← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 803

شرح دليل الطالب - عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

Полный текст (1 686 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

شَرحُ دَليلِ الطَّالبِ لِنَيْلِ المَطَالِبِ تَأليفُ الشَّيخ عَبد الله بنِ أحمد بن يحيى المَقدِسِيِّ ١٠٩١ هـ تحقِيقُ أحمَد بن عَبد العزيز الجمّاز المُجَلَّدُ الأَوَّلُ دَارُ أطْلس الخضراء للنشر والتوزيع

стр. 2

بسم الله الرحمن الرحيم

стр. 3

شَرحُ دَليلِ الطَّالبِ لِنَيْلِ المطَالِبِ (١)

стр. 4

جَمِيْعُ الحُقُوقِ مَحفُوظَةٌ الطَّبعَةُ الأولى ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ مـ دَارُ أطلس الخضراء للنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية - الرياض هاتف: ٤٢٦٦١٠٤ - ٤٢٦٦٩٦٣ فاكس: ٤٢٥٧٩٠٦ www.facebook.com/DARATLAS twitter:@dar-atlas dar-atlas@hotmail.com

стр. 5

المُقَدِّمَة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونَستعينُه، ونَستغفِرُه، ونعوذُ بالله مِن شُرورِ أنفُسِنَا، وسيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه الله فَلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ، وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه. أما بعد: فإنَّ كتابَ "دليل الطالب لنيل المطالب" للشَّيخ الفَقيه مَرعِي بنِ يوسفَ الكَرْمِي الحنبلي، المتوفى سنَةَ (١٠٣٣ هـ) من أهمِّ المتونِ العلميَّةِ في فقهِ المذهَبِ الحنبليِّ، وحُقَّ له أن يكونَ كذلك؛ إذ هو من أعظَمِ الكُتبِ نَفعًا، وأكثرِهَا جَمْعًا، وأوضَحِهَا إشَارَةً، وأسلَسِهَا عِبَارَةً، وأوسَطهَا حَجمًا، وأغزَرِهَا عِلمًا، وأحسَنِهَا تفصِيلًا وتَفرِيعًا، وأجْمَعِهَا تَقسيمًا وتنوِيعًا، وأكمَلِهَا تَرتِيبًا، وألطَفِها تَبويبًا، قد حوى غالِبَ أُمَّهَاتِ مسَائلِ المَذهَبِ، فمَن حصَّلها فقد ظَفِرَ بالكَنزِ والمطلَبِ، فهو كما قال مصَنِّفُهُ فيه: "بالغتُ في إيضَاحِه رَجاءَ الغُفرَانِ مِن اللهِ جَلَّ وعَلا، وبيَّنتُ فيه الأحكَامَ أحسَنَ بَيانٍ". ولقد صَدَقَ وبَرَّ ونصَحَ، فهو الحَبْرُ الإمَامُ، فإن مَن نَظَر فيه بعَين التَّحقيقِ والإنصَاف، وَجَدَ ما قال حقًّا وافيًا بالمرَاد من غير خلافٍ (١). _________ (١) اقتبست هذا النص من مقدمة المرداوي في "الإنصاف" في وصفه "للمقنع" دون ما بين المعكوفين منه، فأنزلته على "الدليل" وحق له هذا الوصف.

стр. 6

قال صاحِبُ "السحب الوابلة": فهو من الكُتبِ التى يُعتَمدُ عليها، فإنَّه خُلاصَةُ صَحيحِ المذهب (١). وإنَّه لمَّا كانَت منزلَتُه بهذه المثابَةِ، تسابَقَ لخدمتِه أهلُ العلِم والفَضلِ؛ بإيضاحِ خَفيِّ مكنونَاتِه، وشَرحِ ما أُغلِقَ من عِباراتِه، وذِكرِ مُستَندِه بنصوصِه وتَعليلاتِه. فوضَعوا عليه الشروحَ والحَواشي، والتعليقاتِ والزوائدِ. وإن مِن أوائِلِ أولئكَ العلماءِ الذينَ عُنوا بهذا المتنِ الشيخُ عبد الله بنُ أحمدَ بنُ يحيى المقدسيُّ الكرميُّ، حيثُ وضعَ عليه هذا الشرحَ الذي بينَ يديكَ. وقد امتازَ بخصائِصَ عَديدَةٍ من أهمِّها: أولًا: أنَّ مؤلِّفَه قَريبٌ من الشيخِ مرعيّ عِلمًا ونَسبًا، أمَّا العِلمُ: فهو ابنٌ لأحَدِ أكابرِ تلامِذَةِ الشيخِ مرعِيّ، وهو الشيخُ العلَّامَةُ أحمدُ بن يحيى المقدسىُّ الكرميُّ. وأمَّا النَّسبُ: فالشيخُ مَرعيٌّ عَمٌّ لأَبيه. وذلك قرينةٌ على دِرايَةِ المؤلِّف بخفيِّ المرادِ مِن العِبارَات. إضافةً إلى أنَّ جدَّه لأمِّه هو الشيخُ العلامةُ محمد بنُ أحمد المرداويُّ، المتوفَّى سنةَ ١٠٢٦ هـ، أحدُ أكابرِ مشايخِ منصور البُهوتيِّ ومرعيٍّ وغيرِهما مِن كبارِ الحنابلةِ في مِصرَ. وقد صرَّح المصنِّفُ بهذِه الصِّلَةِ في آخرِ "بابِ الإجارة" من شرحِه هذا. وبهذا يكُونُ المؤلِّفُ ينتَمي لأحَدِ بُيوتَاتِ الحنابِلَةِ الكَبيرَةِ في زمنه، مما زانَهُ قَدرًا ورِفعةً وشَرفًا. _________ (١) انظر "كشف النقاب" لابن حمدان ص (٩٠).

стр. 7

ثانيًا: حِرصُه على ذِكرِ الدَّليلِ والتعليلِ في غالِبِ مَسائلِه، دونَ تعرُّضِه للخِلاف، إلا ما ندر، خصوصًا في المذهب. ثالثًا: شَرحُه لألفَاظِ المتنِ بعِباراتٍ موجزَةٍ، رَكَّب فيها الشرحَ بالمتنِ فصارَا كمَتنٍ واحِدٍ. رابعًا: ذِكرُه لزيادَاتِ المسائِلِ، والفَوائدِ، والفروع، والتنبيهاتِ. خامسًا: أنه زادَ المتنَ وزَانَه رَونَقًا وبهاءً بالتَّرتيباتِ البديعَةِ، والتقسيماتِ المُنيفَةِ، والتنويعَاتِ المفصِّلَةِ، والحدودِ المبيِّنَةِ. سادسًا: كثرةُ نقولِه عن كُتُبِ الأصحابِ واعتمادِه لها، خصُوصًا المتأخرين مِنهُم؛ ابتداءً من المرداوي في "الإنصاف"، ومرورًا بالحجَّاويِّ في "الإقناع"، والفُتُوحي في "المنتهى" و"معونة أولي النهى"، وانتهاءً بالشيخ مَرعيٍّ في "غاية المنتهى"، والبُهوتي في "دقائق أولي النهى"، و"إرشاد أولي النهى"، و"حواشي الإقناع"، و"كشاف القناع"، و"الروض المربع". سابعًا: اعتِناؤُهُ باختِيارَاتِ الشيخِ تقيِّ الدِّينِ ابنِ تيميَّةَ، ونقلُهُ عنه كَثيرًا. ثامنًا: نقلُ العلماءِ عنه في شُروحِهِم واستفادتُهم منه، كما صَنَعَ ابنُ عوض في "فتح وهاب المآرب"، وابنُ حميد في "حاشيته على المنتهى"، وغيرُهما. تلك خصائصُ جَليلةٌ تُنبئُ عن أهميَّةِ هذا الشرحِ، وجعلِه في دَرجَةٍ عاليةٍ عندَ عُلماء المذهَبِ.

