← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 803

شرح دليل الطالب - عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

Полный текст (1 686 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بالغتُ فىِ إيضاحه؛ رجاءَ الغفران، وبيَّنتُ فيه الأحكامَ أحسنَ بيان، لم أذكُرْ فيه إلَّا ما جزم بصحته أهلُ التصحيح والعِرفان، وعليه الفتوى فيما بينَ أهلِ الترجيح والإتقان، وسمَّيتهُ بـ"دليل الطالب لنيل المطالب". واللَّهَ أسألُ أن ينفع به من اشتغل به، وأن يرحَمَني والمسلمين، إنَّه أرحمُ الراحمين. من مصنفاتِهِ: "المسندُ" ثلاثون ألف حديثٍ. و"التفسيرُ" مائةٌ وخمسون ألفًا. و"الناسخُ والمنسوخُ"، و"التاريخُ"، و"المقدَّمُ والمؤَخَّرُ في كتابِ اللهِ"، و"جواباتُ القرآنِ"، و "المناسكُ الكبيرُ" و"الصغيرُ" (١). (بالغتُ في إيضاحِهِ) أي: بيانِهِ (رجاءَ الغُفْرانِ، وبينتُ) أي: وضَّحَّتُ فيه. (الأحكامَ) جمعُ حكمٍ (أحسنَ بيانٍ. لم أذكرْ فيه إلا ما جزمَ بصحتِهِ أهلُ التصحيحِ والعرفانِ) وهم العلماءُ (وعليه الفتوى فيما بينَ أهلِ الترجيحِ والإتقانِ). (وسمَّيتُه) أي: جَعلتُ عليه هذا الاسمَ عَلَمًا (بدليلِ الطالبِ). أي: المُرشدِ (لنيلِ المطالِبِ) أي: المقاصدِ (واللهَ أسألُ أن ينفعَ به من اشتغلَ به، وأن يرحَمَني) وأن يغفرَ لي (والمسلمين، إنه أرحمُ الراحمين). * * *

стр. 37

كِتَابُ الطهارةِ وهي: رفعُ الحدثِ، (كتابٌ) هو خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، أو مفعولٌ لفعلٍ محذوفٍ، كـ: "اقرأ". أي: هذا مكتوبٌ جامعٌ لمسائلِ الطهارةِ وما يتعلقُ بها. ومُسمَّى الكتب والتراجم؛ أبدَى السيد الجُرْجاني، ﵀، سَبعَ احتمالاتٍ. المختارُ منها: أنها اسمٌ للألفاظِ باعتبارِ دلالتِها على المعاني. والكتبُ في الأصلِ مشتقَّةٌ من الكَتْبِ، وهو الجَمعُ، يقالُ: تَكتَّبتُ بنو فلان، إذا اجتمَعوا. ومِن الكتابةِ، لاجتماعِ الحروفِ. فإن قيل: الكتابُ مصدرٌ كالكتبِ، فلا اشتقاقَ؟ أُجيبَ: بأن الكتابَ مصدرٌ مزيدٌّ، والكتبُ مصدرٌ مجردٌ. وقد ذكرَ السعدُ التفتازانيُّ وغيرُه: أن المصدرَ المزيدَ مشتقٌّ من المجردِ. وأيضًا: الكتابُ الواقعُ في استعمالِ الفقهاءِ: إما بمعنى اسمِ الفاعلِ، أو اسمِ المفعولِ، فالحكمُ عليه بالاشتقاقِ بهذا الاعتبارِ. أو المراد بقولهم: مشتقٌّ. أي: مأخوذٌ، لا الاشتقاقَ المعهودَ. (الطهارةُ) مصدرُ طهُرَ - بضم الهاء - ولا يتعدَّى إلا بالتضعيف. وطَهَرَ - بفتح الهاء - مصدرُه: الطُّهر، بضم الطاء. وهو لغةً: النظافةُ والنزاهةُ عن الأقذارِ. وشرعًا: ما ذكرَه المصنِّفُ بقولِهِ: (وهي رفعُ الحدثِ). أي: زوالُ الوصفِ المقتَضِي للمنعِ من الصَّلاةِ ونحوها، بفعلِ الوضوءِ والغُسلِ. قال في "المغني" (١): إنَّما سُمِّيَ الوضوءُ أو الغسلُ طهارةً، لكونِه ينقِّي الذنوبَ

стр. 38

وزوالُ الخَبَثِ. والآثامَ، كما وردَ في الأخبارِ. فإن قيل: غَسلُ الميِّتِ ليس عن حدثٍ؟ أُجيبَ: بأنه أمرٌ تعبديٌّ، ولهذا قال في الأصلِ: وما في معناه. (وزوالُ الخبثِ). أي: النجاسةِ. والخبثُ لغةً: ما استقْذَرَهُ الطبعُ السليمُ. بابُ المياهِ بابُ الشيءِ: ما يُتوصلُ به إليه، كبابِ الدَّارِ. فبابُ المياهِ: ما يُتوصلُ به إلى الوقوفِ على مسائِلِها. وقد يُطلقُ على الصِّنفِ، فيقالُ: أبوابٌ مبوبةٌ. أي: أصنافٌ مصنَّفةٌ. وأصلُ باب: بَوَب، لقولهم في الجمع: أبوابٌ، لكن تحرَّكتِ الواو، وانفتحَ ما قبلها، فقلِبتْ ألفًا، فصار بابًا. والمياهُ: جمعُ ماءٍ. وساغَ جمعُهُ باعتبارِ ما تنوعَ إليه شرعًا. الماء: جوهرٌ بسيطٌ لطيفٌ سيَّال بطبعِهِ. والمرادُ بالبسيطِ: ما لمْ (١) يتركبْ من أجزاءٍ مختلفةِ الطبائعِ، كالعناصرِ الأربعةِ. وخرجَ به: ما تركَّبَ منها. وبلطيف: الكثيفُ كالترابِ. وبسيَّال: نحوُ الهواء. وبطبعِه: بقيةُ المائعاتِ، فإنها تسيلُ بالمعالجةِ. وله لونٌ على المشهورِ، لا أنه لا لونَ له، وإنما يتلونُ بلونِ إنائِهِ. وإنما جُمِعَ جمعَ كثرةٍ، وهو لما فوقَ العشَرةِ -وهلَّا جُمِع جمعَ قِلَّة فقيل: الأمواه. مع أن أنواعه ثلاثةٌ؟ - لوجهين: أحدُهما: أنَّ فِعال بالكسر عند الكوفيين،

стр. 39

وأقسامُ الماءِ ثلاثةٌ: أحدُها: طَهُورٌ وهو الباقي على خِلْقَتِه، يرفعُ الحدثَ، ويُزيلُ الخبثَ. جمع قلةٍ. والثاني: أنه جُمِعَ كذلك، لكثرةِ ما في الدنيا منه. واستدلَّ بعضُهم على أنَّ له لونًا بقوله ﵊ في الحوضِ: "أشدّ بياضًا من اللبنِ" (١). ذكرَهُ ابنُ هُبيرةَ. (وأقسامُ الماءِ ثلاثة) لأنَّه إمَّا أن يجوزَ به الوضوءُ، أو لا. والأولُ: طَهورٌ. والثاني: إمَّا أن يجوزَ شزبُه أو لا. والأولُ: طاهِرٌ. والثاني: نجِسٌ. (أحدُها: طَهور) بفتح الطاء، وأمَّا بضمِّها، فالمصدرُ. قاله اليَزيديُّ. وحُكي فَتحُهما وضمُّهما. وهو أشرفُ الأنواعِ، ولذلك قدَّمه، ولأنه المقصودُ. قال ثعلبٌ: طَهورٌ - بفتح الطاء -: الطاهِرُ في ذاتِهِ، المُطهِّرُ لغيرِه. (وهو) أي: الماءُ الطهورُ: (الباقي على خِلقَتِهِ) أي: على الخلقةِ التي خُلِقَ عليها، وهي الطَّهوريةُ، بأن لم يطرأْ عليه وصف يقيَّدُ به فيخرجُه عن الإطلاقِ. وهو: ماءُ البحرِ، وما نزل (٢) من السماءِ، أو نبعَ من الأرضِ، وذوبُ الثلجِ والبرَدِ. (يرفعُ) وحده (الحَدَثَ) نَصَّ عليه. وهو: ما أوجبَ وُضوءًا أو غسلًا. وهو اسمٌ للخارِجِ مطلقًا. ويطلقُ أيضًا على المعنى القائمِ بالبدنِ المقتضي للمَنعِ من الصَّلاةِ ونحوِها. (ويُزيلُ الخَبَثَ) عطفٌ على قولِهِ: "يرفعُ الحدثَ" والخبثُ لغةً: ما يُستقذرُ.

стр. 40

وهو أربعةُ أنواعٍ: ماءٌ يحرم استعمالُه، ولا يرفعُ الحدثَ ويزيلُ الخبثَ، وهو ما ليس مُباحًا. وماءٌ يرفعُ حدثَ الأنثى لا الرجلِ البالغِ والخُنثى، وهو ما خلتْ به المرأةُ المكلفةُ لطهارةٍ كاملةٍ عن حدثٍ. وشرعًا: كلُّ مُستقذَرٍ يمنعُ صحةَ الصَّلاةِ، حيثُ لا مُرخِّصَ؛ مخفَّفًا، أو متوسِّطًا، أو مُغلَّظًا، كبولِ صبيٍّ لم يأكلِ الطعامَ لشهوةٍ، وكنجاسةٍ من غير كلبٍ وخنزيرٍ وهو مُغلَّظًا. (وهو) أي: الماء (أربعةُ أنواعٍ): (ماءٌ يحرمُ استعمالُه، ولا يرفعُ الحدثَ) مطلقًا (ويزيلُ الخبثَ. وهو ما ليس مباحًا) قال المصنِّفُ: سواءٌ استعملَه ناسيًا أو جاهلًا. "فائدة": قال في "المُبْدعِ" (١): واختلفَ الأصحابُ: لو سبَّلَ ماءً للشرب، هل يجوزُ الوضوءُ منه مع الكراهةِ، أو يحرمُ؟ على وجهين. وقيل: يكرهُ الغسلُ لا الوضوء. اختاره الشيخ تقي الدين. وظاهرُ كلامِهم: لا يُكرهُ ما جرى على الكعبة، وصرَّح به غيرُ واحدٍ. وصحَّح في "الإقناع" (٢): لا يجوزُ الوضوءُ بالماءِ المسبَّلِ. (وماءٌ يرفعُ حدثَ الأنثى، لا الرجلِ البالغِ) وقيل: وصَبيٍّ (والخُنثَى) إلحاقًا له بالرَّجُلِ احتياطًا (وهو: ما خَلَتْ به المرأةُ المكلَّفةُ) ولو كافِرةً. لا المميِّزَةُ (لطَهارَةٍ) لا لشُربٍ ونحوِه (كامَلَةٍ) وقيل: أو بَعْضِها (عن حَدَثٍ) لا عَن خَبَثٍ، أو طُهْرٍ مُستحبِّ. وأن يكونَ خُلُّوهَا بالماءِ كخَلَوةِ نكاحٍ. فيزولُ حُكمُ الخَلْوةِ

