← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 809

منهج الخطيب البغدادي في نقد الحديث

محمد محب الدين أبو زيد

Полный текст (481 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وأربعمائة، ودُفن في مقبرة باب الشام، ذكر ذلك لي من أثق به، وكنت غائبًا عن بغداد إذ ذاك في رحلتي إلى نيسابور» (١). وقوله في ترجمة محمد بن أحمد بن أبي طاهر الدقاق المعروف بابن البَيَّاض: «ومات في يوم الخميس التاسع والعشرين من شعبان سنة خمس عشرة وأربعمائة، وكنت إذ ذاك غائبًا عن بغداد في رحلتي إلى نيسابور» (٢). وقد دخل في رحلته هذه عددًا من المدن والقرى وسمع من مشايخها، منها الرَّي، وقد سجَّل دخوله بها في ترجمة القاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الأسداباذي فقال: «مات عبد الجبار بن أحمد قبل دخولي الرَّي في رحلتي إلى خُرَاسان (٣)، وذلك في سنة خمس عشرة وأربعمائة، وأحسب أن وفاته كانت في أول السنة» (٤). ودخل أيضًا النَّهْروان، قال الخطيب في ترجمة علي بن محمد بن عبد الله القطان المعروف بابن الفُتَيْتي: «كتبت عنه بالنهروان في رحلتي إلى نيسابور، وذلك سنة خمس عشرة وأربعمائة» (٥). ودخل في السنة نفسها الدِّينَوَر، قال في ترجمة رضوان بن محمد بن الحسن الدِّينَوَري: «قدم بغداد، وكتبنا عنه بها في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وكتبتُ

стр. 37

عنه أيضًا بالدِّينَوَر في سنة خمس عشرة وأربعمائة، وما علمتُ منه إلا خيرًا» (١). وقد سمع بنيسابور كثيرًا من المشايخ والعلماء، منهم: القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحِيري، وأبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل الصَّيْرفي، وأبو حازم عمر بن أحمد العبدُويي، وأبو القاسم عبد الرحمن السرَّاج، وعلي بن محمد الطرازي (٢). رحلته إلى أصبهان: توجه الخطيب بعد ذلك إلى أصبهان، للقاء من بها من العلماء والمشايخ، وعلى رأسهم الحافظ الكبير أبو نعيم الأصبهاني، وذلك سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، وقد أرسل معه شيخه الحافظ البَرْقاني كتابًا إلى أبي نعيم يوصيه فيه بالخطيب قال فيه: «وقد نفذ إلى ما عندك عمدًا متعمِّدًا أخونا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت أيَّده الله وسلَّمه؛ ليقتبس من علومك ويستفيد من حديثك، وهو بحمد الله ممن له في هذا الشأن سابقةٌ حسنةٌ وقَدَمٌ ثابت، وفهمٌ به حسن، وقد رحل فيه وفي طلبه، وحصل له منه ما لم يحصل لكثير من أمثاله الطالبين له، وسيظهر لك منه عند الاجتماع من ذلك، مع التورُّع والتحفُّظ وصحة التحصيل ما يحسُن لديك موقعه، وتجمُل عندك منزلته. وأنا أرجو -إذا صحَّت لديك منه هذه الصفة- أن تُلين له جانبك، وأن تتوفر عليه، وتحتمل منه ما عساه يورده من تثقيل في الاستكثار، أو زيادة في

стр. 38

الاصطبار، فقديمًا حمل السلف من الخلف ما ربما ثَقُل، وتوفَّروا على المستحق منهم بالتخصيص والتقديم والتفضيل ما لم ينله الكلُّ منهم» (١). وقد سجَّل الخطيب هذه الرحلة في عدة مواضع من «تاريخه» من ذلك قوله في ترجمة محمد بن جعفر بن عَلَّان الوَرَّاق الشُّرُوطي: «مات في ذي القعدة من سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، ودُفن في مقبرة باب الدَّيْر، وحين تُوفي كنت غائبًا عن بغداد في رحلتي إلى أصبهان» (٢). وقوله في ترجمة محمد بن علي بن محمد المُعَدَّل المعروف بابن الطبيب: «مات في ليلة الجمعة لليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وكنتُ وقت وفاته بأصبهان» (٣). وقد استفاد الخطيب من هذه الرحلة استفادة عظيمة، وسمع كثيرًا من الحافظ أبي نعيم الأصبهاني، وروى عنه مصنفاته، وتحمَّل عنه الكتب التي يرويها عن الطبراني وأبي الشيخ الأصبهاني وغيرهما (٤). وقد سمع أيضًا من محمد بن عبد الله بن شهريار راوي «المعجم الصغير» للطبراني، ومن أبي الحسن علي بن يحيى بن جعفر بن عبدكويه، وأبي عبد الله الحسين بن إبراهيم الجمال، وأبي الحسين أحمد بن محمد بن الحسين بن فاذشاه راوي «المعجم الكبير» للطبراني، وغيرهم (٥).

стр. 39

ومما يجدر التنبيه إليه أن الدكتور محمود الطحان في دراسته عن الخطيب (١) قد خلط رحلته إلى نيسابور برحلته إلى أصبهان، وجعلهما رحلة واحدة، بدأها بزيارة أصبهان ثم انتهى بنيسابور. وهو خطأ محض، فرحلته إلى نيسابور كانت سنة خمس عشرة وأربعمائة، ورحلته إلى أصبهان كانت سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، وقد سبق بيان ذلك بالأدلة من كلام الخطيب، والله الموفق. استقراره ببغداد واجتهاده في طلب العلم: بعد عودته من أصبهان، مكث في بغداد فترة طويلة، اجتهد فيها في طلب العلم، لم يضيِّع وقتًا في غير قراءة أو مطالعة أو استفادة أو إفادة، حتى إنه كان يمشي في الطريق وفي يده جزء يطالعه (٢). وكان يترقَّب وصول أي عالم إلى بغداد حتى يسمع منه أو يقرأ عليه، بهمة عالية وصبر وجَلَد، وهذا مثال يبين ذلك ويُجلِّيه: قال الخطيب في ترجمة إسماعيل بن أحمد الضرير الحِيري النيسابوري: «قَدِم علينا حاجًّا في سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة … كتبنا عنه، ونِعم الشيخ كان فضلًا وعلمًا، ومعرفة وفهمًا، وأمانة وصدقًا، وديانة وخُلُقًا. ولما ورد بغداد كان قد اصطحب معه كتبه عازمًا على المجاورة بمكة، وكانت وَقْر بعير، وفي جملتها «صحيح البخاري»، وكان سمعه من أبي الهيثم