стр. 8

وهذا ما جعَلَني أعقِدُ العزمَ على إخراجِه محقَّقًا، مُستعينًا بالله وحدَه؛ ليُفيدَ منه طلبهُ العلِمِ، وينهلوا من مَعينِه الصَّافى. وذلك بعدَ أن يسَّرَ اللهُ تعالى الحصولَ على نسخةٍ خطيَّةٍ منه. وبتوفيقٍ مِن اللهِ تمَّ ما أردتُ، بعدَ أن بذَلتُ ما بوسعِي من الجهدِ والوقتِ؛ لإخراجه على هذه الصورَةِ التي أضعُها بين يَديكَ. والله سبحانَه المستعانُ، وعليه التُّكلان، فما كان فيه من صوابٍ فمِن الله وحدَه، فهو الموفِّقُ له والمعينُ عليه، وما كانَ فيه من خطأ فمنِّي ومن الشَّيطانِ، والله بريءٌ من ذلك ورسولُه. أسأل الله تعالى أن يجعلَه عملًا مُباركًا، وأن ينفعَ به عبادَه المؤمنين، وأن يغفرَ لي ولوالِدَيَّ وللمسلِمين، والحمدُ لله أوَّلًا وآخِرًا، وصلى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وآلِه وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا. وكتَبه أحمَد بن عَبد العزيز الجمّاز ١/ ٣/ ١٤٣٦ هـ شقراء - السعودية

стр. 9

ترجمة الشيخ مرعي الكَرمي (١) نسبه: هو العالم العلامةُ الشيخُ مَرعيُّ بن يوسفَ بن أبي بكر بن أحمد بن أبي بكر بن يوسف الكرمي المقدسي، الأزهري المصري، الحنبلي. ولادته ونشأته وطلبه للعلم: ولد الشيخ مرعي في طولكَرَم المدينةُ المعروفةُ في فلسطين، ونَشأَ فيها، وتلقَّى عُلومَه الأولى فيها، ثم رحَلَ إلى بيتِ المقدِس ليأخُذَ عن علمائِه، فأقامَ مدَّةً مِن الزَّمن، بعدَها رحَلَ إلى مصرَ؛ حيثُ الجامعُ الأزهرُ، وفيه استكمَلَ دِراسَتَه، وأخذَ عن عددٍ من العلماءِ والمشايخ، ثم تصدَّر للإقراءِ والتدريسِ والتأليف، وتولَّى المشيخَةَ بجامِعِ السلطانِ حَسَن في القاهرة. لقد كان مُنهمكًا في تحصيلِ العلومِ انهماكًا كُليًا؛ حيثُ قطعَ زمانَه بالإفتاءِ والتدريس، والتحقيق والتصنيف، حتى صار أحدَ أكابرِ عُلماءِ الحنابلةِ بمصر. مشايخه: تلقَّى الشيخُ مرعيٌّ العلمَ عن عددٍ كبيرٍ من العلماءِ والمشايخِ في بَلَدِه طُولكَرم، والقدس الشريف، والقاهرة، ومن هؤلاء: _________ (١) انظر ترجمته في "خلاصة الأثر" (٤/ ٣٥٨) (مختصر طبقات الحنابلة) (ص ٩٨)، "الأعلام" (٧/ ٢٠٣)، "المدخل" لابن بدران (ص ٢٢٦)، "السحب الوابلة" (٢/ ١١١٨).

стр. 10

١ - الشيخ العلامة محمد بن أحمد المرداوي القاهري، فقيهُ الحنابلةِ وشيخُهم في عَصره، توفي بمصر سنة ١٠٢٦ هـ. ٢ - المفسِّرُ المحدِّثُ الواعظُ محمد بن حجازي بن محمد بن عبد اللَّه الأكراوي، توفي في القاهرة سنة ١٠٣٥ هـ. ٣ - الشيخ الفَرَضي يحيى بن موسى الحجَّاوي المقدسي الدمشقي. ٤ - العالم المحقق أحمد بن محمد الغنيمي الأنصاري، فقيه مصر، توفي سنة ١٠٤٤ هـ. تلاميذه: ممن أخذ عن الشيخ مرعي في مصر: ١ - الشيخ محمد بن موسى الجمَّازي المالكي، توفي بمصر سنة ١٠٦٥ هـ. ٢ - العالم عبد الباقي بن عبد الباقي البعلي، المعروف بابن (فقيه فِصَّه)، وتوفي بدمشق سنة ١٠١٧ هـ. ٣ - الشيخ أحمد بن يحى الكرمي المقدسي، توفي بالقاهرة سنة ١٠٩١ هـ. وهو والد مصنف "شرح الدليل". مؤلفاته: ١ - الفوائد الموضوعة في الأحاديث الموضوعة. ٢ - أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمتشابهات.

стр. 11

٣ - قلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ من القرآن. ٤ - بهجة الناظرين في آيات المستدلين. ٥ - دفع الشبهة والغرر عمن احتج على المعاصي بالقدر. ٦ - غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى. ٧ - الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية. ٨ - دليل الطالب لنيل المطالب. وهو أصل هذا الشرح. ثناء العلماء عليه: قال محمد أمين المحبي عنه: أحدُ أكابِرِ عُلماءِ الحنابلةِ بمصرَ، كان إمامًا محدثًا فقيهًا، ذا اطلاع واسع على نقول الفقه ودقائق الحديث، ومعرفة تامة بالعلوم المتداولة. وقال محمد جميل الشطي: شيخُ الإسلام، وأحد العلماء الأعلام، فريد عصره وزمانه، ووحيد دهره وأوانه، صاحب التآليف العديدة، والتحريرات المفيدة، العلامة بالتحقيق والفهامة بالتدقيق. وقال ابن حميد: العالم العلامة، البحر الفهامة، المدقق المحقق، المفسر المحدث الفقيه، الأصولي النحوي، أحد أكابر علماء الحنابلة بمصر. ووصفه الشيخ بكر أبو زيد بأنه من مجتهدي المذهب المتأخرين. وفاته: توفي بمصر في شهر ربيع الأول سنة ١٠٣٣ هـ ﵀ رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

стр. 12

ترجمة الشيخ عبد اللَّه المقدسي (١) نسبه: هو الشيخ عبد الله بن الشيخ أحمد بن يحيى بن يوسف بن أبي بكر بن أحمد بن أبي بكر بن يوسف بن أحمد الحنبلي الكرميُّ؛ نسبةً لطورِ كَرم، مِن قرى نابلس، ثم المقدسىُّ. وبذلكَ يكونُ الشيخُ مرعيٌّ عَمًّا لوالِدِه (٢). ثناءُ العلماء عليه: قال الغَزِّي في "النعت الأكمل" (٣): الشيخ الفاضل، الإمام الفقيه، العالم الهمام. وقال الزركلي: فلكىٌّ من فقهاءِ الحنابِلة. مؤلفاته: ١ - " شرح دليل الطالب" وهو هذا الكتاب الذي بين يديك. ٢ - "تحفة الألباب في بيان حكم ذوات الأذناب" فرغ من تأليفها في رمضان سنة ١٠٧٨ هـ منها نسخة بخط مؤلفها في دار الكتب المصرية برقم (٢٣٦) رياضيات عربي. _________ (١) انظر ترجمته في "النعت الأكمل" ص (٢٥٥)، "معجم المؤلفين" (٦/ ٣٣) "هدية العارفين" (٢/ ٣١) "الأعلام" (٤/ ٧٠). (٢) وقد صرح بذلك في آخر "كتاب الجنائز"، وفى (باب الوليمة) من "كتاب النكاح". وفي ترجمة الشيخ أحمد - والد المصنف - في "النعت الأكمل" ص (٢٤٩)، "السحب الوابلة" (١/ ٢٧٧) ذكرٌ لابنه الشيخ عبد الله. (٣) "النعت الأكمل" ص (٢٥٥).