стр. 41

وماءٌ يكره استعمالهُ معَ عدمِ الاحتياجِ إليه، وهو ماغ بئرٍ بمقبَرَةٍ، وماءٌ اشتدَّ حرُّه أو بردُه، بمشاهَدةِ مميِّزٍ وكافِرٍ وامرأةٍ، لحديثِ: "نهى النبىِّ ﷺ أن يَتوضَّأَ الرجلُ بفَضلِ طهورِ المرأةِ". رواه الخمسةُ (١). وهو أمرٌ تعبديٌّ لا يُعْقلُ معناه. "فائدةٌ": قال في "الإنصاف" (٢): وظاهرُ ما تقدَّمَ: أنها إذا خلتْ بالترابِ للتَّيمُّمِ، لا تؤثرُ خلوتُها. وهو المذهبُ. وفيه احتمالٌ: أنَّ حُكمَه حكمُ الماءِ. وظاهِرُه أيضًا: أنه لا تأثيرَ لذلك في إزالةِ الخبثِ به في حقِّ الرجلِ. وهو المذهبُ. وظاهرُه أيضًا: أنه لا تأثيرَ لخَلْوةِ الخُنثى المُشكِلِ بالماءِ القليلِ للطهارةِ. وهو المذهَبُ. وفيه وجهٌ: أنَّه كالمرأةِ. (وماءٌ (٣) يُكرَه استعمالُه مع عدمِ الاحتياجِ إليه، وهو: ماءُ بئرٍ بمقبَرةٍ) بتثليث الباء مع فتح الميم. وبفتح الباء مع كسر الميم. أي: يُكره استعمالُ مائِها. وظاهرُ كلامِ الإمامِ: مطلقًا، في أكلٍ وشربٍ وطهارةٍ وغيرِها. وكذا بئرٌ بغَصبٍ، أو أجرةُ حَفرِهَا غَصبٌ. وكذا ما ظُنَّتْ نجاستُه. قال في "الفروع" في بابِ الأطعمةِ: وكَرِه أحمدُ ماءَ بئرٍ بينَ القبورِ، وشوكَها، وبقلَها. (وماءٌ اشتدَّ حرُّه أو برْدُه) قاله ابنُ عبدوس (٤) في "تذكرته"؛ لأذاه ومنعِه كَمَالَ

стр. 42

أو سُخن بنجاسةِ، أو سُخِّن بمغصُوبٍ، أو استُعمِل في طهارةٍ لم تجب، أو في غُسلِ كافرٍ، أو تغيَّر بمِلحٍ مائيِّ، أو بما لا يُمازِجُه كتغيُّرِه بالعودِ القَماريِّ، الطهارةِ (أو سُخِّنَ بنجاسَةٍ) ويُكره ماءٌ سُخِّنَ بنجاسَةٍ، ظُنَّ وصولُهَا إليه أو احتُمِلَ، أو لا، حصينًا كان الحائِلُ أو غَيرَ حَصينٍ، ولو بَرَدَ. ويُكره إيقادُ النَّجِسِ. وإنْ عَلِمَ وصولَ النجاسةِ إليه، وكان يَسيرًا، فنَجِسٌ. وعنه: لا يكره. اختارَه الشريفُ وابنُ عقيلٍ، وصحَّحه الأزْجىُّ. ومحلُّ كراهتِهِ: إن لمْ يُحتَجْ إليه؛ لأنَّ كراهتَهُ من طريقِ الورَعِ، ومعَ الحاجةِ إليه يتعيَّنُ وجوبُ استعمالِهِ. (أو سُخِّنَ بمغصُوبٍ) ونحوِه كمسروقٍ، أو ثمنُه محرَّمٌ. ذكره في "الرعاية" (أو اسْتُعمِلَ في طهارةٍ لم تجبْ) كتجديدِ وضوءٍ، أو غُسلٍ مسنونٍ، والغَسلَةِ الثانيةِ والثالثةِ في الوضوءِ أو الغُسلِ الواجِبين، حيثُ تمَّتْ الأُولى. (أو في غُسْلِ كافرٍ) لأنَّه لم يرفعْ حدثًا (١)، ولم يُزِلْ نجَسًا. والكافرُ - ولو شملَ الذميَّةَ التي تغتسلُ من الحيضِ والنفاسِ؛ لحلِّ وطئهِا لزوجِها المسلمِ - لا يَسلبُه الطهوريَّةَ؛ لأن الكافرَ ليس من أهلِ النيةِ؛ لأنَّه غُسل مُبيحٌ لا رافِعٌ. (أو تغيَّرَ بمِلحٍ مائيٍّ) أي: أصلُه الماءُ؛ لأنَّه منعقدٌ من الماءِ، بخلافِ المعدنيِّ، فيسلبُه الطهوريَّةَ (أو بما لا يمازِجُه) أي: يخالِطُه (كتغيُّرِهِ بالعُودِ القَماريِّ) بفتح القَاف؛ نِسبةً إلى قَمَار: بَلدَة بالهندِ. وقال في "المطلع": بكَسرِ القاف. إذا كان

стр. 43

وقِطَعِ الكافُورِ، والدُّهن. قِطَعًا، ولم يتغيَّرِ الماءُ بتحلُّلِ أجزاءٍ منه فيه. قال صاحبُ "الرعايةِ": وإن دُقَّ أو طُحِنَ طحنًا (١) ناعِمًا، أو انماع (٢) فيه، فهو كزَعفَرَانٍ، وخَل (وقِطَعِ الكافُورِ) لأنَّ فيه دُهنيَّةً يتغيَّرُ بها الماءُ. ووجهُ الكراهةِ: أن القياسَ: تغيُّرُ الماءِ بالطاهِرِ يَسلبُه الطهوريَّةَ. لكنْ لمَّا كان هذا التغيُّرُ عن مجاورةٍ، لا عن ممازجةٍ اغتُفِرَ. قال شارحُ الأصلِ (٣): وفي معناه: ما تَغيَّرَ بالقَطِرَانِ والزِّفتِ والشَّمعِ؛ لأنَّ فيه دُهنيةً يتغيرُ بها الماءُ. إذا كان قِطعًا: احترزَ به عن المسحوقِ، فإنه يَسلبُ الماءَ طَهوريتَهُ، لتحلُّلِ أجزائه فيه واختلاطِهِ به. (والدُّهنِ) أي: مِن زيتٍ ونحوِه، على اختلافِ أنواعِهِ. قال الجدُّ الشهابُ: وظاهرُ كلامِهم: سواءٌ كان مُطيَّبًا أو لا. وقيَّده بعضُ الشافعيةِ بكونِه غيرَ مُطيَّبٍ. وهو قويٌّ. انتهى. قال ابنُ نصرِ اللهِ: الإطلاقُ يقتَضي أنَّه لا فرقَ بين تغيرِ اللَّونِ والطعمِ والرائحةِ. وفي تغيُّرِ اللَّونِ والطعمِ من غيرِ تمازجِهِ نظرٌ!. وقال ابنُ قُندسٍ: وعلَّلوه بأنَّه تغيرُ مجاورةٍ لا مخالطةٍ، فلم يغيرْ. وهذا التعليلُ إنَّما يصحُّ إذا غيَّرَ ريحَه فقط. قاله في "حاشية المحرر". وقال في "حاشيةِ

стр. 44

ولا يكره ماءُ زمزمَ إلا في إزالةِ الخَبَثِ. وماءٌ لا يكره، كماءِ البحرِ، والآبارِ، والعيونِ، والأنهار، والحمَّام، والمسخَّنِ بالشَّمسِ، الفروعِ" (١): يمكنُ أن يقالَ بالفرقِ بين الدُّهنِ وقطعِ الكافورِ؛ لتحللِ الأجزاءِ من الثاني دون الأوَّلِ. (ولا يُكرَهُ ماءُ زمزمَ) أي: ولا يُكرهُ الوضوءُ به، ولا الغُسلُ؛ لأنَّه ﵇ وأصحابُه توضَّئوا منه (٢). ويُقاسُ عليه: الغُسلُ. وأما قولُ العباسِ (٣): لا أُحِلُّها لمغتَسلٍ. محمولٌ على مَن يُضيِّقُ بالاغتِسالِ به على الشُّرَّابِ عنه؛ للكثرةِ (٤) والزحامِ. وقال النوويُّ (٥): ما يقالُ عن العباسِ من النهيِّ عن الاغتسالِ من ماءِ زمزمَ، ليس بصحيحٍ. "فائدةٌ": لا يُكرهُ ما جرى على الكعبةِ، في ظاهرِ كلامِهم، قالَه في "الإقناعِ" (٦). ويُكرهُ ماءُ زمزمَ في إزالةِ الخبثِ، وإليه أشارَ بقولِهِ: (إلَّا في إزالةِ الخبثِ) تعظيمًا له. وقيلَ: يحرمُ (وماءٌ لا يُكرهُ، كماءِ البحرِ، والآبارِ، والعيونِ، والأنهارِ، والحمَّامِ، والمسخَّنِ بالشمسِ) سواءٌ كان في قِطرٍ حارٍّ أو باردٍ، وسواءٌ سخنَ قصدًا أو اتفاقًا، وسواءٌ كان في إناءٍ صغيرٍ ونحوِه أو لا. وما حُكِيَ أنَّه يورثُ البرصَ، غيرُ صحيحٍ عن

стр. 45

والمتغيِّرِ بطُولِ المُكْثِ أو بالرِّيح من نحو ميتةٍ، أو بما يشُقُّ صونُ الماءِ عنه كطُحْلُبٍ، وورقِ شجرٍ، ما لم يوضَعا. أهلِ الطبِّ. وأما الحديثُ (١): "فإنه يورثُ البرصَ" فقالَ الدارقطنىُّ: يرويه خالدُ بن إسماعيلَ، وهو متروكُ الحديثِ. (والمتغيرِ بطولِ المُكثِ) في أرضٍ، أوآنيةٍ من أَدَمٍ أو نحاسٍ أو غيرِها؛ لمشقَّةِ الاحترازِ منه. ورُوي أنه ﷺ : "توضأَ من بئرٍ كأنَّ ماءَه نُقاعةُ الحنَّاءِ" (٢). (أو بالريحِ) بسبَبِ حَملِها الرائحَةَ الخبيثةَ إلى الماءِ، فيتروَّحُ بها؛ للمشقَّةِ (مِن نحوِ ميتةٍ) ولو نجِسَةً. (أو ما يَشقُّ (٣) صونُ الماءِ عنه، كطُحْلُب) بضمِّ الطاءِ وفتحِها: خُضرَةٌ تعلو الماءَ الراكدَ بسببِ الشمسِ غالبًا. (ووَرقِ شجرِ (٤)) لمشقَّةِ الاحترازِ عنه. سقَطَ فيه بغَيرِ فعلِ آدميٍّ. وكذا ما نَبَتَ في الماءِ، والسمكُ ونحوُه، والجرادُ ونحوُه، وما تلْقيه الرياحُ والسيولُ، وما تغيرَ بممرِّه أو مقرِّه، كمعدنِ كِبريتٍ أو نحوِه، فكلّه غيرُ مكروهٍ. قال الشيخُ تقىُّ الدينِ رحمَه اللهُ تعالى: تخصيصُ ورقِ الشجرِ، مفهومُه: أنَّه لو وقعَتْ ثمارُ الأشجارِ في الماءِ أنَّه يسلبُه الطهوريَّة، قولًا واحدًا، فإنه لا يشقُّ التحرُّزُ من ذلك. وقَلَّ ما يوجدُ من الثمارِ على حافاتِ الأنهارِ. (مَا لَمْ يوضعَا) أي: عن قَصدٍ.

