Полный текст (943 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
(فصل) وإن كانت للمغصوب أجرة فعلى الغاصب أجرة مثله مدة مقامه في يده (١) وعنه التوقف في ذلك، وإن تلف المغصوب فعليه أجرته إلى وقت تلفه، ومنافع المقبوض بعقد فاسد كمنافع المغصوب تضمن بالفوات والتفويت (٢).
(فصل) وتصرفات الغاصب الحكمية (٣) كالحج وسائر العبادات كالطهارة بماء مغصوب والعقود كالبيع والنكاح ونحوها باطلة في إحدى الروايتين، والأخرى صحيحة (٤) وتحرم التصرفات غير الحكمية (٥) فإن اتجر بالدراهم فالربح والسلع
المشتراة للمالك (٦) سواء قلنا بصحة الشراء أو ببطلانه، وإن اشترى في
(١) (مدة مقامه في يده) هذا المذهب وبه قال الشافعي، وسواء استوفى المنافع أو تركها تذهب، وقال أبو حنيفة لا يضمن المنافع، وهو الذي نصره أصحاب مالك.
(٢) (والتفويت) فيضمنها القابض سواء استوفى المنافع أو تركها تذهب لما تقدم، بخلاف عقود الأمانات وكالوديعة ونحوها فلا ضمان في صحيحها، ولهذا يرجع من غرم بسبب ذلك على الغاصب بما غرم.
(٣) (الحكمية) وهي ما لها حكم صحة وفساد توصف تارة بالصحة وتارة بالفساد.
(٤) (صحيحة) وهذا ينبغى أن يتقيد في العقود بما لم يبطلها المالك، فأما ما اختار المالك إبطاله وأخذ المعقود علية فلا نعلم فيه خلافًا، وأما ما لم يدركه المالك فوجه الصحيح فيه أن الغاصب تكثر تصرفاته. ففي القضاء ببطلانها ضرر كثير، وربما عاد الضرر على المالك. وأن الحكم بصحتها يقتضى كون الربح للمالك والعوض بزيادته ونمائه له، والحكم ببطلانها يمنع ذلك.
(٥) (غير الحكمية) كإتلافه وإستعماله كأكله ولبسه وكوبه وحمل عليه وسكنى العقار لحديث "إن أموالكم وأعراضكم حرام عليكم".
(٦) (المشتراة للمالك) لحديث عروة بن الجعد، وهذه المسألة مشكلة جدًّا على قواعد المذهب لأن تصرفات الغاصب غير صحيحة، ولكن نصوص أحمد متفقة على أن الريح للمالك، فخرج الأصحاب ذلك على وجوه كلها ضعيفة، فبناه ابن عقيل على صحة تصرف الغاصب وتوقفه على الإِجازة، وتبعه المغنى، وبناه غيرهما على غير ذلك.
стр. 527
ذمته ثم نقدها فكذلك (١)، وعنه الربح للمشتري وهو قياس قول الخرقي، وتفيد تذكية الغاصب للحيوان حل أكلها في إحدى الروايتين وهي المذهب وتقدم، وإن لم يبق درهم مباح أكل عادته لدعاء الحاجة إلى ذلك (٢) قال في القواعد: فعلى هذا يتخرج جواز أخذ الفقراء من الصدقة من يد من ماله حرام كقطاع طريق. وإن بقيت في يده غصوب لا يعرف أربابها فسلمها إلى الحاكم ويلزمه قبولها بريء من عهدتها كلقطة لم تملك بالتعريف أو لم يعرفها (٣) وله الصدقة بها بشرط ضمانها (٤) وبالقيمة ويتملكها (٥) ومن
الصدقة بما ذكر وقفه أو شراء عين به يقفها كما ذكره الشيخ نصًّا ويسقط عنه إثم الغصب (٦) وليس لمن هي عنده أخذ شيء منها ولو كان فقيرًا، وقال الشيخ: له الأكل ولو كان عاصيًا إذا تاب وكان فقيرًا ولو ندم ورد ما غصبه على الورثة بريء من إثمه لا من إثم الغضب (٧) وذكر المجد فيمن أدان على أن يؤديه
(١) (فكذلك) هذا المذهب، فعلى هذا فالعقد صحيح والإقباض فاسد بمعنى أنه غيره مبرئ لعدم إذن المالك لقول ابن عمر "ادفع إليه دراهمه بنتاجها" ولم يستفصل عن عين أو ذمة، ومقتضى ما قيده في المنتهى أنه إذا لم ينو نقد الثمن من المغصوب أن الملك والربح للغاصب.
(٢) (الحاجة إلى ذلك) لا ما عنه غنى كحلوى وفاكهة، قاله في النوادر، قال في الفروع: إذ لا مبيح للزيادة على ما تندفع به الحاجة.
(٣) (أو لم يعرفها) لقيام الحاكم مقام أربابها بالقبض.
(٤) (بشرط ضمانها) لأن الصدقة بدون الضمان إضاعة لمال المالك لا على وجه بدل وهو غير جائز.
(٥) (ويتملكها) نقل صالح عن أبيه الجواز فيمن اشترى آجرًا وعلم أن البائع باعه ما لا يملك ولا يعرف له أرباب: أرجو إن أخرج قيمه الآجر فتصدق به أن ينجو من إثمه.
(٦) (إثم الغصب) لأنه عاجز عن رها إلى أصحابها، فإذا تصدق بها عنهم كان ثوابها لأربابها فيسقط ذلك إثم غصبها، ولأن قضاء الحقوق في الآخرة بالحسنات وحمل السيئات، فإذا طلب منه عوض الغصب أحالهم بثواب الصدقة.
(٧) (لا من إثم الغصب) فلا يبرأ منه بل يبقى عليه إثم ما أدخل على قلب مالكه ومضرة المنع من ملكه مدة حياته، والقضاء بلا توبة يزول به حق الآدمي ويبقى مجرد حق الله.
стр. 528
فعجز: لا يطالب في الدنيا ولا في الآخرة (١)، ولو رده وارث الغاصب فللمغصوب منه مطالبته في الآخرة نصًّا (٢).
(فصل) وإن أكره على إتلافه ضمنه مكرهه، وكذا من أغرى ظالمًا بأخذ مال إنسان، وإن حفر بئرًا في فنائه لنفسه ضمن ما ظف بها (٣) وإن حفرها في سابلة واسعة لنفع المسلمين لم يضمن، فإن كانت ضيقة ضمن بلا نزاع، وإن بسط في
مسجد حصيرًا أو علق فيه قنديلًا لم يضمن ما تلف به، وإن ربط دابة في طريق ولو واسعًا أو أوقفها فيه (٤) ويده عليها فأتلفت شيئًا أو ترك فيه طينًا ولو قشر بطيخ فتلف به شيء ضمنه الملقى، ومن ضرب دابة مربوطة في طريق ضيق فرفسته فمات ضمنه صاحبها ذكره ابن عقيل، وظاهره لو كانت واسعة لا ضمان (٥) وله قتل هر بأكل لحم ونحوه.
(فصل) وإن مال حائطه قبل وقوعه إلى ملك غيره وكان بحيث لا يمكن نقضه فلا ضمان عليه (٦) فإن أمكنه نفضه فلم ينقضه ولم يطالب بذلك لم يضمن (٧) وإن
طولب بنقضه فلم يفعل فقد توقف أحمد عن الجواب فيها، وقال أصحابنا يضمن (٨) ولو انفلتت الدابة ممن هي بيده وأفسدت فلا
(١) (ولا في الآخرة) وقاله أبو المعالى الصغير ويقتضى أنه وفاق.
(٢) (نصًّا) لأن المظالم لو انتقلت لما استقر لمظلوم حق في الآخرة.
(٣) (ضمن ما تلف بها) هذا المذهب، وسواء أذن فيها الإمام أو لا، وقال أصحاب الشافعي: إن حفرها بإذن الإِمام لم يضمن. وفي الأحكام السلطانية: له التصرف في فنائه بما شاء من حفر وغيره إذا لم يضر.
(٤) (أو أوقفها فيه) في إحدى الروايتين وهو مذهب الشافعي، لأن الانتفاع بالطريق مشروط بالسلامة، والثانية لا يضمن لأنه غير متعد بوقوفها في الطريق الواسع.
(٥) (لا ضمان) لعدم حاجته إلى ضربها فهو الجاني على نفسه.
(٦) (فلا ضمان عليه) لأنه لم يتعد ببنائه ولا فرط في ترك نقضه لعجزه عنه.
(٧) (لم يضمن) في المنصوص عن أحمد، والظاهر عن الشافعي، ونحوه قول الحسن والنخعي والثوري وأصحاب الرأى، لأنه بناء في ملكه، والميل حادث بغير فعله، وفيه وجه عليه الضمان.
(٨) (يضمن) وهو مذهب مالك، وعن أحمد رواية، ونحوه قال الحسن والنخعي، وقال أبو حنيفة استحسانًا والقياس عنده عدم الضمان.
стр. 529
ضمان (١) ويضمن ما وطئت برجلها (٢) ومن طرد دابة من مزرعته لم يضمن ما أتلفته من مزرعة غيره، وإن اتصلت المزارع صبر ليرجع على ربها بالقيمة، ولو ادعى صاحب الزرع أن غنم فلان رعت فيه ليلًا ووجد في الزرع أثر غنم ولم يكن هناك غنم لغيره قضى عليه (٣) والحطب على الدابة إذا خرق ثوب بصير فهدر، وكذا لو كان مستديرًا وصاح به منبهًا له فلا ضمان
فيهما ولا قصاص في المال مثل ثوب ونحوه (٤) وعنه في الثوب والعصا والقصعة ونحوها يضمنها بالمثل مراعيًا للقيمة اختاره الشيخ وصاحب الفائق وإن اصطدمت سفينتان فغرقتا ضمن كل واحد منهما سفينة الآخر وما فيها (٥) وإن لم يفرط فلا ضمان على واحد منهما لعدم مباشرته التلف (٦) فإن كانت إحداهما منحدرة فعلى صاحبها ضمان المصعدة إلا أن يكون قد غلبه ريح فلم يقدر على ضبطها ولو أتلف لغيره وثيقة بما لا يثبت ذلك المال إلا بها ففي إلزامه ما تضمنته
(١) (فلا ضمان) على أحد لقوله "العجماء جرحها جبار" وحديث حزام في الزاد.
(٢) (ما وطئت برجلها) لما روى النعمان بن بشير مرفوعًا "من أوقف دابته في سبيل المسلمين أو أسواقهم فأوطأت بيد أو رجل فهو ضامن" رواه الدارقطني.
(٣) (قضى عليه) أي اختص بالضمان عملًا بالقرينة، وعبارة المنتهى: لا تختص المسألة بالغنم، قال الشيخ: هذا قياسه في الأموال.
(٤) ونحوه على الصحيح من المذهب، بل أرش أو البدل.
(٥) (وما فيها) لأن التلف حصل بسبب فعلها، وإن فرط أحدهما ضمن وحده، والقول قوله في الغلبة عليه وعدم التفريط.
