← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 803

شرح دليل الطالب - عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

Полный текст (1 686 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فَصْلُ ومَنْ جاوَزَ دمُها خمسَةَ عَشَرَ يومًا، فهي مُستحاضَةٌ، تجلسُ من كلِّ شهرٍ ستًّا أو سبعًا، حيثُ لا تمييزَ، ثم تغتِسلُ، وتصومُ، وتصلي (فصلٌ) (ومَنْ جاوزَ دمُها خمسةَ عشرَ يومًا) أي: أكثرَ الحيضِ (فهي مستحاضةٌ) لأنَّه لا يَصلُحُ أنْ يكونَ حيضًا. والاستحاضةُ: سيلانُ الدَّمِ في غيرِ زمنِ الحيضِ من عِرقٍ يُقال له: العاذلُ -بالذال المعجمة. وقيل: المهملة. حكاهما ابنُ سِيده. والعاذرُ لغةٌ فيه- من أدنى الرحمِ، دونَ قعرِه، إذِ المرأةُ لها فرجانِ: داخلٌ بمنزلةِ الدبرِ، منه الحيضُ. وخارجٌ بمنزلةِ الأليتَين، منه الاستحاضةُ. والمستحاضةُ: مَنْ جاوزَ دمُها أكثرَ الحيضِ. والدَّمُ الفاسدُ أعمُّ من ذلك. قالَهُ في "الإنصاف" (١) يعني: مِن المستحاضةِ (تجلسُ مِن كلِّ شهرٍ) هلاليٍّ (ستًا أو سبعًا) من الأيامِ بلياليها (حيثُ لا تمييزَ، ثمَّ تغتسلُ) لذلك (وتصومُ وتصلي) لحديثِ حمنةَ بنتِ جحشٍ قالتْ: يا رسولَ اللهِ، إني أُستحاضُ حيضةً شديدةً كبيرةً، قدْ منعتْني الصَّومَ والصَّلاةَ؟! فقال: " تَحيَّضي في علمِ اللهِ، ستًّا أو سبعًا، ثمَّ اغتسلي". رواه أحمدُ وغيرُه (٢). وعملًا

стр. 212

بعد غَسْلِ المحَلِّ وتَعصِيبه. وتتوضأُ في وقتِ كُلِّ صلاةٍ، بالغالبِ (بعد غَسلِ المحلِّ) الملوَّثِ بالحدثِ، لإزالته عنه (وتعصيبه) أي: فعلِ ما يَمنعُ الخارجَ حسبَ الإمكانِ من حشوٍ بقطنٍ وشدِّهِ بخِرْقةٍ طاهرةٍ. فإنْ خرجَ بعد ذلك شيءٌ، لم تبطلْ طهارتُه. (وتتوضَّأُ) أي: المستحاضةُ (في وقتِ كلِّ صلاةٍ) إنْ خرجَ شيءٌ؛ لقولِهِ ﵇: "وتتوضَّأُ عند كلِّ صلاةٍ". رواه أبو داودَ والترمذيُّ (١). ولقولِهِ أيضًا لفاطمةَ بنتِ أبي حبيشٍ: "وتوضَّئي لكلِّ صلاةٍ حتى يجيءَ ذلك الوقتُ". رواه أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ (٢). ولأنَّها طهارةُ عذرٍ، فتقيَّدَتْ بالوقتِ، كالتيمُّمِ، فإنْ لم يخرج شيء (٣)، لم يبطلْ. وظاهرُه أيضًا: لا يبطلُ بطلوعِ الشمسِ، لو كانتْ توضَّأتْ قبلَهُ. قال المجدُ وغيرُه: وهو أَوْلى، وجزمَ به في نظم "المفردات "، فقال: وبدخولِ الوقتِ طهرٌ يَبطلُ … لمَنْ بها استحاضةٌ قدْ نقلوا لا بالخروجِ منه لو تطهرتْ … بالفجرِ لم يبطلْ بشمسٍ ظهرتْ وقال أبو يعلى: تبطلُ بخروجِ الوقتِ ودخولِهِ. ثمَّ قال: والأَوْلى تبطلُ بدخولِ الوقتِ. وسوَّى بينهما في "الإقناع"، تبعًا لأبي يعلى، وإليه ميلُه في "الإنصاف".

стр. 213

وتنوي بوُضُوئِها الاستباحَةَ. وكذا يفعلُ كُلُّ مَنْ حَدثُهُ دائِمٌ. ويحرمُ وطءُ المستحاضَةِ، ولا كفَّارةَ. ويصلِّي دائمُ الحدثِ عقبَ طهرِه ندْبًا. وعُلِمَ من هذا: أنَّه لا يصحُّ وضوؤُها لفرضٍ قبلَ وقتِهِ. (وتنوي بوضوئِها الاستباحةَ. وكذا يفعلُ كلُّ مَنْ حدثُه دائمٌ) وهو مَنْ به سلَسُ بولٍ، أو مذيٍ، أو ريحٍ، أو رُعافٌ دائمٌ. يعني: أنَّ حكمَ هؤلاءِ، حكمُ المستحاضةِ فيما تقدَّمَ، لتساويهم معنًى، وهو عدمُ التحرزِ من ذلك، فوجبَ المساواةُ حكمًا. قال إسحاقُ بنُ راهويه: كان يزيدُ بنُ ثابتٍ عنده سلسُ البولِ، وكان يداويه ما استطاعَ، فإذا غلبه، صلَّى ولا يبالي ما أصابَ ثوبَه. لكن عليه أنْ يحتشيَ، كما تقدَّمَ في المستحاضةِ. وإنْ كان محلُّ الحدثِ مما لا يمكنُ عصبُه كالجرحِ الذي لا يرقأْ دمُه، ولا يمكنُ شدُّه، أو مَنْ به باسورٌ أو ناصورٌ، ولا يمكنُ عصبُه، صلَّى على حسبِ حالِهِ؛ لفعلِ عمرَ، حيثُ صلَّى وجرحُه يثعب (١) دمًا. رواه أحمدُ. (ويحرمُ وطءُ المستحاضةِ، ولا كفَّارَةَ) من غيرِ خوفِ عنتٍ منه، أو منها؛ لقولِ عائشةَ: المستحاضةُ لا يغشاها زوجُها (٢). فإنْ خافَه، أو خافتْه، أُبيحَ وطؤها، ولو لواجدِ الطَّولِ، خلافًا لابن عقيلٍ. وكذا إنْ كان به شبَقٌ شديدٌ؛ لأنَّه أخفُّ من الحيضِ، ومدَّتُه تطولُ، بخلافِ الحيضِ، ولأنَّ وطءَ الحائضِ قدْ يتعدَّى إلى الولدِ،

стр. 214

والنِّفاسُ لا حدَّ لأقلِّه. وأكثرُه: أربعُونَ يومًا. ويثبتُ حُكمُهُ بوضعِ ما تَبيَّنَ فيه خَلقُ إنسانٍ. فيكونُ مجذومًا. وحيثُ حَرُمَ لا كفارةَ فيه. (والنِّفاسُ): دمٌ ترخيه الرحمُ مع ولادةٍ، وقبلَها بيومين أو ثلاثةٍ، بأمارةٍ. أي: علامةٍ على الولادةِ، كالتألمِ وإلَّا فلا تجلُسُه؛ عملًا بالأصلِ. وإنْ تبيَّنَ عدمُه، أعادتْ ما تَركتْه. (لا حدَّ لأقلِّه) لأنَّه لم يردْ تحديدُه، فرُجعَ فيه إلى الوجودِ، وقدْ وُجِدَ قليلًا وكثيرًا. ورُويَ أنَّ امرأةً ولدتْ على عهدِه ﵇. فلم ترَ دمًا، فسُمِّيتْ: ذاتَ الجفوفِ (١). ولأنَّ اليسيرَ دمٌ وُجدَ عقبَ سَبَبِهِ، فكان نفاسًا كالكثيرِ. فإنْ رأتْ قطرةً، ورأتِ الطهرَ بعدَها، فهي طاهرٌ. (وأكثرُه: أربعون يومًا) قال الترمذيُّ (٢): أجمعَ أهلُ العلمِ من أصحابِ النبيِّ ﷺ ، ومَنْ بعدَهُم، على أنَّ النفساءُ تدَعُ الصَّلاةَ أربعينِ يومًا، إلا أنْ ترى الطهرَ قبلَ ذلك، فتغتسلُ وتصلِّي. وذلك من ابتداءِ خروجِ بعضِ الولدِ. يعني: أنَّ الأربعين التي مع الولادةِ، أوَّلُها من ابتداءِ خروجِ بعضِ الولدِ. فحينئذٍ: إنَّ اليومَين أو الثلاثةَ قبلَ الولادةِ، ليستْ من الأربعين، لكنَّها دمَ نِفاسٍ، فتكونُ المدةُ اثنين وأربعين، وثلاثةً وأربعين. (ويثبتُ حكمُه بوضعِ ما تبينَ (٣) فيه خلقُ إنسانٍ) ولو خفيًّا؛ لأنَّه ولادةٌ، لا

стр. 215

فإن تخلَّل الأربَعين نقاءٌ، فهو طهرٌ، لكِن يُكرهُ وَطؤُها فيه. ومن وضَعَت ولدَين فأكثرَ، فأوَّلُ مُدَّةِ النِّفاسِ من الأوَّل، فلو كانَ بينَهما أربعونَ يومًا، فلا نِفَاسَ للثَّاني. وفي وَطءِ النُّفسَاءِ ما في وَطِء الحائِضِ. ويجوزُ للرَّجُل شُربُ دواءٍ مُباحٍ يمنعُ الجِماعَ، علقةٌ أو مضغةٌ لا تخطيطَ فيها. وأقلّ ما يتبينُ فيه خلقُه: أحدٌ وثمانون يومًا. وغالبُه، كما قال المجدُ وابنُ تميمٍ وابنُ حمدان وغيرُهم: ثلاثةُ أشهرٍ. (فإنْ تخلَّلَ الأربعين نقاءٌ، فهو طهرٌ) كالحيضِ. فتغتسلُ، وتفعلُ ما تفعلُ الطَّاهراتُ. (لكنْ يُكره وطؤُها فيه) أي: النَّقَاءِ زَمَنَه بعد الغُسل. قال أحمدُ: ما يعجبني أنْ يأتيهَا زوجُها، على حديثِ عثمانَ بنِ أبي العاصِ: أنَّها أتتْه قبلَ الأربعين، فقال: لا تَقرَبيني. ولأنَّه لا يأمنُ العودَ زمنَ الوطءِ. (ومَنْ وضعتْ ولدَيْن فأكثرَ، فأوَّلُ مدَّةِ النِّفاسِ من) ابتداءِ خروجِ (الأوَّلِ) كما لو انفردَ الحملُ، (فلو كان بينَهما أربعون يومًا) فأكثر (فلا نِفاسَ للثاني) بل هو في دمُ فسادٍ؛ لأنَّه تبعٌ للأوَّلِ، فلم يعتبز في آخرِ النِّفاسِ، كما لا يعتبرُ في أوَّلِهِ. (وفي وطءِ النفساءِ ما في وَطءِ الحائضِ) من الكفارةِ، نصًّا، قياسًا عليه. (ويجوزُ للرجلِ شربُ دواءٍ مباحٍ يمنعُ الجماعَ) ككافورٍ؛ لأنَّه حقٌّ له. قال في "الإقناع " (١): ولا يجوزُ ما يقطعُ الحملَ. وفيه نظرٌ؛ إذْ يلزمُ من قَطعِ الجماعِ قَطعُ الحَملِ.