стр. 40

الكُشْمَيْهَني عن الفَرَبري، فلم يُقضَ لقافلة الحجيج النفوذ في تلك السنة؛ لفساد الطريق، ورجع الناس، فعاد إسماعيل معهم إلى نيسابور. ولما كان قبل خروجه بأيام خاطبته في قراءة كتاب «الصحيح»، فأجابني إلى ذلك، فقرأت جميعه عليه في ثلاثة مجالس؛ اثنان منها في ليلتين، كنت أبتدئ بالقراءة وقت صلاة المغرب وأقطعها عند صلاة الفجر، وقبل أن أقرأ المجلس الثالث عَبَرَ الشيخ إلى الجانب الشرقي مع القافلة ونزل الجزيرة بسوق يحيى، فمضيت إليه مع طائفة من أصحابنا كانوا حضروا قراءتي عليه في الليلتين الماضيتين، وقرأت عليه في الجزيرة من ضحوة النهار إلى المغرب، ثم من المغرب إلى وقت طلوع الفجر، ففرغت من الكتاب، ورحل الشيخ في صبيحة تلك الليلة مع القافلة» (١). وقد ذكر الذهبي هذه القصة ثم قال: «هذه - والله - القراءة التي لم يُسمع قط بأسرع منها» (٢). وقد كان يفيد مشايخه أحاديث ليست عندهم، فقد روى في ترجمة علي بن أحمد بن علي أبي الحسن المِصِّيصي حديثًا عن شيخه محمد بن الحسن بن أحمد الأهوازي، ثم قال: «ذكرتُ هذا الحديث للبَرْقاني، فسألني أن أمضي معه إلى الأهوازي، فمضيتُ معه حتى سمعه منه» (٣). وقد بلغ شغفه بطلب الحديث وولوعه به إلى أنه كان يلحُّ على مشايخه العسرين حتى يحدثوه، وربما لم يحدِّثوا غيره، قال الخطيب في ترجمة علي بن

стр. 41

أحمد بن محمد الصَّيْرفي المعروف بابن الآبنوسي: «كتبتُ عنه أحاديث عن الدارقطني خاصة، وكان يتمنَّع من التحديث ويأباه، وألححتُ عليه حتى حدثني، ولا أحسب سمع منه غيري» (١). وبعد تحصيله لهذا الكم الهائل من العلم والمعرفة خاصة علم الحديث، تفرَّغ لجمع كتابه الكبير «تاريخ بغداد» حتى انتهى من نشرته الأولى قبل سنة خمس وأربعين وأربعمائة، وهي السنة التي حج فيها، حيث شرب ماء زمزم وسأل الله تعالى أن يحقِّق له ثلاثة أمور منها: أن يحدث بـ «تاريخه» هذا في بغداد (٢). رحلته إلى الحج ومروره ببلاد الشام: عزم الخطيب على أداء فريضة الحج سنة خمس وأربعين وأربعمائة، وكانت فرصة ثمينة للسماع من شيوخ مكة ومن المجاورين بها، وممن أتى للحج من علماء الأمصار، واختار أن يمر في طريقه إلى مكة ببلاد الشام حتى يسمع من بها من العلماء، قال السبكي: «وقدم دمشق سنة خمس وأربعين حاجًّا، فسمع خلقًا كثيرًا، وتوجَّه إلى الحج، ثم قدمها سنة إحدى وخمسين فسكنها، وأخذ يصنِّف في كتبه، وحدَّث بها بتآليفه» (٣). وكان في طريقه إلى الحج لا يفتر عن قراءة القرآن، أو تحديث الناس بما جاء عن النبي ﷺ ، يقول أبو الفرج الإسفراييني: «كان الشيخ أبو بكر الحافظ

стр. 42

معنا في طريق الحج، فكان يختم كل يوم ختمة إلى قرب الغياب، قراءةً بترتيل، ثم يجتمع عليه الناس وهو راكب يقولون: حدِّثنا؛ فيحدِّثهم» (١). وقد سجَّل الخطيب هذه الرحلة المباركة في «تاريخه»، فذكر أنه كان في برية السماوة (٢) في شهر رمضان من هذه السنة قاصدًا دمشق، لما خرج إلى الحج (٣). وقال في ترجمة أبي طالب محمد بن أحمد بن عثمان المعروف بابن السوادي: «توفي بواسط في ذي الحجة من سنة خمس وأربعين وأربعمائة، وكنتُ إذ ذاك بمكة» (٤). والظاهر أنه لم يمكث كثيرًا بدمشق؛ لقِصَر المدة بين موسم الحج ووصوله إليها، وما يحتاجه من وقت لوصوله إلى مكة المكرمة (٥). وقد التقى في موسم الحج كثيرًا من العلماء وسمع منهم، فقد سمع من القاضي محمد بن سلامة القُضاعي المصري، وأبي القاسم عبد العزيز بن بندار بن علي الشيرازي، وأبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأَرْدَسْتاني، وقرأ «صحيح البخاري» على كريمة بنت أحمد المروزية في خمسة أيام (٦).

