← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 803

شرح دليل الطالب - عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

Полный текст (1 686 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وإن نَسِيَ السُّجودَ حتَّى طالَ الفصلُ غرفًا، أو أحدَثَ، أو خرَجَ من المَسجدِ، سَقَطَ. ولا سُجودَ على مأمومٍ دخلَ أوَّل الصلاةِ إذا سَهَا في صلاتِه. وإن سَها إمامُه، لزِمَه متابعتُه في سُجُودِ السَّهوِ، كتشهدِ نفسِ الصَّلاةِ، فإنْ كانتْ ثلاثيةً أو رُباعيةً، تورَّكَ لما ذكرَ. وسجودُ السَّهوِ قبلَ السَّلامِ وبعدَه، وما يقالُ فيه من تكبيبر وتسبيحٍ، وما يقالُ بعدَ رفعٍ منه -كـ: ربِّ اغفرْ لي. بين السَّجدتين- كسجودِ صُلْبٍ. وقيلَ: إنْ سجدَ بعد السَّلامِ، كبَّرَ مرةً واحدةً، وسجدَ سجدتين (وإن نسيَ السَّجودَ حتى طالَ الفصلُ عُرْفًا، أو أحدثَ، أو خرجَ من المسجدِ، سقطَ) أي: لم يقضِه؛ لفواتِ محلِّه، وصحَّت صلاتُه، كسائرِ الواجباتِ إذا تركَها سهوًا. وإنْ لم يوجدْ شيءٌ من هذه، وقضاه، لم يصرْ عائدًا للصَّلاةِ؛ لأنَّ التحلُّلَ منها حصلَ بالسَّلامِ؛ لأنَّه لا يجبُ عليه نيةُ العودِ للصَّلاةِ، فلا تبطلُ بمفسدٍ من نحوِ حدثٍ أو غيرِه، ولا يجبُ الإتمامُ على من يجوزُ له القصرُ، إذا نواه فيه. ولا يصحّ دخولُ مسبوقٍ معه فيه (ولا سجودَ على مأمومٍ) سها دون إمامِه (دخلَ أوَّلَ (١) الصَّلاةِ إذا سها في صلاِته) لكونِه مأمومًا (وإنْ سها إمامُه، لزِمَه متابعتُه في سجودِ السَّهوِ) فيسجدُ معه، ولو لم يسْهُ أو يسجدْ بعدَ سلامِه، لحديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: "ليسَ على (٢) مَنْ

стр. 352

فإنْ لم يَسجُد إمامُهُ، وجبَ عليهِ هوَ. ومن قامَ لركعةٍ زائدةٍ، جلَسَ متى ذكَرَ. خلفَ الإمامِ سهوٌ، فإنْ سها إمامُه، فعليه وعلى مَنْ خلفَه". رواه الدارقطنيُّ (١). وقدْ صحَّ عنه ﵇ أنَّه لما سجدَ لتركِ التشهدِ الأوَّلِ، والسَّلامِ من نقصان، سجدَ النَّاسُ معه، ولعمومِ: "وإذا سجدَ، فاسجدوا" (٢). فيسجدُ (٣) مأمومٌ؛ متابعةً لإمامِه. (فإنْ لمْ يسجدْ إمامُه) وقدْ سُهي عليه سهوًا يجبُ السجودُ له (وجبَ) سجودُ السَّهوِ (عليه) أي: على المأمومِ (هو) وعُلِمَ منه: أنَّه لا يسقطُ السجودُ عن المأمومِ بتركِ إمامِه له؛ لأنَّ صلاتَه نقصتْ بنقصانِ صلاةٍ إمامِه، فلزِمَه جبْرُها. هذا إنْ كانَ الإمامُ لا يرى وجوبَه، أو تركَهُ سهوًا، أو كان محلُّه بعدَ السَّلامِ، وإلا فتبطلُ صلاتُه، وتقدَّمَ: تبطلُ صلاةُ مأمومٍ ببطلانِ صلاةٍ إمامِه (ومَنْ قامَ لركعةٍ زائدةٍ) سهوًا، كثالثةٍ في فجرٍ، ورابعةٍ في مغربٍ، وخامسةٍ في رباعيةٍ (جلسَ) بلا تكبيرٍ (متى ذكرَ) أنَّها زائدةٌ وجوبًا؛ لئلا يعيِّرَ هيئةَ الصَّلاةِ. ولا يتشهدُ إنْ كانَ قدْ تشهدَ قبل قيامِه؛ لوقوعِه موقعَه. وإنْ كان تشهَّدَ، ولم يُصلِّ على النبيِّ ﷺ ، صلَّى عليه، وسجدَ للسهوِ، وسلَّمَ. وإنْ لمْ يكنْ تشهدَ قبلَ قيامِه، تشهدَ وسجدَ وسلَّمَ. فإنْ لمْ يذكر حتى فرغَ منها، سجدَ لها؛ لحديثِ ابنِ مسعودٍ قال: صلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ خمسًا، فلمَّا انفتلَ توشوشَ القومُ بينهم، فقالَ: "ما شأنُكم؟ "

стр. 353

وإنْ نهَضَ عن تَركِ التشهُّدِ الأوَّلِ ناسيًا، لزِمَه الرجوعُ ليتشهَّدَ، وكُرِهَ إنْ استتمَّ قائمًا، وتلزمُ المأمومَ متابعتُه، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، هل زِيدَ في الصَّلاةِ؟ فقال: "لا". قالوا: فإنَّكَ صلَّيتَ خمسًا. فانفتلَ، ثمَّ سجدَ سجدتين، ثمَّ سلَّمَ. ثم (١) قال: "إنَّما أنا بشرٌ مثلُكم، أنسٌ كما تَنْسَوْن، فإذا نسِيَ أحدُكم، فليسجدْ سجدتين". وفي روايةٍ: "إنَّما أنا بشرٌ مثلُكم، أذكرُ كما تذكرون، وأنسى كما تَنْسَوْن". ثمَّ سجَدَ سجدتين للسهوِ. وفي روايةٍ قال: "وإذا زادَ الرجلُ أو نقصَ، فليسجدْ سجدتين". رواه بطرقِه مسلمٌ (٢). (وإن نهضَ) إلى الركعةِ الثالثةِ (عن تركِ التشهدِ الأوَّلِ) مع تركِ الجلوسِ، أو تركِ التشهدِ دونَ الجلوسِ؛ بأنْ جلسَ ونهضَ، ولم يتشهدْ (ناسيًا) لما تركَهُ الزِمَه الرجوعُ ليتشهَّدْ) إنْ ذكَرَ قبلَ أنْ يستَتِمَّ قائمًا، ليتداركَ الواجبَ. ويتابعُه مأمومٌ، ولو اعتدلَ (وكُرِه) رجوعُه (إن استَتَمَّ قائمًا) لحديثِ المغيرةِ بنِ شعبةَ مرفوعًا: "إذا قامَ أحدُكم من الرَّكعتين فلم يستَتِمَّ قائمًا، فليجلس، فإن استَتَمَّ قائمًا، فلا يجلسْ، ويسجدْ سجدتين". رواه أبو داودَ وابنُ ماجه (٣). وأقلُّ أحوالِ النهي الكراهةُ. ولمْ يمتنعْ عليه الرجوعُ؛ لأنَّ القيامَ غيرُ مقصودٍ في نفسِه؛ لتركِه عندَ العجزِ لا إلى بدلٍ، بخلافِ غيرِه. (وتلزمُ المأمومَ متابعتُه) أي: متابعةُ الإمامِ في قيامِه ناسيًا؛ لحديثِ: "إنَّما جُعِلَ

стр. 354

ولا يَرجِعُ إن شَرَعَ في القِراءةِ. ومَنْ شَكَّ في رُكنٍ، أو عَددِ ركَعَاتٍ، وهوُ في الصلاةِ، بَنَى على اليَقينِ، وهو الأقلُّ، الإمامُ ليؤتمَّ به" (١). ولما قامَ ﵇ عن التشهدِ، قامَ النَّاسُ معه. وفعلَه جماعةٌ من أصحابِه. ولا يلزمُه الرجوعُ إنْ سبَّحوا به بعدَ قيامِه. وإنْ سبَّحوا به قبلَ قيامِه، ولم يرجعْ، تشهَّدوا لأنفسِهم ولم يتابِعوه؛ لأنَّه تركَ واجبًا، فلم يكنْ لهم متابعتُه. وإذا رجعَ قبلَ شروعِه في القراءةِ، لزِمَهم متابعتُه، ولو شرَعوا فيها، لا إنْ رجعَ بعدَها لخطائِه (٢)، وينوون مفارقتَه. (ولا يرجعُ إنْ شرعَ في القراءةِ) بلْ يحرمُ رجوعُه؛ لأنَّه شرعَ في ركنٍ مقصودٍ، وهو القراءةُ، فلمْ يجُزْ له الرجوعُ، كما لو شرعَ في الركوعِ. وبطلتْ صلاتُه إنْ رجعَ إذنْ، عالمًا عمدًا، لزيادتِه فعلًا من جنسِها عمدًا، أشبَه ما لو زادَ ركوعًا. ولا تبطلُ إنْ رجعَ إذنْ، ناسيًا أو جاهلًا تحريمَ رجوعِه. ومتى علم تحريم ذلك (٣) وهو في التشهدِ، نهضَ ولمْ يتمَّه، وسجدَ للسهوِ (ومَنْ شكَّ في) تركِ (ركنٍ) بأنْ تردَّدَ في فعلِه، فيُجعلُ كمَنْ تيقنَ تركَه؛ لأنَّ الأصلَ عدمُه، وكما لو شكَّ في أصلِ الصَّلاةِ (أو) شكَّ في (عددِ ركعَاتٍ، وهو في الصَّلاةِ، بنى على اليقينِ، وهو الأقلُّ)