(٦) (لعدم مباشرته التلف) والتفريق أن يكون قادرًا على ضبطها أو يكمل آلتها.
стр. 530
احتمالان (١)، ومن أتلف كتب مبتدعة أو كتب أكاذيب أو كتب كفر لم يضمنها لعدم احترامها، وله الدعاء بما آلمه بقدر يوجبه ألم ظلمه، ولا يفترى على من كذب عليه، بل يدعو الله فيمن يفترى عليه نظيره.
(١) (احتمالان) أحدهما يلزمه كقول المالكية، قاله في الفائق، قال في الإِنصاف: وهو الصواب.
стр. 531
باب الشفعة (١)
وهي استحاق انتزاع الشريك حصة شريكه من يد من انتقلت إليه إن كان مثله في الدين أو دونه (٢) ولا شفعة فيما انتقل إليه بلا عوض مالي (٣) ولا تسقط الشفعة بالتحيل لإِسقاطها. بل الشفيع على شفعته ويدفع ما تعاقدوا عليه في الباطن أو قيمة الشقص، ومن الحيل أن يبيعه الشقص بأكثر من ثمنه ويبيعه المشترى عرضًا بأكثر من ثمنه ثم يتحاصان (٤) قال في الفائق: ومن الحيل أن ينفقه المشترى أو يهبه حيلة لإِسقاطها (٥) ولو أصدق المرأة أرضًا فباعت نصفها ثم طلقها الزوج قبل الدخول
فإنه يرجع إليه النصف الباقي في ملكها، ولا شفعة من المشترى من المرأة على الزوج فيما رجع عليه، ولو تعذر علم قدر الثمن
(١) (الشفعة) بإسكان الفاء من الشفاعة أي الزيادة، أو من الشفع وهو أحسنها، فإن الشفيع هو الزوج، والشفيع كان نصيبه منفردًا في ملكه فبالشفعة ضم المبيع إلى ملكه فصار شفيعًا.
(٢) (أو دونه) بأن يكون مسلمًا والمشترى مسلمًا أو كافرًا.
(٣) (بلا عوض مالي) كالصداق وعوض الخلع والصلح عن دم العمد لأن ذلك ليس له عوض يمكن الأخذ به كموهوب، والوجه الثاني الشفعة اختاره ابن حامد وأبو الخطاب في الانتصار وابن حمدان.
(٤) (ثم يتحاصان) كشقص قيمته مائة وللمشتري عوض قيمته مائة فيبيعه بمائتين ثم يشتري الشقص بمائتين ثم يتحاصان أو يدفع إليه عشرة دنانير عن المائتين وهي أقل منها فلا يقدم الشفيع عليه لنقصان قيمته عن المائتين.
(٥) (حيلة لإسقاطها) فلا تسقط بذلك عند الأئمة الأربعة، وللشفيع أخذه بدون حكم، وقد ذكر الأصحاب للحيل في إسقاطها صورًا: منها ما تقدم، ومنها إظهار كون الثمن مائة ويكون المدفوع عشرين فقط فالشفيع على شفعته فيدفع في الأولى قيمة العرض مائة أو مثل عشرة الدنانير، وفي الثانية عشرين وهكذا، وإن تعذر دفع إليه قيمة الشقص.
стр. 532
ولا بينة من غير حيلة فقوله بيمينه (١). وتسقط الشفعة (٢) ولو تواطآ على شيء وأظهرا أكثر فطالبه صاحبه به لزمه في ظاهر الحكم (٣) ولا يحل في الباطن لمن غر صاحبه الأخذ، ولا تجب بفسخ يرجع الشقص إلى العاقد (٤).
(فصل) وتثبت الشفعة في عقار ينقسم قسمة إجبار، فأما المقسوم المحدود فلا شفعة فيه لجار (٥) وقيل تجب الشفعة بالشركة في مصالح عقار (٦) ولا شفعة فيما لا
تجب قسمته كالحمام الصغير والبئر (٧) والعراص الضيقة وما ليس بعقار كالشجر والحيوان والبناء المفرد في إحدى الروايتين (٨) إلا أن البناء والغراس والنهر والبئر والقناة والدولاب يؤخذ تبعًا للأرض، فلو باع المساقي نصيبه من الشجر لغير
(١) (فقوله بيمينه) بأن قال المشتري لا أعلم الثمن ولا بينة فلا شفعة حيث جهل قدر الثمن بلا حيلة كما لو علمه عند الشراء ثم نسعى قدره.
(٢) (وتسقط الشفعة) لأنها لا تستحق بغير بدل، ولا يمكن أن يدفع إليه ما لا يدعيه.
(٣) (في ظاهر الحكم) إذا عقدا على ثمنين وأظهر مائة فطلب البائع المائة لزم أداؤها إن لم يقم بينة وله تحليف البائع لم يتواطأ معه.
(٤) (إلى العاقد) كرده بعيب أو مقابلة أو لغبن أو اختلاف متبايعين لأنه رفع عقد لا بيع.
(٥) (لجار) هذا المذهب لما روى جابر قال "قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" رواه البخاري، وحديثا الجار أحق بصقبه" قال في القاموس: بما يليه ويقرب منه، وحديث "جار الدار أحق بالدار" ونحوه لا يبعد أن يراد به الشريك.
(٦) (في مصالح عقار) اختاره الشيخ وصاحب الفائق. وهو ظاهر كلام أحمد، لأنه قال إذا كان طريقهم واحدًا شركاء لم يقتسموا.
(٧) (والبئر) ولو كان يسقى أرضهما.
(٨) (في إحدى الروايتين) هذا المذهب في ذلك كله، لقوله ﵊ "لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة" وقال عثمان "لا شفعة في بئر ولا نخل" والثانية فيه الشفعة اختاره بن عقيل وأبو محمد الجوزى والشيخ قال الحارثي وهو أحق.
стр. 533
صاحب الأرض لم يثبت لصاحب الأرض شفعة، وعنه في ذلك الشفعة اختاره ابن عقيل وأبو محمد الجوزي والشيخ، وإذا كان علو دار مشتركًا دون أسفلها فباع أحدهم حصته من
العلو فلا شفعة فيه لأنه بناء مفرد لا أرض معه له، ولا شفعة في طريق نافذ (١) فإن كان غير نافذ لكل واحد من أهله فيه باب فباع أحدهم داره بطريقها أو باع الطريق وحده وكان الطريق لا يقبل القسمة أو يقبلها وليس لدار المشترى طريق إلى داره سوى تلك الطريق ولا يمكن فتح باب لها إلى شارع فلا شفعة (٢) وإن كان الطريق يقبل القسمة ولدار المشترى طريق آخر إلى شارع أو أمكن فتح باب لها إلى شارع وجبت (٣) وكذا دهليز دار وصحن دار مشتركان (٤)
(١) (نافذ) لقوله ﵊ "لا شفعة في فناء ولاطريق ولا منقبة" رواه أبو عبيد في الغريب، والمنقبة الطريق الضيق بين دارين لا يمكن أن يسلكه أحد.
(٢) (فلا شفعة) للحديث السابق ولحصول الضرر على المشتري بوجوبها، لأن الدار تبقى لا طريق لها.
(٣) (وجبت) الشفعة في الطريق المشترك المذكور، لأنه أرض مشتركة يحتمل القسمة فوجبت الشفعة كغيره.
(٤) (مشتركان) والدهليز ما بين الباب والدار، والصحن وسط الدار، فإذا بيعت دار لها دهليز مشترك أو بيت بابه في صحن دار مشتركة ولا يمكن الاستطراق إلى المبيع إلا من ذلك الدهليز أو الصحن فلا شفعة فيها للضرر فكان كالطريق المشترك في وجوب الشفعة وعدمه على التفصيل.
стр. 534
ولا شفعة بالشرب (١) وهو النهر أو
البئر يسقى أرض هذا وأرض هذا، فإذا باع أحدهما أرضه المفرزة فليس للآخر الأخذ بسبب حقه من الشرب، ولا فيما لا تجب قسمته كحمام صغير وبئر وطرق وعراص ضيقة (٢).
(فصل) ويلزمه الطلب ساعة يعلم، وعن أحمد رواية ثانية أن الشفعة على التراخي لا تسقط ما لم يوجد ما يدل على الرضى (٣) وقال القاضي، له طلبها في المجلس وإن طال (٤) فإن لم يعلم بالبيع فهو على شفعته ولو مضى سنون (٥) ثم إن كان المشتري
غائبًا عن المجلس حاضرًا في البلد فالأولى أن يشهد على
(١) (بالشرب) بكسر الشين المعجمة وسكون الراء المهملة.
(٢) (وعراص ضيقة) لحديث أبي عبيد السابق، ولقول عثمان، ولأن إثبات الشفعة في هذا يضر بالبائع لأنه لا يمكنه أن يتخلص من إثبات الشفعة في نصيبه بالقسمة، وقد يمتنع المشترى لاجل الشفعة فيتضرر البائع، فإن كان مع البئر بياض أرض بحيث تحصل البئر بأحد النصيبين وجبت الشفعة.
(٣) (على الرضى) وهو قول مالك وقول الشافعي، إلا إن مالكًا قال تنقطع بمضى سنة. ولنا الحديث، وروي عن النبي ﷺ : "الشفعة لمن واثبها" رواه الفقهاء في كتبهم.
(٤) (وإن طال) لأن المجلس كحالة العقد بدليل التقابض لما يعتبر القبض.
(٥) (سنون) وكذا لو أخره لعذر بأن علم ليلًا فأخره إلى الصباح أو لحاجة أكل أو شرب أو نحوه.
стр. 535
الطلب (١) ويبادر إلى المشتري بنفسه أو وكيله، فإن بادر هو أو وكيله من غير إشهاد فهو على شفعته، وإن اقتصر على الطلب مجردًا عن مواجهة المشتري قال الحارثي فالمذهب الإِجزاء (٢) وإن كان غائبًا فسار في طلبها ولم يشهد مع القدرة على الإِشهاد سقطت شفعته في أحد الوجهين (٣) وإن أظهر له زيادة في الثمن أو نقصًا في المبيع أو أن المشتري غيره لم تسقط، ولا يصح الصلح عنها (٤) وإن دل في البيع أو توكل لأحد المتبايعين (٥) أو جعل له الخيار فاختار إمضاء البيع فهو على شفعته (٦) وقيل تسقط إذا كان وكيلًا للمشتري
(١) (على الطلب) فله أن يخاصم ولو بعد أيام أو أشهر أو سنين، لأن الإِشهاد دليل على رغبته خلافًا لأبي حنيفة.
(٢) (الإجزاء) وصرح به في المحرر، لكن بقيد الإشهاد، ومفهوم إيراد بعضهم عدم الإِجزاء أن الواجب المواجهة.
(٣) (في أحد الوجهين) وهو المذهب، لأن السير يكون لطلب الشفعة وغيره.
(٤) (الصلح عنها) قولًا واحدًا، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك يصح لأنه عوض عن إزالة ملك، وإن بذل للشفيع عوضًا ليسقط شفعته وقبل الشفيع فليس بحيلة، وتسقط شفعته بذلك لأنه فرط، وإن بذل له بعد ما شفع لم تسقط لأنه ملكه بالشفعة من حاشية الزاد.