стр. 43

ولما حج الخطيب شرب من ماء زمزم ثلاث شربات، وسأل الله ثلاث حاجات؛ فالحاجة الأولى: أن يحدِّث بـ «تاريخ بغداد» ببغداد، والثانية: أن يُملي الحديث بجامع المنصور، والثالثة: أن يُدفن إذا مات عند قبر بشر الحافي (١). ولم يمكث طويلًا بمكة، وعاد من طريق الشام أيضًا، فقد قال في ترجمة إبراهيم بن محمد بن عمر أبي طاهر العلوي: «مات ببغداد في ليلة الأربعاء، ودُفن يوم الأربعاء الرابع عشر من صفر سنة ست وأربعين وأربعمائة، وكنتُ إذ ذاك في طريق الحجاز راجعًا إلى الشام من مكة» (٢). وقد سجَّل وجوده بالشام في ترجمة عبد الله بن الحسين بن عثمان الهمذاني الخبَّاز من «تاريخه» فقال: «مات في يوم الخميس، ودُفن يوم الجمعة السادس والعشرين من جمادى الأولى سنة ست وأربعين وأربعمائة، وكنتُ إذا ذاك بالشام» (٣). وقد زار عدة مدن بالشام، منها القُدس، وقد سجَّل وجوده بها في ترجمة أبي سعد إسماعيل بن علي الواعظ الإستراباذي من «تاريخه»؛ حيث ذكر أن أبا سعد قدم بغداد حاجًّا فسمع منه، ثم لقيه الخطيب بعد زمن ببيت المقدس عند عودته من الحج في سنة ست وأربعين وأربعمائة، فحدثه عن عدة مشايخ (٤).

стр. 44

ومنها صور، فقد قال الخطيب في ترجمة عبد الوهاب بن الحسين بن عمر بن برهان: «انتقل عن بغداد إلى الشام، فسكن بالساحل في مدينة صور، وبها لقيته، وسمعت منه عند رجوعي من الحج، وذلك في سنة ست وأربعين وأربعمائة، وكان ثقة» (١). ولم يُطل الخطيبُ المكثَ ببلاد الشام، فعاد إلى بغداد في بداية سنة سبع وأربعين وأربعمائة، حيث صلى على جنازة شيخه علي بن المحسن التَّنُوخي يوم الاثنين الثاني من المحرم من هذه السنة (٢). وأصبح الخطيب مقرَّبًا إلى الوزير أبي القاسم ابن المُسْلِمة، وأوعز الوزير إلى الخطباء والوعاظ أن لا يرووا حديثًا حتى يعرضوه على الخطيب، فما صححه أوردوه، وما ردَّه لم يذكروه. وأظهر بعض اليهود كتابًا وادَّعى أنه كتاب رسول الله ﷺ بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادات الصحابة، وأنَّ خط علي بن أبي طالب فيه، فعرضه الوزير على أبي بكر الخطيب، فقال: هذا مزوَّر. قيل له: وما الدليل على ذلك؟ قال: في الكتاب شهادة معاوية بن أبي سفيان، ومعاوية أسلم يوم الفتح، وخيبر كانت في سنة سبع، وفيه شهادة سعد بن معاذ، وكان قد مات يوم الخندق سنة خمس. فاستحسن ذلك منه (٣).

стр. 45

وقد تقدم أن الخطيب لما حج شرب من ماء زمزم ثلاث شربات، وسأل الله ثلاث حاجات: الحاجة الأولى: أن يحدِّث بـ «تاريخ بغداد» ببغداد، والثانية: أن يُملي الحديث بجامع المنصور، والثالثة: أن يُدفن إذا مات عند قبر بشر الحافي. فلما عاد إلى بغداد حدَّث بالتاريخ بها، ووقع إليه جزء فيه سماع الخليفة القائم بأمر الله، فحمل الجزء ومضى إلى باب حجرة الخليفة، وسأل أن يؤذَن له في قراءة الجزء، فقال الخليفة: هذا رجل كبير في الحديث، وليس له إلى السماع مني حاجة، ولعل له حاجة أراد أن يتوصل إليها بذلك، فسلوه ما حاجته. فسئل فقال: حاجتي أن يؤذَن لي أن أُملي بجامع المنصور. فتقدم الخليفة إلى نقيب النقباء بأن يؤذَن له في ذلك، فحضر النقيب، وأملى الخطيب في جامع المنصور (١). محنة الخطيب ورحيله إلى الشام: تقدَّم عند الكلام عن عصر الخطيب (٢) أن القائد أرسلان البَسَاسِيري -الذي كان مقرَّبًا من الفاطميين- استطاع أن يستولي على بغداد في ذي القعدة سنة خمسين وأربعمائة، وأن يحبس الخليفة، كما قبض على الوزير ابن المُسْلِمة ثم صلبه حيًّا وقتله. وقد خرج الخطيب من بغداد متوجهًا إلى دمشق يوم النصف من صفر سنة إحدى وخمسين وأربعمائة؛ خوفًا من بطش البَسَاسيري؛ فقد كان الخطيب مقرَّبًا من الوزير ابن المُسْلِمة، وحمل معه كتبه المؤلَّفة والمسموعة.

стр. 46

ثم إن طُغرلبك رجع إلى بغداد فأطلق الخليفة من محبسه، وحارب البَسَاسيري، إلى أن قتله في اليوم الخامس عشر من ذي الحجة سنة إحدى وخمسين وأربعمائة، وكان الخطيب حينها بدمشق (١). ولكن الخطيب لم يرجع إلى بغداد، وظل بدمشق فترة طويلة، حدَّث بها بعامة مصنفاته (٢). وكانت له حلقة كبيرة بجامع دمشق، يُحدِّث فيها بكتبه المؤلَّفة والمسموعة، يقول أبو زكريا يحيى بن علي المعروف بالخطيب التِّبْريزي اللغوي المشهور: «لما دخلت دمشق في سنة ست وخمسين كان بها إذ ذاك الإمام أبو بكر الحافظ، وكانت له حلقة كبيرة يجتمعون في بكرة كل يوم فيقرأ لهم، وكنت أقرأ عليه الكتب الأدبية المسموعة له، فكان إذا مر في كتابه شيء يحتاج إلى إصلاح يصلحه، ويقول: أنت تريد مني الرواية، وأنا أريد منك الدراية. وكنت أسكن منارة الجامع، فصعد إليَّ يومًا وسط النهار، وقال: أحببتُ أن أزورك في بيتك. وقعد عندي وتحدثنا ساعة، ثم أخرج قرطاسًا فيه شيء، وقال لي: الهدية مستحبَّة، وأسألك أن تشتري به الأقلام. ونهض، ففتحت القرطاس بعد خروجه فإذا فيه خمسة دنانير صحاح مصرية. ثم إنه مرة ثانية صعد وحمل إليَّ ذهبًا، وقال لي: تشتري به كاغدًا (٣). وكان نحوًا من الأول أو أكثر» (٤).