стр. 216

وللأُنثى شُربُه؛ لحصولِ الحيضِ، ولقَطعِه. (وللأنثى شُرْبُه) أي: المباحِ الحصولِ الحيضِ، ولقَطعِهِ) لا قُربَ رمضانَ؛ لتُفطِرَه. قال في "الإقناع" (١): مع أمن الضررِ.

стр. 217

بابُ الأذانِ والإقامَةِ (بابُ الأذانِ والإقامةِ) الأذانُ لغةً: الإعلامُ. قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الجَجّ: ٢٧] أي: أعلمْهُم به. يقالُ: أذَّنَ بالشيءِ يؤَذِّنُ أذانًا، وتأذينًا، كعليم. إذا أعلمَ (١) به. فهو اسمٌ وُضِعَ موضعَ المصدرِ، وأصلُه من الأُذُنِ، وهو الاستماعُ، كأنَّه يُلقي في آذانِ الناسِ ما يُعلمهم به. وشرعًا: إعلامٌ بدخولِ وقتِ الصَّلاةِ، أو إعلاثم بقربهِ لفجرٍ. والإقامةُ: مصدرُ أقامَ. وحقيقتُه: إقامةُ القاعدِ، فكأنَّ المؤذِّنَ إذا أتى بألفاظِ الإقامةِ، أقام (٢) القاعِدين، وأزالَهم عن قعودِهم. وشرعًا: إعلامٌ بالقيامِ إليها، بذكرٍ مخصوصٍ فيهما (٣). ويُطلقانِ على نفسِ الذكرِ المخصوصِ. وهو، أي: الأذانُ. أفضلُ منها، أي: الإقامةِ. والأذانُ أفضلُ من الإمامةِ، لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "الإمامُ ضامنٌ، والمؤذِّنُ مؤتمنٌ، اللهمَّ أرْشدِ الأئمةَ، واغفرْ للمؤذِّنين ". رواه أحمدُ، وأبو داودُ، والترمذيُّ (٤). والأمانةُ أعلى من الضَّمانِ، والمغفرةُ أعلى من الرشدِ. ويشهدُ لفضلِ

стр. 218

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الأذانِ قولُه ﵇: "المؤذِّنونَ أطولُ الناسِ أعناقا يومَ القيامةِ". رواه مسلمٌ (١). وقولُه: "من أذَّنَ سبعَ سنين محتسبًا، كتبتْ له براءةٌ من النَّارِ". رواه ابنُ ماجه (٢). وهما مشروعانِ بالكتابِ والسنةِ، أما الكتابُ فقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا﴾ [المَائدة: ٥٨]، ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجُمُعَة: ٩]. وأما السنةُ فهي شهيرةُ بذلك، ومنها: حديثُ عبدِ اللهِ ابنِ زيدِ بنِ عبدِ ربِّه، قالَ: لما أمرَ رسولُ اللهِ ﷺ بالنَّاقوسِ يُحملُ ليضربَ به للناسِ لجمعِ الصَّلاةِ، طافَ بي وأنا نائمٌ رجلٌ يحملُ ناقوسًا في يدِه، فقلتُ: يا عبدَ اللهِ، تبيعُ الناقوسَ؟ فقال: وما تصْنعُ به؟ قلتُ: أدعو به إلى الصَّلاةِ. قال: أفلا أدُلُّكَ على ما هو خيرٌ من ذلك؟ فقلتُ: بلى. قال: تقولُ: اللهُ أكبرُ. اللهُ أكبرُ. اللهُ أكبرُ. اللَّه أكبر، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ. أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ. أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ. أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ. حيَّ على الصَّلاةِ. حيَّ على الصَّلاةِ. حيَّ على الفلاحِ. حيَّ على الفلاحِ. اللهُ أكبرُ. اللهُ أكبرُ. لا إلهَ إلا اللهُ. ثمَّ استأخرَ عني غيرَ بعيدٍ، ثمَّ قالَ: تقولُ إذا قمتَ إلى الصَّلاةِ: اللهُ أكبرُ. اللهُ أكبرُ. أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ. أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ. حيَّ على الصَّلاةِ. حيَّ على الفلاحِ. قدْ قامتِ الصَّلاةُ. قدْ قامتِ الصَّلاةُ. اللهُ أكبرُ. اللهُ أكبرُ. لا إلهَ إلا اللهُ. فلمَّا أصبحتُ أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فأخبرتُه بما رأيتُ. فقال: "إنَّها لرؤيا حقٌ إنْ شاءَ اللهُ، فقمْ مع بلالِ فألْقِه عليه، فليؤذِّنْ، فإنَّه أندى صوتًا منْكَ. فقمتُ مع بلالٍ، فجعلتُ أُلقيه عليه ويؤذِّنُ

стр. 219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . به. قال: فسمعَ ذلك (١) عمرُ بنُ الخطابِ رضي اللَّه تعالى عنه، وهو في بيتِه، فخرجَ يجرُّ رداءَهُ يقولُ: والذي بعثَكَ بالحقِّ يا رسولَ اللهِ، لقدْ رأيتُ مثلَ الذي رأى. فقالَ رسولُ اللَّه ﷺ : "فللَّه الحمدُ". رواه أحمدُ وأبو داود، واللفظُ له، وابنُ ماجه (٢). وأخرجَ الترمذيُّ بعضَه، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفي "الصحيحين" (٣) عن أنسٍ قال: لما كثرَ الناسُ، ذكروا أنْ يُعلِموا وقت الصَّلاةِ بشيءٍ يعرفونَهُ، فذكروا أنْ يوقِدوا نارًا، أو يضربوا ناقوسًا، فأُمِرَ بلالٌ أنْ يشفعَ الأذانَ، ويوترَ الإقامةَ. "فائدةٌ": يُسنُّ أذانٌ في يمنى أذني مولودٍ، ذكرٍ أو أنثى، حينَ يولَدُ، وإقامةٌ في أذنِهِ اليسرى، لخبرِ ابنِ السُّنِّي (٤) مرفوعًا: " مَنْ وُلِدَ له مولودٌ، فأذَّنَ في أذنِه اليمنى، وأقامَ في أذنِه اليسرى، لم تضرَّه أم الصبيانِ ". أي: التابعةُ من الجنِّ. وروى الترمذيُّ (٥): أنَّه ﷺ أذَّنَ في أُذنِ الحسنِ حينَ ولدتْه فاطمةُ. وقال: حسنٌ صحيحٌ. وليكون إعلامُه بالتوحيدِ أوَّلَ ما يقرعُ سمَعه عند قدومِه إلى الدنيا، كما يلقَّنُ عند خروجِه منها، ولأنَّه يطردُ الشيطانَ عنه؛ لأنَّه يُدْبِرُ عند سماعِ الأذانِ. وفي "مسند"

стр. 220

وهما فرضُ كفايةٍ ابنِ رزين: أنَّه ﵇ قرأَ في أذنِ مولودٍ سورةَ الإخلاصِ. قال في "شرح المنتهى" للمصنِّفِ (١): والمرادُ: أُذُنُه اليُمنى. "فرعٌ": قال في "الإنصاف" (٢): يكفي مؤذِّنٌ واحدٌ في المصرِ، نصَّ عليه. وقال جماعةٌ من الأصحابِ: يكفي مؤذِّنٌ واحدٌ، بحيثُ يُسمِعُهم. قال المجدُ وابنُ تميمٍ وغيرُهما: بحيث يحصلُ لأهلِه العلمُ. وقال في "المستوعب ": متى أذَّنَ واحدٌ، سقطَ عمَّن صلَّى معَه، لا عمَّنْ لم يُصَلِّ معه، وإنْ سمِعَه. سواءٌ كان واحدًا أو جماعةً، في المسجدِ الذي صُلِّي فيه بأذانٍ أو غيرِه. وقيلَ: يستحبُّ أنْ يؤذِّنَ اثنان. وجزمَ به في "الحاويين ". قال في "الفروع": ويتوجَّه في الفجرِ فقطْ، كبلالٍ وابنِ أمِّ مكتومٍ، ولا تستحبُّ الزيادةُ عليهما على الصحيحِ. جزمَ به في "المغني" والشارح وغيرهما، وقدَّمَه في "الفروع" وابنُ تميمٍ. وقال القاضي: لا تُستحبُّ الزيادةُ على أربعةٍ، لفعلِ عثمانَ إلا من حاجةٍ. وتابعَهُ في " المستوعب " و" الرعايتين ". والأَوْلى أنْ يؤذِّنَ واحدٌ بعد واحدٍ، ويقيمَ مَنْ أذَّنَ أوَّلًا. وإنْ لمْ يحصلْ الإعلامُ بواحدٍ، يزيدُ بقدرِ الحاجةِ، كلّ واحدٍ من جانبٍ، أو دفعةً واحدةً بمكانٍ واحدٍ، ويقيمُ أحدُهم. ولا يجوزُ أخذُ الأجرةِ عليهما. وقيلَ: يجوزُ إن كان فقيرًا، وكذا كلّ قُربةٍ.

стр. 221

في الحَضَر على الرِّجال الأحرارِ، وئسنَّان للمُنفَرِدِ، وفي السَّفَرِ (وهما) أي: الأذانُ والإقامةُ (فرضُ كفايةٍ) لحديثِ: "إذا حضرتِ الصَّلاةُ، فليؤذنْ لكمْ أحدُكم، وليؤمَّكمْ أكبُرُكم ". متفقٌ عليه (١). والأمرُ يقتضي الوجوبَ. ولأنَّهما من شعائرِ الإسلامِ الظاهرةِ، كالجهادِ. ولا يُشرعانِ لكلِّ مَنْ في المسجدِ، بلْ يكفيهم المتابعةُ، وتحصلُ لهم الفضيلةُ، كقراءةِ الإمامِ قراءةٌ للمأمومِ. وهو من مفرداتِ المذهبِ. (في الحضرِ) أي: في القرى والأمصارِ (على الرِّجالِ) اثنين فأكثرَ، لا الواحد، ولا النساء والخنَاثَى (الأحرارِ) لا الأرقَّاء والمبعَّضِين، إذ فرضُ الكفاية (٢) لا يلزمُ رقيقًا في الجملةِ، وإلَّا فالظاهرُ: وجوبُ نحوِ ردِّ سلامٍ، وتغسيلِ ميتٍ، وصلاةٍ عليه، على رقيقٍ لم يوجدْ غيرُه. وقدْ صرَّحوا بتعيينِ أخذِ اللقيطِ عليه، إذا لمْ يوجدْ غيرُه. (ويُسنَّانِ للمنفردِ) أي: الأذانُ والإقامةُ، لحديثِ عقبةَ بنِ عامرٍ مرفوعًا: "يعجبُ ربّكَ من راعي غنمٍ في رأسِ الشظيِّةِ للجبلِ، يُؤذِّنُ بالصَّلاةِ، ويصلِّي، فيقولُ اللهُ : انظروا إلى عبدي هذا، يؤذنُ ويقيمُ الصَّلاةَ، يخافُ منِّي، قدْ غفرتُ لعبدي، وأدخلتُه الجنةَ". رواه النسائيُّ (٣). (و) يُسنَّانِ أيضًا (في السفرِ) لقولِهِ ﵇ لمالكِ بنِ الحويرثِ، ولابنِ عمٍّ له: "إذا سافرتُما، فأذِّنا وأقيما، وليؤمَّكما أكبرُكما ". متفقٌ عليه (٤).

