← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 803

شرح دليل الطالب - عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

Полный текст (1 686 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الثاني عشر: الجلوس له وللتَّسليمَتينِ، فلو تشهَّد غيرَ جالسٍ، أو سلَّم الأُولى جالسًا، والثانيةَ غيرَ جالسٍ، لم تصح. متفق عليه (١). أو دعا بما وردَ عن الصَّحابةِ، كحديثِ ابنِ مسعودٍ موقوفًا (٢). وذهبَ إليه أحمدُ. قال ابنُه عبدُ اللهِ: سمعتُ أبي يقولُ في سجودِه: اللهمَّ كما صُنْتَ وجهي عن السجودِ لغيرِك، فصنْ وجهي عن المسألةِ لغيرِك. فلا بأسَ. أو دعا بما وردَ عن السلف الصالحِ، فلا بأسَ. أو دعا بأمرِ الآخرةِ، كـ: اللهمَّ أحسنْ خاتمتي. ولو لم يشبه ما وردَ، فلا بأسَ؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "ثمَّ يدعو لنفسه بما بدا له" (٣). أو دعا لشخصٍ معينٍ بغيرِ كافِ الخطابِ - وتبطلُ الصَّلاةُ به - فلا بأس (٤) والواجبُ من ذلك: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ. (الثاني عشرَ) من أركانِ الصَّلاةِ: (الجلوسُ له) أي: التشهدِ الأخيرِ. (و) الجلوسُ (للتَّسليمَتَيْنِ) لأنَّه ثبتَ عنه أنَّه ﵇، واظبَ على الجلوسِ لذلك. وقال: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي". (فلو تشهدَ غيرَ جالسٍ، أو سلَّم الأولى) أي: التسليمةَ الأولى (جالسًا) حال (والثانيةَ: غيرَ جالسٍ، لم تصحَّ) صلاتُه.

стр. 317

الثالثَ عَشَرَ: التسليمتان، وهو أن يقولَ مرَّتينِ: السلامُ عليكم ورحمةُ اللَّه. والأَولى أن لا يزيد: وبركاتُهُ. (الثالثَ عشرَ) من أركانِ الصَّلاةِ: (التسليمتان) فلا يخرجُ من فرضٍ - قال الشيخُ مرعي في "غاية المنتهى" (١): ويتَّجهُ: ولو نذرًا- إلا بهما، سِوى جنازةٍ. ويخرجُ من نفلٍ بواحدةٍ، والثانيةُ سنة. وهو أن يقولَ عن يمينِه استحبابًا، ثمَّ عن يسارِه كذلك. وإليه أشارَ بقولِه: (وهو أنْ يقولَ مرَّتين) مرتَّبًا معرَّفًا بأل، وجوبًا: (السَّلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ) فلا يجزئُ: سلامٌ عليكمْ. ولا: سلامي عليكم. ولا: سلامُ اللهِ عليكمْ. لأنَّ الأحاديثَ قدْ صحَّت بأنَّه ﷺ كان يقول: "السَّلامُ عليكمْ" (٢). ولم يُنقل عنه خلافه. وقال: "صلّوا كما رأيتموني أصلِّي". (والأوْلى: أنْ لا يزيدَ: وبركاتُه) قال في "الإنصاف": قالَهُ الأصحابُ (٣). لعدمِ ورودِه في أكثرِ الأخبارِ. لكنَّه لا يضرّ، لفعلِه ﵇. رواه أبو داودَ (٤) من حديثِ وائلٍ. وقال في "المغني" و"الشرح" وابنُ تميمٍ وغيرُهم: وإنْ زادَ: وبركاتُه. فحسنٌ (٥).

стр. 318

ويَكفِي في النَّفلِ تَسليمةٌ واحِدةٌ، وكذا في الجَنازَةِ. الرابعَ عشَرَ: ترتيبُ الأركانِ، كما ذكَرنَا، ويُسنُّ نيةُ الخروجِ من الصَّلاةِ. فلو نوى بسلامِه الخروجَ من الصَّلاةِ، وعلى الحفظةِ والإمامِ والمأمومِ، جازَ، ولم يُستحبَّ، على الصحيحِ من المذهبِ. نصَّ عليه، واختارَهُ الآمديُّ. وقدَّمَه في "الفروع". وقال في "التلخيص": ولمْ تبطلْ على الأظهرِ. ولو نوى بسلامِه على الحفظةِ والإمامِ والمأمومِ، ولم ينوِ الخروجَ، فالصحيحُ من المذهبِ: الجوازُ. نصَّ عليه. قالَ في "الفروع": والأشهرُ: الجوازُ. وقدَّمه (١) في "المحرر". قال ابنُ تميمٍ: لو نوى بسلامِه الحاضرين، ولم ينوِ الخروجَ، فقالَ ابنُ حامدٍ: تبطلُ صلاتُه، وجهًا واحدًا (٢). (ويكفي في النفلِ تسليمةٌ واحدةٌ، وكذا في الجنازةِ) وسجودِ تلاوةٍ وشكرٍ. اختارَهُ جمع؛ منهم المجدُ. قال في "المغني" و"الشرح": لا خلافَ أنَّه يخرجُ من النفلِ بتسليمةٍ واحدةٍ. قال القاضي: الثانيةُ سنةٌ في الجنازةِ والنافلةِ، روايةً واحدةً. وظاهرُ ما قدَّمه في "المبدع" وغيرِه: أنَّ النفلَ كالفرضِ، وهو ظاهرُ ما قطعَ به في "المنتهى" (٣). والتسليمتانِ من الصَّلاةِ، كسائرِ الأركانِ. فلا يقومُ المسبوقُ قبلَهما. (الرابعَ عشرَ) من أركانِ الصَّلاةِ (ترتيبُ الأركانِ، كما ذكرنا) هنا؛ لأنَّه

стр. 319

فلو سَجَدَ -مثلًا- قبلَ رُكوعِه عمدًا، بطلت، وسهوًا، لزمَه الرجوعُ، ليركعَ ثمَّ يسجُدَ. ﵇ كان يصلِّيها مرتَّبةً في صلاتِه، وقدْ قالَ: "صلّوا كما رأيتموني أصلِّي". وهو: أنْ يأتي أولًا بتكبيرةِ الإحرامِ قائمًا، ثمَّ بالقراءةِ، ثمَّ بالرُّكوعِ، ثمَّ بالرَّفعِ منه، ثمَّ بالاعتدالِ، ثمَّ بالسَّجدةِ، ثمَّ بالرَّفعِ منه، ثمَّ بالجلوسِ بين السَّجدتين، ثمَّ بالسَّجدةِ الثانيةِ، ثمَّ بالقيامِ، ثمَّ بالرَّكعةِ الثانيةِ، ثمَّ بالتشهدِ الأوَّلِ، ثمَّ بالتشهدِ الآخرِ، ثمَّ يسلِّمُ. فلو نكسَ شيئًا من ذلك لم تصحَّ صلاتُه. "فرعٌ": لو اعتقدَ مصلٍّ هذه الأركانَ سنةً، أو اعتقدَ السنةَ فرضًا، أو لمْ يعتقدْ شيئًا، وأدَّاها عالمًا أنَّ ذلك كلَّه من الصَّلاةِ، أو لمْ يعرفِ الشرطَ من الركنِ، فصلاتُه صحيحةٌ. قال العلامةُ الشيخُ مرعي في "غاية المنتهى" (١): ويتَّجه: وعلى قياسِه، نحو وضوءٍ. ثمَّ ذكرَ المصنِّفُ مثالًا في كيفيةِ الترتيبِ. فقالَ: (فلو سجدَ -مثلًا- قبل ركوعِه عمدًا، بطلتْ، وسهوًا: لزِمَه الرجوعُ ليركعَ، ثمَّ يسجدَ) وصلاتُه صحيحةٌ. * * *

стр. 320

فَصْلٌ وواجباتُها ثمانيةٌ، تبطلُ الصلاةُ بتركِهَا عمدًا، وتسقُطُ سهوًا وجهلًا: التكبيرُ لغيرِ الإحرامِ، لكنْ تكبيرةُ المسبُوقِ التي بعدَ تكبيرةِ الإحرامِ سُنَّة. وقولُ: سَمِعَ اللَّهُ لمن حمدَه، للإمامِ والمنفرد، لا للمأموم. (فصلٌ) (وواجباتُها ثمانيةٌ) على الصحيحِ. وعدَّها صاحبُ "المقنع" تسعةً (تبطلُ الصَّلاةُ بتركِها عمدًا) خرجَ السننُ (وتسقطُ) الواجباتُ (سهوًا وجهلًا) ويسجدُ للسهو إنْ تركَهُ سهوًا: الأوَّلُ منها: (التكبيرُ لغيرِ الإحرامِ) لما تقدَّمَ: من أنَّ تكبيرةَ الإحرامِ من الأركانِ. والدليلُ على وجوبِ التكبيرِ لغيرِ إحرامٍ: ما رواه أحمدُ وغيرُه (١) من حديثِ أبي موسى الأشعريِّ أنَّ النَّبِيّ ﷺ قال: "فإذا كبَّرَ الإمامُ وركعَ، فكبِّروا واركعوا، وإذا كبَّرَ وسجدَ، فكبِّروا واسجدُوا". وهذا الأمرُ يقتضي الوجوبَ. (لكنْ تكبيرةُ المسبوقِ) الذي أدركَ إمامَه راكعًا، إذا كبَّرَ تكبيرتين، و (التي بعدَ تكبيرةِ الإحرامِ سنةٌ) للاجتزاءِ عنها بتكبيرةِ الإحرامِ. فإنْ نوى بتكبيرهِ الإحرامَ والركوعَ، لم تنعقدْ صلاتُه. (و) الثاني من الواجباتِ: (قولُ: سمِعَ اللهُ لمَنْ حمِدَه، للإمامِ والمنفردِ، لا للمأمومِ) هذا المذهبُ، وهو المختارُ للجمهورِ. وعنه: أنَّه ركنٌ. وعنه: سنةٌ.

стр. 321

وقولُ: ربَّنا ولك الحمد، للكُلِّ. وقولُ: سُبحانَ ربِّيَ العظيمِ، مرةً في الرّكوعِ. و: سُبحانَ ربِّى الأعلَى، مرةً في السجُودِ. و: ربِّ اغفر لي، بينَ السَّجدَتين. والتشهّدُ الأوَّل على غَيرِ مَنْ قامَ إمامُه سَهوًا. والجلوسُ له. (و) الثالثُ من الواجباتِ: (قولُ: ربَّنا ولك الحمدُ، للكلِّ) أي: لإمامٍ ومأمومٍ ومنفردٍ؛ لقولِهِ ﵇: "إذا قال الإمامُ: سمِعَ اللهُ لمَنْ حمِدَه، فقولوا: ربَّنا ولك الحمدُ" (١). مع ما تقدَّمَ. (و) الرابعُ من الواجباتِ: (قولُ: سبحانَ ربِّي العظيم. مرةً في الركوعِ) فلا يُكره الزيادةُ على ذلك، على الصحيحِ من المذهبِ. وقيل: يُكره. (و) الخامسُ: من الواجباتِ: (سبحانَ ربِّيَ الأعلى مرةً في السجودِ) ولا يُكره الزيادةُ على ذلك. (و) السادسُ من الواجباتِ: (ربِّ اغفرْ لي) إذا جلسَ (بين السَّجدَتين) صرةً، على كل من الإمامِ والمأمومِ والمنفردِ. (و) السابعُ من الواجباتِ: (التشهدُ الأوَّلُ) لأنَّه ﵇ فعلَه، وداومَ عليه، وأمرَ به، وسجدَ للسهوِ حين نسيَه. وإنَّما يجبُ التشهدُ الأوَّلُ (على غيرِ مَنْ قامَ إمامُه) إلى ثالثةٍ (سهوًا) عن التشهدِ؛ لوجوبِ متابعتِه. (و) الثامنُ من الواجباتِ: (الجلوسُ له) أي: للتشهدِ الأوَّلِ.

