْبِه، وأنْ يَفْضُلَ عَنْ قُوتِ نَفْسِهِ وزَوْجَتِه ورَقِيقِه، يَوْمَه ولَيْلَتَه. أدنَاكَ، حقًّا واجبًا، ورحِمًا موصولًا". رواهُ أبو داود (١). فألزَمَهُ البرَّ والصِّلَةَ، والنَّفقةُ مِن الصِّلةِ، وقد جعلَها حقًّا واجِبًا. (بثَلاثَةِ شُروطٍ): الشرطُ (الأوَّلُ: أن يَكونُوا فُقرَاءَ لا مالَ لهم ولا كَسْبَ) لأنَّ النفقَةَ إنَّما تَجِبُ على سبيلِ المواساةِ، والغَنيُّ يَملِكُهُ، والقادِرُ بالتكسُّبِ مُستَغنٍ عَنها. وشرطُهُ: الحريَّةُ، فمتَى كانَ أحدُهُما رَقيقًا، فلا نفَقَةَ. فإن كانُوا (٢) مُوسِرينَ بمالٍ أو كسبٍ يَكفيهِم، فلا نفقَةَ لهم؛ لفَقدِ شَرطِه، فإن لم يَكفِهم ذلِكَ، وجبَ إكمالُها (٣). الشَّرطُ (الثاني: أن يَكونَ المنفِقُ غَنيًّا، إمَّا بمالِه أو كَسبِه، وأن يَفضُلَ عن قُوتِ نَفسِه) أي: المنفِقِ (و) قُوتِ (زوجَتِه، و) قُوتِ (رقيقِه، يَومَهُ وليلَتَهُ) وكِسوَةٍ وسُكنى لهم، من حاصِلٍ بِيَدِه، أو مُتحصَّلٍ مِن صناعَةٍ وتجارَةٍ، أو أُجرَةِ عقَار، أو ريعِ وقفٍ، ونحوِه. فإن لم يَفضُل عندَه عمَّن ذُكِرَ شيءٌ، فلا شيءَ عليه؛ لحديث جابرٍ مرفوعًا: "إذا كانَ أحدُكم فقيرًا، فليبدَأ بنَفسِه، فإن كان فضلٌ،

стр. 1528

الثالِثُ: أنْ يَكونَ وَارثًا لَهُمْ بفَرْضٍ أوْ تَعصِيبٍ، إلَّا الأُصُولَ والفُرُوعَ، فتَجِبُ لَهُم وعَلَيْهِم مطلقًا. وإذَا كانَ للفَقِيرِ وَرَثَةٌ دُونَ الأبِ، فنَفَقَتُه علَى قَدْرِ إرْثِهِم، فعَلَى عِيالِه، فإن كان فضلٌ، فعَلَى قرابَتِه" (١). وفي لفظٍ: "ابدَأ بنَفسِكَ، ثمَّ بمَن تَعولُ" (٢). حديثٌ صحيحٌ. ولأنَّ وجوبَ النفقَةِ على سَبيلِ المواساةِ، وهي لا تجِبُ معَ الحاجَةِ. الشرطُ (الثالِثُ: أن يكونَ وارِثًا لهم بفَرضٍ أو تعصيبٍ، إلَّا الأصولَ والفُروعَ، فتَجِبُ لهم وعَليهم مُطلقًا). (وإذا كَانَ للفَقيرِ ورثَة دونَ الأَبِ، فنفقَتُه على قَدرِ إرثِهم مِنهُ) أي: المنفَقِ عليه؛ لأنَّه تعالى رتَّبَ النفقَةَ على الإرث؛ بقولِه تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣]. والأبُ الغَنيُّ ينفَرِدُ بها، أي: بنفقَةِ ولدِه. فمَن لهُ جدٌّ وأخٌ لغيرِ أُم: النفقَةُ بينهُما سواءٌ؛ لأنَّهما يرِثَانِه كذلِكَ تَعصيبًا. أو لهُ أُمُّ أُم، وأُمُّ أبٍ: فالنفقةُ عليهِ بينَهُما سواءٌ؛ لأنَّهما يَرِثَانِه كذلِكَ فَرضًا ورَدًّا. ومَن لهُ أُمٌّ وجدٌّ: النفقَةُ عَليهِمَا أثلاثًا. أو لهُ ابنٌ وبنتٌ: النفقَةُ عليهِما أثلاثًا،