стр. 222

ويُكرَهانِ للنِّساءِ، ولو بلا رفعِ صَوتٍ. ولا يَصِحَّانِ إلا مُرتَّبينِ، متواليَينِ عُرفا، وأن يكونَا من واحدٍ قال في "الإقناع" (١): فإنْ اقتصرَ المسافرُ أو المنفردُ على الإقامةِ، أو صلَّى بدونِها في مسجدٍ صُلِّي فيه، لم يُكرَه. وقال أيضًا: وتصحّ الصَّلاةُ بدونِهما مع الكراهةِ. وذكرَ جماعةٌ: إلا بمسجدٍ (٢) قدْ صُلِّيَ فيه. (ويُكرهانِ للنساءِ) أي: يُكرَهُ الأذانُ والإقامةُ للنساءِ والخناثَى. ولا يصحَّانِ منهما، كما سيأتي من اشتراطِ الذُّكوريةِ. (ولو بلا رفعِ صوتٍ) لأنهما وظيفةُ الرِّجالِ، ففيه نوعُ تشبُّهٍ بهم. (ولا يصحَّانِ) أي: الأذانُ والإقامةُ. (إلا مرتَّبين) لأنَّه ذكرٌ معتدٌّ به، فلا يجوزُ الإخلالُ به، كأركانِ الصَّلاةِ (متواليَيْن عُرْفًا) لأنَّه لا (٣) يحصلُ المقصودُ منه، وهو الإعلامُ بدخولِ الوقتِ، بغيرِ موالاةٍ، وشُرعَ في الأصلِ كذلك؛ بدليلِ أنَّه ﵇ علَّمَ أبا محذورةَ الأذانَ مرتَّبًا متواليًا (٤). (وأن يكونا) أي: الأذانُ والإقامةُ (من) رجلٍ (واحدٍ) أي: يُسنّ أن يتولَّى الإقامةَ مَنْ يتولَّى الأذانَ، لما في حديثِ ابنِ الحارثِ الصُدائيِّ حين أذَّنَ قال: فأرادَ بلالٌ أنْ يقيمَ. فقال النبيُّ ﷺ : "يقيمُ أخو الصُّداءِ، فإنَّه مَنْ أذَّنَ فإنَّه يقيمُ". رواه أحمدُ، وأبو داودَ (٥)

стр. 223

بنيةٍ منه. وشُرِطَ: كونُه مُسلِمًا، ذَكَرًا، عاقِلًا، مُميِّزًا، ناطِقًا، عَدْلًا، ولو ظاهرًا. ولا يصِحَّانِ قبلَ الوقتِ، إلَّا أذانَ الفجرِ، فيصِحُّ بعدَ نِصفِ اللِّيلِ. ورَفعُ الصَّوتِ رُكنٌ، ما لم يؤذِّن لحاضرٍ. (بنيةٍ منه) لحديثِ: "إنَّما الأعمالُ بالنياتِ" (١). (وشُرِطُ: كونُه مسلمًا) فلا يُعتدُّ بأذانِ كافرٍ، لعدمِ النيةِ منه. (ذكرًا) فلا يعتدُّ بأذانِ امرأةٍ وخنثى. قال جماعةٌ: ولا يصحُّ؛ لأنَّه منهيٌّ عنه. (عاقلًا) فلا يصحُّ من مجنونٍ، كسائرِ العباداتِ (مميِّزًا) فلا يصحّ أذانُ مَنْ دون ذلك. (ناطقًا.) فلا يصحُّ من أخرس (عدلًا) ولو مستورًا، فلا يُعتدُّ بأذانِ ظاهرِ الفسقِ؛ لأنَّه ﵇ وصفَ المؤذِّنين بالأمانةِ. والفاسقُ غيرُ أمينٍ. (ولو ظاهرًا) أي: مستورَ الحالِ. (ولا يصحَّان) أي: الأذانُ والإقامةُ (قبلَ الوقتِ إلا أذانَ الفجرِ، فيصحُّ بعدَ نصفِ الليلِ) لقولِ النبيِّ ﷺ : "إنَّ بلالًا يؤذِّنُ بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّنَ ابنُ أمِ مكتومٍ ". متفقٌ عليه (٢). ولأنَّ وقتَ الفجرِ يدخلُ على الناسِ وفيهم الجنبُ والنائمُ، فاستحبَّ تقديمُ أذانِه حتى يتهيئوا لها، فيدركوا فضيلةَ أوَّلِ الوقتِ. (ورفعُ الصوتِ) بأذانٍ (ركنٌ) ليحصلَ السماعُ المقصودُ للإعلامِ. (ما لمْ يؤذِّنْ لحاضرٍ)، فبقدرِ ما يسمِعُه، وإنْ شاءَ رفعَ صوتَهُ، وهو أفضلُ، وإنْ خافَتَ بالبعضِ،

стр. 224

وسُنَّ: كَونُه صيِّتًا، أَمينًا، عالمًا بالوَقتِ، متطهِّرًا، قائمًا فيهِمَا. لكن لا يُكرهُ أذانُ المُحدِثِ بَلْ إقامتُهُ. جازَ. ويُستحبُّ رفعُ صوتِهِ قدرَ طاقتِهِ، ما لمْ يؤذِّنْ لنفسِهِ. وتُكره الزيادةُ فوقَ طاقتِهِ. (وسُنَّ كونُه) أي: المؤذِّنِ (صيِّتًا) أي: رفيعَ الصوتِ. ويُسنُّ كونُه حسنَ الصوتِ، بالغًا (أمينًا) لحديثِ: "أمناءُ الناسِ على صلاتِهم وسحورِهم: المؤذِّنون ". رواه البيهقيُّ (١). ظاهرُه: صحة أذانِ غير الأمينِ. وتقدَّمَ اشتراطُ العدالةِ، وأنَّه لا يصحُّ أذانُ الفاسقِ؛ إذ هو غيرُ مؤْتمَنٍ شرعًا، فتأملْ. (عالمًا بالوقتِ) ليؤمنَ خطؤه (٢). ويصحُّ أذانُ الجاهلِ به إذا قلَّدَ عالمًا (متطهرًا) من الحديثين الأصغرِ والأكبرِ، لقولِ رسولِ اللَّه ﷺ : "لا يؤذِّنُ إلا متوضئٌ". رواه الترمذيُّ والبيهقيُّ (٣) مرفوعًا من حديثِ أبي هريرةَ، وموقوفًا عليه (٤). وفي "الرعاية": ويُسنَّ أنْ يؤذِّنَ متطهرًا من نجاسةِ بدنِه وثوبه (قائمًا فيهما) أي: الأذانِ والإقامةِ، لقولِهِ ﵇ لبلالٍ: "قمْ فأذِّنْ " (٥). وكان مؤذِّنوا رسولِ اللهِ ﷺ يؤذِّنون قيامًا. والإقامةُ أحدُ الأذانينِ. (لكنْ لا يُكره أذانُ المُحْدِث، بل إقامتُه) للفصلِ بين الإقامةِ والصَّلاةِ بالوضوءِ. ويُكره أذانُ الجنبِ.

стр. 225

ويُسنُّ: الأذانُ أوَّلَ الوقتِ، والتَّرَسُّلُ فيه، وأن يكونَ على عُلُو، رافعًا وجهَهَ، جاعلًا سبابتيه في أذُنيه، مُستَقْبِلَ القِبلةِ، يلتفتُ يمينًا لي: حَيَّ على الصلاةِ، وشمالًا ل: حَيَّ على الفلاح، ولا يُزيلُ قدمَيه (ويُسنُّ الأذانُ أوَّلَ الوقتِ) ليصلِّيَ المتعجِّلُ. وظاهرُه: أنَّه يجوزُ مطلقًا، ما دامَ الوقتُ. ويتوجَّهُ: سقوطُ مشروعيتِهِ بفعلِ الصَّلاةِ. ذكَرَهُ في "المبدع" (١). (والترسُّلُ فيه) أي: تمهلٌ في الأذانِ، وتأنٍّ فيه. من قولِهم: جاءَ على رِسْلِه. (وأن يكونَ على عُلوٍ) أي: موضعٍ عالٍ، كمنارةٍ؛ لأنَّه أبلغُ في الإعلامِ (رافعًا وجهَهُ) إلى السماءِ في أذانِه كلِّه. وسُنَّ أيضًا كونُه (جاعلًا سبَّابتيه في أذنيه) لقولِ أبي جحيفةَ: إنَّ بلالًا وضعَ أصبعيْهِ في أذنيهِ. رواه أحمدُ والترمذيُّ (٢)، وقال: حسنٌ صحيحٌ. (مستقبلَ القبلةِ) لفعلِ مؤذِّني رسولِ اللَّه ﷺ ، فإن أخلَّ به، كُرِه. (يلتفتُ يمينًا ل: حيِّ على الصَّلاةِ) أي: يلتفت برأسِه وعنقِه وصدرِه. قالَهُ في "المبدع". وفي " التلخيص": ولا يحوِّلُ صدرَهُ عن القبلةِ. وكذا في "المحرر". ولا يلتفتُ في غيرِهما. ومعنى "حيَّ على الصَّلاةِ ": أقبلوا إليها. وقيلَ: أسرعوا. (وشمالًا لـ: حيَّ على الفلاحِ) والفلاحُ: الفوزُ والبقاءُ؛ لأنَّ المصلِّي يدخلُ الجنةَ إنْ شاءَ اللهُ تعالى، ويخلدُ فيها. ومعناه: هلمُّوا إلى سببِ ذلك، وذلك في الأذانِ وفي الإقامةِ (ولا يُزيلُ قدميه) عند قولِهِ: حيَّ على الصَّلاةِ. حيَّ على الفلاحِ. في الأذانِ، بلْ يكونُ أذانه بمحلٍّ واحدٍ، يلتفتُ يمينا وشمالًا؛ لحديثِ أبي جحيفة قال: أتيتُ