стр. 322

وسُننُها: أقوالٌ وأفعالٌ، ولا تبطلُ بتَركِ شيءٍ مِنها ولو عَمدًا، ويُباحُ السُّجودُ لِسَهوهِ. "تنبيهٌ": ومحلّ ما تقدَّمَ من تكبيرِ الانتقالِ، والتسميعِ، وكذا التحميدِ لمأمومٍ: بين ابتداءِ انتقالٍ وانتهائِه. فلو شرعَ فيه، أي: في ذلك المحلِّ، قبلَ أنْ ينتقلَ إليه، كما لو كبَّرَ لسجودٍ قبلَ هويِّه إليه، أو كمَّله بعدُ؟ بأنْ كمَّلَ التكبيرَ وهو ساجدٌ؛ بأنِ انتهى هويُّه، لم يجزئْه ذلك التكبيرُ، كتكميلِه واجبَ قراءةٍ، كتكميلِ الإمامِ والمنفردِ الفاتحةَ راكعًا، أو شروعِ المصلِّي في تشهدٍ قبلَ قعودٍ للتشهدِ. قال المجدُ في "شرح الهداية": وينبغي أنْ يكونَ تكبيرُ الخفضِ والرفعِ والنهوضِ، ابتداؤُه مع ابتداءِ الانتقالِ، وانتهاؤُه مع انتهائِه، فإنْ كمَّلَه في جزءٍ مِنه، أجزأه؛ لأنَّه لم يخرجْ به عن محلِّه. وإنْ شرعَ فيه قبلَه، أو كمَّلَهِ بعدَه، فوقع بعضه خارجًا عنه، فهو كتركه؛ لأنَّه لم يكمله (١) في محلِّه، فأشبَه مَنْ تمَّمَ قراءتَه راكعًا، أو أخذَ في التشهدِ قبل قعودِه. هذا قياسُ المذهبِ. ويحتملُ أنْ يُعفَى عن ذلك؛ لأنَّ التحرزَ منه يعسرُ، والسهوَ به كثيرٌ، ففي الإبطالِ به، أو السجودِ له مشقَّةٌ. انتهى. (و) من أقوالِ الصَّلاةِ وأفعالِها: (سننُها) وهي: (أقوالٌ وأفعالٌ. ولا تبطلُ) الصَّلاةُ (بتركِ شيءٍ منها) أي: تركِ المصلِّي له (ولو عمدًا) بخلافِ الأركانِ والواجباتِ (ويباحُ السجودُ لسهوِه) أي: تركِهِ سهوًا. فلا يجبُ، ولا يستحبُّ.

стр. 323

فسُنن الأقوالِ أحدَ عشرَ: قولُه -بعدَ تكبيرةِ الإحرامِ-: سُبحانَكَ اللَّهم وبحمدِك، وتباركَ اسمُك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرُك. والتعوُّذُ. والبسملةُ. وقولُ: آمين. وقراءةُ السورةِ بعدَ الفاتحةِ. والجهرُ بالقِراءةِ للإمامِ، ويُكرَه للمأمُومِ، ويخيَّرُ المنفرِدُ. وقولُ غيرِ المأمومِ - بعدَ التحميدِ -: ملءَ السماءِ وملءَ الأرضِ وملءَ ما شِئتَ من شيءٍ بعدُ (فسننُ الأقوالِ أحدَ عشرَ): الأوَّلُ: (قولُه بعد تكبيرةِ الإحرامِ: سبحانكَ اللهمَّ وبحمدك، وتباركَ اسمُك، وتعالى جدُّك، ولا إلهَ غيرُك). (و) الثاني من سننِ الأقوالِ: (التعوذُ) من الشيطانِ الرجيمِ. (و) الثالثُ من سننِ الأقوالِ: (البسملةُ) وهو قولُ: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ. (و) الرابعُ من سننِ الأقوالِ: (قولُ: آمين). (و) الخامسُ من سننِ الأقوالِ: (قراءةُ السورةِ (١) بعدَ الفاتحةِ) في فجرٍ، وجمعةٍ، وعيدٍ، وتطوعٍ، وأولَتَي مغربٍ ورباعيةٍ. (و) السادسُ من سننِ الأقوالِ: (الجهرُ بالقراءةِ) في جهريةٍ (للإمامِ، ويُكره للمأمومِ، ويُخيَّرُ المنفردُ) في الجهر. (و) السابعُ من سننِ الأقوالِ: (قولُ غيرِ المأمومِ بعدَ التحميدِ: ملءَ السماءِ، وملءَ الأرضِ، وملءَ ما شئتَ من شيءٍ بعدُ) شُرِعَ ذلك لإمامٍ ومنفردٍ، دون

стр. 324

وما زاد على المرَّةِ في تَسبيحِ الركُوعِ والسُّجُودِ، و: ربِّ اغفِرْ لِيْ. والصلاةُ - في التشهُّد الأخيرِ - على آلِه ﵇. والبركَةُ عليهِ وعليهِم. والدُّعاءُ بعدَه. المأمومِ، وأشارَ إليه في المتن. (و) الثامنُ من الأقوالِ: (ما زادَ على المرَّةِ) الأولى (في تسبيحِ الركوعِ والسُّجودِ، و: ربِّ اغفرْ لي) أي: سؤالُ المغفرةِ بين السَّجدتين. (و) التاسعُ من سننِ الأقوالِ: (الصَّلاةُ -في التشهدِ الأخيرِ- على آلِه ﵇. (و) العاشرُ من سننِ الأقوالِ: (البركةُ عليه وعليهم). (و) الحادي عشر: (الدُّعاءُ بعدَه) أي: أخرَ التشهدِ الأخيرِ، لقولِه ﵇ في حديثِ ابنِ مسعودٍ: "ثمَّ ليتخير من الدُّعاءِ أحسنَه إليه فيدعو" (١). قال الشيخُ تقيُّ الدين (٢): وأنواعُ الأدعيةِ التي كان النَّبِيُّ ﷺ يدعو بها في آخرِ صلاتِه؛ آخرَ التشهدِ، الثابتُ عنه، كلُّها سائغَةٌ (٣)، إلا أنَّ ما أمرَ به أفضلُ ممَّا نُقِلَ عنه ولم يأمرْ به. وقدْ ثبتَ عنه أنَّه قال: "إذا قعدَ أحدُكم في التشهدِ، فليستعذْ من أربعٍ، يقولُ: اللهمَّ إنِّي أعوذُ بك من عذابِ القبرِ" (٤). الحديث. فالدُّعاءُ بهذا أفضلُ من الدُّعاءِ بقولِه: "اللهمَّ اغفرْ لي ما قدَّمتُ وما أخَّرْتُ، وما أسرَرْتُ وما أعلنتُ، وما

стр. 325

وسُننُ الأفعالِ -وتُسمَّى الهيئات-: أنتَ أعلمُ به منِّي (١)، أنتَ المقدِّمُ وأنتَ المؤخِّرُ، لا إلهَ إلا أنتَ" (٢). وقد صحَّ أنَّه كان يقولُ ذلك، لكنْ الأوَّلُ أمَرَ به. وإنْ دعا في تشهدِه بما وردَ في الكتابِ أو السنةِ، أو عن الصَّحابةِ، أو السلفِ، أو بأمرِ الآخرةِ ولو لم يشبه ما وردَ، أو لشخصٍ معينٍ بغيرِ كافِ الخطابِ. وتبطلُ به، فلا بأسَ. قال في "المبدع" (٣): وشرطُه: الإخلاصُ. قال الآجريُّ (٤): واجتنابُ الحرامِ. وظاهرُ كلامِ ابنِ الجوزيِّ وغيرِه: أنَّه من الآدابِ. وقال الشيخُ تقيُّ الدين: تبعدُ إجابتُه إلا مضطرًّا أو مظلومًا. وكان النبيُّ ﷺ إذا اجتهدَ في الدُّعاءِ قال: "يا حيُّ يا قيومُ". رواه الترمذيُّ (٥) من روايةِ إبراهيمَ بنِ الفضلِ، وهو ضعيفٌ. (وسننُ الأفعالِ) المرادُ بالأفعالِ: ما يشملُ فعلَ اللِّسانِ. (وتُسمَّى الهيئاتِ) أي: سمَّاها صاحبُ "المستوعب" وغيرُه: هيئةً، بفتح الهاء وكسرها؛ لأنَّها صفةٌ في غيرِها. فدخلَ في سننِ الهيئاتِ: جهرُ إمامٍ بتكبيرٍ، وتسميعٍ، وتسليمةٍ أولى، وقراءةٍ في جهريةٍ. ودخلَ: إخفاتٌ، أي: وهو الإسرارُ بالقراءةِ لغيرِ إمامٍ، إلَّا المأمومَ لحاجةٍ (٦).

стр. 326

رفعُ اليدينِ مَعَ تكبيرَةِ الإحرام، وعِندَ الركُوعِ، وعندَ الرَّفعِ منه. وحَطُّهُما عَقِبَ ذلك. ووضعُ اليُمنى على الشِّمالِ، وجعلُهما تحتَ سُرَّتهِ. ونظرُه إلى مَوضِعِ سجُودِه. وتفرِقتُه بينَ قدَميهِ قائمًا. وقَبضُ زكبتِيه بيَديهِ مفرَّجتَي الأصابعِ في ركوعِه. ومدُّ ظَهرِه فيه، وجعلُ رأسِه حِيالَه. والبَداءَةُ في سُجُودِه بوَضعِ رُكبتَيه، ثمَّ يدَيهِ، ثمَّ جَبهتِه وأنفِه. وتمكينُ أعضَاءِ السُّجودِ من الأرض. ومباشرتها لمحَلِّ السجُودِ، ودخلَ: ترتيلُ قراءةٍ، وتخفيفُ صلاةٍ لإمامٍ، وإطالةُ الركعةِ الأولى، وتقصيرُ الركعةِ الثانيةِ؛ لأنَّ هذه صفاتٌ في غيرِها، فهي من الهيئاتِ. ومن ذلك: (رفعُ اليدين) مبسوطتين مَمْدُودَتَيِّ الأصابعِ، مستقبلًا ببطونِها القبلةَ إلى (١) حَذْوِ منكِبَيْه (مع تكبيرةِ الإحرامِ، و) رفعِ اليدين (عند الرُّكوعِ، و) رفعِ اليدين (عند الرَّفعِ منه) أي: من الرُّكوعِ (وحطُّهما) أي: اليدين (عقبَ ذلك) أي: عقبَ الفراغِ من الإحرامِ، أو الركوعِ، أو الرَّفعِ منه (ووضعُ اليُمنى على الشِّمالِ) عقبَ الإحرامِ (وجعلُهما) أي: اليمينِ والشِّمالِ (تحتَ سُرَّتِه. ونظرُه إلى موضعِ سجودِه) في غيرِ صلاةِ خوفٍ ونحوِه (وتفرقتُه بين قدمَيْه) يسيرًا (قائمًا) أي: في حالِ قيامِه (وقبضُ ركبتيه بيديه) حالَ كونِ يديه (مُفرَّجتيِّ الأصابعِ في ركوعِه. ومدُّ ظهرِه فيه) أي: في ركوعِه مستويًا (وجعلُ رأسِه حِيالَه) فلا يخفضُه ولا يرفعُه (والبداءةُ في سجودِه بوضعِ ركبتيه، ثمَّ يديه، ثمَّ جبهتِه وأنفِه) أي: كلُّ ذلك (وتمكينُ أعضاءِ السُّجودِ من الأرضِ) في سجودِه (ومباشرتُها لمحلِّ السُّجودِ،