(٥) (لأحد المتبايعين) هذا المذهب، وهو ظاهر مذهب الشافعي.
(٦) (على شفعته) هذا المذهب وبه قال مالك والشافعي، وقال أصحاب الرأي تسقط. ولنا أن هذا سبب سبق وجوب الشفعة كالإِذن في البيع.
стр. 536
اختاره القاضي، وإن أسقط شفعته قبل البيع لم تسقط (١)
وقيل تسقط اختاره الشيخ (٢) وإذا بيع في شركة الصغير شقص ثبتت له الشفعة في قول عامة الفقهاء (٣) فإن كان الأخذ أحظ لزم الولي وثبت ملك الصبي ولم يملك نقضه بعد البلوغ (٤) وإن تركها الولي وفيها حظ للصبي لم تسقط، وللصبى الأخذ بها إذا كبر (٥) وقال ابن حامد: إن تركها لحظ الصبي أو لأنه ليس للصبي ما يأخذها به سقطت (٦) وقال القاضي: يحتمل أن لا تسقط (٧).
(فصل) فإن كان الشفعاء غائبين فقدم أحدهم فليس له إلا أن يأخذ الكل أو يترك، فإذا أخذ الجميع ثم حضر آخر قاسمه إن شاء أو عفا فبقى للأول، والشفعة توزع بينهم على قدر ملكهم، وعنه على عدد
(١) (لم تسقط) هذا المذهب وبه قال مالك والشافعي والبتي وأصحاب الرأي.
(٢) (اختاره الشيخ) وهو قول الحكم والثوري وأبي خيثمة وطائفة من أهل الحديث لقوله ﵊ "من كان له شركة في أرض ربعة أو حائط - إلى قوله - وإن شاء ترك" ومحال أن يقول رسول الله ﷺ فإن شاء ترك ولا يكون لتركه معنى. قلت وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه، قاله في حاشية المقنع.
(٣) (عامة الفقهاء) منهم الحسن وعطاء ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وقال ابن أبي ليلى: لا شفعة له.
(٤) (بعد البلوغ) في قول مالك والشافعي، وقال الأوزاعي: ليس للولي الأخذ بها.
(٥) (إذا كبر) وهو المذهب وبه قال الأوزاعي وزفر ومحمد بن الحسن.
(٦) (سقطت) وهو ظاهر مذهب الشافعي واختاره الشيخ، لأن الولي فعل ماله فعله فلم يجز للصبي نقضه كالرد بالعيب.
(٧) (يحتمل أن لا تسقط) فإن لم يأخذ الولي انتظر بلوغ الصبي كما ينتظر قدوم الغائب، وبه يبطل ما ذكروه من الضرر في الانتظار. إذا ثبت هذا فإن للصغير إذا كبر الأخذ بها في ظاهر قول الخرقي سواء عفا أو لم يعف، وهو ظاهر كلام أحمد وقول الأوزاعي.
стр. 537
الرءوس، فإن كان المشتري شريكًا
فالشفعة بينه وبين الآخر (١)، فإن وهب بعض الشركاء نصيبه من الشفعة لبعض الشركاء أو لغيره لم تصح الهبة وسقطت (٢) وإذا كانت دارًا بين اثنين فباع أحدهما نصيبه لأجنبي صفقتين ثم علم شريكه فله أن يأخذ بالبيعين، وله أن يأخذ بأحدهما، فإن أخذ بالثاني شاركه المشتري في شفعته في أحد الوجهين (٣)، وإن أخذ بالأول لم يشاركه، وإن أخذ بهما لم يشاركه في شفعة الأول ولا في شفعة الثاني في أحد الوجهين (٤) وإن تلف بعض المبيع أو انهدم ولو بفعل الله تعالى فللشفيع أخذ الباقي. وقال ابن حامد: إن كان تلفه بفعل الله فليس له أخذه إلا بجميع الثمن (٥).
(فصل) وإن تصرف مشتريه بوقفه أو هبته أو تصدق به سقطت شفعته (٦) وقال أبو
بكر لا تسقط (٧) وإن باع فللشفيع الأخذ بأي البيعين شاء (٨)، فإن أخذ بالأول رجع الثاني على الأول، ولا تسقط برهنه
(١) (وبين الآخر) وبه قال أبو حنيفة والشافعي لأنهما تساويا في الشركة، وحكى عن الحسن والشعبي لا شفعة للآخر لأنه لا ضرر في شرائه.
(٢) (وسقطت) الشفعة، لأن ذلك دليل إعراضه عنها.
(٣) (في أحد الوجهين) وهو الصحيح من المذهب هذا مذهب أبى حنيفة وبعض أصحاب الشافعي والثاني لا يشاركه فيها.
(٤) (وفي أحد الوجهين) قال الحارثي: وهو الأصح، قال في الإِنصاف وهو الصواب، وجزم به في الإقناع لأنه لم تسبق له شركة.
(٥) (بجميع الثمن) أو يترك وهو قول أبي حنيفة وقول الشافعي، لأن الأخذ بغير شيء إضرار به والضرر لا يزال بالضرر. ولنا أنه تعذر أخذ الجميع وقدر على أخذ البعض فكان له بالحصة كما لو تلف بفعل آدمي.
(٦) (سقطت شفعته) هذا المذهب في الجميع، لأنه الشفعة إنما تثبت في المملوك، وقد خرج بهذا عن كونه مملوكًا.
(٧) (لا تسقط) ويأخذه بالثمن الذي وقع به البيع، وهذا قول مالك والشافعي وأبي حنيفة لأن حق الشفيع أسبق فلم يملك المشتري تصرفًا يبطل حقه، قال المصنف: القياس قول أبي بكر، قال في الفائق: وخص القاضي النص بالوقف ولم يجعل غيره مسقطًا، واختاره شيخنا، يعني به تقي الدين.
(٨) (وإن باع إلى آخره) هذا المذهب، لأن سبب الشفعة الشراء وقد وجد منهما، وعلم منه صحة تصرف المشتري في الشقص قبل الطب لأنه ملكه.
стр. 538
وإجارته، وينفسخان بأخذه بالشفعة من حين أخذه (١)، ولا يصح تصرفه بعد الطلب بل يحرم، وإن فسخ البيع بعيب أو إقالة أو تحالف ثم علم الشفيع فله الأخذ بها، ويأخذه بالعيب والإِقالة بالثمن الذي وقع عليه العقد (٢) وفي التحالف بما حلف عليه البائع، وإن فسخ البائع لعيب في الثمن المعين قبل الأخذ بالشفعة فلا شفعة (٣) وإن كان الفسخ بعد الأخذ بالشفعة استقرت للشفيع وللبائع إلزام المشتري بقيمة شقصه ويتراجع المشتري والشفيع بما بين القيمة والثمن (٤) ولا يرجع شفيع على مشتر بأرش في ثمن عفا عنه بائع، وإن قاسم
المشتري وكيل الشفيع أو قاسم الشفيع لكونه أظهر زيادة في الثمن ونحوه فغرس أو بنى فللشفيع أن يدفع إليه قيمة الغراس والبناء ويملكه أو يقلعه ويضمن النقص (٥) فإن اختار أخذه فأراد
(١) (من حين أخذه) هذا أحد الوجوه وهو المذهب، والثاني لا تنفسخ ويستحق الإِجارة من يوم أخذه، والثالث للشفيع الخيار.
(٢) (الذي وقع عليه العقد) إذا رضى الشفيع بالعيب، فلا رد للمشتري لخروج الشقص عن ملكه، وله الأرش للعيب.
(٣) (فلا شفعة) لما فيها من الإِضرار بالبائع بإسقاط حقه من الفسخ الذي استحقه بوجود العيب.
(٤) (بما بين القيمة والثمن) فيرجع دافع الأكثر منهما بالفضل، فإذا كان قيمة الشقص مائة وقيمة العبد الذي هو الثمن مائة وعشرين وكان المشترى أخذ المائة والعشرين من الشفيع رجع الشفيع عليه بالعشرين لأن الشقص إنما استقر عليه بالمائة.
(٥) (ويضمن النقص) وبهذا قال الأوزاعي وجمع ذكرتهم في الزاد، وقال حماد بن سليمان والثوري وأصحاب الرأي: يكلف المشتري القلع ولا شيء له، لأنه بني فيما استحق عليه أخذه، فأشبه الغاصب. ولنا قوله "لا ضرر ولا إضرار" ولا يزول الضرر عنهما إلا بذلك.
стр. 539
المشتري قلعه فله ذلك. وإن باع الشفيع ملكه قبل العلم لم تسقط في أحد الوجهين.
(فصل) وإن طلب الإِمهال في الثمن أمهل يومين أو ثلاثة، وللمشتري الفسخ (١) بعدها بلا حاكم (٢) وإن كان مؤجلًا أخذه الشفيع بالأجل (٣) ولو لم يتفق طلب الشفعة إلا عند حلول الأجل أو بعده فقال في الإِقناع: فكالحال، وقال في حاشية المقنع: ثبت له استئناف الأجل (٤) وإن كان الثمن عرضًا أعطاه مثله إن كان ذا مثل وإلا فقيمته (٥) والشفعة نوع من البيع، لكن لا خيار فيها لأنه قهري، ولا شفعة في خيار قبل انقضائه (٦) وبيع المريض كبيع الصحيح. وإن أقر بائع ببيع وأنكر مشترٍ أخذه الشفيع من يد البائع، وليس للشفيع ولا للبائع محاكمة المشترى ليثبت البيع في حقه مع إنكاره فيدفع الثمن إلى
(١) (وللمشتري الفسخ) لأنه تعذر عليه الوصول إلى الثمن فملك الفسخ كبائع بثمن حال.
(٢) (بلا حاكم) لأن الأخذ بالشفعة لا يقف على حكم حاكم فلا يقف فسخ للأخذ بها عليه كالرد بالعيب.
(٣) (أخذه الشفيع بالأجل) هذا المذهب، وقال أبو حنيفة لا يأخذ إلا بثمن حال. ولنا أن الشفيع تابع للمشتري في قدر الثمن وصفته. زاد.
(٤) (استئناف الأجل) قطع به الحارثي ونصره قاله في الإنصاف، والعمل على ما في الإقناع.
(٥) (وإلا فقيمته) وقت لزومه، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي.
(٦) (قبل انقضائه) سواء كان خيار مجلس أو شرط لهما أو لأحدهما، وقال أبو حنيفة: إن كان الخيار للمشتري فقد انتقل الملك إليه فملك الشفيع الأخذ.