стр. 13

٣ - "تحفة اللبيب وبغية الأريب في ربع الدائرة والمجيب" (١). ٤ - "رسالة في معرفة أوقات الليل بالكواكب الثابتة وحركتها" (٢). وفاته: ذكرَه الغَزي في "النعت الأكمل" (٣) ضِمنَ مَن لم تؤرَّخ وفاتُه من أهلِ الطبقَةِ الثامنَةِ "مَن وقَعَت وفاتهم من سنة ١٠٧٦ هـ إلى خِتامِ سنة ١١٠٠ هـ". إضافَةً إلى أنَّه قد ذَكَرَ في كتابِه "تحفة الألباب" أنه قد فَرَغ من تأليفِه في رمضَان سنَةَ ١٠٧٨ هـ كما هو مرقومٌ في آخِرِها. وفي "باب الوليمة" من شرحه هذا ذَكَرَ والِدَه المتوفَّى ١٠٩١ هـ وتَرحَّم عليه، مما يدلُّ على أنَّه كان حيًّا تلك السنة، وهو آخرُ ما تبيَّن لي من تاريخِ وفاتِه، والله أعلم. * * * _________ (١) لعلها التي عناها في "شرح الدليل" في الشرط الثامن من شروط الصلاة (استقبال القبلة) بقوله: "وعملتُ رسالة أيضًا في وضعِ الأرباعِ، وهو ربعُ المقنطراتِ والمجيبِ، ورسالةً في معرفةِ العملِ بهم". (٢) وقد ذكرها في (استقبال القبلة) الشرط الثامن للصلاة. (٣) "النعت الأكمل" ص (٢٥٥).

стр. 14

توثيقُ نِسبَةِ الكتَابِ إلى مُؤلِّفِه أولًا: لا شكَّ أنَّ هذا الشَّرحَ هو لمؤلِّفِه الشيخ عبد الله المقدسي الحنبليِّ، يتبيَّنُ ذلك مما يلي: ١ - ذِكرُ عنوانِ الكتابِ واسمِ المؤلِّفِ على طُرَّةِ النُّسخَةِ الخطيَّة، حيث رُقِمَ: "كتابُ شرح دليل الطالب لنيل المطالب، تأليف الشيخ العلامة عبد الله المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى آمين، إنه أرحم الراحمين". ٢ - نقلُ العُلماءِ عَنه في شُروحِهم واستفادتهُم منه، ونِسبَتُهم الكتابَ إليه، كما صَنَعَ ابنُ عَوضٍ في "فتح وهاب المآرب"، وابنُ حُمَيدٍ في "حاشيته على شرح المنتهى"، وغيرهما (١). ٣ - أنَّ بعضَ مَن ترجَم لـ" دليل الطالب" يذكُرُ هذا الشرحَ، وأنه لعبد الله المقدسيِّ، وممَّن صنَعَ ذلك الشيخُ بكر أبو زيد في "المدخل المفصل" (٢/ ٧٩٤). ثانيًا: إذا ثبتَ ذلك، فمَن هو الشيخُ عبدُ الله المقدسي؟ قال الشيخ بكرُ أبو زيد ﵀ في "المدخل المفصل" (٢) عندَما ذكَرَ الكتابَ ومؤلِّفَه، قال: ولم يتحرَّر لي مَن هو عبد الله المقدسي؟. قلتُ: لقد تحرَّرَ ذلك، بحمدٍ من الله وفضلٍ، وأنَّه مَن تقدَّمَت ترجمتُه آنفًا: الشيخُ عبدُ الله بنُ الشيخ أحمدَ بنُ يحى بن يوسف بن أبي بكر بن _________ (١) انظر "فتح وهاب المآرب" (٢/ ١٠٧)، "حاشية ابن حميد" (١/ ٢٢٧). (٢) "المدخل المفصل" (٢/ ٧٩٤).

стр. 15

أحمد بن أبي بكر بن يوسفَ بنُ أحمدَ الحنبلىُّ الكرميُّ المقدسيُّ. فيكونُ الشيخُ مرعيٌّ عمًّا لوالِدِه. كما تقدَّم. ويُثبِتُ ذلك أمورٌ أهمُّهَا ما يلي: ١ - نقلُه عَن عمِّ والِده الشيخ مرعيٍّ، وتصريحُه بذلك النَّسب في آخر "كتاب الجنائز"، وفي آخر "باب إخراج الزكاة"، وفي "كتاب الصيام"، وفي السادس والسابع من محظوراتِ الإحرام، وفي "باب الوليمة من كتاب النكاح" وغيرِها. بالعِبارَةِ التالية: "قالَ عمُّ والدي العلَّامةُ الشيخُ مرعي في كتابِه "غايةِ المُنتهَى" " ونحوها. وليسَ ثمَّتَ أحدٌ مِن تلامِذَةِ الشيخِ مرعيٍّ يَكونُ عَمًّا لهُ سِوى الشيخِ أحمدَ بنِ يحى المقدسيِّ، كما هو مَذكُورٌ في ترجمَةِ الشيخَينِ مَرعيٍّ وأحمَدَ، مما يُبيِّنُ أنَّ الكتابَ لابنِ أحمدَ بنِ يحيى المقدسِي. إضافة إلى أن أحمدَ بنَ يحيى لهُ ولدٌ اسمُهُ عبدُ الله، وقد وُصِفَ بالمشيَخَةِ عِندَما ذُكِرَ في ترجمَةِ والِدِه في "النعت الأكمل"، و"السحب الوابلة" وغيرِهما، حيثُ إنَّه رَوَى حِكايَةً عن والِدِه الشيخِ أحمَدَ (١). ٢ - أن الشيخَ معروفٌ بعلمِ الفَلَكَ، وقد أشارَ إلى ذلك مَن تَرجَم له، ونسَىبَ إليه بعضَ الكتبِ في هذا الفَنِّ، كما نَصَّ هو في "شرح الدليل" في "شرط استقبالِ القبلة" على مؤلَّفَينِ مِن مُؤلَّفَاتِه في عِلمِ الفَلَك، وأحدُهما: "رسالةٌ في وضعِ الأرباعِ وهو ربعُ المقنطَراتِ والمجيب" ويعني بذلِكَ: _________ (١) انظر "النعت الأكمل" ص (٢٤٩)، "السحب الوابلة" (٢/ ٢٧٧).

стр. 16

الرسالةَ المذكورةَ في ترجمتِه في "معجم المؤلفين" (٦/ ٣٣): "تحفة اللبيب وبغية الأريب في ربع الدائرة والمجيب". ٣ - ذُكِرَ في ترجمته أيضًا أن له رسالةً باسم: "تحفة الألباب في بيان حكم ذوات الأذناب" فرغَ مِن تأليفِها في رمضانَ سنَةَ ١٠٧٨ هـ وبالرجوع إلى أصل النسخة الخطية - وهي من محفوظات دار الكتب المصرية برقم (١٧٨) - رأيت أنه كتب على طرتها: للعلامة عبد الله بن أحمد المقدسي الحنبلي. وفي ورقة الفهرسة: عبد الله بن أحمد بن يحيى المقدسي الحنبلي. وبهذينِ الأَمرَين يتبيَّنُ أنَّه من عُلمَاءِ الفَلَكِ إضافةً إلى عِلمِ الفِقهِ الحنبليِّ، وأنَّه المؤلِّفُ لهذا الشرح، وتِلكَ الرسائِلِ المذكورَةِ. عِلمًا بأنه لم يُخْلِ كتابَه هذا مِن ذِكرِ بعضِ المسائِلِ الفلكيَّةِ، ولقد رأيتُهُ صَنَعَ ذلكَ في: (استقبالِ القبلة - صلاة الكسوف - آخر صلاة الاستسقاء). ملاحظة: الظاهرُ أنَّ المصنِّفَ لم يُتمَّ شرحَه، بل توقَّف قلمُه عندَ "باب قتال البغاة" من "كتاب الحدود". وهذا يَعني أنَّه لم يترُك إلَّا جُزءًا يَسيًرا آخرَ الكِتابِ. وقُلتُ ذلكَ لأَمرَين: الأوَّلُ: أنَّ النُّسخَةَ الخطيَّةَ قد انتَهت عندَ ذلك القدر، ولم تُختَم بما هو مُعتادٌ عندَ خَتمِ الكُتبِ من المصنِّف أو النَّاسِخ. وعلى تَقدير أنَّ بها

