← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 809

منهج الخطيب البغدادي في نقد الحديث

محمد محب الدين أبو زيد

Полный текст (481 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

أصل هذا الكتاب رسالة علمية نال بها الباحث درجة الماجستير بتقدير ممتاز، من كلية دار العلوم، جامعة القاهرة، وقد ناقشتها لجنة تتألف من: ١ - الأستاذ الدكتور/ عبد المجيد محمود عبد المجيد، مشرفا. أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم، جامعة القاهرة. ٢ - الأستاذ الدكتور/ رفعت فوزي عبد المطلب، مناقشا. أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم، جامعة القاهرة. ٣ - الأستاذ الدكتور/ علي عبد الباسط مزيد، مناقشا. عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر ببني سويف سابقا، وأستاذ الحديث بكلية أصول الدين.

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن من المعلوم عند أهل العلم وطلبته أن الخطيب البغدادي ﵀ إمام كبير من أئمة الدين، وحافظ نِحرير وناقد خبير لحديث النبي الأمين ﷺ ، وله مصنفات كثيرة قيمة في علوم الحديث، صارت عمدةً لمن أتى بعده من المحدِّثين، حتى قال الحافظ ابن نُقطة: «له مصنَّفات في علوم الحديث لم يُسبق إلى مثلها، ولا شبهة عند كل لبيب أنَّ المتأخِّرين من أصحاب الحديث عيال علي أبي بكر الخطيب» (١). وكان «تاريخ بغداد» من أهم كتبه وأكبرها حجمًا وأعظمها فائدة، حتى قال العلامة ابن خِلِّكان (٢): «لو لم يكن له سوى «التاريخ» لكفاه؛ فإنه يدل على اطِّلاع عظيم» (٣). لذلك ولغيره - مما سيأتي ذكره - رأيتُ أن يكون موضوع رسالتي لنيل درجة الماجيستير عن أحد موضوعات هذا الكتاب العظيم، وهو النقد الحديثي، وسميتها: «منهج الإمام الخطيب البغدادي في نقد الحديث من خلال كتابه تاريخ بغداد».

стр. 3

وقد رأيتُ أن أقدِّم لهذه الرسالة بمقدمة مختصرة، أُبيِّن فيها أهمية الموضوع وأسباب اختياره، والدراسات السابقة ذات الصلة بموضوع البحث، وإشكالية الدراسة، ومنهجها، والخطة المتَّبعة لإنجازها. أولًا: أهمية الموضوع وأسباب اختياره: ١ - أهمية معرفة مناهج الأئمة في باب نقد الأحاديث، حيث إنه لقلَّة معرفة بعض الباحثين لمناهجهم اضطربوا في باب التصحيح والتضعيف، فيصحِّحون ما قد أجمع الأئمة على إعلاله، أو يضعِّفون بعلة قد اطَّلع الأئمة عليها ولم يَرَوْها قادحة. ٢ - إن تتبُّع كلام الأئمة في نقد الحديث ودراسة مناهجهم هو أفضل طريق إلى اكتساب المعرفة بهذا العلم. ٣ - الجهود العظيمة التي قام بها الإمام الخطيب البغدادي في علوم الحديث، فقد كان من أكثر الأئمة تصنيفًا في علوم الحديث، فأردتُ أن أُبرز منهجه في نقد الأحاديث. ٤ - كون هذا الإمام الكبير مع شهرته وتقدُّمه في هذا العلم، لم يُفرَد منهجه في باب نقد الأحاديث بالدراسة حسب علمي. ٥ - رغبتي في المقارنة بين ما أصَّله الخطيب من قواعد في مصطلح الحديث في كتابيه «الكفاية في علم الرواية»، و «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع»، وبين تطبيقه على الأحاديث في كتابه «تاريخ بغداد».

стр. 4

٦ - إيجاد خدمة علمية بإبراز الأحاديث التي تكلم عليها هذا الإمام. ٧ - إن دراسة منهج هذا الإمام تُبرز دقة هذا العلم وما يحتاج إليه دارسه من سعة المعرفة، فيكون في ذلك إسهام في تنبيه الباحثين المشتغلين بهذا العلم على أهمية التروِّي وطول النظر قبل إصدار الحكم على الأحاديث. ثانيًا: الدراسات السابقة: لم أجد أحدًا بحث في هذا الموضوع، ولكني وجدت بعض الباحثين قد تعرَّضوا لموضوعات أخرى ذات صلة بهذا الموضوع، منها: ١ - «الخطيب البغدادي وأثره في علوم الحديث» للدكتور محمود الطحان، وهي رسالته لنيل درجة الدكتوراه من كلية أصول الدين، جامعة الأزهر، وهي مطبوعة على نفقة المؤلف سنة (١٤٠١ هـ-١٩٨١ م). وقد ترجم فيه مؤلِّفه للخطيب ترجمة موسَّعة وتكلَّم على مصنَّفاته، وعلى نقده لأئمة الحديث وبيانه لأوهامهم، ثم تكلَّم على أثره في علوم الحديث واعتماد العلماء من بعده عليه. ٢ - «موارد الخطيب في تاريخ بغداد» للدكتور أكرم ضياء العمري، الناشر: دار طيبة، الطبعة الثانية، سنة (١٤٠٥ هـ- ١٩٨٥ م). جمع فيه مصادر الخطيب في «تاريخه» وتكلَّم عليها، سواء أكانت هذه المصادر في الحديث أو التاريخ أو التراجم أو الأنساب أو البلدان أو الأدب أو غير ذلك.