стр. 46

الثاني: طاهرٌ يجوز استعمالُه في غيرِ رفعِ الحدثِ وزوالِ الخبثِ، وهو ما تغيَّر كثيرٌ مِنْ لونِه، أو طعمِه، أو ريحه بشيءٍ طاهرٍ، القسمُ (الثاني) مِن أنواعِ المياهِ: (طاهرٌ) غيرُ مطهِّرٍ. وحكْمُهُ: أنه يجوزُ استعمالُهُ في العاداتِ دونَ العباداتِ. فيجوزُ شرْبُهُ والطبخُ والعجْنُ ونحوُ ذلك، ولا يرفعُ حدثًا، ولا يزيلُ خبثًا، ولا يُستعملُ في طهارةٍ مندوبةٍ. (يجوزُ استعمالُهُ في غيرِ رفعِ الحدثِ وزوالِ الخبَثِ) أي: كلِّ مُستَقْذَرٍ. (وهو) أي: الطاهرُ (ما تغيَّرَ كثيرٌ مِن لونِهِ، أو طعمِهِ، أو ريحِهِ، بشيءٍ طاهرٍ) من غيرِ جنسِ الماءِ، لا يشقُّ صونُ الماءِ عنه، سواءٌ بطبخٍ فيه، كمَرَقِ الباقِلاءِ أو الحمِّصِ ونحوِه، أو لم يطبخْ، كما لو سقَطَ فيه زَعفَرانٌ أو نحوُه فتغيَّرَ به؛ لأنَّه زالَ إطلاقُ اسمِ الماءِ عنه، وزالَ عنه أيضًا معنى (١) الماءِ؛ لأنَّه صارَ لا يُطلبُ شرْبُه. وعنه: ما تغيَّرَ أحدُ أوصافِه بغيرِ طبخٍ، باقٍ على طهوريتِهِ. ورُدَّ: بأنه تغيرَ بممازجٍ طاهرٍ يمكنُ صونُه عنه، أشبَهَ المتغيرَ بالطبخِ. وعنه: أنه يرفعُ الحدثَ مع عدمِ غيرِه. وعُلمَ منه: أنَّ ما تغيرَ جميعُ أوصافِهِ، أو كلُّ صفةٍ منها بطاهرٍ، أو غلبَ عليه، طاهرٌ بالاُولى. وأنَّ يسيرَ صفةٍ لا يسلبُه الطهوريَّةَ؛ لحديثِ أحمدَ، والنسائيِّ (٢)، عن أمِّ هانئٍ: أنه ﵇ اغتسلَ هو وزوجتُه ميمونةُ، من قَصعةٍ فيها أثرُ العجينِ.

стр. 47

فإن زال تغيُّره بنفسه عاد إلى طَهوريَّته. ومن الطاهرِ: ما كان قليلًا واستُعمل في رفعِ حدثٍ، (فإنْ زالَ تغيُّرُه بنَفسِه، عادَ إلى طَهوريَّتِه. ومِن الطاهرِ: ما كان قليلًا، واستُعمِلَ في رفعِ حدثٍ) أكبرَ أو أصغرَ. قال في "الفروعِ": اختارَه الأكثر (١). ودليلُه: قولُه ﷺ : "لا يغتسلْ أحدُكم في الماءِ الدائمِ وهو جنبٌ" رواه مسلمٌ (٢). وعنه (٣): أنه باقٍ على طهوريتهِ. اختارَه ابنُ عقيلٍ، وأبو البقاءِ، والشيخُ تقيُّ الدينِ. ولا يَصيرُ مُستعملًا إلَّا بانفِصَالِه، أي: بأوَّلِ جُزءٍ انفصَلَ. فعلى هذا: هو طهورٌ قبل انفصالِ جزءٍ من المنغمسِ فيه. وكذا يَسلبُه الطهوريَّةَ اغترافُه بيدِه أو فمِه، أو وضعُ رجلِه أو غيرِها في قليلٍ بعدَ نيةِ غُسلٍ واجِبٍ، لا اغترافُه بيدِه لوضوءٍ، ولو بعدَ غسلِ وجهِهِ. وهو المذهبُ. لمشقَّةِ تكررِهِ. ما لمْ ينوِ غسلَها فيه. قال في "الإنصافِ" (٤): ويصيرُ الماءُ مستعملًا في الطَّهارَتَين بانتقالِه من عضوٍ إلى آخرَ بعدَ زوالِ اتصالِهِ، لا بتردُّدِهِ على الأعضاءِ المتَّصلةِ، على الصحيحِ. ولا يُشترطُ نيةُ الاغترافِ عندَ محلِّ غسلِ الواجبِ، خلافًا للشافعيَّةِ. واحتُرِزَ به عن الكثيرِ المستعملِ في رفعِ الحدثِ، فإنَّه طهورٌ.

стр. 48

أو انغمسَتْ فيه كلُّ يدِ المسلمِ المكلَّف، النائمِ ليلًا نومًا ينقض الوضوءَ، قَبلَ غسلِها ثلاثًا (أو انغمسَتْ فيه) أي: في الماءِ القليلِ (كُلُّ يدِ المسلمِ المكلَّفِ، النائمِ ليلًا، نومًا ينقضُ الوضوءَ، قبلَ غسلِها ثلاثًا) هو مَعطوفٌ على قولِهِ: "قليلًا واستُعمِلَ (١) " فلا يَسلبُه غَمسُ بعضِها فيه. والمرادُ باليدِ هنا: إلى الكُوعِ؛ لأنَّه المفهومُ عندَ الإطلاقِ في لغةِ العربِ. والإجماعُ على ذلك في قولِه تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. ولم يفرَّقْ بين كونِ اليدِ نوى غسلَها بالغمسِ أو الحصولِ، أو لا؛ لعمومِ الخبرِ. وقوله (٢): "ثلاثًا" فلا يَكفِي مرَّةً، أو مرَّتَين. وخُصَّ الحكمُ بالمسلمِ المكلَّفِ؛ لأنَّ الصحابةَ المكلَّفين همُ المخاطبون بذلك. وبنومِ الليلِ: من قولِه: "باتت" والمبيتُ لا يكونُ إلَّا بالليلِ. وخُصَّ النومُ بما ينقضُ؛ لأنَّ غيرَهُ لا أثرَ لَهُ. والأصلُ في ذلك حديثُ: "إذا استيقظَ أحدُكم من نومِهِ فليغسلْ يديه قبلَ أن يُدخِلَها في الإناءِ ثلاثًا، فإنَّ أحدَكم لا يدري أين باتتْ يدُهُ". رواه الشيخان (٣)، إلَّا أنَّ البخاريَّ لمْ يذكرْ "ثلاثًا". والمرادُ بالليلِ: إلى طلوعِ الفَجرِ. وخُصَّ الحكمُ بنومِ الليلِ؛ لأنَّه يطولُ، فيكونُ احتمال إصابةِ النجاسةِ.

стр. 49

بنيةٍ، وتسميةٍ، وذلك واجبٌ. (بنيةٍ وتَسميةٍ، وذلك) أي: النيةُ والتسميةُ (واجِبٌ) وهو تَعبُّديٌّ. ولو باتتْ مكتوفةً، أو بجِرابٍ - بكسرِ الجيمِ - ونحوِه ككيسٍ صفيق (١). ولا يفرَّقُ بين المطْلَقةِ والمشدودةِ بنحو جِرابٍ؛ لعمومِ الخبرِ، ولأنَّ الحكمَ إذا عُلِّقَ (٢) على المظنَّةِ، لمْ تُعتَبر حقيقةُ الحكمةِ، كالعِدَّةِ لاستبراءِ الرحمِ من الصغيرةِ والآيسةِ. ويُستَعملُ الماءُ الذي غُمسَ فيه كلَّ اليدِ في الوضوءِ والغُسلِ، وإزالةِ النجاسةِ. وكذا ما غَسَلَ به ذكرَه وأنثييه؛ لخروجِ مذي - إن لمْ يوجدْ غيرُه؛ لقوةِ الخلافِ. والقائلون بطهوريتِه أكثرُ من القائلين بسلبِها، مع تيممٍ وجوبًا؛ لأنَّ الحدثَ لمْ يرتفعْ؛ لكونِ الماءِ غيرَ طهورٍ. فإن تركَ استعمالَه أو التيممَ بلا عذرٍ، أعادَ ما صلَّى به؛ لتركِهِ الواجبَ عليه، وإنْ كانَ لعذرٍ، فلا، كما يُعلمُ من كلامِهم فيما يأتي. ولا أثرَ في غمسِها في مائعٍ طاهرٍ، لكن يُكرَهُ غمسُها في مائعٍ، وأكلُ شيءٍ رطبٍ بها. قاله في "المبدعِ" (٣). ولو استيقظَ محبوسٌ من نومِه فلا يدري: أهو نومُ ليلٍ أو نهارٍ؟ لمْ يجبْ غسلُهما. فعلى هذا: لا يُسلبُ الماءُ الطهوريَّةَ بغمسِ يدِه فيه. ويُستعملُ الماءُ الذي غُمسَ فيه يدُ النائمِ من نومِ الليلِ في نحوِ أكلٍ وشربٍ. وظاهرُ كلامِ صاحبِ الأصلِ (٤): أنَّه يجوزُ تقديمُ استعمالِهِ على التيممِ