стр. 327

سِوى الرُّكبتين، فيُكره. ومُجافاةُ عضُدَيه عن جَنبيهِ، وبَطنِه عن فخِذَيه، وفخِذَيه عن ساقَيه. وتفريقُه بينَ رُكبتَيه. وإقامَةُ قَدمَيه، وجَعلُ بُطونِ أصابعِهما على الأرضِ مُفرَّقةً. ووضعُ يَديه حَذْوَ مَنِكبيهِ مبسوطَةً مضمومَةَ الأصابع. ورفعُ يَديه أوَّلا في قِيامِه إلى الرَّكعَةِ. وقياف على صُدُورِ قدمَيه. واعتمادُه على رُكبتيه بيدَيه. والافتراشُ في الجلوس بين السَّجدَتَين وفي التشهُّدِ الأوَّل. والتورّكُ في الثاني. ووضعُ اليدين على الفَخِذَينِ مبسُوطتَين مضمُومتَيِ الأصابعِ بينَ السجدتَين، وكذا في التشهُّد، إلَّا أنَّه يقبِضُ مِنَ اليُمنى الخُنصَرَ والبُنصَرَ، ويُحلِّقُ إبهامَها مع الوسطَى، ويُشيرُ بسبابتِها عندَ سِوى الرُّكبتينِ، فيُكرَه. ومجافاةُ عضُدَيه عن جنبيه (١)، و) مجافاةُ (بطنِه عن فخِذَيه، و) مجافاةُ (فخذيه عن ساقيه) في سجودِه (وتفريقُه بين رُكبتَيه) في سجودِه (وإقامةُ قدمَيه، وجعلُ بطونِ أصابعِهما على الأرضِ مفرَّقةً) في حالِ سجودِه (ووضعُ يديه حَذْوَ مَنْكِبيه مبسوطةَ) الأكفِّ (مضمومةَ الأصابعِ) إذا سجدَ (ورفعُ يديه أوَّلًا في حالِ قيامِه إلى الرَّكعةِ، وقيامُه على صُدُورِ قدمَيْه، واعتمادُه على رُكبتَيه بيدَيه، والافتراشُ في الجلوسِ بين السجدتين، و) الافتراشُ (في التشهدِ الأوَّلِ، والتورُّكُ في) التشهدِ (الثاني. ووضعُ اليدين على الفخِذَين مبسُوطتي) الأكفِّ (مضمومتي الأصابعِ) مستقبلًا بها القبلة (بين السجدتين، وكذا في التشهدِ) الأوَّلِ والثاني، (إلا أنَّه يقبضُ من) اليدِ (اليمنى الخنصرَ والبنصرَ، ويُحلِّقُ إبهامَها مع الوسطى، ويُشيرُ بسبابتِها) وتُسمَّى: السبَّاحةَ (عند

стр. 328

ذكرِ اللَّه. والتفاتُه يَمينًا وشِمالًا في تَسليمِه. ونيَّتُهُ به الخروج من الصلاةِ. وتفضيلُ الشِّمال على اليمينِ في الالتِفاتِ. ذكرِ اللهِ) تعالى (والتفاتُه يمينًا وشمالًا في تسليمِه. ونيتُه به الخروجَ من الصَّلاةِ) بالسَّلامِ. وتقدَّمَ الكلامُ على ذلك. (وتفضيلُ الشِّمالِ على اليمينِ في الالتفاتِ). "فائدةٌ": يُسنُّ الخشوعُ في الصَّلاةِ، وقدْ عرَّفَه صاحبُ "الإقناع" (١) بقوله: وهو معنًى يقومُ بالنفسِ، يظهرُ منه سكونُ الأطرافِ. وقال بعضُهم: وهو سكونُ القلبِ على المقصودِ من غيرِ التفاتٍ إلى غيرِه، وسكونُ الجوارحِ عن التقلُّب في غيرِ المفعولِ على قصدِ القُربةِ. لقولِه ﵇ في العابثِ بلحيتِه: "لو خشَعَ قلبُ هذا لخشعتْ جوارحُه" (٢). قالَ الجوهريُّ: الخشوغ: الخضوعُ. والإخباتُ: الخشوعُ. وقال البيضاويُّ (٣) في قولِه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ أي: خائفونَ من اللهِ، متذَلِّلون له، مُلزِمونَ أبصارَهم مساجدَهم. والخضوعُ: اللِّينُ والانقيادُ. ولذلك يقال: الخشوعُ بالجوارحِ، والخضوعُ بالقلبِ. وقال الشيخُ العلامةُ تقيُّ الدين (٤) ابن تيمية: إذا غلبَ الوسواسُ على أكثرِ

стр. 329

فَصْلٌ فِيمَا يُكرَهُ في الصَّلاةِ الصَّلاةِ لا يبطلُها. لأنَّ الخشوعَ سنةٌ، والصَّلاةُ لا تبطلُ بتركِ سنةٍ. وذكر الشيخُ وجيهُ الدينِ: أنَّ الخشوعَ واجبٌ، وعليه: فتبطلُ صلاة (١) مَن غلبَ الوسواسُ على أكثرِ صلاتِه. لكنْ قال في "الفروع": مرادُه -واللهُ أعلمُ- في بعضِها. وإن أرادَ في كلِّها، فإنْ لمْ تبطلْ بتركِه، فخلافُ قاعدةِ تركِ الواجبِ، وإنْ أبطلَ به، فخلافُ الإجماعِ، وكلاهما خلافُ الأخبارِ. انتهى (٢). ولم يأمرِ النبيُّ ﷺ العابثَ بلحيتِه بإعادةِ الصَّلاةِ، مع قولِه: "لو خشعَ قلبُ هذا، لخشعتْ جوارحُه". قال في "شرح المنتهى": وهذا منه يدلُّ على انتفاءِ خشوعِه في صلاتِه كلِّها. قال في "المنتهى": ولا تبطُلُ بعملِ القلبِ، ولو طالَ، وهو يدلُّ على أنَّها لا تبطلُ بتركِ الخشوعِ. (فصلٌ، فيما يُكره في الصَّلاةِ) المكروه: ضدُّ المندوبِ، وهو لغةً: ضدُّ المحبوبِ، أخذًا من الكراهةِ. وقيل: من الكريهةِ. وهي الشدَّةُ في الحربِ. وفي اصطلاحِ أهلِ الشرعِ: ما مُدِحَ تاركُه، ولم يُذمَّ فاعلُه. فخرجَ بـ "ما مُدِحَ": المباحُ، فإنَّه لا مدحَ فيه ولا ذمَّ. وخرجَ بقولِه: "تاركُه": الواجبُ والمندوبُ، فإنَّ فاعلَهما يمدحُ، لا تاركُهما. وخرج بقوله: "ولمْ يُذمَّ فاعلُه": الحرامُ، فإنه يُذمُّ فاعلُه؛ لأنَّه وإن شاركَ المكروهَ في المدحِ بالتركِ، فإنه يفارقُه في ذمِّ فاعلِه.

стр. 330

يكرهُ للمصلِّي: اقتصارُه على الفاتِحةِ، وتَكرارُهَا، والتِفاتُه بلا حاجةٍ، ولا ثوابَ في فعلِه. قال ابنُ مفلحٍ في " فروعه ": قالوا في الأصولِ: المكروهُ: لا ثوابَ في فعلِه. قال: وقدْ يكونُ المرادُ منهم: ما كُرِه بالذَّاتِ، لا بالعَرَضِ. قال: وقدْ يُحملُ قولُهم على ظاهرِه. ولهذا لما احتجَّ مَنْ كَرِه صلاةَ الجنازةِ في المسجدِ بالخبرِ الضعيفِ الذي رواه أحمدُ وغيرُه (١): "مَنْ صلَّى على جنازةٍ في المسجدِ، فليس له من الأجرِ شيءٌ". لمْ يقلْ أحدٌ بالأجرِ مع الكراهةِ، لا اعتقادًا ولا بحثًا. وهو في عُرفِ المتأخرين للتنزيه، يعني: أنَّ المتأخرين اصطلَحوا على أنَّهم إذا أطلقوا الكراهةَ، فمرادُهم التنزيهُ، لا التحريمُ. وإنْ كان عندَهُم لا يمتنعُ أنْ يُطلقَ على الحرامِ، لكن قدْ جرتْ عادتُهم وعرفُهم: أنَّهم إذا أطلقوه أرادوا التنزيهَ. وهذا مصطلحٌ لا مشاحَّةَ فيه (٢). و (يُكره للمصلِّي) فرضًا: (اقتصارُه على الفاتحةِ) فإنَّه خلافُ المأمورِ به. (و) يُكره (تكرارُها) أي: الفاتحةِ في ركعةٍ؛ لأنَّها ركنٌ، وفي إبطالِ الصَّلاةِ بتكرارِها خلافٌ، وقد ذكرَ في "الفائق" وغيره، أنَّها روايةٌ. (و) يُكره (التفاتٌ) قال في "الإقناع" (٣): يسيرٌ، لحديثِ عائشةَ قالتْ: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن الالتفاتِ في الصَّلاةِ؟. فقال: "هو اختلاسٌ يختلسُه الشيطانُ من صلاةِ العبدِ". رواه البخاريُّ (٤). (بلا حاجةٍ) كخوفٍ على نفسِه أو مالِه، ونحوِه

стр. 331

وتَغميضُ عينَيه، وحَملُ مُشغِلٍ لهُ، وافتراشُ ذِرَاعيهِ ساجدًا، والعَبثُ، كمرضٍ، لم يُكره؛ لحديثِ سهلِ بنِ الحنظليةِ قال: ثُوِّبَ بالصَّلاةِ، فجعلَ رسولُ اللهِ ﷺ يصلِّي، وهو يلتفتُ إلى الشِّعبِ. رواه أبو داودَ (١). قال: وكان أرسلَ فارسًا إلى الشعبِ يحرسُ. وكذا قال ابنُ عباسٍ: كان رسولُ اللهِ ﷺ يلتفتُ يمينًا وشمالًا، ولا يلوي عنقه. رواه النسائيُّ (٢). (و) يُكره (تغميضُ عينيه) بلا حاجةٍ. قالَ في "الإقناع" (٣): كخوفِه (٤) محذورًا، مثلَ: أنْ رأى زوجتَه أو أَمتَه عُريانةً. أي: ويخشى أنْ يحصلَ عندَهُ شهوةٌ، فيهذي، ونحو ذلك. وقال الشارحُ: بأنَّه فعلُ اليهودِ، ومظنةُ النَّومِ. (و) يُكره (حملُ مُشغِلٍ له) لأنَّه يَذهبُ بالخشوعِ. (و) يُكره (افتراشُ ذراعيه ساجدًا) لحديثِ جابرٍ مرفوعًا: "إذا سجدَ أحدُكم، فليعتدلْ، ولا يفترشْ ذراعيه افتراشَ الكلبِ". رواه الترمذيُّ (٥)، وقال: حسنٌ صحيحٌ. بلِ السنَّةُ أنْ يرفعَهما عن الأرضِ، ويعتمدَ على راحتَيْه. كما في خبرِ مسلمٍ. (و) يُكره (العبثُ) لقولِه ﵇: "إنَّ اللهَ يكرَه لكمْ ستًّا" وذكر منها: العبثَ في الصَّلاةِ (٦). ولأنَّه يشغلُ عن الصَّلاةِ ويُذهبُ الخشوعَ؛ لأنَّه ﵇