стр. 5

٣ - «زوائد تاريخ بغداد على الكتب الستة» للدكتور خلدون الأحدب، الناشر: دار القلم، بدون تاريخ للطبع. أفرد فيه زوائد أحاديث «تاريخ بغداد» على الكتب الستة، وخرَّج كلَّ حديث منها، ودرسه، وحكم عليه بالقبول أو الرد. ٤ - «الخطيب البغدادي مؤرِّخ بغداد ومحدِّثها» للدكتور يوسف العش، مطبعة الترقي- دمشق، سنة (١٣٦٦ هـ). وهو ترجمة قيِّمة للخطيب البغدادي. ثالثًا: إشكالية الدراسة: ستجيب هذه الدراسة -إن شاء الله تعالى- عن التساؤلات الآتية: ١ - ما هي أبرز سمات منهج نقد الأحاديث عند الإمام الخطيب البغدادي؟ ٢ - ما مدى تأثُّر الخطيب بمن سبقه من المحدثين في نقد الأحاديث؟ وهل كان مجتهدًا في نقده أم مقلِّدًا؟ ٣ - هل وافقت أحكام الخطيب على الأحاديث أحكامَ مَن قبله من العلماء أم خالفتها؟ وما مقدار هذه الموافقة أو المخالفة؟ ٤ - هل وافق تنظيرُ الخطيب لأصول نقد الحديث في كتابه «الكفاية» وغيره تطبيقَه على الأحاديث في «تاريخه» أم خالفه؟

стр. 6

رابعًا: منهج الدراسة: إن منهج الدراسة هو منهج استقرائي ووصفي واستنباطي، ويتلخَّص في النقاط التالية: ١ - جمع الأحاديث التي تكلَّم عليها الخطيب البغدادي، وأقواله في الرجال مما له صلة بنقد الحديث ووجوهه من خلال كتابه «تاريخ بغداد». ٢ - تقسيم هذه الأحاديث على الأبواب والفصول والمباحث والمطالب الآتي ذكرها في خطة الدراسة. ٣ - تخريج الأحاديث ودراستها بما يفي بمقصود البحث، وقد كانت دراستي منصبَّة على الطريق الذي تكلَّم عليه الخطيب بغض النظر عن غيره من الطرق. ٤ - التعريف بالرواة والأعلام، وقد ترجمتُ لمن احتجتُ إليه في الدراسة، وأغفلتُ مَن لا أحتاج إليه ممن هو مشهور أو ذُكر عَرضًا، وذلك لكثرتهم، وعدم جدوى الترجمة لكل عَلَم يَرِد، ما لم يكن يخدم البحث خدمة واضحة. ٥ - الاستعانة بأقوال الخطيب البغدادي في الرجال ذات الصلة بموضوع نقد الحديث. ٦ - الإفادة بما قرره الخطيب من قواعد نقد الحديث في كتابه «الكفاية في علم الرواية» وغيره، ومقارنة تنظيره في هذا الكتاب بتطبيقه في «تاريخ بغداد».

стр. 7

٧ - مقارنة كلامه بكلام غيره من النقاد من خلال دراسة الأحاديث والأقوال. ٨ - استخلاص منهج الخطيب البغدادي من خلال دراسة الأحاديث التي تكلم عليها وأقواله في الرجال. خامسًا: خطة الدراسة: جاء هذا البحث في تمهيد وأربعة أبواب وخاتمة: • التمهيد: التعريف بالإمام الخطيب البغدادي وبكتابه «تاريخ بغداد». وفيه مبحثان: * المبحث الأول: التعريف بالإمام الخطيب البغدادي. وفيه عشرة مطالب: - المطلب الأول: عصر الإمام الخطيب البغدادي. - المطلب الثاني: اسمه ونسبه وأسرته ومولده. - المطلب الثالث: حياته العلمية. - المطلب الرابع: شيوخه وتلاميذه. - المطلب الخامس: صفاته. - المطلب السادس: مذهبه العقدي والفقهي. - المطلب السابع: مصنفاته.

стр. 8

- المطلب الثامن: إمامته ومكانته عند علماء الحديث. - المطلب التاسع: الرد على الشبهات التي أُثيرت حوله. - المطلب العاشر: مرضه ووفاته. * المبحث الثاني: التعريف بـ «تاريخ بغداد». وفيه خمسة مطالب: - المطلب الأول: موضوعه، وترتيبه. - المطلب الثاني: مصادره. - المطلب الثالث: أهميته ومميزاته. - المطلب الرابع: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب. - المطلب الخامس: منهج سياق الأحاديث في الكتاب. • الباب الأول: نقد الأحاديث بالطعن في رواتها. وفيه ثلاثة فصول: * الفصل الأول: نقد الحديث بالطعن في الراوي بالجهالة. وفيه مبحثان: - المبحث الأول: ضابط الجهالة عند الخطيب البغدادي. - المبحث الثاني: نقد الخطيب البغدادي للأحاديث بجهالة بعض رواتها.

стр. 9

* الفصل الثاني: نقد الحديث بالطعن في عدالة الراوي. وفيه مبحثان: - المبحث الأول: مفهوم العدالة وشروطها عند الخطيب البغدادي. - المبحث الثاني: النقد باختلال العدالة عند الخطيب. وفيه مطلبان: - المطلب الأول: النقد بالطعن في الراوي بالكذب ووضع الحديث. - المطلب الثاني: النقد بالطعن في الراوي بسرقة الحديث. * الفصل الثالث: نقد الحديث بالطعن في ضبط الراوي. وفيه مبحثان: - المبحث الأول: مفهوم الضبط وكيفية تحقُّقه في الراوي. - المبحث الثاني: النقد باختلال الضبط عند الخطيب. • الباب الثاني: نقد الأحاديث بما يُخِلُّ باتصال أسانيدها. وفيه فصلان: * الفصل الأول: الانقطاع والنقد به عند الخطيب. وفيه مبحثان: - المبحث الأول: تعريف الانقطاع وصوره عند الخطيب. - المبحث الثاني: النقد بانقطاع السند عند الخطيب.

стр. 10

* الفصل الثاني: التدليس والنقد به عند الخطيب. وفيه مبحثان: - المبحث الأول: التعريف بالتدليس وأنواعه عند الخطيب. - المبحث الثاني: النقد بالتدليس عند الخطيب. • الباب الثالث: نقد الأحاديث بالعلل الخفية. وفيه تمهيد، وثلاثة فصول: * تمهيد: تعريف العلة وأنواعها. * الفصل الأول: النقد بالتفرُّد والمخالفة مع وجود القرائن. وفيه ثلاثة مباحث: - المبحث الأول: التفرد والنقد به عند الخطيب. - المبحث الثاني: الحديث المنكر عند الخطيب. - المبحث الثالث: النقد بالمخالفة عند الخطيب. وفيه أربعة مطالب: - المطلب الأول: رأي الخطيب عند اختلاف الرواة في الحديث. - المطلب الثاني: النقد بمخالفة الراوي لغيره برفع الموقوف. - المطلب الثالث: النقد بمخالفة الراوي لغيره بوصل المرسل.