стр. 47

واتفق أنه قرأ يومًا على الناس فضائل الصحابة، فثار عليه الروافض وأتباع الفاطميين - وكانت دمشق يومئذ تحت سيطرتهم - وأرادوا قتله، فتشفَّع بالشريف أبي القاسم علي بن إبراهيم بن أبي الجِنِّ العلوي (١)، فأجاره، وحذَّر الوالي من قتله وقال له: «هذا رجل مشهور بالعراق، وليس في قتله مصلحة، إن قتلته، قُتل به جماعة من الشيعة بالعراق، وخُرِّبت المشاهد». فاكتفى الوالي بإخراجه من دمشق، فخرج منها في يوم الاثنين الثامن عشر من صفر سنة تسع وخمسين وأربعمائة قاصدًا مدينة صور (٢). وفي صور اتصل بعز الدولة وتقرَّب منه، فانتفع به، وأعطاه مالًا كثيرًا (٣). وكان يتردد إلى القدس للزيارة ثم يعود إلى صور (٤). عودة الخطيب إلى بغداد: لقد تبوَّأ الخطيب في صور مكانة علمية عالية، وازدحم الطلبة من كل مكان عليه، إلا أنه كان يشتاق إلى بغداد، التي لم يكن ليفارقها لولا الظروف الصعبة التي أحاطت به، قال السمعاني: «سمعت بعض مشايخي يقول: دخل

стр. 48

بعض الأكابر جامع دمشق أو صور ورأى حلقة عظيمة للخطيب، والمجلس غاصٌّ، يسمعون منه الحديث، فقعد إلى جانبه، وكأنه استكثر الجمع، فقال له الخطيب: القعود في جامع المنصور مع نفر يسير أحب إليَّ من هذا» (١). وهذا النص يبين ما تبوأه من منزلة علمية عالية، وشدة اشتياقه إلى وطنه بغداد، فلما بلغ سبعين سنة، كأنه أحس بدنوِّ أجله، فأحب أن يحقِّق الله له أمنيته الثالثة - كما حقَّق له الأولى والثانية - وهو أن يُدفن بجوار بشر الحافي ببغداد، فعزم على الرجوع إلى وطنه بغداد. وقد تعهَّد تلميذه المحدِّث التاجر أبو منصور عبد المحسن بن محمد الشِّيحي (٢) أن يحمله في هذا السفر الشاق، وقد كافأه الخطيب على ذلك فأهدى إليه «تاريخ بغداد» بخطه، وقال: «لو كان عندي أعز منه لأهديته له» (٣). فخرج وصديقه في شعبان سنة اثنتين وستين وأربعمائة يريدان بغداد، فمرَّا بطرابلس ثم حلب، فمكثا في كل واحدة من البلدتين أيامًا قلائل، ثم توجَّها إلى الرحبة، ومنها إلى بغداد، فوصلاها في ذي الحجة من السنة نفسها (٤).

стр. 49

وقد استقر بعد وصوله إلى بغداد في حجرة بدرب السلسلة في جوار المدرسة النظامية (١)، وأقام بها سنة إلى أن توفي، وحينئذ روى «تاريخ بغداد» (٢). معرفة الخطيب بالأدب والشعر: كان الخطيب ﵀ ذا معرفة واسعة بالأدب، فقد روى كثيرًا من كتب الأدب، وحدَّث بها بإسناده إلى أصحابها (٣)، وقد ساق الخطيب في كتبه لا سيما «تاريخ بغداد» كثيرًا من الحكايات الأدبية والأشعار، وقد ذكر الدكتور أكرم العمري مصادر أدبية كثيرة، استفاد منها الخطيب في «تاريخه» (٤). وقد صنَّف الخطيب عددًا من كتب الأدب منها: كتاب البخلاء، وكتاب التطفيل وحكايات الطُّفيليين وأخبارهم ونوادر كلامهم وأشعارهم. وكان أيضًا ناظمًا للشعر الحسن، قال ابن الجوزي: «وكان حسن القراءة، فصيح اللهجة، عارفًا بالأدب، يقول الشعر الحسن» (٥). وقال الذهبي: «وللخطيب نظم جيد» (٦). فمن شعره:

стр. 50

إن كنتَ تبغي الرشاد محضًا … لأمر دنياك والمعادِ خالفِ النفس في هواها … إنَّ الهوى جامعُ الفسادِ (١) ومنه: لا تغبطنَّ أَخَا الدنيا لزخرفها … ولا للذةِ وقتٍ عجَّلتْ فرحا فالدهر أسرع شيء في تقلُّبه … وفِعلُهُ بيِّنٌ للخَلْق قد وضحا كم شاربٍ عسلًا فيه منيَّتُه … وكم تقلَّد سيفًا مَنْ به ذُبحا (٢) صفاته العلمية: وأختم الكلام عن حياة الخطيب العلمية بذكر بعض ما تميز به من صفات في العلم: ١ - جودة خطِّه ودقة ضبطه: تميَّز الخطيب بجودة خطه ووضوحه، وكثرة ضبطه لما يكتبه بالشَّكل ودقته فيه، وقد أثنى عليه أهل العلم بذلك، قال السمعاني: «كان حسن النقل والخط، كثير الشَّكْل والضبط» (٣). وقال الذهبي: «كتابة الخطيب مليحة مفسَّرة، كاملة الضبط، بها أجزاء بدمشق رأيتُها» (٤).

стр. 51

٢ - فصاحته وحُسن قراءته وسرعتها: كان الخطيب فصيحًا في نطقه، سريعًا في قراءته، جَهْوري الصوت، قال الخطيب التبريزي: «كان إذا قرأ الحديث في جامع دمشق يُسمع صوته في آخر الجامع، وكان يقرأ معرَبًا صحيحًا» (١). وقال السمعاني: «كان قارئًا للحديث فصيحًا» (٢). وقال ابن الجوزي: «وكان حسن القراءة، فصيح اللهجة» (٣). وقد قرأ الخطيب «صحيح البخاري» على إسماعيل بن أحمد الضرير الحِيري في ثلاثة مجالس (٤)؛ لذا قال الذهبي: «هذه - والله - القراءة التي لم يُسمع قط بأسرع منها» (٥). وقد عدَّه القَلْقَشَندي فردًا في سرعة القراءة بحيث يُضرب به المثل فيها (٦). ٣ - شغفه بالمطالعة: كان الخطيب محبًّا للقراءة، حريصًا على المطالعة، قال الخطيب: «كان حريصًا على علم الحديث، وكان يمشي في الطريق وفي يده جزء يطالعه» (٧).