стр. 540
البائع إن لم يقر بقبضه وإلا بقي في يد الشفيع
أمانة حتى يطلبه المشتري أو يدفعه إلى الحاكم فيحفظه له إلى أن يدعيه، وإن أبى المشتري قبض المبيع ليسلمه للشفيع أجبره الحاكم عليه (١) وقال أبو الخطاب: قياس المذهب أن ياخذه الشفيع من يد البائع (٢) ولم ير أحمد في أرض السواد شفعة، وكذا الحكم في سائر الأرض التي وقفها عمر كأرض الشام ومصر وغيرها مما لم يقسم بين الغانمين إلا أن يحكم ببيعها حاكم أو يفعله الإِمام أو نائبه فتثبت فيه (٣) ولا شفعة للمضارب على رب المال (٤) ولا لرب المال على المضارب (٥)
(١) (أجبره الحاكم عليه) هذا المذهب، لأن القبض واجب ليحصل حق المشتري من تسليمه.
(٢) (من يد البائع) واختاره المصنف، وقال الحارثي: هو الأصح، وبه قال أبو حنيفة للزوم العقد في العقار قبل القبض وجواز التصرف فيه بنفس العقد.
(٣) (فتثبت فيه) قاله في المغني والشرح، لأنه يختلف فيه، وحكم الحاكم ينفذ فيه وفعله كحكمه.
(٤) (على رب المال) وصورته أن يكون للمضارب شقص في دار فيشترى من مال المضاربة بقيتها فلا شفعة له على الأصح إن ظهر ربح، وإن لم يظهر ربح وجبت لأنه أجنبي، هذا على القول بملك المضارب حصته من الربح بالظهور.
(٥) (على المضارب) وصورته أن يكون لرب المال شقص من دار فيشترى المضارب من مال المضاربة بقيتها فلا شفعة لرب المال لأن الملك له فلا يستحق الشفعة على نفسه.
стр. 541
فيما يشتريه للمضاربة في أحد الوجهين.
باب الوديعة (١)
(١) (الوديعة) اسم للمال أو المختص ككلب صيد، والمودع بفتح الدال أي المدفوع إلى من يحفظه بلا عوض، فيخرج عن هذا ما لا يحترم كالخمر، وبقيد عدم العوض الأجير على حفظ المال.
стр. 542
والإِيداع توكيل في حفظه تبرعًا، والاستيداع توكل في حفظه كذلك بغير تصرف، وقبولها مستحب لمن يعلم من نفسه الأمانة (١)، وهي أمانة لا ضمان عليه فيها (٢). وإن تلفت من بين ماله لم يضمن في أصح الروايتين (٣) ولو لم يتلف من ماله شيء. وإن شرط عليه ضمانها أو قال أنا ضامن لها لم يضمن، فإن أذن المالك في التصرف وفعل صارت عارية مضمونة، وهي عقد جائز من الطرفين، ومن حصل بيده أمانة بغير
رضا صاحبها كاللقطة. ومن أطارت الريح إلى داره ثوبًا وجب المبادرة إلى الرد مع العلم بصاوبها والتمكن منه، وله إعلامه ذكره جمع (٤)، وإن قال: لا تخرجها ولو خفت عليها فأخرجها عند الخوف أو تركها لم يضمن (٥) ووديع البهيمة إن تعذر عليه صاحبها أو وكيله رفع أمرها إلى الحاكم
(١) (الأمانة) لأن فيه قضاء حاجة أخيه المؤمن ومعاونته.
(٢) (لا ضمان عليه فيها) لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ "من أودع وديعة فلا ضمان عليه" رواه ابن ماجة.
(٣) (في أصح الروايتين) والثانية إن ذهبت من بين ماله ضمنها، لما روي عن عمر أنه ضمن أنس بن مالك وديعة ذهبت من بين ماله، والأول أصح لأن الله سماها أمانة، والضمان ينافيها وقال ﵊ "ليس على المودع غير المغل ضمان" رواه الدارقطني بإسناد ضعيف.
(٤) (ذكره جمع) قال في الإِنصاف: وهو مراد غيرهم، لأن مؤنة الرد لا تجب، وإنما يجب التمكين من الأخذ.
(٥) (لم يضمن) هذا المذهب، فإن أخرجها في هذا الحال لغير خوف ضمن.
стр. 543
وفعل ما يرى الحظ لصاحبها (١) وإن خاف المقيم على الوديعة إذا سافر بها ولم يجد مالكها ولا وكيله في قبضها دفعها إلى الحاكم المأمون (٢)، فإن تعذر ذلك أودعها ثقة (٣) أو دفنها وأعلم بها ثقة يسكن تلك الدار، وحكم من حضرته الوفاة حكم من أراد سفرًا في دفعها إلى الحاكم أو ثقة وإن منعها بعد أن طالبها شرعًا ضمن، ولا تعود وديعة إلا بعقد جديد، وإن أنكر صاحبها موجب التلف من نار أو سبيل أو أمر ظاهر لزم المستودع البينة، فإذا ثبت
لم يلزمه بينة التلف لتعذره (٤) وإن خلطها بمتميز (٥) أو اختلط غير متميز بغير
(١) (ما يرى الحظ لصاحبها) فإن أذن الحاكم لمن هي بيده أن ينفق عليها فالأولى أن يقدره له قطعًا للنزاع ويرجع به على صاحبها.
(٢) (الحاكم المأمون) والصواب هنا أن يراعى الأصلح في دفعها إلى الحاكم والثقة، فإن استوى الأمران فالحاكم.
(٣) (أودعها ثقة) لفعله ﵊ "لما أراد أن يهاجر، أودع الودائع التي عنده لأم أيمن" الحديث.
(٤) (لتعذره) فلم يطالب بها كما لو أدى نقلها بأمر خفى، وهذا قول الشافعي.
(٥) (وإن خلطها بمتميز) كدراهم بدنانير أو دراهم بيض بسود.
стр. 544
تفريط منه لم يضمن، فإن ضاع البعض جعل من مال المودع، وقال المجد: لا يبعد أن يكون الهالك منهما، وإن أخذ درهمًا ثم رده أو بدله متميزًا (١) أو أذن له في أخذه منها ورد بدله بلا إذن فضاع الكل ضمنه وحده، وإن رد بدله غير متميز ضمن الجميع (٢)، ويحتمل أن لا يضمن غيره (٣)، وإن أودعه صبي وديعة ضمنها ولم يبرأ إلا بالتسليم إلى وليه إلا أن يأخذها لحفظها حسنة فلا ضمان عليه (٤)، وإن أودع الصبي وديعة فتلفت بتفريطه أو أتلفها لم يضمن (٥)، وقال القاضي: يضمن، ويضمن العبد المكلف في رقبته إذا أتلفه؛ وإذا مات إنسان وثبت عنده وديعة ولم توجد بعينها فهي
دين عليه تغرم من تركته (٦).
(فصل) والمودع أمين، والقول قوله في الإِذن في دفعها إلى إنسان (٧) وقيل لا يقبل (٨) ولو سلم
(١) (أو بدله متميزًا) إلى آخره، هذا المذهب وبه قال الشافعي، وقاك مالك: لا ضمان عليه إذا رده أو مثله، ولنا أن الضمان تعلق بذمته بالأخذ، بدليل أنه لو تلف في يده قبل رده ضمنه، فلا يزول إلا برده إلى صاحبه كالمغصوب.
(٢) (ضمن المجميع) هذا المذهب، لخلطه الوديعة بما لا تتميز منه.
(٣) (أن لا يضمن غيره) وهو رواية، جزم به القاضي في التعليق وقطع به أبو الحسين القاضي واختاره أبو بكر، وقال الحارثي: وهو المذهب، ومال إليه في المغنى.
(٤) (فلا ضمان عليه) كالمال الضائع والموجود في مهلكة إذا أخذه وتلف، وكذا لو أخذ المال من الغاصب تخليصًا له ليرده إلى مالكه.
(٥) (لم يضمن) هذا المذهب، وهو ظاهر قول أبي حنيفة، قال ابن عقيل: وهو أصح عندي.
(٦) (تغرم من تركته) وهكذا مضاربة ورهن ونحوها من الأمانات، لأنه لم يتحقق براءته كبقية الديون.
(٧) (في دفعها إلى إنسان) هذا الصحيح، وهو من المفردات، وبه قال ابن أبي ليلى.
(٨) (وقيل لا يقبل) وبه قال مالك والشافعي والثوري وأصحاب الرأي، قال الحارثي: وهو أقوى.
стр. 545
وديعة إلى غير ربها كرهًا لم يضمن، وإن آل الأمر إلى الحلف حلف متأولًا (١) وإن حلف ولم يتأول أثم ووجبت الكفارة، لكن إثم حلفه دون إثمه بإقراره (٢)، وإن أكره على الحلف بالطلاق فكإكراهه على إيقاعه، ولو دخل حيوان لغيره إلى داره فعليه أن يخرجه ليذهب كما دخل (٣) ويجب رد الوديعة إلى ربها إذا طلبها، وليس على المستودع مؤنة الرد ولا مؤنة حملها بل عليه التمكين من الأخذ فقط.
(فصل) وإن قال لم تودعني ثم أقر بها أو ثبتت ببينة فادعى الرد أو التلف قبل جحوده (٤)، وأقام بينة لم يقبل قوله، ولا بينته (٥)، ويحتمل أن تقبل بينته (٦)، وإن كان ما ادعاه من الرد والتلف بعد جحوده (٧) وأقام بذلك بينة قبلت بهما لأنه ليس بمكذب لها وإن وجد خط مورثه "لفلان عندي وديعة" أو على كيس ونحوه "هذا لفلان" عمل به وجوبًا (٨) وإن وجد خطه بدين له على فلان جاز للورثة الحلف
(١) (متأولًا) وإن لم يحلف حتى أخذت منه وجب الضمان.
(٢) (دون إثمه بإقراره) أثم لكذبه، ولكن حفظ مال الغير عن الضياع آكد من بر اليمين.
(٣) (ليذهب كما دخل) لأن يده لم تثبت عليه، بخلاف الثوب ذكره ابن عقيل.
(٤) (قبل جحوده) بأن يدعى عليه الوديعة يوم الجمعة فينكرها ثم يقر أو تقوم بينة بها فيقيم بينة بأنها تلفت أو رها يوم الخميس أو قبله مثلًا.
(٥) (ولا بينته) هذا المذهب وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي وإسحق لأنه مكذب لإنكاره الأول ومعترف على نفسه بالكذب المنافى للأمانة.
(٦) (ويحتمل أن تقبل بينته) لأن صاحبها لو أقر بذلك سقط عنه فتسمع البينة به، قال الحارثي: وهو الحق والمذهب عندي.
(٧) (بعد جحوده) كما لو ادعى عليه بالوديعة يوم الخميس إلى آخره.
(٨) (عمل به وجوبًا) على الصحيح من المذهب، وقيل لا يعمل به ويكون تركة اختاره المصنف والشارح وغيرهما.
стр. 546
مع شاهد (١) ودفع إليه بخلاف الشهادة (٢) وإن وجد خطه بدين عليه عمل به (٣) وإن ادعى الوديعة اثنان فأقر بها لأحدهما فهي له (٤) مع يمينه ويحلف المودع أيضًا
للمدعى الآخر (٥). وإن أقر بها لهما فهي بينهما ويحلف لكل واحد منهما، وإن قال: لا أعرف صاحبها حلف (٦) أنه لا يعلم ويقرع بينهما، فمن قرع صاحبه حلف وأخذها (٧).
