Полный текст (943 стр.). Показаны 911–943 · переход к 916.
стр. 911
وقيل يقبل قوله مع البينة (١) وإن كان فيما قسمه قاسم الحاكم
فعلى المدعي البينة (٢) وإن تقاسموا ثم استحق في حصة أحدهما شيء معين بطلت (٣) ولو كان المستحق من الحصتين على السواء (٤) لم تبطل القسمة فيما بقى (٥) وإن كان شائعًا فيهما بطلت القسمة (٦)، وإذا اقتسما دارين قسمة تراض فيما أحدهما في نصيبه ثم خرجت مستحقة ونقض بناؤه رجع بنصف قيمته على شريكه (٧) وأما قسمة الإِجبار فلا يرجع به (٨) وإن خرج في نصيب أحدهما عيب فله فسخ القسمة (٩) وإن اقتسما فحصلت الطريق في نصيب أحدهما ولا منفذ للآخر بطلت القسمة (١٠) وخرج المصنف في المغنى وجهًا أنها تصح ويشتركان في الطريق
ما لم يشترط صرفها عنه من نص أحمد في مجرى الماء والله أعلم. ولا يمنع دين الميت انتقال تركته إلى ورثته والنماء لهم (١١) فلا
(١) (مع البينة) اختاره المصنف، قلت وهو أقرب لقواعد الشرع.
(٢) (فعلى المدعى البينة) وإلا فالقول قول المنكر مع يمينه، وإنما قدمنا قول المدعى عليه لأن الظاهر صحة القسمة وأداء الأمانة.
(٣) (بطلت) هذا المذهب وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة لا تبطل بل يخير من ظهر المستحق في نصيبه بين الفسخ والرجوع بما بقى من حقه كما لو وجد عيبًا فيما أخذه. ولنا أنها قيمة لم تعدل فيها السهام فكانت باطلة كما لو فعلا ذلك مع علمهما بالحاق.
(٤) (على السواء) بأن اقْتسما أرضًا فاستحق من حصتهما معًا قطعة معينة على السواء في الحصتين.
(٥) (فيما بقى) على الصحيح من المذهب، لأن ما بقى لكل واحد منهما بعد المستحق قدر حقه وإن كان نصيب أحدهما أكثر أو ضرره أكثر بطلت.
(٦) (القسمة) في أحد الوجهين، وهو الصحيح من المذهب اختاره القاضي وابن عقيل لأن الثالث شريكهما ولم يحضر ولا أذن.
(٧) (شريكه) حكاه في الهداية عن القاضي وجزم به في الهداية والمستوعب والخلاصة والنظم والرعايتين والحاوي الصغير وجزم به الشارح ونصره، وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن ليس له الرجوع عليه بشيء لأنه غرس وبنى باختياره كما لو بنى في ملكه نفسه. ولنا أن هذه القسمة بمنزلة البيع فتكون جارية مجرى البيع لأنه لو استحق المبيع رجع عليه بالبناء كله.
(٨) (فلا يرجع به) أي إذا ظهر نصيب أحدهما مستحقًا بعد البناء والغراس فيه فنقض البناء وقلع الغرس وقلنا ليست بيعًا لم يرجع به، هذا الذي يقتضيه قول الأصحاب قاله الشارح.
(٩) (فله فسخ القسمة) إن كان جاهلًا وله الإِمساك مع الأرش هذا المذهب لأنه نقص في نصيبه فملك ذلك كالمشتري.
(١٠) (بطلت القسمة) هذا المذهب لأن القسمة تقتضي التعديل والنصيب الذي لا طريق له لا قيمة له إلا قيمة قليلة فلا يحصل التعديل.
(١١) (والنماء لهم) كأن أثمرت النخل أو كحسب العبد أو نتجت الماشية فللورثة ينفردون به لأنه نماء ملكهم ككسب الجاني، وفيه احتمال لا تنتقل.
стр. 912
يتعلق به حق الغرماء لأن تعلق الدين بها كتعلق جناية برقبة عبد جان لا كتعلق رهن لأن نماء الرهن رهن وكذا دين غرماء بمال مفلس بخلاف ما يخرج من ثلثها من معين موصى به لنحو الفقراء والمساجد فلا ينتقل إلى الورثة بخلاف الموصى به لنحو زيد فإنه ينتقل إلى حين قبوله وتصح قسمتها وظهور دين بعد القسمة لا يبطلها (١) لكن إن امتنعوا من وفائه بيعت فيه وبطلت القسمة (٢) فإن وفي أحدهما دون الآخر صح (٣) وبيع نصيب الآخر، وإن تقاسموا دارًا فليس لمن صارت له طريق الماء منع جريانه إلا أن يكونوا تشارطوا على منعه (٤) ويقسم عن غير مكلف وليه بلا نزاع كالأب والوصي لقيامه مقامه فإن امتنع أجبر، وكذا في قسمة التراضى إذا رأيا مصلحة كالبيع وأولى، وهل ذلك للحاكم؟ له ذلك في وجه، ويقسم حاكم على غائب من الشريكين بطلب شريكه أو وليه.
باب الدعاوى (٥) والبينات
وهي العلامة الواضحة (٦) ولا تصح إلا من جائز التصرف، لكن تصح على سفيه بما يؤاخذ به حال سفهه (٧) ويصح إنكاره. وإن تنازعا شاة مسلوخة بيد كل واحد سهم منها وادعى كل واحد منهما وأقاما بينتين بدعواهما فلكل واحد منهما ما بيد صاحبه (٨) وإن تنازعا دارًا في يديهما فادعاها أحدهما وادعى
(١) (لا يبطلها) لصدورها من مالك، كما يصح بيعها لأن الدين يتعلق بالتركة بعد القسمة فلم يقع ضرر.
(٢) (القسمة) لأن الدين مقدم على الميراث، وإن امتنع بعضهم بطل في نصيبه وحده.
(٣) (صح) أي استقر له الملك في نصيبه وبيع نصيب الآخر في مقابلة الدين.
(٤) (على منعه) فيوفى به لحديث المسلمون على شروطهم.
(٥) (الدعاوى) وأحدها دعوى وهي لغة الطلب قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ أي يطلبون ويتمنون، وقال ﵊: "ما بال دعوى الجاهلية" لأنهم كانوا يدعون بها عند الأمر الشديد بعضهم بعضًا وهي قولهم يا لفلان.
(٦) (الواضحة) عرفًا كالشاهد فأكثر، وأصل هذا الباب حديث ابن عباس مرفوعًا "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى أناس دماء رجال وأموالهم، ولكن البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه" رواه أحمد ومسلم وحديث "شاهداك أو يمينه" ونحوه.
(٧) (سفهه) وبعد فك حجره كطلاق وحد قذف.
(٨) (صاحبه) لأن يد كل واحد منهما خارجة بالنسبة لما في يد صاحبه وهي مقدمة على بينة الداخل.
стр. 913
الآخر نصفها جعلت بينهما نصفين واليمين على مدعى النصف (١) وإن تنازع الزوجان أو ورثتهما في قماش البيت فما كان يصلح للرجل فهو له وما يصلح للنساء فهو للمرأة وما يصلح لهما فهو بينهما (٢) وإن تنازعا حائطًا معقودًا ببناء أحدهما وحده أو متصلًا به إتصالًا لا يمكن إحداثه عادة أو له عليه أزج (٣) فهو له، وإن تشاحا في المبتدي باليمين أقرع بينهما (٤) ولا ترجع الدعوى بوضع خضب أحدهما عليه (٥) ولا بوجوه آجر وأحجار مما يلي أحدهما ولا بالتجصيص (٦)، وإذا تعارض المسقط والموجب جعل
المسقط آخرا (٧) وكذا لو ادعى على آخر فأقام المدعى عليه بينة أنك أبرأتني من الدعاوى كلها سنة كذا صح هذا الدفع، وإن أقام الداخل بينة أنه اشتراها من الخارج وأقام الخارج بينة أنه اشتراها من الداخل قدمت بينة الداخل لأنه الخارج معنى (٨).
(فصل) وإن تداعيا عينًا في أيديهما أو غيرهما ولا بينة لهما تحالفا وقسمت بينهما، وإن تنازعا مسناة بين نهر أحدهما وأرض الآخر تحالفا وهي بينهما، وإن كان لكل واحد منهما بينة لم يقدم أسبقهما تاريخًا (٩)
(١) (النصف) هذا المذهب لأنه منكر لدعوى مدع الكل وإن كان لكل واحد بينة بما يدعيه قدمت بينة مدع الكل لأنها خارجة.
(٢) (بينهما) هذا المذهب سواء اختلفا في حال الزوجية أو حال البينونة، وكذا كل صانعين اختلفا.
(٣) (أزج) وهو ضرب من البناء ويقال له طلق قال ابن البناء هو القبو وهذا المذهب بهذا الشرط أعني إذا كان متصلًا به لا يمكن إحداثه.
(٤) (بينهما) لحديث البخاري عن أبي هريرة "أن النبي ﷺ عرض على قوم اليمين فأسرعوا فأمر أن يسهم بينهم أيهم يحلف، قال ابن هبيرة هذا فيمن تساووا في سبب الإِستحقاق.
(٥) (عليه إلخ) لأنه مما يسمح به الجار، وورد الخبر بالنهي عن المنع منه.
(٦) (بالتجصيص) هذا المذهب، لأن هذه لا بد أن تكون إلى أحدهما إذ لا يمكن أن تكون إليهما جميعًا فبطلت دلالته.
(٧) (آخرا) قاله الغزي كما لو ادعى على رجل مالًا وعينًا فقال المدعى عليه إنك أقررت أن لا دعوى ولا خصومة لك عليَّ وقامت بذلك بينة سمعت واندفعت الدعوى.
(٨) (معنى) لأنه ثبت بالبينة أن المدعي صاحب اليد وأن الداخل نائب عنه، وعنه أن بينة الداخل تقدم بكل حال وهو قول الشافعي وأبي عبيد وقال هو قول أهل المدينة وأهل الشام. زاد.
(٩) (تاريخًا) ويسقطان، هذا المذهب وهو ظاهر قول الخرقي وإليه ميل المصنف والشارح وجزم به في الوجيز وهو أحد قولي الشافعي لأن الشاهد بالملك الحادث أحق بالترجيح، وقال القاضي وأصحابه يقدم التاريخ وبه قال أبو حنيفة وأحد قولي الشافعي، وكذا لو وقتت أحداهما وأطلقت الأخرى.