стр. 17

سَقطًا في آخرِها، فالظَّاهرُ أنه لم يتجاوز ورقَاتٍ يَسيرةً. الثاني: أنَّ ابنَ عوضٍ المرداويَّ في كتابِه "فتح وهاب المآرب" قد أكثرَ النَّقلَ عن "شرح المقدسي" هذا، وهو الذي يَعنيه بالرَّمز: "ع ب" (١). وكانَ آخرُ نَقلٍ نقلَه عنه هوآخرَ تعليقٍ في "باب حدِّ القذف" ولم يَنقُل بعدَ ذلك عنهُ حرفًا واحدًا، مما يدلُّ على أنَّ كتابَ المقدسيِّ قد انتَهى إلى هذا القدر. والله أعلم. * * * _________ (١) وقد تتبعتُ كلَّ نقلٍ ختمه بهذا الرمز وقابلته بشرح الدليل فوجدته مطابقًا له حرفًا حرفًا، وقد أشرت بعد كل نقل إلى موضعه في "الفتح" بهوامش هذا الشرح. تنبيه: ذكرت في مقدمة تحقيقي لكتاب" فتح وهاب المآرب" أن هذا الرمز يستعمله ابن عوض للشيخ منصور البهوتي على وجه العموم في كتبه جميعها. وهو وهمٌ مني؛ سببه: توافقُ مصدر النقلِ بين ابن عوضٍ وعبد الله المقدسي؛ إذ كلاهُما ينقلُ عن منصور خصوصًا من كتابيه "الكشاف" و "الدقائق".

стр. 18

وصفُ النسخة الخطيَّة أمَّا بالنِّسبَةِ لمتن "دليل الطالب" فقَد اعتمَدتُ في تحقيقِه على خمسِ نُسخٍ خطيَّة، ذكرت تفاصيلَها في النسخَةِ التي أفردتُهَا بالطباعَةِ في مجلّدٍ واحدٍ، تولَّت "دار التوحيد للنشر" طباعتَه ونَشرَه. وأمَّا "شرح دليل الطالب" فقَد يسَّرَ اللَّه تعالى الحصولَ على نُسخَةٍ خطيَّةٍ ضِمنَ مخطوطاتِ مكتبَة آل عبد اللطيف، المحفوظَةِ بخزينةِ المخطوطاتِ بدَارة الملك عبد العزيز. تفضَّلَ الإخوَة في مركَز المخطوطات بتزويدِي بمصوَّرَةٍ منها، فشَكرَ الله لهم حسنَ صَنيعِهم وفاضِلَ تعاونهم، وباركَ في جهودِهم. وهي على الوصف التالي: رقم الحفظ: (٤٢٣٨) فقه حنبلي. المجموعة: آل عبد اللطيف. رقم التسلسل: (٤٥). عنوان المخطوط: "شرح دليل الطالب". عدد أوراقها: (٣٩٥) لوحة، كل لوحة تحوي صفحتين. عدد الأسطر لكل صفحة: (٢٥) سطرًا. لا يوجد تاريخٌ لنَسخِها، ولا اسمُ النَّاسِخِ لها؛ بسَبب نقصٍ في آخرِ النسخة.

стр. 19

ملاحظات: • يوجد بالنَّسخَةِ سَقطٌ في أوَّلها بمقدارِ صَفحَتين خطِّيتين تقريبًا، وفي وسطها في "كتاب الوصية" سقطٌ آخرُ بمقدارِ أربعِ لوحاتٍ من المخطوطِ شَمِلَ بقيَّةَ باب الموصى به، وبابِ الموصى إليه، عدا السطرين الأخيرين منه. وأما آخرها فقد توقَّفَت النسخةُ عند "باب قتال البغاة" في "كتاب الحدود" وفي غالب الظن أن المؤلف توقف عند هذا القدر من الشرح ولم يكمل الكتاب، كما تقدم. • قد أتلَفَت الأرضَةُ جُزءًا كبيرًا من كَعبِ النسخَةِ؛ مما تسبَّب منه تآكلُ الهوامش الوسطى للصفحات، إلا أنه بحمد الله لم يصلْ إلى الجزءِ المكتوب. • خط النُّسخَةِ متوسِّطُ الجودَةِ، وبها تصحيف لبعضِ الكلمات، وأخطاءٌ نحويَّةٌ ليسَت قليلَةً. • على النسخة بعضُ الهوامش والتعليقاتِ، لم أُثبِتها. • كتب متنُ الدليل باللون الأحمر؛ تمييزًا له عن الشرح. • النسخة عليها تملُّكُ الشيخِ عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد اللطيف، ثمَّ تملّكُ عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد العزيز العبد اللطيف الباهلي. نسأل اللَّه التوفيقَ والسدادَ والإخلاصَ في القولِ والعملِ. * * *

стр. 20

المنهج في تحقيق الكتاب أمَّا بالنَّسبَةِ لمتن "دليل الطالب" فقد اعتمدتُ النسخةَ التي قُمتُ بتحقيقِها في مجلَّدٍ واحدٍ، تولَّت "دار التوحيد للنشر" طباعتَه ونشرَه. وأما "شرح دليل الطالب" فقد اتبعتُ في تحقيقِه الخطواتِ التالية: ١ - تمَّ نسخُ الشرحِ من واقِع النسخَةِ الأصليَّةِ. ٢ - قابَلتُ المنسوخَ معَ أصلِ المخطوطَةِ، للتأكّدِ من سلامَةِ النَّسخِ. ٣ - قابَلتُ ما نقَلَه المصنفُ على مصادِرِ النقلِ. وقد أكثَرَ النقلَ من كُتبِ مُتأخِّري الأصحابِ، خُصوصًا شرحَي الشيخِ مَنصور على "المنتهى" و"الإقناع"، مما يسَّر علىَّ قراءةَ المخطوطِ، وتصويب الأخطاء الواردَةِ فيه، وفقًا لمصدر النقل. ٤ - وثَّقتُ النقولَ للمراجع التي نَقلَ عنها المصنِّفُ مُباشرةً في الغَالِب، دونَ ما نقلَ عنه بواسِطةٍ، بذكِرِ المرجعِ حسَب المطبوع من مصادر النقل. ٥ - صحَّحتُ الأخطاءَ النحويَّةَ والتصحيفَاتِ الواردَةَ في المخطوط، مُعتَمِدًا على مَصادِر النقل، دونَ الإشارةِ لذلك، رغبةً في اختصارِ الهوامش. ٦ - علَّقتُ على ما رأيتُه يحتاجُ لتعليقي فيما يتعلَّقُ بمسائلِ العقيدَةِ بعبارةٍ موجَزَةٍ ونقلٍ لطيفٍ. ٧ - علَّقتُ على بعضِ العبارات المبهمة - وهو قليل - لتقريبِ المرادِ، بعبارَةٍ موجزَةٍ.

стр. 21

٨ - عرَّفتُ باختصار ببعضِ الكلماتِ الغريبة، معتمدًا كتبَ المعاجِمِ وغيرِها. ٩ - وضعتُ علاماتِ الترقيمِ والفواصلِ حسبَ الإمكان. ١٠ - تمييزُ مَتنِ الدليلِ عن الشرحِ بوضعِه يينَ قَوسَين هِلاليَّين وجعلِه بخطٍّ عريضٍ. ١١ - عزوتُ الأحاديثَ وآثارَ الصحابةِ إلى مخرِّجيها على وجهِ الاختصار، واعتنيتُ بذكرِ أحكامِ الشيخ ناصر الدين الألباني، على ما لم يكُن في الصحيحين أو أحدِهما. هذا، وأسأل اللَّه أن يجعله عملًا مباركًا، وأن ينفع به الإسلام وأهله، وأن يجعله سبًا للفوز برضوانه، والحمد للَّه أولًا وآخرًا، وصلى اللَّه على نبينا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا. وكتبه أحمَد بن عَبد العزيز الجمّاز ١/ ٣/ ١٤٣٦ هـ شقراء - السعودية

стр. 22

نماذج من صور المخطوط

стр. 23

الصفحة الأولى من النسخة الأصل

стр. 24

الصفحة الثانية من النسخة الأصل

стр. 25

الصفحة الأخيرة من النسخة الأصل

стр. 26

شَرحُ دَليلِ الطَّالبِ لِنَيْلِ المطَالِبِ تَأليفُ الشَّيخ عَبد الله بنِ أحمد بن يحيى المَقدِسِيِّ ١٠٩١ هـ تحقِيقُ أحمَد بن عَبد العزيز الجمّاز