стр. 50

الثالثُ: نجسٌ يحرمُ استعمالُه إلَّا لضرورةٍ، ولا يرفعُ الحدثَ، ولا يُزيلُ الخبثَ، وهو ما وقعت فيه نجاسةٌ وهو قليلٌ، أو كان كثيرًا وتغيَّر بها أحدُ أوصافِه. فإن زال تغيُّره بنفسه، وعكسُه. وفي "الإقناع" (١): استعملَه ثمَّ تيمَّمَ. وطهورٌ منعَ منه لخَلْوةِ المرأةِ المكلَّفةِ لطهارةٍ كاملةٍ عن حدثٍ أولى بالاستعمالِ، معَ عدمِ غيرِه، من هذا الماءِ؛ لبقاءِ طهوريَّتِه، ويَتيمَّمُ بعدَ استعمالِ هذا الماءِ. (الثالثُ) من أنواعِ المياهِ: (نجسٌ) بتثليثِ الجيمِ، وسكونِها، وهو ضِدُّ الطاهرِ. ولا يجوزُ استعمالُه إلَّا لضرورةٍ، كلُقمَةٍ غَصَّ بها وليس عندَه طهورٌ ولا طاهرٌ، أو لعَطشِ معصومٍ من آدميٍّ وبهيمةٍ، سواءٌ كانتْ تؤكلُ أو لا، ولكنْ لا تُحلَبُ قَريبًا، أو لطفءِ حريقٍ مُتلِفٍ، أو لبَلِّ الترابِ وجعلِه طينًا يُطيَّنُ به ما لا يُصلَّى عليه، لا نحوَ مسجدٍ (٢). وهو لغةً: الشَّيءُ المستقذرُ (يحرمُ استعمالُه) مع عدمِ الضرورةِ. (ولا يرفعُ الحدثَ، ولا يُزيلُ الخبثَ، وهو ما وقعَتْ فيه نجاسَةٌ وهو قَليلٌ، أو كان كثيرًا) إجماعًا، حكاه ابنُ المنذرِ (وتغيَّرَ بها أحدُ أوصافِهِ) من لونِهِ، أو طعمِهِ، أو ريحِهِ، عن ممازجةٍ أو مجاورةٍ؛ تغيُرًا يسيرًا أو كثيرًا. (فإنْ زالَ تغيرُه بنفسِه) أي: بلا وضعِ شيءٍ فيه من ترابٍ، أو مسكٍ، أو جامدٍ، أو مائعٍ، أو غيرٍ ذلك، فإنَّه لا يَطهُرُ بذلك.

стр. 51

أو بإضافة طَهورٍ إليه، أو بنزحٍ منه ويبقى بعده كثيرٌ، طهُر. والكثيرُ قُلَّتانِ: تقريبًا، (أو بإضافةِ طَهورٍ إليه، أو بنَزحٍ منه، ويبقَى بعدَهُ كثيرٌ) وهو قُلَّتانِ فصاعدًا (طَهُرَ) يعني: أنَّ الماءَ المنزوحَ الذي زَالَ تغيُّرُ الماءِ بنَزحِهِ، وبَقيَ بعدَهُ قُلَّتانِ فأكثرُ، طَهورٌ، بشَرطِ زوالِ التغيُّرِ منه، وأن يكونَ قُلَّتين فأكثرَ، أو زالَ تغيُّرُه بإضافةِ كَثيرٍ إليه. "تنبيهٌ": قال ابنُ نصرِ اللهِ: تطهيرُ الماءِ النجسِ على خلافِ القياسِ من وجهين: أحدُهما: أنَّ شرطَ التطهيرِ أن يكونَ بمطهِّرٍ ينفَصِلُ عن المحلِّ، وهذا لا يشترط فيه ذلك الثاني: أن جميع المائعات لا يُطهَّرُ نَجِسُهَا، وهذا مائعٌ، فقياسُه: أنَّ لا يُتصوَّرَ تَطهيرُه. انتهى. (والكثيرُ: قُلَّتان تَقريبًا) أي: لا تحديدًا، فلا يضرُّ نقصٌ يسيرٌ، كرِطلٍ عراقيٍّ أو رِطلَين. يتفرَّعُ على ذلك: أنه لو وقعَتْ نجاسةٌ في ماءٍ قدرُه (١) قلتان فقط، فغرفَ منه بإناءٍ، فالذي في الإناءِ طهورٌ، والباقي نجسٌ، إن قلنا: القُلَّتان تحديدًا؛ لأنَّه ماءٌ يسيرٌ فيه نجاسةٌ. وإن قلنا بالتَّقريبِ، لمْ ينجسْ، إلا أن يكونَ الإناءُ كبيرًا يُخرِجُه عن التقريبِ. وإن ارتفعَتْ النجاسةُ في الإناءِ، فالماءُ الذي في الإناءِ نجسٌ، والباقي طهورٌ (٢).

стр. 52

واليسير: ما دونهما. وهما خُمسمائِة رِطلٍ بالعراقيِّ، وثمانون رِطلًا وسُبُعانِ ونصفُ سُبع رطلٍ بالقُدسيِّ، "بقلال هَجَر" (١): قال في "القاموسِ": قَريةٌ كانت قُربَ المدينةِ، إليها تُنسبُ القِلالُ. والقُلَّةُ: الجرَّةُ العظيمةُ (٢)؛ لأنَّها تُقلُّ بالأيدي. أي: تُرفعُ بها. وهَجَر: بفتحِ الهاءِ والجيمِ. (واليسيرُ: ما دونَهما) أي: دونَ القلَّتين. (وهما) أي: القلَّتان: (خمسمائةُ رطلٍ بالعراقيِّ)، بفتحِ الراءِ وكسرِها. قال في "الإنصاف" (٣): وهو المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. ووجهُ المذهبِ: ما روَى ابنُ جريجٍ قال: رأيتُ قِلالَ هجرَ، فرأيتُ القُلَّةَ تسَعُ قِربتين، أو قربتين وشيئًا. والقِربةُ: مائةُ رطلٍ بالعراقيِّ، باتفاقِ القائلين بتحديدِ الماءِ بالقِرَبِ، والاحتياطُ أن يُجعَلَ الشيءُ نِصفًا. فكانت القلتان بما ذكرْنا: خمسمائةِ رطلٍ بالعراقيِّ، (وثمانون رطلًا وسُبعانِ ونصفُ سُبعِ رطلٍ بالقدسيِّ) وما وافقَه في قدرِهِ كالنابلسيِّ والحمصيِّ. وأربعمائةٌ وستةٌ وأربعون رطلًا، وثلاثةُ أسباعٍ رطلٍ مصريٍّ، وما وافقَه من البلدانِ كالمكيِّ، ومائةٌ وسبعةُ أرطالٍ، وسبعُ رطلٍ دمشقيٍّ، وما وافقَه، كالصَّفدي - ودِمَشق: بكسرِ الدالِ مع فتحِ الميمِ وكسرِها - وتسعةٌ وثمانون رطلًا، وسبعَا رطلٍ حلبيٍّ، وما وافقَه كالبيروتي.

стр. 53

ومساحتُهما ذِراعٌ وربعٌ طولًا وعرضًا وعمقًا. (ومساحتُهما) أي: مساحةُ ما يَسَعُ القُلَّتَينِ من الماءِ حَالَ كَونِهِ مُربَّعًا: (ذراعٌ وربعٌ؛ طولًا وعرضًا وعمقًا) قال في "التنقيحِ": قاله ابنُ حمدان وغيرُه. فإنْ قلتَ: ما المرادُ بالذراعِ؟ قال في "التنقيح": المرادُ: ذراعُ اليدِ. قاله القَمُوليُّ الشافعيُّ. قال في الأصلِ (١): فيسَعُ كلُّ قيراطٍ عشرةَ أرطالٍ وثُلثي رطلٍ عراقيٍّ. هذا في المربَّعِ. وطريقُ معرفةِ ذلك: أن تضربَ البسطَ في البسطِ، والمخرجَ في المخرجِ، وتقسمَ حاصلَ البسطِ على حاصلِ المخرجِ، يخرجُ ذرعُه، فتحفظُ قراريطَه، فتقسمُ عليها الخمسمائة، يخرجُ ما ذكرَ، فبسطُ الذراعِ والربع خمسةٌ، وقد تكرَّرَ ثلاثًا؛ طولًا وعرضًا وعمقًا، فإذا ضربتَ خمسةً في خمسةٍ، والحاصلَ في خمسةٍ، بلغَ مائةً وخمسة (٢) وعشرين، والمخرجُ أربعةٌ، وقد تكرَّرَ أيضًا ثلاثًا، فإذا ضَربت - كما تقدَّمَ - بلغَ أربعةً وستين، وهي سهامُ الذراعِ، فتقسم عليها الحاصلَ الأوَّلَ، يخرجُ ذراعٌ وسبعةُ أثمانِ ذراعٍ، وخمسةُ أثمانِ ثمنِ ذراعٍ. فإذا بسطت ذلك قراريطَ، وجدْتَهُ سبعةً وأربعين قِيراطًا إلَّا ثمنَ قيراطٍ، فاقسمْ عليها الخمسمائةَ، يخرجُ ما ذُكِرَ. قلتُ: ولم يذكرِ الشارحُ (٣) قِيراطَ المدوَّرِ، وذلك بأنْ تقسمَ قيراطَ الخمسمائةِ

стр. 54

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . على ستين، يحصلُ ثمانية وثلث، وذلك باعتبارِ تكرارِ الذراعِ. بيان ذلك: وهو أن تقسمَ البسطَ، وهو مائةٌ وخمسةٌ وعشرون على المخرجِ، وهو أربعةٌ وستون، فيخرجُ من الأربعةِ والستين واحدٌ، ويبقى من المائةِ والخمسةِ والعشرين واحد وستون (١). تنسبها لها، يخرجُ سبعةُ أثمانِ قيراطٍ، وخمسةُ أثمانِ ثمنِ قيراطٍ، فإذا بسطتها جعلت الواحد ذراعًا بأربعةٍ وعشرين قيراطًا، يبقَى من الأربعةِ والستين أحدٌ وستون بسبعةِ أثمانِ ذراعٍ، وخمسةُ أثمانِ ثمن ذراعٍ، فتحطها قراريطَ، تكونُ سبعةَ أثمانٍ بأحدٍ وعشرين قيراطًا؛ لأنَّ ثمنَ القيراطِ ثلاثةٌ في سبعةٍ، فتضمها إلى قراريط الذراعِ الأربعةِ والستين، تكونُ خمسةً وأربعين، وبقي معك خمسةُ أثمانِ الثمنِ، فثمنُ القيراطِ ثلاثةٌ في خمسةٍ بخمسةَ عشرَ، فتأخذُ منها ثمانيةً بواحدٍ، وتضمُّه إلى الخمسةِ والأربعين، فيصيرُ مجموعُها ستةً وأربعين، فاقسمْ عليها الخمسمائةَ، فيخرجُ لكلِّ واحدٍ من الستةِ وأربعين عشرةٌ، وبقيَ سبعةُ أثمانٍ، لو كانتْ ثمانيةً لحضها من الأربعين الباقيةِ من الخمسمائةِ، عشرةٌ، لكنها تعْجِزُ ثمنًا، وثمن واحدٍ وربعٍ، فمحضها ثمانيةٌ وثلاثةُ أرباعٍ، يبقَى من الأربعين ثلاثون وواحدٌ وربعٌ، فتأخذُ الثلاثين ويبقَى الواحدُ وربعٌ، وتأخذ من الستةِ والأربعين واحدًا، وتقسمُ الثلاثين على الخمسةِ والأربعين، يخرجُ ثلثان، وبقي معنا واحد من الستةِ والأربعين وسبعةُ أسباعٍ، فتجعلُ الواحدَ ثمانيةً، وتضمُّ إليه السبعة أسباعٍ، يصيرُ خمسةَ عشرَ، فتقسمُ عليها ما بقي من الثلاثين؛ وهو واحدٌ وربعٌ، فتجعلُ الواحدَ ثمانيةً، والربعُ اثنان، فتصيرُ عشرةً، تقسمُها على الخمسةَ عشرَ، يخرجُ أيضًا