стр. 11

- المطلب الرابع: النقد بمخالفة الراوي لغيره بخلاف الحالتين السابقتين. * الفصل الثاني: النقد بالاضطراب والقلب والتصحيف. وفيه ثلاثة مباحث: - المبحث الأول: الاضطراب. وفيه مطلبان: - المطلب الأول: تعريف الحديث المضطرب. - المطلب الثاني: بيان الخطيب للاضطراب في الأحاديث. - المبحث الثاني: القلب. وفيه مطلبان: - المطلب الأول: تعريف الحديث المقلوب وأقسامه. - المطلب الثاني: بيان الخطيب للقلب في الأحاديث. - المبحث الثالث: التصحيف. وفيه مطلبان: - المطلب الأول: تعريف التصحيف. - المطلب الثاني: بيان الخطيب للتصحيف في الأحاديث. * الفصل الثالث: نقد المتون عند الخطيب.

стр. 12

• الباب الرابع: الخصائص العامة للنقد عند الخطيب. وفيه فصلان: * الفصل الأول: تأثر الخطيب بالنقاد المتقدمين مع عدم تقليده لهم. وفيه ثلاثة مباحث: - المبحث الأول: تأثُّر الخطيب بالنقَّاد المتقدمين في أحكامه النقدية على الأحاديث. - المبحث الثاني: شرح الخطيب لكلام النقاد. - المبحث الثالث: نقد الخطيب للأحكام النقدية لسابقيه وعدم التقليد. * الفصل الثاني: كيفية معرفة الخطيب بنقد الراوي والرواية. وفيه مبحثان: - المبحث الأول: كيفية معرفة الخطيب بنقد الراوي. - المبحث الثاني: كيفية معرفة الخطيب بنقد الرواية. • الخاتمة: وفيها أهم النتائج والتوصيات. وقد ألحقت بالبحث جملة من الفهارس التي تقرِّب الاستفادة منه، وهي: - فهرس الآيات القرآنية، ورتبته حسب ترتيب سور المصحف العثماني. - فهرس الأحاديث النبوية، ورتبته حسب الأطراف على حروف المعجم. - فهرس المصادر والمراجع، ورتبته على حروف المعجم أيضًا.

стр. 13

- فهرس الموضوعات، ورتبته حسب ورودها في البحث، ابتداءً بالأبواب ثم الفصول ثم المباحث ثم المطالب. هذا، وأرجو الله تعالى أن ينفع بهذه الدراسة، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم؛ إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. * * *

стр. 14

التمهيد التعريف بالإمام الخطيب البغدادي وبكتابه «تاريخ بغداد» وفيه مبحثان: المبحث الأول: التعريف بالإمام الخطيب البغدادي. المبحث الثاني: التعريف بـ «تاريخ بغداد».

стр. 15

المبحث الأول التعريف بالإمام الخطيب البغدادي وفيه عشرة مطالب: - المطلب الأول: عصر الإمام الخطيب البغدادي. - المطلب الثاني: اسمه ونسبه وأسرته ومولده. - المطلب الثالث: حياته العلمية. - المطلب الرابع: شيوخه وتلاميذه. - المطلب الخامس: صفاته. - المطلب السادس: مذهبه العقدي والفقهي. - المطلب السابع: مصنفاته. - المطلب الثامن: إمامته ومكانته عند علماء الحديث. - المطلب التاسع: الرد على الشبهات التي أُثيرت حوله. - المطلب العاشر: مرضه ووفاته.

стр. 16

المطلب الأول عصر الإمام الخطيب البغدادي عاش الإمام الخطيب البغدادي ﵀ في عصرٍ يموج بالقَلاقل السياسية، والتناحُر على الحُكم والسُّلطة، وفي بلدٍ تمرُّ بها أحوالٌ اقتصادية واجتماعية صعبة، وفتح عينيه ليشهد تنازعَ الفرق الإسلامية المختلفة وتخاصمها، ومع ذلك فقد عاصر ازدهارًا في الحياة العلمية والفكرية، وأُبيِّن ذلك فيما يلي: أولًا: الحالة السياسية: يمثِّل عصرُ الخطيب - وهو القرن الخامس الهجري - عصرَ ضعف الخلافة العباسية، فقد كان الخليفة العباسي ليس له إلا سُلطة اسمية على بغداد وما حولها، والسُّلطة الفعلية كانت لبني بُوَيْه (١)، ثم للسَّلاجِقة (٢) من بعدهم.

стр. 17

أما في مصر وبلاد المغرب فقد كان الحكم فيها للفاطميين الباطنية، حتى لقَّبوا أنفسهم بالخلفاء، وامتد حكمهم إلى الحجاز والشام، وحاولوا السيطرة على العراق لكن لم يُفلحوا. أما خُراسان (١) وبلاد المشرق فقد كان يحكمه الغَزْنويون (٢) والسَّلاجقة، وإن أَبْقَوْا على الارتباط الاسمي بالخلافة العباسية.

стр. 18

وقد عاش الخطيب في بغداد عاصمة الخلافة العباسية، وتولَّى الخلافة في فترة حياته اثنان من الخلفاء العباسيين، وهما: القادر بالله، والقائم بأمر الله. أما الخليفة القادر بالله، فهو أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر جعفر بن المعتضد العباسي، وقد تولى الخلافة من سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة إلى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، فاستمرت خلافته إحدى وأربعين سنة، وكان رجلًا عالمًا ناصرًا للسنة قامعًا للبدعة، وقد وصفه الخطيب بقوله: «كان من الستر والديانة وإدامة التهجد بالليل، وكثرة البر والصدقات على صفة اشتهرت عنه، وعُرف بها عند كل أحد، مع حسن المذهب وصحة الاعتقاد، وكان صنَّف كتابًا في الأصول، ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أصحاب الحديث، وأورد في كتابه فضائل عمر بن عبد العزيز، وإكفار المعتزلة والقائلين بخلق القرآن، وكان الكتاب يُقرأ كل جمعة في حلقة أصحاب الحديث بجامع المهدي، ويحضر الناس سماعه» (١). وأما الخليفة القائم بأمر الله، فهو أبو جعفر عبد الله بن القادر بالله، تولى الخلافة بعد موت أبيه سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة وحتى سنة سبع وستين وأربعمائة، فكانت مدة خلافته خمسًا وأربعين سنة، وكان ورعًا ديِّنًا كثير الصدقة والصبر، ولم يكن له من أمر السلطة شيء، وكان ملوك بني بُوَيه هم أصحاب السلطة الفعلية، وكانت هناك محاولات من الفاطميين بالاستيلاء