стр. 27

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال العبدُ الفقيرُ إلى اللَّه تعالى مَرعيُّ بن يوسفَ الحَنبليَّ المقدسيُّ: الحمدُ للَّهِ (الحمدُ) (١): هو الثناءُ باللِّسانِ على قصْدِ التعظيمِ، سواءٌ تعلَّقَ بالنعْمةِ أو بغيرِها. والشكْرُ: فعلٌ يُنبئُ عن تَعظيمِ المُنعِمِ، لكونِهِ مُنعِمًا، سواءٌ كان باللسانِ، أو بالجنانِ، أو بالأركانِ. فمَورِدُ الحمدِ هو: اللِّسانُ وحدَهُ. ومُتَعلَّقهُ: النعْمةُ وغيرُها. والشكْرُ يَعمُّ اللِّسانَ وغيرَهُ. ومُتعلَّقُهُ: النعْمةُ فقطْ. فالحمدُ أعمُّ (٢) مِن الشُّكرِ باعتبارِ المتعلَّقِ، وأخصُّ باعتبارِ المورِدِ. وعكسُه (٣) الشكْرُ. فبينَهُما عمومٌ وخصوصٌ من وجهٍ، لأنهما يجتمعانِ في مادةٍ، وهو الثناءُ باللِّسانِ في مقابلةِ الإحسانِ. ويفترقانِ في صدْقِ الحمدِ فقطْ على الوصْفِ بالعلمِ والشجاعةِ، وصِدقِ الشّكْرِ فقطْ على الثناءِ بالجنانِ أو الأرْكانِ في مقابلةِ الإحسانِ. وقيلَ: الحمدُ أعمُّ من الشكْرِ. وقيل: هما سواءٌ. والألفُ واللَّامُ فيه للعمومِ، أي: يَستَحِقُّ المحامدَ كلَّها. واخْتُلِفَ في اشتقاقِهِ، فقال النضرُ بنُ شميلٍ: هو مشتقٌّ من "الحمدةِ" وهي: شِدَّةُ لهبِ النارِ. وقال ابنُ الأنباريِّ: هو مقلوبٌ من المدحِ من قولِهِمْ: ما أطيبَهُ، وأيطبَهُ.

стр. 28

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (للَّهِ): اسمٌ للذَّاتِ الواجبِ الوجودِ، المستحقِّ لجميعِ المحامدِ. ولهذا لم يَقلْ: الحمدُ للخالقِ والرازقِ، مما يوهِمُ اختصاصَ استحقاقِهِ الحمد (١) بوصفٍ دونَ وصفٍ. وذهبَ الخليلُ بنُ أحمدَ، وأبو حنيفةَ: أنه ليس بمُشْتقِّ (٢). وذهبَ آخرون - وحكاه سيبَوَيْه عن الخليلِ - إلى خلافِهِ. فقيلَ: هو من أَلَهَ - بالفتح - إلاهةً. أي: عَبدَ عِبادَةً. والمعنى: أنَّه مسْتحقٌّ للعبادةِ دونَ غيرِها. وقال المُبَرِّدُ: هو منْ قولِ العربِ: أَلِهْتُ إلى فُلانٍ. أي: سَكنْتُ إليه. وأصلُهُ: إلهٌ، لقولِهِ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾ [الزّخرُف: ٨٤] فأُدْخِلَتْ عليه الألف واللَّامُ، فصارَ: الإلَهَ. ثمَّ أُلقيتْ حركةُ الهمزةِ على لامِ التعريفِ، ثمَّ سكِّنَتْ، وأُدْغمتْ في اللَّامِ الثانيةِ، فصارَ: اللَّه. ثمَّ فُخِّمَ، إجلالًا له وتعظيمًا، فقيلَ: الله (٣). واخْتيرَ لفظُ الجلالةِ دون بقيةِ الأسماءِ، لأنه اسمُ اللهِ الأعظمِ، عند أكثرِ أهلِ العلمِ، وللإشارةِ إلى أنَّه تعالى كما يستحقُّ الحمدَ لصفاتِهِ، يستحقُّهُ لذاتِهِ. ولم يعطفْ جملةَ الحمدِ على جملةِ البسملةِ، إيذانًا بأنَّ (٤) كلًّا من الجملتينِ مستقلٌّ بأداءِ المقصودِ. وأخَّرَها عنها، اقتداءً بكتابِ اللهِ تعالى، حيثُ قدِّمتْ فيه

стр. 29

ربِّ العالمين، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللَّه وحدَه لا شريكَ له، مالكُ يومِ الدينِ. وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه البسْملةُ على الحمدَلَةِ. (ربِّ): وهو لُغةً: السيِّدُ والمالكُ والمعبودُ. وهو اسمُ فاعلٍ حُذِفَتْ أَلِفُهُ، كما قيل: بارٌّ و: بَرٌّ. (العالمينَ) جمعُ عالمْ - بفتْحِ اللَّامِ - ومدْلُولُهُ: على ما سوى اللهِ تعالى. وتخصيصُهُ بذِي الروحِ، أو بالناسِ، أو بالثقلينِ، أو الملائكةِ، أو بالثلاثةِ مع الشيطانِ، أو بني آدمَ، أو بأهلِ (١) الجنَّةِ والنَّارِ، أو بالرجحانِ، يحتاجُ إلى دليلٍ ونقلٍ عن المتقدمينَ. (وأشهدُ): أي: أعلمُ. (أنْ لا إِلَهَ) أي: لا معْبودَ بحقٍّ في الوجودِ (إلَّا اللهُ، وحدَهُ) في ذاتِهِ، فلا نظيرَ لَهُ، ولا شريكَ لَهُ في ملكِهِ، ولا معينَ لَهُ في فعلِهِ (لا شرِيكَ له) أي: لا مشاركَ لَهُ في مُلكِهِ. (مالكُ يومِ) وهو ما بينَ طلوعِ الشمسِ وغروبها. والمرادُ: مُطلقُ الوقتِ (الدِّينِ) هو يومُ الجزاءِ من خيرٍ وشرٍّ. سُمِّيَ بِهِ يومُ القيامةِ: لأنَّه محلُّ المجازاةِ؛ أو لأنَّهُ لا ينفعُ فيه إلا الدِّينُ الحقُّ. (وأشهدُ) أي: أعلمُ (أنَّ محمَّدًا): علَمٌ منقولٌ من اسمِ مفعولٍ، موضوعٌ لكثرَةِ خصاله الحميدةِ. سُمِّيَ بِهِ؛ إلهامٌ مِن اللهِ تعالى لجدِّهِ عبدِ المطَّلبِ، على وفْقِ

стр. 30

ورسوُله، المبيِّنُ لأحكامِ شرائعِ الدِّين، الفائزُ "بمُنتَهى الإرادَات" من ربِّه، فمَنْ تمسَّك بشَريعتِه، فهوَ من الفَائزين، صلى اللَّه وسلم عليه وعلى جَميعِ الأنبياءِ والمرسلين، تسميتِهِ تعالى لهُ بِهِ قبلَ الخلقِ بألفي عامٍ على ما وردَ (١). (عبْدُهُ) قدَّمه امتثالًا لما في الحديثِ الصحيحِ (٢): "ولكنْ قولوا: عبدُهُ ورسولُهُ" ولأنَّه أحبّ الأسماءِ إلى اللهِ تعالى. (ورسولُهُ) يُعلَمُ منه: أنَّ بينهما عمومًا وخصوصًا. (المُبَيِّنُ) أي: المُوَضِّحُ (لأحكامِ): جمعُ حُكْمٍ (شرائعِ الدِّينِ): جمعُ شريعةٍ، وهي لغةً: مَشْرعَةُ الماءِ، أي: مَوْردُ الشاربِ. واصطلاحًا: وضعٌ إلهي سائقٌ لذوي العقولِ باختيارِهِم المحمودِ، إلى ما يُصلِحُهم في مَعاشِهم ومعادِهم. والإضافةُ في الدِّينِ: بيانيَّة، كما عُلِمَ من تفسيرِ الشريعةِ (٣) بما ذكرَ. ويُطلقُ الدِّينُ على العادةِ، والسيرةِ، والحسابِ، والقهرِ، والقضاءِ، والحكمِ، والطاعةِ، والجزاءِ، والبرِّ. (الفائزُ بمنتهَى الإراداتِ) أي: بعَليِّ المطالبِ. وفيه براعةُ استهلالٍ؛ لأنَّهُ مختصرٌ منْهُ (مِن رَبِّه) أي: مالِكِهِ. فمَنْ تمسَّكَ بشريعتِهِ فهو من الفائِزِينَ الفَرِحينَ. ﷺ وهي مِن اللهِ: رحمةٌ، ومن الملائكةِ: استغفارٌ، ومن النَّاسِ: الدعاءُ. والسَّلامُ بمعنى: السَّلامةِ من كلِّ آفةٍ ونقصٍ. (وعلى جميعِ الأنبياءِ والمرْسَلينَ) وهو: إنسانٌ حرٌّ ذكرٌ من بني آدمَ، أُوحِيَ