стр. 52

٤ - أمانته في العلم وتحرِّيه في النقل: كان الخطيب دقيقًا في قوله، أمينًا في نقله، متحرِّيًا في تأليفه وجمعه، قال السمعاني: «وكان مهيبًا وقورًا، نبيلًا خطيرًا، ثقة صدوقًا، متحرِّيًا، حجة فيما يصنِّفه ويقوله وينقله ويجمعه» (١). وكان ﵀ متحرِّيًا فيما يسمعه من الكتب، حريصًا على ألَّا يكون في إسناده إليها انقطاع، وأن يكون متصلًا بالسماع، قال الخطيب في ترجمة عثمان بن محمد بن أحمد بن العباس القارئ المُخَرِّمي من «تاريخ بغداد»: «وقد حدثنا عنه العَتِيقي بقطعة من «تاريخ يحيى بن معين»، قال فيها: أخبرنا الأصم، أن العباس الدُّوري حدثهم قال: سمعتُ يحيى بن معين. فخفتُ أن تكون روايته لذلك عن الأصم إجازة، حتى سألتُ العَتِيقي، فقال: ليس ذلك إجازة، بل هو سماع، ثم رأيتُ في أصل المُخرِّمي يذكر أنه سمع هذا «التاريخ» من الأصم بقراءته عليه» (٢). * * *

стр. 53

المطلب الرابع شيوخه وتلاميذه أولًا: شيوخه: إذا تقرر أن الخطيب كان من أشد الناس اجتهادًا في طلب العلم على العلماء والمشايخ، وقد رحل في سبيل ذلك رحلات متعددة، ودخل كثيرًا من المدن والقرى، فلا شك في كثرة شيوخه، حتى قال السمعاني: «وشيوخه أكثر من أن يُذكروا» (١). ومما يدل على كثرة شيوخه كثرة هائلة، أنه روى عن أقرانه وتلامذته ولم يستنكف من ذلك، قال الذهبي بعد أن ذكر عددًا من كبار مشايخه: «وينزل إلى أن يكتب عن عبد الصمد بن المأمون، وأبي الحسين بن النقور، بل نزل إلى أن روى عن تلامذته كنصر المقدسي، وابن ماكولا، والحُميدي، وهذا شأن كل حافظ يروي عن الكبار والصغار» (٢). ويدل على ذلك أيضًا أنه قد سمع من مشايخ لم يحدِّثوا غيره، من ذلك أنه قال في ترجمة القاضي أبي الحسين أحمد بن عمر بن علي: «سمعتُ منه ولم يكن له كتاب، وإنما وقع إليَّ بعضُ أصول من المظفَّر وغيره وفيه سماعه، فقرأته عليه، ولا أعلم سمع منه غيري» (٣).

стр. 54

ونظرًا لكثرة شيوخه هذه الكثرة الهائلة؛ فإني لم أر من أحصى شيوخه إحصاء كاملًا، وقد ذكر الدكتور محمود الطحان في دراسته عن الخطيب أنه يغلب على ظنه أن شيوخه يزيدون على الألف (١). وظنُّ الدكتور الفاضل في محله، فقد عددتُ شيوخ الخطيب الذين روى عنهم في «تاريخه» وأوردهم الدكتور بشار عواد في «فهرس شيوخ الخطيب» (٢)، فبلغوا (٧٨٩) شيخًا. فإذا أضفنا إلى هذا العدد الشيوخَ الذين روى عنهم في كتبه الأخرى الكثيرة ولم يَرْوِ عنهم في «تاريخه» زادوا على الألف إن شاء الله تعالى. وهذه قائمة بأسماء بعض شيوخه مرتبين على حروف المعجم: ١ - إبراهيم بن علي بن يوسف، أبو إسحاق الشيرازي. ٢ - أحمد بن الحسن بن أحمد، أبو بكر الحَرَشي الحِيري. ٣ - أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق، أبو نعيم الأصبهاني. ٤ - أحمد بن عبد الله بن الحسين، أبو عبد الله المَحامِلي الضبِّي. ٥ - أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله، أبو سعد المالِيني الصوفي الهَرَوي. ٦ - أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب، أبو بكر البَرقاني الخوارزمي.

стр. 55

٧ - أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم، أبو الحسن الضبِّي، ابن المَحامِلي. ٨ - إسماعيل بن أحمد بن عبد الله، أبو عبد الرحمن الحِيري النيسابوري الضرير. ٩ - الحسن بن الحسين بن العباس، أبو علي النِّعالي، ابن دُوما. ١٠ - الحسن بن محمد بن الحسن بن علي، أبو محمد الخلَّال. ١١ - طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر، أبو الطيب الطبري الشافعي الفقيه. ١٢ - عبد الله بن علي بن عياض بن أبي عقيل، أبو محمد الصُّوري القاضي. ١٣ - عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الله، أبو القاسم السمسار الحُرفي الحربي. ١٤ - عبد الكريم بن محمد بن أحمد، أبو الفتح الضبِّي المَحامِلي. ١٥ - عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك، أبو القاسم القُشيري النيسابوري. ١٦ - عبيد الله بن أحمد بن عثمان بن الفرج، أبو القاسم الأزهري الصَّيرفي، ابن السوادي. ١٧ - عبيد الله بن عمر بن أحمد بن عثمان، أبو القاسم الواعظ، ابن شاهين.