стр. 1529

ولا يَلْزَمُ المُوسِرَ مِنْهُم مَعَ فَقْرِ الآخَرِ سِوَى قَدْرِ إرْثِه. ومَن قَدَرَ علَى الكَسْبِ، أجْبِرَ لِنَفَقَةِ مَن تَجِبُ عَلَيْه مِن قَرِيبٍ وزَوْجَةٍ. ومَن لَمْ يَجِدْ مَا يَكْفي الجَمِيعَ، بَدَأ بنَفْسِه، فزَوْجَتِه، كإرثِهِما له. ومن له أُمٌّ وبنتٌ: النفقةُ عليهِما أرباعًا، ربعُها على الأُمِّ، وباقِيها على البِنتِ؛ لأنَّهما يرِثَانِه كذلِكَ فَرضًا ورَدًّا. أو لهُ جدّةٌ وبِنتٌ: فنفقتُه عليهِما أربَاعًا، كإرثِهِما له كذلِكَ فَرضًا ورَدًّا. ومَن له جدَّةٌ وعاصِبٌ غَيرُ أبٍ، كابنِ، وأخٍ، وعمٍّ: فنفقَتُه عليهما أسدَاسًا، سدُسُها على الجدَّةِ، وباقِيها على العَاصِبِ؛ لأنَّهما يَرِثانِه كذلِكَ. وأمَّا الأبُ فينفَرِدُ بها، وتقدَّم. وعلَى هذا العَملِ حِسابُها؛ لأنَّها تابِعةٌ للإرثِ. (و) مَن له ورثَةٌ بَعضهُم مُوسِرٌ، وبعضُهم مُعسِرٌ، كأخوَينِ أحدُهُما مُوسِرٌ، والآخرُ مُعسِرٌ، (لا يَلزَمُ الموسِرَ مِنهُم معَ فقرِ الآخَرِ سِوَى قَدرِ إرثِه) فقَط؛ لأنَّه إنَّما يجِبُ عليه معَ يَسارِ الآخَرِ ذلِكَ القَدرُ، فلا يتحمَّلُ عن غيرِه إذا لم يجِد الغَيرُ ما يجِبُ عليه، إذا لم يَكُن مِن عَمودَيِ النَّسَبِ. (ومَن قدَرَ على الكَسبِ، أُجبِرَ) على التكَسُّبِ (١)؛ (لـ) يُؤدِّيَ (نفقَةَ مَن تَجِبُ عليه مِن قَريبٍ وزوجَةٍ). (ومَن لم يَجِد ما يَكفِي الجَميعَ، بدَأ بنَفسِه، فزَوجَتِه) لأنَّ نفقتَها مُعاوضَةٌ؛ فقُدِّمَت على ما وَجَب مُواسَاةً، ولذلكَ تجبُ معَ يَسارِهِما وإعسارِهِما، بخلَافِ

стр. 1530

فرَقِيقِه، فوَلَدِه، فأَبِيه، فأُمِّه، فوَلَدِ ابْنِه، فجَدِّه، فأخِيهِ، ثُمَّ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ. ولِمُسْتَحِقِّ النَّفَقَةِ أنْ يَأخُذَ مِن مالِ مَن تَجِبُ عَلَيْه بِلا إذْنِه، إنْ امْتَنَعَ. وحَثثُ امتَنَع مِنْهَا زَوْجٌ أوْ قَرِيبٌ، وأنْفَقَ أجْنَبِيٌّ بنِيَّةِ الرُّجُوعِ، رَجَعَ. وَلا نَفَقَةَ مَعَ اخْتِلافِ الدِّينِ، نفقَةِ القَريبِ، (فـ) ـنفقَةِ (رقيقِه) لوجُوبها معَ اليَسارِ والإعسارِ، كنفقَةِ الزَّوجَةِ، (فـ) ـنفقَةِ (ولَدِه، فـ) ـنَفقَةِ (أبيهِ، فـ) ـنَفقَةِ (أُمِّهِ، فـ) ـنفقَةِ (ولَدِ ابنهِ، فـ) ـنفقَةِ (جدِّه، فـ) ـنفَقةِ (أخيهِ، ثمَّ) نفقَةِ (الأقربِ فالأقرَبِ). لحديثِ طارِق المحاربي: "ابدَأ بمَن تعولُ: أمَّكَ وأباكَ، وأُختَكَ وأَخاكَ، ثم أدنَاك (١) أدنَاكَ" (٢) أي: الأدنَى فالأدنَى. ولأنَّ النفقَةَ صِلة وبرٌّ، ومَن قَرُبَ أولى بالبرِّ ممَّن بَعُدَ. (ولمُستَحِقِّ النفقَةِ أن يأخُذَ مِن مالِ مَن تجبُ) النفقَةُ (عليه بلا إذنِه، إن امتَنَع) مِن دَفعِها. (وحيثُ امتنَعَ منها) أي: مِن النفقَةِ (زوجٌ أو قريبٌ، وأنفَقَ أجنبيٌّ بنيَّةِ الرجوعِ) لأنَّ الامتناعَ قد يكونُ لضَعفِ مَن وجبَت لهُ، وقوَّةِ مَن وجَبَت (٣) عليه، فلو لم يملِك المُنفِقُ الرجوعَ، لضاعَ الضعيفُ (رجع) عليهِ مُنفِق على زَوجَةٍ أو قَريبٍ؛ لأنَّه قامَ عنهُ بواجِبٍ، كقَضاءِ دَينِه. (ولا نَفقَةَ معَ اختلافِ الدِّينِ) بقَرابَةٍ، ولو مِن عَمُودَي نَسَبٍ؛ لأنَّهُما لا