стр. 55

فإذا كان الماءُ الطهورُ كثيرًا، ولم يتغيَّر بالنَّجاسة، فهو طَهورٌ ولو مع بقائها فيه، وإن شَكَّ في كثرته، فهو نجس. ثلثان، ومنها تصِحُّ. انتهى. (فإذا كان الماءُ الطهورُ كثيرًا، ولم يتغيَّرْ بالنجاسةِ، فهو طهورٌ) أي: فهو باقٍ على خِلْقَتِهِ التي خُلِقَ عليها. قال في "التنقيحِ": اختارَهُ أكثرُ المتأخرين، وهو أظهرُ. ولو مع قيامِ النجاسةِ فيه، ولم يتغيرْ بها، وإليه أشارَ بقولِهِ: (ولو مع بقائِها فيه) أي: في الماءِ الطهورِ (وإن شكَّ في كثرتِه، فهو نجسٌ) أي: كثرةِ (١) الماءِ. يعني: أنَّه لو سقطَ فيه نجاسةٌ، ولم تغيرْه، ولم يعلمْ: هل هو قَليلٌ أو كثيرٌ؟ يعملُ باليقينِ؛ وهو جعلُه قليلًا، فينجسُ الماءُ بما سقطَ فيه؛ لأنَّ الأصلَ نقصُ الماءِ. "فائدةٌ": ولا يلزمُه السؤالُ عن الماءِ. وكذا لو أصابَهُ ماءُ ميزابٍ، ولا أمارةَ تدلُّ على نجاستِهِ، فيُكرَهُ سؤالُهُ، ولا يلزمُ جوابُهُ. "فروع" (٢). لو استعملَ من ماءٍ فيه نجاسةٌ وظنَّه كثيرًا، فوجدَهُ قليلًا، فالأصلُ: القِلَّةُ. أو في نجاسةٍ، فالأصلُ: طهارتُهُ. أو في طهارتِهِ بعدَ العلمِ بنجاستِهِ، فالأصلُ: بقاؤُه عليها. فيُعملُ بالأصلِ في ذلك. قال في "الرعاية": ولو توضَّأَ في ماءٍ قليلٍ وصلَّى، ثمَّ وجدَ فيه نجاسةً، أو توضَّأَ من ماءٍ كثيرٍ، ثمَّ وجدَهُ متغيرًا بنجاسةٍ وشكَّ: هلْ كانَ قبلَ وضوئِهِ أو بعدَه، فالأصلُ: صحةُ طهارتِهِ وصلاتِهِ. وإن علِمَ ذلك قبلَ وضوئِهِ بأمارةٍ، أعادَ.

стр. 56

وإن اشتبه ما تجوز به الطهارةُ بما لا تجوز، لمْ يتَحرَّ، ويتيمَّم بلا إراقةٍ. ويلزمُ من عَلِمَ بنجاسةِ شيءٍ إعلامُ من أراد أن يستعملَه. (وإن اشتبَهَ ما تجوزُ به الطهارةُ بما لا تجوزُ، لمْ يتحرَّ). أي: لمْ ينظر أيُّهُما يَغلبُ على ظنِّه (ويتيمَّمُ بلا إراقةٍ)، أي: بلا إعدامٍ - خلافًا للخرقيِّ - لأنَّه غيرُ قادرٍ على استعمالِ الماءِ الذي تجوزُ به الطهارةُ، كمنْ عند بئرٍ لا يمكنُه وصولُ مائِهِ (ويلزمُ من عَلِمَ بنجاسةِ شيءٍ إعلامُ مَنْ أرادَ أن يستعملَهُ) أي مَنْ علِمَ بنجاسةٍ في مذهبِ المستعمِلِ. وظاهرُهُ: ولو كان يريدُ استعمالَهُ في غيرِ الطهارةِ كالشربِ، أو كان غيرَ الماءِ. وكذا يجبُ إعلامُ مَنْ أرادَ استعمالَ الحرامِ، كما في "الرعاية". * * *

стр. 57

بابُ الآنيةِ يُباحُ اتِّخاذُ كلِّ إناءٍ طاهرٍ، واستعمالُه، ولو ثمينًا، (بابُ الآنيةِ) البابُ: ما يُدخلُ منه إلى المقصودِ، ويُتوصلُ به إليه. وقد يُطلقُ على الضَّفِّ. أعقبَهُ للبابِ قبلَه؛ لأنَّ الماءَ لا يقومُ إلا بها. والآنيةُ: جمعُ إناءٍ، كالأوعيةِ: جمعُ وعاءٍ. وجمعُهما: أواني، وأواعي (١). وأصلُ أوانٍ: أآني؛ أُبدلتْ الهمزةُ الثانيةُ واوًا؛ كراهةَ اجتماعِ همزتين، كآدم وأوادم. (يباحُ اتخاذُ كلِّ إناءٍ طاهرٍ): مباحٌ اتخاذًا واستعمالًا (واستعمالُه، ولو) كان (ثمينًا) أي: كثيرَ الثمنِ، كالمتخَذِ من جوهرٍ وياقوتٍ وزُمُرُّدٍ؛ لعدمِ العلةِ التي لأجلِها حَرُمَ الذهبُ والفضةُ؛ لأنَّ هذه الجواهرَ لا يعرفُها إلا خواصُّ الناسِ، فلا تنكسرُ قلوبُ الفقراءِ؛ لأنَّهم لا يعرفونَهُ. ولا يحصلُ باتخاذِها تضييقٌ؛ لأنَّها لا يكونُ منها درهمٌ ولا دينارٌ. وأيضًا فلِقلَّتِها لا يحصلُ إتخاذُ آنيةٍ منها إلا نادرًا، ولو اتخذتْ كانتْ مصونةً لا تستعملُ غالبًا. قال في "شرح الأصل" للمصنِّفِ (٢): فلو جعلَ فصَّ خاتمٍ جوهرةً ثمينةً، جازَ. ولو جعلَه ذهبًا، لمْ يجزْ. وقولُه: "طاهرٍ" احترزَ به عن الآنيةِ النجسةِ، كالتي من جلودِ الميتةِ، وظفرِها وقرْنِها، وعصبِها وحافرِها، فإنَّه لا يجوزُ استعمالُها في المائعاتِ. وأما في

стр. 58

إلا آنية الذَّهبِ والفِضَّةِ، اليابساتِ، فإن كانَ جلدًا وكان ميتةً طاهرةً في الحياةِ، فيباحُ استعمالُه في اليابساتِ. روايتان، ذكرَهما في "الرعاية". (إلَّا آنيةَ الذهبِ والفضةِ) لحديثِ حذيفةَ (١) مرفوعًا: "لا تشربوا في آنيةِ الذهبِ والفضةِ، ولا تأكلوا في صحافِها، فإنَّها لهمْ في الدنيا، ولكمْ في الآخرةِ". وعنْ أمِّ سلمةَ (٢) قالتْ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "الذي يشربُ في آنيةِ الذهبِ والفضةِ، إنَّما يجرجِرُ في بطْنِه نارَ جهنَّمَ". متفق عليهما. فتوعدُه عليه بالنَّارِ يدلُّ على تحريمِه، ولأنَّ في ذلك سرَفًا وخيلاءَ، وكسرَ قلوبِ الفقراءِ. والجرجرةُ: هو صوتُ وقوعِ الماءِ بانحدارِه في الجوفِ (٣). يُرْوى: "نارُ جهنمَ" برفعِ الراءِ وبنصبِها. فمَنْ رفعَها (٤) نسَبَ الفعلَ إلى النَّارِ، ومَنْ نصبَها أضمرَ الفاعلَ في الفعلِ، وجعلَ النَّارَ مفعولًا (٥)، تقديرُه: يجرجرُ الشاربُ في بطنِه نارَ جهنمَ (٦). والاستعمالُ في غيرِ الأكلِ والشربِ في معناهُما؛ لأنَّ ذكرَهُما قدْ خرجَ مخرجَ الغالبِ، وما كانَ كذلك لا يتقيدُ الحكمُ به (٧).

стр. 59

والمُمَوَّهِ بهما. وتصح الطهارة بها، وبالإناءِ المغصُوب. ويُباحُ إناءٌ ضُبِّب بضَبَّةٍ يسيرةٍ من الفضةِ لغيرِ زينةٍ. ذكرَ الثعلبيُّ في تفسيرِ سورةِ "براءةَ" قال: سُمِّيَ الذهبُ ذهبًا؛ لأنَّه يذهبُ ولا يبقَى، وسُمِّيتْ الفضَّةُ فضَّةً؛ لأنَّها تنفضُّ، أي: تتفرق (١). (والمموَّهِ بهِمَا) التَّمويهُ: أنْ يُذابَ الذهبُ أو الفضةُ، ثمَّ يُلْقى فيه النُّحاسُ أو نحوُه، فيكتَسِبُ لونَهُ. والطَّليُ: أنْ يُجعلَ ورَقًا ثم يُطلَى به الحديدُ ونحوُه. والتَّطعيمُ: أن يحفرَ فيه حفرًا، ثمَّ يوضعُ فيها قطعٌ من ذهبٍ أو فضةٍ على قدرِها والتكفيتُ: أن يُبْرَدَ في الحديدِ ونحوِه، حتى يصيرَ فيه شبهُ (٢) المجاري في غايةِ الدِّقةِ، ثمَّ يوضعُ فيها شريطٌ دقيقٌ من ذهبٍ أو فضةٍ، ويُدَقُّ حتى يَلصقَ (٣) (وتَصحُّ الطهارةُ بها) أي: بما يحرمُ اتخاذُ الإناءِ منه (وبالإناءِ المغصوبِ) وكذا المسروقُ، ومقبوضٌ بعقدٍ فاسدٍ، أو ثمنُه محرمٌ، كالخمرِ والخنزيرِ ونحوِ ذلك، بخلافِ الصَّلاةِ في غصْبٍ أو محرَّمٍ؛ لأنَّه استعمالٌ له (٤). وأفعالُ نحوِ الوضوءِ مِن الغَسلِ والمسحِ، ليسَت بمحرمةٍ؛ لأنَّه استعمالٌ للماءِ لا للإناءِ. وأيضًا فالنهيُّ عن نحوِ الوضوءِ من الإناءِ المحرمِ هو لخارجٍ؛ إذ الإناءُ ليس ركنًا ولا شرطًا فيه، بخلافِ البقعةِ والثوبِ في الصَّلاةِ. (ويباحُ إناءٌ ضُبَّبَ بضَبَّةٍ يسيرةٍ من الفضةِ لغيرِ زينةٍ) بل كانتْ لحاجةٍ، كأنِ