стр. 332

والتخصُّر، والتِّمطِّي، وفتحُ فمِه، ووضعُه فيه شيئًا، واستقبالُ صورةٍ، رأى رجلًا يعبثُ في الصَّلاةِ. فقال: "لو خضعَ قلبُه؛ لخشعتْ جوارحُه" (١). (و) يُكره (التخصُّرُ) وهو: وضعُ يدِه على خاصرتِه؛ لأنَّه من أفعالِ المتكَبِّرين، ولحديثِ أبي هريرةَ يرفعُه: "نهى أنْ يصلِّيَ الرجلُ متخصِّرًا". متفق عليه (٢). (و) يُكره (التمطِّي) لأنَّه يشعرُ بالتغافلِ والتكاسُلِ عن الصَّلاةِ، ويُذهبُ خشوعَها. (و) يُكره (فتحُ فمِه) لما فيه من بشاعةِ المنظرِ، واشتغالِه عن أذكارِ الصلاةِ. وكذا يُكره إخراجُ لسانِه، ورمزُه بعينِه، وإشارتُه بهَا لغيرِ حاجةٍ. (و) يُكره (وضعُه فيه شيئًا) أي: كدراهمَ. وظاهرُه: سواءٌ وضعَه في الصَّلاةِ أو قبلها واستدام ذلك فيها، فإن ذلك يخرجه عن هيئة الصلاة، ويمنعُ كمالَ الحروفِ. (و) يُكره (استقبالُ صورةٍ) منصوبةٍ. نصَّ عليه. لما فيه من التشبه (٣) بعبادةِ الأوثانِ والأصنامِ. وظاهرُه: ولو صغيرةً لا تبدو لناظرٍ إليها، وأنَّه لا يُكره إلى غيرِ منصوبةٍ، ولا سجودُه على صورةٍ، ولا صورةٌ خلفَهُ في البيتِ، ولا فوقَ رأسِه في سقفٍ، أو عن أحدِ جانبيه. ذكرَهُ في "الفروع" (٤). قال ابنُ نصرِ اللهِ: وكذا لو كانتْ جالسةً قُدَّامه. والمرادُ: صورةُ الحيوانِ

стр. 333

ووجهِ آدميٍّ، ومُتَحدِّثٍ، ونائمٍ، ونارٍ، وما يُلهِيه، ومسُّ الحصى، وتسويةُ التُّرابِ بلا عُذرٍ، المحرَّمةِ. أمَّا لو كان قُدَّامه صورةُ شجرٍ أو خيالٍ ونحوِهما، لم يُكره الصَّلاةُ إليها. (و) يُكره استقبالُ (وجهِ آدميٍّ) نصًّا. وإلى امرأةٍ تصلِّي بين يديه، لا حيوانٍ غيرِ آدمي؛ لأنَّه ﵇ كان يعرِّضُ راحلتَه، ويصلِّي إليها (١). وفي "الرعاية": يُكره استقبالُ حيوانٍ غيرِه. قالَهُ في "الإقناع" (٢). (و) يُكره استقبالُ (متحدِّثٍ) فإنَّ ذلك يُشغلُه عن حضورِ قلبِه في الصَّلاةِ. (و) يُكره استقبالُ (نائمٍ) لنهيه ﵇ عن الصَّلاةِ إلى النائمِ والمتحدِّثِ. رواه أبو داودَ (٣). (و) يُكره استقبالُ (نارٍ) مطلقًا. أي: سواءٌ كانتْ نارَ حطبٍ، أو سراج، أو قنديل، أو شمعةٍ. نصَّ عليه؛ لأنَّه تشبُّهٌ بالمجوسِ. (و) يُكره استقبالُ (ما يُلهيه) لحديثِ عائشةَ أنَّ النَّبِيّ ﷺ صلَّى في خميصةٍ لها أعلامٌ، فنظرَ إلى أعلامِها نظرةً، فلمَّا انصرفَ قال: "اذهبوا بخميصَتي هذه إلى أبي جهمٍ، وائتُوني بأَنْبِجانيَّةِ أبي جهمِ، فإنَّها ألْهَتْني آنفًا عن صلاتي". متفقٌ عليه (٤). والخميصةُ: كساءٌ مربَّعٌ. والأَنبجانيةُ: كساءٌ غليظٌ. (و) يكْرهُ (مسُّ الحصا، وتسويةُ الترابِ بلا عذرٍ) لحديثِ أبي ذرٍ مرفوعًا: "إذا

стр. 334

وتروُّحٌ بمِروَحةٍ، وفرقَعَةُ أصابِعه وتشبِيكُها، ومسُّ لِحيتِهِ، وكفُّ ثوبِه قامَ أحدُكم إلى الصَّلاةِ، فلا يمسحِ الحصا؛ فإنَّ الرَّحمةَ تواجهُهُ". رواه أبو داودَ (١). وتسويةُ الترابِ بلا عذرٍ، فإنَّه من العبثِ. فإنْ كان لحاجةٍ؛ لم يُكره. وذكرَ بعضُهم أنَّ الإمامَ مالكًا لم يكرهْهُ. (و) يُكره (تروُّحٌ بمروحةٍ) ونحوِها بلا حاجةٍ؛ لأنَّه من العبثِ. فإن كان ثمَّ حاجةٌ، كحرٍّ شديدٍ، أو غمِّ وحزنٍ، فلا يكره (٢). وأما مراوحتُه بين رجلَيْه، فمستحبَّةٌ. زاد بعضُهم: إذا طالَ قيامُه، فلا يُكره، ما لم يكثرْ فتحرُمُ؛ لأنَّه من فعلِ اليهودِ. (و) يُكره (فرقعةُ أصابِعه وتشبيكُها) لقولِ عليٍّ مرفوعًا: "لا تُقَعقِعْ أصابعَك وأنتَ في الصَّلاةِ". رواه ابنُ ماجه (٣). وعن كعبِ بنِ عُجْرةَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رأى رجلًا قدْ شبَّك أصابعَه في الصَّلاةِ، ففرَّجَ رسولُ اللهِ ﷺ بين أصابِعه. رواه الترمذيُّ وابنُ ماجه (٤). وقال ابنُ عمرَ في الذي يصلِّي وهو مشبِّكٌ: تلك صلاةُ المغضوبِ عليهم. رواه ابنُ ماجه (٥). (و) يكره (مسُّ لحيتِه): لأنَّه من العبثِ. (و) يُكره (كفُّ ثوبِه) وتشميرُ كُمِّه، وعقصُ شعرِه. أصلُ العَقصِ: الليُّ،

стр. 335

ومتَى كثُر ذلك عُرفًا، بطلَت - وأن يخُصَّ جبهَتَه بما يسجُدُ عليه، وأن يمسَحَ فِيها أثرَ سُجُودِه، وأن يَستَنِدَ بلا حَاجةٍ، وإدخالُ أطرافِ الشعرِ في أصولِه. ولو لعملٍ قبل الصَّلاةِ؛ لحديثِ: "ولا أكفُّ ثوبًا، ولا شعرًا" (١). ورأى ابنُ عباسٍ عبدَ اللهِ بنَ الحارثِ يصلِّي، ورأسُه معقوصٌ من ورائِه، فقامَ فجعلَ يحلُّهُ، فلمَّا انصرفَ أقبلَ إلى ابنِ عباسٍ فقال: مالَكَ ولرأسي؟ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "إنَّما مثلُ هذا، مثَلُ الذي يصلِّي وهو مكتوفٌ" (٢). ونهى أحمدُ رجلًا كان إذا سجدَ، جمعَ ثوبَه بيدِه اليسرى. ونقلَ ابنُ القاسمِ: يُكره له أنْ يشمِّرَ ثيابَه. وذكرَ بعضُ العلماءِ حكمةَ النهيِّ: أنَّ الشعرَ ونحوَه يسجدُ معه. ويُكره جمعُ ثوبِه بيدِه إذا سجدَ. (ومتى كثُرَ ذلك عُرْفًا، بطلتْ) صلاتُه. (و) يُكره (أنْ يخصَّ جبهتَه بما يسجدُ عليه) لأنَّه من شعارِ الرَّافضةِ. فعلى هذا: لو شركَ فيها أنفَهُ، أو يديه، لمْ يُكره. (و) يُكره (أنْ يمسحَ فيها) أي: في الصَّلاةِ (أثرَ سجودِه) لأنَّه أثرُ عبادةٍ، فكُرِهتْ إزالتُه وهو فيها، لحديثِ أبي هريرةَ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قَال: "إنَّ من الجفاءِ: أن يُكثرَ الرَّجلُ مسحَ جبهتِه قبلَ الفراغِ من صلاتِه". رواه ابنُ ماجه (٣). ولذلك ذكرَ في "المغني": يُكره إكثارُه منه، ولو بعدَ التشهدِ. (و) يُكره (أنْ يستندَ بلا حاجةٍ) إلى نحوِ جدارٍ ونحوِه؛ لأنَّه يزيلُ مشقَّةَ القيامِ.

стр. 336

فإن استَنَد بحيثُ يقعُ لو أُزيلَ ما استَنَدَ إليه، بطلَت. وحمدُه إذا عَطَسَ، أو وجَدَ ما يسزُه، واسترجَاعُه إذا وجَدَ ما يغُمُّه. فلا يُكره مع الحاجةِ؛ لأنَّ النَّبِيّ ﷺ لما أسَنَّ، وأخذَه اللَّحمُ، اتخذَ عمودًا في مصلَّاه يعتمدُ عليه. رواه أبو داود (١). (فإن استندَ بحيثُ يقعُ لو أُزيلَ ما استنَدَ إليه، بطلتْ) صلاتُه لأنَّه كغيرِ قائمٍ. هذا مع عدمِ الحاجةِ، أمَّا معها فلا يضرُّ الاستنادُ مطلقًا. والحاجةُ كضعفٍ وكبرٍ ومشقَّةٍ. وكذا يُكره اعتمادُه على يدِه أو يديه في جلوسِه من غيرِ حاجةٍ. (و) يُكره (حمدُه) أي: المصلِّي (إذ ا عطسَ، أو) إذا (وجدَ ما يسرُّه) وكذا يُكره إذا لسعَ، فقالَ: بسمِ اللهِ. أو رأى ما يعجبُه، فقال: سبحانَ اللهِ. أو احترقَ متاعُه، فقال: لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ. أو خاطبَ بشيءٍ من القرآنِ، كأن يُستأذنَ عليه، فيقولُ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ [الحجر: ٤٦]. أو لمَنْ اسمُه ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]. وظاهرُه: لا تبطلُ الصَّلاةُ بهذه المخاطبةِ. وهو ظاهرٌ إذا لم يقصدْ بها الكلامَ. ومن أتى بصلاةٍ على وجهٍ مكروهٍ، استحبَّ له إعادتُها في الوقتِ على وجهٍ غيرِ مكروه. (و) يُكره (استرجاعُه إذا وجدَ ما يغمُّه) أي: قولُ: إنَّا للهِ وإنَّا إليه راجعون. "فائدةٌ)): ومَنْ دعاه النبيُّ ﷺ وجبتْ إجابتُه في الفرضِ والنفلِ. وتبطلُ الصَّلاةُ به؛ لأنَّه خطابُ آدميٍّ.