стр. 31

وعلى آلِ كلٍّ وصحبِه أجمعين. إليه بشرعٍ، وأُمِرَ بتبليغِهِ، وذاكَ الرسولُ، وهو أخصُّ من النبىِّ، فإنَّهُ: إنسانٌ حرٌّ ذكرٌ من بني آدمَ، أُوحِيَ إليه بشرع، ولم يُؤْمَرْ بتبليغِهِ. وهم: أي: الرسُلُ: ثلاثمائةٍ وثلاثةَ عشَرَ. وقيل: أربعةَ عشَرَ. وقيل: غيرُ ذلك. (وعلى آلِ كلٍّ) وهم أتْباعُهُ على دينِهِ، على المشهورِ. وأصلُه: أوَل. تحرَّكَتْ الواوُ وانفتَحَ ما قبلَها وقُلبتْ ألِفًا، قاله الكسائي لسماعِهِ تصغيرَهُ على أُوَيْل. أو: أهْل. قُلِبتْ الهاءُ همزةً، ثمَّ الهمزةُ ألفًا، قالَهُ سيْبَوَيْه، لتصغيرِهِ على أُهيْل. (وصحبِهِ أجمعينَ): اسمُ جَمْعٍ لصاحِبٍ، بمعنى: الصحابي. وهو: مَنِ اجتمعَ بالنبيِّ ﷺ اجتماعًا متعارَفًا (١) في يقظةٍ، أو لقيَه، أو رآه بعد البعثةِ مؤمنًا. وتَبطُلُ صحبتُهُ بردَّتِهِ إنْ ماتَ عليها، كسائرِ أعمالِهِ. والمرادُ باللُّقِي: المتعارَفُ بالأبدَانِ، وهو يشملُ لُقيَّ البصيرِ والأعمى كابنِ أمِّ مكتومٍ، وغيرِ المميزِ كعبدِ اللَّهِ بنِ الحارثِ، فإنَّه جِيءَ به إلى النبيِّ ﷺ ، فحنَّكَهُ. واحتُرِزَ بـ "يَقظة": عمَّن رآهُ منامًا. وبقولِهم: "حيًّا": عمَّن رآه ميتًا، كأبي ذئبٍ الشاعرِ، خالدِ بنِ خويلدِ الهذليِّ، فإنَّه لما أسلَمَ وأُخْبرَ بمرضِهِ ﷺ ، فسافرَ ليراه، فوجدَهُ ميِّتًا. وبقولِهم: "مسلمًا": عمَّنْ اجتمعَ به قبلَ النَّبوةِ ولمْ يرَهُ بعدَ ذلك، كزيدِ بنِ عمرٍو، فإنَّه ماتَ قبلَ البعثَةِ، ومَنْ رآه وهو كافرٌ ثمَّ أسلَمَ بعد موتِه. وبقولهم: "ولو ارتد": عمَّن ارتدَّ في زمنِه ﷺ أو بعدَ موتِه، أو قُتِلَ على الردَّةِ، كابنِ خَطَلٍ وغيرِهِ. ويدخلُ فيه: مَنْ ارتدَّ ثمَّ رجعَ إلى الإسلامِ وماتَ مسلمًا؛

стр. 32

وبعدُ: كالأشعثِ بنِ قيسٍ. وقولِهم: "ولو جنيًّا": يدخلُ فيه مَنْ لَقيَ النبىَّ ﷺ من الجنِّ (١) الذين قدِموا عليه من نَصيبَين، وأسلموا، وهم تسعةٌ أو سبعةٌ (٢) من اليهودِ. وعطفُ الأصحابِ على الآلِ الشاملِ لبَعضِهم، يَشملُ الصَّلاةَ والسَّلامَ على (٣) باقيهم فهو من عطفِ الخاصِّ على العامِّ (٤). ويجوزُ الصَّلاةُ على غيرِ الأنبياءِ استقلالًا من غيرِ كراهيةٍ. رويَ أنَّ عليًّا قال لعُمرَ: صلى اللهُ عليكَ. (وبعدُ): كلمةٌ يؤتى بها للانتقالِ من أسلوبٍ إلى أسلوبٍ آخرَ، اقتداءً بفعلِه ﷺ في خُطَبِهِ ومراسلاتِهِ. وتُبنى على الضمِّ، حيث حُذِفَ المضافُ إليه، ونُوِىَ معناه. وأجازَ الفَرَّاءُ النصبَ مع التنوينِ، والرفعَ معه. وأجازَ ابن (٥) هشامٍ فتحَ الدالِ، وأنكرَه النحَّاسُ. وأوَّلُ مَنْ أتى بها: قيل: داودُ ﵇، وأنه فصلُ الخطابِ الذي أُوتيه. وقيل: يعقوبُ ﵇، لما روي في "غريبِ مالك": أنه لما جاءَه الموتُ، قال من جملةِ كلامِهِ: أمَّا بعدُ، فإنا أهلَ بيتٍ موكَّلٌ بنَا البلاءُ. وقيل: يعربُ بنُ قحطانَ.

стр. 33

فهذا مختصرٌ فى الفقه وقيل: كعبُ بنُ لُؤىٍّ. وقيل: قُسُّ بنُ ساعدةَ. قال ابنُ حجرٍ (١): والأوَّلُ أشْبَهُ. ونجمعُ بينه وبين غيرِهِ بأنَّ الأوَّلَ هو الأولُ بالنسبةِ إلى الأوليةِ المحضةِ، والبقيةَ بالنسبةِ إلى العرب (٢) خاصَّةً، ثم يُجمعُ بينهم بالنسبةِ إلى القبائلِ. (فهذا مختصرٌ) وهو: ما قلَّ لفظُهُ، وكثُرَ معناه (في الفقهِ) وهو لغةً: الفهمُ. أي: إدراكُ معنى الكلامِ. واصطلاحًا: معرفةُ الأحكامِ الشرعيةِ الفرعيةِ بالفعلِ، أو بالقوةِ القريبةِ. هكذا حدَّه بعمق أصحابِنا. واحترزَ بـ"معرفةِ الأحكامِ": عن مَعرفةِ الذواتِ، كزيدٍ وعمرٍو. وبـ"الشرعيةِ": عن معرفةِ الأحكامِ غيرِ الشرعيةِ، كاللغويةِ، وسائرِ العلومِ غيرِ الأصوليةِ. وبـ" الفرعيةِ": عن الأصوليةِ، كأصولِ الدينِ، وأصولِ الفقهِ، والأحكامِ العقليةِ، كنسبةِ الشيء إلى غيرِهِ إيجابًا كـ: قامَ زيدٌ. أو سلبًا كـ: لمْ يقُمْ. والحكمُ الشرعيُّ: مدلولُ خطابِ الشرعِ. والمرادُ بقولِهم: بالفعلِ، أي: بالاستدلالِ. وبالقوةِ القريبةِ، أي: من الفعلِ المتهيئ، لمعرفتِها بالاستدلالِ. وموضوعُه: أفعالُ المكلفين؛ من حيثُ عروضُ الأحكامِ لها. واستمدادُه: من الكتابِ، والسنةِ، والإجماعِ، والقياسِ.