стр. 60

وآنيةُ الكفَّار وثيابُهم انكسرَ إناءُ خشبٍ أو نحوِه، فضُبِّبَ كذلك، فلا يحرمُ. لحديثِ أنسٍ: أنَّ قدحَ النبيِّ ﷺ انكسرَ، فاتَّخذَ مكانَ الشَّعْبِ سِلسِلةً من فضةٍ. رواه البخاريُّ (١). وهذا مُخصِّصٌ لعمومِ الأحاديثِ السابقةِ. فإنْ كانتْ يَسيرةً من ذهبٍ، أو كبيرةً من فضةٍ، حَرُمتْ مطلقًا. وكذا إنْ كانتْ يسيرةً لغيرِ حاجةٍ، وهي: أن يتعلَّقَ بها غَرَضٌ؛ بأن تدعوَ الحاجةُ إلى فعلِه، ولو وجَدَ غيرَ الفضةِ، كالحديدِ والنحاسِ. قال الشيخُ تقيُّ الدينِ: مرادُهم: أن يحتاجَ إلى تلك الصورةِ، لا إلى كونِها من ذَهبٍ أو فضةٍ، فإنَّ هذه ضرورةٌ، وهي تبيحُ المنفردَ (٢). يعني: الخالصَ. وتُكرَهُ مباشرتُها بلا حاجةٍ. وإن كان الماءُ يتدفقُ لو شرِبَ من غيرِ جهتِها، لمْ يُكره؛ دفعًا للحرجِ (٣). (وآنيةُ الكفارِ وثيابُهم) ولو وَلِيَتْ عوراتِهم، كسراويلَ. وكذا ما صبغوه أو نَسجُوه، وماؤهم وطعامُهم، وكذا مَن لابَسَ النجاسَةَ كثيرًا، كمُدمِنِ الخَمرِ، وكَسَّاحِ (٤) الأفنيةِ، والحائضِ، والمرضعِ، والدَّباغِ، والجزَّارِ. قال في "الإنصاف" (٥): وتصحُّ الصَّلاةُ في ثيابِ المرضعةِ والحائضِ والصبيِّ مع

стр. 61

طاهرة. الكراهةِ. وقدَّمه في "مجمع البحرين". وعنه: لا تُكره. قال في "شرح المنتهى" (١) للمصنِّفِ في سترِ العورةِ: ويُكره لبسُ ما تُظنُّ نجاستُه لتَربيةٍ، ورضاعٍ، وحيضٍ، وصِغَرٍ، وكثرةِ ملابسةِ نجاسةٍ، وقلَّةِ التحرُّزِ منها في صَنعَةٍ، وغيرِها. انتهى. إلَّا أن يُجمعَ بينَهم في حملِ الإباحةِ على غيرِ الصَّلاةِ، وبحملِ الكراهةِ على الصَّلاةِ، كما هو الظاهرُ من كلامِ "الإنصاف". انتهى. (طاهِرةٌ) مُباحَةٌ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وهو يَتناولُ ما لا يقومُ إلَّا بآنيةٍ، ولأنَّه ﵇ وأصحابَه، توضَّئوا من مزادةِ مشركةٍ. متفقٌ عليه (٢). ولأنَّ الأصلَ الطهارةُ، فلا تزولُ بالشكِّ. وبدنُ الكافرِ طاهرٌ، وكذا طعامُه وماؤُه، وما صبغه (٣) أو نسجَه، ولو لمْ تحلَّ ذبيحتُهم، كالمجوسيِّ، والوثنيِّ، والمشركِ. قيل لأحمدَ عن صَبغِ اليهودِ بالبولِ؟ فقال: المسلمُ والكافرُ في هذا سواءٌ، ولا يُسألُ عن هذا، ولا يُبحثُ عنه. فإن عَلِمتَ فلا تُصلِّ فيه حتى تغسلَه. انتهى. ويَطهرُ بغَسلِه، ولو بَقيَ اللَّونُ. وسألَه أبو الحارثِ: عن اللَّحمِ يُشْتَرى من القصَّابِ؟ قال: يُغسَلُ. وقال الشيخُ تقيُّ الدينِ: بدعةٌ

стр. 62

ولا ينجسُ شيءٌ بالشَّكِّ ما لمْ تُعلم نجاستُه. وعَظمُ الميتةِ، وقرنُها، وظُفُرها، وحافرُها، وعصبُها، وجلدُها، نجس، (ولا ينجسُ شيءٌ بالشكِّ، ما لمْ تُعلمْ نجاستُه) هذا هو المذهبُ. والشكُّ: خِلافُ اليقينِ. قالَه في "القاموسِ". وأما اليقينُ: فقال الشيخُ موفقُ الدِّينِ في مقدمةِ "الروضة في الأصول" (١): ما أذعنَتِ النفسُ للتصديق به، وقطعتْ به، وقطعتْ بأنَّ قطعَها به صحيحٌ. وفي "الكشاف" (٢): هو إتقان (٣) العلمِ بانتفاءِ الشكِّ والشبهةِ عنه. وقال الفخرُ الرازيُّ (٤): هو العلمُ بالشيءِ بعدَ أنْ كان صاحبُه شاكًّا فيه. (وعظمُ الميتةِ) يشملُ: السِّنَّ (وقرنُها، وظفرُها، وحافرُها، وعصبُها، وجلدُها، نجسٌ) لقولِه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وأجزاؤُها المذكورةُ من جملتِها. والميتةُ في الشرعِ: اسمٌ لكلِّ حيوانٍ خرجتْ رُوحُه بغيرِ ذكاةٍ. وقد يُسمَّى المذبوحُ في بعضِ الأحوالِ: ميتةً، كذبيحةِ المجوسيِّ. والمرادُ هنا: الميتةُ النجسةُ، فلا يَرِدُ ميتةُ الآدميِّ والسمكِ وسائرِ حيواناتِ البحرِ المأكولةِ، فإنَّ عظمَ ذلك، والظفرَ، واللبنَ من الآدميِّ الميتِ، طاهرٌ. والميتةُ: بالتخفيفِ والتشديدِ. والتخفيفُ أكثرُ. ويُلحقُ بذلك: كلُّ ذبحٍ لا يُفيدُ إباحةَ اللَّحمِ، كذبحِ المجوسيِّ، ومتروكِ التسميةِ، وذبحِ المُحرِمِ للصَّيدِ.

стр. 63

ولا يطهُر بالدِّباغ. (ولا يطهرُ) الجلدُ (بالدباغِ) نقلَه الجماعةُ عن أحمدَ. ورُويَ عن عمرَ، وابنِه، وعائشةَ، وعمرانَ بنِ حصينٍ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عُكيمٍ (١)، عن النبيِّ ﷺ : أنَّه كتبَ إلى جُهينةَ: "إني كنتُ رخَّصتُ لكم في جلودِ الميتةِ، فإذا جاءَكم كتابي هذا، فلا تنتفعوا من الميتةِ بإهابٍ ولا عصبٍ (٢) ". رواه أحمدُ، وقال: إسنادُه جيدٌ. ورواه أبو داودَ وليس فيه: "كنتُ رخصتُ". بل هو من روايةِ الطبرانيِّ والدارقطنيِّ. وفي لفظٍ: "أتانا كتابُ رسولِ اللهِ ﷺ قبلَ وفاتِه بشهرٍ، أو شهرين". وهو ناسخٌ لما قبلَه؛ لتأخُّرِه. وكتابُه ﵇ كلفظِه، ولذلك لزمتْ الحجةُ مَنْ كُتِبَ إليه، وحصلَ له البلاغُ. ولأنَّه جزءٌ من الميتةِ، فلا يطهرُ بالعلاجِ، كلحمِها. ونقلَ جماعةٌ أخيرًا: طهارتَه. لكنَّ المذهبَ الأولُ عندَ الأصحابِ. ويباحُ دبغُ الجلدِ النجسِ بالموتِ، واستعمالُه بعدَه - ظاهرُه: ولو لمْ يَغسلْه. وعندَ مَن يقولُ: إنَّه يطهرُ. لا بدَّ من غَسلِه - في يابسٍ. واحترزَ بقولِه: النَّجسُ بالموتِ: عمَّا كان نجسًا في الحياةِ، كالكلبِ والخنزيرِ، وكما فوقَ الهرِّ خِلقَةً مما لا يُؤكلُ لحمُه، كسباعِ البهائمِ وجوارحِ الطيرِ، فإنَّه لا يُباحُ دبغُها ولا استعمالُها؛ لأنَّ الدباغَ إنَّما يؤثرُ في نجاسةٍ حادثةٍ بالموتِ، فيبقَى ما عداه على أصلِ التحريمِ. ويُشترطُ فيما دُبغَ به أن يكونَ مُنَشِّفًا للرُّطوبةِ، مُنِّقيًا للخبثِ، بحيثُ لو نُقِعَ

стр. 64

والشعرُ، والصوفُ، والريشُ، طاهرٌ إذا كان من ميتةٍ طاهرةٍ في الحياة، ولو غيرَ مأكولةٍ، كالهِرِّ والفأرِ. الجلدُ بعدَه في الماءِ لمْ يفسدْ، كشَبٍّ (١)، وقَرَظٍ (٢)، وعَفْصٍ .. وذرق حمام، فلا يحصلُ الدبغُ بنجسٍ (٣)، ولا بغيرِ منشِّفٍ للرطوبةِ، مُنَقٍّ للخبثِ، بحيثُ لو نُقِعَ الجلدُ بعدَه في الماءِ لفَسدَ. ولا يَفتَقِرُ الدَّبغُ إلى فعلٍ، فلو وقَعَ الجلدُ في مَدبَغَةٍ فاندبغَ، كفَى. وجَعلُ المُصرانِ وَتَرًا دِباغٌ. وكذلك الكَرِشُ. وعُلِمَ منه: أنَّه لا يجوزُ استعمالُ الجلدِ المدبوغِ في مائعٍ، ولو لمْ ينجسِ الماءُ. "فائدةٌ": يجوزُ الخرزُ بشعرٍ نجسٍ، ويجبُ غَسلُ ما خُرِزَ به رَطبًا. قال في "الإقناع" (٤): مع الكراهةِ. قال في "الغاية" (٥) للمصنِّف: ويحرمُ الخرزُ بشعرِ آدميٍّ؛ لحرمتِه. (والشعرُ، والصوفُ، والريشُ، طاهرٌ، إذا كان من ميتةٍ طاهرةٍ في الحياةِ، ولو غيرَ مأكولةٍ، كالهرِّ والفأرِ) فإنَّه لا ينجسُ بالموتِ. نقلَ الميمونيُّ: صوفُ الميتةِ لا