стр. 337

فَصُلٌّ فيما يُبطِلُ الصَّلاةَ يبطِلُها: ما أبطلَ الطهارة. وكَشْفث العَورةِ عَمْدًا، لا إنْ كشفَها نَحوُ ريحٍ، فسَتَرَها في الحال، أوْ لا، وكان المكشوفُ لا يفحُشُ في وإنْ قرأ آيةً فيها ذِكْرُه ﵁ نحو: ﴿مُّحَمَّدٌ رسُولُ اللَّهِ﴾ [الفَتْح: ٢٩]، صلى عليه (١) ﷺ . استحبابًا، لتأكدِ الصَّلاةِ عليه كلَّما ذُكِرَ اسمُه. في نفلٍ فقط. ولا يبطلُ الفرضُ به؛ لأنَّه قولٌ مشروعٌ في الصَّلاةِ (٢). "فرعٌ": يُباحُ التنبيهُ بقراءةٍ، وتكبيرٍ، وتهليلٍ، وتحميدٍ، واستغفارٍ؛ لأنَّه من جنسِ الصَّلاةِ. ويُكره التنبيهُ بذلك للمرأةِ. وتصفِّقُ المرأةُ ببطنِ كفِّها على ظهرِ الأخرى، وإنْ كثُرَ أبطلَها. (فصلٌ فيما يبطلُ الصَّلاةَ) فرضًا كانت أو نفلًا (يبطِلُها: ما أبطلَ الطهارةَ) وقدْ تقدَّمَ في بابِ نواقضِ الوضوءِ (وكشفُ العورةِ عمدًا) يبطلُها. و (لا) يبطِلُها (إنْ كشفَها نحوُ ريحٍ، فسترَها في الحالِ) يعني: فأعادَها سريعًا بلا عملٍ كثيرٍ، لم تبطلْ صلاتُه، لقصَرِ مدَّتِه. فإن احتاجَ في أخذِ سترتِه لعملٍ كثيرٍ، بطلتْ صلاتُه (أوْ لا) أي: بأنْ كانَ المكشوفُ يسيرًا فلا تبطلُ الصَّلاةُ. (و) اليسيرُ عُرْفًا: هو ما (كانَ المكشوفُ لا يفحشُ في

стр. 338

النَّظر. واستدبارُ القبلةِ حيثُ شُرِطَ استِقبالُها. واتصِّالُ النجاسَة به، إن لم يُزِلْها في الحال النظرِ) عُرْفًا بلا قصدٍ، ولأنَّ ثيابَ الأغنياءِ لا تخلو من فتقٍ، وثيابَ الفقراءِ لا تخلو من حرقِ نارٍ غالبًا. والاحترازُ من ذلك يشقُّ، فعفي عنه. (واستدبارُ القبلةِ حيثُ شُرِطَ استقبالُها) وهو الشرطُ الثامنُ من شروطِ الصَّلاةِ، فلا تصحُّ الصَّلاةُ بدونِه، لقولِهِ تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، قال: عليٌّ: شطرُه: قِبَلُه (١). إلا لمعذورٍ عاجزٍ عن استقبالِها، كالتحامِ حربٍ حالَ الطعنِ، والكرِّ والفرِّ، وهربٍ من سيلٍ، أو من نارٍ، أو من سبعٍ ونحوِه، ولو كان العذرُ نادرًا، كمريضٍ عجزَ عنه، وعجزَ عن المسيرِ إليها، وكمربوطٍ ومصلوبٍ إلى غيرِ القبلةِ، فتصحُّ الصَّلاةُ منهم إلى غيرِ القبلةِ بلا إعادةٍ؛ لأنَّه شرطٌ عُجزَ عنه، فسقطَ كسَترِ العورةِ. (و) يبطلُها (اتصالُ النجاسةِ به) أي: بالمصلِّي (إنْ لمْ يُزلْها في الحالِ) سريعًا؛ بحيثُ لمْ يطلِ الزمنُ؛ لما روى أبو سعيدٍ قال: بينا النَّبِيُّ ﷺ يصلِّي بأصحابِه، إذ خلعَ نعليه، فوضعَهما عن يسارِه، فخلعَ الناسُ نعالَهم. فلمَّا قضى رسولُ اللهِ ﷺ صلاتَه، قال: "ما حملَكم على إلقائِكم نعالَكُم؟ " قالوا: رأيناكَ ألقيتَ نعلَكَ، فألقينا نعالنَا. قال: "إنَّ جبريلَ أتاني، فأخبرني أنَّ فيهما قذرًا". رواه أبو داودَ (٢). ولأنَّ من النجاسةِ ما يُعفى عن يسيرِها، فعفي عن يسيرِ زمنِها، ككشفِ العورةِ.

стр. 339

والعمل الكثيرُ عادةً من غَيرِ جِنسِهَا لغيرِ ضَرورَةٍ. والاستِنادُ قويًّا لغيرِ عُذرٍ. ورجوعُه -عالمًا ذاكرًا- للتشهُّدِ بعد الشُّرُوعِ في القراءةِ (و) يبطِلُها (العملُ الكثيرُ عادةً) أي: ما يعدُّ أنَّه كثيرٌ عادةً، فلا يتقيدُ بثلاثٍ، ولا غيرِها من العددِ، بل ما عُدَّ في العادةِ كثيرًا، بخلافِ ما يشبِهُ فعلَه ﷺ في فتحِه البابَ لعائشةَ (١). وتأخُّرهِ في صلاةِ الكسوفِ (٢). وفعلِ أبي برزةَ لمَّا نازعتْه دابَّتُه (٣). فهذا لا يبطِلُها. (من غيرِ جنسِها) أي: الصَّلاةِ؛ كلفِّ عمامةٍ، ولبسٍ، ومشيٍ. يبطِلُها (لغيرِ ضرورةٍ) كخوفٍ، وهربٍ من عدو، ونحوِه كسيلٍ وحريقٍ وسبعٍ. فإنْ كانتْ ضرورةً، لم تبطلْ. وعدَّ ابنُ الجوزيِّ من الضرورةِ مَن به حكٌّ لا يصبرُ عنه. وكذا إنْ كان يسيرًا، أو لمْ يتوالَ، ولو كثُرَ (٤). (و) يبطلُها (الاستنادُ قويًا لغيرِ عذرٍ) من نحوِ مرضٍ وكِبَرٍ. (و) يبطلُها (رجوعُه، عالمًا، ذاكرًا) فلا تبطلُ برجوعِه إذنْ إنْ نسيَ، أو جهِلَ؛ لحديثِ: "عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيانِ" (٥). (للتشهدِ بعد الشروعِ في القراءةِ) لأنَّه شرعَ في ركنٍ مقصودٍ، وهو القراءةُ، فلمْ يجزْ له الرجوعُ، كما لو شرعَ في

стр. 340

وتعمُّدُ زيادةِ رُكنٍ فِعليٍّ. وتعمُّدُ تقديمِ بعضِ الأركانِ علَى بعضٍ. وتعمُّدُ السَّلامِ قبلَ إتمامِها. وتعمُّدُ إحالةِ المعنَى في القِراءة الركوعِ. وتبطلُ برجوعُه إذنْ، عالمًا عمدًا، لزيادتِه فعلًا من جنسِها عمدًا، أشبَهَ ما لو زادَ ركوعًا. (و) تبطلُ بـ (تعمُّدِ زيادةِ ركنٍ فعليٍّ) نحوَ ركوعٍ وسجودٍ وقيامٍ. (و) يبطلُها (تعمُّدُ تقديمِ بعضِ الأركانِ على بعضٍ) لأنَّه يخرجُ الصَّلاةَ عن هيئتِها. (و) يبطلُها (تعمُّدُ السَّلام قبلَ إتمامِها) أي: الصَّلاةِ. والباقي منها، إما ركن أو واجب، وكلاهما يبطلُها تركه عمدًا. (و) يبطلُها (تعمُّدُ إحالةِ المعنى في القراءةِ) نحوَ: الذين هن في صلاتهن ساهون. بخلافِ غير المحيلِ، نحو: ذلك الكتابَ، بالنصب أو الجر؛ لأنَّه لا يخرجُ به عن كونِه قرآنًا، ولأنَّه أتى بأصلِ الحروفِ على (١) وجهٍ يؤدِّي معنى الكلمةِ والإعراب، فلم يجبْ سجودٌ. وهلْ تجوزُ القراءةُ بالذي لم يُحِلْ معنًى؟ يحتمل وجهينِ. قاله ابن نصر اللَّه. وقال ابنُ قندسٍ في بابِ صفةِ الصَّلاةِ في "حواشي المحرر": يكفرُ إنِ اعتقدَ إباحتَهُ. انتهى. أمَّا اللَّحْنُ في الفاتحةِ، أو في فرضِ القراءةِ، إذا كان مُحيلًا للمعنى سهوًا، أو جهلًا، فإنْ عادَ وأتى به على وجهٍ مجزئٍ، صحَّتْ صلاتُه، وإلا بطلتْ. وفي معناه: سبقُ لسانِه بتغييرِ نظمِ القرآنِ بما هو منه، على وجهٍ يُحيلُ المعنى، نحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧]. ثم: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩].