стр. 355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولو كانَ الشاكُّ إمامًا. وعنه: يَبني الإمامُ على غالبِ ظنِّه. حكَاهُ في "الإقناع" (١). والمنفردُ: على اليَقينِ. ذكَرَ في "المقنع" أنَّ هذا ظاهرُ المذهبِ. وجزمَ به في "الكافي" و "الوجيز". وذكَرَ في "الشرح" أنَّه المشهورُ عن أحمدَ، وأنَّه اختيارُ الخِرَقيِّ. ولأنَّ للإمامِ مَنْ ينبِّهُه ويذكِّرُه إذا أخطأ الصَّوابَ، بخلافِ المنفردِ. إنْ كان المأمومُ أكثرَ من واحدٍ، وإلا، أي: وإنْ لم يكنْ المأمومُ أكثرَ من واحدٍ، بنى الإمامُ على اليقينِ، كالمنفردِ. فإذا شكَّ: أصلَّى ركعةً أو ركعتين؟ بنى على ركعةٍ. وثنتين أو ثلاثًا؟ بنى على ثنتين. وهكذا. إمامًا كان أو منفردًا؛ لحديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ مرفوعًا: "إذا شكَّ أحدُكم في صلاتِه، فلم يدرِ: صلَّى ثلاثًا، أو أربعًا؟ فليطْرَحِ الشكَّ، وليبْنِ على ما استيقنَ، ثمَّ يسجدْ سجدتين قبلَ أنْ يسلِّمَ، فإنْ كانَ صلَّى خمسًا، شفعْنَ له صلاتَه، وإنْ كان صلَّى أربعًا، كانتا ترغيمًا للشيطانِ". رواه أحمدُ ومسلمٌ (٢). وحديثِ ابنِ مسعودٍ مرفوعًا: "إذا شكَّ أحدُكم في صلاتِه، فليتحرَّ الصَّوابَ، وليتمَّ عليه، ثمَّ يسلِّم، ثم ليسجدْ سجدتين". رواه الجماعةُ (٣) إلا الترمذيَّ. فتحرِّي الصَّوابِ فيه: هو استعمالُ اليقينِ؛ لأنَّه أحوطُ، وجمعًا بين الأخبارِ.

стр. 356

وسجدَ للسَّهو، وبعدَ فراغِها لا أثرَ للشكِّ. (وسجدَ للسَّهوِ) وسلَّم، فإنْ كان مع إمامِه غيرُه، وشكَّ، رجعَ إلى فعلِ إمامِه ومَنْ معه من المأمومين، كمَنْ نبَّهَهُ اثنانِ فأكثرُ. (وبعدَ فراغِها) أي: الصَّلاةِ -وكذا سائرُ العباداتِ- (لا أثرَ للشكِّ) بعدَ سلامِه، سواءٌ كان إمامًا، أو مأمومًا، أو منفردًا. وكذا بعدَ فراغِ كلِّ عبادةٍ. "فائدةٌ": ولا سجودَ إذا شكَّ: هلْ سها، أو لا؟ ولا إذا علِمَ سهوًا ولمْ يعلم: هلْ هو ممَّا يسجدُ له، أولا؟ "تتمةٌ": سجودُ السَّهوِ، وما يقولُه فيه وبعدَ الرَّفعِ منه، كسجودِ الصَّلاةِ. فلو خالفَ، أعادَه بنيةٍ. جزمَ به في " الفروع"، وقدَّمَه في "الرعاية" وقال: وقيل: إنْ سجدَ بعد السَّلامِ، كبَّرَ مرةً واحدةً، وسجدَ سجدتينِ، ثمَّ رفعَ (١). * * *

стр. 357

بابُ صلاةٍ التَّطوُّع وهي أفضل تطوُّعِ البدَنِ بعدَ الجِهادِ والعِلمِ. (بابُ صلاةٍ التطوعِ) وما يتعلَّقُ بها التطوُّعُ في الأصلِ: فعلُ الطَّاعةِ. وشرعًا: طاعةٌ غيرُ واجبةٍ. والنفلُ، والنافلةُ: الزيادةُ. والتنفُّلُ: التطوعُ. قال في "الاختيارات" (١): التطُّوعُ تكملُ به صلاةُ الفرضِ يومَ القيامةِ، إنْ لمْ يكنْ المصلِّي أتمَّها، وفيه حديثٌ مرفوعٌ، رواه أحمدُ في "المسند". وكذلك الزكاةُ وبقيةُ الأعمالِ. انتهى. (و) صلاةُ التطوعِ (هي أفضلُ تطوعِ البدنِ بعدَ الجهادِ) وهو قتالُ الكفارِ (والعلمِ) فأفضلُ تطوعاتِ البدنِ: الجهادُ؛ لقولِه تعالى: ﴿اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: ٩٥] والنفقةُ فيه أفضلُ. ونقلَ جماعةٌ: الصدقةُ على قريبِه المحتاجِ أفضلُ مع عدمِ حاجةٍ إليه. ذكَرَهُ الخلَّالُ وغيرُه. وعن خُرَيمِ (٢) بن فاتلب مرفوعًا: "من أنفقَ نفقةً في سبيلِ اللهِ، كتبتْ بسبعمائةِ ضعفٍ". رواه أحمدُ والنسائيُّ، والترمذي وحسنَه، وابنُ حبانَ في "صحيحه" (٣)، وترجمَ

стр. 358

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عليه: ذكرُ تضعيفِ النفقةِ في سبيلِ اللهِ على غيرِه من الطاعاتِ. ولأحمدَ وغيرِه (١): "مَنْ عمِلَ حسنةً كانتْ بعشرِ أمثالِها، ومَنْ أنفقَ نفقةً في سبيلِ اللهِ، كانتْ له بسبعمائةِ ضعفٍ". انتهى (٢). وقيل: رباطٌ أفضلُ من جهادٍ. ثمَّ يلي التطوعَ بالجهادِ: تعلُّم العلمِ وتعليمُه. نقل مهنا: طلبُ العلمِ أفضلُ الأعمالِ لمَنْ صحَّتْ نيتُه. قيلَ له: فأيُّ شيءٍ تصحيحُ النيةِ؟ قال: ينوي يتواضعُ فيه، وينفي عنه الجهلَ. والأشهرُ عنه: الاعتناءُ بالحديثِ والفقهِ، والتحريضُ على ذلك. وقال: ليسَ قومٌ خيرًا من أهلِ الحديثِ. وعابَ على محدِّثٍ لا يتفقَّه. وفي "آداب عيون المسائل": العلمُ أفضلُ الأعمالِ، وأقربُ العلماءِ إلى اللهِ، وأوْلاهم به: أكثرُهم له (٣) خشيةً. قال الشيخُ تقيُّ الدينِ: قال أحمدُ: معرفةُ الحديثِ والفقهِ فيه أعجبُ إليَّ من حفظِه. وقال ابنُ الجوزيُّ في خطبةِ "المذهبِ": بضاعةُ الفقهِ أربحُ البضائعِ، والفقهاءُ يفهمون مرادَ الشارعِ، ويفهمون الحكمةَ في كلِّ واقعٍ، وفتاويهم تميِّزُ العاصيَ من الطائعِ. وقال في كتابِ "العلم" له: الفقهُ عمدةُ العلومِ. وقال في "صيد الخاطرِ" الفقهُ عليه مدارُ العلومِ، فإن اتسعَ الزمانُ للتزيدِ من العلمِ، فليكنْ في التفقُّهِ (٤)، فإنَّه

стр. 359

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الأنفعُ. وفيه المهمُّ من كلِّ علمٍ هو المهمُّ (١). قال أبو الدرداءِ: العالمُ والمتعلِّمُ في الأجرِ سواءٌ، وسائرُ الناسِ همجٌ لا خيرَ فيهم (٢). ونقلَ ابنُ منصورٍ: إنَّ تذاكرَ بعضِ ليلةٍ أحبُّ إلى أحمدَ من إحيائِها. وأنَّه العلمُ الذي ينتفعُ به النَّاسُ في أمرِ دينهم. قلتُ: الصَّلاةُ، والصومُ، والحجُّ، والطلاقُ، ونحوُ هذا؟ قال: نعم. وليحذرِ العالمُ ويجتهدْ، فإنَّ ذنبَه أشدُّ. نقلَ المرُّوذيُّ: العالمُ يقتدي به، ليس العالمُ مثلَ الجاهلِ. وقال الفضيلُ بنُ عياضٍ: يُغفرُ لسبعين جاهلًا قبل أنْ يُغفرَ لعالمٍ واحدٍ. وقال الشيخُ تقيُّ الدينِ: أشدُّ الناسِ عذابًا يومَ القيامةِ: عالمٌ لم ينفعْه اللهُ بعلمِه. فذنبُه من جنسِ ذنبِ اليهودِ. واللهُ أعلمُ (٣). واعلم أنَّ الصَّلاةَ -بعدَ الجهادِ والعلمِ- أفضلُ التطوعاتِ، على الصحيحِ من المذهبِ، وعليه الجمهورُ. وقيل: الصَّومُ أفضلُ من الصَّلاةِ. قال الإمامُ أحمدُ: لا يدخلُه رياءٌ. قال بعضُهم: وهذا يدلُّ على فضيلته (٤) على غيرِه. قال ابنُ شهابٍ: أفضلُ ما تعبَّدَ به المتعبِّدُ: الصَّومُ. وقيلَ: ما تعدَّى نفعُه أفضلُ. اختارَه المجدُ، وصاحبُ "الحاوي الكبير" و"مجمع البحرين".