(١) (الحلف مع شاهد) إذا كان يعلم أن وارثه لا يكتب إلا حقًّا.
(٢) (بخلاف الشهادة) فيجوز الخلف على ما لا تجوز الشهادة به، إذ لا يشهد على شهادة أبيه أو غيره إذا رآها بخطه.
(٣) (عمل به) وجوبًا ودفع إلى من هو مكتوب باسمه، وقيل لا يعمل به.
(٤) (فهي له) لأن اليد كانت للمودع ونقلها إلى المدعى فصارت اليد له، ومن كانت اليد له قبل قوله مع يمينه.
(٥) (للمدعى الآخر) لأنه منكر لدعواه، وتكون على نفى العلم قاله في المبدع، فإن نكل لزمه بدلها له لأنه فوتها عليه.
(٦) (حلف) إن كذباه، وإن صدقاه أو سكتا فلا يمين عليه.
(٧) (وأخذها) وقال الشافعي: يتحالفان وتوقف بينهما حتى يصطلحا، وهو قول ابن أبي ليلى لأنه لا يعلم المالك منهما، وللشافعى قول آخر أنها تقسم بينهما وحكاه ابن المنذر عن أبي ليلى وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه.
стр. 547
باب إحياء الموات (١)
وهي الأرض الدائرة التي لا يعلم لها أنها ملكت، ولم يوجد فيها أثر عمارة ولا ينتفع بها (٢) ملك بالإِحياء (٣)، وإن علم له مالك بشراء أو عطية والمالك موجود هو أو واحد من ورثته لم يملك بالإِحياء (٤) وإن علم مالكه ولم يعقب وارثًا لم يملك وأقطعه الإمام من شاء لأنه فيء، وإن كان ملك بالإِحياء ثم ترك حتى عاد مواتًا لم يملك بالإِحياء إذا كان لمعصوم (٥) وإن علم ملكه لمعين غير معصوم (٦) إذا أحياه بدار حرب واندرس كان كموات أصلي، وإن لم يعلم مالكه وفيه آثار الملك فعلى روايتين (٧) إلا موات
(١) (الموات) قال الأزهرى: هي الأرض التي ليس لها مالك ولا بها ماء ولا عمارة ولا ينتفع بها.
(٢) (ولا ينتفع بها) كالطريق والأفنية ومسيل المياه والمحتطبات ونحوها فلا يملك شيء من ذلك بالإحياء.
(٣) (ملك بالإحياء) بلا خلاف بين القائلين بالإحياء قاله من المغنى والشرح.
(٤) (لم يملك بالإحياء) حكاه ابن عبد البر إجماعًا.
(٥) (إذا كان لمعصوم) وقال مالك يملك لعموم "من أحيا أرضًا ميتة فهي له". ولنا أن هذه الأرض يعرف مالكها فلم تملك بالإحياء والخبر مقيد بغير المملوك.
(٦) (غير معصوم) أي الذي لا ذمة له ولا أمان يملكه المسلم بالإِحياء، لأن ملك من لا عصمة له كعدمه.
(٧) (فعلى روايتين) ما أثر الملك فيه غير جاهلي كالقرى الخربة بفتح الخاء كسر الراء والعكس جمع خربة بسكون الراء وهي ما تهدم من البناء ملك بالإِحياء في إحدى الروايتين، والصحيح التفرقة بين دار الإِسلام والحرب، قال الحارثي: وبالجملة فالصحيح المنع في دار الإسلام.
стр. 548
الحرم وعرفات فلا يملك مطلقًا (١) ومنى ومزدلفة من الحرم،
وموات العنوة (٢) كغيره ولا خراج عليه إلا أن يكون ذميًا، ولا يملك مسلم ما أحياه من أرض كفار صولحوا على أنها لهم، ولنا الخراج عنها، وما قرب من العامر وتعلق بمصالحه لم يملك بالإِحياء كطرقه وفنائه ومحتطبه ومرعاه، وحريم النهر والبئر وما أعد لصلاة العيدين ومدافن الموتى (٣) وإن لم جعلق بمصالحه يملك بالإِحياء (٤) ولو اختلفوا في الطريق وقت الإِحياء جعل سبعة أذرع للخبر، ولا تغير بعد وضعها إن زادت، ولا تملك معادن ظاهرة وهي
(١) (فلا يملك مطلقًا) لما فيه من التضييق على الناس في أداء المناسك وإختصاصه بمحل الناس فيه سواء.
(٢) (وموات العنوة) كأرض الشام ومصر والعراق كغيره مما أسلم أهله عليه كالمدينة، وما صولحوا على أن الأرض للمسلمين، وما روى عن الإِمام ليس في أرض السواد موات حمله القاضي على العامر، ولعله مراد أحمد، لأنها كلها عامرة زمن عمر ﵁.
(٣) (ومدافن الموتى) فكل مملوك لا يجوز إحياء ما تعلق بمصالحه قاله في المبدع بغير خلاف نعلمه، لمفهوم قوله "لا حق فيها لمسلم فهي له".
(٤) (يملك بالإِحياء) وهو الصحيح من المذهب وبه قال الشافعي، لعموم ما تقدم، ولحديث بلال بن الحارث. زاد.
стр. 549
تفتقر إلى عمل كملح ونحوه (١) ولا باطنة وهي ما يحتاج إخراجها إلى حفر ومؤنة (٢) ظهرت أولا كحديد ونحوه (٣) وما
ظهر بإظهاره فإنه يملك بالإِحياء، وليس للإِمام إقطاع معادن ظاهرة أو باطنة (٤) وصحح في الشرح جوازه (٥) وإذا ملك المحيي ملكه بما فيه من المعادن الجامدة كالذهب والفضة ونحوهما (٦) وإن ظهر فيه عين ماء أو معدن جاز (٧) أو كلأَ أو شجر فهو أحق به، ولا يملكه في إحدى الروايتين (٨) وما
(١) (كملح ونحوه) كالقار والنفط ونحوهما، لأن فيه ضررًا على المسلمين وتضييقًا عليهم.
(٢) (إلى حفر ومؤنة) هذا المذهب، لأن الإِحياء الذي يملك به هو العمارة التي يتهيأ بها المحيا للانتفاع من غير تكرار عند كل انتفاع، بخلاف ما يحتاج إلى حفر وتخريب عند كل انتفاع.
(٣) (كحديد ونحوه) من نحاس وذهب وفضة ومراده إذا كان ظاهرًا في الأرض قبل الإحياء.
(٤) (ظاهرة أو باطنة) لما فيه من التضييق، لما روى أبو عبيد وأبو داود والترمذي بإسناده عن أبيض بن حمال "أنه استقطع رسول الله ﷺ معدن الملح الذي بمأرب، فلما ولى قيل يا رسول الله أتدري ما أقطعت له؟ إنما أقطعته الماء العد، فرجعه. قال: قلت يا رسول الله ما يحمى لي من الأراك؟ قال: ما لم تنله أخفاف الإِبل" وهو حديث غريب. قال محمد بن الحسن المخزومي: أخفاف الإبل يعني أن الإِبل تأكل منتهى رءوسها ويحمى ما فوقه، وفي لفظ عنه أنه قال: لا حمى في الأراك.
(٥) (جوازه) لأن النبي ﷺ أقطع بلال بن الحارث المزنى معادن القبلية جليسها بفتح فسكون وهو ما ارتفع من الأرض، وغوربها بفتح فسكون وهو ما انخفض منها، وحيث يصلح الزرع من قدس بضم وسكون ولم يعطه حق مسلم كتب له النبي ﷺ على ذلك.
(٦) (كالذهب والفضة ونحوهما) ظاهرة كانت أو باطنة تبعًا للأرض بجميع أجزائها وطبقاتها وهذا منها.
(٧) (جاز) الذي إذا أخذ منه شيء خلفه غيره.
(٨) (في إحدى الروايتين) وهي المذهب، لقوله ﵊ "الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار" رواه ابن ماجة والخلال وغيرهما، والثانية يملك لأنه خارج من الأرض أشبه المعادن الجامدة واختاره أبو بكر في الماء والكلأ.
стр. 550
فضل من مائه لزم بذله
لبهائم غيره (١) ويلزمه بذله لزرع غيره في إحدى الروايتين (٢) فإن آذاه بالدخول أو حازه في إناء ونحوه فله منعه وعند الأذى بدخول الماشية إليه (٣) وإذا حفر بئرًا بموات للسابلة فالناس والحافر سواء (٤) وإن حفرها ليرتفق بمائها (٥) وبعد رحيلهم تكون سابلة فإن عادوا إليها كانوا أحق بها ولم يملكوه، قال في المغنى وعلى كل حال لكل أحد أن يستقى من الماء الجاري لشربه ولطهارته وغسل ثيابه والانتفاع به في أشباه ذلك مما لا يؤثر فيه من غير أذى (٦) قال الحارثي: الفضل الواجب بذله ما فضل عن شفته وشفة عياله وعجنهم وطبخهم ومواشيه وزرعه وبساتينه.
(فصل) إحياء الأرض أن يحوزها بحائط منيع يمنع من وراءه (٧) أو يجرى لها ماء
إن كانت لا تزرع
(١) (لبهائم غيره) أي الذي في قرار العين والبئر إن لم يوجد ماء مباح ولم يتضرر رب الأرض.
(٢) (في إحدى الروايتين) وهي المذهب، لحديث "لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ" متفق عليه. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا "من منع فضل مائة أو فضل كلإِه منعه الله فضله يوم القيامة" رواه أحمد، ولا يتوعد على ما يحل.
(٣) (بدخول الماشية إليه) فيجوز لرعاتها سبرق الماء إليها، ولا يلزمه بذل آلة الاستسقاء.
(٤) (فالناس والحافر سواء) وعند الضيق يقدم الآدمى ثم البهائم ثم الزرع.
(٥) (ليرتفق بمائها) كالأعراب ينتجعون أرضا فيحفرون لشربهم وشرب دوابهم فهم أحق بمائها ما قاموا، وعليهم بذل الفاضل، وبعد رحيلهم تكون سابلة للمسلمين.
(٦) (من غير أذى) أي إذا لم يدخل عليه في مكان محوط، ولا يحل لصاحبه المنع من ذلك لحديث أبي هريرة مرفوعًا "ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل كان بفضل ماء فمنعه ابن السبيل" رواه البخاري.
(٧) (وراء) سواء أرادها لزرع أو غيره، وهذا الصحيح من المذهب وقطع به الخرقي لما روى الحسن عن سمرة مرفوعًا "من أحاط حائطًا على أرض فهي له" رواه أبو داود.