стр. 1531

إلَّا بِالوَلاءِ. يتَوَارَثان، فلم يتناوَلْهُ قولُه تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣]. وكما لو كانَ أحدُهُما رقيقًا (إلَّا بالوَلاءِ) فتجِبُ للعَتيقِ على مُعتِقِه بشَرطِه، وإن بايَنَهُ في دِينِه؛ لأنَّه لا يَرِثُه معَ ذلك، فدخلَ في عمومِ قولِه تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣]. فإن مات (١) مَولاهُ، فالنَّفقَةُ على وارِثِه من عصبَةِ مَولاه. أو بإلحاقِ القافَةِ به. ذكرَهُ في "الإقناع"، وخالَفَه المصنِّفُ في "غاية المنتهى". * * *

стр. 1532

فَصْلٌ وعَلَى السِّيِّدِ نَفَقَةُ مَمْلُوكِهِ، وكِسْوتُه، ومَسْكَنُه، وتَزْوِيجُه إنْ طَلَبَ. ولَهُ أن يُسافِرَ بعبدِه المُزَوَّجِ، وأنْ يَسْتَخْدِمَه نَهارًا. (فَصلٌ) (وعَلى السيِّدِ نفقَةُ مملوكِه، وكِسوَتُه، ومَسكنُه) بالمعروفِ، ولو كانَ رقيقُهُ آبِقًا، أو مَريضًا، أو انقَطَعَ كسبُه. وتَلزمُه كِسوَتُه مُطلقًا، غنيًّا كانَ المالِكُ أو فَقيرًا أو مُتوسِّطًا، من غالِبِ الكِسوَةِ لأمثالِه مِن العَبيدِ بذَلِكَ البلدِ؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "للمملُوكِ طعامُه وكِسوَتُه بالمعروفِ، ولا يُكلَّف مِن العَملِ ما لا يُطيقُ". رواه الشافعي في "مسنده" (١). وأجمَعوا على أنَّ نفقَةَ المملوكِ على سيِّدِه. ولأنَّه لابدَّ له مِن نفقَةٍ، ومَنافِعُه لسيِّدِه، وهو أحقُّ الناسِ به، فوجبَت عليه نفقَتُه، كبَهيمَتِه. (وتَزويجُه) أي: الرَّقيقِ، وجوبًا، ذكَرًا كان أو أُنثَى (إن طَلَبَ) لقولِه تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النُّور: ٣٢] ولدُعاءِ الحاجةِ إلى النِّكاحِ غالبًا، وكالمحجُورِ عليه لسَفَهٍ، ولأنَّه يُخافُ مِن تَركِ إعفافِه الوقوعُ في المحظُورِ. (وله) أي: السيِّدِ (أن يُسافِرَ بعبدِه المزوَّجِ، وأن يَستَخدِمَه نهارًا).

стр. 1533

وعلَيْه إعْفَافُ أَمَتِه، إمَّا بِوَطْئِهَا، أوْ تَزْوِيجِهَا، أوْ بَيْعِهَا. ويَحْرُمُ أنْ يَضرِبَهُ علَى وَجْهِهِ، أوْ يَشْتِمَ أبَوَيْه، ولَوْ كَافِرَيْنِ، أوْ يُكَلِّفَه مَن العَمَلِ مَا لا يُطِيقُ. (وعَليه إعفافُ أمَتِه) خوفًا عليها مِن المحظُورِ (إمَّا بِوَطئِها، أو تَزويجِها، أو بَيعِها). (ويَحرمُ أن يَضرِبَه على وجهِه، أو يَشتِمَ أبوَيه) أي: أبوَي الرقيقِ (ولو) كانَا (كافِرَين) قال أحمدُ: لا يُعوِّدُ لِسانَه الخَنَا والرَّدَى، ولا يَدخُلُ الجنَّةَ سيءُ المَلَكَةِ، وهو الذي يُسيءُ إلى ممالِيكِه. (أو يُكلِّفَه مِن العَملِ ما لا يُطيقُ) لحديث أبي ذرٍّ مرفوعًا: " إخوانُكُم خَوَلُكم، جعَلَهم اللهُ تحتَ أيديكُم، فمَن كانَ أخوهُ تحتَ يدِه، فليُطعِمْهُ مما يأكُل، وليُلْبِسهُ مما يَلبَس، ولا تُكلِّفُوهُم ما يَغلِبُهم، فإن كلَّفتُمُوهُم، فأعينُوهُم عليه". متفق عليه (١). وفي روايَةِ ابنِ سَعدٍ عن زيدِ بنِ الخطَّابِ: "أرقَّاءَكُم أرقَّاءَكُم، فأطعِمُوهُم مما تأكُلُون، واكسُوهُم مما تلبَسُمون، وإن جاءوا بذَنبٍ لا تُريدُونَ أن تَغفِرُوهُ فَبيعُوا -عِبادَ اللهِ- ولا تُعذِّبُوهم". رواهُ الإمامُ أحمد في " مسنده" (٢). وفي رواية عند (٣) الإمام أحمدَ في "مسنده" (٤): "أرَّقاؤُكم إخوانُكُم فأحسِنُوا إليهم، استَعينُوهم