стр. 226

ما لمْ يكنْ بمَنَارَةٍ، وأن يقولَ بعدَ حَيعَلَة أذانِ الفجرِ: الصلاةُ خيرٌ من النَّومِ، مرَّتين، ويُسمَّى: التَّثويبَ. النبيَّ ﷺ ، وهو في قُبةٍ حمراءَ من أدمٍ، فخرج وتوضَّأ، وأذَّنَ بلالٌ، فجعلتُ أتتبعُ فاه هاهنا وهاهنا. يقولُ يمينًا وشمالًا: حيَّ على الصَّلاةِ. حيَّ على الفلاحِ. متفقٌ عليه (١). ورواه أبو داودَ (٢)، وفيه: فلمَّا بلغَ: حيَّ على الصَّلاةِ. حيَّ على الفلاحِ. لوى عنقَهُ يمينًا وشمالًا، ولمْ يستدرْ. وقال القاضي والمجدُ وجمعٌ: إلا في منارةٍ ونحوِها. قال في "الإنصاف": وهو الصوابُ؛ لأنَّه أبلغُ في الإعلامِ، وهو المعمولُ به. وإليه أشارَ بقولِهِ: (ما لمْ يكنْ بمنارةٍ) ونحوِها. (وأنْ يقولَ بعد حيعلة أذانِ الفجرِ: الصَّلاةُ خيرٌ من النَّومِ مرتين) وظاهرُهُ: ولو قبلَ طلوعِه، لقولِه ﵇ لأبي محذورةَ: فإذا كان أذانُ الفجرِ، فقلْ: الصَّلاةُ خيرٌ من النَّومِ. مرتين. رواه أحمدُ وأبو داودَ (٣). والحيعلةُ: قولُهُ (٤): حيَّ على الفلاحِ. سواءٌ كان مُغلِسًا، أو مُسفِرًا (ويسمى: التثويبَ) من ثابَ، إذا رجعَ؛ لأنَّ المؤذِّنَ دعا إلى الصَّلاةِ بالحيعلتين. ثمَّ دعا (٥) إليها بالتثويب (٦)، واخْتُصَّ الفجرُ بذلك؛ لأنَّه وقتٌ ينامُ

стр. 227

ويُسنُّ أنْ يتولَّى الأذانَ والإقامةَ واحدٌ، ما لم يَشُقَّ. الناسُ فيه غالبًا. ويُكره التثويبُ في غيرِها، وبين الأذانِ والإقامةِ. (ويُسنُّ أنْ يتولَّى الأذانَ والإقامةَ واحدٌ) أي: أنْ يتولَّى الإقامةَ مَنْ يتولَّى الأذانَ، وفاقًا للشافعيِّ، لما في حديثِ ابنِ الحارثِ الصُدائيِّ حينَ أذَّنَ قال: فأرادَ بلالٌ أنْ يُقيمَ. فقال النبيُّ ﷺ : "يقيمُ أخو صُداء، فإنَّ مَنْ أذَّنَ فهو يقيمُ ". رواه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ (١). ولأنَّهما ذكران يتقدَّمان الصَّلاةَ. فسُنَّ أنْ يتولاهما واحدٌ كالخطبتين. وسُنَّ أيضًا كونُ الأذانِ والإقامةِ، بمحلِّ واحدٍ، بأنْ يقيمَ الصَّلاةَ بالموضعِ الذي يؤذِّنُ فيه. ومحلُّ هذا (ما لم يَشقَّ) ذلك على المؤذِّنِ، كمَنْ أذَّنَ في منارةٍ، أو مكانٍ بعيدٍ عن المسجدِ، فيقيمُ فيه، لئلا تفوتَه الصَّلاةُ، إنْ أقامَ عند إرادةِ الدخولِ فيها. ويجوزُ الكلامُ بعد الإقامةِ قبلَ الدخولِ فيها. "فائدةٌ": وقتُ الأذانِ إلى المؤذِّنِ، ووقتُ الإقامةِ إلى الإمامِ، فلا يقيمُ إلا بإذْنِه، ولا يؤذِّنُ غيز الراتبِ قبله، ما لمْ يخَفْ فوتَ وقتِهِ. فإنْ أذَّنَ وحضَرَ، أعادَ. نصَّ عليه. قال في " الإنصاف ": استحبابًا. ويحرُمُ أنْ يؤذِّنَ غيرُ المؤذِّنِ الراتبِ إلا بإذنِهِ، إلا أنْ يخافَ فوتَ وقتِ التأذين، ومتى جاءَ الراتبُ، وقدْ أذَّنَ غيرُه قبلَه، أعادَ الراتبُ الأذانَ، نصَّ عليه. قال في "الإنصاف": استحبابًا. "فروعٌ": فإنْ نكَّسَ الأذانَ، أو فرَّقَ بينه بسكوتٍ طويلٍ، أو كلامٍ كثيرٍ، أو مُحرَّمٍ، لمْ يُعتدَّ به. أو ارتدَّ في أثنائِهِ، لمْ يُعتدَّ به، لخروجِه عن أهليةِ الأذانِ. ويُكره في الأذانِ سكوتٌ يسيرٌ بلا حاجةٍ. وكُرِه كلامٌ مباحٌ يسيرٌ فيه بلا

стр. 228

ومَن جَمَعَ، أو قَضَى فوائتَ، أذَّنَ لِلأولَى، وأقامَ للكُلِّ. حاجةٍ، كإقامتِه، فيُكره فيها سكوتٌ يسيرٌ، وكلامٌ، ولو لحاجةٍ. قال أبو داودَ: قلتُ لأحمدَ: الرجلُ يتكلَّمُ في أذانِه؟ قال: نعئم. قلتُ: يتكلَّمُ في الإقامةِ؟ قال: لا. ولأنَّه يُستحبُّ حَدْرُها. وله ردُّ سلامٍ فيهما. أي: في الأذانِ والإقامةِ، ولا يجبُ الردُّ؛ لأنَّ ابتداءَ السَّلامِ إذن غيرُ مسنونٍ. (ومَنْ جمعَ) بين صلاتين، أذنَ للأولى، وأقامَ لكلِّ منهما، سواءٌ كان الجمعُ تقديمًا أو تأخيرًا، لحديثِ جابرٍ مرفوعًا: جمعَ بين الظهرِ والعصرِ بعرفةَ، وبين المغربِ والعشاءِ بمزدلفةَ، بأذانٍ وإقامتين. رواه مسلمٌ (١). (أو قضى فوائتَ، أذَّنَ للأُولى) من المجموعتين، أو الفوائتَ. (وأقامَ للكلِّ) أي: لكلِّ صلاةٍ بعد الأُولى. ولا فرْقَ في ذلك بين كونِ الجمعِ في وقتِ الأُولى، أو في وقتِ الثانيةِ، وذلك ممَّا روى جابرٌ أنَّ النبيَّ ﷺ جمعَ بين الظهرِ والعصرِ بعرفةَ، وبين المغربِ والعشاءِ بمزدلفةَ، بأذانٍ وإقامتين. رواه مسلمٌ. ولما روى أبو عبيدةَ، عن أبيه عبدِ الله (٢) بنِ مسعودٍ: أنَّ المشركين يومَ الخندقِ شَغَلوا رسولَ اللَّه ﷺ عن أربعِ صلواتٍ، حتى ذهبَ من الليلِ ما شاءَ اللهُ، فأمرَ بلالًا، فأذَّنَ، ثمَّ أقامَ فصلَّى الظهرَ، ثمَّ أقامَ فصلَّى العصرَ، ثمَّ أقامَ فصلَّى المغربَ، ثمَّ أقامَ فصلَّى العشاءَ. رواه النسائيُّ والترمذيُّ (٣). ولفظُهُ لُهُ. وقال: ليس بإسنادِه بأسٌ، إلا أنَّ أبا عبيدةَ لمْ

стр. 229

وسُنَّ لِمن سَمِعَ المؤذِّنَ، أو المقيمَ أن يقولَ مثلَه، إلَّا في الحَيعَلَةِ فيقولُ: يسمعْ من أبيه. ولأنَّ ما بعدَ الأُولى من المجموعتين أو الفوائتِ صلاةٌ أُذِّنَ لما تليها، فلمْ يُشرعْ لها أذانٌ، كما لو صلَّى فائتةً عقِبَ مؤدَّاةٍ. وعنه: يقيمُ لكلِّ صلاةٍ من غيرِ أذانٍ. وعنه: يكفي إقامةٌ واحدةٌ للكلِّ. (وسُنَّ لمَنْ سمِعَ المؤذِّنَ أو المقيمَ أن يقولَ مثلَهُ) أي: متابعةَ قولِهِ سرًّا، لحديثِ عمرَ مرفوعًا: "إذا قالَ المؤذِّنُ: اللهُ أكبرُ. فقالَ أحدُكم: اللهُ أكبرُ. ثمَّ قالَ: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ. فقال: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ. ثمَّ قالَ: أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ. فقال: أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ. ثمَّ قالَ: حيَّ على الصَّلاةِ. فقال: لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ. ثمَّ قال: حيَّ على الفلاحِ. فقال: لا حول ولا قوةَ إلا باللَّهِ (١). ثمَّ قالَ: اللهُ أكبرُ. اللهُ أكبرُ. فقال: اللهُ أكبرُ. اللهُ أكبرُ. ثمَّ قال: لا إلهَ إلا اللَّه. قال: لا إله إلا اللهُ. مخلصًا من قلبِه، دخلَ الجنَّةَ". رواه مسلمٌ. وسُنَّ أيضًا لمؤذنٍ متابعةُ قولِهِ سرًّا بمثلِه للجمعِ بين أجرِ الأذانِ والمتابعةِ. وسُنَّ أيضًا لمقيمٍ متابعةُ قولِهِ سرًّا، ليجمعَ بين أجرهما. وسُنَّ أيضًا لسامِعِه. أي: المقيمِ ولا تُسنَّ الإجابةُ لمصلِّ، لاشتغالِه بها، فإنْ أجابَ بطلتْ بلفظِ الحيعلةِ، وصدقتَ وبرِزتَ في التثويب؛ لأنَّه خطابُ أدميِّ. ولا لمتخلِّ؛ لاشتغالِه بقضاءِ حاجتِهِ. ويقضيان، أي: المصلِّي والمتخلِّي ما فاتَهما إذا فرغا، وخرجَ المتخلِّي من الخلاءِ، لزوالِ المانعِ. ويقولُ في الأذانِ مثلَه (إلَّا في الحيعلةِ، فيقولُ) أي: السامعُ:

стр. 230

لا حولَ ولا قَّوةَ إلا باللَّه. وفي التَّثوِيبِ: صدقتَ وبررتَ. وفي لفظ الإقامةِ: أقامَها اللَّهُ وأدامها. ثمَّ يصلِّي على النبي ﷺ إذا فرَغَ، ويقولُ: (لا حولَ ولا قوة إلا باللهِ). فيها خمسةُ أوجهٍ: أحدُها: لا حولَ ولا قوةَ. بفتحهما بلا تنوينٍ. الثاني: رفعُهما منوَّنَين. الثالثةُ: فتحُ الأوَّل، ونصبُ الثاني منوَّنًا. الرابعُ: فتحُ الأوَّلِ، ورفعُ الثاني منوَّنًا. الخامسُ: عكسُه. ووجهُ المناسبةِ لقولِ ذلك هنا: أنَّ قولَهُ: حيَّ على الصَّلاةِ، وحيَّ على الفلاحِ. طلبُ الطاعةِ، والبعدُ عن المعصيةِ، فإذا قالَ ذلك، فقد أظهرَ العجزَ عن الإتيانِ بالطاعةِ والبعدِ عن المعصيةِ، إلا بحولِ اللهِ وقوتِهِ. (وفي التثويبِ) وهو قولُ: الصَّلاةُ خيرٌ من النَّومِ. في أذانِ الفجرِ، فيقولُ: (صدقتَ وبُرِرت) بضم الباء، وكسر الراء الأولى. ويجوزُ فتحُها، حكَاهُ ابنُ سيدَه في "المحكم". (وفي لفظِ الإقامةِ) وهو قولُ المقيمِ: قد قامت الصَّلاةُ. فيقولُ هو وسامعُه: (أقامَها اللهُ وأدامها) لما روى أبو داودَ (١) عن بعضِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ أنَّ بلالًا، أخذَ في الإقامةِ، فلمَّا أنْ قالَ: قدْ قامت الصَّلاةُ: قال النبيُّ ﷺ : "أقامها اللَّه وأدامَها". (ثمَّ يصلِّي على النبيِّ ﷺ إذا فرغَ) من الأذانِ وإجابتِه (ويقولُ) كلٌّ مِن المؤذِّنِ

стр. 231

اللَّهم رَبَّ هذِهِ الدَّعوةِ التامَّةِ، والصَّلاةِ القائمَةِ، آتِ محمَّدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثهُ مقامًا محمودًا والسامعِ: (اللهمَّ) أصلُّه يا اللهُ، والميمُ بدلٌ من "يا". قالَهُ الخليلُ وسيبويه. وقال الفرَّاء: أصلُه: يا اللهُ، آمِنَّا بخير، فحذِفَ حرفُ النداءِ. ولا يجوزُ الجمعُ بينهما إلا في الضرورةِ. (ربَّ هذه الدَّعوةِ) بفتح الدَّال. أي: دعوةِ الأذانِ (التامَّةِ) لكمالِها، وعِظَمِ موقعِها وسلامتِها من نقصٍ يتطرَّقُ إليها؛ ولأنَّها ذكْرُ اللهِ يُدْعى بها إلى طاعتِهِ. (والصَّلاةِ القائمةِ) أي: التي ستقومُ وتُفعلُ (آتِ محمَّدًا الوسيلةَ) منزلةٌ عند الملكِ، وهي منزلةٌ في الجنَّةِ (والفضيلةَ، وابعثْه مقامًا محمودًا) هو الشفاعةُ العظمى في موقفِ القيامةِ؛ لأنَّه (١) يحمدُه فيه الأوَّلونَ والآخرونَ. والحكمةُ في سؤالِ ذلك، مع كونِه واجبَ الوقوعِ بوعدِ اللهِ تعالى: إظهارُ كرامتِهِ، وعِظَمِ منزلتِه ﷺ . قال ابنُ القيمِ (٢): الذي وقعَ في "صحيح البخاري" وأكثرِ الكتبِ بالتنكيرِ، وهو الصحيحُ؛ لأمورٍ: أحدُها: اتفاقُ الرواةِ عليه. الثاني: موافقةُ القرآنِ. الثالثُ: أنَّ لفظَ التنكيرِ قدْ يقصدُ بالتعظيمِ. الرابعُ: أنَّ وجودَ اللَّامِ تُعيِّنُه وتخصُّه بمقامٍ معيَّنٍ، وحذفُها يقتضي إطلاقًا

стр. 232

الذي وعدتهَ. ثمَّ يدعو هُنا، وعندَ الإقامَةِ. وتعدادًا، ومقاماتُه المحمودةُ في الموقفِ متعدِّدةٌ، فكانَ في التنكيرِ ما ليسَ في التعريفِ. الخامسُ: أنَّه ﵇ كان يحافظُ على ألفاظِ القرآنِ تعريفًا وتنكيرًا، وتقديمًا وتأخيرًا، كما يحافظُ على معانيه. وقولُه: (الذي وعدته) هو عطفُ بيانٍ على "مقامًا" ويجوزُ كونُه بدلًا، أو منصوبًا بفعلٍ محذوفٍ، تقديرُه: هو الذي وعدته. والأصلُ في ذلك حديثُ ابنِ عمروٍ مرفوعًا: "إذا سمعتُمْ المؤذِّنَ فقولوا مثلَ ما يقولُ المؤذِّنُ، ثمَّ صلُّوا عليَّ، فإنَّه مَنْ صلَّى عليَّ صلاةً صلى اللهُ عليه بها عشرًا، ثمَّ سلُوا اللهَ ليَ الوسيلةَ، فإنَّها منزلةٌ في الجنَّةِ، لا ينبغي أنْ تكونَ إلا لعبدٍ من عبادِ اللهِ، وأرجو أنْ أكونَ أنا هو، فمَنْ سألَ اللهَ ليَ الوسيلةَ، حلَّتْ عليه الشفاعة". رواه مسلمٌ (١). ولحديثِ البخاريِّ (٢) وغيرِه عن جابرٍ مرفوعًا: "مَنْ قال حين يسمعُ النداءَ: اللهمَّ ربَّ هذه الدعوةِ التامَّةِ، والصَّلاةِ القائمةِ، آتِ محمَّدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثْه مقامًا محمودًا الذي وعدته. حلَّتْ له شفاعتي يومَ القيامةِ". (ثمَّ يدعو هنا) أي: بعدَ الأذانِ، لحديثِ أنسٍ مرفوعًا: "الدعاءُ لا يردُّ بين الأذانِ والإقامةِ ". رواه أحمدُ وغيرُه (٣)، وحسَّنَه الترمذيُّ. (وعندَ الإقامةِ) فعلَهُ أحمدُ، ورفعَ يديه. ويقولُ عندَ أذانِ المغربِ: اللهمَّ هذا إقبالُ ليلِكَ، وإدبارُ نهارِك، وأصواتُ دعاتك، فاغفرْ لي.

стр. 233

ويحرُمُ بعدَ الأذان الخُروجُ من المسجِدِ بلا عُذرٍ، أو نيَّةِ رُجُوعٍ. (ويحرُمُ بعدَ الأذانِ الخروجُ من المسجدِ) أي: يحرُمُ خروجُ مَنْ وجبتْ عليه صلاةٌ أُذِّنَ لها، مع صحتِها منه إذا، لقولِه ﵇: "مَنْ أدركَ الأذانَ في المسجدِ، ثمَّ خرجَ، لم يخرج لحاجةٍ، وهو لا يريدُ الرجعة، فهو منافقٌ ". رواه أبو داودَ (١). ولكنَّ التحريمَ إنما هو إذا كان الأذانُ في الوقتِ. أما لو أُذِّنَ للفجرِ قبلَ وقتِه، فإنَّه يجوزُ. "فائدةٌ": يُستحبُّ أنْ لا يقومَ إذا أخذَ المؤذِّنُ في الأذانِ، بلْ يصبرُ قليلًا؛ لأنَّ في التحرّكِ عند سماعِ النداءِ تشبهًا بالشيطانِ. (بلا عذرٍ، أو نيةِ رجوعٍ) إلى المسجدِ؛ للخبرِ. فإنْ كان لفجرٍ قبلَ وقتِه، أو لعذرٍ، أو نيةِ رجوعٍ قبلَ فوتِ الجماعةِ، لمْ يحُرُمْ. قال العلَّامةُ الشيخُ مرعي في "الغاية": ويتجه: لو خرجَ بعدَه، لكي يصلِّي جماعةً بمسجدٍ آخرَ، لا سيما مع أفضلَ إمامةً. ولا بأسَ بأذانٍ على سطحِ بيتٍ قريبٍ. فإنْ بعُدَ، كُرِهَ؛ لأنَّه يُقصدُ، فيغترُ به مَنْ لا يعرفُ المسجدَ، فيضيعُ. "فرعٌ ": ما يفعلُه المؤذِّنون قبلَ فجرٍ من تسبيحٍ، وتهليلٍ، ونشيدٍ، ورفعِ صوتٍ بدعاءٍ وقراءةٍ، فمن البدعِ المكروهةِ، ولم يقلْ به أحدٌ من العلماءِ، فلا يُعلَّقُ استحقاقُ رزقٍ به، ولا يُفعلُ، ولو بشرطِ واقفٍ. بلْ قال ابنُ الجوزيِّ: كلُّ ذلك من المنكراتِ؛ يمنعُ الناسَ نومَهم، ويخلطُ على المتهجدين قراءتَهم.

стр. 234

بابُ شُروطِ الصَّلاةِ وهِيَ تِسعَةٌ: الإسلامُ، والعَقلُ، والتميِيِزُ، وكذا الطهارةُ معَ القدرَة. (بابُ شروطِ الصَّلاةِ) الشروطُ: جمعُ شرطٍ، كفُلُوسٍ وفَلسٍ. والشَّرائطُ: جمعُ شريطةٍ، كفرائضَ وفريضةٍ. والأشراطُ: جمعُ شَرَطٍ، كأقمارٍ وقمرٍ. ومعناه (١) لغةً: العلامةُ. والضرطُ في الاصطلاحِ: ما لا يوجدُ المشروطُ عند عدمِه، ولا يلزمُ أنْ يوجدَ عند وجودِه. وهو عقليٌّ: كالحياةِ للعلمِ. ولغويٌّ: إنْ قمتَ فلك درهمٌ. وشرعيٌّ: كالطَّهارةِ للصَّلاةِ (وهي تسعة): أحدُها: (الإسلامُ). (و) الثاني: (العقلُ). (و) الثالثُ: (التمييزُ). (و) الرابعُ: (كذا الطَّهارةُ مع القدرةِ) لحديث: "لا يقبلُ اللهُ صلاةً بغيرِ طُهورٍ". رواه مسلمٌ (٢).