стр. 65

ويُسنَّ تغطيةُ الآنيةِ، وإيكاءُ الأسقيةِ. أعلمُ أحدًا كرهَهُ. والأصلُ في ذلك: قولُه تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]. والآيةُ في سياقِ الامتنانِ، فالظاهرُ: شمولُها لحالتي الحياةِ والموتِ. والريشُ مقيسٌ على الثلاثةِ المذكورين. قال في "الفروع" (١): وعنه: نجسٌ، وفاقًا للشافعيِّ. قال: لأنَّه ميتةٌ. وكذا من حيوانٍ حيٍّ لا يؤكلُ. وأما أصولُ ذلك، فنجسةٌ؛ لأنَّها من أجزاءِ الميتةِ. وفي طهارتِها بالغَسلِ وجهانِ، صوَّبَ في "تصحيح الفروع" (٢): عدمَ التطهيرِ به. واحترزَ بقولِه: من طاهرٍ. عن نحوِ شَعرِ الحُمُرِ الأهليةِ، والبغالِ، وسباعِ البهائمِ، وريش جوارحِ الطيرِ، كالصقرِ والعقابِ، فإنَّهما نجسانِ؛ لأنَّهما نجسانِ قبلَ الموتِ، فقد زادَ به نجاستُهما. ولو كان الشعرُ من غيرِ مأكولٍ، كالهرِّ والفأرِ، فإنه طاهرٌ. وأصولُ ذلك نجسةٌ مطلقًا. وفي "المستوعب": يحرمُ نتفُ نحوِ صوفٍ من حيٍّ. وفي "النهاية": يُكرَه (٣) ولا يجوزُ استعمالُ شعرِ الآدميِّ؛ لحرمتِه.

стр. 66

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وما أُبينَ من حيوانٍ حيٍّ فهو كميتته؛ طهارةً ونجاسةً. فما قُطعَ من السمكِ، مع بقاءِ حياتِه، طاهرٌ، بخلافِ ما قُطعَ من بهيمةِ الأنعامِ، إلا نحوَ الطريدةِ، والمسكِ وفأرتِه. وكذا ما تَساقطَ من قرونِ الوعولِ في حياتِها. وفيه احتمالٌ بطهارتِها، كالشعرِ. فعلى هذا: ما أُبينَ في الحياةِ من سمكٍ، وجرادٍ، وآدميٍّ، وما لا نفسَ لها سائلةٌ، طاهرٌ. وما أُبينَ من غير ذلك، نجسٌ، ولو من مأكولٍ. "تتمةٌ": جلدُ الثعلبِ، كلحمِه، نجِسٌ. * * *

стр. 67

بابُ الاستنجاءِ وآدابِ التخلِّي الاستنجاءُ: هو إزالةُ ما خرجَ من السبيلينِ بماءٍ طَهورٍ، أو حَجَرٍ طاهرٍ (بابُ الاستنجاءِ وآدابِ التخلِّي) لغةً: استفعالٌ مِن: نجوتُ الشجرةَ. أي: قطعتُها، فكأنَّ المستنجي قطعَ الأذى عنه باستعمالِ الماءِ. قال ابنُ قتيبةَ (١): هو مأخوذٌ من النَّجْوَةِ؛ وهي: ما ارتفعَ من الأرضِ؛ لأنَّ مَنْ أرادَ قضاءَ الحاجةِ استترَ بذلك. وقيل: هو من النجْوِ، وهو: القَشْرُ والإزالةُ، يقالُ: نجوتُ العودَ، إذا قشرتَه، ونجوتُ الجلدَ عن الشاةِ، نجيتُه، إذا سلختَه. وقيل (٢): أصلُه: نَزعُ الشيءِ من موضعِهِ، وتخليصُه، ومنه: نجوتُ الرطبَ واستنجيتُه، إذا جنيتَه. ويُسمَّىَ الاستنجاءُ بالحجرِ ونحوِه: استجمارًا؛ من الجِمارِ، وهي: الحجارةُ الصغارُ. وعبَّرَ بعضُ الأصحابِ عن هذا البابِ بـ"الاستطابةِ"، قال في "القاموس": واستطابَ: استنجَى، كأطَابَ. والآدابُ: جمعُ أدبٍ، ويأتي معناه في القَضاءِ. والتخلِّي: قضاءُ الحاجةِ مِن البولِ والغائطِ؛ لأنَّه يكونُ منفردًا بذلك. وشرعًا: (الاستنجاءُ: هو إزالةُ ما خرَجَ) معتادًا وغيرَه (مِن السَّبيلَين) قُبُلٍ أو دُبُرٍ، أصليٍّ (بماءٍ طهورٍ، أو) إزالةُ حُكمِه بما يقومُ مقامَ الماءِ من (حَجَرٍ طاهرٍ

стр. 68

مباحٍ مُنْقٍ. فالإنقاءُ بالحجرِ ونحوِه: أن يبقَى أثرٌ لا يزيلُه إلا الماء. ولا يُجزئ أقلُّ من ثلاثِ مَسَحَات تعمُّ كلُّ مسحَةٍ المحلَّ. مباحِ مُنْقٍ) ونحوِه كخَشبٍ وخِرَقٍ. ويسمَّى: استجمارًا؛ من الجمارِ، وهي: الحَجارةُ الصغارُ. فلا يَصحُّ بمحرَّمٍ، كمغصوبٍ، وذهبٍ وفضةٍ. واحترزَ بقولِه: "مباح" أيضًا: عن كلِّ ما يحرُمُ الاستجمارُ به من الرَّوثِ، والعظمِ، والطعامِ، وما له حرمةٌ، والمتصلُ بحيوانٍ، فإنَّ ذلك لا يجزئُه الاستجمارُ به. وقوله: "طاهر" فلا يَصحُّ بنَجسٍ. وقوله: "منقٍّ": اسمُ فاعلٍ من: أنقى. أي: قالِعٌ. فلا يجزئُ بأملسَ من زجاجٍ ونحوِه، ولا بشيءٍ رَخْوٍ أو نديٍّ (١)؛ لأنَّه إذا لمْ ينقِّ، لمْ يحصلِ المقصودُ منه. ثَمَّ ذكرَ المصنِّفُ الإنقاءَ بقولِهِ: (فالانقاءُ بالحجرِ ونحوِه) كخشبٍ وخِرَقٍ: (أن يبقَى أثرٌ لا يزيلُه إلَّا الماءُ) والإنقاءُ بالماءِ: عودُ خشونةِ المحلِّ كما كان. وظنُّه كافٍ، فلا يُشترطُ التحقُّقُ. قال في "الإنصاف" (٢): لو أتى بالعددِ المعتبرِ، اكتفى في زوالها (٣) بغلبةِ الظنِّ. ذكرَهُ ابنُ الجوزيِّ في "المذهبِ". وقال في "النهاية": لا بدَّ من العلمِ بذلك. (ولا يجزئُ أقلُّ من ثلاثِ مسَحَاتٍ، تعمُّ كلُّ مسحةٍ المحلَّ) إما بحجِرٍ ذي

стр. 69

والإنقاءُ بالماء: عَوْدُ خُشُونة المحلِّ كما كان، وظنُّه كافٍ. وسُنَّ الاستنجاءُ بالحجر، ثم بالماء، فإن عَكَسَ كُرِه، شعبٍ، أو ثلاثةِ أحجارٍ. قال في "الإنصاف" (١): وكيفما حصلَ إنقاءٌ في الاستجمارِ أجزأَ. وقال القاضي وغيرُه: المستحبُّ أن يُمرَّ الحجرَ الأوَّلَ من مقدَّمِ صفحتِهِ اليمنى إلى مؤخَّرِها، ثم يُديرُه على اليسرى حتى يرجعَ إلى الموضعِ الذي بدأَ منه، ثمَّ يُمرُّ الثاني من مقدَّمِ صفحتِه اليسرى كذلك، ثم يُمرُّ الثالثَ على المسرَبَةِ والصَّفحَتين، فيستوعبُ المحلَّ في كلِّ مرةٍ. انتهى. (والانقاءُ بالماءِ: عَودُ خُشونة المحلِّ كما كان) قال في "المبدع": الأَوْلى أن يُقال: أن يعودَ المحلُّ إلى ما كان؛ لئلا ينتقضَ بالأمردِ ونحوِه (٢). ومَشى الشيخُ عليها في "الغاية"، وفي هذا المصنَّفِ تَبعَ فيها صاحبَ الأصلِ. (وظنُّه كافٍ) أي: الإنقاءُ. فلا يشترطُ التحقُّقُ كما تقدَّمَ. (وسُنَّ الاستنجاءُ بالحجرِ، ثم بالماءِ) بعدَ الحجرِ؛ لقولِ عائشةَ رضي الله تعالى عنها للنِّساءِ: مُرْنَ أزواجَكُنَّ أن يُتبعوا الحجارةَ بالماءِ، فإني استحييهم، وإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يفعلُه. رواه أحمدُ - واحتجَّ به في روايةِ حنبلٍ - والنسائيُّ والترمذيُّ (٣) وصحَّحَه. ولأنَّه أبلغُ في الإنقاءِ (فإن عْكسَ) فقدَّمَ الماءَ على الحجرِ (كُره) نصًّا؛ لأنَّ الحجرَ بعدَ الماءِ يُقذرُ المحلَّ.