стр. 56

١٨ - علي بن المحسن بن علي بن محمد، أبو القاسم التَّنُوخي البصري. ١٩ - علي بن محمد بن حبيب، أبو الحسن الماوردي الشافعي البصري. ٢٠ - علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، أبو الحسين الأُموي المعدَّل. ٢١ - عمر بن أحمد بن إبراهيم بن عبدويه، أبو حازم العبدويي. ٢٢ - محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رزق، أبو الحسن البزاز، ابن رِزْقويه. ٢٣ - محمد بن علي بن عبد الله بن محمد، أبو عبد الله الصُّوري الساحلي. ٢٤ - هبة الله بن الحسن بن منصور، أبو الحسين الطبري اللَّالَكائي. ٢٥ - هلال بن محمد بن جعفر بن سعدان، أبو الفتح الحفَّار (١). ثانيًا: أشهر تلاميذه: لقد كان لاجتهاد الخطيب في طلب الحديث منذ نعومة أظفاره، واستمراره على ذلك طول حياته، وتعدُّد تصانيفه في علوم الحديث وغيره، وما تبوَّأه من منزلة عالية بين أهل الحديث، أثر واضح في ازدحام طلبة العلم عليه، وحرصهم على الاستفادة منه، وسماع تصانيفه، والرواية عنه.

стр. 57

حتى لقد حدَّث الحافظ أبو القاسم بن عساكر عن أربعة وعشرين شيخًا حدَّثوه عن الخطيب، منهم: أبو منصور بن زُرَيق، والقاضي أبو بكر الأنصاري، وأبو القاسم بن السمرقندي، وغيرهم (١). وأدرك الحافظ أبو سعد السمعاني من أصحابه قريبًا من خمسة عشر نفسًا (٢). فلا شك في كثرة تلاميذه كثرةً يصعب معها حصرهم، وقد عدَّ الذهبي جملة من تلاميذه، ثم قال: «وخلق يطول عدُّهم» (٣). وقال السُّبكي أيضًا بعد أن ذكر عددًا من تلاميذه: «وخلائق يطول سردُهم» (٤). وقد حدَّث عنه شيوخه وأقرانه؛ اعترافًا منهم بعلمه ومعرفته، وإقرارًا بنبوغه وعلوِّ منزلته، قال الحافظ ابن نُقطة: «حدَّث عنه أشياخه، وأقرانه، والحفاظ بعد ذلك» (٥). بل كان شيخه الأزهري هو أول من كتب عنه، وكان سنُّ الخطيب حينئذ عشرين سنة، قال الخطيب: «حدَّثتُ ولي عشرون سنة، حين قدمت من البصرة، كتب عني شيخنا أبو القاسم الأزهري أشياء أدخلها في تصانيفه، وسألني فقرأتها عليه، وذلك في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة» (٦).

стр. 58

وكتب عنه شيخه أبو بكر البَرْقاني أحاديث، قال الخطيب في ترجمة البَرْقاني: «وكنتُ كثيرًا أذاكره بالأحاديث فيكتبها عني ويُضمِّنها جموعَه، … وكتب عنِّي بعد ذلك شيئًا كثيرًا من حديث التَّوَّزي ومِسعر وغيرهما مما كنتُ أذاكره به» (١). وهذه قائمة بأسماء بعض تلاميذه مرتبين على حروف المعجم: ١ - أبو الفضل أحمد بن الحسن بن أحمد بن خيرون البغدادي، المعروف بابن الباقلاني. ٢ - أبو النجم بدر بن عبد الله الشِّيحي الأَرْمني. ٣ - سلمان بن حمزة بن الخَضِر السُّلَمي الدمشقي. ٤ - أبو غالب شُجاع بن فارس بن الحسين الذُّهلي البغدادي. ٥ - أبو رَوْح صاعد بن سهل بن بشر الإسفراييني، ثم الدمشقي. ٦ - أبو محمد عبد الله بن الحسن بن طلحة التِّنِّيسي، ابن النخَّاس المعروف بابن البصري. ٧ - أبو محمد عبد الكريم بن حمزة بن الخَضِر بن العباس السُّلمي الدمشقي الحدَّاد. ٨ - أبو منصور عبد المحسن بن محمد بن علي الشِّيحي النصري.

стр. 59

٩ - أبو القاسم علي بن إبراهيم بن العباس الحسيني الدمشقي، المعروف بابن أبي الجِن. ١٠ - أبو الحسن علي بن سعيد بن عبد الرحمن بن مُحرِز العبدري الأندلسي. ١١ - أبو الوفاء علي بن عَقيل الفقيه الحنبلي. ١٢ - أبو نصر علي بن هبة الله بن علي، المعروف بابن ماكولا. ١٣ - أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار البغدادي الصيرفي، المعروف بابن الطُّيوري. ١٤ - أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر الشاشي الفقيه الشافعي. ١٥ - أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الباقي الدقَّاق البغدادي، المعروف بابن الخاضبة. ١٦ - أبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري البغدادي الحنبلي، المعروف بقاضي المارستان. ١٧ - أبو منصور محمد بن عبد الملك بن الحسن بن خَيرون البغدادي المقرئ الدبَّاس. ١٨ - أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله الأزدي الحُميدي الأندلسي.

стр. 60

١٩ - أبو الحسين محمد بن أبي يعلى محمد الفرَّاء الحنبلي البغدادي. ٢٠ - أبو القاسم مكي بن عبد السلام بن الحسين الرُّميلي المقدسي. ٢١ - أبو منصور ناصر بن محمد بن علي بن عمر البغدادي. ٢٢ - أبو نصر المؤتمن بن أحمد بن علي الربعي البغدادي، المعروف بالساجي. ٢٣ - أبو الفتح نصر بن إبراهيم بن داود النابلسي المقدسي الشافعي. ٢٤ - أبو محمد هبة الله بن أحمد بن محمد الأنصاري الأمين، المعروف بابن الأكفاني. ٢٥ - أبو زكريا يحيى بن علي بن محمد الشيباني، المعروف بالخطيب التِّبريزي (١). * * *

стр. 61

المطلب الخامس صفاته من يتتبع سيرة الخطيب يتبين له ما كان يتمتع به من محاسن الأخلاق وجميل الصفات، وأنه كان عالمًا عاملًا بعلمه، فمن هذه الصفات: - اجتهاده في العبادة وقراءة القرآن: كان ﵀ ديِّنًا عابدًا، لم يكن يشغل وقته إلا بقراءة القرآن أو التحديث، قال أبو الفرج الإسفراييني: «كان الشيخ أبو بكر الحافظ معنا في طريق الحج، فكان يختم كل يوم ختمة إلى قُرب الغياب قراءةً بترتيل، ثم يجتمع عليه الناس وهو راكب، يقولون: حدِّثنا. فيحدِّثهم» (١). وقال عبد المحسن الشِّيحي: «كنتُ عديل أبي بكر الخطيب من دمشق إلى بغداد، فكان له في كل يوم وليلة ختمة» (٢). - تواضعه: رغم ما وصل إليه الخطيب من مكانة علمية رفيعة، ومنزلة عالية شريفة، فقد كان متواضعًا غاية التواضع، هاضمًا لنفسه، مستصغرًا لها، قال سعيد المؤدِّب: «قلت لأبي بكر الخطيب عند لقائي له: أنت الحافظ أبو بكر؟ فقال: أنا أحمد بن علي الخطيب، انتهى الحفظ إلى الدارقطني» (٣).