стр. 235

الخامسُ: دخُول الوقتِ. فوقتُ الظُّهرِ: (الخامسُ: دخولُ الوقتِ) لصلاةٍ مؤقتةٍ. وهذا المقصودُ هنا. وعبَّرَ عنه بعضُهم بالمواقيتِ. قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسرَاء:٧٨]. قال ابنُ عباسٍ: دلُوكُها: إذا فاءَ الفيءُ (١). وقال عمرُ: الصَّلاةُ لها وقتٌ، شرطَهُ اللهُ تعالى لها، لا تصحُّ إلَّا به (٢). وهو حديثُ جبريلَ حين أمَّ النبيَّ ﷺ بالصلواتِ الخمسِ، ثمَّ قال: "يا محمدُ، هذا وقتُ الأنبياءِ من قبلِكَ" (٣). والوقتُ أيضًا سببُ وجوبِ الصَّلاةِ؛ لأنَّها تضافُ إليه. يعني: إلى الوقتِ فيقالُ: صلاةُ الظهرِ، صلاةُ العصرِ، صلاةُ المغربِ، صلاةُ العشاءِ، صلاةُ الفجرِ. وهي -يعني: الإضافةَ- تدلُّ على السببيةِ، وتتكررُ بتكرُّرِه، وشرطٌ للوجوبِ كالأداءِ، بخلافِ غيرِه من الشروطِ، شرطٌ للأداءِ فقط. (فوقتُ الظهرِ) وهي الأولى؛ لبُداءةِ جبريلَ بها لما صلَّى بالنبيِّ ﷺ . وفيه إشارةٌ إلى أنَّ هذا الدِّينَ ظهرَ أمرُه، وسطعَ نورُه. وختمَ بالفجرِ؛ لأنَّه وقتُ ظهورٍ فيه ضعفٌ.

стр. 236

مِنَ الزَّوالِ وهو لغةً: الوقتُ بعد الزوالِ. وشرعًا: صلاةُ هذا الوقتِ. مشتقٌّ من الظهورِ؛ لأنَّ فعلَها يكونُ ظاهرًا وسطَ النهارِ. وتُسمَّى أيضًا: الهجيرَ؛ لفعلِها وقتَ الهاجرةِ. وهو: (من الزوالِ) وهو ميلُها عن وسطِ السماءِ. أجمعَ العلماءُ على أنَّ أوَّلَ وقتِ الظهرِ، إذا زالتِ الشمسُ. وهو ابتداءُ طولِ الظلِّ، بعدَ تناهي قصرِه؛ لأنَّ الظلَّ يكونُ طويلًا عند ابتداءِ طلوعِ الشمسِ، وكلَّما ارتفعتْ قصُرَ إلى أنْ تنتهي، فإذا أخذتْ في النزولِ مُغرِبةً، طالَ؛ لمحاذاةِ المنتصبِ قرصَها. فهذا أوَّلُ وقتِ الظهرِ. ويَقْصرُ الظلُّ في الصيفِ؛ لارتفاعها إلى الجوِّ، ويطولُ في الشتاءِ. والظلُّ أصلُه: السترُ، ومنه: أنا في ظلِّ فلانٍ. ومنه: ظلُّ الجنَّةِ، وظلُّ شجرِها. وظلُّ الليلِ: سوادُه. وظلُّ الشمسِ: ما سترَ الشخوصَ من سقطِها. ذكرَهُ ابنُ قتيبةَ. قال: والظلُّ يكونُ غدوةً وعشيةً، من أوَّلِ النهارِ وآخرِه. والفيءُ لا يكونُ إلا بعدَ الزوالِ؛ لأنَّه فاءَ. أي: رجعَ من جانبٍ إلى جانبٍ (١). "فائدةٌ": قال ابنُ رجبٍ في "شرح البخاري" (٢): اختُلفَ في المعنى الذي لأجلِه أُمِرَ بالإبرادِ: فمنهم مَنْ قالَ: هو حصولُ الخشوعِ فيها، فلا فرقَ بين مَنْ يصلِّي وحدَهُ أو في جماعةٍ. ومنهم مَنْ قال: هو خشيةُ المشقَّةِ على مَنْ (٣) بعُدُ من المسجدِ بمشيِه في

стр. 237

إلى أن يصيرَ ظِلُّ كلِّ شيءٍ مِثلَه، سِوَى ظِلِّ الزِّوال. ثم يليه الوقتُ المختارُ للعصرِ الحرِّ، فيختصُ بالصَّلاةِ في مساجدِ الجماعةِ التي تُقصدُ من الأمكنةِ المتباعدةِ ومنهم مَنْ قال: هو وقتُ تنفُّسِ جهنَّمَ، فلا فرقَ بين مَنْ يصلِّي وحدَهُ، أو في جماعةٍ. انتهى. (إلى أنْ يصيرَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه) أي: يمتدُّ وقتُ الظهرِ إلى أنْ يصير ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه (سوى ظلِّ الزوالِ) أي: بعدَ الظلِّ الذي زالتْ عليه الشمسُ، إنْ كان ثمَّ ظلٌّ زالتْ عليه. فتضبطُ ما زالتْ عليه الشمسُ من الظلِّ، ثمَّ تنظر الزيادةَ عليه، فإذا بلغتْ قدرَ الشخصِ، فقد انتهى وقتُ الظهرِ. (ثمَّ يليه) أي: وقتَ الظهرِ (الوقتُ المختارُ للعصرِ) وهي الصَّلاةُ الوسْطى. قال في " الإنصاف " (١): نصَّ عليه الإمامُ أحمدُ، وقطعَ به الأصحابُ، ولا أعلمُ عنه ولا عنهم خلافًا. وفي "الصحيحين" (٢): "شغلونا عن الصَّلاةِ الوسطى، حتى غابتِ الشمسُ ". ولمسلمٍ: "شغلونا عن الصَّلاةِ الوسطى؛ صلاةِ العصرِ". وعن ابنِ مسعودٍ وسمرةَ قالا: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "الصَّلاةُ الوسطى: صلاةُ العصرِ" (٣). قالَ الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (٤).

стр. 238

حتى يَصيِرَ ظِلُّ كلِّ شيءٍ مثليه، سِوَى ظِلِّ الزَّوالِ، وذكرَ الحافظُ ابنُ حجرٍ في "شرح البخاري" (١) فيها عشرين قولًا، وهي: صلاةُ العصرِ، صلاةُ المغربِ، صلاةُ العشاءِ، صلاةُ الفجرِ، صلاةُ الظهرِ، جميعها، واحدةٌ غيرُ معيَّنةٍ، التوقُّفُ، الجمعةُ، الظهرُ في الأيامِ والجمعةُ في يومِها، الصبحُ أو العشاءُ أو العصرُ (٢)، الصبحُ أو العصرُ على التردُّدِ (٣)، وهو غيرُ الذي قبلَهُ، صلاة الجماعة (٤)، صلاةُ الخوفِ، صلاةُ عيدِ النَّحرِ، صلاةُ عيدِ الفطرِ، الوترُ، صلاةُ الضحى، صلاةُ الليلِ. ويمتدُّ الوقتُ المختارُ للعصرِ (حتى يصير ظلُّ كلِّ شيءٍ مِثْلَيه، سوى ظلِّ الزوالِ) أي: ظلِّ الشاخصِ الذي زالتِ الشمسُ عليه، إنْ كان؛ لأنَّ جبريلَ صلَّاها بالنبيِّ ﷺ في اليومِ الثاني حين صارَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مِثْليه (٥)، سوى ظلِّ الزوالِ. وبعدَ ذلك وقتُ ضرورةٍ إلى غروبِها، فتقعُ الصَّلاةُ فيه أداءً، ويأثمُ فاعلُها بالتأخير إليه بغير عذرٍ. وتعجيلُها أفضلُ بكلِّ حالِّ، في الحرِّ والغيمِ وغيرِهما. وعنه: إلى اصفرارِ الشمسِ (٦). اختارَهُ الموفقُ، والمجدُ، وجمعٌ. قال في "الفروع ": وهي أظهرُ. وصحَّحها في "الشرح "، وابن تميم، وجزمَ بها في

стр. 239

ثمَّ هو وقتُ ضَرورةٍ إلى الغُروبِ. ثم يليه وقتُ المَغرِبِ، "الوجيز"، لما روى ابنُ عمروٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "وقتُ العصرِ ما لم تصفرَّ الشمسُ ". رواه مسلمٌ (١). قال ابنُ عبدِ البرِّ: أجمعَ العلماءُ على (٢) أنَّ مَنْ صلَّى والشمسُ بيضاءُ نقيةٌ، فقدْ صلَّاها في وقتِها. وفي هذا دليلٌ على أنَّ مراعاةَ المثلين عندَهم استحبابٌ، ولعلَّهما متقاربانِ (٣). (ثمَّ هو) أي: الوقتُ بعدَ أنْ يصيرَ ظلُّ كلَّ شيء مثلَيه، سوى ظلِّ الزَّوالِ (وقتُ ضرورةٍ إلى الغروبِ) مصدر غربتِ الشمسُ، بفتحِ الرَّاءِ وضمِّها، فتكونُ الصَّلاةُ فيه أداءً؛ لحديثٍ: "مَنْ أدركَ من العصرِ ركعةً قبلَ أنْ تغرُبَ الشمسُ، فقدْ أدرَكَها ". متفقٌ عليه (٤). ولا فرقَ بين المعذورِ وغيرِه، إلا في الإثمِ وعدمِه، فيحرُمُ التأخيرُ إليه بلا عذرٍ. وحقيقةُ الغروبِ: هو سقوطُ قُرْصِ الشمسِ. قالَ في "المبدع" (٥): ويُعرفُ الغروبُ في العمرانِ بزوالِ الشعاعِ من رؤوسِ الجبالِ، وإقبالِ الظلامِ من المشرقِ. (ثمَّ يليه) أي: وقتَ الضرورةِ للعصرِ: (وقتُ (٦) المغربِ) لما في الحديث:

стр. 240

حتَّى يغيبَ الشَّفَقُ الأحمَرُ. "ثمَّ أتاني جبريلُ حينَ سقطَ القرصُ" فقالَ: قثم فصلِّه. رواه الدارقطنيُّ (١). وهي لغةً: تطلقُ على وقتِ الغروبِ، وعلى مكانِه، فسُمِّيتْ صلاةُ المغربِ بذلك، لفعلِها في هذا الوقتِ. وهي وترُ النَّهارِ، لاتصالِها به، فكأنَّها فُعِلتْ فيه. وليس المرادُ الوترَ المشهورَ، بلْ إنَّها ثلاثُ ركعاتٍ. ولا يُكره تسميتُها بالعشاءِ. قال في "الإنصاف": على الصحيحِ من المذهبِ. وتسميتُها بالمغربِ أَوْلى. ولها وقتانِ. قال في "الإنصاف": على الصحيحِ من المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وقتُ اختيارٍ، وهو إلى ظهورِ النجومِ. قال في " النصيحة " للآجري: من أخَّرَ حتى يبدوَ النجمُ، أخطأ. وما بعدَه، أي: بعد ظهورِ النجمِ وقتُ كراهةٍ. وتعجيلُها أفضلُ، قال في " المبدع ": إجماعًا (٢). ويمتدُّ وقتُها (حتى يغيبَ الشفقُ الأحمرُ) أي: في الحضرِ والسفرِ. وخرجَ بالأحمرِ؛ الأصفرُ والأبيضُ، إذ الشمسُ أوَّلُ ما تغربُ يعقبُها شعاعٌ، فإذا بعُدَتْ عن الأفقِ قليلًا، زالَ الشعاعُ وبقيتْ حمرةٌ. ثمَّ ترقُّ الحمرةُ وتنقلبُ صفرةً، ثمَّ بياضًا على حسبِ البعدِ، لحديثِ ابنِ عمرو (٣) مرفوعًا: "وقتُ المغربِ ما لمْ يغبِ الشفقُ ". رواه مسلمٌ.