стр. 19

على بغداد وإنهاء الخلافة العباسية، عن طريق استمالة بعض القوَّاد الأتراك، مثل القائد أرسلان البَسَاسِيري (١). إلا أن سلطة البُوَيْهيين بدأت في الانهيار في أواخر النصف الأول من القرن الخامس الهجري، فانتهز الخليفة القائم بأمر الله الفرصة، وطلب إلى طُغرلبك السلجوقي أن يأتي إلى بغداد ويخلِّصه من حُكم البُوَيْهيين ومن عملاء الفاطميين، فجاء طغرلبك ودخل بغداد بجنوده، وأنهى حكم بني بُوَيه، وفرَّ البَسَاسِيري ومن معه من الجنود إلى الرَّحبة، وذلك بمساعدة الوزير الصالح أبي القاسم علي بن الحسن المعروف بابن المُسْلِمة، الذي كان يشعر بخطر عظيم من محاولات الفاطميين الاستيلاء على بغداد وإنهاء الخلافة العباسية. وكان الوزير ابن المُسْلِمة حسن الاعتقاد سديد المذهب، ذا رأي أصيل وعقل وافر (٢). وفي سنة خمسين وأربعمائة اضطر طُغرلبك إلى مغادرة بغداد إلى الموصل لقتال أحد العاصين، ولم يبق ببغداد من يحميها، فانتهز البَسَاسِيري الفرصة وهجم على بغداد بمعاونة الفاطميين، فدخلها حاملًا معه الرايات الفاطمية، قال الخطيب: «ثم دخل البَسَاسِيري بغداد يوم الأحد ثامن ذي القعدة ومعه الرايات المصرية، فضرب مضاربه على شاطئ دجلة، ونزل هناك والعسكر معه، وأجمع أهل الكرخ والعوام من أهل الجانب الغربي على مضافرة

стр. 20

البَسَاسِيري، وكان قد جمع العَيَّارين (١) وأهل الرساتيق (٢) وكافة الدُّعَّار (٣)، وأطمعهم في نهب دار الخلافة، والناس إذ ذاك في ضر وجَهْد، قد توالت عليهم سنون مُجدبة، والأسعار غالية، والأقوات عزيزة، وأقام البَسَاسِيري بموضعه والقتال في كل يوم يجري بين الفريقين في السفن بدجلة. فلما كان يوم الجمعة الثالث عشر من ذي القعدة دُعي لصاحب مصر في الخطبة بجامع المنصور، وزيد في الأذان: حي على خير العمل … فلما كان من يوم الأحد لليلتين بقيتا من ذي القعدة حشر البَسَاسِيري أهل الجانب الغربي عمومًا، وأهل الكرخ خصوصًا، ونهض بهم إلى حرب الخليفة، فتحاربوا يومين قُتل بينهما قتلى كثيرة … ». ثم ذكر الخطيب أن البَسَاسِيري نفى الخليفة إلى مدينة حَديثة عانة على نهر الفرات، فحُبس هناك، وأنه قبض على الوزير ابن المُسْلِمة ثم صلبه حيًّا وقتله. وقد خرج الخطيب من بغداد متوجِّهًا إلى دمشق يوم النصف من صفر سنة إحدى وخمسين وأربعمائة؛ خوفًا من بطش البَسَاسِيري؛ فقد كان الخطيب مقرَّبًا من الوزير ابن المُسْلِمة. ثم ذكر الخطيب أن طُغرلبك رجع إلى بغداد فأطلق الخليفة من محبسه، وأنه حارب البَسَاسِيري، إلى أن ظُفر به وقُتل، وطِيف برأسه في بغداد، وعُلِّق

стр. 21

إزاء دار الخلافة في اليوم الخامس عشر من ذي الحجة سنة إحدى وخمسين وأربعمائة، وكان الخطيب حينها بدمشق (١). ثانيًا: الحالة الاقتصادية والاجتماعية: لم تكن الحالة الاقتصادية والاجتماعية حسنة، فقد عاشت بغداد ظروفًا اقتصادية واجتماعية قاسية، فكانت الأزمة المالية بسبب خراب الأراضي الزراعية، وظهور الإقطاع العسكري الذي سار عليه البُوَيْهيون، وكثرة الضرائب التي أثقلت الناس، واضطراب الأمن؛ لكثرة ثورات الجند بغية زيادة رواتبهم، وازدياد نشاط اللصوص والفساق وأهل الفساد، الذين استغلُّوا ضعف السلطة للقيام بأعمال السلب والنهب (٢). وقد أدى الصراع على السلطة إلى زيادة معاناة الناس، وقد ذكر الخطيب شيئًا من ذلك في فتنة البَسَاسِيري، فقال: «والناس إذ ذاك في ضر وجَهد، قد توالت عليهم سُنون مُجدِبة، والأسعار غالية، والأقوات عزيزة» (٣). ثالثًا: الخصومات المذهبية: كان الخصام والتنازع بين الفرق والمذاهب الإسلامية المختلفة على أشده، واتسم بطابع العنف والقسوة، لا سيما بين السنة والشيعة في بغداد وما حولها، وقد كان يصل في بعض الأحيان إلى الضرب والقتل وتحريق الدور والمنازل (٤).

стр. 22

رابعًا: الحالة العلمية والفكرية: برغم التناحر السياسي والصراع المذهبي والظروف الاقتصادية القاسية التي مرت بالعالم الإسلامي في مطلع القرن الخامس الهجري، فإن التيار الحضاري العلمي والفكري في كل المجالات قد واصل تدفُّقه. فقد برز في عصر الخطيب كثير من العلماء في شتى الفنون والعلوم، أثْرَوا المكتبة الإسلامية بكثير من المصنفات القيمة، من هؤلاء العلماء: ١ - أبو عبد الله الحاكم النيسابوري (ت: ٤٠٥ هـ) صاحب «المستدرك على الصحيحين»، و «معرفة علوم الحديث» وغيرهما. ٢ - حمزة السهمي (ت ٤٢٧ هـ) صاحب «تاريخ جُرْجان»، و «سؤالات الدارقطني». ٣ - أبو منصور عبد القاهر البغدادي (ت ٤٢٩ هـ) صاحب «الفَرْق بين الفِرق». ٤ - أبو نعيم الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ) صاحب «حلية الأولياء»، و «أخبار أصبهان» وغيرهما. ٥ - أبو يعلى الخليلي (ت: ٤٤٦ هـ) صاحب «الإرشاد في معرفة علماء الحديث». ٦ - أبو الحسن الماوردي الشافعي (ت ٤٥٠ هـ) صاحب «الحاوي الكبير»، و «الأحكام السلطانية» وغيرهما.