стр. 551
إلا به (١) أو يحفر بئرًا (٢) أو يغرس فيها شجرًا، وإن كانت غياضًا وأشجارًا فبأن يقلع أشجارها المانعة من الزرع، ولا يحصل الإِحياء بمجرد الحرث والزرع (٣) وقيل إحياء الأرض ما عده الناس إحياء، وهو ما تتهيأ به لما يراد منها من زرع أو بناء (٤) وحريم عين خمسمائة ذراع نص عليه (٥) وقيل قدر الحاجة (٦) وحريم نخل مد جريدها (٧) وحريم أرض لزرع ما يحتاج لسقيها وربط دابتها ونحو ذلك، ودار من موات حولها مطرح ترابها وممر بابها، ولا حريم لدار محفوفة بملك الغير،
ومن نزل عن وظيفة لزيد
(١) (إلا به) بأن يسوقه من نهر أو بئر أو غيره.
(٢) (أو يحفر بئرًا) فإن لم يصل إلى الماء فهو كالمتجر الشارع في الإحياء فلا يملكها بذلك، لكن يصير أحق الناس به.
(٣) (والزرع) لأنه لا يراد للبقاء، بخلاف الغرس.
(٤) (من زرع أو بناء) وهو رواية اختارها ابن عقيل والقاضي والمصنف في العمدة، لأن الشرع ورد بالتعليق للملك عليه ولم يبينه فوجب الرجوع إلى ما كان إحياء في العرف.
(٥) (نص عليه) من رواية غير واحد، وبه قال أبو حنيفة.
(٦) (قدر الحاجة) ولو ألف ذراع. اختاره القاضي في المحرر وأبو الخطاب في الكافي وغيرهم.
(٧) (مد جريدها) لحديث أبي سعيد "اختصم إلى النبي ﷺ في نخلة فأمر بجريدة من جرائدها فذرعت فكانت سبعة أذرع أو خمسة أذرع فقضى بذلك" رواه أبو داود.
стр. 552
وهو لها أهل لم يتقرر غيره فيها (١) وقال الشيخ: لا يتعين المنزول له ويولى من له الولاية من يستحقها شرعًا. وقال الموضح: ملخص كلام الأصحاب يستحقها المنزول له إن كان أهلًا وإلا فلناظر تولية مستحقها شرعًا (٢) ومثله ما صححه صاحب الفروع لو آثر شخصًا بمكانه في يوم الجمعة لم يكن لغيره سبقه إليه، ومن تحجر مواتًا (٣) لم يملكه وهو أحق به وورثته من بعده وليس له بيعه (٤) وقيل له ذلك لأنه أحق به وعن أحمد رواية إفادة الملك (٥) فإن لم يتم أحياؤه وطالت المدة قيل له إما أن تحييه أو تتركه (٦) فإن طلب الإمهال أمهل الشهرين والثلاثة فإن أحياه غيره في هذه لم يملكه (٧).
(فصل) وللإمام إقطاع الموات لمن يحييه (٨) ولا ينبغي أن يقطع إلا ما قدر على
إحيائه (٩) فإن فعل
(١) (لم يتقرر غيره فيها) من إمامة أو خطابة أو تدريس، فإن قرره من له الولاية كالناظر تم الأمر له.
(٢) (مستحقها شرعًا) فلعل كلام الشيخ قضية عين أو المنزول له ليس أهلًا.
(٣) (ومن تحجر مواتًا) التحجر الشروع في إحيائه، مثل أن يدير حول الأرض ترابًا أو أحجارًا أو بجدار صغير ويصير أحق الناس به، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له" رواه أبو داود.
(٤) (وليس له بيعه) لأنه لم يملكه فلم يملك بيعه، لكن النزول عنه بعوض لا على وجه البيع جائز ذكره ابن نصر الله قياسًا على الخلع.
(٥) (إفادة الملك) قاله الحارثي، قال وهو الصحيح.
(٦) (إما أن تحييه أو تتركه) لأنه ضيق على الناس في حق مشترك فلا يمكن منه، كما لو وقف في طريق ضيق.
(٧) (لم يملكه) هذا أحد الوجهين وهو الصحيح لمفهوم قوله "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم" الحديث.
(٨) (لمن يحييه) هذا المذهب، قال الحارثي قال مالك: يثبت الملك بنفس الإقطاع يبيع ويهب ويتصدق به ويورث عنه وهو الصحيح إعمالًا بحقيقة الإقطاع وهو التمليك اهـ.
(٩) (إلا ما قدر على إحيائه) لأن إقطاعه أكثر ضررًا على المسلمين.
стр. 553
ثم تبين عجزه عن إحيائه استرجعه منه لفعل عمر، ويجوز الإقطاع من مال الجزية كمال الخراج وله استرجاعه بعد (١) وليس لجالس بطريق واسع ونحوه الجلوس بحيث يمنع جاره رؤية المعاملين متاعه أو وصولهم إليه، وله أن يظلل على نفسه بكساء ونحوه لدعاء الحاجة.
(فصل) ومن سبق إلى مباح فأخذه مثل ما ينبت بالجزائر وما ينبذه الناس رغبة عنه فهو أحق به، وإن سبق إثنان قسم بينهما بالسوية؛ ولو ترك دابة بفلاة أو مهلكة ليأسه منها لانقطاعها أو عجزه عن علفها ملكها آخذها (٢) لا عبدًا ولا إذا ترك المتاع فلا يملك (٣) ومن أخذ مما أحياه الإمام عزر في ظاهر كلامهم وظاهره ولا ضمان (٤) وإذا كان الماء في نهر غير مملوك كمياه الأمطار واستوى اثنان في القرب إلى أول النهر اقتسما الماء بينهما إن أمكن وإلا أقرع بينهما فيسقى القارع بقدر حقه ثم
يتركه للآخر، وليس له أن يسقى بجميع الماء لمساواة الآخر له، فإن أراد إنسان إحياء أرض بسقيها منه جاز ما لم يضر بأهل الأرض الشاربة منه، فإن كان الموات أقرب إلى رأس النهر من أرضهم لم يكن له أن يسقى قبلهم على المذهب، واختار الحارثي أن له ذلك (٥)، وليس لهم منعه من إحياء ذلك الموات في أحد الوجهين (٦) وإذا كان النهر بين جماعة (٧) فهو بينهم على حسب العمل والنفقة، فإن كفى جميعهم فلا كلام، وإن لم يكفهم وتراضوا على
(١) (وله استرجاعه بعد) أي بالمصلحة ابتداء ودوامًا، فلو فقدت في أثناء الحال فللإمام استرجاعها.
(٢) (ملكها آخذها) على الصحيح من المذهب. لما روى الشعبى مرفوعًا "من وجد دابة قد عجز عنها أهلها فسيبوها فأحياها فهي له" رواه أبو داود والدارقطني.
(٣) (فلا يملك) بلا نزاع فيهما، ويرجع بالنفقة على الرقيق، وبأجرة حمل المتاع على صاحبه على الصحيح من المذهب.
(٤) (ولا ضمان) على أخذه لأنه مباح والمنع من أجل الافتئات فقط.
(٥) (أن له ذلك) قال: وظاهر الأخبار المتقدمة وعمومها يدل على اعتبار السقى إلى أعلى النهر مطلقًا وهو الصحيح.
(٦) (في أحد الوجهين) قال الحارثي: وهو أظهر، وجزم به في الكافي. والثاني لهم منعه.
(٧) (بين جماعة) كما لو حفروا نهرًا صغيرًا ساقوا إليه الماء من نهر كبير فما حصل فيه ملكوه على الصحيح من المذهب، وعند القاضي أن الماء باق على الإباحة.
стр. 554
قسمه بالمهايأة جاز، وإن تشاحوا قسمه الحاكم بينهم على قدر ملكهم، فإذا حصل نصيب إنسان في ساقيته فله أن يسقى به ما شاء من الأرض (١) سواء كان لها رسم شرب من هذا النهر أو لم يكن، وقال القاضي ليس له سقي أرض ليس لها رسم شرب من هذا الماء، لأن ذلك دال على أن لها قسمًا من هذا الماء (٢) وما حماه النبي ﷺ ليس لأحد نقضه بلا نزاع.
باب الجعالة
وهي جعل شيء معلوم كأجرة من مال حربي فيصح مجهولًا (٣) ولا بأس بجهالة العمل كمن حرس زرعي فله كل يوم كذا (٤) وإن قال لمعين إن رددت لقطتى فلك كذا فلا يستحقه من رده سواه (٥) وإن
(١) (ما شاء من الأرض) وله أن يعطى من يسقى به على الصحيح من المذهب.
(٢) (من هذا الماء) فربما جعل سقيها منه دليلًا على استحقاقها كذلك.
(٣) (فيصح مجهولًا) أن يجعل الإمام من مال حربى كثلث مال فلان الحربى ونحوه لمن يدله على قلعة ونحوها.
(٤) (فله كل يوم كذا) أو من بنى لي هذا الحائط أو إذا أقرضنى فلان بجاهه أو أذن في هذا المسجد شهرًا فله كذا.
(٥) (سواه) وإن كانت بيد إنسان فجعل له مالكها جعلا ليردها لم يبح أخذه، ذكره في المبدع.
стр. 555
أطلق صح العقد واستحق الجعل من ردها ولو كان المسمى في رد العبد أكثر من دينار أو اثنى عشر درهمًا، وإن لم يكن أكثر فله في العبد ما قدره الشارع (١) وإن تلف الجعل مثله إن كان مثليًا وإلا فقيمته (٢) وإن حبسه العامل على جعله فتلف ضمنه، وإن فاوت بين العاملين في الجعل جاز (٣) وإن رده من دون المسافة المعينة فبالقسط (٤) ومن فعله قبل أن يبلغه الجعل لم
يستحقه وحرم عليه أخذه (٥) ويصح الجمع بين تقدير المدة والعمل، كأن يقول: من خاط لي هذا الثوب في يوم فله كذا (٦) وإن جعل له عوضًا مجهولًا كمن رد ضالتى فله نصفها أو ثوابًا مجهولًا أو محرمًا فله في ذلك أجرة المثل وقال المصنف في المغنى: يحتمل أن تصح الجعالة مع الجهل بالعوض إذا كان الجهل لا يمنع التسليم، نحو أن يقول: من رد عبدي الآبق فله نصفه (٧) فأما إن كانت الجهالة تمنع التسليم لم تصح قولًا واحدًا، وإن قال من داوى لي هذا الجرح
(١) (ما قدره الشارع) دينارًا أو اثنى عشر درهمًا، وتلغى التسمية. قطع به الحارثي وصاحب المبدع لاستقراره بتقدير الشارع كأداء ربع الكتابة عند أدائه، وقدم في الفروع لا يستحق إلا المسمى وأطلق الوجهين في المنتهى.
(٢) (وإلا فقيمته) بعد رده إذا تلف بيد الجاعل.
(٣) (جاز) بأن جعل لكل واحد أكثر من الآخر، وإلا فهم سواء إن ردوه جميعًا.
(٤) (فبالقسط) بأن قال: من رده من بلد كذا فرده من بعض الطريق، فإن رده من أبعد منها فله فقط المسمى.
(٥) (وحرم عليه أخذه) لأنه من أكل المال بالباطل، وسواء رده قبل بلوغ الجعل أو بعده، إذ الجعل في مقابلة العمل لا التسليم، إلا أن يتبرع له ربه بعد إعلامه بالحال.
