وإن وَجَدَ مُحدِثٌ -ببدَنِه وثَويه نجاسَةٌ- ماءً لا يكفي، وجَبَ غَسلُ ثَوبِه، ثمَّ إنْ فَضَلَ شيءٌ غَسَل بدنَه، ثم إنْ فَضَلَ شيءٌ تطهَّر، وإلَّا تيمَّم.
ويصحُّ التيمُّم لكلِّ حدثٍ، وللنَّجاسة على البدن بعد تخفيفها ما أمكن، فإن تيمَّم لها قبل تخفيفِها، لم يصحَّ.
(وإنْ وجدَ محدثٌ) حدثًا أكبرَ أو أصغرَ (-ببدنِه وثوبِه نجاسةٌ- ماءً لا يكفي، وجبَ غَسلُ ثوبِهِ، ثمَّ إنْ فضلَ شيءٌ غسلَ بدنَهُ، ثمَّ إنْ فضَلَ شيءٌ تطهَّرَ، وإلَّا): إنْ لمْ يفضلْ شيءٌ، (تيمَّمَ)
(ويصحُّ التيمُّمُ لكلِّ حدثٍ) أصغرَ أو أكبرَ؛ لحديثِ عمرانَ بنِ حصينٍ، قال: كنَّا مع رسولِ اللهِ ﷺ في سفرٍ، فصلَّى بالنَّاسِ، فإذا هو برجلٍ معتزلٍ، فقال: "ما يمنعُك أن تصلِّيَ؟ " فقال: أصابتْني جنابةٌ، ولا ماءَ. قال: "عليك بالصَّعيدِ، فإنَّه يكفيكَ". متفقٌ عليه (١). وحائضٌ ونفساءُ كجنبٍ.
(وللنجاسةِ على البدنِ) أي: نجاسةٍ غيرِ معفوٍّ عنها.
"فائدةٌ": قال في "الرعاية": ولا يتيمَّمُ لغَسلِ يديه من نومِ ليلٍ أو نهارٍ. وإنْ وجبَ غسلُ ذكَرِه وأنثييه من المذي، جازَ التيمُّمُ لهما بشَرطِه. ولا يجبُ لنجاسةِ استحاضةٍ تعذرتْ إزالتُها، ولا لنجاسةٍ عُفيَ عنها
(بعدَ تخفيفِها ما أمكنَ، فإنْ تيمَّمَ لها (٢) قبلَ تخفيفِها، لم يصحَّ) التيمُّمُ. وسواءٌ كانتْ بمحلٍّ صحيحٍ أو جريحٍ؛ لعمومِ قولِهِ ﵇: "الصعيدُ الطيبُ
стр. 177
الثامنُ: أن يكون بتُرابٍ طَهورٍ مُباحٍ غَيرِ محتَرِقٍ، له غُبارٌ يَعلَقُ باليَدِ.
طهورُ المسلمِ" (١).
وعُلِمَ منه: أنَّه لا يتيمُّمُ لنجاسةٍ بغيرِ بدنٍ.
(الثامنُ) من شروطِ التيممِ: (أن يكونَ بترابٍ): فلا يصحُّ تيمُّمٌ برملٍ، أو نُورةٍ، أو جِصٍّ، أو نحتِ حجارةٍ ونحوِه. والمرادُ به: ترابُ الحرثِ
(طهورٍ) بخلافِ ما تناثرَ من المتيممِ؛ لأنَّه استُعْمِلَ في طهارةٍ أباحت الصَّلاةَ، أشبَهَ الماءَ المستعملَ في طهارةٍ واجبةٍ. وإنْ تيمَّمَ جماعةٌ من موضعٍ واحدٍ، صحَّ، كما لو توضَّئوا من حوضٍ يغْترفون منه
(مباحٍ) فلا يصحُّ بمغْصوبٍ، كالوضوءِ به. قال في "الفروع" (٢): ولو ترابَ مسجدٍ. ولعلَّه غيرُ مرادٍ، فإنَّه لا يُكره بترابِ زمزمَ، مع أنَّه مسجدٌ
(غيرِ محترقٍ) فلا يصحُّ مما دقَّ من نحوِ خزَفٍ؛ لأنَّ الطبخَ أخرجَه عن أنْ يقعَ عليه اسمُ الترابِ
(له غبارٌ يعلَقُ باليدِ) لقولِه تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المَائدة: ٦] وما لا غبارَ له لا يُمسحُ بشيءٍ منه، فلو ضربَ على نحوِ لِبْدٍ، أو بساطٍ، أو حصيرٍ، أو صخرةٍ، أو بَرذَعَةٍ (٣)، أو شعيرٍ، ونحوِه مما عليه غبارٌ طهورٌ لِعلَقُ بيدِه، صحَّ تيمُّمُه، بخلافِ مسبخةٍ لا غبارَ لها
стр. 178
فإن لم يَجِدْ ذلِكَ، صلَّى الفرضَ فقط على حَسَبِ حالِه، ولا يزيدُ في صَلاتِه على ما يُجزئُ، ولا إعادةَ.
(فإن لم يجدْ ذلك) أي: الترابَ الطهورَ المباحَ (صلَّى الفرضَ فقط على حسَبِ حالِه) لأنَّ الطَّهارةَ شرطٌ، فلمْ تؤخرْ الصلاة عندَ عدمِه، كالسترةِ.
قال العلَّامةُ الشيخُ مرعي في "الغاية" (١): ويتجِّهُ تيمّمُه عندَ عدمِ الترابِ بكلِّ ما تصاعدَ على الأرضِ، من نحوِ رملٍ، وجِصٍّ، ونُورةٍ، أولى من صلاتِه على حسبِ حالِه؛ خروجًا مَنْ خلافِ من أوجَبَهُ. انتهى.
(ولا يزيدُ في صلاِتهِ) أي: مَنْ عدمَ الماءَ والترابَ (على ما يجزئُ) أي: فلا يقرأ زائدًا على الفاتحةِ، ولا يسبِّحُ أكثرَ من مرةٍ، ولا يزيدُ على ما يجزئ في طمأنينةِ ركوعٍ وسجودٍ وجلوسٍ بين السَّجدتين، وإذا فرغَ من الفاتحِة، ركَعَ في الحالِ. قالَه في "الإنصاف". وظاهرُهُ: لا فرقَ بين الجنبِ وغيرِه.
قال الشيخُ منصورٌ: وتقييدُه في "شرح المنتهى" للمصنِّف بالجنبِ، غيرُ ظاهرٍ؛ لأنَّه وإنْ اتضحَ من حيثُ القراءةُ، لم يتضحْ بالنسبةِ إلى غيرِها (٢). ولا يجوزُ أن يقرأ خارجَ الصَّلاةِ إن كان جنبًا.
(ولا إعادةَ) على مَنْ عدمَ الماءَ والترابَ، وصلَّى على حسبِ حالِهِ؛ لأنَّه أتى بما أُمِرَ به، فخرجَ من عهدَتِهِ.
стр. 179
فَصْلٌ
واجبُ التيمُّم: التَّسميَةُ ، وتسقُط سَهوًا.
وفُروضُهُ خمسَةٌ:
مسحُ الوجهِ، ومسحُ اليدينِ إلى الكُوعَين.
(فصلٌ)
و (واجبُ التيممِ: التسميةُ) وهو أنْ يقولَ: بسمِ اللهِ. لا غير. وظاهرُهُ: ولو عن نجاسةٍ ببدنٍ كالنيةِ. (وتسقطُ سهوًا) وإنْ ذكرَها في بعضِه، ابتدأَ.
(وفروضُه خمسةٌ) في الجملةِ:
أحدُها: (مسحُ الوجهِ) ومنه اللِّحيةُ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [النِّساء: ٤٣]، سوى ما تحتَ شعرٍ، ولو كان خفيفًا، وسوى داخلِ فمٍ وأنفٍ، ويُكره ذلك.
والثاني: (مسحُ اليدين إلى الكوعين) والكوعُ: طرفُ الزندِ الذي يلي (١) الإبهامَ. لقولِه تعالى: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النِّساء: ٤٣]، وإذا عُلِّقَ حكمٌ بمطلقِ اليدين، لم يدخلْ فيه الذراعُ، كقطعِ السارقِ، ومسِّ الفرجِ. ولحديثِ عمارٍ قال: بعثَني النبيُّ ﷺ في حاجةٍ، فأجنبتُ، فلم أجدِ الماءَ، فتمرغتُ في الصعيدِ، كما تتمرَّغُ الدابةُ، ثمَّ أتيتُ النبيَّ ﷺ ، فذكرتُ (٢) ذلك له، فقال: "إنَّما كان يكفيكَ أن تقولَ بيديك
стр. 180
الثالثُ: الترتيبُ في الطهارةِ الصُّغرى.
فيلزمُ مَنْ جُرحُه ببَعضِ أعضَاءِ وضوئِه -إذا توضَّأ- أنْ يتيمَّمَ له عِندَ غَسلِه لو كانَ صَحِيحًا.
هكذا". ثمَّ ضربَ بيديه الأرضَ ضربةً واحدةً، ثمَّ مسحَ الشِّمالَ على اليمينِ، وظاهرَ كفيه، ووجهَهُ. متفقٌ عليه (١).
(الثالثُ) من فروضِ التيمُّمِ: (الترتيبُ في الطَّهارةِ الصغرَى) دونَ الكبرَى، وفى ونَ نجاسةٍ على بدنٍ؛ لأنَّ التيمَّمَ مبنئ على طهارةِ الماءِ، وهو فرضٌ في (٢) الوضوءِ دون ما سواه، وذلك بأنْ يمسحَ وجهَهُ، ثمَّ يديه. فإنْ عكسَ، لَمْ يصحَّ.
(فيلزمُ مَنْ جَرْحُه ببعضِ أعضاءِ وضوئِه، إذا توضَّأَ) ترتيبٌ؛ لوجوبِه في الوضوءِ (أنْ يتيمَّمَ له) أي: للعضوِ الجريحِ ونحوِه (عندَ غسلِه لو كان صحيحًا) فإنْ كان الجرحُ ونحوُه في الوجهِ، وعمَّه، تيمَّمَ أولًا، ثمَّ أتمَّ وضوءَهُ.
وإن كان في بعضِه، خُيِّرَ بينَ أن يغسلَ صحيحَه، ثمَّ يتيمَّمَ لجريحِه، وعكسُه، ثمَّ يتمُّ وضوءَه.
وإنْ كان في عضوٍ آخرَ، لزِمَه غسلُ ما قبلَهُ، ثمَّ كان فيه على ما ذكرَ في الوجهِ.
وإنْ كان في وجهِه ويديه ورجليه، احتاجَ في كلِّ عضوٍ إلى تيمُّمٍ في محلِّ غَسلِهِ؛ ليحصلَ الترتيبُ. فإنْ غسلَ صحيحٌ وجهَه، ثمَّ تيمَّمَ له وليديه تيمَّمًا واحدًا، لَمْ يجزئُه؛ لأدائِهِ إلى سقوطِ الترتيبِ بين الوجهِ واليدين. وأما التيمُّمُ عن جملةِ الطَّهارةِ، فالحكمُ له دونَها.
стр. 181
الرابعُ: الموالاةُ، فيلزمه أنْ يُعيدَ غَسلَ الصَّحيحِ عِندَ كُلِّ تيمُّمٍ.