стр. 23

٧ - ابن حزم الظاهري (ت ٤٥٦ هـ) صاحب «المحلى»، و «الفِصَل في الملل والأهواء والنِّحَل» وغيرهما. ٨ - أبو بكر البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) صاحب «السنن الكبرى»، و «شُعب الإيمان» وغيرهما. ٩ - أبو يعلى الحنبلي (ت ٤٥٨ هـ) صاحب «الأحكام السلطانية»، و «العدة في أصول الفقه» وغيرهما. ١٠ - ابن سِيده اللغوي (ت ٤٥٨ هـ) صاحب «المحكم والمحيط الأعظم»، و «المخصَّص» وغيرهما. ١١ - أبو عمر بن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) صاحب «التمهيد»، و «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» وغيرهما. ١٢ - أبو القاسم القُشَيري (ت ٤٦٥ هـ) صاحب «الرسالة القشيرية»، و «لطائف الإشارات». ١٣ - عبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١ هـ) صاحب «دلائل الإعجاز»، و «أسرار البلاغة» وغيرهما. ١٤ - إمام الحرمين الجُوَيني (ت ٤٧٨ هـ) صاحب «البرهان في أصول الفقه»، و «نهاية المطلب في دراية المذهب» وغيرهما (١).

стр. 24

المطلب الثاني اسمه، ونسبه، وأسرته، ومولده - اسمه ونسبه: هو أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (١). وسُمِّي الخطيب؛ لأن أباه عليًّا كان يخطب بدَرْزِيجان (٢)، كما أن أبا بكر الخطيب نفسه كان يخطب أيضًا في بعض قرى بغداد (٣). - أسرته: ترجم الخطيب لوالده في «تاريخ بغداد» فقال: «علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي، أبو الحسن الخطيب، والدي ﵁، كان أحد حُفَّاظ القرآن، قرأ على أبي حفص الكَتَّاني (٤)، وتولَّى الإمامة والخطابة على المنبر بدَرْزِيجان نحوًا من عشرين سنة، وكان يذكر أن أصله من العرب، وأن له عشيرة يركبون الخيول

стр. 25

مسكنهم بالحَصَّاصة (١) من نواحي الفرات، وتوفي يوم الأحد للنصف من شوال سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، ودفنتُه من يومه في مقبرة باب حرب» (٢). وكان لأبيه ﵀ عناية بالعلم (٣)، وقد حدَّث عنه الخطيب في «تاريخه»، فمن ذلك قوله في ترجمة عبيد الله بن محمد أبي أحمد الفَرَضي المقرئ: «حدثني أبي رضي الله تعالى عنه قال: سمعتُ أبا الحسن محمد بن أحمد الرَّقِّي يقول: رأيتُ في منامي أبا أحمد الفرضي … » فذكره. ثم قال الخطيب: «لقيتُ الرَّقِّي -وكان من أهل الدين والقرآن- فحدثني بهذه الحكاية من لفظه، كما حدثنيها عنه أبي ﵀» (٤). ومن ذلك أيضًا قوله في ترجمة عبد الواحد بن عبد العزيز أبي الفضل التميمي الفقيه الحنبلي: «حدثني أبي رضي الله تعالى عنه، وكان ممن حضر جنازته: أنه صلى عليه نحوٌ من خمسين ألف رجل» (٥). - مولده: ذكر الخطيب أنه وُلد في يوم الخميس لستٍّ بَقِين من جُمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة (٦).

стр. 26

وذكرت بعض المصادر أن ولادته كانت سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة (١)، وهو خطأ مخالف لقول الخطيب، وهو أعلم بتاريخ ولادته. وقد وُلد الخطيب بقرية هَنِيقِيَا (٢) من أعمال نهر المَلِك (٣). * * *

стр. 27

المطلب الثالث حياته العلمية كان لوالد الخطيب -كما ذكرت في المطلب السابق- إلمام بالعلم وعناية به، فبثَّ في ولده روح العلم وطلبه في فترة مبكرة، وما إن بلغ سن التمييز حتى دفعه إلى هلال بن عبد الله بن محمد الطِّيبي، فأدَّبه وعلَّمه القراءة والكتابة، وقراءة القرآن الكريم، وقد ذكر الخطيب مؤدِّبه هذا في «تاريخ بغداد» فقال: «هلال بن عبد الله بن محمد أبو عبد الله الطِّيبي مؤدِّبي، .... كتبتُ عنه، وكان سماعه صحيحًا، … مات مؤدِّبي أبو عبد الله الطِّيبي في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة» (١). وقد تلقَّن قدرًا صالحًا من القرآن على يد شيخه أحمد بن محمد بن أبي جعفر الأخرم المعروف بابن الصيدلاني، وقد ذكره في «تاريخ بغداد» فقال: «كتبتُ عنه، وكان صدوقًا من أهل الستر والقرآن، ولقد لقَّنني من القرآن شيئًا صالحًا، وكان يُقرئ في مسجد أبي الحسن الدارقطني بدار القُطن (٢)، ومات في يوم الاثنين الثاني عشر من رجب سنة سبع عشرة وأربعمائة» (٣).