стр. 1534

ويَجِبُ أنْ يُرِيحَه وَقْتَ القَيْلُولَةِ، ووَقْتَ النَّوْمِ والصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ. وتُسَنُّ مُدَاوَاتُهُ إنْ مَرِضَ، وأنْ يُطْعِمَهُ مِن طَعَامِهِ. ولَهُ تَقْيِيدُهُ إنْ خَافَ عَلَيْه، وتَأْدِيبُه. على ما غلبكُم، وأعينُوهُم على ما غلبَهُم". (ويجِبُ أن يُريحَه وقتَ القَيلُولَةِ، ووَقتَ النَّومِ، و) وَقتَ (الصلاةِ المفروضَةِ) لأنَّ العادَةَ جاريَةٌ بذلكَ. ويُستحبُّ أن يُسوِّيَ بينَ عَبيدِه في الكِسوَةِ والطعامِ. (وتُسنُّ مُداوَاتُه إن مَرِضَ) قطَعَ به في "التنقيح" وغيرِه. وقالَ في "الإنصاف": قلتُ: المذهَب: أنَّ تَركَ الدَّواءِ أفضَلُ (١). (وأنْ يُطعِمَه مِن طعامِه) أي: ويُسنُّ أن يطعِمَه مِن طعامِه، وإلباسُهُم مِن لباسِه؛ لحديث أبي ذرٍّ. وأن يُسوِّيَ بينَ عبيدِه الذُّكورِ في الكِسوَةِ، وبين إمائِهِ إن كُنَّ للخدمَةِ أو الاستمتاعِ. وإن اختلَفنَ، فلا بأسَ بتفضيلِ مَن هي للاستِمتَاعِ في الكِسوَةِ؛ لأنَّه العُرفُ. (وله) أي: لسيِّدِه (تقييدُهُ إن خافَ عليه) إباقًا. نصًا. وقال: يُباعُ أحبُّ إليَّ. (و) يُسنُّ (تأديبُهُ) إذا أذنَبَ. ويُسنُّ العفوُ عنه أوَّلًا، ويكونُ مرَّةً، أو مرَّتين. نصًا. قال ابن الجوزي في "السرِّ المصون": وأمَّا المملوكُ، فلا يَنبَغي أن تَسكنَ إليه

стр. 1535

ولا يَصِحُّ نَفْلُه إنْ أَبَقَ. وللإنْسَانِ تَأْدِيبُ زَوْجَتِه ووَلَدِه ولَوْ مُكَلَّفًا، بضَرْبٍ غَيْرِ مُبْرِحٍ. بحالٍ، بل كُنْ منه على حذَرٍ، ولا تُدخِل الدَّارَ مِنهم مُراهِقًا، ولا خادِمًا، فإنَّهُم رجالٌ معَ النِّساءِ، ونِساءٌ معَ الرِّجالِ، وربَّمَا امتدَّت (١) عينُ المرأةِ إلى غُلامٍ مُحتَقَرٍ. انتهى (٢). (ولا يَصحُّ نفلُه إن أبقَ): إباقُ العبدِ كبيرةٌ، ويحرمُ إفسادُهُ على سيِّدِه، وإفسادُ المرأةِ على زوجِها. قال الشيخ تقيُّ الدين: ولو لم تُلائِمُ أخلاقُ العبدِ أخلاقَ (٣) سَيِّدِه، لَزِمَهُ إخراجُه عن مِلكِه، ولا يُعذِّبُ خَلقَ الله (٤)، وتقدَّم. (وللإنسانِ تأدِيبُ زَوجَتِه وولَدِه، ولو مُكلَّفًا، بضَربٍ غَيرِ مُبرِحٍ) إن أذنَبوا. ويُسنُّ العفوُ عنهُ (٥) مرَّةً أو مرَّتَين. ولا يجوزُ بلا ذَنبٍ، ولا أن يُضرَبوا ضَربًا مُبرِحًا؛ لحديث: "لا يُجلَدُ فَوقَ عشرَةِ أسواطٍ إلَّا في حدٍّ مِن حدودِ الله". رواهُ الجماعَةُ (٦) إلا النسائيُّ.

стр. 1536

ولا يَلْزَمُهُ بَيْعُ رَقِيقِه مَعَ قِيامِه بِحُقُوقِه. (ولا يلزَمُه) أي: السيِّدَ (بيعُ رَقيقِهِ معَ قيامِهِ (١) بحقُوقِه) لأنَّ المِلكَ للسيِّدِ، والحقَّ لَهُ، كما لا يُجبَرُ على طلاقِ زوجتِه معَ قيامِه بما يجِبُ لها. فإن لم يَقُم بحقِّه، وطلَبَ بيعَه، لزِمَه إجابَتُه. * * *