الخامسُ: تعيينُ النية لما يَتيمَّمُ له من حَدثٍ أو نجاسةٍ، فلا تكفي نيَّةُ أحدِهما عن الآخر،
(الرابعُ) من فروضِ التيمُّمِ: (الموالاةُ) لوجويها فيه. وهي بقدرِها في وضوءٍ.
يعني: أنه لو تأخَّرَ مسحُ يديه عن وجهِه، فإنْ كان بحيثُ لو كانَ في الوضوءِ -وهو في زمنٍ معتدلٍ- جفَّ وجهُهُ، بطلَ تيمُّمُه.
فيلزمُ مَنْ جُرْحُه ببعضِ أعضاءِ وضوئِه موالاةٌ. فلو كان برجلِه، وتيمَّمَ له عند غسلِها. ومضى ما تفوتُ فيه، ثم خرجَ الوقتُ، بطلَ تيمُّمُه (فيلزمُه أن يعيدَ غسلَ الصحيحِ عندَ كلِّ تيممٍ) كما لو أخَّرَ غسلَه حتى فاتتْ.
ولو اغتسلَ لجنابةٍ، ثمَّ تيممَ لنحوِ جُرحٍ، وخرجَ الوقتُ، لمْ يعدْ سوى التيممِ؛ لأنَّه لا يعتبرُ فيه ترتيبٌ ولا موالاةٌ.
(الخامسُ) من فروضِ التيمُّمِ: (تعيينُ النيةِ) أي: استباحةٌ (لما يتيمَّمُ له) كصلاةٍ، أو طوافٍ، فرضًا أو نفلًا (من حدثٍ) أصغرَ أو أكبرَ (أو نجاسةٍ) ببدنٍ، ويكفيه لها تيمُّمٌ واحدٌ، وإن تعددتْ مواضعُها. فإنْ نوى رفعَ حدثٍ، لم يصحَّ تيمُّمُه؛ لأنَّه مبيحٌ لا رافعٌ؛ لأنَّه طهارةُ ضرورةٍ. (فلا تكفي) مَنْ هو محدثٌ، وببدنِهِ نجاسةٌ، التيمُّمُ بـ (نية أحدِهما عن الآخرِ). وكذا الجريحُ في عضوٍ من أعضائِهِ، لا بدَّ أنْ ينويَ التيمَّمَ عن غسلِهِ؛ لحديث: "إنَّما الأعمالُ بالنياتِ، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوَى" (١). وإذا تيمَّمَ للجنابةِ، أُبيحَ له ما يُباحُ للمحدثِ من قراءةٍ ولبثٍ بمسجدٍ، دونَ صلاةٍ وطوافٍ ومسِّ مصحفٍ. وإنْ أحدثَ، لم يؤثرْ في هذا التيمُّمِ.
стр. 182
وإن نواهُما أجزأ.
وعُلِمَ منه: أنَّه لو نوَى بتيمُّمِه رفعَ الحدثِ، لم يصحَّ.
(وإنْ نواهما أجزأَ) أي: الحدثيين بتيمُّمٍ واحدٍ، أو نوى الحدثَ ونجاسةً ببدنٍ، بتيمُّمٍ واحدٍ، أجزأَ عنهما. أو نوى أحدَ أسبابِ أحدِهما. أي: الحدثين، بأنْ بالَ أو تغوَّطَ، وخرجَ منه ريحٌ ونحوُه، ونوى واحدًا منهما، وتيمَّمَ، أجزأَ تيمُّمُه عن الجميعِ. وكذا لو وُجِدَ منه موجباتٌ للغسلِ، ونوى أحدَها. لكنْ قياسُ ما تقدَّمَ في الوضوءِ: لا إن نوى أن لا يستبيحَ به (١) غيرَه.
"تنبيهٌ": ومَنْ نوى بتيمُّمِه شيئًا تُشترطُ له الطَّهارةُ، من صلاةٍ وغيرِها، استباحَهُ واستباحَ مثلَه. فمَنْ تيمَّمَ لظهرٍ استباحَها وما يُجمعُ إليها، وفائتةً فأكثرَ. واستباحَ دونَهُ، كمنذورةٍ، ونافلةٍ، ومسِّ مصحفِ بالأَوْلى. ولم يستبحْ ما هو أعلى منه، وهو الصحيحُ، وهو المذهبُ، وعليه جمهورُ الأصحابِ. فهذا هو الضابطُ في ذلك.
"فائدةٌ": لو نوى المراهقُ التيمَّمَ لفرضِه، تمَّ بلَغَ، لم يجزْ أنْ يصلِّيه فيه. ولو نوى به قضاءً صلَّى به أداءً، وعكسُه.
فأعلاه: فرضُ عيني، فنذرٌ، فكفايةٌ، فنافلةٌ، فطوافُ نفلٍ، فمسُّ مصحفٍ، فقراءةٌ، فلبثٌ.
وإن أطلقَها (٢) لصلاةٍ؛ بأنْ لمْ يعيِّن بنيتِه الاستباحةَ فرضًا ولا نفلًا -أو طوافٍ- لم يفعلْ إلا نفلَهما. فلا يطوفُ به طوافَ الزيارةِ.
стр. 183
ومُبطِلاتُه خَمسَةٌ:
ما أبطلَ الوضُوءَ، ووجُودُ الماءِ، وخُروجُ الوقت،
(ومبطلاتُهُ خمسةٌ) أي: مبطلاتُ التيمُّمِ خمسةٌ:
أحدُها: (ما أبطلَ الوضوءَ) كخروجِ شيءٍ من سبيلٍ، وزوالِ عقلٍ، ومسِّ فرجٍ، ونحوِه من نواقضِ الوضوء، إذا كان تيمُّمُه عن حدثٍ أصغرَ؛ لأنَّه بدلٌ عن الوضوءِ، فحكمُه حكمُه.
ويبطلُ التيمُّمُ عن حدثٍ أكبرَ بما يوجبُه، كالجماعِ، وخروجِ المنيِّ بلذةٍ، إلَّا غسلَ حيضٍ ونفاسٍ إذا تيمَّمتْ له، فلا يبطلُ بمبطلاتِ غُسلٍ ووضوءٍ، بلْ بوجودِ حيضٍ ونفاسٍ. فلو تيمَّمْت بعَد طهرِها من الحيضِ له، ثمَّ أجنبْت، فله الوطءُ؛ لبقاءِ حكمِ تيمم (١) الحيضِ، والوطءُ إنما يوجبُ حدثَ الجنابةِ. قاله في "الإقناع" (٢).
(و) الثاني من مبطلاتِ التيمُّمَ: (وجودُ الماءِ) إنْ كان تيمُّمُه لعدمِه؛ لقولِه ﵇: "فإذا وجدتَ الماءَ، فأمسَّه بشرتَكَ" (٣). ولأنَّ اللهَ تعالى إنَّما أباحَ التيممَ عندَ عدَمِه، فإذا وجِدَ، وجبَ استعمالُه.
(و) الثالثُ من مبطلاتِ التيمُّمِ: (خروجُ الوقتِ) لقولِ عليٍّ (٤): التيمُّمُ لكلِّ صلاةٍ. ولأنَّه طهارةُ ضرورةٍ، فتقيَّدُ بالوقتِ، كطهارةِ المستحاضةِ. فلو تيمَّمَ وقتَ الصبحِ، بطلَ بطلوعِ الشمسِ. وكذا لو تيمَّمَ بعدَ الشروقِ، بطلَ بالزوالِ. ما لم يكنْ
стр. 184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في صلاةِ جمعةٍ، فلا تبطلُ إذا خرجَ وقتُها؛ لأنَّها لا تُقضى.
ويبطُلُ التيمُّمُ لطوافٍ، وجنازةٍ، ولبثٍ بمسجدٍ، ونافلةٍ، بخروجِ الوقتِ، كالفريضةِ، على الصحيحِ من المذهبِ.
"تنبيهٌ": ظاهرُ قولِه: ويبطلُ التيمُّمُ بخروجِ الوقتِ: أنَّ التيمُّمَ مبيحٌ، لا رافعٌ، وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ. قال الزركشيُّ (١): وهو المختارُ للإمامِ والأصحابِ.
وقال أبو الخطابِ في "الانتصار": يرفعُه رفعًا مؤقتًا بالوقتِ على روايةٍ.
وعنه: أنَّه رافعٌ، فيصلِّي به إلى حدثِهِ. اختارَه أبو محمدٍ الجوزيُّ، والشيخُ تقيُّ الدينِ، وابنُ رزينٍ، وصاحبُ "الفائق". فيرفعُ الحدثَ إلى القدرةِ على الماءِ، ويتيمَّمُ لفرضٍ ونفلٍ قبلَ وقتِهِ، ولنفلٍ غيرِ معيَّنٍ لا سببَ له وقت نهيٍّ.
وقال الشيخُ تقيُّ الدين أيضًا في "الفتاوى المصرية": التيممُ لوقتِ كلِّ صلاةٍ، إلى أنْ يدخلَ وقتُ صلاةٍ أخرى أعدلُ الأقوالِ. وعلى المذهبِ: لا يصحُّ ذلك، كما تقدمَ.
وعلى المذهبِ: يتيممُ للفائتةِ إذا أرادَ فعلَها. ذكَرَه أبو المعالي والأزجيُّ. وقال في "الفروع": وظاهرُ كلامِ جماعةٍ: إذا ذكرَها. قال: وهو أولى. ويتيممُ للكسوفِ عند وجودِه، وللاستسقاءِ إذا اجتمعوا، وللجنازةِ إذا غُسِّلَ الميتُ، أو يُمِّمَ لعدمِ الماءِ. فيعايا بها فيقالُ: شخصٌ لا يصحُّ تيمُّمُهِ حتى يتيمُّمَ غيرُه؟. وقال في "الرعاية": ووقتُ التيمُّمِ لصلاةِ جنازةٍ إذا طُهِّرَ الميتُ، وقيل: بلْ إنجازُ غَسلِه.
стр. 185
وزوالُ المبيحِ له، وخَلعُ ما مَسَحَ عليه.
وإن وجَدَ الماءَ وهو في الصَّلاةِ، بطَلَتْ،
ووقتُه لصلاةِ عيدٍ ارتفاعُ الشمسِ. وقال الزركشيُّ: وقتُ المنذورةِ: كلُّ وقتٍ، على المذهبِ، ووقتُ جميعِ التطوعاتِ: وقتُ جوازِ فعلِها.
وقال في "الرعاية": وعنه: يصلِّي ما لَمْ يحدثْ. وقيل: أو يجدِ الماءَ. قلتُ: ظاهرُ هذا مشكِلٌ، فإنَّه يقتضي أنَّه على النصِّ يصلِّي وإنْ وجدَ الماءَ، وهو خلافُ الإجماعِ. قاله في "الإنصاف" (١).
(و) الرابعُ من مبطلاتِ التيمُّمِ: (زوالُ المبيحِ له) كبرء مرضٍ أو جُرحٍ تيمَّمَ له؛ لأنَّه طهارةُ ضرورةٍ، فزالَ بزوالِها.
(و) الخامسُ من مبطلاتِ التيمُّمِ: (خَلعُ ما مسحَ عليه) كخفٍّ، وعمامةٍ، وجبيرةٍ لبست على طهارة ماءٍ، إنْ تيمَّمَ بعدَ حدثِهِ وهو عليه، سواءٌ مسحَه قبلَ ذلك، أو لا؛ لقيامِ تيمُّمِهِ مقامَ وضوئِهِ، وهو يبطُلُ بخلعِ ذلك، فكذا ما قامَ مقامَهُ. والتيمُّمُ وإنِ اختصَّ بعضوين صورةً، فهو متعلِّقٌ بالأربعةِ حكمًا. وكذا لو انقضَتْ مدةُ مسحٍ. وهو من المفرداتِ.