стр. 360

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ونقلَ مهنا: الفكرُ أفضلُ من الصَّلاةِ والصَّومِ. قال في "الفروع": فقدْ يتوجَّه أنَّ عملَ القلبِ أفضلُ من عملِ الجوارحِ. ويكونُ مرادُ الأصحابِ عملَ الجوارحِ. ولهذا ذكرَ في "الفنون" روايةَ مهنَّا (١)، فقال: يعني: الفكرةَ في آلائهِ، ودلائلِ صنعِه، والوعدِ والوعيدِ؛ لأنَّه الأصلُ الذي ينتج (٢) أفعالَ الخيرِ، وما أثمرَ الشيءَ فهو خيرٌ من ثمرتِه. وهذا ظاهرُ "المنهاج" لابنِ الجوزيِّ، فإنَّه قال. فيه: مَنْ انفتحَ له طريقُ عملٍ بقلبِه بدوامِ ذكرٍ أو فكرٍ، فذلك الذي لا يُعدَلُ به البتَّةَ. قال في "الفروع": وظاهرُه: أنَّ العالمَ باللهِ وبصفاتِه أفضلُ من العالمِ بالأحكامِ الشرعيةِ؛ لأنَّ العلمَ يشرُفُ بشرفِ معلومِه وبثمراتِه. وقال ابنُ عقيلٍ في خُطبةِ "كفايته": إنما تشرفُ العلومُ بحسبِ مؤدياتِها، ولا أعظمَ من الباري، فيكونُ العلمُ المؤدِّي إلى معرفتِه، ومَا يجبُ له، وما يجوزُ، أجلَّ العلومِ. واختارَ الشيخُ تقيِّ الدينِ: أنَّ كلَّ أحدٍ بحسبِه، وأنَّ الذكرَ بالقلبِ أفضلُ من القراءةِ بلا قلبٍ. وهو معنى كلامِ ابنِ الجوزيِّ، فإنه قال: أصوبُ الأمورِ أنْ ينظرَ إلى ما يطهِّرُ القلبَ ويصفِّيه للذكرِ والأنسِ، فيلازمُه. وقال الشيخُ تقيُّ الدينِ في الردِّ على الرافضيِّ، بعدَ أنْ ذكرَ تفضيلَ أحمدَ للجهادِ، والشافعيِّ للصَّلاةِ، وأبي حنيفةَ ومالكٍ للذِّكْرِ: والتحقيقُ: لا بدَّ لكلِّ من الْآخرين، وقد يكونُ كلُّ واحدٍ أفضلَ في حالٍ. انتهى (٣). فالصَّلاةُ بعد الجهادِ والعلمِ أفضلُ؛ لقولِهِ ﵇: "واعلموا أنَّ خيرَ

стр. 361

وأفضَلها: ما سُنَّ جَماعةً. وآكدها: الكسوفُ، فالاستِسقاءُ، فالتراويحُ، فالوِتُر، وأقلُّه: ركعةٌ، أعمالِكم الصَّلاةُ ". رواه ابنُ ماجه، وابنُ حبانَ في "صحيحه" (١). ولأنَّ فرضَها آكدُ الفروضِ، فتطوُّعُها آكدُ التطوعاتِ، ولأنَّها تجمعُ أنواعًا من العبادةِ: الإخلاصِ، والذِّكرِ، والركوعِ، والسجودِ، ومناجاةِ الربِّ، والتوجُّه إلى القبلةِ، والتسبيحِ، والتكبيرِ، والصَّلاةِ على النبيِّ ﷺ . (وأفضلُها) أي: صلاةٍ التطوعِ: (ما سُنَّ) أنْ يصلَّى (جماعةً) لأنَّه أشبَهُ بالفرائضِ. ثمَّ الرواتِبُ. (وآكدُها) أي: آكدُ ما سُنَّ جماعةً: (الكسوفُ) لأنَّه ﵇ فعلَها وأمرَ بها في حديثِ أبي (٢) مسعودٍ المتفقِ عليه (٣). (فالاستسقاءُ) لأنَّه ﵇ كان يستسقي تارةً، ويترُكُ أخرى، بخلافِ الكسوفِ، فلمْ يتركْ صلاتَه عندَه، فيما نُقِلَ عنه. (فالتراويحُ) لأنَّها تُسنُّ لها الجماعةُ. (فالوترُ) لأنَّه تشرعُ له الجماعةُ بعد التراويحِ، وهو سنَّة مؤكَّدةٌ. رُوي عن أحمدَ: مَنْ تركَ الوترَ عمدًا، فهو رجلُ سوءٍ، لا ينبغي أنْ تُقبلَ له شهادةٌ. (وأقلُّه) أي: الوترِ (ركعةٌ) لحديثِ ابنِ عمرَ وابنِ عباسٍ مرفوعًا: "الوتر ركعةٌ

стр. 362

وأكثرُه: إحدَى عشرَةَ، وأدنَى الكمالِ: ثلاثٌ بسلامَينِ، ويجوزُ بواحدٍ سَردًا. ووقتُه: ما بينَ صلاةٍ العِشاءِ وطلُوع الفَجر. من آخِرِ الليلِ". رواه مسلمٌ (١). (وأكثرُه) أي: الوترِ: (إحدى عشرةَ) ركعةً. (وأدنى الكمالِ) في الوترِ: (ثلاثُ) ركعاتٍ (بسلامين) بأنْ يصلِّي ثنتين ويسلِّمُ، ثمَّ ركعةً ويسلِّم؛ لأنَّه أكثرُ عملًا. وكان ابنُ عمرَ يسلِّمُ من ركعتين، حتى يأمرَ ببعض حاجتِه (٢). (ويجوزُ) أنْ يصلِّيَ الثلاثَ (بـ) سلامٍ (واحدٍ) قال أحمدُ: إنْ أوترَ بثلاثٍ لم يسلِّم فيهنَّ، لم يُضيَّق عليه عندي. (سردًا) من غير جلوسٍ عقبَ الثانيةِ، لتخالف المغربَ. واختارَ في "المستوعب": أنْ يصلِّيَها كالمغربِ. وعلى الأوَّلِ: لو صلَّاها بتشهدين، ففي بطلانِ وترِه وجهانِ، صحَّحَ القاضي في "شرحه الصغير": البطلانَ، وقطعَ في "الإقناع" بالصِّحةِ (٣). (ووقتُه) أي: الوترِ: (ما بين صلاةٍ العشاءِ) ولو مع كونِ العشاء جُمِعتْ مع مغربٍ، جمعَ تقديمٍ في وقتِ المغربِ، (وطلوعِ الفجرِ) لحديثِ معاذٍ: سمعت رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "زادني ربِّي صلاةً؛ وهي الوترُ، وقتُها: ما بين العشاءِ إلى طلوعِ الفجرِ". رواه أحمدُ (٤). وحديثِ: "إنَّ اللهَ قدْ أمدَّكم بصلاةٍ، وهي خيرٌ لكم من حمرِ النَّعمِ؛ وهي الوترُ، فصلُّوها فيما بين العشاءِ إلى طلوعِ الفجرِ". رواه

стр. 363

ويقنُتُ فيه بعدَ الرُّكُوعِ ندبًا، فلو كبَّر ورفَع يديه، ثمَّ قنتَ قبلَ الركوعِ، جاز. أبو داودَ، والترمذيُّ، وابنُ ماجه، والحاكمُ (١) وصحَّحه. (ويقْنُتُ فيه) أي: في الركعةِ الأخيرةِ من وترِه (بعدَ الركوعِ، ندْبًا) لأنَّه صحَّ عنه ﵇ من روايةِ أبي هريرةَ (٢)، وأنصرٍ (٣)، وابنِ عباسٍ (٤). وعن عمرَ وعليٍّ: أنَّهما كانا يقنُتانِ بعدَ الركوعِ. رواه أحمدُ (٥)، والأثرمُ. قال أبو بكرٍ الخطيبُ: الأحاديث التي جاءَ فيها القنوتُ قبلَ الركوعِ، كلُّها معلولةٌ (٦). ثمَّ إنَّ أكثرَ الصَّحابةِ عمِلوا بما قلناه. وحيثُ تقرَّرَ أنَّه بعدَ الركوعِ، نُدِبَ (٧) (فلو كبَّرَ ورفعَ يديه) بعد القراءةِ (ثمَّ قنتَ قبلَ الركوعِ، جازَ) لحديث أبيِّ بنِ كعبٍ مرفوعًا: "كان يقنتُ في الوترِ قبلَ الركوعِ". رواه أبو داودَ (٨). وروى الأثرمُ عن ابنِ مسعودٍ أنَّه كان يقنتُ في الوترِ، وكان إذا فرغَ من القراءةِ، كبَّرَ، ورفعَ يديه، ثمَّ قنتَ (٩).

стр. 364

ولا بأسَ أن يدعُو في قنوتِه بما شاء، وممَّا وردَ: اللهم اهدِنا فيمَن هَديتَ، وعافِنا فيِمن عافَيتَ، وتولَّنا فيمَن تولَّيت، (ولا بأسَ أنْ يدعوَ في قنوتِهِ بما شاءَ) من الأدعيةِ المأثورةِ. (و) الأفضلُ (ممَّا وردَ) وكيفيةُ ذلك: هو أنْ يرفعَ يديه إلى صدرِه حالَ قنوتِه، يبسطُهما، وبطونُهما نحوَ السماءِ، ولا ينظر إليهما، ولو كان مأمومًا؛ لحديثِ سلمانَ مرفوعًا: "إنَّ اللَّه يستحي أنْ يبسُطَ العبدُ يدَيه، يسألُه فيهما خيرًا، فيردَّهما خائبتين". رواه الخمسةُ (١) إلا النسائيَّ. وعن مالكِ بنِ يسارٍ مرفوعًا: "إذا سألْتُم اللهَ فاسألوه ببطونِ أكفِّكم، ولا تسألوه بظهورِها". رواه أبو داودَ (٢). وقالَ أحمدُ: كان ابنُ مسعودٍ يرفعُ يديه في القنوتِ إلى صدرِه، بطونُهما ممَّا يلي السماءَ. وهو: أنْ يقولَ جهرًا: (اللهمَّ اهْدِنا فيمَنْ هديتَ) أي: ثبِّتنا على الهدايةِ، أو زدْنا منها، وهي: الدلالةُ والبيانُ. قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشّورى: ٥٢]. وأما قولُه تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] فهي من اللهِ: التوفيقُ والإرشادُ. (وعافنا فيمن عافَيتَ) من الأسقامِ والبلايا. والمعافاةُ: أنْ يعافيك اللهُ من النَّاسِ، ويعافيهم منكَ. (وتولَّنا فيمَنْ تولَّيتَ) الوليُّ: ضدُّ العدوِ. مِن تولَّيتُ الشيءَ: إذا اعتنيتَ به، كما ينظُرُ الوليُّ في مالِ (٣) اليتيمِ؛ لأنَّ اللهَ ينظرُ في أمرِ وليِّهِ بالعنايةِ. ويجوزُ أنْ يكونَ