стр. 1537

فَصْلٌ وعلَى مَالِكِ البَهِيمَةِ إطْعَامُهَا وسَقْيُهَا، فإنْ امتَنَعَ أُجْبِرَ، فإنْ أبَى أوْ عَجَزَ، أُجْبِرَ على بَيْعِهَا، أوْ إجَارَتِهَا، أوْ ذَبْحِهَا إنْ كَانَتْ تؤكَلُ. (فَصلٌ) في نَفقَةِ البهائِمِ (وعلَى مالِكِ البَهيمَةِ إطعامُهَا) بعَلَفِها، أو إقامَةُ مَن يرعاهَا (و) عليه (سَقيُها) لحديثِ ابنِ عمرَ: عُذِّبَت امرأةٌ في هزَةٍ، حبَسَتها حتَّى ماتَت جُوعًا، فلا هي (١) أطعَمَتها، ولا هِيَ أرسَلَتها تأكُلُ مِن خَشَاشِ الأرض". متفق عليه (٢). والخَشاشُ؛ بالخاء المعجمة، قال في "الصحاح" (٣): الخِشَاشُ، بالكَسرِ: الحَشَرَاتُ، وقد تُفتَح. (فإن امتَنَع) عن نَفَقَتها (أُجبِرَ، فإن أبَى أو عَجَزَ، أُجبِرَ على بَيعِها، أو إجارَتِها، أو ذَبحِها، إن كانَت تُؤكَلُ) إزالَةً لضَرَرِها وظُلمِها، ولأنَّها تتلَفُ إذا تُرِكَت بلا نَفقَةٍ، وإضاعَةُ المالِ مَنهيٌّ عنها. فإن أبي فِعلَ شَيءٍ مِن ذلِكَ، فعَلَ الحاكِمُ الأصلَحَ مِن الثَّلاثَةِ، أو اقتَرَضَ عليهِ ما يُنفِقُه على بهيمَةٍ (٤)، لقِيامِه مَقامَه في أداءِ ما وَجَب عليه (٥) عندَ امتِناعِه مِنهُ،

стр. 1538

ويَحْرُمُ: لَعْنُهَا، وتَحْمِيلُهَا مُشِقًّا، وحَلْبُهَا ما يَضُرُّ وَلَدَهَا، وضَرْبُهَا في وَجْهِهَا ووَسْمُهَا فِيهِ، كقَضاءِ دَينه. (ويحرُمُ لعنُها) أي: البَهيمَةِ؛ لحَديثِ عِمرَانَ (١): أنَّه ﷺ كانَ في سَفَرٍ، فلَعَنَت امرأةٌ ناقَةً، فقال: "خُذُوا ما عَليها، ودَعُوها مَكانَها مَلعُونَةً" فكأنِّي أراهَا الآنَ تَمشِي في النَّاسِ ما تعرَّضَ لها أحدٌ (٢). وحديثِ أبي بَرزَةَ: "لا تُصاحِبنا ناقَةٌ عليهَا لعنَةٌ" (٣). رواهما أحمدُ ومسلمٌ. (و) يحرمُ (تحميلُها مُشِقًّا) لأنَّه تعذيبٌ لها. (و) يحرمُ (حَلبُها ما يَضُرُّ ولَدَها (٤)) لأنَّه لبنُهُ مخلوقٌ لهُ، أشبَهَ ولدَ الأمَةِ. (و) يحرمُ (ضربُها في وجهِها، و) يحرُمُ (وسمُهَا فيه) أي: في الوَجهِ؛ لأنَّه ﵇ لعَنَ مَن وسَمَ أو ضرَبَ الوَجهَ، ونهى عنه (٥). ذكَرهُ في "الفروع". وهو في الآدمي أشَدُّ. قال ابنُ عقيلٍ: لا يجوزُ الوَسمُ إلَّا لمُداوَاةٍ. وقالَ: يحرُمُ لقَصدِ (٦) المُثلَةِ (٧). ويجوزُ وسمُ البهيمةِ في غَيرِ الوَجهِ لغَرَضٍ صحيحٍ.

стр. 1539

وذَبْحُهَا إنْ كَانَتْ لا تُؤكَلُ. ويَجوزُ اسْتِعْمَالُهَا في غَيْرِ ما خُلِقَتْ لَهُ. ويُكرُهُ خَصيُ غَيرِ غَنمٍ ودُيوكٍ. قاله في "الإقناع" (١). (و) يحرُمُ (ذبحُها إن كانَت لا تُؤكَل. ويجوزُ استعمالُها في غَيرِ ما خُلِقَت لهُ) كبَقرٍ لحَملٍ ورُكُوبٍ، وكإبلٍ وحُمُرٍ لحَرثٍ ونحوِه. ويُكرَهُ جَزُّ مَعرَفَةٍ، وجَزُّ ناصِيَةٍ، وجزّ ذَنَبٍ، وتعليقُ جَرَسٍ أو وتَرٍ، للخَبرِ. ويُكرَهُ له إطعامُهُ فوقَ طاقَتِه، وإكراهُهُ على الأكلِ ما اتَّخَذه الناسُ عادَةً، لأجلِ التَّسمينِ. قاله في "الغنية". ويُكرَهُ نَزوُ حِمارٍ على فَرَسٍ، كالخِصَاءِ. وتُستحبُّ النفقَةُ على مالِه غيرِ الحيوانِ. وفي "الفروع": يتوجَّهُ: وجُوبُه؛ لئلا يضيعَ (٢). * * *