وعُلِمَ منه: أنَّه لو تيممَ قبلَ اللبسِ، ثُمَّ لبسَه ومسحَ عليه، ثُمَّ خلعَه، لَمْ يبطُلْ تيمُّمُه.
(وإن وجدَ الماءَ) مَنْ تيمَّمَ لعدمِهِ (وهو في الصَّلاةِ، بطلتْ) لبطلانِ طهارتِهِ، فيتوضَّأُ، أو يغتسلُ، ويبتدئُ الصَّلاةَ. وقال في "الرعاية": قلتُ: الأولى قلبُها نفلًا.
(وإن انقضتْ) أي: الصَّلاةُ، (لَمْ تجبِ الإعادةُ) لأنَّه أدَّى فرضَه، كما أمرَ، فلم
стр. 186
وإن انقَضَت، لم تَجِبِ الإعادةُ.
وصِفَتُه: أن ينويَ، ثمَّ يُسمِّيَ، ويَضربَ التُّرابَ بيديه مُفرَّجَتَىِ الأصابعِ، ضَربةً واحِدةً -والأحوطُ ثِنتَان-
تلزمْه إعادةٌ، كما لو وجدَه بعدَ الوقتِ.
(وصفتُه) أي: التيممِ: (أن ينويَ) استباحةَ فرضِ الصَّلاةِ، أو نحوِه، من حدثٍ أصغرَ أو نحوِه. (ثُمَّ يُسمِّيَ) وجوبًا. فيجبُ تقديمُ النيةِ على التسميةِ، وإلَّا لم يصحَّ تيمُّمُه. (ويضربُ الترابَ بيديه، مُفرَّجَتَي الأصابعِ) ليصلَ الترابُ إلى ما بينَهما. وينزعَ نحوَ خاتمٍ، ولو كان الضربُ على لِيْدٍ، أو ثوبٍ، أو بساطٍ، أو حصيرٍ، أو حائطٍ، أو صخرةٍ، أو حيوانٍ، أو بَرذَعةِ حمارٍ، أو شجرٍ، أو خشبٍ، أو عِدْلِ شعيرٍ، أو نحوِه ممَّا عليه ترابٌ طهورٌ له غبارٌ.
ولو كان الترابُ ناعمًا، فوضعَ يدَه عليه من غيرِ ضربٍ، فعلِقَ بيدِه، أجزأهُ (ضربةً واحدةً) كونه بضربةٍ مسنونٌ، فلو كان بضربتين؛ واحدةٌ للوجهِ، والأخرى لليدين، جازَ. لكن يُكره بأكثرَ منهما، مع الاكتفاءِ بهما، بل يجبُ إن لم يحصلِ الاستكفاءُ بهما.
ويُكره نفخُ الترابِ إنْ كان قليلًا، فإنْ ذهبَ به، أعادَ الضربَ.
(والأحوطُ: ثنتان) يمسحُ بأحدِهما وجهَهُ، ويمسخ بالأخرى يديه؛ لأنَّ الغرضَ إيصالُ الترابِ إلى محلِّ الفرضِ.
وقال القاضي والشيرازيُّ وابنُ الزَّاغوني: المسنونُ ضربتان، يمسحُ بأحدِهما وجهَهُ، وبالأخرى يديه إلى المرفقين
(بعدَ نزعِ خاتمٍ ونحوِه) ليصلَ الترابُ إلى ما تحتَهُ.
стр. 187
بعد نَزعِ خاتَمٍ ونحوِه، فيمسحُ وجهَهُ بباطِنِ أصابِعِه، وكَفَّيهِ براحَتَيهِ.
(فيمسحُ وجهَهُ) جميعَهُ، فإنْ بقيَ منه شيءٌ لم يصلْ إليه الترابُ، أمرَّ يدَه عليه، إنْ لَمْ يفصلْ راحتَهُ. وإنْ فصلَها فإنْ بقيَ عليها غبارٌ، جازَ أيضًا المسحُ بها، وإلا ضربَ ضربةً أخرى (بباطنِ أصابعِه، وكفَّيه براحَتَيه) في الإصبعِ عشرُ لغاتٍ: تثليثُ الهمزةِ مع تثليثِ الباءِ في كلٍّ. والعاشرةُ: أُصْبُوعُ. كعصفورٍ.
قال في "الإنصاف" (١): الصحيحُ من المذهبِ: أنَّ المسنونَ والواجبَ ضربةٌ واحدةٌ، نصَّ عليه، وعليه جمهورُ الأصحابِ. انتهى.
قال في "الشرح" (٢): قال الأثرمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: التيمُّمُ ضربةٌ واحدةٌ؟ فقال: نعم، للوجهِ والكفين، ومَنْ قال: ضربتين. فإنَّما هو شيءٌ زادَه. انتهى.
والأصلُ في ذلك: ما روَى عمارٌ قال: بعثَني النبيُّ ﷺ في حاجةٍ فأجنبتُ، فلم أجدِ الماءَ، فتمرَّغتُ في الصَّعيدِ، كما تمرَّغُ الدابةُ، ثمَّ أتيتُ النبيَّ ﷺ ، فذكرْتُ ذلك له، فقال: "إنَّما كان يكفيك أن تقولَ بيدِيك هكذا". ثُمَّ ضربَ بيدِيه الأرضَ ضربةً واحدةً، ثمَّ مسحَ الشِّمالَ على اليمينِ، وظاهرَ كفيه وجهَه. متفقٌ عليه (٣).
ولأنَّه حكمٌ عُلِّقَ بمطلقِ اليدين، فلم يدخلْ فيه الذراعُ، كقَطعِ السارقِ، ومسِّ الفرجِ. وقد احتجَّ ابنُ عباسٍ بهذا.
فإن قيل: فقدْ رُوِيَ في حديثِ عمارٍ: "إلى المرفقين". قُلْنا: حديثُ: "إلى
стр. 188
وسُنَّ لمن يَرجُو وجودَ الماءِ تأخِير التيمُّمِ إلى آخِرِ الوقتِ المُختَارِ.
وله أن يصلِّيَ بتيمُّمٍ واحدٍ ما شاءَ من الفَرضِ والنَّفْلِ، لكن لو تيمَّمَ للنَّفلِ، لم يستَبِحِ الفَرضَ.
المرفقينِ" لا يعوَّلُ عليه، إنَّما رواه سلمةُ، وشكَّ فيه. ذكرَ ذلك النسائيُّ (١)، فلا يثبتُ مع الشكِّ، مع أنَّه قد أُنكرَ عليه، وخالفَ به سائرَ الرواةِ الثقاتِ.
واستحبَّ القاضي وغيرُه: ضربتين؛ ضربةً للوجهِ، وأخرى لليدين إلى المرفقين. وقد تقدَّمَ الإشارةُ إلى ذلك.
(وسُنَّ لمَنْ يرجو) أو يعلمُ (وجودَ الماءِ) أو مستوٍ عندَه الأمران، وهما الوجودُ والعدمُ، (تأخيرُ التيمُّمِ إلى آخرِ الوقتِ المختارِ) أي: سُنَّ تأخيرُه إلى آخرِ الوقتِ المختارِ؛ بحيثُ يبقَى منه قدرُ التيمُّمِ والصَّلاةِ؛ لأنَّ الطهارةَ بالماءِ شرطٌ، والصَّلاةُ في أولِ الوقتِ فضيلةٌ، ولا شكَّ أن تركَ الفضيلةِ وانتظارَ الشرطِ أَوْلى من عكسِ ذلك. وإنَّما لَمْ يجبِ التأخيرُ له؛ لأنَّه فاقدٌ للماءِ، فجازَ له التيمُّمُ في أولِ الوقتِ.
أمَّا إنْ أيس من وجودِه، فالمسنونُ التقديمُ؛ لأنَّ أولَ الوقتِ فضيلةٌ متيقنةٌ، فلا يتركُه لأمرٍ مظنونٍ.
وفي "المبدع" (٢): وظاهرُه: إذا لم يرْجه، بل ظنَّ -أو علمَ- عدمَه، فالتقديمُ أولى، لئلا يتركَ الفضيلةَ المتيقنةَ لأمرٍ غيرِ مرجو (٣). وقدَّمَه في "الرعاية". وإن تردَّدَ، فوجهان.
(وله أن يصلِّي بتيمُّم واحدٍ ما شاءَ من الفرضِ والنفلِ، لكن لو تيمَّمَ للنفلِ، لم يستبحِ الفرضَ)، أي: لكونِه أعلى. وقد تقدَّمَ الكلامُ عليه.
стр. 189
بابُ إزالةِ النَّجاسةِ
يُشتَرطُ لكلِّ متنجِّسٍ سَبعُ غَسَلاتٍ، وأن يكُونَ إحداها بتُرابٍ طَاهِرٍ،
(بابُ إزالةِ النجاسةِ)
وما يُعفى عنه منها، وما يتعلَّقُ بذلك
وهي لغةً: الشيءُ المستقذرُ. ويحرُمُ التضمخُ بها بلا عذرٍ. والمرادُ بالنجاسةِ: الطارئةُ على محلِّ طاهرٍ، لا العينيةِ، فلا تطهرُ بحالٍ
(يُشترطُ لـ) تطهيرِ (كلِّ متنجسٍ) أي: إلَّا الأرضَ والصخرَ ونحوَها، وبولَ الغلامِ الذي لم يأكلِ الطعامَ لشهوةٍ (سبعُ غسَلاتٍ) لعمومِ حديثِ ابنِ عمرَ: أُمرْنا بغسلِ الأنجاسِ سبعًا (١). فينصرفُ إلى أمرِه ﵇. وقياسًا على نجاسةِ الكلبِ. وقيسَ أسفلُ الخفِّ والحذاءِ على الرِّجلِ، وذيلُ المرأةِ على بقيَّةِ ثوبِها.
ويعتبرُ في كلِّ غسلةٍ أن يستوعبَ المحلَّ، ويُحسبُ العددُ من أوَّلِ غسلةٍ.
(وأن يكونَ إحداها) أي: السبعِ غسَلاتٍ (بترابٍ طاهرٍ) لحديثِ مسلمٍ (٢) عن أبي هريرةَ مرفوعًا: "إذا ولغَ الكلبُ في إناءِ أحدَكم، فليغسلْه سبعًا؛ أُولاهُنَّ بالترابِ" ولا يكفي ترابٌ نجسٌ.
يقالُ: ولَغَ يلَغُ -بفتح اللام فيهما- ولوغًا، بضمِّ الواو: إذا شربَ. قال ابنُ العربيِّ: ويستعملُ الولوغُ في الكلابِ والسباعِ، ولا يستعملُ في الآدميِّ. انتهى.
стр. 190
أو صَابونٍ ونحوِه، في متنجِّسٍ بكلبٍ أو خنزيرٍ.
ويَضرُّ بقاءُ طَعمِ النجاسَةِ لا لونِها، أو ريحِها، أو هُمَا عَجْزًا.
ويُجزئ في بولِ غُلامٍ لم يأكلْ طَعامًا لشَهوةٍ،
وقولُه: "طاهرٌ": خالفَ فيه صاحبُ "المنتهى"، وهو ظاهرُ ما في "التلخيص"، وتبعَه العلَّامةُ الشيخُ مرعي هنا، وفي "غاية المنتهى"، وهو الصَّوابُ.