стр. 365

وباركْ لَنا فيِمَا أعطَيتَ، وقِنا شرَّ ما قضيتَ، إنَّك تقضِى ولا يُقضَى عليك، إنَّه لا يَذِلُّ مَنْ واليتَ، ولا يَعِزُّ من عادَيتَ، تباركتَ ربَّنا وتعالَيت، اللَّهمَّ إنَّا نعوذُ بِرضَاكَ مِنْ سَخَطِك، ويعفوِك مِنْ عُقُوبتِكَ، وبكَ منكَ، من: وليتُ الشيءَ، إذا لم يكنْ بينك وبينه واسطةٌ، بمعنى: أنَّ الوفيَ يقطعُ الوسائطَ بينه وبين اللهِ، حتى يصيرَ في مقامِ المراقبةِ والمشاهدةِ، وهو مقامُ الإحسانِ. (وباركْ لنا فيما أعطيتَ) البركةُ: الزيادةُ، أو حلولُ الخيرِ الإلهيِّ في الشيءِ. وقولُه "فيما أعطيتَ" أي: أنعمتَ به. والعطيةُ: الهبةُ. (وقنا شرَّ ما قضيتَ، إنَّك تقضي ولا يُقضى عليكَ) لا رادَّ لأمرِه، ولا معقِّبَ لحكمِه (إنَّه لا يذلُّ مَنْ واليتَ، ولا يَعِزُّ مَنْ عاديتَ، تباركتَ ربَّنا وتعاليتَ) رواه أحمدُ، ولفظُه له، وتكلَّمَ فيه أبو داودَ، ورواه الترمذيُّ (١) وحسَّنَه من حديثِ الحسنِ بنِ عليٍّ قال: علَّمني النبىُّ ﷺ كلماتٍ أقولُهنَّ في قنوتِ الوترِ: "اللهمَّ اهْدِني". إلى: "تعالَيْتَ". وليس فيه: "ولا يعز مَنْ عادَيْتَ". ورواه البيهقيُّ (٢) وأثبتَها فيه، وجَمَعَ، والروايةُ بالإفرادِ؛ ليشاركَ الإمامُ والمأمومُ في الدُّعاءِ (اللهمَّ إنا نعوذُ برضاك من سخطِكَ، وبعفوِك من عقوبتِك، وبكَ منكَ) قالَ الخطابي: في هذا معنًى لطيفٌ؛ وذلك أنَّه سألَ اللهَ أنْ يجيرَه برضاه من سخطِه، وهما ضدَّانِ ومتقابلانِ، وكذلك المعافاةُ والمؤاخذةُ بالعقوبةِ، لجأَ إلى ما لا ضدَّ له، وهو اللهُ ، أظهرَ العجزَ والانقطاعَ، وفزعَ منه إليه،

стр. 366

لا نُحصِي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسِكَ. ثمَّ يُصلِّي على النَّبي ﷺ ، فاستعاذَ به منه (١). (لا نحصي ثناءً عليك) أي: لا نطيقُه (أنتَ كما أثنيتَ على نفسِكَ) اعترافٌ (٢) بالعجزِ عن الثناءِ، وردٌّ إلى المحيطِ علمُه بكلِّ شيءٍ؛ جملة وتفصيلًا. فكما أنَّه تعالى لا نهايةَ لسلطانِه وعظمتِه، لا نهايةَ للثناءِ عليه؛ لأنَّ الثناءَ تابعٌ للمُثنى عليه. رُوي عن عليٍّ أنَّ النبىّ ﷺ كان يقولُ في آخرِ وترِه: "اللهمَّ إنِّي أعوذُ برضاكَ من سخطِكَ، وبمعافاتِكَ من عقوبتِكَ، وأعوذُ بكَ منْكَ، لا أُحصي ثناءً عليك، أنتَ كما أثنيتَ على نفسِكَ". رواه الخمسةُ (٣)، ورواتُه ثقاتٌ. وقال الترمذيُّ: لا نعرفُ عن النبىِّ ﷺ في القنوتِ شيئًا أحسنَ من هذا. وله أنْ يزيدَ على هذا الدُّعاءِ ما شاءَ مما يجوزُ الدُّعاءُ به في الصَّلاةِ. قال المجدُ: صحَّ عن عمرَ أنَّه كان يقنُتُ بقدرِ مائةِ آيةٍ (٤). (ثمَّ يصلِّي على النبيِّ ﷺ لحديثِ الحسنِ بنِ عليٍّ السابقِ، وفي آخرِه: وصلَّى اللهُ على محمدٍ. رواه النسائيُّ (٥). وعن عمرَ: الدُّعاءُ موقوفٌ بين السماءِ والأرضِ،

стр. 367

ويؤمِّنُ المأمُومُ، ثم يمسحُ وجهَهُ بيديه هنا، وخارجَ الصلاةِ. وكرِهَ القُنوت في غيرِ الوِترِ. لا يصعدُ منه شيءٌ، حتى تصلِّيَ على نبيِّكَ. رواه الترمذيُّ (١). (ويؤمِّنُ المأمومُ) على قنوتِ إمامِه إنْ سمِعَه؛ بأنْ يقولَ: آمين. وعنه: يقنتُ معه. ويجهز به. والظاهر: أنَّ المرادَ: يؤمِّنُ عندَ الدّعاءِ، ويسكتُ عند الثناءِ؛ لأنَّ التأمينَ على غيرِ الدعاءِ لا ثمرةَ له. قال في "النكت" (٢): وظاهرُ كلامِ صاحبِ "المحرر": أنَّ الخلافَ سواءٌ جهرَ الإمامُ، أم لا. وكذا ظاهرُ كلامِ غيرِه. وقطعَ بعضُ الأصحابِ أنَّ الخلافَ: إنْ كانَ يسمعُ دعاءَ الإمامِ، وإنْ لم يسمعْ دعا. نصَّ عليه الإمامُ. (ثمَّ يمسحُ وجهَه بيديه) استحبابًا (هنا) أي: عقبَ القنوتِ (وخارجَ الصَّلاةِ) إذا دعا؛ لعمومِ حديث عمرَ: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا رفعَ يديه في الدُّعاءِ، لم يحطَّهما حتى يمسحَ بهما وجهَه. رواه الترمذي (٣). ولقولِه ﵇ في حديثِ ابنِ عباسٍ: "فإذا فرغتَ، فامسحْ بهما وجهَكَ". رواه أبو داودَ، وابنُ ماجه (٤). (وكُرِه القنوتُ في غيرِ الوتر (٥)) أي: كالفجرِ، وسائرِ المكتوباتِ، والنوافلِ، والجنازةِ، والعيدين، إلا أنْ تنزلَ بالمسلمين نازلةٌ. وهلْ يقنُتُ بالدُّعاءِ المعروفِ في

стр. 368

وأفضَلُ الرَّواتبِ: سُنَّةُ الفَجرِ، ثمَّ المغرِبِ، ثمَّ سواءٌ. تلك النازلةِ؟ قال ابنُ قندس (١): وظاهرُ كلامِ جماعةٍ: أنَّه يقنُتُ بالدُّعاءِ المعروفِ. وفي "الاختيارات" (٢): أنَّه يقنُتُ بما يناسبُ تلك النازلةَ. انتهى. فيسنُّ. (وأفضلُ الرواتبِ: سنةُ الفجرِ) لقولِ عائشةَ: لم يكنِ النبيُّ ﷺ على شيءٍ من النوافلِ، أشدَّ تعاهدًا منه على ركعتي الفجرِ. متفقٌ عليه (٣). وقال ﵇: "صلُّوا ركعتي الفجرِ، ولو طردتْكُمُ الخيلُ". رواه أحمدُ وأبو داودَ (٤). وسُنَّ تخفيفُها، وأنْ يقرأَ فيها بعدَ الفاتحةِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وفي الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية. وفي الثانيةِ: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ الآية. وسُنَّ اضطجاعٌ بعدَها على الجنْبِ الأيمن، قبلَ صلاةٍ الفرضِ، نصًّا. (ثمَّ) يلي الفجرَ في الفضيلةِ: (المغربُ) لحديثِ عبيدٍ مولى النبيِّ ﷺ نصًّا: أكانَ رسولُ اللهِ ﷺ يأمرُ بصلاةٍ بعد المكتوبةِ سوى المكتوبة؟ فقال: نعم، بين المغربِ والعشاءِ. ويقرأُ فيهما بعدَ الفاتحةِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٥). (ثمَّ) باقي الرواتب (سواءٌ) في الفضيلةِ

стр. 369

والرواتبُ المؤَكَّدةُ عشرٌ: ركعتانِ قبلَ الظهرِ، وركعتانِ بعدَهَا، وركعتانِ بعدَ المغرِبِ، وركعتانِ بعدَ العِشاءِ، وركعتانِ قبلَ الفَجرِ. ويُسنُّ قضاءُ الرواتِبِ والوترِ، (والرواتبُ المؤكَّدةُ)، يُكره تركُها، وتسقطُ عدالةُ مداومِه: (عشرُ) ركعاتٍ. قال بعضُهم: والحكمةُ فيها: أنَّها تُكمِلُ ما نقصَ من الفرائضِ نقصًا غيرَ مبطلٍ، كتركِ الخشوعِ، وتدبُّرِ القراءةِ، ونحوِ ذلك. وهي: (ركعتانِ قبلَ الظهرِ، وركعتانِ بعدَها، وركعتانِ بعدَ المغربِ، وركعتانِ بعدَ العشاءِ، وركعتانِ قبلَ الفجرِ) لحديثِ ابنِ عمرَ: حفظتُ عن النبيِّ ﷺ عشرَ ركعاتٍ: ركعتينِ قبلَ الظهرِ، وركعتينِ بعدَها، وركعتينِ بعدَ المغربِ في بيتِه، وركعتينِ بعدَ العشاءِ في بيتِه، وركعتينِ قبلَ الصبحِ، وكانتْ ساعةً لا يدخلُ على النبيِّ ﷺ فيها أحدٌ. حدَّثَتني حفصةُ: أنَّه إذا أذَّنَ المؤذِّنُ، وطلَعَ الفجرُ، صلَّى ركعتين. متفقٌ عليه (١). وللترمذيِّ (٢) مثلُه عن عائشةَ مرفوعًا، وقال: صحيحٌ. وتقدَّمَ أنَّ ركعتي الفجرِ آكدُ الرواتبِ. (ويسَنُّ قضاءُ الرواتبِ) لأنَّه ﵇ قضى ركعتي الفجرِ مع الفجرِ، حين نامَ عنهما. وقضى الركعتين بعدَ الظهرِ، بعد العصرِ. وقسِ (٣) الباقي. (و) سُنَّ أيضًا قضاءُ (الوترِ) لحديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ مرفوعًا: "مَنْ نامَ عن