стр. 1540

بابُ الحَضَانَةِ وهِي: حِفْظُ الطَّفْلِ غَالِبًا عمَّا يَضُرُّه، والقِيامُ بِمَصَالِحِه، كغَسْلِ رَأْسِه وثِيَابِه، ودَهنه وتَكْحِيلِه، ورَبْطِه في المَهْدِ ونَحْوِه، وتَحْرِيكِه لِينامَ. والأحْقُّ بِهَا الأُمُّ، (بابُ الحضانَةِ) مُشتقَّةٌ مِن الحِضْنِ، وهو الجَنبُ؛ لضَمِّ المربِّي والكافِلِ الطِّفلَ ونحوَه إلى حِضنِه. (وهي) أي: الحضانَةُ: (حِفظُ الطِّفلِ غَالبًا) والمجنُونِ، والمعتُوهِ وهو المختلُّ العَقلِ (عمَّا يضرُّهُ، والقِيامُ بمصالِحِه، كغَسلِ رأسِه، وثيابِه، ودَهنِه، وتَكحِيلِه، ورَبطِه في المَهدِ ونحوِه) أي: نحوِ ما ذُكِرَ مما يتعلَّقُ بمصالِحه (وتَحريكِهِ ليَنامَ). (والأحَقُّ بها الامّ) مع أهليَّتِها، وحُضُورِها، وقبولِهَا. قال في "المبدع": لا نعلمُ فيهِ خِلافًا؛ لما روَى عمرو بنُ شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ امرأةً قالت: يا رسولَ الله، إنَّ ابني هذا كانَ بَطني لهُ وِعَاءً، وثَديي له سِقاءً، وحِجرِي له حِواءً، وإنَّ أباهُ طلَّقَني، وأرادَ أن يَنزِعَه مِنِّي. فقال لها النَّبِيُّ ﷺ : "أنتِ أحقُّ به، ما لمَ تَنكِحِي". رواهُ أحمد، وأبو داودَ (١)، ولفظُهُ له. ولأنَّها أشفَقُ، والأبُ لا يَلِي حضانَتَه بنَفسِه، وإنَّما يدفَعُه إلى امرأتِه أو غيرِها مِن النساء، وأُمُّهُ أولى ممَّن يدفَعُه إليها.

стр. 1541

ولَؤ بأُجْرَةِ مِثْلِهَا مَعَ وُجُودِ مُتَبَرِّعَةٍ، ثُمَّ أُمَّهاتُهَا القُرْبَى فالقُرْبَى، ثُمَّ الأَبُ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ، ثُمَّ الجَدُّ، ثُمَّ أُمَّهاتُه، ثُمَّ الأخْتُ لأَبَوَيْنِ، ثُمَّ لأُمٍّ، ثُمَّ لأَبٍ، ثُمَّ الخَالَةُ لأبويْنِ، ثُمَّ لأُم ثُمَّ لأبٍ، ثُمَّ العَمَّاتُ كَذلِكَ، (ولو بأُجرَةِ مِثلِها) حيثُ كانَت أهلًا (معَ وُجودِ مُتبرِّعَةٍ). (ثمَّ) إن لم تَكُنْ أُمٌّ، أو لم تَكُن أهلًا للحضَانَةِ، ف (أُمَّهاتُهَا، القُربَى فالقُربَى) لأنَّهنَّ نساءٌ لهنَّ وِلادَةٌ مُتحقِّقَةٌ، أشبَهنَ الأُمَّ. (ثمَّ) بعدهُنَّ (الأبُ (١)) لأنَّه أصلٌ وأحقُّ بولايَةِ المالِ. (ثمَّ أُمَّهاتُهُ) كذلِكَ، أي: القُربَى فالقُربَى؛ لإدلائِهِنَّ بعَصبَةٍ قريبَةٍ. (ثمَّ الجدُّ) لأبٍ؛ لأنَّه في مَعنَى الأَبِ كذلِكَ: الأقربُ فالأقرَبُ مِن الأجدَادِ. (ثمَّ أمّهاتُه) أي: الجَدِّ كذلِكَ: القُربى فالقُربى؛ لإدلائِهنِّ بعَصبَةٍ. (ثمَّ الأخُتُ لأَبوَينِ)؛ لمشارَكَتِها له في النَّسبِ، وقوَّةِ قَرابَتِها. (ثمَّ) أختٌ (لأُمٍّ، ثمَّ) أختٌ (لأَبِ، ثمَّ الخالَةُ لأَبوَين، ثمَّ) خالَةٌ (لأم، ثمَّ) الخالَةُ (لأبٍ) لإدلاءِ الخالاتِ بالأمِّ. (ثمَّ العمَّاتُ كذَلِكَ) لأنهنَّ نِساءٌ مِن أهلِ الحضانَةِ، فقُدِّمْنَ على مَن (٢) بدرجَتِهنَّ مِن الرِّجالِ، كتقديمِ الأُمِّ على الأَبِ، والجدَّةِ على الجدِّ، والأُختِ على الأَخ. ولا حضانَةَ لعمَّاتِ الأُمِ معَ عمَّاتِ الأَبِ؛ لأنَّهُنَّ يُدلِينَ بأَبِي الأُمِّ وهو مِن ذَوي الأرحَامِ، وعمَّاتُ الأبِ يُدلِينَ بالأَبِ وهو عَصبَةٌ.