يستوعبُ المحلَّ إلَّا فيما يضرّ، يعني: إلا إذا كان المحلُّ المتنجسُ يضرُّه الترابُ، فيكفي مسمَّاه. أي: مسمَّى الترابِ.
والغسلةِ الأولى أَوْلى ممَّا بعدَها؛ لموافقةِ لفظِ الخبرِ. ويقومُ أُشنانٌ ونُخالةٌ ودقاقٌ، (أو صابونٌ ونحوه) مما تقدَّمَ مقاَمه. (في متنجس بِكلبِ أو خنزيرٍ) أو متولدٍ من أحدِهما.
(ويضرُّ بقاءُ طعمِ النجاسةِ) لدلالتِه على بقاءِ العينِ، و (لا) يضرُّ بقاءُ (لونِها، أو) بقاءُ (ريحِها، أو هما (١)؛ عجزًا) عن إزالتِهما، دفعًا للحرجِ.
(ويجزئُ في بولِ غلامٍ) أي: لا في بولِ أُنثى وخنثى. وكذا في قَيئهِ؛ لأنَّه أخفُّ من بولِه. وبولُه نجسٌ، علَى الصحيحِ من المذهبِ. وخرجَ ببولِ الغلامِ: عذرتُه. (لم يأكلْ طعامًا لشهوةٍ) أي: بأنْ لا يأكلَ أصلًا، أو يأكلَه لا لشهوةٍ؛ لأنَّه قد يلْعقُ العسلَ، وهو صغيرٌ لا يَشتَهي الأكلَ.
قال في "الشرح الكبير" (٢): فعلى هذا: ما يُسقاهُ الصبيُّ أو يلعقُهُ للتداوي، لا يُعدُّ طعامًا يوجبُ الغَسلَ، وما يَطعمُهُ لغذائِه ونفسُه تشتهيه، يوجبُ الغَسلَ.
стр. 191
نَضْحُهُ، وهو غَمرُهُ بالمَاءِ.
ويُجزئُ في تَطهيرِ صَخْرٍ، وأحواضٍ، وأرضٍ تنجَّسَت بمائِعٍ، ولو من كَلبٍ أو خِنزيرٍ، مُكاثرتُها بالماء، بحيثُ يذهَبُ لونُ النجاسَةِ، وريحُها.
ولقولِه ﵇: "إنَّما يُغسلُ من بولِ الأنثى، وينضحُ من بولِ الذكرِ". رواه أبو داودَ (١) عن لُبابةَ بنتِ الحارثِ.
وعُلِمَ منه: أنَّه يُغسلُ من الغائطِ مُطلقًا، وبولِ صبيٍّ أكلَ الطعام لشهوةٍ.
والحكمةُ فيه: أنَّ بولَ الغلامِ يخرجُ بقوةٍ فينتشرُ. أو أنَّه يكثرُ حملُه على الأيدي، فتعظمُ المشقَّةُ بغسلِه. أو أن مزاجَه حارٌّ، فبولُه رقيقٌ، بخلافِ الجاريةِ.
وقال الشافعيُّ: لَمْ يتبينْ ليَ الفرقُ من السنَّةِ بينَهما. وذكرَ بعضُهم أنَّ الغلامَ أصلُه من الماءِ والترابِ، والجاريةَ من الدَّمِ واللَّحمِ. وقد أفادَه ابنُ ماجه في "سننِه"، وهو غريبٌ.
(نضحُه، وهو: غمرُه بالماءِ) وإنْ لَمْ ينفصلِ الماءُ عن المحلِّ. ولا يحتاجُ إلى مرسٍ وعصرٍ؛ لحديثِ أمِّ قيسٍ بنتِ محصنٍ أنَّها أتت بابنٍ لها صغيرٍ، لم يأكلِ الطعامَ، إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فأجلسَه في حِجرِه، فبالَ على ثوبه، فدعا بماءٍ فنضحَه، ولَمْ يغسلْه. متفقٌ عليه (٢).
(ويُجزئُ في تطهيرِ صَخرٍ، وأحو اضٍ، وأرضٍ تنجَّسَت بمائعٍ، ولو من كلبٍ أو خنزيرٍ، مكاثرتُها بالماءِ، بحيثُ يذهبُ لونُ النجاسةِ وريحُها) مع الطعمِ أيضًا؛ لحديثِ أنسِ قال: جاءَ أعرابيٌّ فبالَ في طائفةِ المسجدِ، فزجرَه الناسُ، فنهاهم
стр. 192
ولا تطهُر الأرضُ بالشمسِ والرِّيحِ والجَفَافِ، ولا النجاسةُ بالنَّارِ.
وتطهُرُ الخمرَةُ بإنائِها إنْ انقَلَبت خَلًّا بنَفسِها.
النبيُّ ﷺ ، فلمَّا قضَى بولَه، أمرَ بذَنوبٍ فأُهريقَ عليه. متفقٌ عليه (١). فإن بقيا (٢) أو أحدُهما، لم تطهُرْ؛ لأنَّه دليلُ بقائِها.
والمرادُ بالمكاثرةِ: صبُّ الماءِ على النجاسةِ، ولو كانتْ المكاثرةُ من مطرٍ. قال في "الكافي" (٣): لو كانتْ أرضُ البئرِ نجسةً، فنبعَ الماءُ عليها طَهَّرَها.
(ولا تطهرُ الأرضُ بالشمسِ والريحِ والجفافِ، ولا النجاسةُ، بالنارِ) فرمادُها، ودخانُها، وبخارُها، وغبارُها، نجسٌ؛ لأنَّه إنَّما تغيرتْ هيئةُ جسمِها، كالميتةِ النجسةِ تصيرُ بتطاولِ الزمانِ ترابًا. وكذا صابونٌ عُمِلَ من زيتٍ نجسٍ.
ولا تطهرُ النجاسةُ باستحالةٍ، فالمتولِّدُ منها، كدودِ جُرحٍ، وصراصيرِ كُنُفٍ، وكالكلابِ تُلقَى في ملَّاحةٍ، فتصيرُ مِلْحًا، نجسةٌ، كالدَّمِ يتسحيلُ قيحًا.
(وتطهرُ الخمرةُ بإنائِها إن انقلبَتْ خلًّا بنفسِها). أي: من غيرِ نقلٍ، ولا وضعِ شيءٍ فيها، فإنَّها تطهرُ؛ لأنَّ نجاستَها لشدَّتِها المسكرةِ الحادثةِ لها، وقد زالَ ذلك، فوجبَ أنْ تطهرَ، كالماءِ الذي تنجَّس بالتغيرِ إذا زالَ تغيرُّه بنفسِه. ولا يلزمُ عليه سائرُ النجاساتِ، لكونِها لا تطهرُ بالاستحالةِ؛ لأنَّ نجاستَها لعينِها، والخمرةُ نجاستُها لأمرٍ زالَ بالانقلاب.
ودَنُّها مثلها، فيطهرُ بطهارتِها؛ تبعًا لها، ولو ممَّا لم يلاقِ الخلُّ مما فوقَه، مما أصابَه الخمرُ في غليانِه، فيطهرُ كالذي لاقاهُ الخلُّ.
стр. 193
وإذا خَفيَ موضعُ النجاسِة، غَسَلَ حتَّى يَتيقَّنَ غسلَها.
ويحرُمُ تخليلُها. والنبيذُ كالخمرِ فيما تقدَّمَ. وعنه: يجوزُ.
"فائدةٌ": الخلّ المباحُ أن يصبَّ على العنبِ أو العصيرِ خلٌّ قبلَ غليانِه، حتى لا يغليَ. نصَّ عليه.
(وإذا خفِىَ موضعُ النجاسةِ) سواءٌ كانت في بدنٍ، أو ثوبٍ، أو مصلَّى صغيرٍ، كبيتٍ صغيرٍ (غسلَ حتى يتيقنَ غسلَها) ليخرجَ من العُهدةِ بيقينٍ. فإنْ جَهِلَ جهتَها من بدنٍ أو ثوبٍ، غسلَه كلَّه، وإن علِمَها في إحدى يديه، أو أحد كُمَّيه ونسيه، غسلَهما. وإن علِمَها فيما يدركُه بصرُه من بدنِهِ، أو ثوبه، غسلَ ما يدركُه منهما. فإنْ صلَّى قبلَ ذلك، لم تصحَّ؛ لأنَّه تيقَّنَ المانعَ، فهو كمَن تيقنَ الحدثَ وشكَّ في الطهارةِ.
стр. 194
فَصْلٌ
المسكِرُ المائِعُ ، وكذا الحَشيشَةُ، وما لا يؤكلُ من الطَّيرِ والبهائم، مما فَوقَ الهِرِّ خِلْقَةً، نَجِسٌ.
(فصلٌ)
(المسكرُ المائعُ) نجسٌ، خمرًا كان أو نبيذًا، لقولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المَائدة: ٩٠] إلى قولِه: ﴿رِجْسٌ﴾ [المَائدة: ٩٠]. ولأنه يحرُمُ تناولُها من غيرِ ضررٍ، أشبَهَ الدَّمَ، ولقولِه ﵇: "كلُّ مسكرٍ خمرٌ، وكلُّ خمرٍ حرامٌ". رواه مسلمٌ (١). ولأنَّ النبيذَ شرابٌ فيه شدةٌ مطربةٌ، أشبَهَ الخمرةَ.
(وكذا الحشيشةُ) اختارَه الشيخُ تقيُّ الدين. والمرادُ: بعد علاجِها، كما يدلُّ عليه كلامُ الغزيِّ في "شرحه" على منظومته.
وقيل: طاهرُة. قدَّمه في "الرعاية الكبرى"، وحواشي صاحبِ "الفروع" على "المقنع"، وهو ظاهرُ كلامِ كثيرٍ من الأصحابِ، وهو الصَّوابُ. قاله في "تصحيح الفروع" (٢).
(وما لا يؤكلُ من الطيرِ والبهائمِ مما فوقَ الهرِّ خِلْقَةً) كالعُقابِ، والصقرِ، والحِدَأةِ، والبُومةِ، والنَّشرِ، والرَّخَمِ، وغُرابِ البينِ، والأَبْقعِ، والفيلِ، والبَغْلِ والحمارِ، والأسد، والنَّمِرِ، والذِّئْبِ، والفَهْدِ، والكلبِ، والخنزيرِ، وابنِ آوى، والدُّبِّ، والقردِ، والسِّفعِ -ولد الضبعِ- والعِسبارِ- ولد ذيبةٍ من الضبعِ- (نجسٌ)
стр. 195
وما دُونَها في الخِلقَة كالحيَّة، والفأر، والمُسكِرُ غيرُ المائعِ، فَطاهِرٌ.
وكلُّ ميتةٍ نجِسَةٌ، غيرَ ميتةِ الآدميِّ، والسَّمكِ، والجَرادِ، وما لا نفس له سائلةٌ، كالعقرَب، والخُنفُساءِ، والبقِّ، والقَملِ، والبراغِيث.
وما دونَ ذلك في الخلقةِ، فهو طاهر (١)، كالنِّمْسِ، والنَّسْناسِ، وابنِ عُرْسٍ، والقُنْفُذِ، والفأرِ. وقدْ أشارَ إليه بقولِه (وما دونَها في الخلقةِ، كالحيةِ، والفأرِ) طاهرٌ (والمسكرُ غيرُ المائعِ. فطاهرٌ) كالبنجِ ونحوِه مما يسكرُ.