стр. 28

وقد قرأ القرآن أيضًا على شيخه أحمد بن سليمان بن علي بن عمران أبي بكر المقرئ الواسطي، وقد ذكره في «تاريخ بغداد» فقال: «كتبتُ عنه، وقرأتُ عليه القرآن، وكان صدوقًا يسكن بدار القُطن، ويُقرئ في مسجد الدارقطني، .... بلغتنا وفاته في رجب من سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة» (١). * ثم حضه والده على سماع الحديث في صغره، فسمع في المحرم سنة ثلاث وأربعمائة، وله إحدى عشرة سنة، وقد نصَّ على ذلك الخطيب فقال: «أول ما سمعتُ الحديث، وقد بلغتُ إحدى عشرة سنة .... ، وأول ما سمعتُ في المحرم من سنة ثلاث وأربعمائة» (٢). وكان أول شيخ كتب عنه الحديث هو محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رزق المعروف بابن رِزْقويه، قال الخطيب في ترجمته: «هو أول شيخ كتبتُ عنه، وأول ما سمعت منه في سنة ثلاث وأربعمائة، كتبتُ عنه إملاءً مجلسًا واحدًا، ثم انقطعت عنه إلى أول سنة ست، وعدت فوجدته قد كُفَّ بصره، فلازمته إلى آخر عمره .... ، وكانت وفاته غداة يوم الاثنين السادس عشر من جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، ودُفن من يومه بعد صلاة الظهر في مقبرة باب الدَّير بالقرب من معروف الكرخي، وصلى عليه ابنه أبو بكر، وحضرت الصلاة عليه» (٣). * وقد حضَّه والده أيضًا على دراسة الفقه على مذهب الإمام الشافعي

стр. 29

- ﵀ (١)، فبدأ بحضور مجالس الإمام الفقيه أحمد بن محمد بن أحمد أبي حامد الإسفراييني، قال الخطيب في ترجمته: «وقد رأيتُه غير مرة، وحضرتُ تدريسه في مسجد عبد الله بن المبارك، وهو المسجد الذي في صدر قَطيعة الربيع (٢) … مات أبو حامد في ليلة السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال سنة ست وأربعمائة، ودُفن من الغد يوم السبت، وصليت على جنازته في الصحراء … » (٣). فعلى هذا يكون الخطيب قد حضر مجالس أبي حامد الإسفراييني وسنه أقل من أربعة عشر عامًا، فيبدو أنه لم ينتظم في دراسة الفقه معه لصغر سنه يومئذ، فكان أول فقيه درس عليه وعلَّق الفقه عنه هو تلميذ أبي حامد الإسفراييني: أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد الضبِّي المعروف بابن المَحامِلي، قال الخطيب في ترجمته: «اختلفت إليه في درس الفقه، وهو أول من علَّقت عنه … مات ابن المَحامِلي في يوم الأربعاء لتسع بقين من شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة وأربعمائة» (٤). ثم تتلمذ على يد الفقيه القاضي طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر أبي الطيب الطبري الشافعي، قال في ترجمته: «اختلفت إليه وعلَّقت عنه الفقه

стр. 30

سنين عدة … ، مات القاضي أبو الطيب الطبري في يوم السبت لعشر بقين من شهر ربيع الأول سنة خمسين وأربعمائة، ودُفن من الغد في مقبرة باب حرب، وحضرت الصلاة عليه في جامع المنصور» (١). وظل يدرس الفقه، حتى صار فقيهًا، بل من كبار الفقهاء الشافعية، فقد قال الذهبي: «وكان من كبار الشافعية، تفقه على أبي الحسن بن المَحامِلي، والقاضي أبي الطيب الطبري» (٢). وقال السبكي: «وكان من كبار الفقهاء، تفقه على أبي الحسن بن المَحامِلي، والقاضي أبي الطيب الطبري، وعلَّق عنه الخلاف، وأبي نصر بن الصباغ» (٣). * ومع دراسة الخطيب للفقه وإتقانه له، حتى صار من كبار الفقهاء، فقد كان جُلُّ عنايته مصروفًا إلى الحديث، حتى غلب عليه، كما يقول ابن خِلِّكان: «كان فقيهًا فغلب عليه الحديث والتاريخ» (٤). فبدأ بكتابة الحديث -كما ذكرنا- عن شيخه ابن رِزقويه، وله إحدى عشرة سنة، ثم انقطع عنه ثلاث سنوات، ثم عاد إليه فلازمه ست سنوات (٥). وكان حريصًا على سماع الحديث من شيوخ بلده بغداد ومن القرى المحيطة بها أولًا قبل الرحلة إلى البلدان الأخرى؛ لأنه كان على يقين أن على الطالب أن يبدأ بتحصيل حديث أهل بلده، وأن يتمهر في المعرفة به قبل أن يرحل (٦)،

стр. 31

يقول السمعاني: «سمع ببلده، ثم رحل إلى البصرة وأصبهان وخُراسان والحجاز والشام» (١). ويقول ابن الجوزي: «وأكثر من السماع من البغداديين، ورحل إلى البصرة، ثم إلى نيسابور، ثم إلى أصبهان … » (٢). وكان من أهم الشيوخ الذين لازمهم الخطيب ببغداد وتعلم منهم وتأثر بهم: الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي المعروف بالبَرْقاني، فقد استوطن بغداد، فأخذ عنه الخطيب كثيرًا وكان معجبًا به (٣). وقد تأثَّر أيضًا بالحافظ أبي القاسم عبيد الله بن أحمد بن عثمان الأزهري، وكتب عنه الحديث، وسمع منه كثيرًا من مصنفات الأئمة السابقين (٤). كما حرص أشد الحرص على لقاء العلماء الوافدين على بغداد وعلى الاستفادة منهم والقراءة عليهم، فما سمع بعالم ورد بغداد للعلم أو للحج أو للتجارة أو لغير ذلك، إلا وسارع في الذهاب إليه، فمن هؤلاء العلماء: الحافظ محمد بن علي أبو عبد الله الصوري، الذي قدم بغداد في سنة ثمانيَ عشرة وأربعمائة وظل بها إلى أن توفي سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وقد استفاد منه الخطيب وأخذ عنه كثيرًا (٥).