стр. 34

على المذهبِ وفائدتُه: امتثالُ أوامرِ اللهِ واجتنابُ نواهيه: المحصِّلان للفوائدِ الدنيويةِ والأخرويةِ. (على مذهبِ) (١) المذهبُ في الأصلِ يصلُحُ للمكانِ والزمانِ، والمصدرِ، ثم نُقِلَ لما قاله المجتهدُ بدليلٍ، وماتَ قائلًا به. قال ابنُ مفلحٍ في "أصوله": مذهبُ الإنسانِ: ما قاله، أو جرى مجراه من تنبيهٍ أو غيرِهِ. "فائدةٌ": اعلمْ أن الإمامَ أحمدَ رحمه اللَّه تعالى، لم يؤلِّفْ كتابًا مستقلًّا في الفقهِ، وإنَّما أُخِذَ مذهبُهُ من أجوبتِهِ، وتآليفِه في غيرِ الفقهِ، ومن أقوالِهِ وأفعالِهِ. والمقيسُ على كلامِه: مَذهبُهُ في الأصحِّ. وما أجاب فيه بكتابٍ أو سنةٍ أو إجماعٍ، أو قولِ بعضِ الصحابةِ، فهو مذهبِه، لأنَّ قولَ الصحاليِّ حجةٌ عنده على الأصحِّ. وما رواه من سنةٍ أو أثرٍ وصحَّحه أو حسَّنه، أو رضيَ سندَه، أو دوَّنه في كتبه ولم ردَّه، ولم يُفْتِ بخلافِهِ، فهو مذهبُهُ في الأصحِّ. اختاره الأكثرُ. وإذا قال قولًا بدليلٍ، ثم آخرَ بخلاف الأوَّلِ، فالثاني مذهبُهُ. اختارَه في التمهيد" و"الروضة" و"العمدة" وغيرهن. وقدَّمه في "الرعاية" وغيرها. فإذا نُقل عنه قولانِ صريحانِ مختلفانِ في وقتين، وتعذرَ الجمعُ بينهما، فإن عُلِمَ تاريخُهما فالثاني مذهبُهُ، وإلا فأقربهما من الكتابِ والسنةِ، أو الأثرِ وقواعدِه، أو مقاصدِه، أو أدلتِه. فإن وافقَ أحدُ قوليه مذهبَ غيرِه، فما الأولى؟ قال في "الرعاية": يحتملُ جهين. قال في "الإنصاف": قلت: الأوْلى ما وافقَه. انتهى. وإن أمكن الجمعُ بحملِ عامٍّ على خاصٍّ، أو مطلقٍ على مقيدٍ، فكلٌّ منهما

стр. 35

الأحمدِ مذهبِ الإمامِ أحمدَ، مذهبُه على الأصحِّ، فيُعمَلُ بكل في محلِّه. (الأحمدِ) أي: الأرضى للَّه تعالى. (مذهبِ الامامِ أحمدَ) أي: الطريقةِ المنسوبةِ إليه. وهو: أبو عبدِ اللهِ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ حنبلِ بنِ هلالِ بنِ أسدِ بنِ إدريسِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ حيَّانِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أنسِ بنِ عوفِ بنِ قاسطِ بنِ مازنِ بنِ شيبانَ بنِ ذُهلِ بنِ ثعلبةَ (١) بنِ عُكابةَ بنِ صعبِ بنِ علىٍّ بنِ بكرِ بنِ وائلِ بنِ قاسطِ بنِ هِنْبِ (٢) - بكسر الهاء وسكون النون، ثم باء موحدة - بنِ أفصى - بالفاء والصاد المهملة - بنِ دُعْمِي بنِ جَديلة بنِ أسدِ بنِ ربيعةَ بنِ نزارِ بنِ معدِّ بنِ عدنان المَرْوزيّ البغداديُّ. ذكرَه الخطيبُ، والبيهقىُّ، وابنُ عساكرَ، وابنُ طاهرٍ. الشيبانىُّ؛ نسبةً لجدِّه شَيبان المذكور، رضي اللَّه تعالى عنه. حملتْ به أمُّه بمَرْو، وولدَ ببغدادَ في ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ أربعٍ وستين ومائةٍ. ودخلَ مكةَ والمدينةَ، والشامَ واليمنَ، والكوفةَ والبصرةَ والجزيرةَ، وتوفي ببغدادَ يومَ الجمعةِ ثاني عشر (٣) ربيعٍ الأولِ. والمشهورُ: الآخِر. وجزمَ به في "شرحِ الأصلِ" (٤) للمصنِّفِ عن ابنِهِ عبدِ اللهِ، سَنةَ إحدى وأربعينَ ومائتين، عن سبعٍ وسبعينَ سنةً. وأسلَمَ يومَ موتِهِ: عشرون ألفًا من اليهودِ والنصارى والمجوسِ. وفضائلُه كثيرةٌ، ومناقبُه شهيرةٌ.

стр. 36

بالغتُ فىِ إيضاحه؛ رجاءَ الغفران، وبيَّنتُ فيه الأحكامَ أحسنَ بيان، لم أذكُرْ فيه إلَّا ما جزم بصحته أهلُ التصحيح والعِرفان، وعليه الفتوى فيما بينَ أهلِ الترجيح والإتقان، وسمَّيتهُ بـ"دليل الطالب لنيل المطالب". واللَّهَ أسألُ أن ينفع به من اشتغل به، وأن يرحَمَني والمسلمين، إنَّه أرحمُ الراحمين. من مصنفاتِهِ: "المسندُ" ثلاثون ألف حديثٍ. و"التفسيرُ" مائةٌ وخمسون ألفًا. و"الناسخُ والمنسوخُ"، و"التاريخُ"، و"المقدَّمُ والمؤَخَّرُ في كتابِ اللهِ"، و"جواباتُ القرآنِ"، و "المناسكُ الكبيرُ" و"الصغيرُ" (١). (بالغتُ في إيضاحِهِ) أي: بيانِهِ (رجاءَ الغُفْرانِ، وبينتُ) أي: وضَّحَّتُ فيه. (الأحكامَ) جمعُ حكمٍ (أحسنَ بيانٍ. لم أذكرْ فيه إلا ما جزمَ بصحتِهِ أهلُ التصحيحِ والعرفانِ) وهم العلماءُ (وعليه الفتوى فيما بينَ أهلِ الترجيحِ والإتقانِ). (وسمَّيتُه) أي: جَعلتُ عليه هذا الاسمَ عَلَمًا (بدليلِ الطالبِ). أي: المُرشدِ (لنيلِ المطالِبِ) أي: المقاصدِ (واللهَ أسألُ أن ينفعَ به من اشتغلَ به، وأن يرحَمَني) وأن يغفرَ لي (والمسلمين، إنه أرحمُ الراحمين). * * *

стр. 37

كِتَابُ الطهارةِ وهي: رفعُ الحدثِ، (كتابٌ) هو خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، أو مفعولٌ لفعلٍ محذوفٍ، كـ: "اقرأ". أي: هذا مكتوبٌ جامعٌ لمسائلِ الطهارةِ وما يتعلقُ بها. ومُسمَّى الكتب والتراجم؛ أبدَى السيد الجُرْجاني، ﵀، سَبعَ احتمالاتٍ. المختارُ منها: أنها اسمٌ للألفاظِ باعتبارِ دلالتِها على المعاني. والكتبُ في الأصلِ مشتقَّةٌ من الكَتْبِ، وهو الجَمعُ، يقالُ: تَكتَّبتُ بنو فلان، إذا اجتمَعوا. ومِن الكتابةِ، لاجتماعِ الحروفِ. فإن قيل: الكتابُ مصدرٌ كالكتبِ، فلا اشتقاقَ؟ أُجيبَ: بأن الكتابَ مصدرٌ مزيدٌّ، والكتبُ مصدرٌ مجردٌ. وقد ذكرَ السعدُ التفتازانيُّ وغيرُه: أن المصدرَ المزيدَ مشتقٌّ من المجردِ. وأيضًا: الكتابُ الواقعُ في استعمالِ الفقهاءِ: إما بمعنى اسمِ الفاعلِ، أو اسمِ المفعولِ، فالحكمُ عليه بالاشتقاقِ بهذا الاعتبارِ. أو المراد بقولهم: مشتقٌّ. أي: مأخوذٌ، لا الاشتقاقَ المعهودَ. (الطهارةُ) مصدرُ طهُرَ - بضم الهاء - ولا يتعدَّى إلا بالتضعيف. وطَهَرَ - بفتح الهاء - مصدرُه: الطُّهر، بضم الطاء. وهو لغةً: النظافةُ والنزاهةُ عن الأقذارِ. وشرعًا: ما ذكرَه المصنِّفُ بقولِهِ: (وهي رفعُ الحدثِ). أي: زوالُ الوصفِ المقتَضِي للمنعِ من الصَّلاةِ ونحوها، بفعلِ الوضوءِ والغُسلِ. قال في "المغني" (١): إنَّما سُمِّيَ الوضوءُ أو الغسلُ طهارةً، لكونِه ينقِّي الذنوبَ