فإن قلتَ: الحشيشةُ من المسكرِ الجامدِ، فهل يُحكَمُ بطهارتِها أم لا؟
قلتُ: مفهومٌ ما ذُكِرَ: الحكمُ بطهارتِها، ما دامتْ جامدةً، فإن أُميعتْ فهي نجسةٌ. أطلقهنَّ في "الفروع"، و"الفائق". وقد تقدَّمَ الحكمُ بطهارتِها في "الرعاية" و"حواشي المقنع".
(وكلُّ ميتةٍ نجسةٌ، غيرَ ميتةِ الآدميِّ) فهي طاهرةٌ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسرَاء: ٧٠] ولحديثِ: "إنَّ المؤمنَ لا ينجسُ" (٢). ولأنَّه لو نَجُسَ لم يطهرْ بالغَسلِ. وأجزاؤُه وأبعاضُه كجملتِه.
(و) غيرَ ميتةِ (السمكِ) وسائرِ ما لا يعيشُ إلا في الماءِ. بخلافِ ما يعيشُ في البرِّ والبحرِ، فميتته نجسةٌ، كالضِّفدعِ (٣).
(و) غيرَ ميتةِ (الجرادِ) وهي طاهرةٌ؛ لأنها لو كانت نجسةً، لم يحلَّ أكلُها. (و) غيرَ ميتةِ (ما لا نفسَ له سائلة) أي: ما ليس له دمٌ يسيلُ (كالعقربِ، والخُنفُساءِ، والبقِّ، والقملِ، والبراغيثِ) والعنكبوتِ، والذُّبابِ، والزُّنبورِ،
стр. 196
وما أُكِلَ لحمُه، ولم يكنْ أكثرُ علَفِه النجاسةَ، فبولُه، وروثُه، وقيئُه، ومذيُه، ووديُه، ومنيُّه، ولبنُه، طاهرٌ.
وما لا يؤكلُ، فنجِسٌ، إلا مَنيَّ الآدميِّ، ولبنَه، فطاهرٌ.
والنَّملِ، والدُّودِ، والنَّحلِ، والصراصيرِ التي لم تتولَّدْ من نجاسةٍ.
لا الوزغُ والحيةُ، فميتتُهما نجسةٌ؛ لأنَّ لهما نفسًا سائلةً. والعلقَةُ يخلقُ منها حيوانٌ، ولو آدميًّا، أو طاهرًا، نجسةٌ؛ لأنَّها دمٌ خارجٌ من الفرجِ.
والبيضةُ تصيرُ دمًا، نجسةٌ، وكذا بيضٌ مَذِرٌ. ذكرَه أبو المعالي. ونقلَ في "الإنصاف" (١) عن ابنِ تميمٍ: أنَّ الصحيحَ طهارتُها.
ولبنُ غيرِ آدميٍّ ومأكولٍ كلبنِ هرٍّ، نجسٌ. ومنيُّ غيرِ آدميٍّ ومأكولٍ، نجسٌ.
وأما منيُّ المأكولِ، فطاهرٌ. وكذا منيُّ الآدميِّ، ذكرًا أو أنثى، عن احتلامٍ أو جماعٍ أو غيرِهما، فلا يجبُ فرْكٌ، ولا غسلٌ. وظاهرُه: ولو عن استجمارٍ. وصرَّحَ به في "الإقناع" (٢). وإن كان على المخرجِ نجاسةٌ، فالمنيُّ نجسٌ لا يُعفى عن شيءٍ منه. ذكَرَهُ في "المبدع".
(وما أُكِلَ لحمُه، ولم يكنْ أكثرُ علفِه النجاسةَ، فبولُه، وروثُه، وقيئُه، ومذيُه، ووديُه، ومنيُّه، ولبنُه، طاهرٌ) وكذا دمعُه؛ لأنَّه ﷺ أمرَ العُرَنيين أن يلحقوا بإبلِ الصدقةِ، فيشربوا من أبوالِها وألبانِها (٣). والنجسُ لا يُباحُ شربُه.
(وما لا يؤكلُ) لحمُه، فقسْ عليه ما تقدَّمَ (فنجسٌ، إلَّا منيَّ الآدميِّ، ولبنَه، فطاهرٌ) ذكرًا كان أو أنثى. وقد مرَّ التفصيلُ في ذلك.
стр. 197
والقيحُ، والدَّمُ، والصَّديدُ، نجسٌ، لكن يُعفى في الصلاةِ عن يَسيرٍ منه لم ينقُض، إذا كان من حيوانٍ طاهرٍ في الحياةِ، ولو مِن دم حائضٍ.
(والقيحُ، والدَّمُ، والصديدُ، نجسٌ، لكنْ يُعفى في الصَّلاةِ عن يسيرٍ منه) واحترزَ بالدَّمِ ونحوِه عن البولِ والغائطِ ونحوِهما، فإنَّه لا يُعفى عن يسيرِ شيءٍ من ذلك، لقولِه تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدَّثِّر: ٤] وقولِه ﵇: "تنزهوا من البولِ، فإنَّ عامَّةَ عذابِ القبرِ منه" (١). ولأنَّها نجاسةٌ لا يَشقّ إزالتُها، فوجبَت كالكثيرِ. وكذا ماءُ القروحِ، لكن يُعفى عنها عن أكثرَ مما يُعفى عن مثلِه من الدَّمِ، للاختلافِ فيها. ولهذا قال الإمامُ أحمدُ: هو أسهلُ من الدمِ.
ويُعفى عن يسيرٍ من ذلك، ولو من غيرِ مصلٍّ. أي: بأن كان دمَ آدميٍّ غيرِه، أو دمَ حيوانٍ طاهرٍ مأكولٍ أو لا، كالهرِّ. وقيل: يختصُّ العفوُ بدمِ بدنِ نفسِ المصلِّي وقيحِه وصديدِه. وليس المرادُ: المصلِّي المتلبسَ بالصَّلاةِ. (لم ينقضْ) وهو الذي لم يفحشْ في نفسِ كلِّ أحدٍ بحسبِه.
(إذا كان من حيوانٍ طاهرٍ في الحياةِ) وهو ما دونَ الهرِّ خلقةً، أوآدميٍّ. (ولو من دمِ حائضٍ) ونفاسٍ، وهو الصحيحُ من المذهبِ. جزمَ به في "المغني" و" الشرح " وابنُ رزين " والمنور"، وهو ظاهرُ " الوجيز ".
ولا يُعفى عن شيءٍ من دمٍ وقيحٍ وصديدٍ من حيوانٍ نجسٍ، ككلبٍ وحمارٍ؛ لأنَّه لا يُعفى عن يسيرِ فضلاتِه، كعرقِه وريقِه، فدمُه أَوْلى. ما لم يكنْ القيحُ والصَّديدُ من سبيلٍ، قبُلٍ أو دُبُرٍ، فلا يُعفى عن شيءٍ منه؛ لأنَّ حكمَه حكمُ البولِ والغائطِ.
стр. 198
ويُضَمُّ يَسيرٌ متفرِّق بثَوبٍ، لا أكثرَ.
وطينُ شارع ظُنَّتْ نجاستُه،
ويُعفى عن أثرِ استجمارٍ بمحلِّه، وعن يسيرِ سلسِ البولِ. ويُعفى عن دخانِ النجاسةِ وغبارِها وبخارِها، ما لم تظهرْ له صفةٌ. ويُعفى عن يسيرِ ماءٍ نَجُسَ بما (١) عُفيَ عن يسيرِه، كدمٍ وقيح وصديدٍ. قالَه ابنُ حمدان في "رعايته" (٢).
"فائدةٌ": المسكُ وفأرتُه طاهرةٌ، على الصحيحِ. قال الشيخُ مرعي في "غاية المنتهى" (٣): وكذا زَبَّادٌ، خلافًا لصاحبِ "الإقناع ".
(ويُضَمُّ يسيرٌ) نجسٌ عُفيَ عنه (متفرِّقٌ بثوبٍ) واحدٍ (لا أكثرَ) من ثوبين، فإنَّه لا يضمُّ، ويكونُ لكلِّ ثوبٍ حكمُ نفسِه.
(و) يُعفَى عن يسيرِ (طينِ شارعٍ) تحقَّقَتْ نجاستُه. وهو طاهرٌ إن (ظُنَّتْ نجاستُه) قال في "الرعاية": وطينُ الشارعِ طاهرٌ إن جهِلَ حالُهُ. أومأَ إليه أحمدُ.
وعنه: أنَّه نجسٌ. وقيل: مع ظنِّ نجاسةٍ غالبًا. ويُعفَى إذنْ عن يسيرِه في الأصحِّ. وترابُها طاهرٌ.
وقال الشيخُ تقي الدين: لو تحقَّقَتْ نجاسةُ طينِ الشوارعِ، عُفي عن يسيرِه؛ لمشقَّةِ التحرُّزِ منه. واختارَ الشيخُ تقي الدين: ترابُها كذلك، وقال: هو أصحُّ القولين. ذكرَهُ في " الإنصاف " (٤).
стр. 199
وعَرَقٌ ورِيقٌ من طاهِرٍ، طاهرٌ.
ولو أكل هِرُّ ونحوُه، أو طفلٌ نجاسةً، ثمَّ شَرِبَ من مائعٍ، لم يضُرَّ.
ولا يُكره سُؤرُ حيوانٍ طاهرٍ،
"تنبيهٌ": قال في "الإنصاف" (١): حيثُ قلْنا بالعفوِ فيما تقدَّمَ، فمحلُّه في الجامداتِ دون المائعاتِ، إلا عندَ الشيخِ تقيِّ الدين، فإنَّ عندَه يُعفَى عن يسيرِ النجاساتِ في الأطعمةِ أيضًا، حتى بعرِ الفأرِ. قال في "الفروع ": ومعناه اختيارُ صاحبِ "النظم". قلتُ: قال في "مجمع البحرين ": قلتُ: الأَوْلى العفوُ عنه في الثيابِ والأطعمةِ؛ لعظمِ المشقَّةِ. ولا يرتابُ ذو عقلٍ في عمومِ البلوَى به، لاسيما في الطواحينِ، ومعاصرِ السكَّرِ والزيتِ، وهو أشقُّ صيانةً من سؤرِ الفأرِ، ومن دمِ الذُّبابِ ونحوِه، ورجيعِه. وقد اختارَ طهارتَه كثيرٌ من الأصحابِ. قال الشيخُ تقيُّ الدين: إذا قلْنا: يُعفي عن يسيرِ النبيذِ المختلفِ فيه، لأجلِ الخلافِ فيه، فالخلافُ في الكلبِ، أظهرُ وأقوَى. انتهى. قاله في " الإنصاف " (٢)
(وعَرَقٌ وريقٌ من طاهرٍ، طاهر) أي: من حيوانٍ طاهرٍ؛ مأكولٍ أو غيرِ مأكولٍ. وكذا الدمعُ، والمخاطُ، والبَلْغمُ -ولو أزرَقَّ- وسائلٌ من فمٍ وقتَ نومٍ.
(ولو أكلَ هرٌّ ونحوُه) كنِمْسٍ، وفأرٍ، وقُنْفُذٍ، ودجاجةٍ، وبهيمةٍ، نجاسةً، (أو) أكلَ (طفلٌ نجاسةً، ثُمَّ شرِبَ) الهرُّ ونحوُه، أو الطفلُ، (من مائعٍ، لم يضرَّ) أي: لم يؤثر، لمشقَّةِ التحرّزِ منه.