стр. 32

ومنهم الحافظ أبو سعد أحمد بن محمد الأنصاري الصوفي الماليني، قال الخطيب في ترجمته: «أحد الرحَّالين في طلب الحديث، والمكثرين منه، .... وكان قد سمع وكتب من الكتب الطوال، والمصنفات الكبار، ما لم يكن عند غيره، وقدم بغداد دفعات كثيرة، وآخر ما قدم علينا في سنة تسع وأربعمائة، وسمعنا منه في رباط الصوفية الذي عند جامع المنصور، فإنه كان نزل هناك، ثم خرج إلى مكة، ومضى منها إلى مصر، فأقام بها حتى مات بمصر في يوم الثلاثاء السابع عشر من شوال سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وكان ثقة صدوقًا متقنًا خيِّرًا صالحًا» (١). رحلاته العلمية: بعد أن استنفد الخطيب ما عند شيوخ بغداد والقرى المحيطة بها وما عند العلماء الواردين عليها من الحديث والعلم، بدأ يفكر في الرحلة في طلب الحديث، ويلخِّص ابن الجوزي رحلة الخطيب والمدن التي دخلها وسمع من أهلها بقوله: «رحل إلى البصرة، ثم إلى نيسابور، ثم إلى أصبهان، ودخل في طريقه همذان والجبال، ثم عاد إلى بغداد، وخرج إلى الشام، وسمع بدمشق وصور، ووصل إلى مكة، وقد حج في تلك السنة أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي (٢) فسمع منه، وقرأ «صحيح

стр. 33

البخاري» على كريمة بنت أحمد المروزية (١) في خمسة أيام، ورجع إلى بغداد» (٢). رحلته إلى البصرة: كانت أول رحلاته إلى البصرة، سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وهو ابن عشرين سنة، وقد دوَّن وجوده فيها في ترجمة أبي بكر محمد بن إبراهيم بن حوران فقال: «مات أبو بكر بن حوران في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وكنت إذ ذاك بالبصرة» (٣). فسمع بها كتاب «السنن» لأبي داود من أبي عمر القاسم بن جعفر الهاشمي، وسمع أيضًا من علي بن القاسم بن الحسن الشاهد، والحسن بن علي السابوري، وغيرهم (٤).

стр. 34

وقد عاد في نفس السنة إلى بغداد، فحضر وفاة والده في منتصف شوال من نفس السنة (١). وقد استفاد الخطيب من رحلته هذه فوائد جمة، لم تكن عند كبار مشايخه، فوجد نفسه متأهِّلًا للتحديث وإفادة الطلبة، فحدَّث، وكتب عنه شيخه أبو القاسم الأزهري، وقد ذكر ذلك الخطيب فقال: «حدَّثتُ ولي عشرون سنة، حين قدمت من البصرة، كتب عني شيخنا أبو القاسم الأزهري أشياء أدخلها في تصانيفه، وسألني فقرأتها عليه، وذلك في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة» (٢). رحلته إلى نيسابور: ثم رحل إلى نيسابور سنة خمس عشرة وأربعمائة، وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وقد كان متردِّدًا بين الرحلة إلى مصر أو إلى نيسابور، وقد استشار شيخه البَرْقاني في هذا الأمر، يقول الخطيب: «استشرت البَرْقاني في الرحلة إلى أبي محمد بن النحاس (٣) بمصر، أو إلى نيسابور إلى أصحاب الأصم (٤)،

стр. 35

فقال: إنك إن خرجت إلى مصر إنما تخرج إلى واحدٍ، إن فاتك ضاعت رحلتك، وإن خرجت إلى نيسابور ففيها جماعة، إن فاتك واحد، أدركت من بقي. فخرجتُ إلى نيسابور» (١). وقد قدم نيسابور في شهر رمضان من هذه السنة، كما ذكر ذلك في «تاريخه» (٢). وكان رفيقَه في هذه الرحلة المحدِّثُ الجوَّال أبو الحسن علي بن عبد الغالب بن جعفر الضَّرَّاب القُنِّي، وقد دوَّن ذلك الخطيب في كتابه «المتفق والمفترق» فقال: «حدثني أبو الحسن علي بن عبد الغالب بن جعفر الضرَّاب رفيقي في الرحلة إلى نيسابور» (٣). وقال ابن عساكر: «قرأتُ على أبي محمد بن حمزة عن أبي بكر الخطيب قال: علي بن عبد الغالب أبو الحسن كان رفيقي في رحلتي إلى خُرَاسان، ونِعم الرفيق كان، وحدَّث وعلَّقتُ عنه أحاديث» (٤). وقد سجَّل الخطيب رحلته إلى نيسابور في أكثر من موضع من «تاريخه»، من ذلك قوله في ترجمة محمد بن أحمد بن عمر المعروف بابن الصابوني: «تُوفي ابن الصابوني في يوم الخميس السادس عشر من رجب سنة خمس عشرة

стр. 36

وأربعمائة، ودُفن في مقبرة باب الشام، ذكر ذلك لي من أثق به، وكنت غائبًا عن بغداد إذ ذاك في رحلتي إلى نيسابور» (١). وقوله في ترجمة محمد بن أحمد بن أبي طاهر الدقاق المعروف بابن البَيَّاض: «ومات في يوم الخميس التاسع والعشرين من شعبان سنة خمس عشرة وأربعمائة، وكنت إذ ذاك غائبًا عن بغداد في رحلتي إلى نيسابور» (٢). وقد دخل في رحلته هذه عددًا من المدن والقرى وسمع من مشايخها، منها الرَّي، وقد سجَّل دخوله بها في ترجمة القاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الأسداباذي فقال: «مات عبد الجبار بن أحمد قبل دخولي الرَّي في رحلتي إلى خُرَاسان (٣)، وذلك في سنة خمس عشرة وأربعمائة، وأحسب أن وفاته كانت في أول السنة» (٤). ودخل أيضًا النَّهْروان، قال الخطيب في ترجمة علي بن محمد بن عبد الله القطان المعروف بابن الفُتَيْتي: «كتبت عنه بالنهروان في رحلتي إلى نيسابور، وذلك سنة خمس عشرة وأربعمائة» (٥). ودخل في السنة نفسها الدِّينَوَر، قال في ترجمة رضوان بن محمد بن الحسن الدِّينَوَري: «قدم بغداد، وكتبنا عنه بها في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وكتبتُ