стр. 914
ويقدم الشاهدان على الشاهد واليمين في أحد الوجهين (١).
(فصل) وإن تداعيا عينًا بيد ثالث فإن ادعاها لنفسه ولا بينة حلف لكل واحد منهما يمينًا (٢) فإن نكل عن الحلف أخذاها منه أو بدلها وأقرع بينهما فمن قرع حلف أنها له وأخذها (٣) وإن أقر بها لهما ونكل عن التعيين اقتسماها وحلف لكل يمينًا بالنسبة إلى النصف الذي أقر به لصاحبه وحلف كل لصاحبه عن النصف المحكوم له به كما لو كانت العين بأيديهما ابتداء؛ وإن نكل المقر على اليمين لكل منهما أخذا منه بدلها واقتسماه أيضًا (٤) وإن أقر بها لأحدهما بعينه حلف وأخذها (٥) ويحلف المقر للآخر إن طلب يمينه فإن نكل أخذ منه بدلها، وإذا أخذها المقر له فأقام الآخر بينة أخذها منه، إن قال هي لأحدهما واجهله فإن صدقاه لم يحلف وإلا حلف يمينًا واحدة ويقرع بينهما فمن قرع حلف وأخذها (٦) ثم إن بينه
بعد قوله هي لأحدهما وأجهله قبل (٧) ولهما القرعة بعد تحليفه الواجب وقبله (٨) وإن أنكرهما ولم ينازع أقرع بين المدعيين فإن علم أنها للمقروع فقد مضى الحكم (٩) وإن كان لأحدهما بينة حكم له بها، وإن كان لكل بينة تعارضتا (١٠)) وإن ادعى كل واحد منهما أنه باعني إياه بألف وأقام كل واحد بينة قدم أسبقهما
(١) (الوجهين) اختاره المصنف والشارح وجزم به في الوجيز قال في الإِنصاف وهو الصواب وهو المذهب لأنها حجة متفق عليها، والشاهد واليمين مختلف فيها. والوجه الثاني لا يقدمان قال في الإِنصاف وهو المذهب على ما اصطلحناه وجزم به في المنور وصححه في النظم وتصحيح المحرر وقدمه في الفروع.
(٢) (يمينًا) لأنهما اثنان كل يدعيها.
(٣) (وأخذها) لما روى أبو هريرة أن رجلين تداعيا عينًا لم يكن لواحد منهما بينة فأمرهما النبي ﷺ أن يستهما على اليمين أحبا أو كرها، رواه أبو داود.
(٤) (واقتسماه أيضًا) كما لو أقر لكل منهما بالعين.
(٥) (حلف وأخذها) لأنه بالإِقرار له صار كأن العين بيده والآخر مدع وهو ينكره فيحلف له لنفى دعواه.
(٦) (وأخذها) نصًّا لحديث أبي هريرة السابق.
(٧) (قبل) كتبيينه ابتداء، والفرق بين الإِقرار بها لأحدهما لا بعينه والشهادة بها كذلك أن الشهادة لا تصح لمجهول ولا به.
(٨) (وقبله) لأن القرعة لا تتوقف على يمينه، ولذلك ولو صدقاه لم تنتف القرعة.
(٩) (الحكم) لمن خرجت له القرعة نقله المروذي. لأن قرعته حكم فلا ينقض بمجرد ذلك.
(١٠) (تعارضتا) وقسمت العين بينهما نصفين وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وصححه في المغني والشرح وجزم به في الوجيز، لما روى أبو موسى "أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في بعير فأقام كل واحد منهما شاهدين، فقضى رسول الله ﷺ بالبعير بينهما نصفين" رواه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم، فعلى هذا هل يحلف كل واحد منهما على النصف المحكوم له به أو يكون له من غير يمين؟ فيه روايتان إحداهما يقسم بينهما من غير يمين وبه قال مالك والشافعي، قال الشارح وهو أصح إن شاء الله.
стр. 915
تاريخًا (١).
باب تعارض البينتين (٢)
وإن أتلف ثوبًا فشهدت بينة أن قيمته عشرون وشهدت بينة أن قيمته ثلاثون لزم أقل القيمتين (٣) وله أن يحلف مع الآخر على العشرة (٤) وقال الشيخ لو شهدت بينة أنه أجر حصة موليه بأجرة مثلها وبينة بنصفها أخذ ببينة الأكثر حيث احتمل (٥) ولو
ماتت امرأة وابنها فقال زوجها ماتت فورثناها ثم مات ابنى فورثته وقال أخوها مات ابنها فورثته ثم ماتت فورثناها حلف كل واحد على إبطال دعوى صاحبه وكان ميراث الابن لأبيه وميراث المرأة لأخيها وزوجها نصفين (٦).
(فصل) إذا شهدت بينة على ميت أنه أوصى بعتق سالم وهو ثلث ماله وبينة أنه أوصى بعتق غانم وهو ثلث ماله ولم يجز الورثة أقرع بينهما فمن قرع عتق (٧) وإذا مات الرجل وخلف ولدين مسلمًا وكافرًا فادعى
(١) (تاريخًا) لأن نقل الملك حصل لمن سبق، فوقوع العقد بعد ذلك لا يصح.
(٢) (تعارض البيتين) التعارض التعادل من كل وجه يقال تعارضت البينتان إذا تقابلتا أي أثبتت كل منهما ضد ما نقلته الأخرى فلا يمكن العمل بواحدة منها فتساقطا، وعارض زيد عمرًا إذا أتاه بمثل ما أتاه.
(٣) (أقل القيمتين) أي ما اتفقا عليه وهو عشرون، وكذا لو كان بكل قيمة شاهد.
(٤) (على العشرة) لأنهما اتفقا على العشرين وانفرد أحدهما بعشرة فأشبه ما لو شهد أحدهما بألف والآخر بخمسمائة.
(٥) (احتمل) وإلا بما يصدقه الحس، وهدا المذهب لأنه المتيقن، وربما اطلعت بينة الأقل على ما يوجب النقص.
(٦) (نصفين) هذا المذهب وبه قال الشافعي لأن استحقاق الحي من ميراثه موجود، وإنما امتنع لبقاء موروثه الآخر وهذا الأمر مشكوك فيه فلا يزول عن اليقين بالشك، وقياس مسائل الغرقى أن يجعل للأخ السدس والباقي للزوج.
(٧) (عتق) هذا المذهب سواء اتفق تاريخهما أو اختلف إذ لا فرق بين متقدم الوصية ومتأخرها وإنما أقرع بينهما ولم يعتق من كل واحد نصفه قياسًا على الوصية بمال لأن الإِعتاق بعد الموت كالإعتاق في مرض الموت، وقد أقرع النبي ﷺ في مرض الموت في حديث عمران بن حصين، وقال أبو بكر وابن أبي موسى يعتق من كل واحد نصفه بغير قرعة، قال الشارح والأول قياس المذهب.
стр. 916
كل واحد منهما أنه مات علي دينه فإن عرف أصل دينه فالقول قول من يدعيه (١) وإن قال شاهدان نعرفه مسلما وقال شاهدان نعرفه كافرًا فالميراث للمسلم إذا لم يؤرخ الشهود معرفتهم (٢).
كتاب الشهادات (٣)
(١) (يدعيه) لأن الأصل بقاؤه على ما كان عليه، وقال الشافعي يقف الأمر حتى يظهر أصل دينه وفيه احتمال.
(٢) (معرفتهم) وهذا المذهب اختاره الخرقي والمصنف والشيرازي وجزم به في الوجيز لأن العمل بهما ممكن إذ الإِسلام يطرأ على الكفر، وعكسه خلاف الظاهر لعدم إقرار المرتد، وعنه يتعارضان وهو المذهب على ما اصطلحناه قاله في الإِنصاف واختاره جماعة.
(٣) (الشهادات) يقال شهد الشيء إذا رآه ومنه قيل لمحضر الناس مشهد لمشاهدتهم ما يحضرهم ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ أي علمه برؤية هلاله وأخبار من رآه. وأجمعوا على قبول الشهادة في الجملة لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ الآية وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ وحديث "شاهداك أو يمينه" ولدعاء الحاجة إليها لحصول التجاحد، قال شريح: القضاء جمرة، فنحه عنك بعودين، يعني شاهدين. وإنما الخصم داء والشهود شفعاء، فأفرغ الشفاء على الداء.
стр. 917
وهي حجة شرعية تظهر الحق ولا توجبه (١) وإن امتنع الكل (٢) أثموا. ومن لزمته الشهادة فعليه أن يقيمها على القريب والبعيد لا يسعه التخلف عن إقامتها (٣) ويباح لمن عنده شهادة بحد الله تعالى إقامتها من غير دعوى به ولم يستحب (٤) وللحاكم أن يعرض للشاهد بالوقوف عنها في حق الله تعالى (٥) ولا يقيمها
(١) (ولا توجيه) فهي الأخبار بما علمه بلفظ خاص، بل القاضي بوجبه بها.
(٢) (وإن امتنع الكل) عن تحملها أو أدائها إذا كان دون مسافة القصر، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾.
(٣) (إقامتها) وهو قادر على ذلك، وليس تحملها فرض كفاية في حق الله تعالى على الصحيح من المذهب.
(٤) (ولم يستحب) هذا المذهب لحديث "من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة" قال في الفروع ويتوجه فيمن عرف بالشر والفساد أن لا يستر عليه قال في الإِنصاف وهو الصواب بل لو قيل بالترقي إلى الوجوب لاتجه خصوصًا إن كان ينزجر به.
(٥) (في حق الله تعالى) لتعريضه للمقر به ليرجع لقوله للسارق "ما إخالك سرقت" مرتين وأعرض عن المقر بالزنا حتى أقر أربعًا، وقال عمر لزياد بعد أن شهد عنده ثلاثة على المغيرة بالزنا وجاء زياد ليشهد عرض له بالرجوع وقال: ما عندك يا سلح العقاب وصاح به فلما لم يصرح بالزنا فرح عمر وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكره أحد، معنى سلح أنه يشبه سلح العقاب الذي يحرق كل شيء أصابه كذلك شهادة هذا توقع العقوبة بأحد الفريقين لا محالة إن كملت شهادته حد المشهود عليه وإن لم تكمل حد أصحابه.