стр. 1542

ثُمَّ خَالاتُ أُمِّهِ، ثُمَّ خَالاتُ أبِيه، ثُمَّ عَمَّاتُ أَبِيه ثمَّ بَنَاتُ إخْوَتِه وأخواتِه، ثُمَّ بَنَات أعْمَامِهِ وعَمَّاتِهِ، ثُمَّ لبَاقِي العَصَبَةِ الأقْرَبُ فالأقْرَبُ. ولا حَضَانَةَ لِمَنْ فِيهِ رِقٌّ، ولا لفَاسِقٍ، ولا لكافِرٍ على مُسْلِمٍ، ولا لِمُتَزَوِّجَةٍ بِأجْنَبِيٍّ. (ثمَّ خالاتُ أُمِّه) لأَبوين، ثمَّ لأُمٍّ، ثمَّ لأَبٍ، (ثمَّ خالاتُ أَبيه) كذلِكَ (ثمَّ عمَّاتُ أَبيهِ) كذلِك. (ثمَّ بناتُ إخوَته وأخواتِه، ثمَّ بَناتُ أعمَامِه وعمَّاتِه) على التَّفصيلِ المتقدِّمِ، فتُقدَّمُ مَن لأَبوَينِ، ثمَّ لأُمٍّ، ثمَّ لأبٍ. (ثمَّ) الحضانَةُ (لبَاقِي العَصبَةِ) أي: عصبَةِ المحضُونِ (الأقرَبُ فالأقرَبُ) فيقُدَّمُ الإخوَةُ الأشقَّاءُ، ثمَّ لأَبٍ، ثمَّ بنوهُم كذلِكَ، ثمَّ الأعمامُ، ثمَّ بَنوهُم كذلِكَ، ثمَّ أعمامُ أبٍ، ثمَّ بنوهُم كذلِكَ، ثمَّ أعمامُ جَدٍّ، ثم بنوهُم كذلِكَ، وهكذا. (ولا حضَانَةَ لمَن فيه رِقٌّ)، وإن قَلَّ؛ لأنَّها وِلايَةٌ كوِلايَةِ النكاحِ. (ولا) حضَانَةَ (لفاسِقٍ) ظاهِرًا؛ لأنَّه لا وُثُوقَ به في أداءِ واجِبِ الحضانَةِ، ولا حظَّ للمحضُونِ في حضانَتِه؛ لأنَّه ربَّما نَشَأَ على أحوالِه. (ولا) حضَانَةَ (لكافِرٍ على مُسلمٍ). ولا) حضَانَةَ (لمتزوِّجَةٍ بأجنبيٍّ) مِن محضونٍ، مِن زمَنِ عقدٍ، لقولِه ﵇: "أنتِ أحقُّ بِه، ما لم تَنكِحِي" (١). ولأنَّ الزوجَ يملِكُ مَنافِعَها بمجرَّدِ العقدِ، ويَستحِقُّ منعَها مِن الحضانَةِ، أشبَه ما لو دَخَلَ بها.

стр. 1543

ومتَى زَالَ المَانِعُ، أوْ أسْقَطَ الأحَقُّ حَقَّه، ثُمَّ عادَ، عادَ الحَقُّ لَهُ. وإنْ أرَادَ أحَدُ الأبَوَيْنِ السَّفَرَ -ويَرْجِعَ- فالمُقِيمُ أحَقُّ بالحَضَانَةِ، وإنْ كَانَ للسُّكْنَى وهُو مَسافَة قَصْرٍ، فالأَبُ أحَقُّ، ودُونَهَا فالأُمُّ أحَقُّ. فإن تزوَّجت بقَريبِ محضُونِها، ولو غَيرَ محرَمٍ له، لم تَسقُط حضانَتُها. ولو رضيَ زوجٌ بحضانَةِ ولَدِها مِن غَيرِه، لم تَستحِق الحضانَةَ بذلِكَ، بخلافِ رَضاعٍ. (ومَتى زالَ المانِعُ) من رِقٍّ، أو فِسقٍ، أو كُفرٍ، أو تزوُّجٍ بأجنبيٍّ (أو أسقَطَ الأحقُّ حقَّه، ثمَّ عادَ، عادَ الحقُّ لهُ) في الحضانَةِ. (وإن أرادَ أحَدُ الأبويَن) لمحضُونٍ (السَّفرَ، ويرجِعَ (١)) لحاجَةٍ ويَعودُ، بَعُدَ البلَدُ الذي أرادَه أوْ لا (فالمُقيمُ) مِن أبَويهِ (أحقُّ بالحضانَةِ) إزالَةً لضَررِ السَّفرِ. وهذا إن لم يَقصِد المسافِرُ به مُضارَّةَ الآخَرِ، وإلَّا فالأُمُّ أحَقُّ، كما ذكرَه في "الهدي"، وقوَّاهُ غيرُه (٢). (وإن) أرادَ أحدُ أبوَيهِ نَقلَهُ إلى بَلَدٍ، و (كانَ للسُّكنَى، وهو) أي: البلَدُ المنقولُ إليها (مَسافَةُ قَصرٍ) فأكثَرُ، وكان الطريقُ آمِنًا (فالأبُ أحقُّ) لأنَّه الذي يَقومُ بتَأدِيبِهِ، وتخريجِه، وحفظِ نَسبِه، فإذا لم يَكُن ببلَدِ أبيه، ضاعَ. ومتى اجتمَعَ الأبوانِ، عادَت الحضانَةُ لأُمِّ. (و) إن كانَت المسافَةُ (دُونَها) أي: دُونَ مسافَةِ القَصرِ (فالأُمُّ أحقُّ) فتَبقَى (٣) على حضَانَتِها؛ لأنَّها أتمُّ شفقَةً.