стр. 62

- تعفُّفه: كان ﵀ عفيفًا، غير مُتطلِّع إلى الدنيا وزخرفها، ولا إلى ما في أيدي الناس، قال الفضل بن عمر النَّسَوي: «كنت بجامع صور عند أبي بكر الخطيب، فدخل علوي وفي كمِّه دنانير، فقال: هذا الذهب تصرفه في مهمَّاتك. فقطَّب في وجهه، وقال: لا حاجة لي فيه. فقال: كأنك تستقلُّه. وأرسله من كمِّه على سجادة الخطيب، وقال: هذه ثلاثمائة دينار. فقام الخطيب خجلًا مُحْمرًّا وجهه، وأخذ سجادته، ورمى الدنانير، وراح. فما أنسى عزَّه وذلَّ العلوي وهو يلتقط الدنانير من شقوق الحصير» (١). - كرمه: لقد كان الخطيب كريمًا معطاءًا، مُعينًا طلبةَ العلم بما يستطيع من مال، قال السبكي: «كان للخطيب ثروة ظاهرة، وصدقات على طلاب العلم دارَّة، يهب الذهب الكثير للطلبة» (٢). وقال العلامة أبو زكريا التبريزي اللُّغوي المعروف: «دخلتُ دمشق، فكنتُ أقرأ على الخطيب بحلقته بالجامع كتبَ الأدب المسموعة، وكنتُ أسكن منارة الجامع، فصعد إليَّ وقال: أحببتُ أن أزورك في بيتك. فتحدَّثنا ساعة، ثم أخرج ورقة، وقال: الهدية مستحبَّة، تشتري بهذا أقلامًا. ونهض، فإذا خمسة دنانير مصرية، ثم صعد مرة أخرى، ووضع نحوًا من ذلك» (٣).

стр. 63

وقد وزَّع قبل موته كلَّ ما يملكه من مال وغيره على طلبة الحديث، قال أبو منصور علي بن علي الأمين: «لما رجع الخطيب من الشام كانت له ثروة من الثياب والذهب، وما كان له عَقِب، فكتب إلى القائم بأمر الله: إنَّ مالي يصير إلى بيت المال، فائذن لي حتى أفرِّقه فيمن شئتُ. فأذن له، ففرَّقها على المحدِّثين» (١). وقال الحافظ ابن ناصر: أخبرتني أمي، أنَّ أبي حدَّثها قال: «كنتُ أدخل على الخطيب، وأُمرِّضه، فقلتُ له يومًا: يا سيدي، إن أبا الفضل بن خيرون لم يُعطني شيئًا من الذهب الذي أمرتَه أن يفرِّقه على أصحاب الحديث. فرفع الخطيب رأسه من المخدة، وقال: خُذ هذه الخِرقة، بارك الله لك فيها. فكان فيها أربعون دينارًا، فأنفقتُها مدة في طلب العلم» (٢). * * *

стр. 64

المطلب السادس مذهبه العقدي والفقهي مذهبه العقدي: ذكر أهل العلم أن الخطيب كان على مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري في الاعتقاد، قال ابن عساكر: «كان يذهب إلى مذهب أبي الحسن الأشعري ﵀» (١). وقال عبد العزيز الكَتَّاني: «كان يذهب إلى مذهب أبي الحسن الأشعري ﵀» (٢). وذكر ذلك أيضًا ياقوت الحموي (٣)، وتاج الدين السبكي (٤). وله رسالة صغيرة يثبت فيها بعض الصفات الخبرية، وهذا لا ينفي كونه أشعريًّا؛ لأن متقدِّمي الأشاعرة يثبتون جملةً من الصفات الخبرية، والمسألة في حاجة إلى مزيد من البحث والتحرير، والله أعلم. مذهبه الفقهي: كان الخطيب على مذهب الإمام الشافعي ﵀ في الفروع، قال الذهبي:

стр. 65

«وكان من كبار الشافعية، تفقَّه على أبي الحسن بن المَحامِلي، والقاضي أبي الطيب الطبري» (١). وذكره تاج الدين السبكي ضمن الفقهاء الشافعية، ثم قال: «وكان من كبار الفقهاء، تفقَّه على أبي الحسن بن المَحامِلي، والقاضي أبي الطيب الطبري -وعلَّق عنه الخلاف- وأبي نصر بن الصبَّاغ» (٢). وقال ابن العماد الحنبلي: «تفقَّه في مذهب الشافعي على القاضي أبي الطيب الطبري، وأبي الحسن المَحامِلي، وغيرهما» (٣). * * *

стр. 66

المطلب السابع مصنفاته كان الخطيب البغدادي مكثرًا من التصنيف، وقد عُرف بذلك عند مترجميه، قال ابن عساكر وياقوت الحموي: «أحد الأئمة المشهورين والمصنِّفين المكثرين» (١). وكان مع كثرة تصانيفه، مُجيدًا فيها، محرِّرًا لها ومتقنًا، لم يُسبَق إلى كثير منها، قال ابن الجوزي: «وصنَّف فأجاد، فله ستة وخمسون مصنفًا بعيدة المثل» (٢). وقال ابن نقطة: «له مصنفات في علوم الحديث لم يُسبق إلى مثلها، ولا شبهة عند كل لبيب أن المتأخِّرين من أصحاب الحديث عيال على أبي بكر الخطيب» (٣). وقد ذكر السمعاني أن الخطيب صنَّف ما يقارب مائة كتاب، فقال: «صنَّف قريبًا من مائة مصنَّف صارت عمدةً لأصحاب الحديث» (٤). وذهب إلى ذلك أيضًا ابن خِلِّكان في «وفيات الأعيان» (٥).