стр. 341

وبوجودِ سُترةٍ بعيدةٍ وهو عُريانٌ. وبفَسخِ النيَّةِ. وبالتَّردُّد في الفسخ. وبالعزمِ عليه. وبشَكِّهِ هل نَوى فعَمِلَ مع الشَكِّ عمَلًا؟. وبالدُّعاء بملاذِّ الدُّنيا. وبالإتيانِ بكافِ الخِطَابِ لغَيرِ اللَّهِ ورسولِه أحمدَ (و) تبطلُ الصَّلاةُ (بوجودِ سترةٍ بعيدةٍ، وهو عُريانٌ) لأنَّه لا يمكنُ فعلُها بدونِ شرطِها. (و) تبطلُ (بفسخِ النِّيةِ) في الصَّلاةِ؛ لأنَّ النيةَ شرطٌ في جميعِها، وقدْ قطعَها. والفرقُ بينها وبين الحجِّ: أنَّه لا يَخرُجُ منه بمحظوراتِه، بخلافِ الصَّلاةِ. (و) تبطلُ (بالعزمِ عليه) أي: على الفسخِ؛ لأنَّ النيةَ عزمٌ جازمٌ. ومع العزمِ على فسخِها لا جزمَ، فلا نيةَ. ولا تبطلُ أيضًا على العزمِ بفعلِ محظورٍ؛ بأنْ عزمَ على كلامٍ ولمْ يتكلمْ، أو فعلِ حَدَثٍ ونحوِه، ولمْ يفعلْه؛ لعدمِ منافاتِه الجزمَ المتقدِّمَ، لأنَّه قدْ يفعلُ المحظورَ وقدْ لا يفعلُه، ولا مناقِضَ في الحالِ للنيةِ المتقدِّمةِ، فتستمرُّ إلى أنْ يوجدَ مناقضٌ. (و) تبطلُ (بشكِّه: هلْ نوى) الصَّلاةَ (فعمِلَ مع الشكِّ عملًا) فعليًّا، كركوعٍ، أو سجودٍ، أو رفعٍ. أو قوليًّا، كقراءةٍ، وتسبيحٍ. (و) تبطلُ (بالدُّعاءِ بملاذِّ الدُّنيا) وشهواتِها، كـ: اللهمَّ ارزقني جاريةً حسناءَ، أو: طعامًا طيبًا، أو: بستانًا أنيقًا. فتبطلُ به، لحديثِ: "إنَّ صلاتَنا هذه، لا يصلحُ فيها شيءٌ من كلامِ النَّاسِ؛ إنَّما هي التسبيحُ، والتكبيرُ، وقراءةُ القرآنِ" رواه مسلمٌ (١). (و) تبطلُ (بالإتيانِ بكافِ الخطابِ لغيرِ اللهِ ورسولِه أحمدَ) فلا تبطلُ به. فيكونُ من خصائصِه ﵇.

стр. 342

وبالقَهقَهةِ. وبالكَلامِ ولو سَهوًا. وبتقديمِ المأمومِ على إمامِه. وببُطلانِ صلاةِ إمامِه (و) تبطلُ (بالقهقهةِ) كالكلامِ وأَوْلى. حكَاهُ ابنُ المنذرِ إجماعًا؛ لما روى جابرٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "القهقهةُ تنقضُ الصَّلاةَ، ولا تنقضُ الوضوءَ". رواه الدارقطنيُّ (١) بإسنادٍ فيه ضعفٌ. ولأنَّه تعمَّدَ فيها ما ينافيها، أشبَهَ خطابَ الآدميِّ. ولا تبطلُ إنْ تبسَّمَ فيها، وهو قولُ الأكثرِ، حكاه ابنُ المنذرِ. (و) تبطلُ (بالكلامِ) مطلقًا. إمامًا كان أو غيرَه (ولو سهوًا) أو جهلًا، طائعًا أو مكرهًا، فرضًا أو نفلًا، لمصلحتِها أو لا، في صلبِها أو بعدَ سلامِه سهوًا، لتحذيرِ نحوِ ضريرٍ أو لا، بطلتْ؛ لحديثِ: "إنَّ هذه الصَّلاةَ لا يصلُحُ فيها شيءٌ من كلامِ النَّاسِ، إنما هي التسبيحُ، والتكبيرُ، وقراءةُ القرآنِ" رواه مسلمٌ (٢). وعنه: لا تبطلُ بيسيرٍ؛ لمصلحتِها. ومشى عليه في "الإقناع" (٣). (و) تبطلُ (بتقدُّمِ المأمومِ على إمامِه) لأنَّ النَّبِيّ ﷺ كان إذا قامَ إلى الصَّلاةِ، قامَ أصحابُه خلفَه. ويُستثنى من ذلك صورتان: العُراةُ فإنَّه يقفُ بينهم وسْطًا. والمرأةُ إذا أمَّتْ نساءً، فإنَّها تقفُ وسطًا، ندْبًا. وإنْ تقدَّمَه مأمومٌ، ولو بإحرامٍ، لم تصحَّ الصَّلاةُ، على الصحيحِ من المذهبِ. نصَّ عليه. (و) تبطلُ الصَّلاةُ (ببطلانِ صلاةِ إمامِه) نصًّا، على الصحيح من المذهب.

стр. 343

وبسلامِه عَمدًا قَبلَ إمامِه. أو سَهوًا ولم يُعِدهُ بعدَه. وبالأكلِ. والشرب، سِوى اليسير عُرفًا لناسٍ وجاهلٍ (و) تبطلُ (بسلامِه عمدًا قبل إمامِه) وإن سَّم سهوًا، لم تبطلْ به. (أو) كان سلَّم (سهوًا، ولمْ يُعِده) أي: السَّلامَ (بعدَه) أي: بعدَ السَّهوِ، فإنَّها تبطلُ؛ لوجوبِ المتابعةِ (و) تبطلُ الصَّلاةُ (بالأكلِ) عمدًا. (و) تبطلُ بـ (الشربِ) عمدًا، في فرضٍ، قلَّ الأكلُ أو الشربُ، أو كثُرَ؛ لأنَّه ينافي الصَّلاةَ. قال في "المبدع": وهو إجماعُ مَنْ نحفظُ عنه في الفرضِ، إلا ما حكاه في "الرعاية" قولًا: أنَّها لا تبطلُ بيسيرِ شربٍ، لكنَّه غيرُ معروفٍ (١) (سوى اليسيرِ عُرْفًا) أي: ما يُعدُّ في العُرْفِ أنَّه يسيرٌ (لناسٍ وجاهلٍ) لعمومِ: "عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيانِ". فإنْ كثُرَ أحدُهما، بطلتْ؛ لأنَّه عمل مستكثرٌ من غيرِ جنسِها، فرضًا كان أو نفلًا. وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وقطعَ به كثيرٌ منهم. وعنه: لا تبطلُ. وهو ظاهرُ "المستوعب" و"التلخيص". قال في "الإقناع": ومَنْ أكلَ أو شرِبَ. وسوَّى في "الإقناع" بين الأكلِ والشربِ، كما تقدَّمَ في صلاةِ نفلٍ كثيرٌ عُزفًا، بطلتْ، لقطعِ الموالاةِ بين الأركانِ، دودنَ اليسيرِ، فلا يبطلُ النفلُ. وعنه: النفلُ كالفرضِ. قدَّمه جماعة، وصحَّحَه في "الشرح". قال في "المبدع": وبه قالَ أكثَرُهم؛ لأن ما أبطل الفرض أبطل النفل، كسائر المبطلات.

стр. 344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعنه: لا (١) يبطلُ بيسيرِ الشربِ فقطْ. وهي مفهومُ ما قطعَ به في "المنتهى" وصاحبُ "المقنع"، فإنَّه قال: ولا نفلٌ بيسيرِ شربٍ عمدًا. مفهومُه: أنَّه يبطلُ بيسيرِ الأكلِ عمدًا، وهو الأشهرُ من الرواياتِ، وقدَّمَه في "الفروع" و"مجمع البحرين" ونصرَهُ. والمعتمدُ ما قطعَ به صاحبُ "المنتهى". وقال ابنُ هبيرةَ: إنَّه المشهورُ عنه. قال في "الفروع": والأشهرُ عنه بالأكلِ. انتهى. أي: يبطلُ النفلُ بيسيرِ الأكلِ عمدًا. فعُلِمَ منه: أنه (٢) لا يبطلُ النفلُ بيسيرِ الشربِ، لما روي أنَّ (٣) ابنَ الزبيرِ، وسعيدَ بنَ جبير شَرِبا في التطوعِ. لأنَّ مدَّ النفلِ وإطالتَه مستحبَّةٌ مطلوبةٌ، فيحتاجُ معه كثيرًا إلى جَرْعةِ ماءٍ، لدفعِ العطشِ. كما سُومِحَ به جالسًا، وعلى الرَّاحلةِ (٤). قال في "المبدع" (٥). والمذهب: أنَّها لا تبطلُ بيسيرِ شربٍ عُرْفًا في نفلٍ، ولو عمدًا. "تتمةٌ": لا تبطلُ الصَّلاةُ بتركِ لقمةٍ في فمِه لمْ يمضغْها ولمْ يبتلعْها حتى فرغَ من الصَّلاةِ، ويُكره ذلك، فإنْ لاكَهَا، أي: ولمْ يبتلعْها، فهو كالعملِ؛ إنْ كثُرَ أبطلَ، وإلا فلا. ذكرَة في "الكافي" (٦) و"الرعاية".

стр. 345

ولا تبطلُ إن بلَعَ ما بيَن أسنانِه بلا مَضغٍ. وكالكلامِ: إن تنحنَحَ بلا حاجةٍ، أَو انتحبَ لا خشيةً، أو نفخَ فبانَ حرفانِ، (ولا تبطلُ إنْ بلعَ ما بين أسنانِه بلا مضغٍ) لأنَّه ليس بأكلٍ، ويسيرٌ. ولو لمْ يجرِ به ريق، ولو كان له جِرمٌ، نصًّا. قالهُ في "التنقيح"، وتبِعَه العسكري (١) في قطعتِه، والشويكيُّ في "التوضيح"، وتبِعَهم صاحبُ "المنتهى". وخالَفَهم في ذلك صاحبُ "الإقناع". ولا يخفى أنَّ الذي بين أسنانِه أنَّه ولو كان جِرمٌ، هو دون اللُّقمةِ، فإنَّ اللُّقمةَ إذا لاكَهَا، فهو كالعملِ، إن كثُرَ أبطلَ، وإلا فلا، وإنْ تَركَها في فمِه بلا مضغٍ، ولا بلعٍ، كُرِهَ، وصحَّتْ صلاتُه. "تتمةٌ": وإنْ بلعَ ذوبَ سُكَّرٍ ونحوِه -كحَلوى، وتَرَنْجَبيل (٢) - كأكلٍ، فتبطلُ به الصَّلاةُ مطلقًا مع العمد، وإلا فإن كثُرَ بطلتْ، وإلا فلا. فإنْ فتحَ فاه، فحصلَ فيه ماءٌ من مطرٍ وغيرِه، فابتلعَه، فكشربٍ. (وكالكلامِ) في الحكمِ (إنْ تنحنحَ بلا حاجةٍ)، فبانَ حرفانِ، (أو انتحبَ) فبانَ حرفانِ، و (لا) تبطلُ إنْ انتحبَ (خشيةً) من اللهِ تعالى. (أو نفخَ، فبانَ حرفانِ) فتبطلُ به صلاتُه، لقولِ ابنِ عباسٍ: مَنْ نفخَ في صلاتِه، فقدْ تكلَّمَ (٣). رواه سعيدٌ. وعن أبي هريرةَ نحوه. فإنْ كانتِ النحنحةُ لحاجةٍ، لمْ تبطلْ صلاتُه، ولو بانَ حرفانِ. قال المرُّوذيُّ:

стр. 346

لا إنْ نامَ فتكلَّم، أو سَبَقَ على لسانِه حالَ قراءتِه، أو غَلَبه سُعالٌ، أو عُطاسٌ، أو تثاؤبٌ، أو بُكاءٌ. كنتُ آتي أبا عبدِ اللهِ، فيتنحنحَ في صلاتِه؛ لأعلمَ أنَّه يصلِّى. و (لا) تبطلُ (إنْ نامَ) يسيرًا قائمًا، أو جالسًا (فتكلَّمَ، أو سبَقَ) الكلامُ (على لسانه حمالَ قراءته)، أشبَهَ ما لو غلِطَ في القرآنِ، فأتى بكلمةٍ من غيرِه. ولأنَّ النائمَ مرفوعٌ عنه القلمُ (أو غلبَهُ سُعالٌ، أو عُطاسٌ، أو تثاؤبٌ، أو بكاءٌ) ولو بانَ منه حرفانِ. نصَّ عليه فيمن غلَبَهُ البكاءُ. وقال مهنا: صليتُ إلى جنب أبي عبدِ اللهِ، فتثاءبَ خمسَ مراتٍ، وسمعتُ لتثاؤبِه: هاه هاه. وذلك لأنَّه لا ينسبُ إليه، ولا لما يتعلُّقُ به حكمٌ من أحكامِ الكلامِ. تقولُ: تثاءبتُ على وزن تفاعلتُ: ولا تقلْ: تثاوبتُ. قالَهُ في "الصحاح". ويُكره استدعاءُ بكاءٍ، كضحكٍ. ويجيبُ والديه في نفلٍ، وتبطلُ به. ويجوزُ إخراجُ زوجةٍ من نفلٍ؛ لحقِّ زوجِها. * * *

стр. 347

بابُ سُجودِ السَّهوِ يُسنُّ: إذا أتى بقولٍ مشروعٍ في غير مَحَلِّه سهوًا. (بابُ سجودِ السهوِ) قال في "النهاية" (١): السَّهوُ في الشيءِ: تركُه من غيرِ علمٍ. وعن الشيءِ: تركُه مع العلمِ؛ عمدًا. وهذا فرقٌ دقيقٌ بين السَّهوِ في الصَّلاةِ الصادرِ منه ﷺ ، والسَّهوِ عنها المذمومِ فاعلُه. وقال في "حاشية التنقيح": سها عن الشيءِ سهوًا: ذهلَ وغفلَ قلبُه عنه، حتى زالَ عنه، فلم يتذكَّره. وفرَّقوا بين السَّاهي والنَّاسي: أنَّ النَّاسي إذا ذكَّرَتَه تذكَّرَ، بخلافِ السَّاهي (٢). وقال صاحبُ "المشارق": السَّهوُ في الصَّلاةِ: النسيانُ فيها. وقيلَ: هو الغفلةُ. وقيل: النسيانُ: عدمُ ذكرِ ما كان مذكورًا. والسَّهوُ: ذهولٌ وغفلةٌ عمَّا كان مذكورًا، أو عمَّا لم يكنْ، فعلى هذا هو أعمُّ من النسيانِ. انتهى. (يُسنُّ: إذا أتى بقولٍ مشروعٍ) أي: من جنس الصَّلاةِ (في غيرِ محلِّه) أي: في يخرِ موضعِه؛ حالَ كونِ ذلك (سهوًا) كقراءتِهِ سورةً في الرَّكعتين الأخيرتينِ من رُباعيَّةٍ، أو في ثالثةِ مغربٍ، وقراءتِه قاعدًا أو ساجدًا، أو كتشهُّدِهِ قائمًا؛ لعمومِ

стр. 348

ويُباحُ: إذا تركَ مسنونًا. ويجبُ: إذا زاد رُكوعًا، أو سُجودًا، أو قِيامًا أو قُعودًا، ولو قَدرَ جَلسةِ الاستراحةِ، أو سلَّمَ قَبلَ إتمامِها، قولِهِ ﷺ : "إذا نسيَ أحدُكم، فليسجدْ سجدتينِ وهو جالسٌ". رواه مسلمٌ (١). ولأنَّه ذِكْرٌ مشروعٌ أتى به في غيرِ محلِّه سهوًا فيسجدُ له، كالسَّلامِ من نقصانٍ. فإنْ لم يكنْ مشروعًا، كآمين، ربّ العالمين، واللهُ أكبرُ كبيرًا. لم يُشرعْ له سجودٌ؛ لأنَّه ﵇ لم يأمرْ به مَنْ سمِعَه يقولُ في صلاتِه: "الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يُحبُّ ربّنا ويرضى" (٢). (ويُباحُ) أي: سجودُ السَّهوِ (إذا تركَ مسنونًا) قوليًّا أو فعليًّا، فلا يجبُ ولا يُستحبُّ السّجودُ له (ويجبُ) سجودُ السَّهوِ (إذا زادَ ركوعًا، أو سجودًا) سهوًا (أو قيامًا، أو قعودًا، ولو) كان القعودُ عقبَ ركعةٍ، وكان (قدرَ جَلسةِ الاستراحةِ) أي: ولو كان الجلوسُ الذي زادَهُ يسيرًا قدرَ جلسةِ الاستراحةِ. أما إنْ جلسَ للاستراحةِ قصدًا، فإنَّه لا يسجدُ لها؛ لأنَّه لا سجودَ للعمدِ. ولا تبطلُ الصَّلاةُ بها، كما في "المغني". (أو سلَّمَ) مصلٍّ (قبلَ إتمامِها) أي: الصَّلاةِ سهوًا، لم تبطلْ، وجازَ له إتمامُها؛ لأنَّ النبىّ ﷺ وأصحابَهُ فعلوه، وبنوا على صلاتِهم؛ لأنَّ جنسَه مشروعٌ فيها، أشبَهَ الزيادةَ فيها من جنسِها. لكن تارةً يذكرُ ما بقيَ من صلاتِه قريبًا، وتارة لا يذكره إلا وقد طال الفصل. فإن ذكر ذلك قريبًا، ولو خرجَ من المسجدِ، نصَّ عليه في روايةِ

стр. 349

أو لَحَن لحنًا يُحيلُ المعنَى، أو تَرَكَ واجبًا، أو شكَّ في زيادةٍ وقتَ فعلِها. وتبطلُ الصلاةُ بتعمُّدِ تركِ سُجُودِ السهوِ الواجِب، إلَّا إنْ تركَ ما ابنِ منصورٍ، أو شرعَ في صلاةٍ أخرى -وتُقطَعُ التي شرعَ فيها مع قُرْبِ الفصلِ، وعادَ إلى الأولى- أتمَّها، وسجدَ؛ لما روى عمرانُ بنُ حصينٍ قال: سلَّم رسولُ اللهِ ﷺ في ثلاثِ ركعاتٍ من العصرِ، ثمَّ قامَ فدخلَ الحُجرةَ، فقامَ رجلٌ بسيطُ اليدين، فقال: أَقَصُرتِ الصَّلاةُ يا رسولَ اللهِ؟ فخرجَ، فصلَّى الرَّكعةَ التي كان تركَ، ثمَّ سلَّمَ، ثمَّ سجدَ سجدتي السهوِ، ثمَّ سلَّمَ. رواه مسلمٌ (١). (أو لحنَ لحنًا يُحيلُ المعنى) أي: في السورةِ. أمَّا إنْ لحنَ لحنًا في القراءةِ، يُحيلُ المعنى، سهوًا أو جهلًا، فإنْ عادَ وأتى به على وجهٍ مجزئٍ، صحَّتْ صلاتُه، وإلَّا بطلتْ، كما صرَّحَ به ابنُ قُندسٍ. وإذا صحَّتْ، سجدَ للسهوِ وجوبًا. (أو ترَكَ واجبًا) أي: تركَه ناسيًا، ثمَّ ذكرَ. والمرادُ بالواجب: ما قابلَ الركنَ (أو شكَّ في زيادةٍ وقتَ فعلِها) بأنْ شكَّ في سجدةٍ وهو فيها، هلْ هي زائدةٌ، أو لا؟ أو في الرَّكعةِ الأخيرةِ كذلك، فيسجدُ؛ لأنَّه أدَّى جزءًا من صلاتِه متردِّدًا في كونِه منها، أو زائدًا عليها، فضعُفَتِ النيةُ، واحتاجَتْ للجبرِ بالسُّجودِ. ومَنْ شكَّ في عددِ الركعاتِ أو غيرِه، فبنى على يقينِه، ثمَّ زالَ شكُّه، وعلمَ أنَّه مصيبٌ فيما فعلَه، لمْ يسجدْ مطلقًا. على ما صحَّحه في "الإنصاف"، وتبِعَه في "الإقناع". وخالفَ العلامةُ الشيخُ تقيُّ الدينِ الفتوحيُّ في "شرحه". (وتبطلُ الصَّلاةُ بتعمُّدِ تركِ سجود السَّهوِ الواجبِ) للسهوِ (إلا إنْ تركَ ما

стр. 350

وجبَ بسلامِه قبلَ إتمامِها. وإنْ شاءَ سجدَ سجدتَي السَّهوِ قَبلَ السلامِ، أو بعدَهُ، لكِنْ إنْ سجدَهُما بعدَه، تَشهَّدَ وجوبًا وسَلَّم. وجبَ) من سجودِ السَّهوِ (بسلامِه قبلَ إتمامِها) أي: الصَّلاةِ (وإنْ شاءَ سجدَ سجدتي السَّهوِ قبلَ السَّلامِ، أو بعدَهُ) ندْبًا؛ لأنَّ الأحاديثَ وردتْ بكلٍّ من الأمرين، فلو سجَدَ للكلِّ قبلَ السَّلامِ أو بعدَهُ، جازَ. لكنْ قال في روايةِ الأثرمِ: أنا أقولُ: كلّ سهوٍ جاءَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه يسجُدُ فيه بعد السَّلام، فإنَّه يسجُدُ فيه بعدَ السَّلامِ، وسائرُ السهوِ يسجدُ فيه قبلَ السَّلامِ. ووجهُهُ: أنَّه من شأنِ الصُّلاةِ، فيقضيه قبلَ السَّلامِ، كسجودِ صلبِها، إلا ما خصَّهُ الدليلُ (لكنْ إنْ سجدَهما بعدَهُ) أي: بعد السَّلامِ (تشهدَ وجوبًا) التشهدَ الأخيرَ (وسلَّم) سواءٌ كان محلُّ (١) السّجودِ قبلَ السَّلامِ، أو بعدَه، لحديثِ عمرانَ بنِ حصينٍ: أنَّ النبىَّ ﷺ صلَّى بهم، فسها، فسجدَ سجدتين، ثمَّ تشهدَ، ثمَّ سلَّمَ. رواه أبو داودَ والترمذيّ (٢) وحسنَه. ولأنَّ السجودَ بعد السَّلامِ في حكمِ المستقلِّ بنفسِه من وجهٍ، فاحتاجَ إلى التشهدِ، كما احتاجَ إلى السَّلامِ، إلحاقًا له بما قبلَهُ، بخلافِ سجودِ تلاوةٍ وشكرٍ، فليس قبلَهما ما يلحقانِ به، وبخلافِ ما قبلَ السَّلامِ، فهو جزءٌ من الصَّلاةِ بكلِّ وجهٍ، وتابعٌ، فلم يُفردْ له تشهدٌ، كما لا يفردُ بسلامِ. ولا يتوركُ إذا جلسَ للتشهدِ بعدَ السجودِ في صلاةٍ ثُنائيَّةٍ (٣)، بلْ يجلسُ مفترِشًا