(ولا يُكره سؤرُ حيوانٍ طاهرٍ) ولو غيرَ مأكولٍ كالهرِّ، لما رُوي عن عائشةَ أنَّ
стр. 200
وهو: فضلَةُ طعامِه وشرابِه.
رسولَ اللهِ ﷺ كان يُصغِى إلى الهرةِ الإناءَ، حتى يشربَ، ثم يتوضَّأَ بفضلِها. رواه الدارقطنيُّ (١). ولأنَّه حيوانٌ طاهرٌ، فلم يكره سؤرُه.
وأما سؤرُ الحيوانِ النجسِ، كسباعِ البهائمِ، وجوارحِ الطيرِ، والبغلِ، والحمارِ، فنجسٌ.
(وهو) أي: السؤرُ. قال في "المطلع" (٢): بضمِّ السين مهموز: بقيةُ طعامِ الحيوانِ وشرابِه. عن صاحبِ "المحكم" من اللُّغويين، وصاحبِ "المستوعب" من الفقهاءِ. وسورُ المدينةِ غيرُ مهموزٍ. والسورةُ من القرآنِ، تهمزُ لشبهِها بالبقيةِ، ولا تهمزُ لشبهِها بسورِ المدينةِ. انتهى: (فضلةُ طعامِه وشرابِه) قال في "الإنصاف" (٣): يُكره سؤرُ الفأرِ" لأنَّه يُنسي. قال في "الرعاية": على الأشهرِ.
ويُكره سؤرُ الدَّجاجةِ إذا لم تكن مضبوطةً، نصَّ عليه. قاله ابنُ تميمٍ وغيره. وقد يُكره سؤرُ الكافرِ (٤).
"فائدةٌ": وإن ماتَ حيوانٌ ينجسُ بالموتِ، أو وقعَ ميتًّا رطبًا في دقيقٍ ونحوِه، أُلقي وما حولَه، واستُعمل الباقي. وإن اختلطَ ولم ينضبطْ، حرُمَ الكلِّ. نقلَه صالحٌ وغيره.
стр. 201
بابُ الحَيْضِ
لا حَيضَ قبلَ تَمامِ تِسعِ سِنينَ،
(بابٌ)
يُذكرُ فيه حكمُ الحيض، والاستحاضةِ، والنفاسِ، وما يتعلَّقُ بذلك.
الحيضُ لغةً: السَّيلانُ. مصدرُ حاضَ، مأخوذٌ من حاضَ الوادي، إذا سالَ. وحاضتِ الشجرةُ، إذا سالَ منها شبهُ الدَّمِ، وهو الصمغُ الأحمرُ. وتحيَّضتْ: قعدتْ أيامَ حيضِها عن نحوِ صلاةٍ. ومن أسمائِه: الطَّمثُ، والعَراكُ، والضَّحكُ، والإعصارُ، والإكبارُ، والنفاسُ، والفراكُ، والدراسُ.
واستحيضتْ المرأةُ: استمرَّ بها الدمُ بعدَ أيامِها.
وشرعًا: دمُ طبيعةٍ وجِبِلَّةٍ، بضمِّ الجيمِ وكسرِها. أي: سجيَّةٍ وخلقةٍ، جبلَ اللهُ بناتِ آدمَ عليه، تُرخيهِ الرِّحِمُ، بفتح الراء وكسرها، مع كسر الحاء وسكونها فيهما: بيتُ منبتِ الولدِ ووعاؤُه، ومخرجُه من قعرِه، يَعتادُ أنثى إذا بلغتْ، في أوقاتٍ معلومةٍ في الغالبِ.
"فائدةٌ": يحيضُ من الحيوانِ أربعٌ: المرأةُ، والضبعُ، والخفاشُ، والأرنبُ. قاله الجاحظُ. وزادَ غيرُه: الحَجْرَة (١)، والناقةُ، والوزغةُ، والكلبةُ.
(لا حيضَ) للمرأةِ (قبلَ تمامِ تسعِ سنينَ) تحديدًا. رُوي عن عائشةَ: إذا بلغَتِ
стр. 202
ولا بعدَ خَمسِينَ سنةً، ولا معَ حَملٍ.
وأقلّ الحيضِ: يومٌ وليلةٌ
الجاريةُ تسعَ سنين، فهي امرأةٌ (١). ورُوي مرفوعًا عن ابنِ عمرَ. والمرادُ: حكمُها حكمُ المرأةِ، فمتى رأتْ دمًا يصلحُ أن يكونَ حيضًا، حُكِمَ بكونِه حيضًا، وببلوغِها. وإن رأته قبلَ هذا السنِّ، لم يكنْ حيضًا.
(ولا) حيضَ (بعدَ خمسين سنةً) لقولِ عائشةَ: إذا بلغتِ المرأةُ خمسين سنةً، خرجتْ من حدِّ الحيضِ (٢). وعنها أيضًا: لن ترَى المرأةُ في بطنِها ولدًا بعدَ الخمسين.
(ولا) حيضَ (مع حملٍ) نصًّا، وفاقًا لأبي حنيفةَ. فإذا رأتْ دمًا، فهو دمُ فسادٍ، فلا تتركِ الصَّلاةَ، ولا يُمنعُ زوجُها من وطئِها. ويُستحبّ أن تغتسلَ بعدَ انقطاعِه، نصًا.
(وأقلُّ) مدةِ (الحيضِ) أي: زمنًا يصلُحُ أن يكونَ دمُه حيضًا: (يومٌ وليلةٌ) هذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وعنه: يومٌ. اختارَه أبو بكرٍ. قاله في "مجمع البحرين" وغيرِه. قال في " الفصول ": وقد قال جماعة من أصحابِنا: إن إطلاقَ اليومِ يكونُ مع ليلتِه، فلا يختلفُ المذهبُ على هذا القولِ في أنَّه يوم وليلة. انتهى. قلتُ: منهم القاضي في كتاب "الروايتين ".
واختارَ الشيخُ تقيُّ الدين: أنه لا يُقدَّرُ أقلّ الحيضِ ولا أكثرُه، بل كلُّ ما استقرَّ
стр. 203
وأكثرُه: خمسَةَ عشَرَ يومًا. وغالِبهُ: لسِتٌّ أو سَبعٌ.
وأقلُّ الطُهرِ بين الحيضَتين: ثلاثةَ عشَرَ يومًا
عادةً للمرأةِ، فهو حيضٌ، وإن نقصَ عن يومٍ، أو زادَ على الخمسةَ عشرَ، أو السبعةَ عشرَ، ما لم تصرْ مستحاضةً. ذكرَهُ في "الإنصاف" (١).
(وأكثرُه) أي: الحيضِ: (خمسةَ عشرَ يومًا) بليالِيها؛ لقولِ عليٍّ: ما زادَ على خمسةَ عشرَ، استحاضةٌ (٢). (وغالبُه) أي: الحيضِ. (ست أو سبعٌ) لقولِ النبيِّ ﷺ رضي اللَّه تعالى عنها: "تحيَّضِي في علمِ اللهِ، ستةَ أيامٍ، أو سبعةً، ثُمَّ اغتسلي، وصلِّي أربعةً وعشرين يومًا، أو ثلاثةً وعشرين يومًا، كما تحيضُ النساءُ، وكما يطهرْنَ لميقاتٍ" (٣).
(وأقلُّ الطُّهرِ بين الحيضتين: ثلاثةَ عشرَ يومًا) لما روى أحمدُ، واحتجَّ به، عن علي، أنَّ امرأةً جاءَته، وقد طلَّقَها زوجُها، فزعمَت أنَّها حاضتْ في شهرٍ ثلاثَ حيضٍ، فقال لشريحٍ: قلْ فيها. فقال شريحٌ: إن جاءَت ببينةٍ من بطانةِ أهلِها ممن يُرضى دينُه وأمانتُه، فشهدتْ بذلك، وإلا فهي كاذبةٌ. فقال عليُ: قالون. أي: جيِّدٌ، بالرُّوميِّةِ (٤). وهذا لا يقولُه إلا توقيفًا، وانتشرَ، ولم يُعلَمْ خلافُه. ووجودُ ثلاثِ حيضٍ في شهرٍ دليل على أنَّ الثلاثةَ عشرَ طهرٌ يقينًا. قال أحمدُ: لا يُختلفُ أنَّ العدَّةَ يصحُّ أن تنقضي في شهرٍ إذا قامَت به البينةُ.
стр. 204
وغالِبُهُ: بقيَّةُ الشَّهرِ. ولا حَدَّ لأكثَرِه.
ويحرم بالحيضِ أشياءُ، منها:
الوطءُ في الفَرجِ، والطلاقُ،
(وغالبه) أي: الطُّهرِ. (بقيةُ الشهرِ) بعدَ ما حاضتْهُ منه؛ إذ الغالبُ أنَّ المرأةَ تحيضُ في كلِّ شهرِ حيضةً، فمَنْ تحيضُ ستةَ أيامٍ، أو سبعةً من الشهرِ، فغالبُ طهرِها أربعةٌ وعشرون، أو ثلاثةٌ وعشرون يومًا
(ولا حدَّ لأكثرِه) أي: الطّهرِ؛ لأنَّه لم يردْ تحديدُه شرعًا. ومن النساءِ من تحيضُ (١) الشهرَ. والثلاثَةَ، والستةَ فأكثرَ. ومنهن من لا تحيضُ أصلًا.
(ويحرُمُ بالحيضِ أشياءُ) وهي اثنى عشرَ، عدَّها صاحبُ " المنتهى "، وزادَ في " الإقناع " ثلاثةً (منها) أي:
أحدُها: (الوطءُ في الفرجِ)؛ لقولِه ﵇: "اصنعوا كلَّ شيءٍ إلا النكاحَ ". رواه مسلمٌ (٢). إلا لمَنْ به شبقٌ بشرطِه، وهو أنْ لا تندفعَ شهوتُه بدونِ الوطءِ في الفرجِ، ويخافُ تشقُّقَ أُنثييهِ إنْ لَمْ يطأْ، ولا يجدُ غيرَ الحائضِ؛ بأن لا يقدرَ على مهرِ حرَّةٍ، ولا ثمنِ أمةٍ.
(و) الثاني: (الطلاقُ) لما رُوي عن ابنِ عمرَ: أنَّه طلَّقَ امرأتَه وهي حائضٌ، فذكَرَ عمرُ ذلك للنبيِّ ﷺ . فقال: "مره فليراجعْها، ثُمَّ ليطلقْها طاهرًا أو حاملًا". متفقٌ عليه (٣). ولم يقلِ البخاريُّ: "أو حاملًا". ولأنه إذا طلَّقَها فيه كان محرَّمًا،
стр. 205
والصلاةُ، والصومُ، والطواف،
وهو طلاقُ بدعةٍ؛ لما فيه من تطويلِ العدَّةِ، مَا لَمْ تسألْه طلاقًا بعوضٍ، أو خلعًا؛ لأنها أدخلَت الضَّررَ على نفسِها، وإنْ سألَته طلاقًا بغيرِ عوضٍ، لَمْ يصحَّ.
قال الشيخُ منصورٌ في شرحِه على "الإقناع" (١): قلتُ: ولعلَّ اعتبارَ العوضِ؛ لأنها قد تُظهرُ خلافَ ما تُبطنُ. فبذلُ العوضِ يدلُّ على إرادتِها الحقيقيةِ.