стр. 370

إلا ما فاتَ مع فرضِه وكثُرَ، فالأَولَى تركُه. وفعِلُ الكُلِّ ببيتٍ أفضلُ. ويُسنُّ الفصلُ بين الفرضِ وسُنَّتِهِ بقيامٍ أو كلامٍ. والتراويحُ الوترِ، أو نسِيَه، فليصلِّه إذا أصبحَ، أو ذكَرَ". رواه أبو داودَ، والترمذيُّ (١). (إلا ما فاتَ) من الرَّواتبِ (مع فرضِه، وكثُرَ، فالأَوْلَى تركُه) أي: تركَ قضائِها؛ لحصولِ المشقةِ به (وفِعلُ) السننِ (الكلِّ) أي: السننِ كلِّها (ببيتٍ أفضلُ) من فعلِها بالمسجدِ؛ لحديثِ: "عليكم بالصَّلاةِ في بيوتِكم، فإنَّ خيرَ صلاةٍ المرءِ في بيتِه، إلا المكتوبةَ". رواه مسلمٌ (٢). لكن ما تُشرعُ له الجماعةُ مستثنًى أيضًا. ولأنَّ الصَّلاةَ في البيتِ أقربُ إلى الإخلاصِ، وأبعدُ من الرياءِ. ولأنَّ ذلك من عملِ السرِّ، وهو أفضلُ من العلانيةِ. (ويُسنُّ الفصلُ) أي: أنْ يفصلَ (بين الفرضِ وسنَّتِه) قبليةً كانتْ، أو بعديةً (بقيامِ، أو كلامٍ) لقولِ معاويةَ: إنَّ النبىَّ ﷺ أمرَنا بذلك: أنْ لا توصَلَ صلاةٌ بصلاةٍ (٣) حتى نتكلَّمَ، أو نخرُج. رواه مسلمٌ (٤). (والتراويحُ) سنَّةٌ مؤكدةٌ. سُمِّيتْ بذلك؛ لأنَّهم كانوا يصلُّون تسليمَتين،

стр. 371

عِشرونَ ركعةً برمضَانَ، ووقتُها ما بينَ العِشاءِ والوِترِ. ويتروَّحون ساعةً، أي: يستريحون. وهي (عشرونَ ركعةً) لحديثِ ابنِ عباير أنَّ النبىَّ ﷺ كان يصلِّي في شهرِ رمضانَ عشرين ركعةً (١). رواه أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ في "الشافي" بإسنادِه. (برمضانَ) جماعةً. نصًّا (ووقتُها) أي: التراويحُ: (ما بين العشاءِ والوترِ) لأنَّ سنَّةَ العشاءِ يُكره تأخيرُها عن وقتِ العشاءِ المختارِ، فإتباعُها بها (٢) أَوْلى وأشبَهُ. والتراويحُ لا يُكره مدُّها وتأخيرُها بعدَ نصفِ الليلِ، فهي بالوترِ أشبَهُ. فلا تصحُّ قبلَ العشاءِ. فلو صلَّى العشاءَ والتراويحَ، ثمَّ ذكَرَ أنَّه تركَ من العشاءِ ما يُبطلُها، أعادَ التراويحَ. وله فعلُها بعدَ العشاءِ قبل سنَّتِها، لكنَّ الأفضلَ بعدَها أيضًا. * * *

стр. 372

فَصْلٌ وصلاةُ اللَّيلِ أفضلُ من صَلاةِ النَّهار، والنِّصفُ الأخيرُ أفضلُ مِنَ الأوُّلِ، والتهجُّدُ ما كان بعدَ النومِ. ويُسنُّ قيامُ اللَّيلِ (فصلٌ) (وصلاةُ الليلِ) أي: النفلِ المطلقِ فيه (أفضلُ) من النفلِ المطلقِ بالنهارِ؛ لحديثِ مسلمٍ (١) عن أبي هريرة مرفوعًا: "أفضلُ الصَّلاةِ بعدَ الفريضةِ، صلاةُ الليلِ". ولأنَّه محلُّ الغفلةِ. وعملُ السرِ أفضلُ من عملِ العلانيةِ. "وفيه ساعةٌ لا يوافِقُها رجلٌ مسلمٌ يسألُ اللهَ خيرًا من أمرِ الدنيا والآخرةِ، إلا أعطاه إياه" (٢) - (من صلاةٍ النَّهارِ، والنصفُ (٣) الأخيرُ أفضلُ من) النصفِ (الأوَّلِ) لحديث مسلمٍ (٤): "ينزلُ ربُّنا ﵎ كلَّ ليلةٍ إلى سماءِ الدنيا، إذا مضى شطْرُ الليلِ، أو ثُلُثاه … إلخ". قال ابنُ حبانَ في "صحيحه": يحتملُ أن يكونَ النزولُ في بعضِ الليالي هكذا، وفي بعضها هكذا. (والتهجدُ ما كان بعد النومِ) ليلًا. (ويُسنُّ قيامُ الليلِ) لحديثِ: "عليكم بقيامِ الليلِ، فإنَّه دأْبُ الصَّالحين قبلَكُم،

стр. 373

وافتتاحُه بركعتين خَفيفَتينِ، ونيَّتُه عندَ النَّومِ. وهو قربةٌ لكم إلى ربِّكم، ومَكفَرَةٌ للسيئاتِ، ومنهاةٌ عن الإثمِ". رواه الحاكمُ (١) وصحَّحه، وقال: على شرطِ البخاريِّ. "تنبيهٌ": قال في "الإقناع" (٢): وتُكره مداومتُه. ظاهرُه: مداومةُ بعضِه. قال الحجاوي في "حاشيةِ التنقيح" (٣): وقدْ فهِمَ بعضُ المصنِّفين في زمنِنا من كلامِ المنقِّحِ أنَّه يقومُ غبًّا. وعبارةُ "الفروع" تُوهِمُ ذلك! وليس بواردٍ عن أحدٍ. انتهى. يعني: المكروهُ مداومةُ قيامِ الليلِ، لا مداومةُ قيامِ بعضِه، كما فهِمَ صاحبُ "المنتهى"؛ لأنَّه لمْ يقلْ به أحدٌ. انتهى. (و) يُسنُّ (افتتاحُه) أي: قيامِ الليلِ (بركعتين خفيفَتَين) لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "إذا قامَ أحدُكم من الليلِ، فليفتتحْ صلاتَه بركعتين خفيفتين" رواه أحمدُ، ومسلمٌ، وأبو داودَ (٤). (و) تُسنُّ (نيتُه عند النَّومِ) أي: إرادةِ النومِ، لحديثِ أبي الدرداءِ مرفوعًا: "مَنْ نامَ ونيتُه أنْ يقومَ، كُتِبَ له ما نوى، وكان نومُه صدقةً عليه". حديثٌ حسنٌ، رواه أبو داودَ والنسائيُّ (٥).

стр. 374

ويصِحُّ التطوُّعُ بركْعةٍ. وأجرُ القاعدِ -غيرِ المعذُورِ- نصفُ أجرِ القائمِ. وكثرةُ الرُّكوعِ والسُّجودِ أفضلُ من طُولِ القِيَامِ. (ويصحُّ التطوعُ بركعةٍ) ونحوِها، كثلاثٍ وخمسٍ؛ قياسًا على الوترِ. وفي "الإقناع": مع الكراهةِ. (وأجرُ القاعدِ، غيرِ المعذورِ) فأجرُه قاعدًا كأجرِه قائمًا؛ للعذرِ. وأما غيرُ المعذورِ، فعلى (نصفِ أجرِ) صلاةٍ (القائمِ) لحديثِ: "مَنْ صلَّى قائمًا، فهو أفضلُ، ومَنْ صلَّى قاعدًا، فله نصفُ أجرِ (١) القائمِ". متفقٌ عليه (٢). (وكثرةُ الركوعِ والسُّجودِ، أفضلُ من طولِ القيامِ) في غيرِ ما وردَ عنه ﵇ تطويلُه، كصلاةِ كسوفٍ؛ لحديثِ: "أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربِّه، وهو ساجدٌ" (٣). وأمرَ ﵇ بالاستكثارِ من السُّجودِ في حديثِ ثوبانَ، قال: سمعتُ النبىَّ ﷺ يقولُ: "عليك (٤) بكثرةِ السُّجودِ، فإنَّك لا (٥) تسجدُ للهِ سجدةً، إلا رفعَكَ اللهُ بها درجةً، وحطَّ عنك بها خطيئةً". وعن ربيعةَ بنِ كعبٍ السلميِّ أنَّه قال للنبيِّ ﷺ : أسألُكَ مرافقتَكَ في الجنَّةِ. قال: "أعنِّي على نفسِكَ بكثرةِ السجودِ". رواهما

стр. 375

وتُسَنُّ صلاةُ الضُّحَى غِبًّا، وأقلُّهَا ركعَتَان. وأكثرُها ثَمَانٍ أحمدُ ومسلمٌ وأبو داودَ (١). وعن عبادةَ بنِ الصامت أنَّه سمِعَ النبىَّ ﷺ يقولُ: "ما من عبدٍ يسجدُ للهِ سجدةً، إلا كتبَ اللهُ له بها حسنةً، ورفعَ له بها درجةً، فاستكْثِروا من السجودِ". رواه ابنُ ماجه (٢). ولأنَّ السُّجودَ في نفسِه أفضلُ وآكدُ، بدليلِ أنَّه يجبُ في الفرضِ والنفلِ، ولا يُباحُ بحالٍ إلَّا للهِ تعالى. والقيامُ يسقطُ في النفلِ، ويُباحُ في غيرِ الصَّلاةِ للوالدين، والعالمِ، وسيِّدِ القومِ. والاستكثارُ ممَّا هو آكدُ وأفضلُ، أَوْلى (وتُسنُّ صلاةُ الضُّحَى) لما روى أبو هريرةَ قال: أوصاني خليلي رسولُ اللهِ ﷺ بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ، وركعتي الضحى، وأنْ أوترَ قبلَ أنْ أنامَ. رواه أحمدُ ومسلمٌ (٣). (غِبًّا) بأنْ يصلِّيَها في بعضِ الأيامِ دونَ بعضٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يكنْ يداومُ عليها. ولما روى أبو سعيدٍ الخدريُّ: كان النبىُّ ﷺ يصلِّي الضُّحى حتى نقولَ: لا يدَعُها، ويدَعُها حتى نقولَ: لا يُصلِّيها. رواه أحمدُ والترمذيُّ (٤). وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ. ولأنَّ في المداومةِ عليها تشبيهًا بالفرائضِ، والسنَّةِ المؤكَّدةِ، وهي دونهما. (وأقلُّها ركعتانِ) لأنَّه لم يُنقلْ أنَّه ﵇ صلَّاها دونَهما. (وأكثرُها ثمانٍ) لحديث أمِّ هانئٍ: أنَّ النبىَّ ﷺ عامَ الفتحِ صلَّى ثمانِ ركعاتٍ سُبْحةَ الضحى.