стр. 351

وإن نَسِيَ السُّجودَ حتَّى طالَ الفصلُ غرفًا، أو أحدَثَ، أو خرَجَ من المَسجدِ، سَقَطَ. ولا سُجودَ على مأمومٍ دخلَ أوَّل الصلاةِ إذا سَهَا في صلاتِه. وإن سَها إمامُه، لزِمَه متابعتُه في سُجُودِ السَّهوِ، كتشهدِ نفسِ الصَّلاةِ، فإنْ كانتْ ثلاثيةً أو رُباعيةً، تورَّكَ لما ذكرَ. وسجودُ السَّهوِ قبلَ السَّلامِ وبعدَه، وما يقالُ فيه من تكبيبر وتسبيحٍ، وما يقالُ بعدَ رفعٍ منه -كـ: ربِّ اغفرْ لي. بين السَّجدتين- كسجودِ صُلْبٍ. وقيلَ: إنْ سجدَ بعد السَّلامِ، كبَّرَ مرةً واحدةً، وسجدَ سجدتين (وإن نسيَ السَّجودَ حتى طالَ الفصلُ عُرْفًا، أو أحدثَ، أو خرجَ من المسجدِ، سقطَ) أي: لم يقضِه؛ لفواتِ محلِّه، وصحَّت صلاتُه، كسائرِ الواجباتِ إذا تركَها سهوًا. وإنْ لم يوجدْ شيءٌ من هذه، وقضاه، لم يصرْ عائدًا للصَّلاةِ؛ لأنَّ التحلُّلَ منها حصلَ بالسَّلامِ؛ لأنَّه لا يجبُ عليه نيةُ العودِ للصَّلاةِ، فلا تبطلُ بمفسدٍ من نحوِ حدثٍ أو غيرِه، ولا يجبُ الإتمامُ على من يجوزُ له القصرُ، إذا نواه فيه. ولا يصحّ دخولُ مسبوقٍ معه فيه (ولا سجودَ على مأمومٍ) سها دون إمامِه (دخلَ أوَّلَ (١) الصَّلاةِ إذا سها في صلاِته) لكونِه مأمومًا (وإنْ سها إمامُه، لزِمَه متابعتُه في سجودِ السَّهوِ) فيسجدُ معه، ولو لم يسْهُ أو يسجدْ بعدَ سلامِه، لحديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: "ليسَ على (٢) مَنْ

стр. 352

فإنْ لم يَسجُد إمامُهُ، وجبَ عليهِ هوَ. ومن قامَ لركعةٍ زائدةٍ، جلَسَ متى ذكَرَ. خلفَ الإمامِ سهوٌ، فإنْ سها إمامُه، فعليه وعلى مَنْ خلفَه". رواه الدارقطنيُّ (١). وقدْ صحَّ عنه ﵇ أنَّه لما سجدَ لتركِ التشهدِ الأوَّلِ، والسَّلامِ من نقصان، سجدَ النَّاسُ معه، ولعمومِ: "وإذا سجدَ، فاسجدوا" (٢). فيسجدُ (٣) مأمومٌ؛ متابعةً لإمامِه. (فإنْ لمْ يسجدْ إمامُه) وقدْ سُهي عليه سهوًا يجبُ السجودُ له (وجبَ) سجودُ السَّهوِ (عليه) أي: على المأمومِ (هو) وعُلِمَ منه: أنَّه لا يسقطُ السجودُ عن المأمومِ بتركِ إمامِه له؛ لأنَّ صلاتَه نقصتْ بنقصانِ صلاةٍ إمامِه، فلزِمَه جبْرُها. هذا إنْ كانَ الإمامُ لا يرى وجوبَه، أو تركَهُ سهوًا، أو كان محلُّه بعدَ السَّلامِ، وإلا فتبطلُ صلاتُه، وتقدَّمَ: تبطلُ صلاةُ مأمومٍ ببطلانِ صلاةٍ إمامِه (ومَنْ قامَ لركعةٍ زائدةٍ) سهوًا، كثالثةٍ في فجرٍ، ورابعةٍ في مغربٍ، وخامسةٍ في رباعيةٍ (جلسَ) بلا تكبيرٍ (متى ذكرَ) أنَّها زائدةٌ وجوبًا؛ لئلا يعيِّرَ هيئةَ الصَّلاةِ. ولا يتشهدُ إنْ كانَ قدْ تشهدَ قبل قيامِه؛ لوقوعِه موقعَه. وإنْ كان تشهَّدَ، ولم يُصلِّ على النبيِّ ﷺ ، صلَّى عليه، وسجدَ للسهوِ، وسلَّمَ. وإنْ لمْ يكنْ تشهدَ قبلَ قيامِه، تشهدَ وسجدَ وسلَّمَ. فإنْ لمْ يذكر حتى فرغَ منها، سجدَ لها؛ لحديثِ ابنِ مسعودٍ قال: صلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ خمسًا، فلمَّا انفتلَ توشوشَ القومُ بينهم، فقالَ: "ما شأنُكم؟ "

стр. 353

وإنْ نهَضَ عن تَركِ التشهُّدِ الأوَّلِ ناسيًا، لزِمَه الرجوعُ ليتشهَّدَ، وكُرِهَ إنْ استتمَّ قائمًا، وتلزمُ المأمومَ متابعتُه، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، هل زِيدَ في الصَّلاةِ؟ فقال: "لا". قالوا: فإنَّكَ صلَّيتَ خمسًا. فانفتلَ، ثمَّ سجدَ سجدتين، ثمَّ سلَّمَ. ثم (١) قال: "إنَّما أنا بشرٌ مثلُكم، أنسٌ كما تَنْسَوْن، فإذا نسِيَ أحدُكم، فليسجدْ سجدتين". وفي روايةٍ: "إنَّما أنا بشرٌ مثلُكم، أذكرُ كما تذكرون، وأنسى كما تَنْسَوْن". ثمَّ سجَدَ سجدتين للسهوِ. وفي روايةٍ قال: "وإذا زادَ الرجلُ أو نقصَ، فليسجدْ سجدتين". رواه بطرقِه مسلمٌ (٢). (وإن نهضَ) إلى الركعةِ الثالثةِ (عن تركِ التشهدِ الأوَّلِ) مع تركِ الجلوسِ، أو تركِ التشهدِ دونَ الجلوسِ؛ بأنْ جلسَ ونهضَ، ولم يتشهدْ (ناسيًا) لما تركَهُ الزِمَه الرجوعُ ليتشهَّدْ) إنْ ذكَرَ قبلَ أنْ يستَتِمَّ قائمًا، ليتداركَ الواجبَ. ويتابعُه مأمومٌ، ولو اعتدلَ (وكُرِه) رجوعُه (إن استَتَمَّ قائمًا) لحديثِ المغيرةِ بنِ شعبةَ مرفوعًا: "إذا قامَ أحدُكم من الرَّكعتين فلم يستَتِمَّ قائمًا، فليجلس، فإن استَتَمَّ قائمًا، فلا يجلسْ، ويسجدْ سجدتين". رواه أبو داودَ وابنُ ماجه (٣). وأقلُّ أحوالِ النهي الكراهةُ. ولمْ يمتنعْ عليه الرجوعُ؛ لأنَّ القيامَ غيرُ مقصودٍ في نفسِه؛ لتركِه عندَ العجزِ لا إلى بدلٍ، بخلافِ غيرِه. (وتلزمُ المأمومَ متابعتُه) أي: متابعةُ الإمامِ في قيامِه ناسيًا؛ لحديثِ: "إنَّما جُعِلَ

стр. 354

ولا يَرجِعُ إن شَرَعَ في القِراءةِ. ومَنْ شَكَّ في رُكنٍ، أو عَددِ ركَعَاتٍ، وهوُ في الصلاةِ، بَنَى على اليَقينِ، وهو الأقلُّ، الإمامُ ليؤتمَّ به" (١). ولما قامَ ﵇ عن التشهدِ، قامَ النَّاسُ معه. وفعلَه جماعةٌ من أصحابِه. ولا يلزمُه الرجوعُ إنْ سبَّحوا به بعدَ قيامِه. وإنْ سبَّحوا به قبلَ قيامِه، ولم يرجعْ، تشهَّدوا لأنفسِهم ولم يتابِعوه؛ لأنَّه تركَ واجبًا، فلم يكنْ لهم متابعتُه. وإذا رجعَ قبلَ شروعِه في القراءةِ، لزِمَهم متابعتُه، ولو شرَعوا فيها، لا إنْ رجعَ بعدَها لخطائِه (٢)، وينوون مفارقتَه. (ولا يرجعُ إنْ شرعَ في القراءةِ) بلْ يحرمُ رجوعُه؛ لأنَّه شرعَ في ركنٍ مقصودٍ، وهو القراءةُ، فلمْ يجُزْ له الرجوعُ، كما لو شرعَ في الركوعِ. وبطلتْ صلاتُه إنْ رجعَ إذنْ، عالمًا عمدًا، لزيادتِه فعلًا من جنسِها عمدًا، أشبَه ما لو زادَ ركوعًا. ولا تبطلُ إنْ رجعَ إذنْ، ناسيًا أو جاهلًا تحريمَ رجوعِه. ومتى علم تحريم ذلك (٣) وهو في التشهدِ، نهضَ ولمْ يتمَّه، وسجدَ للسهوِ (ومَنْ شكَّ في) تركِ (ركنٍ) بأنْ تردَّدَ في فعلِه، فيُجعلُ كمَنْ تيقنَ تركَه؛ لأنَّ الأصلَ عدمُه، وكما لو شكَّ في أصلِ الصَّلاةِ (أو) شكَّ في (عددِ ركعَاتٍ، وهو في الصَّلاةِ، بنى على اليقينِ، وهو الأقلُّ)

стр. 355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولو كانَ الشاكُّ إمامًا. وعنه: يَبني الإمامُ على غالبِ ظنِّه. حكَاهُ في "الإقناع" (١). والمنفردُ: على اليَقينِ. ذكَرَ في "المقنع" أنَّ هذا ظاهرُ المذهبِ. وجزمَ به في "الكافي" و "الوجيز". وذكَرَ في "الشرح" أنَّه المشهورُ عن أحمدَ، وأنَّه اختيارُ الخِرَقيِّ. ولأنَّ للإمامِ مَنْ ينبِّهُه ويذكِّرُه إذا أخطأ الصَّوابَ، بخلافِ المنفردِ. إنْ كان المأمومُ أكثرَ من واحدٍ، وإلا، أي: وإنْ لم يكنْ المأمومُ أكثرَ من واحدٍ، بنى الإمامُ على اليقينِ، كالمنفردِ. فإذا شكَّ: أصلَّى ركعةً أو ركعتين؟ بنى على ركعةٍ. وثنتين أو ثلاثًا؟ بنى على ثنتين. وهكذا. إمامًا كان أو منفردًا؛ لحديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ مرفوعًا: "إذا شكَّ أحدُكم في صلاتِه، فلم يدرِ: صلَّى ثلاثًا، أو أربعًا؟ فليطْرَحِ الشكَّ، وليبْنِ على ما استيقنَ، ثمَّ يسجدْ سجدتين قبلَ أنْ يسلِّمَ، فإنْ كانَ صلَّى خمسًا، شفعْنَ له صلاتَه، وإنْ كان صلَّى أربعًا، كانتا ترغيمًا للشيطانِ". رواه أحمدُ ومسلمٌ (٢). وحديثِ ابنِ مسعودٍ مرفوعًا: "إذا شكَّ أحدُكم في صلاتِه، فليتحرَّ الصَّوابَ، وليتمَّ عليه، ثمَّ يسلِّم، ثم ليسجدْ سجدتين". رواه الجماعةُ (٣) إلا الترمذيَّ. فتحرِّي الصَّوابِ فيه: هو استعمالُ اليقينِ؛ لأنَّه أحوطُ، وجمعًا بين الأخبارِ.
следующие страницы →