(٦) (فله كذا) فإن أتى به فيها استحق الجعل، وإن لم يف به فيها فلا شئ له.
(٧) (فله نصفه) ومن رد ضالتي فله ثلثها، فإن أحمد قال: إذا قال أمير الغزو من جاء بعشرة رءوس فله رأس جاز.
стр. 556
ونحوه حتى يبرأ فله كذا لم يصح (١) ومن كان معدأ لأخذ الأجرة وأذن له المعمول له فله أجرة المثل (٢) ومن خلص متاع غيره من بحر أو فم سبع أو فلاة له أجرة المثل (٣) ويأخذ من المالك ما أنفق عليه، وعلى دابة في قوت وعلف ولم يستأذن المالك حتى لو هرب منه فله الرجوع
عليه بما أنفق قبل هربه ما لم ينو التبرع. لكن لا جعل له إذا هرب قبل تسليمه أو مات، وإن وجد صاحبه دفعه إليه وإلا دفعه إلى الحاكم أو نائبه (٤) ومتى كان العمل في مال الغير انقاذًا له من التلف كذبح الحيوان المأكول إذا خيف موته كان جائزًا بغير إذن مالكه لأنه إحسان إليه، ولو وقع الحريق بدار ونحوها فهدمها غير صاحبها بغير إذنه على النار لئلا تسري لم يضمن (٥) وإن وجد فرسا لرجل من المسلمين مع أناس من الأعراب وأخذ الفرس منهم ثم إن الفرس مرض بحيث لم يقدر على المشي جاز بيعه (٦) وقد نص الأئمة على هذه المسئلة ونظائرها
(١) (لم يصح) العقد مطلقًا، صححه في الإنصاف وغيره.
(٢) (فله أجرة المثل) كالملاح والمكاري ونحوه قد رصد نفسه لتكسب بالعمل.
(٣) (فله أجرة المثل) هذا الصحيح من المذهب وإن لم يأذن له ربه لأنه يخشى هلاكه وتلفه على مالكه، بخلاف اللقطة.
(٤) (إلى الحاكم أو نائبه) يحفظه أو ثمنه إن رأى المصلحة، ولا يملكه واجده، وإذا اعترف العبد أنه سيده قبل إن كان كبيرًا.
(٥) (لم يضمن) قال ابن القيم: ولو رأى السيل يقصد الدار المؤجرة فبادر وهدم الحائط ليخرج السيل ولا يهدم الدار كان محسنًا ولا يضمن.
(٦) (جاز بيعه) بل يجب عليه في هذه الحالة أن يبيعه لصاحبه وإن لم يكن كله في البيع.
стр. 557
قاله الشيخ.
باب اللقطة (١)
وهي اسم لما يلتقط من مال أو مختص ضائع لغير حربي (٢) يلتقطه غير ربه، وينقسم ثلاثة أقسام: أحدها ما لا تتبعه همة أوساط الناس كالسوط فيملك بأخذه وينتفع به آخذه بلا تعريف (٣) والأفضل
(١) (اللقطة) مفتوحة اللام والقاف قاله في القاموس. وحكى عن الخليل بضم اللام وفتح القاف.
(٢) (لغير حربي) فإن كانت لحربي ملكها واجدها كالحربي إذا ضل الطريق فوجده إنسان فأخذه ملكه.
(٣) (بلا تعريف) لما روى جابر قال: "رخص لنا رسول الله ﷺ في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به" رواه أبو داود.
стр. 558
أن يتصدق به، ولا يلزمه دفع بدله إن تلف إذا وجد ربه، وكذا لو لقى كناس ومن في معناه قطعًا صغارًا متفرقة من الفضة ولو كثرت (١). الثاني الضوال التي تمتنع من صغار السباع مثل ثعلب وذئب ونحوه كابل وبقر وطيور تمتنع بطيرانها فهذا القسم غير الآبق يحرم إلتقاطه (٢) ولا يملك بتعريفه، وإن تبع شئ منها دوابه فطرده أو دخل داره فأخرجه فلا ضمان عليه، لكن لإمام ونائبه فقط أخذ ذلك ليحفظه ولا يلزمهما تعريفه (٣) ولا تكفى فيه الصفة فلا يؤخذ إلا ببينة (٤) ومن أخذه ولم يكتمه ضمنه إن تلف أو نقص كغاصب، وإن كتمه وتلف
ضمنه بقيمته مرتين (٥) ويزول عنه ضمانه بدفعه إلى الإمام أو نائبه
(١) (ولو كثرت) بضم بعضها إلى بعض، لأن تفرقها يدل على تغاير أربابها.
(٢) (يحرم التقاطه) لقوله ﵊ وقد سئل عن ضالة الإبل "ما لك ولها، فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها" وحذاؤها وسقاؤها بطنها، ولحديث "لا يؤوى الضالة إلا ضال" رواه أحمد وابن ماجه.
(٣) (ولا يلزمهما تعريفه) لأن عمر ﵁ لم يكن يعرف الضوال، ولأنه إذا عرف منه حفظ الضوال فمن له ضالة جاء يتعرف ضالته.
(٤) (فلا يؤخذ إلا ببينة) لأن الضالة كانت ظاهرة للناس في يد مالكها فلا يختص بمعرفة صفاتها دون غيره، وإقامة البينة ممكنة لظهورها للناس.
(٥) (بقيمته مرتين) قال أبو بكر في التنبيه: ثبت خبر عن النبي ﷺ أنه قال في الضالة المكتومة غرامتها ومثلها معها، قال: وهذا حكم رسول الله ﷺ فلا يرد.
стр. 559
أو رده بأمره (١) فإن رده بغير أمره ضمنه (٢) ولا يحرم التقاط الكلب المعلم (٣) وينتفع به في الحال. الثالث سائر الأموال كالأثمان والمتاع والغنم والفصلان والعجاجيل والأفلاء، فمن أمن نفسه عليها فله أخذها والأفضل تركها (٤) وهي على ثلاثة أضرب حيوان يتخير بين أكله وعليه قيمته (٥) وبين بيعه وحفظ ثمنه وبين حفظه والإنفاق عليه (٦) وله أن يتولى ذلك بنفسه ولا يحتاج إلى إذن الإمام في الأكل والبيع. الثاني ما يخشى فساده كبطيخ ونحوه فيلزمه فعل الأحظ من أكله وعليه قيمته، أو بيعه بلا إذن حاكم وحفظ ثمنه، إلا أن يمكن تجفيفه كالعنب فيفعل ما يرى الحظ فيه.
(فصل) الثالث سائر الأموال فيلزمه حفظه وتعريفه حولًا (٧) وأجرة المنادى عليه (٨) ويملك بعده
(١) (أو رده بأمره) لما روى الأثرم بسنده "أن عمر قال لرجل وجد بعيرًا: أرسله حيث وجدته" لأن أمره برده كأخذه منه.
(٢) (ضمنه) لأنه بأخذه لزمه حفظه وتركه تضييع له، وبه قال الشافعي، وقال مالك: لا ضمان عليه لأن عمر قال للرجل أرسله حيث وجدته.
(٣) (الكلب المعلم) للصيد عند القاضي وغيره، قال الحارثي: وهو أصح لأنه لا نص في المنع: وليس في معنى الممنوع، وقدم في شرح المنتهي تحريمه.
(٤) (والأفضل تركها) قال أحمد: الأفضل ترك الالتقاط، وروى معناه عن ابن عباس وابن عمر ﵃.
(٥) (وعليه قيمته) في الحال لقوله ﵊ "هي لك أو لأخيك أو للذئب" فجعلها له في الحال.
(٦) (والإنفاق عليه) ويرجع به إن نوى، وهو المذهب وبه قال عمر بن عبد العزيز لأنه أنفق لحفظها، والثاني لا يرجع وهو قول الشعبي والشافعي، ولم يذكر أصحابنا لها تعريفًا في هذا الموضع، وبه قال مالك، ولنا أنها لقطة لها حفظ فوجب تعريفها.
(٧) (وتعريفه حولًا) كيفية تعريفه أن يذكر جنسها لا غير فيقول: من ضاع منه ذهب أو فضة أو دراهم أو دنانير أو ثياب ونحو ذلك، لقول عمر لواجد الذهب "قل الذهب بطريق الشام ولا تصفها".
(٨) (وأجرة المنادى عليه) وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي، لأنه سبب في العمل فكانت عليه، ولأنه لو وليه بنفسه لم يكن له أجر على صاحبها فكذلك إذا استأجر عليه. وقال مالك إن أعطى منها شيئًا لمن عرفها فلا غرم عليه كما لو دفع منها شيئًا لمن حفظه.
стр. 560
حكمًا (١)؛ وعن أحمد لا يملك إلا الأثمان (٢) وعنه لا تملك لقطة الحرم
بحال (٣) وقدم المصنف أن لقطة الحرم كغيرها (٤) وإن كان يرجى وجود صاحبها لم يجب تعريفها في أحد القولين، وإن أخر التعريف عن الحول الأول أثم وسقط (٥) وليس خوفه أن يأخذها سلطان جائر عذرًا في ترك تعريفها.
(فصل) ولا يجوز للملتقط التصرف فيها حتى يعرفها حولًا ويشهد عليها (٦) فإن خرجت عن يده بعد الحول ببيع أو غيره ضمنها بمثلها (٧) وإن لم تكن مثلية ضمنها بقيمتها يوم عرف ربها (٨) وإن وجدها
(١) (ويملك بعده حكمًا) عروضًا كانت أو أثمانًا في إحدى الروايتين لعموم الأحاديث التي في اللقطة، وروى الأثرم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال "أتى رجل رسول ﷺ فقال: يا رسول الله كيف ترى في متاع يوجد في الطريق الميتاء أو في قرية مسكونة؟ فقال: عرفها سنة، فإن جاء صاحبه وإلا فشأنك به".
(٢) (لا يملك إلا الأثمان) لأن الخبر ورد في الأثمان، وغيرها لا يساويها لعدم الغرض المتعلق بعينها، ولنا عموم الأحايث في اللقطة جميعها. فإن النبي ﷺ "سئل عن اللقطة فقال: عرفها سنة" فقال في آخره "فانتفع بها أو فشأنك بها".
(٣) (لا تملك لقطة الحرام بحال) فإن التقطها عرفها أبدًا حتى يأتيها صاحبها، وبه قال عبد الرحمن بن مهدى وأبو عبيد والشيخ والحارثي وغيرهم، وعن الشافعي كالمذهبين لقوله ﵊ في مكة "لا تحل ساقطتها إلا لمنشد" متفق عليه.
(٤) (لقطة الحرم كغيرها) وهو الصحيح من المذهب، وروى عن ابن عمر وابن عباس وعائشة وابن المسيب، وكالمدينة وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، ولعموم الأحاديث، وقوله "لمنشد" يحتمل أنه لمن عرفها عامًا، وتخصيصها بذلك لتأكيدها لا لتخصيصها.
(٥) (أثم وسقط) لأن حكمة التعريف لا تحصل بعد الحول الأول ولم يملكها بالتعريف بعده، وهل يتصدق بها أو يحبسها أبدًا؟ على روايتين.