стр. 376

ووقتُها: مِن خروجِ وَقَتِ النهىِ إلى قُبَيل الزوالِ، وأفضلُة إذا اشتَدَّ الحرُّ. وتُسَنُّ تحيَّة المَسجِدِ، وسُنَّة الوضوءِ، رواه الجماعةُ (١). (ووقتُها) أي: صلاةِ الضحى: (مِن خُروجِ وقتِ النهي) أي: ارتفاعِ الشمس قِيدَ رمحٍ، لحديثِ: "قال اللهُ: ابنَ آدمَ، اركعْ أربعَ ركعاتٍ من أوَّل النَّهارِ، أكفِكَ آخرَهُ. رواه الخمسةُ (٢)، إلا ابنَ ماجه. ويَستمرُ (إلى قُبيلِ الزوالِ) أي: إلى دخولِ وقتِ النهي بقيامِ الشمسِ. (وأفضلُه) أي: وقتِ صلاةٍ الضحى (إذا اشتدَّ الحرُّ) لحديثِ: "صلاةُ الأوابين حين ترمَضُ الفِصال" رواه مسلم (٣). الفصالُ: أي: فصالُ الإبلِ: حين يحمى عليها الحرُّ، فتبركُ في الرملِ. (وتُسن تحيةُ المسجدِ) لمَنْ دخلَه بشرطِه، وهو: أنْ يكونَ في غيرِ وقتِ نهيٍّ. (و) تُسنُّ (سنةُ الوضوءِ) لحديثِ أبي هريرةَ: أنَّ النبىّ ﷺ قال لبلالٍ عند صلاةٍ الفجرِ: "حدِّثْني بأرجَى عملٍ عَمِلْتَه في الإسلامِ، فإنِّي سمعتُ دَفَّ (٤) نعليكَ بين يديَّ في الجنَّةِ. فقال: ما عمِلْتُ عملًا أرْجى عندي: أنِّي لم أتطهَّرْ طُهُورًا في ساعةٍ من ليلٍ أو نهارٍ، إلَّا صليتُ بذلك الطُّهورِ ما كتبَ اللهُ ليَ أنْ أصلِّيَ. متفقٌ

стр. 377

وإحياءُ ما بينَ العِشاءينِ، وهو مِن قيامِ اللَّيل. عليه (١)، ولفظُه للبخاريِّ. (وإحياءُ ما بينَ العشاءين، وهو من قيامِ الليلِ) وتُسنُّ أيضًا: صلاةُ الاستخارةِ، ولو في خيرٍ، كحجٍّ، وجهادٍ. ويبادرُ به بعدَها. وهي ركعتانِ، يقولُ بعدَهما: اللهمَّ إنِّي أستخيرُكَ بعلمِكَ، وأستقدرُكَ بقدرتِك، وأسألُك من فضلِك العظيمِ، فإنَّكَ تقدرُ ولا أقدرُ، وتعلمُ ولا أعلمُ، وأنتَ علّاَمُ الغيوبِ، اللهمَّ إنْ كنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمرَ -ويسمِّيه بعينِه- خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبةِ أمري، أو في عاجلِ أمري وآجلِه، فاقدُرْه لي، ويسِّرْه لي، ثمَّ باركْ لي فيه. وإنْ كنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمرَ شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبةِ أمري، أو في عاجلِ أمري وآجلِه، فاصرِفْه عني واصرْفني عنه، واقدرْ ليَ الخيرَ حيثُ كانَ، ثمَّ رضِّني به. ويقولُ فيه: مع العافيةِ. ولا يكونُ وقتَ الاستخارةِ عازمًا على الأمرِ، أو عدمِه، فإنَّه خيانةٌ في التوكُّلِ. ثمَّ يستشيرُ. فإذا ظهرتْ المصلحةُ في شيءٍ، فعلَهُ. وتُسنُّ صلاةُ الحاجةِ إلى اللهِ تعالى، أو إلى آدمي. وهما ركعتان يُثْني على اللهِ بعدَهما، ويصلِّي على النبيِّ (٢) ﷺ ، ثمَّ يقولُ: لا إلهَ إلا اللهُ الحليمُ الكريمُ، لا إلهَ إلا اللهُ العلي العظيمُ، سبحانَ اللهِ ربِّ العرشِ العظيمِ، الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، أسألُكَ موجباتِ رحمتِكَ، وعزائمَ مغفرتِكَ، والغنيمةَ من كلِّ برٍّ، والسَّلامةَ من كلِّ إثمٍ، لا تدَعْ لي ذنبًا إلا غفرتَه، ولا همًّا إلا فرَّجْتَه، ولا حاجةً هي لكَ رضًا إلا قضيتَها، يا أرحمَ الراحمين. وتُسنُّ صلاةُ التوبةِ، ركعتين، ثمَّ يستغفرُ اللهَ تعالى.

стр. 378

فَصْلٌ ويُسنُّ سجود التِّلاوةِ (فصلٌ) (ويُسنُّ سجودُ التلاوةِ) وسجودُ شكرٍ، كنافلةِ الصَّلاةِ ذاتِ الرّكوعِ والسُّجودِ، فيما يُعتبرُ لها من شروطِ الصَّلاةِ" من سترِ العورةِ، واستقبالِ القبلةِ، والنيةِ، والطهارةِ من الحدثِ والنجسِ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ. وأمَّا كونُ سجودِ التلاوةِ سنةٌ،؛ لقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧]، وحديثِ ابنِ عمرَ: كان النبيّ ﷺ يقرأ علينا السورةَ فيها السَّجدةُ، فيسجدُ، ونسجد معه، حتى ما يجدُ أحدُنا موضعًا لجبهتِه (١). وليس بواجبٍ؛ لحديثِ زيدِ بنِ ثابتٍ: قرأتُ على النبيِّ ﷺ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النّجم: ١] فلم يسجدْ فيها. رواه الجماعةُ (٢). وفي لفط للدارقطنيِّ (٣): فلم يسجدْ منَّا أحدٌ. وروى البخاريُّ (٤): قرأ عمرُ يومَ الجمعةِ على المنبرِ سورةَ النَّحلِ، حتى إذا جاءَ في السَّجدةِ، نزلَ فسجد، فسجدَ النَّاسُ، حتى إذا كانت الجمعةُ (٥) القابلةُ، قرأَ

стр. 379

مَعَ قِصَرِ الفَصلِ، للقارئ والمستَمِعِ. وهو كالنَّافِلَة فيِمَا يُعتَبَرُ لَهَا. يُكبِّر إذا سَجَدَ بلا تكبيرةِ إحرامٍ، بها، حتى إذا جاءَ السَّجدةَ، قال: يا أيُّها النَّاسُ، إنما نمرُّ بالسجودِ، فمَنْ سجدَ فقدْ أصابَ، ومَنْ لم يسجدْ فلا إثمَ عليه. ولمْ يسجدْ عمرُ. ورواه مالكٌ في "الموطأ" (١)، وقال فيه: إنَّ اللهَ لم يفرضْ علينا السُّجودَ، إلا أن نشاءَ. ولمْ يسجدْ، ومنَعَهم أن يسجُدُوا. وكان بمحضرٍ من الصَّحابةِ ولمْ يُنكرْ، فكان إجماعًا. والأوامرُ به محمولةٌ على الندْبِ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة: ١٥] المرادُ به: التزامُ السُّجودِ واعتقادُه، فإنَّ فعلَه ليس شرطًا في الإيمانِ إجماعًا. ولهذا قرنَه بالتسبيحِ. ويكرِّرُ السّجودَ بتكرارِ التلاوةِ، حتى في طوافٍ؛ كالصَّلاةِ. (مع قِصَرِ الفصلِ) هو شرطٌ في مطلقِ سجودِ التلاوةِ، فلا يسجدُ إنْ طالَ الفصلُ بين التلاوةِ أو الاستماعِ، والسجودِ؛ لأنَّه سنَّةٌ فاتَ محلُّها، فلم يؤتَ بها بعد فواتِه. ولأنَّه لم يردْ نقلٌ بقضائِها، فلم تقضَ. ويسجدُ مع قصرِ الفصلِ (للقارئ والمستمعِ) متعلقٌ بقولِه: "يسنُّ". أي: قاصدِ السَّماعِ. فلا يُسنُّ السُّجودُ بغيرِ قصدِ السَّماعِ. (وهو كالنافلةِ فيما يُعتبرُ لها) أي: للنافلهِ. وتقدَّمَ الكلامُ عليه. وهو أنْ (يكبِّرَ إذا سجدَ) لتلاوةٍ (بلا تكبيرةِ إحرامِ) وقال أبو الخطاب في "الهداية": إنْ سجدَ خارجَ الصَّلاةِ، فإنَّه يكبر (٢) قبل تكبيرةِ السجودِ تكبيرةً

стр. 380

وإذا رَفَعَ، ويَجلِسُ ويُسلِّمُ بلا تَشهُّد. وإن سَجَد المأمومُ لقِراءةِ نفسِه، أو لقِرَاءةِ غيرِ إمامِه عَمدًا، بطلَت صلاتُه. ويَلزمُ المأمومَ متابعةُ إمامِه في صلاة الجَهرِ، للإحرامِ (١)؛ قياسًا. فعلى هذا: يلزمُه ثلاثُ تكبيراتٍ (٢). (و) يكبِّرُ (إذا رفعَ) كسجودِ صلبِ الصَّلاةِ والسهوِ (ويجلسُ) خارجَ الصَّلاة بعد رفعِه؛ ليُسلِّمَ جالسًا (ويسلِّمُ) وجوبًا، تسليمةً واحدةً. فيبطلُ بتركِه عمدًا وسهوًا؛ لعمومِ حديث: "تحريمُها التكبير، وتحليلُها التسليمُ" (٣). (بلا تشهدٍ) لأنَّه لم يُنقلْ فيه (وإنْ سجدَ المأمومُ لقراءةِ نفسِه) أو سجدَ (لقراءةِ غيرِ إمامِه) لأنَّه يلزمُه متابعةُ إمامِه، فإنْ فعلَ ذلك (عمدًا، بطلتْ صلاُته) ولا الإمامُ لقراءةِ غيرِه. (ويلزمُ المامومَ متابعةُ إمامِه في صلاةٍ الجهرِ) لحديثِ: "إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليؤتمَّ به" (٤) وأما صلاةُ السرِّ، فإنَّ المأمومَ فيها ليس بتالٍ ولا مستمعٍ، بخلافِ الجهريةِ. وإنْ كان ثَمَّ مانعٌ، كبُعْدٍ وطرَشٍ؛ لأنَّه محلُّ الإنصاتِ في الجملةِ. "تنبيهٌ": صرَّحَ الشافعيةُ بأنَّه لا يسجدُ لتلاوةِ السكرانِ، والنائمِ، وما عُلِّمَ من الطيورِ، ومن يَقرأ بغيرِ العربيةِ. قال بعضُهم: ولمْ أرَهُ صريحًا في كلامِ أصحابِنا،