стр. 918
على مسلم بقتل كافر (١) ومن عنده شهادة لآدمي يعلمها لم يقمها حتى يسأله (٢) ويجب عليه إعلامه إذا لم يعلم بها (٣) وله إقامتها قبل ذلك (٤) قال الإِمام أحمد لا يشهد على امرأة إلا بإذن زوجها (٥) وحيث وجب تحملها ففي وجوب كتابتها لتحفظ وجهان (٦) ويختص أداؤها بمجلس الحكم (٧) ولا يجوز لمن تعينت عليه أخذ الأجرة عليها (٨) ولا يجوز ذلك أيضًا لمن لم تتعين عليه (٩) وذكر الشيخ وجهًا يجوز الأخذ لحاجة تعينت
(١) (كافر) قال في الفروع وظاهره يحرم ولعل المراد عند من ورى قتله وأما لوجوب الدية فيجب لأنه حق آدمي فيدخل في عموم ما سبق.
(٢) (حتى يسأله) لقوله ﵇ "خير القرون قرني - إلى قوله - ثم يأتي قوم ينذرون ولا يوفون ويشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون" رواه البخاري.
(٣) (بها) وهذا مما لاشك فيه وقال الشيخ في رده على الرافضة إذا أداها قبل طلبه قام بالواجب وكان ذلك أفضل كمن عنده أمانة إذا أداها عند الحاجة.
(٤) (قبل ذلك) لقوله ﵇ "ألا أنبئكم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها" رواه أبو داود، فتعين حمل الحديث على هذه الصورة جمعًا بين الخبرين.
(٥) (زوجها) وعلله بأنه أملك لعصمتها قطع به في المبهج للخبر، ويحتمل أنه لا يدخل عليها بيتها إلا بإذن زوجها.
(٦) (وجهان) قال في الإِنصاف: الصواب الوجوب للاحتياط.
(٧) (ويختص أداؤها بمجلس الحكم) قال في الفروع يجب في مسافة كتاب القاضي عند سلطان لا يخاف تعديه أو حاكم عدل.
(٨) (عليها) هذا المذهب مطلقًا، قال في الفروع ويحرم في الأصح أخذ أجرة وجعل لأنها أداء فرض.
(٩) (عليه) في أصح الوجهين وهو المذهب.
стр. 919
أولًا، واختاره. حيث قلنا بعدم الأخذ فلو عجز عن المشي أو تأذى فأجرة مركوب على رب الشهادة قاله في الترغيب (١).
(فصل) والسماع ضربان سماع كلام المشهود عليه يقينا، ولا تعتبر رؤية المتعاقدين إذا عرفهما وتيقن كلامهما (٢) الثاني سماع الاستفاضة فلا تقبل إلا من عدد يقع العلم بخبرهم (٣) وقال القاضي تسمع من عدلين فصاعدا (٤) وقال القاضي الشهادة بالاستفاضة خبر لا شهادة وتحصل بالنساء والعبيد، ويحكم القاضي بالتواتر، ومن رأي شيئًا في يد إنسان يتصرف فيه مدة طويلة جاز أن يشهد له بالملك (٥)؛ والأحوط أن لا يشهد له إلا باليد والتصرف (٦) وتصح شهادة مستخف (٧).
(فصل) ومن شهد بالقتل احتاج إلى أن يقول ضربه بالسيف أو جرحه فقتله أو مات من ذلك؛ وإذا مات رجل فادعى آخر أنه وارثه فشهد له شاهدان أنه وارثه لا يعلمان له وارثًا
(١) (الترغيب) وقال في الرعاية: هذا إن تعذر حضور المشهود عليه إلى محل الشاهد لمرض أو كبر أو جاه أو خفر.
(٢) (كلامهما) وبهذا قال ابن عباس وشريح والزهري وربيعة وعطاء والليث ومالك، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن الشهادة لا تجوز حتى يشاهد المشهود عليه لأن الأصوات تشتبه كالخط. ولنا أنه عرف المشهود عليه يقينًا فجاءت شهادته عليه.
(٣) (بخبرهم) هذا المذهب وظاهر كلام أحمد والخرقي، لأن لفظ الاستفاضة مأخوذ من فيض الماء الكثير.
(٤) (من عدلين فصاعدًا) لأن الحقوق تثبيت بقول اثنين، وهذا قول المتأخرين من الأصحاب.
(٥) (بالملك) هذا المذهب وبه قال أبو حنيفة والاصطخري من أصحاب الشافعي واختاره ابن حامد والمصنف والشارح، لأن تصرفه فيه من نقض وبناء وإجارة وإعارة من غير منازع يدل على صحة الملك.
(٦) (والتصرف) خصوصًا في هذه الأزمنة، قال في الإِنصاف وهو الصواب لأنه قد يكون بإجارة أو عارية أو غصب.
(٧) (مستخف) وهو المتواري عن المشهود عليه مثل أن يجحد الحق علانية ويقر به سرًّا فشهادة المستخفى مقبولة عليه بما سمع منه على الرواية الصحيحة وهو قول الشافعي. وقال مالك إن كان المشهود عليه ضعيفًا ينخدع لم تقبل وإن لم يكن كذلك قبلت.
стр. 920
سواه سلم المال إليه (١) ثم إن شهدا أن هذا وارثه شارك الأول (٢) كل شهادة على الفعل إذا اختلفا في الوقت لم تكمل البينة (٣) وإن شهد أحدهما أنه أقر له بألف أمس وشهد آخر أنه أقر له اليوم وأنه باعه داره أمس وشهد آخر أنه باعه اليوم كملت البينة وثبت البيع والإِقرار (٤).
باب من تقبل شهادتهم
البلوغ فلا تقبل شهادة الصبيان وعنه تقبل في الجراح إذا شهدوا قبل الإِفتراق عن الحال التي تجارحوا عليها (٥) والمذهب أن شهادتهم لا تقبل في شيء لقوله ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ والعقل والكلام والإِسلام
(١) (إليه) وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي والعنبري، وإن قال لا أعلم له وارثًا غيره في هذا البلد فكذلك، واحتمل أن لا يسلم إليه حتى يكشف القاضي عن خبره في البلدان التي يسافر إليها.
(٢) (شارك الأول) لأنه لا تنافي بينهما: لأن الإِثبات يقدم على النفي.
(٣) (البينة) كمن شهد أنه غصبه ثوبًا أحمر والآخر ثوبًا أبيض أو غصبه اليوم والآخر أمس.
(٤) (والإِقرار) وكذا كل شهادة على القول، إلا النكاح إذا شهد أحدهما أنه تزوجها أمس وشهد آخر أنه تزوجها اليوم لم تكمل البينة.
(٥) (عليها) وهو قول مالك لأن الظاهر صدقهم وضبطهم، ولا تقبل بعد الافتراق لأنه يحتمل أن يلقنوا، قال ابن الزبير إن أخذوا عند مصاب ذلك بالحرى أن يعقلوا ويحفظوا، والمذهب كما ترى.
стр. 921
وعنه أن شهادة بعض أهل الذمة تقبل على بعض (١) والحفظ والعدالة ظاهرًا وباطنًا (٢) وقيل العدل من لم تظهر منه ريبة (٣) قال الشيخ تعتبر العدالة في كل زمن بحسبه لئلا تضيع الحقوق (٤) والكذب صغيرة (٥)
(١) (على بعض) اختاره الشيخ وصاحب عيون المسائل وابن رزين ونصروه، وروى جابر أن النبي ﷺ أجاز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض" رواه ابن ماجه.
(٢) (وباطنا) واستواء أحواله في دينه واعتدال أقواله وأفعاله هذا المذهب.
(٣) (ريبة) وهو رواية عن أحمد واختيار الخرقي عند القاضي وجماعة.
(٤) (الحقوق) فيكون الشهيد في كل قوم من كان ذا عدل فيهم ولو كان في غيرهم لكان عدله على وجه آخر، ولهذا يمكن الحكم بين الناس وإلا فلو اعتبر في شهود كل طائفة أن لا يشهد عليهم إلا من يكون قائمًا بأداء الواجبات وترك المحرمات كما كانت الصحابة لبطلت الشهادات كلها أو غالبها، قاله في الاختيارات.
(٥) (صغيرة) فلا ترد الشهادة به إذا لم يداوم عليه إلا في شهادة الزور، قال أحمد ويعرف الكذاب بخلف المواعيد لأنه لا يخلو أحد من ذنب لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. مدحهم لاجتنابهم ما ذكر.
стр. 922
ولا ترد شهادة من فعل صغيرة ولا تقبل شهادة فاسق (١) ولا تقبل شهادة الطفيلي (٢) ولا تقبل شهادة القاذف حتى يتوب (٣) وتوبته أن يكذب نفسه (٤) ولا تقبل شهادة كافر إلا أهل الذمة في الوصية في
(١) (فاسق) لا خلاف في رد شهادة فاسق الأفعال وأما فاسق الاعتقاد وهو اعتقاد البدعة فترد أيضًا وبه قال مالك وشريك وإسحق وأبو عبيد وأبو ثور، وظاهر قول الشافعي وابن أبي ليلى والثوري وأبى حنيفة وأصحابه قبول شهادة أهل الأهواء قال الشافعي إلا أن يكون ممن يرى الشهادة بالكذب كالخطابية، ووجه من أجاز شهادتها أنه اختلاف لم يخرجهم عن الإِسلام كالاختلاف في الفروع.
(فائدة) من قلد في خلق القرآن ونفى الرؤية ونحوها فسق على الصحيح من المذهب، وعنه يكفر كمجتهد، وعنه لا يكفر واختاره المصنف في موضع لقول الإمام للمعتصم يا أمير المؤمنين وقال المجد: الصحيح أن كل بدعة لا توجب الكفر لا يفسق المقلد فيها لخفتها مثل من يفضل عليًّا على سائر الصحابة ويقف عن تكفير من كفرناه من المبتدعة. وقال أيضًا الصحيح أن كل بدعة كفرنا فيها الداعية فإنا نفسق المقلد فيها فمن يقول بخلق القرآن أو أن ألفاظنا به مخلوقة أو أن علم الله أو أسمائه مخلوقة أو أنه لا يرى في الآخرة أو يسب الصحابة تدينًا أو أن الإيمان مجرد الاعتقاد وما أشبه ذلك فمن كان عليمًا بشيء من هذه البدع يدعو إليها ويناضل عليه فهو محكوم بكفره نص عليه أحمد صريحًا بذلك في مواضع، قال واختلفوا عنه في تكفير القدرية بنفي خلق المعاصي على روايتين به في الخوارج كلام يقتضي في تكفيرهم روايتين.