стр. 1544

فَصْلٌ وإذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ سَبْعَ سِنينَ عَاقِلًا، خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ، فإنِ اخْتَارَ أَبَاه، كانَ عِنْدَه ليلًا ونَهَارًا، ولا يُمْنَعُ مِن زِيارَةِ أُمِّهِ، ولا هِي مِنْ زِيارَتِه، وإنْ اخْتَارَ أُمَّهُ، كَانَ عِنْدَهَا ليلًا، وعِنْدَ أَبِيهِ نَهَارًا؛ (فَصْلٌ) (وإذا بلغَ الصَّبِيُّ) المحضونُ (سبعَ سِنينَ) كامِلةً (عاقلًا، خُيِّرَ بينَ أبوَيه) لحديثِ أبي هريرةَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَيَّرَ غُلامًا بينَ أبيهِ وأُمِّه. رواه سعيدٌ والشافعيُّ (١). وقَضَى بذلِكَ عُمرُ وعليٌّ (٢). (فإن اختَارَ أباه، كانَ عندَه ليلًا ونهارًا) ليَحفَظَهُ ويُعلِّمَه ويُؤدِّبَهُ (ولا يُمنَعُ مِن زيارَةِ أُمِّهِ) لأنَّ فيه إغراءً له بالعُقُوقِ (٣) وقَطيعَةِ الرَّحمِ، فيزُورُها على العادَةِ، كيَومٍ في الأُسبُوعِ. ولا تُمنَعُ من تَمريضِه؛ لأنَّ النساءَ أعرَفُ بذلِكَ. (ولا) تُمنَعُ (هي مِن زِيارَتِه). (وإن اختارَ أُمَّهُ، كانَ عِندَها ليلًا) لأنَّه وقتُ السَّكَنِ، وانحيازِ الرِّجالِ إلى المساكِنِ، (وعندَ أبيه نَهارًا) لأنَّه وقتُ التصرُّف في الحوائِج، وعَملِ الصنائِعِ

стр. 1545

ليُؤدِّبَه ويُعلِّمَه. وإذَا بَلَغَتِ الأُنْثَى سَثعًا، كانَتْ عِنْدَ أَبِيهَا وُجُوبًا إلَى أنْ تَتزوَّجَ. ويَمْنَعُهَا -ومَن يَقُومُ مَقَامَة- مِن الانْفِرَادِ. ولا تُمْنَعُ الأُمّ مِن زِيارَتِهَا، ولا هِي مِن زِيَارَةِ أُمِّهَا، إنْ لَمْ يُخَفِ الفَسَادُ. والمَجْنُونُ، ولَوْ أُنْثَى، عِنْدَ أمِّهِ مُطْلَقًا. ولا يُتْرَكُ المحْضُونُ بيَدِ مَن لا يَصُونُهُ ويُصْلِحُه. (ليؤدِّبَه ويُعلِّمَه) لئلا يَضيعَ. (وإذا بَلَغَت الأُنثَى سَبعًا) فأكثَرَ (كانَت عِندَ أبيهَا وجُوبًا إلى أن تتزوَّجَ) لأنَّه أحفَظُ لها، وأحقُّ بولايَتِها، ويُؤمَنُ عليها مِن دُخولِ النِّساء؛ لأنَّها مُعرَّضَةٌ للآفَاتِ لا يُؤمَنُ عليها الخَديعَةُ. (ويَمنَعُها) أبوهَا أن تَنفَرِدَ (ومَن يَقومُ مَقامَهُ، مِن الانفِرَادِ) بنَفسِها؛ خشيَةً عليها. (ولا تمنَعُ الأُمُّ مِن زيارَتِها) على العادَةِ؛ لما سبقَ. (ولا) تُمنَعُ (هي مِن زيارَةِ أُمِّها) إن رَضِيَت الأُمّ؛ لأنَّه من الصِّلَةِ والبرِّ (إن لم يُخَفِ الفَسادُ) عَليها. (والمجنونُ) والمعتوهُ (ولو أُنثَى، عندَ أُمِّه مُطلَقًا) صغيرًا كان أو كبيرًا؛ لحاجتِه إلى مَن يَخدمُه ويَقومُ بأمرِه، والنِّساءُ أعرَفُ بذلِكَ، وأمُّهُ أشفَقُ عليه مِن غَيرِها، فإن عُدِمَت أُمُّه، فأمَّهَاتُها القُربى فالقُربى، على ما تقدَّم. (ولا يُترَكُ المحضُونُ بيَدِ مَن لا يَصونُهُ ويُصلِحُهُ) لأنَّ وجودَ ذلِكَ كعَدَمِه، فتَنتَقِلُ إلى مَن يَليهِ.
следующие страницы →