стр. 381

فلو ترك متابعتَه عمدًا، بطلَت. ويعتبرُ كون القارئِ يصلُحُ إمامًا للمستَمِع، فلا يسجُدُ إنْ لم يسجُد، لكنه داخلٌ في مفهومِ اعتبارِ صلاحيةِ إمامِه التالي بالمستمعِ (فلو تركَ) المأمومُ (متابعتَه) أي: متابعةَ الإمامِ (عمدًا، بطلتْ) صلاتُه. (ويعتبرُ كونُ القارئِ يصلحُ إمامًا للمستمعِ) فلا يسجدُ رجلٌ مستمعٌ وامرأةٌ وخنثى لتلاوةِ امرأةٍ، أو تلاوةِ خنثى؛ لعدمِ صحةِ ائتمامِه بهما. ويسجدُ مستمعٌ من رجلٍ وامرأةٍ وخنثى، لتلاوةِ رجلٍ أميٍّ، ولتلاوةِ زَمِنٍ؛ لأنَّ قراءةَ الفاتحةِ والقيامَ، ليسا ركنًا في السجودِ. ويسجدُ لتلاوةِ صبيِّ؛ لصحةِ إمامتِه في النَّفلِ. "تنبيهٌ": قال في "الإنصاف" (١): قال في "مجمع البحرين": لمْ أرَ مَنْ تعرضَ لرفعِه قبلَ القارئِ، فيحتملُ المنع" كالصَّلاةِ، ويحتملُ الجواز؛ لأنَّه سجدةٌ واحدةٌ، فلا يُفْضي إلى كبيرِ مخالفةٍ. وقالوا: لا يسجدُ قبلَه، لعمومِ الأدلةِ، ولأنَّه لا يدري: هلْ يسجدُ أمَ لا؟ بخلافِ رفعِه قبله (٢). قلتُ: الثاني هو الصَّوابُ. "فائدةٌ": الرَّاكبُ يومئُ بالسجودِ، قولًا واحدًا. وأمَّا الماشي، فالصحيحُ من المذهبِ أنَّه يسجدُ بالأرضِ. وقيل: يومئُ أيضًا. وأطلقَهما في "الحاوي" (٣). (فلا يسجدُ) مستمعٌ (إنْ لم يسجدْ) تالٍ؛ لحديثِ عطاءٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أتى إلى نفرٍ من أصحابِه، فقرأ رجلٌ منهم سجدةً، ثمَّ نظرَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "إنَّك كنتَ إمامَنا، ولو سجدَّتَ لسجدنا". رواه الشافعيُّ في

стр. 382

ولا قُدَّامَه، ولا عن يسارِه مع خُلُوِّ يمينه، ولا يسجُدُ رجُلٌ لتلاوةِ امرأةٍ وخنثى، ويسجُدُ لتلاوةِ أمِّيِّ، وزَمِنٍ، ومُمَيِّزٍ. ويُسنُّ سجودُ الشّكرِ عندَ تجدُّدِ النِّعمِ، واندِفَاعِ النِّقَم. "مسنده" وغيرُه (١). وهو من المفرداتِ. قال في "نظم المفردات": مستمعٌ سجودُه لا يشرعُ … إنْ يكنِ التالي به يمتنعُ (ولا) يسجدُ مستمعٌ (قدَّامَه) أي: التالي. (ولا) يسجدُ مستمعٌ (عن يسارِه) أي التالي (٢) (مع خلوِّ يمينِه) أي: التالي عن ساجدٍ معه، لعدمِ صحَّةِ الائتمامِ به إذنْ. فإنْ سجدَ عن يمينِه معه، جازَ. وكذا عن يسارِه مع مَنْ عن يمينِه. (ولا يسجدُ) رجل مستمعٌ (لتلاوةِ امرأةٍ، و) تلاوةِ (خنثى) لعدمِ صحةِ ائتمامِه بهما. (ويسجد) مستمعٌ من رجلٍ وامرأةٍ وخنثى (لتلاوةِ) رجلٍ (أُميٍّ) ولتلاوة (زَمِنٍ) لأنَّ قراءةَ الفاتحةِ والقيامَ، ليسا ركنًا في السجودِ (و) تلاوةِ (مميِّزٍ) لصحةِ إمامتِه في النفلِ (ويُسنُّ سجودُ الشكرِ عند تجددِ النِّعمِ) مطلقًا. احترزَ بالتجدُّدِ: عن الاستمرارِ، كاستمرارِ العافيةِ والإسلامِ، فلا يُسنُّ السُّجودُ لذلك (و) عندَ (اندفاعِ النِّقمِ) مطلقًا، أي: عامَّةً أو خاصةً به، كتجدُّدِ ولدٍ، ونُصرةٍ

стр. 383

وإن سَجَدَ له -عالمًا ذاكرًا- في صلاةٍ، بطلت. وصفتُه وأحكامُه كسجودِ التِّلاوة. على عدوٍّ؛ لحديثِ أبي بكرةَ: أنَّ النبىَّ ﷺ كان إذا أتاه أمرٌ يُسَرُّ به، خرَّ ساجدًا. رواه أبو داودَ، وابنُ ماجه، والترمذيُّ، والحاكمُ (١) وصحَّحه. فإنْ قيل: هل يُشترطُ قصرُ الفصلِ بين تجددِ النعمِ واندفاعِ النقمِ؟ قلتُ: ظاهرُ كلامِ المتنِ: يُشترطُ قصرُ الفصلِ ولا يسجدُ له في الصَّلاةِ. قال في "الإنصاف" (٢): هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطعَ به كثيرٌ منهم. واستحبَّه ابنُ الزاغونيِّ فيها، واختارَهُ بعضُ الأصحابِ، وهو احتمالٌ في "انتصار أبي الخطاب"، كسجودِ التلاوةِ. وفرَّقَ القاضي وغيرُه بينهما بأنَّ سببَ سجودِ التلاوةِ عارضٌ من أفعالِ الصَّلاةِ. فعلى المذهبِ: لو سجدَ جاهلًا، أو ناسيًا، لم تبطلِ الصَّلاةُ، وإنْ كانَ عامدًا، بطلتْ على الصحيحِ من المذهبِ، ولهذا قال المصنِّفُ: (وإنْ سجدَ له) أي: الشكرِ. (عالمًا) عامدًا (ذاكرًا (٣)، بطلتْ) صلاتُه؛ لأنَّ سببَه لا يتعلَّقُ بالصَّلاةِ، بخلافِ سجودِ التلاوةِ (وصفتُه) أي: سجودِ الشكرِ (وأحكامُه، كسجودِ التلاوةِ) فيكبرُ إذا سجدَ، وإذا رفعَ، ويقولُ فيه: سبحانَ ربِّي الأعلى. ويجلسُ إذا رفعَ، ويسلِّمُ.

стр. 384

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ويُستحبُّ سجودُ الشكرِ أيضًا عند رؤيةِ مبتلًى في بدنِه، أو دينه. تنبيهٌ: السَّجداتُ أربعَ عشْرة سجدةً: في آخِرِ الأعرافِ. وفي الرعدِ عند: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الأعرَاف: ٢٠٥]. وفي النحلِ عند: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النّحل:٥٠] ". وفي الإسراءِ: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسرَاء: ١٠٩]، وفي مريم: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريَم: ٥٨]. وفي الحجِّ ثنتانِ؛ الأولى عند: ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحَجّ: ١٨]، والثانية: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعرَاف: ٦٩]. وفي الفرقانِ: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠]. وفي النمل: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التّوبَة: ١٢٩]. وفي الم السَّجدة: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعرَاف: ٢٠٦]، وفي فصلت: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فُصّلَت: ٣٨] وفي آخرِ النجمِ. وفي الانشقاقِ: ﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١]. وآخرِ ﴿اقْرَأْ﴾ [الإسرَاء: ١٤]. انتهى. * * *

стр. 385

فَصْلٌ في أوقاتِ النَّهي وهيَ: من طُلُوعِ الفَجرِ إلى ارتفاعِ الشَّمس قِيدَ رُمحٍ، ومِنْ صلاةٍ العَصرِ إلى غُروب الشَّمس، وعندَ قيامِهَا حتَّى تزولَ. (فصلٌ في أوقاتِ النهي) عن الصَّلاةِ (وهي) خمسةٌ: أحدُها: (من طلوعِ الفجرِ)، إلى طلوعِ الشمسِ. والثاني: من طلوعِ الشمسِ (إلى ارتفاعِ الشمسِ قِيدَ) أي: قدرَ (رمحٍ) في رأي العينِ. (و) الثالثُ من أوقاتِ النهي: (من صلاةٍ العصرِ) تامَّةً (إلى) الأخذِ في (غروبِ الشمسِ) فمَنْ لم يُصلِّ العصرَ، أُبيحَ له التنفُّلُ، وإنْ صلَّى غيرُه. وكذا لو أحرمَ بها، ثمَّ قطعَها، أو قلبَها نفْلًا. ومَنْ صلَّاها فليسَ له التنفُّلُ، وإنْ صلَّى وحدَه؛ لحديثِ أبي سعيدٍ وغيرِه: "لا صلاةَ بعد صلاةٍ العصرِ، حتى تغرُبَ الشمسُ" (١). والرابعُ من أوقاتِ النهي: عند غروبها حتى يتمَّ الغروبُ. (و) الخامسُ من أوقاتِ النهي: (عندَ قيامِها) أي: الشمسِ (حتى تزولَ) الشمس عن خطِّ الاستواءِ؛ لحديثِ عقبةَ بنِ عامرٍ: "ثلاثُ ساعاتٍ كان النبىُّ ﷺ ينهانا أنْ نصلِّيَ فيهنَّ، أو أنْ نقبرَ فيهنَّ موتانا: حينَ تطلُعُ الشمسُ بازغةً، حتى ترتفعَ، وحينَ يقومُ قائمُ الظهيرةِ، حتى تميلَ الشمسُ، وحين تَضيَّفُ للغروبِ حتى