(٢) (الطفيلي) وبه قال الشافعي ولا نعلم فيه خلافًا ومن سأل من غير أن تحل له المسألة فأكثر ردت شهادته لأنه فعل محرمًا.
(٣) (يتوب) هذا المذهب وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا تقبل إذا جلد لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ ولنا إجماع الصحابة فإن عمر قال لأبي بكرة تب أقبل شهادتك ولم ينكر ذلك منكر، والآية حجة لنا فإنه استثنى التائبين.
(٤) (نفسه) هذا المذهب، وتوبة غيره بالندم والإِقلاع والعزم أن لا يعود، فلو كان فسقه بترك واجب فلا بد من فعله ويعتبر في صحة التوبة رد المظلمة إلى ربها أو يستمهله معسر أو يجعله في حل" وتوبة المبتدع الاعتراف ببدعته والرجوع منها واعتقاد ضد ما كان يعتقده من مخالفة أهل السنة.
стр. 923
السفر إذ لم يوجد غيرهم وحضر الموصي الموت (١) قال الشيخ وتحرم محاكاة الناس (٢) ويعزر هو ومن يأمره.
(فصل) ولا تعتبر الحرية في الشهادة بل تجوز شهادة العبد في كل شيء في إحدى الروايتين (٣) وتقبل شهادة الأمة فيما تجوز به شهادة النساء، وتجوز شهادة الأعمى في المسموعات إذا تيقن الصوت (٤) وشهادة ولد الزنا جائزة في الزنا وغيره (٥) أو تقبل شهادة الإنسان على فعل نفسه كالمرضعة على الرضاع والقاسم
(١) (الموت) فتقبل شهادتهم ويحلفهم الحاكم بعد العصر لا نشتري به ثمنًا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله وإنها لوصية الرجل فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا قام آخران من أولياء الموصى فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ولقد خانا وكتما، ويقضي لهم.
(٢) (محاكاة الناس) للضحك، وقد عده بعض العلماء من الغيبة لأنه أذى.
(٣) (في إحدى الروايتين) هذا المذهب روي ذلك عن علي وأنس قال أنس ما علمنا أحدًا رد شهادة العبد وبه قال عروة وشريح وإياس وابن سيرين والبتى وأبو ثور وداود وابن المنذر، وقال مجاهد والحسن وعطاء ومالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي وأبو عبيد: لا تقبل شهادته لأنها مبنية على الكمال لا تتبعض فلم يدخل فيها العبد كالميراث ولنا عموم آيات الشهادة وهو داخل فيها فإنه من رجالنا وهو عدل تقبل روايته وفتياه وأخباره الدينية وروى عقبة بن الحارث قال "تزوجت أم يحيى بنت أبي أهاب فخاءت أمة سوداء فقالت قد أرضعتكما فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال كيف وقد زعمت ذلك" متفق عليه.
(٤) (الصوت) صوت المشهود عليه روي عن علي وابن عباس أنهما أجازا شهادة الأعمى ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة وبه قال عطاء والزهري ومالك وإسحق وابن المنذر، وقال أبو حنيفة والشافعي لا تقبل شهادته.
(٥) (وغيره) وبه قال عطاء والشافعي وأبو حنيفة وجمع، وقال مالك والليث لا تجوز شهادته في الزنا وحده لأنه متهم.
стр. 924
على القسمة والحاكم على حكمه بعد العزل (١) وتقبل شهادة البدوي على القروي والقروي على البدوي (٢) وتباح الحمام للأنس بصوتها ولاستفراخها وحمل كتب من غير أذى الناس (٣) ويكره حبس طير لنغمته لأنه نوع تعذيب.
باب موانع الشهادة (٤)
لا تقبل شهادة والد لولده وإن سفل ولا ولد لوالده وإن علا، وعنه تقبل فيما لا يجر به نفعًا غالبًا (٥) وعنه تقبل شهادة الولد لوالده ولا تقبل شهادة الوالد لولده (٦) وعنه تقبل شهادتهما (٧) وتقبل لولده من
(١) (بعد العزل) المرضعة على الصحيح من المذهب لحديث عقبة بن الحارث، وأما القاسم فالصحيح من المذهب قبول شهادته على قسم نفسه مطلقًا.
(٢) (على البدوي) هذا المذهب فيهما إذا اجتمعت الشروط وبه قال ابن سيرين وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور، وفي شهادة البدوي على القروي وجه لا تقبل اختاره القاضي وغيره لما روى أبو هريرة فيه حديث مرفوع والأول المذهب ويحمل الحديث على من لم تعرف عدالته.
(٣) (الناس) قال مهنا سألت أبا عبد الله عن بروج الحمام التي تكون في الشام فكرهها قال لأنه أمر بقتلها فقلت تقتل؟ قال تذبح.
(٤) (موانع الشهادة) الموانع جمع مانع من منع الشيء إذا حال بينه وبين مقصوده فإن هذه الموانع تحول بين الشهادة ومقصودها.
(٥) (غالبًا) نحو أن يشهد أحدهما لصاحبه بعقد نكاح أو قذف لأن كل واحد منهما لا ينتفع بما أثبته للآخر فلا تهمة في حقه.
(٦) (لولده) لأن مال الابن في حكم مال الأب له أن يتملكه إذا شاء فشهادته لنفسه بخلاف شهادة الابن.
(٧) (شهادتهما) قاله في الكافي وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وشريح وبه قال عمر بن عبد العزيز وأبو ثور والمزني وداود وابن المنذر لعموم الآيات لأنهما عدلان تقبل شهادتهما في غير هذا الموضع ففيه تقبل كالأجنبي ولنا ما روت عائشة مرفوعًا لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على أخيه ولا ظنين في قرابة ولا ولاء رواه الترمذي والدارقطني والبيهقي، قال أبو زرعة في العلل منكر، وقال ابن حجر ليس له إسناد صحيح لكن له طرق يقوي بعضها بعضًا، والظنين المتهم والأب متهم لولده لأن ماله كماله ولأن بينهما بعضية فكأنه يشهد لنفسه ولهذا قال ﵊ "فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها".
стр. 925
زنا أو رضاع (١) وتقبل عليهم (٢) ولا تقبل شهادة أحد الزوجين لصاحبه (٣) وتقبل شهادة الأخ لأخيه (٤) والصديق لصديقه (٥) ولو شهد اثنان على أبيهما بقذف ضرة أمهما وهي تحته أو طلاقها قبلا (٦) قال في الترغيب ومن موانعها العصبية فلا شهادة لمن عرف بها (٧) وتقبل شهادته لوارث له بدين في مرضه (٨) وتقبل شهادة الغريم لمدين قبل الحجر والمولى لعتيقه ولا تقبل شهادة
الوكيل لموكله بما هو وكيل فيه (٩) ولا الشريك لشريكه (١٠) والأجير لمن استأجره نص عليه (١١) وتقبل شهادته على عدوه في
(١) (أو رضاع) قاله القاضي وأصحابه والمصنف والشارح وصاحب الترغيب.
(٢) (عليهم) هذا المذهب وبه قال عامة أهل العلم للآية.
(٣) (لصاحبه) في إحدى الروايتين وهذا المذهب. زاد.
(٤) (لأخيه) هذا المذهب قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن شهادة الأخ لأخيه جائزة وسائر الأقارب.
(٥) (لصديقه) هذا قول عامة العلماء إلا مالكًا قال لا تقبل شهادة الصديق الملاطف لأنه يجر نفعًا بها فهو متهم.
(٦) (قبلا) لأنها شهادة على الأب كما لو لم تكن أمهما تحته.
(٧) (بها) وبالإِفراط في الحمية لتعصب قبيلة على قبيلة وإن لم تبلغ رتبة العداوة.
(٨) (في مرضه) لأن هذا الدين يجوز أن ينتقل إلى الشاهد ويجوز أن لا ينتقل إليه والمانع من قبول الشهادة ما يحصل للشاهد به نفع حال أداء الشهادة.
(٩) (وكيل فيه) وتقبل في غير ما هو وكيل فيه.
(١٠) (لشريكه) وممن رد شهادة الشريك لشريكه شريح والنخعي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي قال في المبدع لا نعلم فيه خلافًا.
(١١) (نص عليه) أحمد وقال في المستوعب فيما استأجره فقط، وقال الميموني رأيت أحمد يغلب على قلبه جوازه.
стр. 926
الدين (١) ولا تقبل شهادته لإِنسان لا يقبل جرحه الشاهد عليه (٢) ولا تقبل شهادة الشفيع بعفو شريكه في الشفعة عنها، ولا تقبل شهادة العاقلة بجرح شهود الخطأ (٣) وإن شهد فاسق بشهادة فردت ثم تاب وأعادها لم تقبل (٤).
باب ذكر أقسام المشهود به وذكر عدد شهوده
المشهود به ينقسم خمسة أقسام: أحدها الزنا واللواط لا يقبل في الزنا واللواط أقل من أربعة رجال (٥) ولا الإِقرار إلا بأربعة يشهدون أنه أقر أربعًا (٦) ومن عزر بوطء في فرج بهيمة أو أمة مشتركة ثبت برجلين، الثاني دعوى الفقر لا يقبل قول من عرف بالغنى أنه فقير إلا بثلاثة رجال (٧). الثالث لا يثبت
(١) (في الدين) لأن الدين يمنعه من ارتكاب محظور في دينه كالمسلم يشهد على الكافر والمحق من أهل السنة يشهد على المبتدع.
(٢) (عليه) كعمودي النسب والزوج والوكيل لأنهم مهتمون في دفع الضرر عنهم وقد قال الزهري: مضت السنة في الإِسلام أن لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين، والظنين المتهم.
(٣) (الخطأ) لأنهم يدفعون عن أنفسهم الضرر.
(٤) (لم تقبل) للتهمة، ولو لم يشهد بها عند الحاكم حتى صار عدلًا قبلت لأن التحمل لا يعتبر فيه العدالة.
(٥) (رجال) عدول يشهدون به لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية فجعلهم كاذبين إن لم يأتوا بأربعة فوجب أن لا تقبل الثلاثة وقال ﷺ لهلال بن أمية "أربعة شهداء وإلا حد في ظهرك" واللواط من الزنا.