(و) الثالثُ: (الصَّلاةُ) ويمنعُ وجوبَ صلاةٍ في زمنه. قال في "الفروع" (٢): إجماعًا. فلا تقضيها إجماعًا. قيل لأحمدَ في روايةِ الأثرمِ: فإن أحبَّتْ أنْ تقضيَها؟ قال: لا، هذا خلافٌ. أي: بدعةٌ.
وتفعلُ ركعتي طوافٍ؛ لأنَّها نسكٌ، ولا آخرَ لوقتِه. ذكرَه في " الفروع " بمعناه، فيعابا بها. انتهى (٣).
يعني: إذا طافَت، ثمَّ حاضَت قبلَ أن تصلِّي ركعتي الطواف، فإنها تصلِّيها إذا طَهُرَت؛ لأنَّه لا آخرَ لوقتِها، فتسميتُها قضاءً تجوُّزًا.
(و) الرابعُ: (الصومُ) أي: فعلُ الصومِ؛ لقولِه ﵇ في حديثِ أبي سعيدٍ: "أليسَ إحداكُنَّ إذا حاضَت، لم تصمْ، ولم تصلِّ؟ " قلن: بلى. قال: "ذلك من نقصانِ دينِها". رواه البخاريُّ (٤). ولا يمنعُ الحيضُ وجوبَه، فتقضيه إجماعًا.
(و) الخامسُ: (الطوافُ) أي: فعلُ الطوافِ؛ لقولِه ﵇ لعائشةَ: "إذا
стр. 206
وقراءةُ القرآنِ، ومسّ المصُحَفِ، واللُّبثُ في المسجِدِ، وكذا المرورُ فيهِ إن خافَتْ تلويثَه.
حضْتِ فافعلي ما يفعلُ الحاجُّ، غيرَ أن لا تطوفي بالبيتِ حتى تطهُري". متفقٌ عليه (١). ولأنَّه صلاةٌ، ووجوبُه باقٍ، فتفعلُه إذا طهُرَتْ أداءً (٢)؛ لأنَّه لا آخرَ لوقتِه. ويسقُطُ عنها وجوبُ طوافِ الوداعِ، كما يأتي.
(و) السادسُ: (قراءةُ القرآنِ) مطلقًا، لقولِه ﵇: " لا تقرأُ الحائضُ ولا الجنبِ شيئًا من القرآنِ". رواه أبو داودَ والترمذيُّ (٣).
(و) السابعُ: (مسُّ المصحفِ) لقولِه تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقِعَة: ٧٩].
(و) الثامنُ: (اللبثُ في المسجدِ) لقولِه ﵇: "لا أُحِلُّ المسجدَ لحائضٍ، ولا لجنب ". رواه أبو داودَ (٤).
(وكذا) التاسعُ: (المرورُ فيه (٥) إن خافَت تلويثَه) لأنَّ تلويثَه بالنجاسةِ محرَّمٌ، والوسائلُ لها حكمُ المقاصدِ.
هذا ما ذكرَ المصنِّفُ، واقتصرَ عليه. والباقي يأتي في أبوابِه مفصَّلًا، فلا حاجةَ إلى إعادتِه.
стр. 207
ويُوجِبُ: الغُسلَ، والبلوغَ، والكفَّارةَ بالوَطءِ فيهِ ولو مُكرَهًا، أو ناسيًا أو جاهِلَ الحيضِ والتحريمِ،
(ويوجبُ) الحيضُ ثلاثةَ أشياءَ:
أحدُها: (الغُسل) لقولِه ﵇: "دعي الصَّلاةَ قدرَ الأيامِ التي كنتِ تحيضين فيها، ثمَّ اغتسلِي وصلِّي ". متفقٌ عليه (١).
والثاني: (البلوغُ) لقولِه ﵇: " لا يقبلُ اللهُ صلاةَ حائضٍ إلا بخمارٍ". رواه أحمدُ وغيرُه (٢). فأوجبَ عليها أن تستترَ لأجلِ الحيضِ، فدلَّ على أنَّ التكليفَ حصلَ به.
والثالثُ: (الكفارةُ بالوطءِ فيه) لحديثِ ابنِ عباسٍ مرفوعًا، في الذي يأتي امرأتَهُ وهي حائضٌ: قال: يتصدَّقُ بدينارٍ، أو نصفِ دينارٍ". رواه أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ والنسائيُّ (٣). وتخييرُه بين الشيءِ ونصفِه، كتخييرِ المسافرِ بين القصرِ والإتمامِ. والدينارُ هنا: المثقالُ من الذهبِ مضروبًا، أو لا. وتجزئُ قيمتُه من الفِضَّةِ فقط. وسواء وطئ أوَّلَ الحيضِ وآخرَهُ، أسودَ كان الدَّمُ أو أحمرَ. وكذا لو جامعَها وهي طاهرةٌ، فحاضتْ، فنزعَ في الحالِ؛ لأنَّ النزعَ جماعٌ. (ولو) كانَ الواطيُّ (٤) (مُكرَهًا، أو ناسيًا، أو جاهلًا، الحيضَ والتحريمَ) لعمومِ الخبرِ،
стр. 208
وهي دينارٌ أو نصفُهُ، على التخيير، وكذا هِيَ إنْ طاوعَتْ.
ولا يُباحُ بعدَ انقطاعِه وقَبلَ غُسلِها أو تَيمُّمِها، غيرُ الصومِ،
وكالوطءِ في الإحرامِ.
(وهي) أي: الكفارةُ: (دينارٌ أو نصفُه على التخيير) وتقدَّمَ الكلامُ عليه.
قال في "الإنصاف" (١): ظاهرُ قولِه: فعليه نصفُ دينارٍ كفارةً. أنَّ المُخرَجَ كفارةٌ، فتُصرَفُ مَصرِفَ سائرِ الكفَّاراتِ، وهو صحيحٌ. قال في " الفروع ": وهو كفارةٌ. قال أكثر الأصحابِ: يجوزُ دفعُها إلى مسكينٍ واحدٍ كنذرٍ مطلَقٍ. وذكرَ الشيخُ تقيُّ الدين وجهًا: أنَّه يجوزُ صرفُه أيضًا إلى مَنْ له أخذُ الزكاةِ للحاجةِ. قال في "شرح العمدة": وكذا الصدقةُ المطلقةُ.
وقال أيضًا في "المنهج ": ونصفُه على التخييرِ نصًّا، كفارة. وتجزئُ إلى مسكينٍ واحدٍ، كنذرٍ مطلقٍ. وتسقطُ بعجزٍ. قال في " الإنصاف " (٢): وهو ظاهرُ ما قدَّمَه في "الفروع".
(وكذا هي) أي: المرأةُ كالرجلِ في الكفَّارةِ، قياسًا عليه (إنْ طاوعتْ) على الوطءِ، فإنْ أكرَهَها، فلا كفارةَ عليها. وقياسُه: لو كانتْ ناسيةً أو جاهلةً. وهي من المفرداتِ. وعنه: لا كفارةَ عليها.
(ولا يُباحُ بعد انقطاعِه) أي: انقطاعِ الحيضِ (وقبل غُسلِها، أو تيمُّمِها) معَ عدمِ الماءِ (غيرُ الصومِ) لأنَّ وجوبَ الغسلِ لا يمنعُ فعلَه، كالجنابةِ. فلا يباحُ الصَّلاةُ، والطوافُ، والقراءةُ، واللُّبثُ في المسجدِ، ومسُّ المصحَفِ، والوطءُ في
стр. 209
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفرجِ بمجرَّدِ انقطاعِه قبلَ الغُسلِ، لقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢] إذ المرادُ بقولِهِ: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢] انقطاعُ الدمِ، وأما قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢] يعني: اغتسلنَ بالماءِ. قالَهُ ابنُ عباسٍ. ولأنَّ التطهرَ تفعُّلٌ، وهو يقتضي إيجادَ فِعلٍ، كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المَائدة: ٦] ولأنَّ في حملِ قولِهِ تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢] على الغسلِ، وحملِ قولِهِ تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢] على انقطاعِ الدَّمِ؛ حملًا لكلِّ لفظٍ على فائدةٍ. ومعنى ذلك أَوْلى من جعلِهما بمعنًى واحدٍ.
إذا تقررَ هذا: فلابدَّ من حِلِّ الوطءِ وجودُ انقطاعِ الدمِ مع الغُسلِ. وقيسَ على الوطءِ غيرُه. ولأنَّ حدثَ الحيضِ عودٌ قبلَ الاغتسالِ، فوجبَ أن يمنعَ من ذلك.
قال في "الشرح الكبير" (١): وانقطاعُ الدَّمِ الذي تتعلَّقُ به هذه الأحكامُ: الانقطاعُ الكثيرُ الذي يوجبُ عليها الغُسلَ، فأما الانقطاعُ اليسيرُ في أثناءِ الحيضةِ، فلا حكمَ لَهُ. انتهى.
"فائدةٌ": ووطءُ الحائضِ كبيرةٌ، خلافًا لصاحبِ "الإقناع " هنا. ولا كفارةَ بوطءٍ بعد انقطاعٍ، وقبلَ غُسلٍ، ولا بوطءٍ في دُبُرٍ.
" فرعٌ ": لو أرادَ وطأَها، فادَّعَتْ حيضًا، وأمكنَ، قُبِلَ، نَصًّا؛ لأنَّها مؤتمنةٌ. وقال ابنُ حزمٍ: اتفقوا على قبولِ قولِ المرأةِ، تَزُفُّ العروسَ إلى زوجها، فتقولُ: هذه زوجتُك. وفي قولِها: أنا حائضٌ. أو: قدْ طَهُرْتُ.
стр. 210
والطلاقِ، واللُّبثِ بوضوءٍ في المسجِدِ.
وانقطاعُ الدم؛ بأن لا تتغيَّرَ قُطنةٌ اِحتَشَتْ بها في زمنِ الحيض، طُهرٌ.
وتقضي الحائِضُ والنُّفساءُ الصَّومَ، لا الصلاةَ.
وغيرُ (الطلاق) لأنَّ تحريمَه لتطويلِ العِدَّةِ، وقد زالَ ذلك.
ويُباحُ أيضًا بعدَ انقطاعِهِ لبثٌ بمسجدٍ بوضوءٍ، وتقدَّمَ، وإليه أشارَ بقولِهِ: (واللُّبثِ بوضوءٍ في المسجدِ) لأنَّها أَمِنتْ تلويثَه.
وانقطاعُ الدَّمِ؛ بأن لا تتغيرَ قطنةُ احتشتْ بها في زمنِ الحيضِ) أي: بأنْ لا تتغيرَ قطنةٌ احتشتْ بها: أي: بأنْ لا يخرجَ عليها شيءٌ، أو يخرجُ عليها شيءٌ أبيضُ يُسمَّى: التَّنزيهُ. بخلافِ ما إذا خرجَ عليها شيءٌ كَدِرٌ، أو أحمرُ، أو أصفرُ. (طُهر) فلا يُكره وطؤها إذا انقطعَ دمُها في أثناءِ عادتِها، واغتسلتْ؛ لأنَّه تعالى وصفَ الحيضَ بكونِه: أذىً. فإذا انقطَع واغتسلتْ، فقدْ زالَ الأذى
(وتَقضي الحائضُ والنفساءُ الصومَ) المفروضَ كرمضانَ (لا الصَّلاةَ) لكثرةِ المشقَّةِ بإعادتِها.