стр. 70

ويجزئُ أحدُهما، والماءُ أفضلُ. ويُكرهُ استقبالُ القبلةِ واستدبارُها في الاستنجاء. (ويجزئُ أحدُهما) أي: الحجرُ أو الماءُ، لحديثِ أنسٍ: كان النبيُّ ﷺ يَدخلُ الخلاءَ، فأحملُ أنا وغلامٌ نحوي إداوةً مِن ماءٍ، وعَنَزَةً، فيَستنجي بالماءِ. متفقٌ عليه (١). وحديثُ جابرٍ مرفوعًا (٢): "إذا ذهبَ أحدُكم إلى الغائطِ، فليستَطِبْ بثلاثةِ أحجارٍ، فإنَّها تجزئُ عنه". (والماءُ) وحدَهُ (أفضلُ) من الحجَرِ وحده (٣)؛ لأنَّه يطهِّرُ المحلَّ، وأبلغُ في التنظيفِ. وروَى أبو داودَ عن أبي هريرةَ مرفوعًا: نزلَتْ هذه الآيةُ في أهلِ قُباءَ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] قال: كانوا يستنجون بالماءِ، فنزلَتْ فيهم هذه الآيةُ (٤). فإنَّه ينقِّ العينَ والأثرَ. (ويُكره استقبالُ القبلةِ واستدبارُها) ببولٍ وغائطٍ (في الاستنجاءِ) بفَضَاءٍ، أي: بلا حائلٍ، ولا يُكره في البنيانِ؛ لحصولِ الحائلِ. ويكفي بفَضَاءٍ انحرافُه، ولو يسيرًا، يمنةً أو يَسرَةً؛ لفواتِ الاستقبالِ والاستدبارِ. ويكفي حائلٌ كاستتارِه بدابَّةٍ، وجدارٍ، وجبلٍ، ونحوِه، وإرخاءُ ذيلهِ. قالَ (٥) في "الفروعِ": وظاهرُ كلامِهم: لا

стр. 71

ويحرُم بروثٍ، وعظمٍ، وطعامٍ، ولو لبهيمة، فإن فَعَل، لمْ يجزِئْهُ بعدَ ذلك إلا الماء، كما لو تعدَّى الخارجُ مَوضِعَ العادة. يُعتبرُ قربُه منها، كما لو كان في بيتٍ (١). ولو (٢) كان الحائلُ كمُؤْخِرَةِ رَحلٍ؛ لحصولِ السترِ به (٣). (ويحرُمُ بروثٍ)، أي: الاستجمارُ، ولو لمأكولٍ (و) يحرُمُ بـ (عظمٍ) ولو من مذكّى؛ لحديثِ مسلمٍ (٤) عن ابنِ مسعودٍ مرفوعًا: "لا تستنجُوا بالرَّوثِ ولا بالعظامِ، فإنَّه زادُ إخوانِكم من الجنِّ". والنهيُ يقتضي الفسادَ، وعدمَ الإجزاءِ (و) يحرُمُ (بطعامٍ، ولو) كان الطعامُ (لبهيمةٍ)؛ لأنَّه ﵇، علَّلَ النهيَ عن الرَّوثِ والعظمِ بأنه زادُ الجنِّ، فزادُنا وزادُ دوابِّنَا أَوْلى؛ لأنَّه أعظمُ حرمةً. وبذي حُرمةٍ، ككُتُبِ فقهٍ وحديثٍ. وحرُمَ أيضًا بمتصلٍ بحيوانٍ، كذنَبِ البهيمةِ، وما اتصلَ بها من نحوِ شعرٍ وصوفٍ؛ لأنَّ له حرمةً، فهو كالطعامِ، وبجلدِ سمكٍ، أو حيوانٍ مذكَّى، أو حشيشٍ رطبٍ، أو ذهبٍ وفضةٍ، ومتنجسٍ. (فإنْ فعلَ، لمْ يجزئْه بعدَ ذلك) أي: ما تقدَّمَ. (إلَّا الماءُ، كما لو تعدَّى الخارجُ موضعَ العادةِ) بأن انتشرَ شيءٌ من الخارجِ على شيءٍ من الصَّفْحةِ، أو امتدَّ إلى الحشفةِ امتدادًا غيرَ معتادٍ؛ لأنَّ الاستجمارَ في المحلِّ المعتادِ رخصةٌ لأجل (٥)

стр. 72

ويجبُ الاستنجاءُ لكلِّ خارجٍ إلَّا الطاهرَ، والنجِسَ الذي لمْ يلوِّثِ المحلَّ. المشقَّةِ في غسله؛ لتكرارِ (١) النجاسةِ فيه، بخلافِ غيرِه، كما لو تعدَّتْ لنحوِ يدِه أو رجلِه، فيتعينُ الماءُ لما تعدَّى، ويُجزئ الحجرُ في الذي في محلِّ العادةِ. قال في "الفروعِ": وظاهرُ كلامِهم: لا يمنعُ القيامُ الاستجمارَ ما لمْ يتعدَّ الخارجُ، خلافًا للشافعيِّ، ولا يجبُ الماءُ لغيرِ المتعدي. نصَّ عليه. وقيل: بلى. ويتوجَّه: مع اتصالِه. ولا (٢) للنادرِ، خلافًا لمالكٍ (٣). وإن شكَّ في انتشارِ الخارجِ، لمْ يجبْ الغَسلُ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُه. (ويجبُ الاستنجاءُ) بماءٍ، أو نحوِ حجَرٍ. (لكلِّ خارجٍ) من سبيلٍ، ولو نادِرًا كالدودِ؛ لعمومِ الأحاديثِ (إلا الطاهرَ) كالمنيِّ والريحِ، (و) إلا الخارجَ (النجسَ الذي لمْ يُلوِّثِ المحلَّ) قطعَ به في "التنقيح"، خلافًا لما في "الإنصاف"؛ لأنَّ الاستنجاءَ إنَّما شُرِعَ لإزالةِ النجاسةِ، ولا نجاسةَ هنا (٤). "فائدةٌ": قال في "الإنصاف" (٥): لو كانتْ النجاسةُ على غيرِ السبيلين، أو على السبيلين غيرَ خارجةٍ منهما، صحَّ الوضوءُ قبل زوالِها، على الصحيحِ من المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطعَ به أكثرُهم.

стр. 73

فَصْلٌ يُسنُّ لداخلِ الخَلاءِ تقديمُ اليُسرى، وقولُ: بسم اللَّه، أعوذُ باللهِ من الخُبْثِ والخَبائِثِ. قال في "الحاشية" (١): فإن كانت النجاسةُ على غيرِ السبيلِ، أو عليه غيرَ خارجةٍ منه، صحَّ الوضوءُ والتيممُ قبل زوالِها. انتهى. (فصلٌ) (يُسنُّ لداخلِ الخلاءِ): بالمدِّ وفَتحِ الخاءِ. وأصلُه: المكانُ الخالي، سُمِّيَ به موضعُ الحاجةِ؛ لخلائِه في غيرِ وقتِها. وقال الجوهريُّ: سُمِّيَ بذلك لكونِه يُتخلَّى فيه. أي: ينفردُ. وقال أبو عبيدٍ: يقالُ لموضعِ الغائطِ: الخلاءُ، والمذهبُ، والمرفقُ، والمرحاضُ (٢). (تقديمُ اليسرَى) أي: رجلِه اليسرَى دُخولًا. أي حالَ دخولِه الخلاءَ. وكذا في دخولِ الحمامِ والمغتَسَلِ ونحوِهما، كالسوقِ، ومكانِ المعصيةِ، ولمريدِ قضاءِ الحاجةِ بالصحراءِ. (وقولُ: بسمِ اللهِ أعوذُ باللهِ من الخُبْثِ والخبائثِ) الخُبْثُ: بإسكانِ الباءِ. قالَه أبو عبيدةَ. وذكرَ القاضي عياض: أنه أكثرُ رواياتِ الشيوخِ، وفسَّرَه بالشرِّ. والخبائثُ: الشياطينُ. فكأنَّه استعاذَ من الشرِّ وأهلِه.

стр. 74

وإذا خرجَ قدَّم اليُمنى، وقالَ: غفرانَكَ، وقال الخطابيُّ: هو بضمِّ الباءِ، وهو: جمعُ خبيثٍ، والخبائثُ: جمعُ خبيثةٍ. فكأنَّهُ استعاذَ من ذُكرانِ الشياطينِ وإناثِهم. وقيل: الخبثُ: الكفرُ. والخبائثُ: الشياطينُ. (وإذا خرجَ قدَّمَ اليُمنى) لأنَّها أحقُّ بالتقديمِ إلى الأماكنِ الطيبةِ. وكذا في خروجِه من الحمَّامِ والمُغْتَسلِ ونحوِهما. وفي غيرِ البنيانِ يقدِّمُ يسراه إلى موضعِ جلوسِه، ويمناه عند منصرفِه، مع ما (١) تقدُّمٍ. قاله في "الإقناع" (٢). وعكسُه: مسجدٌ، وانتعالٌ، ومنزلٌ، ولبسُ نحوِ قميصٍ وخفٍّ وسراويلَ. فيقدِّمُ الأيمنَ على الأيسرِ؛ لما روى الطبرانيُّ في "المعجم الصغير" (٣) عن أبي هريرةَ رضي الله تعالى عنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "إذا انتعلَ أحدُكم فليبدأْ باليمنَى، وإذا خلعَ فليبدأ باليسرَى". (وقالَ: غفرانَك) أي: ويُسنُّ قولُ الخارجِ من خلاءٍ ونحوِه (٤): غفرانَك؛ لحديثِ عائشةَ: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا خرجَ من الخلاءِ قال: "غفرانَك". رواه الترمذيُّ (٥) وحسنَه. وهو منصوبٌ على المفعوليةِ، أي: أسألُك غفرانَك، من:

стр. 75

الحمد لله الذي أذهَب عنِّي الأذَى وعافاني. ويُكرهُ في حالِ التَّخلِّي استقبالُ الشمسِ والقمرِ، ومَهَبِّ الرِّيحِ، والكلامُ، الغَفْرِ، وهو: السَّتْرُ. فلمَّا خَلَصَ مما يُثقلُ البدنَ، سألَ الخلاصَ مما يُثقلُ القلبَ، وهو الذَّنْبُ، لتكْمُلَ الراحةُ. وسُنَّ له أيضًا أن يقولَ: (الحمدُ للهِ الذي أذهبَ عني الأذى وعافاني) لحديثِ أنسٍ: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا خرجَ من الخلاءِ يقولُه. رواه ابنُ ماجَه (١). وفي "مصنَّفِ عبدِ الرزاقِ" (٢): أنَّ نوحًا ﵇، إذا خرجَ من الخلاءِ كانَ يقولُ (٣): الحمدُ للهِ الذي أذاقني لذتَه، وأبقى فيَّ منفعتَه، وأذهبَ عني أذاه. (ويُكرَهُ في حالِ التخلي استقبالُ الشمسِ والقمرِ) لما فيهما من نورِ اللهِ تعالى، وقد روي أنَّ معهما ملائكةً، وأن أسماءَ اللهِ مكتوبةٌ عليهما. (و) يُكره له استقبالُ (مهبِّ الريحِ) لئلا (٤) يَرُدَّ عليه البولَ فينجسَه. أي: مع عدمِ الحائلِ في الجميعِ. (و) يُكره (الكلامُ) أي: في الخلاءِ ونحوِه، مطلقًا، سواءٌ كان مباحًا في غيرِه كسؤالٍ عن شيءٍ، أو مستحبًّا كإجابةِ مؤذنٍ، أو واجبًا كردِّ سلامٍ. نصًّا، لقولِ ابنِ
следующие страницы →