(٦) (أربعًا) لأنه إثبات للزنا فاعتبر فيه أربعة كشهود الفعل، وفيه رواية أخرى يثبت بشاهدين.
(٧) (بثلاثة رجال) لحديث مسلم "حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجي من قومه لقد أصابت فلانًا فاقة".
стр. 927
بقية الحدود بأقل من رجلين (١) ويثبت القود بإقراره مرة (٢) ويقبل في موضحة وداء طبيب واحد (٣) وقال القاضي النكاح وحقوقه من الطلاق والخلع والرجعة لا يثبت إلا بشاهدين رواية واحدة (٤) وعنه في النكاح والرجعة والعتق أنه يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين (٥) وعن أحمد في الرجل يوكل وكيلًا ويشهد على نفسه رجلًا وامرأتين: إن كان في المطالبة بدين فأما غير ذلك فلا، ويجوز أن يحلف على ما لا تجوز الشهادة عليه قاله القاضي مثل أن يجد
بخطه دينًا له على إنسان وهو يعرف أنه لا يكتب إلا حقًّا فله أن يحلف عليه (٦) مع شاهد أقامه. ولو أخبره بحق أبيه ثقة فسكن إليه جاز أن يحلف عليه إذا قام به شاهد ولم يجز أن يشهد به (٧) والأولى الورع عن ذلك، فلو نكل عن اليمين من أقام شاهدًا حلف المدعى عليه وانقطعت الخصومة فإن نكل حكم عليه (٨) ولو كان لجماعة حق بشاهد فأقاموه فمن حلف أخذ نصيبه ولا يشاركه
(١) (من رجلين) كحد القذف والشرب وقطع الطريق، لقول الزهري "مضت السنة على عهد النبي ﷺ أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود. وكذا القود.
(٢) (مرة) لأن القتل فيه حق آدمي أشبه المال، وكذا القذف والشرب، بخلاف الزنا والسرقة وقطع الطريق.
(٣) (طبيب واحد) وبيطار واحد مع عدم غيره، فإن لم يتعذر فإثنان.
(٤) (رواية واحدة) وجملة ذلك أن ما ليس بعقوبة كالعتق والطلاق ونحوه ولا يقصد به المال أن المعول عليه في المذهب أنه لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين، ولا تقبل فيه النساء بحال.
(٥) (وامرأتين) وعنه في العتق أنه يقبل فيه شاهد ويمين، والوكالة والوصية والكتابة ونحوها تخرج على روايتين.
(٦) (يحلف عليه) ولو لم يذكره، ولا يجوز أن يشهد به.
(٧) (أن يشهد به) وبهذا قال الشافعي. والفرق بين اليمين والشهادة من وجهين: أحدهما أن الشهادة حق لغيره فيحتمل أن من له الشهادة قد زور على خطه ولا يحتمل هذا فيما يحلف عليه، الثاني أن ما يكتبه الإِنسان من حقوقه يكثر فينسى بعضه بخلاف الشهادة.
(٨) (حكم عليه) بالنكول ولا ترد اليمين على المدعي لأنها كانت في جنبته وقد أسقطها بنكوله عنها وصارت في جنبة غيره فلم تعد إليه كالمدعى عليه إذا نكل عنها، وقال يحلف المدعى عليه مالك والشافعي.
стр. 928
من لم يحلف، وإن شهد رجل وامرأتان أو رجل حلف معه أن فلانة أم ولده وولدها منه قضى له بها أم ولد (١) أو لا تثبت حرية ولدها ولا نسبه (٢) ويقبل في جناية العمد الموجبة للمال دون القصاص كالهاشمة والمنقلة شهادة رجل وامرأتين في إحدى الروايتين، ويقبل فيما لا يطلع عليه الرجال شهادة امرأة واحدة (٣) ولو وجد على دابة مكتوب حبيس في سبيل الله أو على أسكفة دار أو حائطها أو مسجد حكم به.
باب الشهادة على الشهادة (٤)
يشترط تعذر حضور شهادة الأصل (٥) وإن سمع شاهدًا يسترعى آخر بشهادة جاز أن يشهد بها (٦) وتثبت شهادة شاهدي الأصل بشهادة شاهدين (٧) وقال أبو عبد الله بن بطة لا تثبت حتى يشهد أربعة على
(١) (أم ولد) لأنه يدعى ملكها والملك يثبت بشهادة الرجل والمرأتين أو واليمين، والاستيلاد بإقراره لأن إقراره نافذ في ملكه.
(٢) (ولا نسبه) لأنهما لا يثبتان إلا برجلين، ويبقى بيد منكر مملوكًا له لعدم ما يرفع يده، وهو أحد قولي الشافعي.
(٣) (شهادة امرأة واحدة) وعنه لا يقبل أقل من امرأتين، وإن شهد الرجل كان أولى بثبوته.
(٤) (على الشهادة) هذا المذهب قال أبو عبيد أجمعت العلماء من أهل الحجاز والعراق على القضاء بالشهادة على الشهادة في الأموال ولدعاء الحاجة إليها لأنها وثيقة مستدامة لحفظ الأموال لما قد يطرأ على الشاهد من اخترام المنية والعجز عن الشهادة لغيبة أو مرض أو نسيان.
(٥) (الأصل) وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي، وحكى عن أبي يوسف ومحمد جوازها مع القدرة على شهود الأصل كالرواية. ولنا أنه إذا أمكن حضور الأصل استغنى بهم عن البحث عن عدالة شاهدي الفرع.
(٦) (بها) أن يشهد هذا السامع بهذه لحصول الاسترعاء، ويحتمل أن لا يجوز إلا أن يسترعيه بعينه وبه قال أبو حنيفة.
(٧) (شاهدين) هذا المذهب يشهدان عليهما سواء على كل واحد منهما أو شهد على كل واحد منهما شاهد فرع وبه قال شريح والحسن والشعبي وابن أبي ليلى والثوري وإسحق.
стр. 929
كل شاهد أصل شاهدا فرع (١) وللنساء مدخل في شهادة الفرع (٢) وقيل لا مدخل لهن، وإن حكم بشهادتهما ثم رجع شهود الفرع لزمهم الضمان (٣) وإن رجع شهود الأصل لم يضمنوا (٤) ويحتمل أن يضمنوا (٥) وإن شهد أربعة بزنا واثنان بإحصان فرجم ثم رجعوا لزمتهم الدية أسداسًا، وتصح شهادة فرع بشرطه (٦) وإن شهد شاهد أصل بحق وشاهد فرع جاز، ولا يجوز أن يحكم بشهادة فرع حتى تثبت عنده عدالة أصله ولا يجب على فرع تعديل أصله ويتولاه الحاكم (٧) وإن بان بعد الحكم أن الشاهدين كافران أو فاسقان
نقض
(١) (فرع) وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي لأن شهادتي شاهد الفرع يثبتان شهادتي شاهدي الأصل فلا تثبت شهادة كل واحد منهما بأقل من شاهدين كما لا يثبت إقرار مقرين بشهادة اثنين يشهد على كل واحد منهما واحد. ولنا أن هذا يثبت بشاهدين وقد شهد اثنان بما يثبته فثبت كما لو شهد بنفس الحق، ولأن شاهدي الفرع بدل من شاهدي الأصل فيكفي في عددهما ما يكفي في شاهدي الأصل، وعنه يكفي شهادة رجل على اثنين ذكره القاضي لأنه خبر.
(٢) (الفرع) هذا المذهب فيشهد رجلان على رجل وامرأتين أو رجل وامرأتان على رجل وامرأتين أو على رجلين، وسأله حرب عن شهادة امرأتين على امرأتين، قال تجوز لأنه مما للنساء مدخل فيه.
(٣) (لزمهم الضمان) ما لم يقولوا بأن لنا كذب الأصل أو غلطهم لأن هذا القول لا ينافي شهادة الأصل.
(٤) (لم يضمنوا) هذا المذهب لأن الإِتلاف بسبب غيرهم فلا يلزمهم ضمان كالمتسبب مع المباشر الأول إلا أن يقولوا كذبنا أو غلطنا فيضمنوا.
(٥) (ويحتمل أن يضمنوا) قطع وبه القاضي قاله في النكت لأن الحكم يضاف إليهم بدليل أنه يعتبر عدالتهم كما لو حكم بشهادتهم فرجعوا.
(٦) (بشرطه) من التعذر والإِسترعاء فيؤديها بقوله أشهد أن فلان ابن فلان أشهدني أنه يشهد أن لفلان ابن فلان كذا من جهة كذا.
(٧) (الحاكم) وإن عدله فرع قبل اكتفاء بما ثبت عند الحاكم من عدالة الفرع.
стр. 930
الحكم ويرجع بالمال أو ببدله على المحكوم له وإن كان المحكوم به اتلافًا فالضمان على المزكين (١) فإن لم يكن مربهون. فعلى الحاكم لأنه فرط (٢) وتجب الدية في بيت المال (٣) وإن شهدوا عند الحاكم ثم ماتوا أو جنوا حكم بشهادتهم إذا
كانوا عدولًا (٤) وإذا علم الحاكم بشاهد الزور عزره وطاف به في المواضع التي يشتهر فيها فيقال إنا وجدناه شاهد زور فاجتنبوه (٥) فإن كان المحكوم به ما لا رد إلى صاحبه، ومن زاد في شهادته أو نقص بحضرة الحاكم قبل (٦) ولا تقبل الشهادة إلا بلفظ الشهادة، فإن قال أعلم أو أحق لم يحكم به، وقال أبو الخطاب
(١) (على المزكين) لأن المحكوم به قد تعذر رده وشهود التزكية ألجأوا الحاكم إلى الحكم فلزمهم الضمان لتفريطهم، ولا ضمان على الشاهدين لأنهما مقيمان على أنهما صادقان فيما شهدا به.
(٢) (فرط) لأن التلف حصل بفعله أو أمره، وكذا إن مات المزكون ذكره في الكافي والمبدع.
(٣) (في بيت المال) وعنه على عاقلته ولا قود لأنه مخطئ.
(٤) (عدولًا) لأن الموت والجنون لا يؤثر في الشهادة ولا يدل على الكذب فيها.
(٥) (فاجتنبوه) وعزره إن لم يخالف نصًّا، قال في الشرح لا يزيد على عشر جلدات ليحصل إعلام الناس بذلك.