стр. 386

فتحرم صلاة التطوُّع في هذِه الأوقاتِ، ولا تنعقدُ، ولو جَاهِلًا للوقتِ والتَّحريم، سِوَى سُنَّةِ الفَجرِ قبلَهَا، وركعتي الطَّواف، وسُنَّةِ الظُّهرِ إذا جَمَعَ، تغربَ". رواه مسلمٌ (١). (فتحرمُ صلاةُ التطوعِ في هذه الأوقاتِ) الخمسةِ (ولا تنعقدُ) صلاةُ التطوعِ (ولو) كانَ المصلِّي (جاهلًا للوقتِ والتحريمِ) لأنَّ النهيَ في العباداتِ يقتضي الفسادَ. وظاهرُه: أنَّه لا يبطلُ تطوعٌ ابتدأه قبلَه بدخولِه، لكنْ يأثَمُ بإتمامِه (سوى سُنَّةِ الفجرِ قبلَها) أي: صلاةٍ الفجرِ، فلا يجوزُ بعدَها حتى ترتفعَ الضمسُ قيْدَ رُمحٍ. واختارَ صاحبُ "المغني" والشارح: جوازَ قضاءِ سنةِ الفجرِ بعدَ صلاةٍ الفجرِ. (و) سوى (ركعتي الطوافِ) في الأوقاتِ الخمسةِ؛ لحديثِ جُبير بنِ مطعمِ مرفوعًا: "يا بني عبدِ منافٍ، لا تمنعوا أحدًا طافَ بهذا البيتِ، وصلَّى فيه، في أيّ ساعةٍ شاءَ من ليل، أو نهارٍ". رواه الأثرمُ، والترمذيُّ (٢) وصحَّحه. ولأنَّهما تبعٌ له، وهو جائزٌ كلَّ وقتٍ (و) سِوى (سُنةِ الظهرِ إذا جمَعَ) جمعَ تأخيرٍ؛ لحديثِ أمِّ سلمةً قالتْ: دخلَ عليَّ رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ يومٍ بعدَ العصرِ، فصلَّى ركعتين، فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، صليتَ صلاةً لم أكُن أراكَ تصلِّيها؟ فقال: "إنِّي كنتُ أصلِّي ركعتين بعدَ الظهرِ، وإنَّه قدِمَ وفدُ بني تميمٍ، فشغلوني عنهما، فهما هاتانِ الركعتانِ". متفقٌ عليه (٣).

стр. 387

وإعادةِ جَمَاعةٍ أُقيمت وهو بالمسجد. ويجوزُ فيها قضاءُ الفرائِض، وفِعلُ المنذورَةِ، ولو نذَرَها فيهَا. قال شارح "المقنع" (١): والصحيحُ أنَّ السننَ الراتبةَ تُقضى بعد العصرِ (و) سِوى (إعادةِ جماعةٍ أُقيمتْ وهو بالمسجدِ) لحديثِ أبي ذرٍ مرفوعًا: "صلِّ الصَّلاةَ لوقتِها، فإنْ أُقيمتْ وأنتَ في المسجدِ فصلِّ، ولا تقلْ: إنِّي صليتُ، فلا أصلِّي" رواه أحمدُ ومسلمٌ (٢). والمرادُ بإعادتِها: أنْ يعيدَ الصَّلاةَ مع الجماعةِ، سواءٌ كان صلَّاها وحدَه، أو في جماعةٍ. واحترزَ بقولِهِ: "أقيمتْ وهو بالمسجدِ" عمَّا إذا دخلَ وهمْ يصلُّون، فإنَّها لا تجوزُ في وقتِ النهي؛ لأنَّا إنَّما جوَّزْناها لمَنْ في المسجدِ؛ لخوفِ التُّهمةِ في حقِّه وحقِّ الإمامِ، وذلك مفقودٌ فيمَنْ كان خارجَه. انتهى. (ويجوزُ فيها) أي: في أوقاتِ النهي (قضاءُ الفرائضِ) الفائتةِ، وفاقًا لمالكٍ والشافعيِّ؛ لعمومِ حديثِ: "مَنْ نامَ عن صلاةٍ، أو نسيَها، فلْيصلِّها إذا ذكَرَها". متفقٌ عليه (٣). (و) يجوزُ (فعلُ المنذورَةِ) بأن نذَرَ أن يصلِّي، وأطلق (ولو) كان (نذرَها) أي: الصَّلاةَ (فيها) مقيِّدًا بوقتٍ من أوقات النهي، بأنْ يقولَ: للَّه عليَّ أنْ أصلِّيَ ركعتين عند طلوعِ الشمسِ، أو عندَ قيامِها، أو عندَ غروبها، ونحوِ ذلك؛ لأنَّها صلاةٌ واجبةٌ، فأشبهتِ الفرائضَ

стр. 388

والاعتبار في التَّحريمِ بعدَ العصرِ بفرَاغ صلاةٍ نفسِهِ، لا بشروعِه فيها، فلو أحرَم بها ثمَّ قلبَها نفلًا، لم يُمنَع من التطوُّع. وتُباحُ قراءةُ القرآن في الطَّريق، ومَعَ حَدَثٍ أصغَرَ، ونجاسَةِ ثوبٍ، وبَدَنٍ، وفَمٍ. (والاعتبارُ في التحريمِ بعد العصرِ بفراغِ صلاةٍ نفسِه) فمَنْ لم يصلِّ العصر، أُبيحَ له التنفُّلُ، وإنْ صلَّى غيرُه، ومَنْ صلَّاها فليس له التنفُّلُ، وإنْ صلَّى وحدَه؛ لحديث أبي سعيدٍ وغيرِه: "لا صلاةَ بعد صلاةٍ العصرِ حتى تغربَ الشمسُ". فالاعتبارُ بفراغِها (لا بشروعِه فيها) أي: في صلاةٍ العصرِ (فلو أحرمَ بها، ثمَّ قلبَها نفلًا، لم يُمنعْ من التطوُّعِ) لكونِه لَمْ يصلِّ العصرَ، فلا يدخلُ وقتُ النهي حتى يصلِّيَها، فمَنْ لَم يصلِّ العصرَ حتى اصفرَّتِ الشمس، فاصفرارُها هو أوَّلُ وقتِ النهي في حقِّه (وتُباحُ قراءةُ القرآنِ في الطريقِ) لما رُوي عن إبراهيمَ التيميِّ قال: كنتُ أقرأُ على أبي موسى، وهو يمشي في الطريقِ. وتُباحَ أيضًا قائمًا، وقاعدًا، ومضطجعًا، وراكبًا، وماشيًا. وهلْ تباحُ قراءتُه في الطريقِ سرًّا أو جهرًا؟ ظاهرُه: ولو جهرًا. وكرِهَها ابنُ عقيلٍ بأسواقٍ يُنادى فيها ببيعٍ. وحرُمَ رفعُ صوتٍ بها معَ اشتغالِهم بتجارةِ وعدمِ استماعِهم له، لما فيه من الامتهانِ. وكُرِه رفعُ صوتٍ بقراءةٍ تغلِّطُ (١) المصلِّينَ. قال المصنِّفُ في "الغاية" (٢): ويتجه: التحريمُ للإيذاءِ. (و) تباحُ (مع حدثٍ أصغرَ، و) معَ (نجاسةِ ثوبٍ، و) نجاسةِ (بدَنٍ، و) نجاسةِ (فمٍ) لأنَّه لا دليلَ على المنعِ

стр. 389

وحفظُ القرآنِ فرضُ كفايةٍ. ويتعيَّنُ حِفظُ ما يجِبُ في الصَّلاة. (وحفظُ القرآنِ فرضُ كفايةٍ) إجماعًا (ويتعيَّنُ حفظُ ما يجبُ في الصَّلاة) وهو الفاتحةُ فقط، على المذهبِ، ثمَّ يتعلمُ من العلمِ ما يحتاجُ إليه في أمورِ دينه، وجوبًا. قال في "الفروع" (١): يتوجَّه: أنْ يقدِّمَ بعد القراءةِ الواجبةِ العلمَ. كما يقدِّمُ الكبيرُ نفلَ العلمِ على نفلِ القراءةِ. * * *

стр. 390

بابُ صلاةِ الجماعَةِ تجمبُ على الرِّجَالِ الأحرارِ القادِرين، حضرًا وسفرًا. وأقلُّها: إمامٌ ومأمومٌ ولو أنثى. ولا تنعقِدُ بالمميِّز في الفرضِ. وتُسنُّ الجماعةُ بالمَسجِدِ، (بابُ صلاةٍ الجماعةِ) وأحكامها وما يبيحُ تركَها، وما يتعلَّقُ بذلك (تجبُ) الصَّلاةُ (١) وجوبَ عينٍ (على الرِّجالِ) لا النِّساءِ والخَنَاثى (الأحرارِ) دون العبيدِ والمُبَعَّضين (القادرينَ) عليها، دون ذوي الأعذارِ (حضرًا وسفرًا) متعلِّقٌ بـ: "تجب". (وأقلُّها) أي: الجماعةِ (إمام ومأموم) أي: اثنان. فتنعقدُ الجماعةُ بهما؛ لحديثِ أبي موسى مرفوعًا: "الاثنانِ فما فوقَهما جماعةٌ". رواه ابنُ ماجه (٢) (ولو أُنثى) والإمامُ رجلٌ، أو أُنثى (ولا تنعقِدُ) الجماعةُ (بالمميِّزِ في الفرضِ) وعُلِمَ منه: أنَّه يصحُّ أنْ يؤمَّ صغيرًا في نفلٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمَّ ابنَ عباسٍ، وهو صبيٌّ، في التهجُّدِ (٣). وعنه: يصحُّ أيضًا في الفرضِ، كما لو أمَّ رجلًا متنفِّلًا. قالَهُ في "الكافي" (٤). (وتُسنُّ الجماعةُ بالمسجدِ) للأخبارِ، ولإظهارِ الشِّعارِ، وكثرةِ الجماعةِ. وله
следующие страницы →