стр. 241

ثمَّ يليه الوقتُ المختارُ للعشاءِ إلى ثُلُثِ اللِّيل، (ثمَّ يليه) أي: وقتَ المغربِ: (الوقتُ المختارُ للعشاءِ) وهو أوَّلُ الظلامِ. وعرفًا: صلاةُ هذا الوقتِ. ويقالُ لها: عشاءُ الآخرةِ. ويمتدُّ وقتُها المختارُ (إلى ثلثِ الليلِ) لأنَّ جبريلَ صلَّاها بالنبيِّ ﷺ في اليومِ الأوَّلِ حين غاب الشفقُ، وفي اليومِ الثاني حينَ كانَ ثلثُ الليلِ الأوَّلُ، ثمَّ قالَ: "الوقتُ فيما بينَ هذينِ ". رواه مسلمٌ (١). وعن عائشةَ قالتْ: كانوا يصلُّونَ العتمةَ فيما بينَ أنْ يغيبَ الشفقُ إلى ثلثِ الليلِ. رواه البخاريُّ (٢). وصلاتُها آخرَ الثلثِ الأوَّلِ من الليلِ أفضلُ؛ لقولِه ﵇: "لولا أنْ أشُقَّ على أمتي لأمرتُهم أنْ يؤخِروا العشاءَ إلى ثلثِ الليلِ، أو نصفِه" رواه الترمذيُّ (٣) وصحَّحَهُ. ويُكره النَّومُ قبلَ صلاةِ العشاءِ، ولو كان له مَنْ يُوقِظُه، ويُكره الحديثُ بعدَها إلا يسيرًا مع أهلٍ أو ضيفٍ، فلا يُكره. ولا يُكره (٤) تسميتُها بالعتمةِ، لقولِ عائشةَ: كانوا يصلُّون العتمةَ فيما بين أنْ يغيبَ الشفقُ إلى ثلثِ الليلِ. رواه البخاريُّ (٥). والعتمةُ: شدَّةُ الظلمةِ، في اللغةِ. والأفضلُ أنْ تُسمَّى العشاءَ. قالَهُ في "المبدع ".

стр. 242

ثم هو وقت ضرُورةٍ إلى طلوع الفَجر. ثمَّ يليه وقتُ الفَجرِ إلى شرُوقِ الشَّمس. (ثمَّ هو) أي: الوقتُ بعدَ ثلثِ الليلِ (وقتُ ضرورةٍ إلى طلوعِ الفجرِ) الثاني؛ لحديثِ: "ليس في النَّومِ تفريطٌ، إنَّما التفريطُ في اليقظةِ، أنْ يؤخَّرَ الصَّلاةُ إلى أنْ يدخلَ وقتُ صلاةٍ أخرى". رواه مسلمٌ (١). والفجرُ: البياضُ المعترضُ بالمشرقِ، ولا ظلمةَ بعدَهُ. ويقالُ له: الفجرُ الصادقُ. والفجرُ الأوَّلُ يقالُ له: الفجرُ الكاذبُ، وهو مستطيل بلا اعتراضٍ، أزرقُ له شعاعٌ، ثمَّ يظلمُ. ولدقَّتِه يُسمَّى: ذنبَ السِّرْحانِ، وهو الذئبُ. (ثمَّ يليه) أي: وقتَ الضرورةِ للعشاءِ: (وقتُ الفجرِ) إجماعًا. ويمتدُّ (إلى شروقِ الشمسِ) لحديثِ ابنِ عمروِ مرفوعًا: "وقتُ الفجرِ ما لمْ تطلعِ الشمسُ". رواه مسلمٌ (٢). وتعجيلُها أفضلُ مطلقًا، أي: صيفًا وشتاءً. وأما حديثُ: "أسْفِرُوا بالفجرِ، فإنَّه أعظمُ للأجرِ". رواه أحمدُ وغيرُه (٣). وحَكى الترمذيُّ عن الشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ أنَّ معنى الإسفارِ: أنْ يُضيءَ الفجرُ، فلا يُشكُّ فيه. وسُنَّ جلوسُه بمصلَّاه بعد عصرٍ إلى الغروبِ، وبعدَ فجرٍ إلى الشروقِ، بخلافِ بقيَّةِ الصَّلواتِ.

стр. 243

ويُدرَكُ الوقتُ بتكبيرةِ الإحرامِ. ويُكره الحديثُ بعدَ صلاةِ الفجرِ في أمرِ الدنيا، حتى تطلعَ الشمسُ. ذكرهُ في "الإقناع" (١). ويُكره تأخيرها بعد الإسفارِ بلا عذرٍ. قالَهُ في "الرعاية"، وتبِعَهُ في "الإقناع ". ومقتضى كلامِ الأكثرِ: لا كراهَة (٢). "فائدةٌ": وقتُ العشاءِ (٣) في الطولِ والقصرِ، يتبعُ النَّهارَ، فيكونُ في الصيفِ أطولَ، ووقتُ الفجرِ يتبعُ الليلَ؛ فيكونُ في الشتاءِ أطولَ؛ لأنَّ النورين تابعانِ للشمس، هذا يتقدَّمُها، وهذا يتأخرُ عنها. فإذا كان في الشتاءِ، طالَ زمنُ مغيبِها، فيطولُ زمنُ الضوءِ التابعُ لها، وإذا كان في الصيفِ، طالَ زمنُ ظهورِها، فيطولُ زمنُ النُّورِ التابعُ لها. (ويُدرَكُ) بالياء للمفعول. أي: يدرِكُ المصلِّي (الوقت) أي: وقت تلك المكتوبةِ، سواءٌ أخَّرَها (٤) لعذرٍ، كحائضٍ تطهرُ، أو مجنونٍ يَفيقُ (بتكبيرةِ الإحرامِ) يأتي بها في تلك الصَّلاةِ؛ لحديثِ عائشةَ مرفوعًا: "مَنْ أدركَ سجدةً من العصرِ قبلَ أنْ تغرُبَ الشمسُ، أو من الصبحِ قبلَ أنْ تطلُعَ الشمسُ، فقدْ أدرَكَها" (٥) رواه مسلمٌ (٦). وللبخاريِّ: "فليتمَّ صلاتَه" (٧). وكإدراكِ المسافرِ صلاةَ المقيمِ،

стр. 244

ويحرمُ تأخيرُ الصلاةِ عن وقتِ الجوازِ. ويجوزُ تأخيرُ فِعْلِها في الوقتِ مع العَزمِ عليه. والصلاةُ أوَّلَ الوقتِ أفضلُ، وكإدراكِ الجماعةَ. ولو كانتِ المكتوبةُ جمعةً، وأدركَ منها تكبيرةَ الإحرامِ وفي وقتها، فقد أدركَها أداءً، كباقي (١) المكتوباتِ. (ويحرُمُ تأخيرُ الصَّلاةِ عن وقتِ الجوازِ) أي: ولا يجوزُ تأخيرُ الصَّلاةِ التي لها وقتُ اختيارٍ ووقتُ ضرورةٍ، أو تأخيرُ بعضِها، إلى وقتِ الضرورةِ، ما لمْ يكنْ عذرٌ. قال في "المبدع ": ذكرَهُ الأكثر (٢). ومحلُّه: إنْ كان ذاكرًا لها، قادرًا على فعلِها. (ويجوزُ تأخيرُ فعلِها) لمَنْ وجبتْ عليه (في الوقتِ) أي: وقتِ وجوبِها (مع العزمِ عليه) أي: على فعلِ الصَّلاةِ في الوقتِ المختارِ، كقضاءِ رمضانَ ونحوِه مما وقتُه موسَّعٌ، ما لمْ يظنَّ مانعًا من فعلِ الصَّلاةِ، كموتٍ، وقتلٍ، وحيضٍ، فيجبُ عليه أنْ يبادرَ بالصَّلاةِ قبل ذلك. (والصَّلاةُ أوَّلَ الوقتِ، أفضلُ) لقولِهِ تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البَقَرَة: ١٤٨] وقولِ عائشةَ رضي اللَّه تعالى عنها: ما صلَّى رسولُ الله ﷺ صلاةً لوقتِها الآخرِ مرتين. رواه (٣) أحمدُ والدارقطنيُّ (٤). ولأنَّ المبادرةَ لامتثالِ الأوامرِ أَوْلى عند العقلاءِ، وأحوطُ في تحصيلِ المأمورِ به، لكثرةِ آفاتِ التأخيرِ.

стр. 245

وتحصُل الفضيلة بالتأهُّبِ أوَّلَ الوَقتِ. ويجبُ قضاءُ الصلاةِ الفائتةِ مرتَّبةً فَورًا، قال الشيخُ تقيُّ الدين (١): الصَّلاةُ في أوَّلِ الوقتِ، أفضلُ، إلا إذا كانَ في التأخيرِ مصلحةٌ راجحةٌ، كما في هذا البابِ مفَصَّلًا، وكما ذكَرَهُ في بابِ التيممِ: أنَّه يؤخِّرُ إذا رجى وجودَ الماءِ في آخرِ الوقتِ. (وتحصلُ الفضيلةُ بالتأهبِ) للصَّلاةِ (أوَّلَ الوقتِ) بأنْ يشتغَلَ بالطَّهارةِ ونحوِها عندَ دخولِهِ (ويجبُ) على مكلَّفٍ بلا مانغٍ به (قضاءُ الصَّلاةِ الفائتةِ) من الخمسِ (مرتَّبةً فورًا) لحديثِ أحمدَ (٢): أنَّه ﵇ عامَ الأحزابِ صلَّى المغربَ، فلمَّا فرغَ، قالَ: "هلْ عَلِمَ أحدٌ منكم أنِّي صليتُ العصرَ؟ " قالوا: يا رسول اللهِ، ما صلَّيتَها. فأمرَ المؤذِّنَ، فأقامَ الصَّلاةَ، فصلَّى العصرَ، ثمَّ أعادَ المغربَ. وقدْ قالَ: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي" (٣). وكالمجموعتين. ولو كثرتِ الفوائتُ، كما لو قلَّتَ. فإنْ تركَ ترتيبَها بلا عذرٍ، لم تصحَّ؛ لأنَّه شرطٌ، كترتيبِ الركوعِ والسجودِ. إلا إذا خَشِيَ إنْ رتَّبَ فواتَ صلاةٍ حاضرةٍ، بخروجِ وقتِها، فيقدِّمُها؛ لأنَّها آكَدُ، وتركُه أيسرُ من تركِ الصَّلاةِ، في الوقتِ. أو خشِيَ خروجَ وقتِ اختيارٍ لصلاةٍ ذاتِ وقتينِ، فيصلِّي الحاضرةَ في وقتِها المختارِ؛ لأنَّه كالوقتِ الواحدِ، في أنَّه يجوزُ التأخيرُ إليه