(٦) (قبل) مثل أن يشهد بمائة ثم يقول بل مائة وخمسون أو تسعون.
стр. 931
والشيخ وابن القيم لا يعتبر لفظ الشهادة، قال الشيخ لا أعلم عن صحابي ولا تابعي لفظ الشهادة (١).
باب اليمين في الدعاوى
اليمين تقطع الخصومة في الحال ولا تسقط الحق. وحق الآدمي ينقسم قسمين: أحدهما ما هو مال أو يقصد منه المال كالبيع ونحوه فيستحلف فيه (٢) والثاني ما ليس بمال ولا يقصد منه المال وهو ما لا يثبت إلا بشاهدين كالقصاص ونحوه فلا يستحلف المدعى عليه في إحدى الروايتين (٣) وقال أبو بكر إلا في النكاح والطلاق (٤) وعن أحمد يستحلف فيما يقضى عليه بالنكول فقط (٥) ومن لم يقض عليه بنكول
(١) (الشهادة) ونقل الميموني عنه أنه قال وهل معنى القول والشهادة إلا واحد؟ ونقل أبو طالب عنه أنه قال: العلم شهادة.
(٢) (فيه) لقول رسول الله ﷺ "لو يعطى الناس بدعواهم لادعي قوم دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعي" متفق عليه.
(٣) (في إحدى الروايتين) ولا تعرض عليه اليمين، وهذا قول مالك وأبي حنيفة فإنه قال: لا يستحلف في النكاح وما يتعلق به "لأن هذه الأشياء لا يدخلها البدل، وإنما تعرض اليمين فيما يدخله البدل، فإن المدعى عليه مخير بين أن يحلف أو يسلم.
(٤) (والطلاق) لأن الأبضاع مما يحتاط لها فلا تستباح بالنكول لأنه ليس بحجة قوية.
(٥) (فقط) هذا المذهب قاله في الفروع وصححه في النظم، والذي يقضى عليه بالنكول هو المال وما يقصد به المال.
стр. 932
إذا نكل خلى سبيله، وإن ادعى وصى وصية للفقراء فأنكر الورثة حلفوا (١)
ويجوز الحكم بالمال وما يقصد به المال بشاهد ويمين المدعى (٢) ولا تقبل فيه شهادة امرأتين (٣) وهل يثبت العتق بشاهد ويمين؟ على روايتين (٤) ومن حلف على فعل نفسه (٥) ودعوى عليه (٦) حلف على البت، ومن حلف على فعل غيره (٧) ودعوى
عليه في الإِثبات (٨) حلف على البت (٩) من حلف على نفي فعل
(١) (حلفوا) على نفي ذلك لأنه حق آدمي، فإن نكلوا قضى عليهم. وقال في المقنع حبسوا قال في الهامش: على الصحيح من المذهب.
(٢) (ويمين المدعى) هذا المذهب روى عن الخلفاء الأربعة ﵃ وبه قال الفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز ومالك والشافعي وجمع، وقال الشعبي والنخعي وأصحاب الرأي والأوزاعي: لا يقضى بشاهد ويمين ولنا ما روى ابن عباس أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه، وليس مع المخالف ما يجوز الاحتجاج به في هذا المقام.
(٣) (شهادة امرأتين) هذا المذهب لأن شهادة النساء ناقصة وإنما أجيزت بإنضمام الذكر إليهن فلا يقبلن منفردات وإن كثرن، ويحتمل أن تقبل لأن المرأتين في المال مقام رجل فيحلف معهما كما يحلف مع الرجل وهو مذهب مالك ويبطل ذلك بشهادة أربع نسوة فإنه لا يقبل إجماعًا.
(٤) (على روايتين) احداهما لا يثبت بذلك وهو المذهب ولا يعتق إلا بشاهدين ذكرين اختاره القاضي وأبو الخطاب والشريف في خلافيهما لأنه ليس بمال، والثانية يثبت بذلك اختاره الخرقي وأبو بكر وجزم به ناظم المفردات لأنه إزالة ملك.
(٥) (نفسه) مثل إن ادعى عليه إنسان أنه غصبه ونحوه شيئًا فأنكر وأراد المدعى يمينه.
(٦) (عليه) بأن ادعى عليه دين فأنكره وطلب يمينه.
(٧) (فعل غيره) بأن ادعى على آخر أنه غصبه ونحوه ثوبًا وأقام به شاهدًا وأراد أن يحلف مع شاهده.
(٨) (في الإِثبات) بأن ادعى دينًا على زيد فأنكره وأقام المدعى شاهدًا وأراد الحلف معه.
(٩) (البت) أي القطع، لحديث ابن عباس "أن النبي ﷺ استحلف رجلًا فقال قل والله الذي لا إله إلا هو ما له عندي شيء" رواه أبو داود.
стр. 933
غيره (١) أو دعوى عليه حلف على نفي علمه، ومن توجهت عليه يمين لجماعة فرضوا بيمين واحدة جاز (٢) واليمين المشروعة هي اليمين بالله تعالى اسمه، ولا تدخل النيابة في اليمين فلو كان المدعى عليه صغيرًا أو مجنونًا لم يحلف عنه وليه ووقف الأمر إلى أن يكلفا، وإن رأى الحاكم تغليظها بلفظ أو زمان أو مكان جاز (٣) وإن رأى ترك التغليظ فتركه كان مصيبًا. وإن أبى الحالف التغليظ لم يكن ناكلًا (٤).
كتاب الإِقرار (٥)
وهو إظهار مكلف مختار ما عليه لفظًا أو كتابة (٦) وليس بإنشاء. وإن أقر مراهق غير مأذون له ثم
(١) (غيره إلخ) وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي لما روى الأشعث بن قيس "أن رجلًا من كندة ورجلًا من حضرموت اختصما إلى رسول الله ﷺ في أرض من اليمن فقال الحضرمي يا رسول الله إن أرضي اغتصبنيها أبو هذا وهي في يده، قال: هل لك بينة؟ قال: لا ولكن أحلفه والله ما يعلم أنها أرضي اغتصبنيها أبوه، فتهيأ الكندي لليمين" رواه أبو داود ولم ينكر ذلك النبي ﷺ .
(٢) (بيمين واحدة جاز) وإن أبوا حلف لكل واحد يمينًا.
(٣) (أو مكان جاز) ففي اللفظ "والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور" واليهودي "والله الذي أنزل التوراة على موسى" والنصراني "والله الذي أنزل الإنجيل على عيسى" والمجوسى "والله الذي خلقني ورزقني" لأنه يعظم خالقه ورازقه.
(٤) (لم يكن ناكلًا) عن اليمين لأنه قد بذل، الواجب عليه فيجب الإِكتفاء به.
(٥) (الإِقرار) لغة الاعتراف بالحق مأخوذ من المقر كأن المقر جعل الحق في موضعه، وشرعًا إظهار إلخ.
(٦) (أو كتابة) أو إشارة من أخرس، وهو ثابت بالإِجماع لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية، ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ورجم النبي ﷺ ماعزا والغامدية بإقرارهما.
стр. 934
اختلف هو والمقر له في بلوغه فقول المقر (١) ولا يحلف إلا أن تقوم بينة ببلوغه (٢) ويصح إقرار صبي أنه بلغ باحتلام إذا بلغ عشرًا ولا يقبل بسن إلا ببينة، ومن أقر بحق ثم ادعى أنه كان مكرها لم يقبل إلا ببينة (٣) ولا يصح إقراره بشيء في يد غيره أو ولاية غيره (٤) ويصح إقرار الصبي بقدر ما أذن له فيه (٥) ومن زال عقله بسبب مباح أو معذور لم يصح إقراره بغير خلاف وإن زال بمعصية لم يصح إقراره (٦)
وتتخرج صحته بناء على طلاقه (٧) ولا يصح إقرار المكره (٨) إلا أن يقر بغير ما أكره عليه (٩) فأما المريض مرض الموت المخوف فيصح إقراره بغير المال لعدم التهمة وإن أقر بمال لمن لا يرثه صح (١٠) ويلزمه أن يقر لوارثه
(١) (فقول المقر) في عدم بلوغه لأنه الأصل.
(٢) (ببلوغه) قلت: وقياس ذلك لو باع أو وهب أو وقف أو عتق أو أجر ونحوه ثم أنكر بلوغه حال الشك فيه قبل بلا يمين قاله في الإِقناع ويحمل نص أحمد في رواية ابن منصور إذا قال البائع بعتك قبل البلوغ وقال المشترى بعد بلوغك أن القول قول المشترى على ما إذا كان الاختلاف بعد تيقن بلوغه.
(٣) (إلا ببينة) إلا أن يكون هناك دلالة على الإِكراه كالقيد والحبس ونحوه فيكون القول قوله مع يمينه.
(٤) (غيره) كما لو أقر أجنبي على صغير أو وقف في ولاية غيره أو اختصاصه.
(٥) (فيه) هذا المذهب مطلقًا، وهو مقيد بما إذا قلنا بصحة تصرفه بما أذن فيه وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي: لا يصح إقراره بحال لعموم الخبر.
(٦) (لم يصح إقراره) قال ابن منجا هذا المذهب واختاره المصنف والشارح وجزم به في الوجيز وصححه الناظم.
(٧) (على طلاقه) وهو المذهب وهو منصوص الشافعي، ولنا أنه غير عاقل كمن جن بفعل محرم.
(٨) (المكره) هذا المذهب وهو مذهب الشافعي لحديث "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا" عليه.
(٩) (بغير ما أكره عليه) مثل أن يكره الإنسان فيقر لغيره، أو على الإِقرار بدنانير فيقر بدراهم فيصح هذا بلا نزاع.
(١٠) (صح) في أصح الروايتين، هذا المذهب وحكاه ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه لأنه غير متهم في حقه.
стр. 935
بدينه وإن لم يقبل منه لوقوفه على إجازه الورثة إذا كان الإِقرار حقًّا ولا يحاص المقر له غرماء الصحة (١) وقال أبو الحسين والقاضي يحاصهم (٢) وإذا خاف أن يأخذ ماله ظالم أو المال الذي بيده للناس (٣) جاز له الإقرار بما يدفع هذا الظلم ويحفظ المال لصاحبه (٤) ولا يصح إقرار المريض بقبض دين على وارث إلا بإجازة باقي الورثة، ولو أقرت امرأته في مرضها أنها لا مهر لها عليه لم يصح إقرارها (٥) ويصح إقراره في أخذ دين صحة ومرض من أجنبي في ظاهر كلام أحمد قاله القاضي وأصحابه، وإن أقر المريض بوارث صح (٦) وعنه لا يصح.