стр. 38

وزوالُ الخَبَثِ. والآثامَ، كما وردَ في الأخبارِ. فإن قيل: غَسلُ الميِّتِ ليس عن حدثٍ؟ أُجيبَ: بأنه أمرٌ تعبديٌّ، ولهذا قال في الأصلِ: وما في معناه. (وزوالُ الخبثِ). أي: النجاسةِ. والخبثُ لغةً: ما استقْذَرَهُ الطبعُ السليمُ. بابُ المياهِ بابُ الشيءِ: ما يُتوصلُ به إليه، كبابِ الدَّارِ. فبابُ المياهِ: ما يُتوصلُ به إلى الوقوفِ على مسائِلِها. وقد يُطلقُ على الصِّنفِ، فيقالُ: أبوابٌ مبوبةٌ. أي: أصنافٌ مصنَّفةٌ. وأصلُ باب: بَوَب، لقولهم في الجمع: أبوابٌ، لكن تحرَّكتِ الواو، وانفتحَ ما قبلها، فقلِبتْ ألفًا، فصار بابًا. والمياهُ: جمعُ ماءٍ. وساغَ جمعُهُ باعتبارِ ما تنوعَ إليه شرعًا. الماء: جوهرٌ بسيطٌ لطيفٌ سيَّال بطبعِهِ. والمرادُ بالبسيطِ: ما لمْ (١) يتركبْ من أجزاءٍ مختلفةِ الطبائعِ، كالعناصرِ الأربعةِ. وخرجَ به: ما تركَّبَ منها. وبلطيف: الكثيفُ كالترابِ. وبسيَّال: نحوُ الهواء. وبطبعِه: بقيةُ المائعاتِ، فإنها تسيلُ بالمعالجةِ. وله لونٌ على المشهورِ، لا أنه لا لونَ له، وإنما يتلونُ بلونِ إنائِهِ. وإنما جُمِعَ جمعَ كثرةٍ، وهو لما فوقَ العشَرةِ -وهلَّا جُمِع جمعَ قِلَّة فقيل: الأمواه. مع أن أنواعه ثلاثةٌ؟ - لوجهين: أحدُهما: أنَّ فِعال بالكسر عند الكوفيين،

стр. 39

وأقسامُ الماءِ ثلاثةٌ: أحدُها: طَهُورٌ وهو الباقي على خِلْقَتِه، يرفعُ الحدثَ، ويُزيلُ الخبثَ. جمع قلةٍ. والثاني: أنه جُمِعَ كذلك، لكثرةِ ما في الدنيا منه. واستدلَّ بعضُهم على أنَّ له لونًا بقوله ﵊ في الحوضِ: "أشدّ بياضًا من اللبنِ" (١). ذكرَهُ ابنُ هُبيرةَ. (وأقسامُ الماءِ ثلاثة) لأنَّه إمَّا أن يجوزَ به الوضوءُ، أو لا. والأولُ: طَهورٌ. والثاني: إمَّا أن يجوزَ شزبُه أو لا. والأولُ: طاهِرٌ. والثاني: نجِسٌ. (أحدُها: طَهور) بفتح الطاء، وأمَّا بضمِّها، فالمصدرُ. قاله اليَزيديُّ. وحُكي فَتحُهما وضمُّهما. وهو أشرفُ الأنواعِ، ولذلك قدَّمه، ولأنه المقصودُ. قال ثعلبٌ: طَهورٌ - بفتح الطاء -: الطاهِرُ في ذاتِهِ، المُطهِّرُ لغيرِه. (وهو) أي: الماءُ الطهورُ: (الباقي على خِلقَتِهِ) أي: على الخلقةِ التي خُلِقَ عليها، وهي الطَّهوريةُ، بأن لم يطرأْ عليه وصف يقيَّدُ به فيخرجُه عن الإطلاقِ. وهو: ماءُ البحرِ، وما نزل (٢) من السماءِ، أو نبعَ من الأرضِ، وذوبُ الثلجِ والبرَدِ. (يرفعُ) وحده (الحَدَثَ) نَصَّ عليه. وهو: ما أوجبَ وُضوءًا أو غسلًا. وهو اسمٌ للخارِجِ مطلقًا. ويطلقُ أيضًا على المعنى القائمِ بالبدنِ المقتضي للمَنعِ من الصَّلاةِ ونحوِها. (ويُزيلُ الخَبَثَ) عطفٌ على قولِهِ: "يرفعُ الحدثَ" والخبثُ لغةً: ما يُستقذرُ.

стр. 40

وهو أربعةُ أنواعٍ: ماءٌ يحرم استعمالُه، ولا يرفعُ الحدثَ ويزيلُ الخبثَ، وهو ما ليس مُباحًا. وماءٌ يرفعُ حدثَ الأنثى لا الرجلِ البالغِ والخُنثى، وهو ما خلتْ به المرأةُ المكلفةُ لطهارةٍ كاملةٍ عن حدثٍ. وشرعًا: كلُّ مُستقذَرٍ يمنعُ صحةَ الصَّلاةِ، حيثُ لا مُرخِّصَ؛ مخفَّفًا، أو متوسِّطًا، أو مُغلَّظًا، كبولِ صبيٍّ لم يأكلِ الطعامَ لشهوةٍ، وكنجاسةٍ من غير كلبٍ وخنزيرٍ وهو مُغلَّظًا. (وهو) أي: الماء (أربعةُ أنواعٍ): (ماءٌ يحرمُ استعمالُه، ولا يرفعُ الحدثَ) مطلقًا (ويزيلُ الخبثَ. وهو ما ليس مباحًا) قال المصنِّفُ: سواءٌ استعملَه ناسيًا أو جاهلًا. "فائدة": قال في "المُبْدعِ" (١): واختلفَ الأصحابُ: لو سبَّلَ ماءً للشرب، هل يجوزُ الوضوءُ منه مع الكراهةِ، أو يحرمُ؟ على وجهين. وقيل: يكرهُ الغسلُ لا الوضوء. اختاره الشيخ تقي الدين. وظاهرُ كلامِهم: لا يُكرهُ ما جرى على الكعبة، وصرَّح به غيرُ واحدٍ. وصحَّح في "الإقناع" (٢): لا يجوزُ الوضوءُ بالماءِ المسبَّلِ. (وماءٌ يرفعُ حدثَ الأنثى، لا الرجلِ البالغِ) وقيل: وصَبيٍّ (والخُنثَى) إلحاقًا له بالرَّجُلِ احتياطًا (وهو: ما خَلَتْ به المرأةُ المكلَّفةُ) ولو كافِرةً. لا المميِّزَةُ (لطَهارَةٍ) لا لشُربٍ ونحوِه (كامَلَةٍ) وقيل: أو بَعْضِها (عن حَدَثٍ) لا عَن خَبَثٍ، أو طُهْرٍ مُستحبِّ. وأن يكونَ خُلُّوهَا بالماءِ كخَلَوةِ نكاحٍ. فيزولُ حُكمُ الخَلْوةِ
следующие страницы →