стр. 211
فَصْلُ
ومَنْ جاوَزَ دمُها خمسَةَ عَشَرَ يومًا، فهي مُستحاضَةٌ، تجلسُ من كلِّ شهرٍ ستًّا أو سبعًا، حيثُ لا تمييزَ، ثم تغتِسلُ، وتصومُ، وتصلي
(فصلٌ)
(ومَنْ جاوزَ دمُها خمسةَ عشرَ يومًا) أي: أكثرَ الحيضِ (فهي مستحاضةٌ) لأنَّه لا يَصلُحُ أنْ يكونَ حيضًا.
والاستحاضةُ: سيلانُ الدَّمِ في غيرِ زمنِ الحيضِ من عِرقٍ يُقال له: العاذلُ -بالذال المعجمة. وقيل: المهملة. حكاهما ابنُ سِيده. والعاذرُ لغةٌ فيه- من أدنى الرحمِ، دونَ قعرِه، إذِ المرأةُ لها فرجانِ: داخلٌ بمنزلةِ الدبرِ، منه الحيضُ. وخارجٌ بمنزلةِ الأليتَين، منه الاستحاضةُ. والمستحاضةُ: مَنْ جاوزَ دمُها أكثرَ الحيضِ. والدَّمُ الفاسدُ أعمُّ من ذلك. قالَهُ في "الإنصاف" (١) يعني: مِن المستحاضةِ
(تجلسُ مِن كلِّ شهرٍ) هلاليٍّ (ستًا أو سبعًا) من الأيامِ بلياليها (حيثُ لا تمييزَ، ثمَّ تغتسلُ) لذلك (وتصومُ وتصلي) لحديثِ حمنةَ بنتِ جحشٍ قالتْ: يا رسولَ اللهِ، إني أُستحاضُ حيضةً شديدةً كبيرةً، قدْ منعتْني الصَّومَ والصَّلاةَ؟! فقال: " تَحيَّضي في علمِ اللهِ، ستًّا أو سبعًا، ثمَّ اغتسلي". رواه أحمدُ وغيرُه (٢). وعملًا
стр. 212
بعد غَسْلِ المحَلِّ وتَعصِيبه.
وتتوضأُ في وقتِ كُلِّ صلاةٍ،
بالغالبِ (بعد غَسلِ المحلِّ) الملوَّثِ بالحدثِ، لإزالته عنه (وتعصيبه) أي: فعلِ ما يَمنعُ الخارجَ حسبَ الإمكانِ من حشوٍ بقطنٍ وشدِّهِ بخِرْقةٍ طاهرةٍ. فإنْ خرجَ بعد ذلك شيءٌ، لم تبطلْ طهارتُه.
(وتتوضَّأُ) أي: المستحاضةُ (في وقتِ كلِّ صلاةٍ) إنْ خرجَ شيءٌ؛ لقولِهِ ﵇: "وتتوضَّأُ عند كلِّ صلاةٍ". رواه أبو داودَ والترمذيُّ (١). ولقولِهِ أيضًا لفاطمةَ بنتِ أبي حبيشٍ: "وتوضَّئي لكلِّ صلاةٍ حتى يجيءَ ذلك الوقتُ". رواه أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ (٢). ولأنَّها طهارةُ عذرٍ، فتقيَّدَتْ بالوقتِ، كالتيمُّمِ، فإنْ لم يخرج شيء (٣)، لم يبطلْ. وظاهرُه أيضًا: لا يبطلُ بطلوعِ الشمسِ، لو كانتْ توضَّأتْ قبلَهُ. قال المجدُ وغيرُه: وهو أَوْلى، وجزمَ به في نظم "المفردات "، فقال:
وبدخولِ الوقتِ طهرٌ يَبطلُ … لمَنْ بها استحاضةٌ قدْ نقلوا
لا بالخروجِ منه لو تطهرتْ … بالفجرِ لم يبطلْ بشمسٍ ظهرتْ
وقال أبو يعلى: تبطلُ بخروجِ الوقتِ ودخولِهِ. ثمَّ قال: والأَوْلى تبطلُ بدخولِ الوقتِ.
وسوَّى بينهما في "الإقناع"، تبعًا لأبي يعلى، وإليه ميلُه في "الإنصاف".
стр. 213
وتنوي بوُضُوئِها الاستباحَةَ.
وكذا يفعلُ كُلُّ مَنْ حَدثُهُ دائِمٌ.
ويحرمُ وطءُ المستحاضَةِ، ولا كفَّارةَ.
ويصلِّي دائمُ الحدثِ عقبَ طهرِه ندْبًا.
وعُلِمَ من هذا: أنَّه لا يصحُّ وضوؤُها لفرضٍ قبلَ وقتِهِ.
(وتنوي بوضوئِها الاستباحةَ. وكذا يفعلُ كلُّ مَنْ حدثُه دائمٌ) وهو مَنْ به سلَسُ بولٍ، أو مذيٍ، أو ريحٍ، أو رُعافٌ دائمٌ. يعني: أنَّ حكمَ هؤلاءِ، حكمُ المستحاضةِ فيما تقدَّمَ، لتساويهم معنًى، وهو عدمُ التحرزِ من ذلك، فوجبَ المساواةُ حكمًا. قال إسحاقُ بنُ راهويه: كان يزيدُ بنُ ثابتٍ عنده سلسُ البولِ، وكان يداويه ما استطاعَ، فإذا غلبه، صلَّى ولا يبالي ما أصابَ ثوبَه. لكن عليه أنْ يحتشيَ، كما تقدَّمَ في المستحاضةِ.
وإنْ كان محلُّ الحدثِ مما لا يمكنُ عصبُه كالجرحِ الذي لا يرقأْ دمُه، ولا يمكنُ شدُّه، أو مَنْ به باسورٌ أو ناصورٌ، ولا يمكنُ عصبُه، صلَّى على حسبِ حالِهِ؛ لفعلِ عمرَ، حيثُ صلَّى وجرحُه يثعب (١) دمًا. رواه أحمدُ.
(ويحرمُ وطءُ المستحاضةِ، ولا كفَّارَةَ) من غيرِ خوفِ عنتٍ منه، أو منها؛ لقولِ عائشةَ: المستحاضةُ لا يغشاها زوجُها (٢). فإنْ خافَه، أو خافتْه، أُبيحَ وطؤها، ولو لواجدِ الطَّولِ، خلافًا لابن عقيلٍ. وكذا إنْ كان به شبَقٌ شديدٌ؛ لأنَّه أخفُّ من الحيضِ، ومدَّتُه تطولُ، بخلافِ الحيضِ، ولأنَّ وطءَ الحائضِ قدْ يتعدَّى إلى الولدِ،
стр. 214
والنِّفاسُ لا حدَّ لأقلِّه. وأكثرُه: أربعُونَ يومًا.
ويثبتُ حُكمُهُ بوضعِ ما تَبيَّنَ فيه خَلقُ إنسانٍ.
فيكونُ مجذومًا. وحيثُ حَرُمَ لا كفارةَ فيه.
(والنِّفاسُ): دمٌ ترخيه الرحمُ مع ولادةٍ، وقبلَها بيومين أو ثلاثةٍ، بأمارةٍ. أي: علامةٍ على الولادةِ، كالتألمِ وإلَّا فلا تجلُسُه؛ عملًا بالأصلِ. وإنْ تبيَّنَ عدمُه، أعادتْ ما تَركتْه.
(لا حدَّ لأقلِّه) لأنَّه لم يردْ تحديدُه، فرُجعَ فيه إلى الوجودِ، وقدْ وُجِدَ قليلًا وكثيرًا. ورُويَ أنَّ امرأةً ولدتْ على عهدِه ﵇. فلم ترَ دمًا، فسُمِّيتْ: ذاتَ الجفوفِ (١). ولأنَّ اليسيرَ دمٌ وُجدَ عقبَ سَبَبِهِ، فكان نفاسًا كالكثيرِ. فإنْ رأتْ قطرةً، ورأتِ الطهرَ بعدَها، فهي طاهرٌ.
(وأكثرُه: أربعون يومًا) قال الترمذيُّ (٢): أجمعَ أهلُ العلمِ من أصحابِ النبيِّ ﷺ ، ومَنْ بعدَهُم، على أنَّ النفساءُ تدَعُ الصَّلاةَ أربعينِ يومًا، إلا أنْ ترى الطهرَ قبلَ ذلك، فتغتسلُ وتصلِّي.
وذلك من ابتداءِ خروجِ بعضِ الولدِ. يعني: أنَّ الأربعين التي مع الولادةِ، أوَّلُها من ابتداءِ خروجِ بعضِ الولدِ. فحينئذٍ: إنَّ اليومَين أو الثلاثةَ قبلَ الولادةِ، ليستْ من الأربعين، لكنَّها دمَ نِفاسٍ، فتكونُ المدةُ اثنين وأربعين، وثلاثةً وأربعين.
(ويثبتُ حكمُه بوضعِ ما تبينَ (٣) فيه خلقُ إنسانٍ) ولو خفيًّا؛ لأنَّه ولادةٌ، لا
стр. 215
فإن تخلَّل الأربَعين نقاءٌ، فهو طهرٌ، لكِن يُكرهُ وَطؤُها فيه.
ومن وضَعَت ولدَين فأكثرَ، فأوَّلُ مُدَّةِ النِّفاسِ من الأوَّل، فلو كانَ بينَهما أربعونَ يومًا، فلا نِفَاسَ للثَّاني.
وفي وَطءِ النُّفسَاءِ ما في وَطِء الحائِضِ.
ويجوزُ للرَّجُل شُربُ دواءٍ مُباحٍ يمنعُ الجِماعَ،
علقةٌ أو مضغةٌ لا تخطيطَ فيها. وأقلّ ما يتبينُ فيه خلقُه: أحدٌ وثمانون يومًا. وغالبُه، كما قال المجدُ وابنُ تميمٍ وابنُ حمدان وغيرُهم: ثلاثةُ أشهرٍ.
(فإنْ تخلَّلَ الأربعين نقاءٌ، فهو طهرٌ) كالحيضِ. فتغتسلُ، وتفعلُ ما تفعلُ الطَّاهراتُ. (لكنْ يُكره وطؤُها فيه) أي: النَّقَاءِ زَمَنَه بعد الغُسل. قال أحمدُ: ما يعجبني أنْ يأتيهَا زوجُها، على حديثِ عثمانَ بنِ أبي العاصِ: أنَّها أتتْه قبلَ الأربعين، فقال: لا تَقرَبيني. ولأنَّه لا يأمنُ العودَ زمنَ الوطءِ.
(ومَنْ وضعتْ ولدَيْن فأكثرَ، فأوَّلُ مدَّةِ النِّفاسِ من) ابتداءِ خروجِ (الأوَّلِ) كما لو انفردَ الحملُ، (فلو كان بينَهما أربعون يومًا) فأكثر (فلا نِفاسَ للثاني) بل هو في دمُ فسادٍ؛ لأنَّه تبعٌ للأوَّلِ، فلم يعتبز في آخرِ النِّفاسِ، كما لا يعتبرُ في أوَّلِهِ.
(وفي وطءِ النفساءِ ما في وَطءِ الحائضِ) من الكفارةِ، نصًّا، قياسًا عليه.
(ويجوزُ للرجلِ شربُ دواءٍ مباحٍ يمنعُ الجماعَ) ككافورٍ؛ لأنَّه حقٌّ له.
قال في "الإقناع " (١): ولا يجوزُ ما يقطعُ الحملَ.
وفيه نظرٌ؛ إذْ يلزمُ من قَطعِ الجماعِ قَطعُ الحَملِ.