(فضل) وإن أقر عبد ولو آبقًا بقصاص في النفس صح ويتبع به بعد العتق (٧) وقال أبو الخطاب
(١) (الصحة) إذا أقر في مرض موته بل يقدمون لأنه أقر بعد تعلق الحق بماله وهذا المذهب وبه قال النخعي والثوري وأصحاب الرأي.
(٢) (يحاصهم) وهو ظاهر كلام الخرقي وقطع به الشريف وأبو الخطاب في خلافيهما وبه قال مالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور، وذكر أبو عبيد أنه قول أكثر أهل المدينة، وهذا إذا لم يتسع ماله.
(٣) (للناس) إما بحجة أنه ميت لا وارث له؛ أو أنه مال غائب، أو بلا حجة أصلًا.
(٤) (لصاحبه) مثل أن يقر بحاضر أنه ابنه ويعني به لصغره أو المال لفلان ويتأول في إقراره لكن يشترط أن يكون المقر أمينًا، والاحتياط أن يشهد عليه أنه تلجئة تفسيرها كذا وكذا.
(٥) (إقرارها) إن لم تجز باقي الورثة للتهمة، إلا أن تقوم بينة أنها أخذته، أو بإسقاطه في غير مرض الموت المخوف، هذا معنى ما نقله.
(٦) (صح) هذا المذهب، وإن كان المقر به كبيرًا عاقلًا لم يثبت حتى يصدقه لأن له قولًا صحيحًا فاعتبر تصديقه.
(٧) (بعد العتق) فلا يقتص منه في الحال، وبه قال زفر وداود والمزني وابن جرير الطبري.
стр. 936
يؤخذ به في الحال (١) ولا يقبل على السيد إقرار العبد بجناية موجبها المال (٢) وغير المأذون له بمال عن معاملة أو مطلقًا (٣) أو بما لا يتعلق بالتجارة (٤) ويتبع به بعد العتق ويقطع للسرقة في الحال (٥) وما صح إقرار العبد به فهو الخصم فيه (٦) والقصاص في النفس الخصم فيه السيد والعبد، وإن أقر أنه باع عبده من نفسه بألف فأنكر حلف وعتق ولم يلزمه شيء، وإن قدمت امرأة من بلاد الروم ومعها طفل فأقر به رجل لحقه (٧) ولهذا لو ولدت امرأة رجل وهو غائب عنها بعد عشر سنين أو أكثر من غيبته لحقه وإن لم يعرف له قدوم إليها ولا عرف لها خروج من بلدها، ومن له أمة لا زوج لها ولها ولد ولم يقر بوطئها فقال هو ابني ثبت نسبه وحريته ويطالب ببيان الاستيلاد فإن قال استولدتها في ملكي فالولد حر الأصل لا ولاء عليه وأمه أم ولد، وإن قال من نكاح أو وطء شبهة فأمه رقيقة قن ذكره في الكافي وغيره، وإن كانت أمتان لكل واحدة ولد فادعى إحداهما ومات قبل البيان قام وارثه مقامه (٨) وإن أقر بأب أو ولد وزوج أو مولى أعتقه قبل إقراره إذا أمكن صدقه ولم يدفع به نسبًا لغيره، ولا يصح إقرار من له نسب معروف بغير هؤلاء الأربعة (٩)
(١) (الحال) وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي واختاره ابن عقيل، وينبغي على هذا القول أن لا يصح عفو ولي الجناية على مال إلا بإذن سيده لئلا يفضي إلى إيجاب المال على سيده بإقرار غيره.
(٢) (المال) كالخطأ وشبه العمد والجائفة والمأمومة أو غصب أو سرقه مال وكذبه السيد ومثله الأمة ويتبع به بعد العتق.
(٣) (مطلقًا) أي لم يبين كونه عن معاملة أو غيره لم يقبل على السيد.
(٤) (بالتجارة) أي أقر مأذون له بالتجارة بما لا يتعلق بها كقرض وجناية.
(٥) (في الحال) لأن القطع حق له يقبل إقراره به كما لو أقر بقصاص في الطرف.
(٦) (فيه) كالحدود والطلاق والقصاص في الطرف.
(٧) (لحقه) لوجود الإِمكان وعدم المنازع، لأنه يحتمل أن يكون داخل أرضهم أو دخلت هي دار الإِسلام فوطئها، والنسب يحتاط لإِثباته.
(٨) (مقامه) فإن لم يكن أو أشكل عتق أحدهما بالقرعة إن لم تبينه القافة، والمقدم أنه لا مدخل للقرعة في تمييز النسب ويجعل سهمه في بيت المال لأنا نعلم أن أحدها يستحق نصيب ولد ولا نعرف عينه فلا يستحق بقية الورثة قاله السامري.
(٩) (بغير هؤلاء الأربعة) كجد يقر بابن ابن وعكسه، وكالأخ يقر بأخ. والعم يقر بابن أخ لأنه يحمل على غيره نسبًا فلم يقبل وإن أقر بنسب أخ أو عم بعد موت أبيه وجده وهو الوارث صح لأنه لم يقر على غيره لحديث سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة متفق عليه.
стр. 937
وإن أقر لحمل امرأة بمال صح (١) وإن ولدت حيًا وميتًا فهو للحي وإن ولدتهما حيين فهو بينهما، الذكر والأنثى سواء (٢) إلا أن يعزوه إلى ما يقتضى التفاضل فيعمل به، وإن أقر بنكاح صغيرة بيده فرق
(١) (صح) هذا المذهب وهو أصح قولي الشافعي لأنه لا يجوز أن يملك بوجه صحيح فصح له الإِقرار كالطفل.
(٢) (سواء) لأنه لا مزيد لأحدهما على صاحبه ومطلق الإِضافة يقتضى التسوية، وقال أبو الحسن التميمي لا يصح الإِقرار إلا أن يعزوه إلى سبب من إرث أو وصية فيكون بينهما على حسب ذلك وبه قال أبو ثور لأنه لا يملك بغيرهما.
стр. 938
بينهما وفسخه الحاكم حيث لم تكن له بينة وإن صدقته إذا بلغت قبل (١) ولو أقرت مزوجة بولد لحقها دون زوجها (٢) وأهلها (٣) ومقتضى كلام الجمهور. يتبع أهلها كالرجل، وإن أقر الوارث لرجل بدين يستغرق التركة ثم أقر بمثله لآخر في مجلس واحد تحاصا، وإن كان في مجلس ثان لم يشارك الثاني الأول ويغرم للثاني (٤) وقال الشافعي يقبل إقراره ويشتركان فيها.
باب ما يحصل به الإِقرار
إذا ادعى عليه ألفا فقال نعم أو أجل (٥) كان مقرًا، وقيل نعم لا يكون إقرارًا إلا من عامي (٦) قال في الإِنصاف هذا عين الصواب الذي لا شك فيه (٧).
باب الحكم إذا وصل بإقراره ما يغيره
لا يقبل رجوع المقر عن إقراره إلا فيما كان حدًا يدرأ به الشبهات يحتاط لإِسقاطه فأما حقوق الآدميين وحقوق الله التي لا تدرأ بها الشبهات كالكفارات والزكاة فلا يقبل رجوعه عنها لا نعلم في هذا خلافًا.
(١) (قبل) لعدم المانع قال في الفروع فدل أن من ادعت أن فلانًا زوجها فأنكر فطلبت الفرقة يحكم عليه بالفرقة، وقد سئل الموفق عنها فلم يجب فيها بشيء.
(٢) (دون زوجها) لعدم إقراره به كما لو أقر به رجل فإنه لا يلحق بامرأته.
(٣) (وأهلها) هذه عبارة الرعاية وفيها نظر.
(٤) (للثاني) هذا المذهب لأنه فوته عليه بإقراره به للأول فإنه يقر بما يقتضي مشاكة الأول وينقص حقه منها ولا يقبل إقرار الإنسان على غيره.
(٥) (أو أجل) بفتح الهمزة والجيم وسكون اللام وهو حرف تصديق كنعم قال الأخفش إنه أحسن من نعم في التصديق ونعم أحسن منه في جواب الاستفهام ويدل عليه قوله تعالى: ﴿هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ وقيل لسلمان ﵁، علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة أي كيفية ما تغوطون، قال: نعم.
(٦) (عامي) جزم به في المنتهى، والصحيح أنها من الكلام المشترك يدل على معناها سياق كلام قضية عمرو بن عبسة.
(٧) (فيه) وقصة إسلام عمرو بن عبسة "قدمت المدينة فدخلت عليه فقلت يا رسول أتعرفني؟ فقال نعم أنت الذي لقيتني بمكة فقلت بلى" قال في شرح مسلم فيه صحة الجواب ببلى وإن لم يكن قبلها نفي وصحة الإِقرار بها" قال وهو الصحيح من مذهبه يعني الشافعية.
стр. 939
(فصل) ويصح استثناء ما دون النصف والنصف في أحد الوجيهن (١) ولا يصح فيما زاد على النصف ويصح استثناء عين من ورق وورق من عين ذكره الخرقي (٢) فإذا قال له عليّ مائة درهم إلا دينارًا صح (٣) وإن قال له عندي رهن وقال المالك وديعة فقول المالك مع يمينه (٤) وإن قال له عليّ ألف من ثمن مبيع ثم سكت ثم قال لم أقبضه قبل (٥) وإن قال له عندي ألف وفسره بدين أو وديعة قبل منه، وإن قال له عليّ وفسره بوديعة لم يقبل (٦) وإن قال له في هذا المال ألف لزمه تسليمه، وإن قال له من
مالي أو في ميراثي من أبي ألف أو نصف داري هذه وفسره بالهبة وقال بدا لي من تقبيضه قبل (٧).
(فصل) ولو قال بعتك جاريتي هذه قال بل زوجتنيها وجب تسليمها للزوج (٨) ولا ترد إلى السيد لاتفاقهما على تحريمها عليه، وله على الزوج أقل الأمرين من ثمنها أو مهرها ويحلف لزائد فإن نكل لزمه وإن أولدها فهو حر (٩) ونفقته على أبيه ونفقتها على الزوج (١٠) فإن ماتت الأمة وتركت مالًا فللبائع قدر ثمنها
(١) (في أحد الوجهين) وهو ظاهر قول الخرقي لأنه ليس بأكبر فجاز كالأقل.