стр. 37

عنه أيضًا بالدِّينَوَر في سنة خمس عشرة وأربعمائة، وما علمتُ منه إلا خيرًا» (١). وقد سمع بنيسابور كثيرًا من المشايخ والعلماء، منهم: القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحِيري، وأبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل الصَّيْرفي، وأبو حازم عمر بن أحمد العبدُويي، وأبو القاسم عبد الرحمن السرَّاج، وعلي بن محمد الطرازي (٢). رحلته إلى أصبهان: توجه الخطيب بعد ذلك إلى أصبهان، للقاء من بها من العلماء والمشايخ، وعلى رأسهم الحافظ الكبير أبو نعيم الأصبهاني، وذلك سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، وقد أرسل معه شيخه الحافظ البَرْقاني كتابًا إلى أبي نعيم يوصيه فيه بالخطيب قال فيه: «وقد نفذ إلى ما عندك عمدًا متعمِّدًا أخونا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت أيَّده الله وسلَّمه؛ ليقتبس من علومك ويستفيد من حديثك، وهو بحمد الله ممن له في هذا الشأن سابقةٌ حسنةٌ وقَدَمٌ ثابت، وفهمٌ به حسن، وقد رحل فيه وفي طلبه، وحصل له منه ما لم يحصل لكثير من أمثاله الطالبين له، وسيظهر لك منه عند الاجتماع من ذلك، مع التورُّع والتحفُّظ وصحة التحصيل ما يحسُن لديك موقعه، وتجمُل عندك منزلته. وأنا أرجو -إذا صحَّت لديك منه هذه الصفة- أن تُلين له جانبك، وأن تتوفر عليه، وتحتمل منه ما عساه يورده من تثقيل في الاستكثار، أو زيادة في

стр. 38

الاصطبار، فقديمًا حمل السلف من الخلف ما ربما ثَقُل، وتوفَّروا على المستحق منهم بالتخصيص والتقديم والتفضيل ما لم ينله الكلُّ منهم» (١). وقد سجَّل الخطيب هذه الرحلة في عدة مواضع من «تاريخه» من ذلك قوله في ترجمة محمد بن جعفر بن عَلَّان الوَرَّاق الشُّرُوطي: «مات في ذي القعدة من سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، ودُفن في مقبرة باب الدَّيْر، وحين تُوفي كنت غائبًا عن بغداد في رحلتي إلى أصبهان» (٢). وقوله في ترجمة محمد بن علي بن محمد المُعَدَّل المعروف بابن الطبيب: «مات في ليلة الجمعة لليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وكنتُ وقت وفاته بأصبهان» (٣). وقد استفاد الخطيب من هذه الرحلة استفادة عظيمة، وسمع كثيرًا من الحافظ أبي نعيم الأصبهاني، وروى عنه مصنفاته، وتحمَّل عنه الكتب التي يرويها عن الطبراني وأبي الشيخ الأصبهاني وغيرهما (٤). وقد سمع أيضًا من محمد بن عبد الله بن شهريار راوي «المعجم الصغير» للطبراني، ومن أبي الحسن علي بن يحيى بن جعفر بن عبدكويه، وأبي عبد الله الحسين بن إبراهيم الجمال، وأبي الحسين أحمد بن محمد بن الحسين بن فاذشاه راوي «المعجم الكبير» للطبراني، وغيرهم (٥).

стр. 39

ومما يجدر التنبيه إليه أن الدكتور محمود الطحان في دراسته عن الخطيب (١) قد خلط رحلته إلى نيسابور برحلته إلى أصبهان، وجعلهما رحلة واحدة، بدأها بزيارة أصبهان ثم انتهى بنيسابور. وهو خطأ محض، فرحلته إلى نيسابور كانت سنة خمس عشرة وأربعمائة، ورحلته إلى أصبهان كانت سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، وقد سبق بيان ذلك بالأدلة من كلام الخطيب، والله الموفق. استقراره ببغداد واجتهاده في طلب العلم: بعد عودته من أصبهان، مكث في بغداد فترة طويلة، اجتهد فيها في طلب العلم، لم يضيِّع وقتًا في غير قراءة أو مطالعة أو استفادة أو إفادة، حتى إنه كان يمشي في الطريق وفي يده جزء يطالعه (٢). وكان يترقَّب وصول أي عالم إلى بغداد حتى يسمع منه أو يقرأ عليه، بهمة عالية وصبر وجَلَد، وهذا مثال يبين ذلك ويُجلِّيه: قال الخطيب في ترجمة إسماعيل بن أحمد الضرير الحِيري النيسابوري: «قَدِم علينا حاجًّا في سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة … كتبنا عنه، ونِعم الشيخ كان فضلًا وعلمًا، ومعرفة وفهمًا، وأمانة وصدقًا، وديانة وخُلُقًا. ولما ورد بغداد كان قد اصطحب معه كتبه عازمًا على المجاورة بمكة، وكانت وَقْر بعير، وفي جملتها «صحيح البخاري»، وكان سمعه من أبي الهيثم

стр. 40

الكُشْمَيْهَني عن الفَرَبري، فلم يُقضَ لقافلة الحجيج النفوذ في تلك السنة؛ لفساد الطريق، ورجع الناس، فعاد إسماعيل معهم إلى نيسابور. ولما كان قبل خروجه بأيام خاطبته في قراءة كتاب «الصحيح»، فأجابني إلى ذلك، فقرأت جميعه عليه في ثلاثة مجالس؛ اثنان منها في ليلتين، كنت أبتدئ بالقراءة وقت صلاة المغرب وأقطعها عند صلاة الفجر، وقبل أن أقرأ المجلس الثالث عَبَرَ الشيخ إلى الجانب الشرقي مع القافلة ونزل الجزيرة بسوق يحيى، فمضيت إليه مع طائفة من أصحابنا كانوا حضروا قراءتي عليه في الليلتين الماضيتين، وقرأت عليه في الجزيرة من ضحوة النهار إلى المغرب، ثم من المغرب إلى وقت طلوع الفجر، ففرغت من الكتاب، ورحل الشيخ في صبيحة تلك الليلة مع القافلة» (١). وقد ذكر الذهبي هذه القصة ثم قال: «هذه - والله - القراءة التي لم يُسمع قط بأسرع منها» (٢). وقد كان يفيد مشايخه أحاديث ليست عندهم، فقد روى في ترجمة علي بن أحمد بن علي أبي الحسن المِصِّيصي حديثًا عن شيخه محمد بن الحسن بن أحمد الأهوازي، ثم قال: «ذكرتُ هذا الحديث للبَرْقاني، فسألني أن أمضي معه إلى الأهوازي، فمضيتُ معه حتى سمعه منه» (٣). وقد بلغ شغفه بطلب الحديث وولوعه به إلى أنه كان يلحُّ على مشايخه العسرين حتى يحدثوه، وربما لم يحدِّثوا غيره، قال الخطيب في ترجمة علي بن
следующие страницы →