стр. 246

ولا يَصِحُّ النَّفل المُطلقُ إذَنْ. بلا عذرٍ. فإنْ صلَّى الفائتةَ مع خشيةِ فوت (١) الوقتِ، صحَّتْ نصًّا. قال في "الإقناع" (٢): ولا يسقطُ بخشيةِ فوتِ الجماعةِ. وعنه: يسقطُ، اختارَهُ جماعةٌ. (ولا يصحُّ النفلُ المطلقُ إذن) أي: عند ضيقِ الوقتِ، أو وقتِ الاختيارِ؛ لتحريمِه، كأوقاتِ النهي. أي: ابتداءُ نفلٍ. فلا مناقضةَ لقولِه (٣): وإلا أتمَّها نفلًا. واحترزَ بالمطلقِ: عمَّا لَهُ سببٌ، كالرواتبِ، والتراويحِ، والوترِ، والكسوفِ، والاستسقاءِ. قال الشيخُ مرعي (٤): ويتجه احتمالٌ: ونحوِ ضُحىً، وتحيةِ مسجدٍ. "فائدةٌ": ولا تسقطُ الفائتةُ بحجِّ، ولا تضعيفِ صلاةٍ في المساجدِ الثلاثِ، ولا غير ذلك. واختارَ الشيخ تقيُّ الدينِ: أنَّ تاركَ الصَّلاةِ عمدًا إذا تابَ، لا يُشرعُ له قضاؤُها، ولا تصحُّ منه، بلْ يُكثرُ من التطوعِ، وكذا الصومُ (٥). قال ابنُ رجبٍ في "شرح البخاري" (٦): ووقعَ في كلامِ طائفةٍ من أصحابِنا المتقدمين أنَّه لا يجزئُ فعلُها إذا تركَها عمدًا، منهم الجوْزَجانيُّ، وأبو محمدٍ البربهاريُّ، وابنُ بطةَ. وقولُه: "فورًا" مقيدٌ بما إذا لمْ يتضرَّرْ في بدنِه، أو في معيشةٍ يحتاجُها. فإنْ

стр. 247

ويسقُطُ الترتيبُ بالنسيانِ، وبضيِقِ الوَقتِ، ولو للاختيَارِ. تضررَ بسببِ ذلك، سقطتِ الفوريةُ، نصَّ عليه. قالَهُ في "الإنصاف" (١). (ويسقطُ الترتيبُ بالنسيانِ) لأنَّه لا أمارةَ على المنسيَّةِ تُعلمُ بها، فجازَ أنْ يؤثِّرَ فيها النسيانُ، كالصيامِ، بخلافِ المجموعتين، فإنَّه لابدَّ من نيةِ الجمعِ، وذلك متعذرٌ مع النسيانِ. وكذا لو نسيَ الترتيبَ بين حاضرةٍ وفائتةٍ حتى فرغَ من الحاضرةِ، فلا يلزمُه إعادتُها، نصًّا. وأما حديثُ صلاةِ النبيِّ ﷺ عامَ الأحزابِ السابقِ، فيحتملُ أنَّه ذكرَها في الصَّلاةِ. ولا يسقطُ الترتيبُ إنْ جهِلَ وجوبَهُ (و) يسقطُ الترتيبُ (بضيقِ الوقتِ) يعني: يسقطُ الترتيبُ إنْ ضاقَ وقتُ الحاضرةِ، كما لو ذكرَ فائتةً إمامٌ أحرمَ بمكتوبةٍ حاضرةٍ، لم يضقْ وقتُها. أي: الحاضرةِ عنها وعن الفائتةِ، بأنْ اتَّسعَ لهما الوقتُ، قَطَعَ الإمامُ الحاضرةَ التي أحرمَ بها وجوبًا؛ لأنَّه لو لمْ يقطعْها كانت نفلًا، والمأمومونَ مفْترِضون خلْفَهُ، ثمُّ يستأنِفُها المأمومون. فإنْ ضاقَ وقتُ الحاضرةِ، أتمَّها الإمامُ وغيرُه، لسقوطِ الترتيبِ إذًا. (ولو للاختيارِ) أي: خروجُ وقتِ الاختيارِ لصلاةٍ ذاتِ وقتين، فيصلِّي الحاضرةَ في وقتِها المختارِ؛ لأنَّه كالوقتِ الواحدِ في أنَّه لا يجوزُ التأخيرُ إليه بلا عذرٍ، فإنْ صلَّى الفائتةَ مع خشيةِ فوت (٢) الوقتِ، صحَّتْ.

стр. 248

السادس: سترُ العَورةِ -مع القدرةِ- (السادسُ) من شروطِ الصَّلاةِ: (سترُ العورةِ) السَّتْرُ بفتح السين، مصدر ستَرَ، وبكسرِها: ما يُسترُ به. والعورةُ لغةً: النقصانُ، والشيءُ المستقبحُ، ومنه: كلمةٌ عوراء (١). أي: قبيحةٌ. وشرعًا: سوأةُ الإنسانِ، أي: قُبُلُهُ ودُبُرُه. وسُمِّيَا سوأةً؛ لأنَّ كشْفَهما يسوءُ صاحبَهما. "تنبيهٌ ": قدْ تُطلقُ العورةُ على ما يجبُ سترُه في الصَّلاةِ، وعلى ما يحرُمُ النظرُ إليه في الجملةِ. وهو: كلُّ ما يُستحيى منه إذا نُظِرَ إليه. (مع القدرةِ) فلا تصحُّ صلاةٌ من مكشوفِها مع القدرةِ على الاستتارِ، لقولِ النبيِّ ﷺ : "لا يقبلُ اللهُ صلاةَ حائضٍ إلا بخمارٍ" (٢). وعن سلمةَ بنِ الأكوعِ قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أكونُ في الصَّيد (٣)، فأصلِّي في القميصِ الواحدِ؟ قال: "نعمْ، وازرُرْه ولو بشوكةٍ" (٤) رواهما ابنُ ماجه والترمذيُّ. وقالَ فيهما: حسنٌ صحيحٌ. وقال ابنُ عبدِ البر (٥): أجمعوا على فسادِ صلاةِ مَنْ تركَ ثوبَهُ، وهو قادرٌ على الاستتارِ به، وصلَّى عُريانًا. ويتفرعُ على اشتراطِ سترها عن نفسِه في الصَّلاةِ: لو صلَّى في قميصٍ واسعِ

стр. 249

بشيءٍ لا يَصِفُ البَشرَةَ. فعَورةُ الذَّكَرِ البالِغِ عشرًا، والحرَّةِ المميِّزةِ، والأمَةِ ولو مبعَّضةً: ما بينَ السُّرَّةِ والرُّكبَةِ. الجيبِ، ولم يزررْه، ولم يشدَّ وسطَهُ، وكان بحيثُ يَرَى عورتَه في قيامِه، أو ركوعِه، أو سجودِه، لم تصحَّ صلاتُه، كما لو رآها غيرُه. ويشترطُ في السَّترِ الواجبِ: (بشيءٍ لا يصفُ البشرةَ) أي: لونَها، من بياضِ أو حمرةٍ أو سوادَ؛ لأنَّ السترَ إنما يحصلُ بذلك. لا أن لا يصفَ حجمَ العضوِ؛ لأنَّه لا يمكنُ التحرزُ منه، ولو كان الساترُ ضعيفًا. (فعورةُ الذَّكَرِ) والخُنثى؛ حرَّين كانَا، أو رقيقين، أو مبعَّضَّين (البالغِ عشرًا) من السنين (والحرَّةِ المميِّزةِ) أي: تمَّ لها سبعُ سنين (والأمةِ ولو مبعَّضةً) وأمِّ الولدِ، والمدبَّرةِ والمكاتبةِ، ومَنْ بعضُها حرُّ وبعضُها رقيقٌ: (ما بين السُرَّةِ والرُّكْبةِ) لمفهومِ حديثِ: "لا يقبلُ اللهُ صلاةَ حائضٍ إلا بخمارٍ" (١). وعُلِمَ منه: أنَّ السُرَّةَ والرُّكبةَ ليسا من العورةِ. وهذا كلُّه في الصَّلاةِ. والمرادُ بالحائضِ: البالغُ. فتعلُّق صحَّةِ صلاتِها على سترِها بالخمارِ، دليلٌ على وجوبِ سترِ باقيها فيها. ولأنَّه ﵇ نهى عن الطوافِ بالبيتِ عُريانًا. فالصَّلاةُ أَوْلى بذلك؛ لأنَّها آكدُ منه. قال في "المبدع" (٢): والأحسنُ في الاستدلالِ: أنَّه انعقدَ الإجماعُ على الأمرِ

стр. 250

وعورَةُ ابنِ سَبعٍ إلى عَشرٍ: الفرجان. والحرَّةُ البالغةُ كلُّهَا عورةٌ في الصَّلاةِ إلَّا وجهَهَا. به في الصَّلاةِ، والأمرُ بالشيءِ نهيٌ عن ضدِّه، فيكونُ منهيًا عن الصَّلاةِ مع كشفِ العورةِ، والنهيُ يدلّ على الفسادِ. والحكمةُ (١) في وجوبِ السترِ فيها: ما جرتْ عادةُ مَنْ يريدُ التمثيلَ بين يدي كبيرٍ، التجمُّلِ بالسَّتْرِ، والمصلِّي يريدُ التمثيلَ بين يدي ملكِ الملوكِ، فالتجمُّلُ له بذلك أَوْلى. (وعورةُ) ذكرٍ وخنثى (ابنِ سبعِ) سنينَ (إلى عشرِ) سنينِ: (الفرجانِ) لقصورهِ عن ابنِ عشرٍ؛ لأنَّه لا (٢) يمكنُ بلوغُه. وعُلِمَ منه: أنَّ مَنْ دونَ سبعٍ لا حكمَ لعورتِهِ، لأنَّ حكمَ الطفوليَّةِ منجرٌّ عليه إلى التمييزِ. وظاهرُه: أنَّ هذه عورتُه في الصَّلاةِ وخارجِها. (والحرَّةُ البالغةُ كلُّها عورة في الصَّلاةِ) حتى ظُفرُها وشعرُها، نصًّا (إلا وجهَهَا) قال جمعٌ: وكفيها. [لحديث: "المرأةُ عورةٌ ". رواه الترمذيُّ] (٣)، وقال: حسنٌ صحيحٌ. وهو عامٌّ في جميعِها، تُرِكَ في الوجهِ للإجماعِ، فيبقى العمومُ فيما عداهُ. وقولُ ابنِ عباسٍ، وعائشةَ في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ
следующие страницы →