(٢) (الخرقي) ولا يصح من غير الجنس في غير هذا.
(٣) (صح) في أحد الوجهين، وفي الآخر لا يصح وبه قال أبو بكر.
(٤) (يمينه) هذا المذهب لأن العين ثبتت بالإِقرار له وادعى المقر دينًا فكان القول قول من ينكره، ونقل أحمد عن ابن مسعود إذا قال له لي عنده وديعة، فقال هي رهن على كذا فعليه البينة أنها رهن.
(٥) (قبل) كالمتصل لأن إقراره تعلق بالمبيع، والأصل عدم القبض.
(٦) (لم يقبل) هذا المذهب وقال به أكثر العلماء لأن علي للإِيجاب في الذمة.
(٧) (قبل) هذا المذهب جزم به في الهداية والمذهب والوجيز لأن إقراره يصلح أن يعود إليها من غير تناف وذكر القاضي وأصحابه أنه لا يقبل.
(٨) (للزوج) لاتفاقهما على حلها له واستحقاق إمساكها وإنما اختلفا في السبب.
(٩) (حر) ولا ولاء عليه لاعتراف السيد بذلك باعترافه بالبيع.
(١٠) (على الزوج) لأنه إما زوج وإما سيد وكلاهما سبب لوجوب النفقة.
стр. 940
وتركتها للمشتري والمشتري مقر للبائع بها فيأخذ منها قدر ما يدعيه (١) وبقيته موقوفة (٢) وإن ماتت بعد الواطيء فقد ماتت حرة (٣) وميراثها لولدها وورثتها (٤) ولو شهد رجلان على رجل أنه طلق امرأته ثلاثًا فرد الحاكم شهادتهما فدفعا إلى الزوج عوضًا ليخلعها صح وكان خلعًا صحيحًا (٥) وفي حقهما استخلاصًا.
(فصل) وإن قال غصبت هذا العبد من زيد لا بل من عمرو ولزمه دفعه لزيد ويغرم قيمته لعمرو (٦) وقيل لا إقرار مع استدراك متصل (٧) وإن قال لا أعرف عينه وصدقاه انتزع من يده وكانا خصمين فيه (٨) وإن كذباه فقوله مع يمينه فيحلف يمينًا واحدة أنه لا يعلم من هو منهما. وإن ادعى رجلان دارًا في يد غيرهما
(١) (ما يدعيه) فإنه إما أن يكون صادقًا فهو يستحق على المشتري ثمنها وإن كان كاذبًا فهي ملكه وتركتها له فيأخذ منها قدر ما يدعيه.
(٢) (موقوفة) أي المال المتروك حتى يتبين المستحق.
(٣) (حرة) لاعتراف السيد بكونها صارت أم ولد وقد مات مستولدها.
(٤) (وورثتها) إن كانوا، فإن لم يكن لها وارث فميراثها موقوف لأن أحدًا لا يدعيه، وليس للسيد أن يأخذ منه قدر الثمن لأنه يدعي الثمن على الواطيء وميراثها ليس له لأنه قد مات قبلها، وإن راجع البائع فصدق الزوج فقال ما بعته إياها بل زوجته لم يقبل في إسقاط حرية الولد ولا في استرجاعها إن صارت أم ولد وقبل في غيرها من إسقاط الثمن واستحقاق المهر، وإن رجع الزوج فصدق البائع ثبتت الحرية ووجب الثمن لاتفاقهما على ذلك.
(٥) (صحيحًا) بالنسبة للزوج لأنه محكوم له بالزوجية.
(٦) (لعمرو) على الصحيح من المذهب وهو ظاهر مذهب الشافعي وقال في الآخر لا يضمن لعمرو شيئًا.
(٧) (متصل) واختاره الشيخ قال في الإِنصاف وهو الصواب ولنا على لزوم دفعه إلى زيد أنه أقر له به فلم يقبل رجوعه عنه لأنه حق آدمي وعلى دفعه لعمرو قيمته أنه حال بينه وبين ملكه لإِقراره لغيره فلزمه ضمانه كما لو أتلفه.
(٨) (كانا خصمين فيه) وإن كان لأحدهما بينة حكم بها وإلا أقرع بينهما فمن قرع حلف وأخذه، وإن بين الغاصب مالكه بعد ذلك قبل منه كما لو بينه ابتداء.
стр. 941
شركة بينهما بالسوية فأقر لأحدهما بنصفها فالمقر به بينهما (١) وأما إن لم يدعيا سببًا يقتضي الإِشتراك لم يشاركه الآخر (٢) وإن قال في مرضه هذا ألف لقطة فتصدقوا به ولا مال له غيره لزم الورثة الصدقة به لو كذبوه (٣).
(فصل) إذا مات رجل وخلف مائة فادعاها بعينها رجل فأقر ابنه له بها ثم ادعاها آخر بعينها فأقر له بها فهي للأول (٤) ويغرمها للثاني (٥) وإن ادعى على ميت مائة
دينار هي جميع التركة فأقر له الوارث ثم ادعى آخر مثل ذلك فأقر له فإن كان في مجلس واحد فهي بينهما وإن كان في مجلسين فهي للأول ولا شيء للثاني (٦) وإن خلف ابنين ومائتين فادعى رجل مائة دينار على الميت فصدقه أحد الابنين وأنكر الآخر لزم المقر نصفها (٧) إلا أن يكون عدلًا فيحلف الغريم مع شهادته (٨) ويأخذ مائة وتكون المائة الباقية
(١) (بينهما) هذا المذهب اختاره أبو الخطاب وغيره لإِعترافهما أن الدار لهما مشاعة وما غصبه الغاصب فهو بينهما.
(٢) (الآخر) وكان على خصومته لأنهما لم يعترفا بالإِشتراك بل ادعى كل واحد منهما فأقر لأحدهما بما ادعاه.
(٣) (كذبوه) هذا رواية عن أحمد وهو المذهب حكى عن القاضي وقدمه في الفروع وصححه الناظم وصاحب تصحيح المحرر لأن أمره بالصدقة يدل على تعديه فيجب امتثاله وكإقراره في الصحة وقيل بثلثه وهو رواية عن أحمد وجزم به في الوجيز لأنه جميع ماله في الوصية.
(٤) (للأول) لأنه قد أقر له بها ولا معارض له فوجب كونها له عملًا بالإِقرار السالم عن المعارضة.
(٥) (للثاني) هذا المذهب وهذا أحد قولي الشافعي وقال في الآخر لا يغرم للثاني وهو قول أبي حنيفة لأنه أقر له بمال وجب عليه الإقرار به وإنما منعه الحكم من قبوله وذلك لا يوجب الضمان. ولنا أنه حال بين عمرو وبين ملكه الذي أقر له بإقراره لغيره فلزمه غرمه.
(٦) (للثاني) لأن الأول استحق تسلمه كله بالإِقرار فلا يقبل إقرار الوارث بما يسقط حقه لأنه إقرار على غيره.
(٧) (نصفها) هذا المذهب وبه قال النخعي والحكم والحسن وإسحق وأبو عبيد وأبو ثور والشافعي في أحد قوليه.
(٨) (شهادته) وإن كان ضامنًا فيه لم تقبل شهادته على أخيه لدفعه بها عن نفسه ضررًا.
стр. 942
بين الابنين (١) وقال أصحاب الرأي يلزم المقر جميع الدين أو جميع ميراثه وهو أحد قولي الشافعي (٢).
باب الإِقرار بالمجمل (٣)
(فصل) إذا قال له عليّ قفيز حنطة بل قفيز شعير أو درهم بل دينار لزماه معًا (٤) ولا يقبل رجوعه عن شيء منهما (٥) وإن قال له ما بين هذا الحائط إلى هذا الحائط لا يدخل الحائطان (٦) وإقراره بشجرة أو شجر ليس إقرارًا بأرضها فلا يملك غرس مكانها لو ذهبت (٧) ولا يملك رب الأرض قلعها (٨) وثمرتها للمقرر له (٩) والإِقرار بأرض إقرار بما فيها (١٠)
(١) (الابنين) لأنها ميراث لا تعلق بها لأحد سواهما.
(٢) (الشافعي) رجع إليه لأن الدين يتعلق بتركته فلا يستحق الوارث منها ما فضل من الدين لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ ولنا أنه لا يستحق أكثر من نصف الميراث فلا يلزمه أكثر من نصف الدين كما لو أقر أخوه.
(٣) (بالمجمل) هو ما لم تتضح دلالته وما احتمل أمرين فأكثر على السواء، ضد المفسر.
(٤) (معًا) لأن الأول لا يمكن أن يكون الثاني ولا بعضه فكان مقرًا بهما.
(٥) (منهما) وكذا جملتين أقر بإحداهما ثم رجع إلى الأخرى لزماه.
(٦) (الحائطان) ذكره القاضي في الجامع الكبير محل اتفاق.
(٧) (لو ذهبت) كالبيع لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه.
(٨) (قلعها) لأن الظاهر أنها وضعت بحق.
(٩) (له) لأنها نماؤها، وعلم منه أن الإِقرار ببناء أرض ليس إقرارًا بها، ويبقى إلى أن ينهدم بلا أجرة ولا يعاد بغير إذن رب الأرض، وكذا الإِقرار بالزرع إلى الحصاد مجانًا.
(١٠) (بما فيها) من بناء أو شجر لا زرع بر ونحوه.
стр. 943
وإقرار بأمة حامل ليس إقرارًا بحملها (١).
(١) (يحملها) ومثله لو أقر بغرس أو أتان أو ناقة حامل ونحوها ..
وهذا آخر ما تيسر من حاشية هذا الكتاب، والله أعلم بالصواب، وأسأله حسن الخاتمة، وأن يتقبل ذلك بمنه وكرمه، وأن ينفع به. وأن يجعله مقبولًا خالصًا لوجهه الكريم. وصلى الله على خاتم النبيين وسيد المرسلين. على ممر الأوقات. وعدد اللحظات واللفظات. وتتكرر كلما ذكر اسمه في هذا الكتاب وغيره ظاهرًا أو مضمرًا وآله وصحبه وسلم وكان الفراغ من تأليفها يوم الإثنين الرابع عشر من رمضان سنة ١٣٧٣.