(٦) (ويشهد عليها) استحبابًا هذا المذهب. وبه قال مالك والشافعي. لحديث زيد وأبي بن كعب فإنه أمرهما بالتعريف دون الإشهاد، ولو كان واجبًا لبينه. وقال أبو حنيفة: يضمنها إذا لم يشهد، وهو اختيار أبي بكر وابن أبي موسى والحارثي وغيرهم، لقوله ﵊ "من وجد لقطة فليشهد ذا عدل، أو ذوى عدل".
(٧) (بمثلها) ولا رجوع لطالبها، لأن تصرف الملتقط وقع صحيحًا لأنه ملكها.
(٨) (ربها) هذا المذهب، لأنه وقت وجوب رد العين إليه لو كانت موجودة. وهذا قول أكثر العلماء القائلين بملكها بعد التعريف. فأما من قال لا يملكها إلا باختياره قال في الإنصاف وهو الصواب لم يضمنه إياها حتى يتملكها.
стр. 561
في زمن خيار لهما أو للبائع وجب الفسخ (١) ولو أدركها مرهونة فله انتزاعها (٢) وإن صادفها قد رجعت إليه بفسخ أو غيره أخذها بنمائها
المتصل، ولا يكفي تصديق عبد ملتقط لواصف (٣) بل لا بد من بينة، لأنه إقرار على سيده، ولا يجوز دفعها بغير وصف ولا بينة ولو ظهر صدقه (٤) ولا فرق بين كون الملتقط غنيًا أو فقيرًا مسلمًا أو كافرًا عدلًا أو فاسقًا ويضم إلى الكافر والفاسق عدل في تعريفها (٥) ومن بعضه حر بينه وبين سيده ولا تدخل في المهايأة (٦) ومن أخذ متاعه كثياب في حمام أو أخذ مداسه وترك بدله فلقطة ويأخذ حقه منه بعد تعريفه (٧) ويسم الإمام ما حصل عنده من الضوال بأنها ضالة ويشهد عليها (٨) ويجوز التقاط
ضالة في مسبعة (٩) أو بمحل يستحل أهلها أموال المسلمين فالأولى أخذها للحفظ، ولا ضمان ولا يملكها قال في الإنصاف: ولو قيل بوجوب أخذها والحالة هذه لكان له وجه.
(١) (وجب الفسخ) وعلم من كلامه أنه لو كان الخيارَ للمشترى وحده فليس لربها إلا البدل.
(٢) (فله انتزاعها) من المرتهن لقيام ملكه وانتفاء إذنه قاله الحارثي. وقال في الإنصاف: قلت يتوجه عدم الانتزاع لتعلق حق المرتهن.
(٣) (لواصف) أي لو كان بيد قن عين وجاء طالبها وقال هي لقطة ووصفها لم يكلف تصديق القن على أنها لقفة، لأن إقرار العبد لا يصح فيما يتعلق برقبته.
(٤) (ولو ظهر صدقه) لاحتمال كذبه، ويضمن الدافع إن جاء آخر فوصفها، وقرار الضمان على الآخذ.
(٥) (في تعريفها) لأ نا لانأمنه عليها، وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
(٦) (في المهايأة) وهو الصحيح من المذهب لأنها كسب نادر لا يعلم وجوده ولا يظن فلم يدخل في المهايأة، والثاني تدخل في المهايأة جزم به في الوجيز، فعلى هذا تكون لمن توجد في يومه.
(٧) (بعد تعريفه) من غير رفعه إلى الحاكم، قال الموفق: هذا أقرب إلى الرفق بالناس، لأن فيها نفعًا لمن سرقت ثيابه ونفعًا للآخر إن كان سارقًا بالتخفيف عنه من الإثم، وقيل لا يعرف مع قرينة سرقة، قال في الإنصاف وهو عين الصواب.
(٨) (ويشهد عليها) لاحتمال تغيره، ثم إن كان له حمى يرعى فيه تركها فيه إن رأى ذلك، وإن رأى بيعها وحفظ ثمنها.
(٩) (في مسبعة) يغلب على الظن أن الأسد يفترسها إن تركت.
стр. 562
باب اللقيط
وهو الطفل المنبوذ إلى سن التمييز، وقيل والمميز إلى البلوغ وعليه الأكثر، ولا
يقر بيد فاسق، ولا تجب نفقته على واجده (١) وإن قطع طرفه عمدًا انتظر بلوغه إلا أن يكون فقيرًا أو مجنونًا فللإِمام
(١) (على واجده) لقول عمر "وعلينا نفقته" وفى لفظ "رضاعه".
стр. 563
العفو على مال ينفق عليه (١) وإن كان عاقلًا انتظر بلوغه سواء كان له مال يكفيه أو لم يكن لأن له حالة تنتظر، ويحبس الجاني إلى أن يصير اللقيط أهلا فيستوفى لنفسه (٢) وقال في الإقناع: إلا أن يكون فقيرًا ولو عاقلًا فلا يجب على الإمام العفو على مال ينفق عليه (٣) وإن ادعاه اثنان فألحقته القافه بهما لحق بهما (٤) فيرث كل واحد منهما إرث ولد كامل (٥) ويرثانه إرث أب واحد، ولأمي أبويه مع أم أمه نصف سدس، وإن اتفق اثنان وخالفهما ثالث أخذ بهما، ومثله طبيبان وبيطران في عيب.
(١) (ينفق عليه) لأن المعتوه ليست له حال معلومة تنتظر، لأن ذلك قد يدوم به.
(٢) (فيستوفى لنفسه) وهذا المذهب ومذهب الشافعي.
(٣) (ينفق عليه) دفعًا لحاجة الإنفاق، قال في شرح المنتهى: إنه المذهب، وصححة في الإنصاف.
(٤) (لحق بهما) روى ذلك عن، عمر وعلي وهو قول أبى ثور، وقال أصحاب الرأي يلحق بهما بمجرد الدعوى، وقال الشافعي: لا يلحق بأكثر من واحد فإن ألحقته بهما سقط قولهما، ولنا ما روى سعيد عن عمر في امرأة وطئها رجلان في طهر واحد، فقال القائف قد اشتركا فيه جميعًا فجعله بينهما.
(٥) (إرث ولد كامل) فإن لم يخلفا غيره ورث جميع مالهما.
стр. 564
كتاب الوقف (١)
وهو تحبيس مالك مطلق التصرف ماله المنتفع به مع بقاء عينه بقطع تصرف الواقف (٢) ويخره في رقبته يصرف ريعه إلى جهة بر تقربًا إلى الله تعالى (٣) ممن يصح
تصرفه (٤) وهو مسنون (٥) ولو جعل سفل
(١) (الوقف) وهو مما اختص به المسلمون، قال الشافعي: لم يحبس أهل الجاهلية، وإنما حبس أهل الإسلام، والأصل فيه ما روى ابن عمر قال: "أصاب عمر أرضًا بخيبر، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها فقال: يا رسول الله إني أصبت مالًا بخيبر لم أصب قط مالًا أنفس عندي منه، فما تأمرنى فيه؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها غير أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث، فتصدق بها عمر في الفقراء وذوي القربى والرقاب وفى سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقًا غير متمول فيه" متفق عليه.
(٢) (بقطع تصرف الواقف) أي إمساك المال عن أسباب التملكات بقطع تصرف مالكه.
(٣) (تقربًا إلى الله تعالى) بأن ينوي به القربة فيترتب عليه الثواب، فإن الإنسان قد يقف على غيره توددًا أو على أولاده خشية بيع عقاره بعد موته وإتلاف ثمنه أو تكون عليه ديون فيخاف أن يحجر عليه فيباع في دينه أو رياء ونحوه فهو وقف لازم لا ثواب فيه لأنه لم يبتغ به وجه الله تعالى، وربما كان بعضه محرمًا.
(٤) (ممن يصح تصرفه) القول بصحة الوقف قول عامة أهل العلم من السلف ومن بعدهم. ولم يره شريح وقال لا حبس عن فرائض الله، قال أحمد: هذا مذهب أهل الكوفة.
(٥) (وهو مسنون) لقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ ولفعله ﵊ وفعل أصحابه، وقال جابر: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ذا مقدرة إلا وقف.
стр. 565
بيته مسجدًا وانتفع بعلوه أو عكسه أو وسطه، ولو لم يذكر استطراقًا كما لو باع أو أجر بيتًا من داره، ويشترط أن يكون في عين يصح بيعها (١) غير مصحف (٢) ويمكن الانتفاع بها دائمًا مع بقاء عينها عرفًا كاستغلال ثمر ونحوه، ويصح وقف المشاع (٣)، ويصح وقف الحلي للبس والعارية (٤)، ولو أطلق وقفه لم يصح (٥)، ولا يصح الوقف في الذمة كقوله وقفت عبدًا أو دارًا، ولا مبهمًا غير معين كأحد هذين (٦) واختار الشيخ الصحة ويخرج بالقرعة (٧) ولا يصح
مرهون وكلب (٨) ولا ما لا ينتفع به مع بقائه دائمًا كالأثمان والمطعوم (٩) والمشروب غير الماء فيصح، وقيل يصح في المطعوم ويكون إذنًا في الإتلاف، وعنه يصح وقف الدراهم وينتفع بها في القرض ونحوه اختاره الشيخ، ولا يصح الوقف على نفسه وعنه
(١) (في عين يصح بيعها) هذا المذهب وبه قال الشافعي، لأن النبي ﷺ قال: "أما خالد فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله" متفق عليه.
(٢) (غير مصحف) فيصح وقفه وإن لم يصح بيعه على ما فيه من خلاف.
(٣) (ويصح وقف المشاع) هذا المذهب وبه قال مالك والشافعي وأبو يوسف، لحديث عمر "أنه أصاب مائة سهم من خيبر فأذن له النبي ﷺ في وقفهما" رواه النسائي، وهذا صفة المشاع.
(٤) (والعارية) هذا المذهب وبه قال الشافعي، لما روى نافع قال ابتاعت حفصة حليًا بعشرين ألفًا فحبسته على نساء آل الخطاب فكانت لا تخرج زكاته" رواه الخلال.
(٥) (لم يصح) قطع به في الفائق، وقال في الإنصاف: لو قيل بالصحة ويصرف إلى اللبس والعارية لكان متجهًا.
(٦) (كأحد هذين) لأن الوقف نقل ملك على وجه الصدقة فلم يصح في غير عين.
(٧) (بالقرعة) وقال الشيخ: المجهول نوعان مبهم وهذا قريب، ومعين مثل أن يقف دارًا لم يرها فمنع هذا بعيد وكذلك هبته.
(٨) (ولا يصح مرهون وكلب) وفي الاختيارات: يصح، إلى أن قال: وأقرب الحدود في الموقوف أنه كل عين تجوز عاريتها.
(٩) (والمطعوم) هذا في قول عامة أهل العلم، إلا شيئًا حكى عن مالك والأوزاعي في وقف المطعوم أنه يجوز.
следующие страницы →