стр. 67

لكن نقل الذهبي والسبكي عن السمعاني أن عدد مصنفات الخطيب ستة وخمسون مصنفًا (١). وذهب إلى هذا العدد الأخير ابن عساكر وابن الجوزي، قال ابن عساكر: «وقد انتهى إليه علم الحديث وحفظه، له ستة وخمسون مصنفًا في علم الحديث» (٢). وقال ابن الجوزي: «وصنف فأجاد، فله ستة وخمسون مصنفًا بعيدة المثل» (٣). وقد سرد محمد المالكي الأندلسي كتبَ الخطيب التي صنفها إلى سنة ٤٥٣ هـ فبلغت ٦٤ مصنفًا كما ذكرتُ ذلك قبل قليل، وقيل في عدد مصنفاته غير ذلك (٤). والسبب في اختلاف العلماء في عدد كتبه أن كل واحد منهم قد ذكر الكتب التي وصلت إليه، لا سيما وقد احترق كثير من كتبه بعد موته وقبل أن يخرج إلى الناس (٥). وقد اعتنى أهل العلم بسرد مصنفات الخطيب لأهميتها ونفاستها،

стр. 68

منهم السمعاني، وابن الجوزي، ومحمد بن أحمد بن محمد المالكي الأندلسي، وابن النجار، والذهبي (١). وكذلك اعتنى العلماء المعاصرون بسردها، فقد ذكر منها الدكتور محمود الطحان ٨٠ مصنفًا (٢)، ووصل بها الدكتور أكرم العمري إلى ٨٧ مصنفًا (٣). وهذه قائمة بأسماء أشهر مصنفاته مرتبة على حروف المعجم: ١ - الأسماء المبهمة في الأنباء المُحْكمة. ٢ - اقتضاء العلم العمل. ٣ - تاريخ بغداد. ٤ - التبيين لأسماء المدلِّسين. ٥ - التفصيل لمبهم المراسيل. ٦ - تقييد العلم. ٧ - تلخيص المتشابه في الرسم وحماية ما أشكل منه عن بوادر التصحيف والوهم. ٨ - تمييز المزيد في متصل الأسانيد.

стр. 69

٩ - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع. ١٠ - رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء والألقاب. ١١ - الرحلة في طلب الحديث. ١٢ - السابق واللاحق في تباعد ما بين وفاة راويين عن شيخ واحد. ١٣ - شرف أصحاب الحديث. ١٤ - غنية المُلْتمِس في إيضاح المُلْتبِس. ١٥ - الفصل للوصل المُدرَج في النقل. ١٦ - الفقيه والمتفقِّه. ١٧ - الكفاية في معرفة أصول علم الرواية. ١٨ - المتفق والمفترق. ١٩ - المكمل في بيان المهمل. ٢٠ - مَن حدَّث فنسي. ٢١ - المؤتنف بتكملة المختلف والمؤتلف. ٢٢ - الموضح لأوهام الجمع والتفريق (١).

стр. 70

قال ابن الجوزي بعد أن سرد جملة من تصانيفه: «فهذا الذي ظهر لنا من مصنفاته، ومن نظر فيها عرف قدر الرجل وما هُيِّئ له مما لم يتهيأ لمن كان أحفظ منه كالدارقطني وغيره» (١). وقال أبو طاهر السِّلفي مادحًا مصنفات الخطيب: تصانيف ابن ثابتٍ الخطيبِ يراها إذ رواها مَنْ حواها ويأخذ حُسنَ ما قد صاغ منها فأيَّةُ راحة ونعيم عيش … ألذُّ من الصِّبا الغضِّ الرَّطيبِ رياضًا للفتى اليَقِظ اللَّبيبِ بقلب الحافظ الفَطِن الأريبِ يوازي كَتْبَها بل أيُّ طيبِ (٢) * * *

стр. 71

المطلب الثامن إمامته ومكانته عند علماء الحديث لقد تبوَّأ الخطيب البغدادي ﵀ مكانة رفيعة عند أهل العلم، فقد أثنوا عليه، وشهدوا له بالتقدُّم والإمامة في علوم الحديث، فمن ذلك: قال الحافظ ابن ماكولا وهو من أنجب تلاميذ الخطيب: «كان الخطيب آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفة وإتقانًا وحفظًا وضبطًا لحديث رسول الله ﷺ ، وتفنُّنًا في علله وأسانيده، وخبرة برواته وناقليه، وعلمًا بصحيحه وغريبه وفرده ومنكره وسقيمه ومطروحه، ولم يكن للبغداديين بعد أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني من يجري مجراه، ولا قام بعده بهذا الشأن سواه. وقد استفدنا كثيرًا من هذا اليسير الذي نحسنه، وبه وعنه تعلَّمنا شطرًا من هذا القليل الذي نعرفه بتنبيهه ومنه، فجزاه الله عنَّا الخير، ولقَّاه الحسنى ولجميع مشايخنا وأئمتنا ولجميع المسلمين» (١). وقال الحافظ ابن ماكولا أيضًا: «سألتُ أبا عبد الله الصوري عن الخطيب وأبي نصر السجزي؛ أيهما أحفظ؟ ففضَّل الخطيبَ تفضيلًا بيِّنًا» (٢). وقال العلامة أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعيد الباجي: «أبو بكر الخطيب رجل حافظ متقن» (٣).

стр. 72

وقال الإمام الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن علي الفيروزآبادي الشيرازي: «أبو بكر الخطيب يُشبَّه بأبي الحسن الدارقطني ونُظرائه في معرفة الحديث وحفظه» (١). وذكر الحافظ أبو طاهر السِّلفي أنه سمع الحافظ المؤتمن بن أحمد بن علي الساجي يقول: «ما أخرجت بغداد بعد الدارقطني أحفظ من أبي بكر الخطيب» (٢). وقال الحافظ أبو سعد السمعاني: «كان إمام عصره بلا مدافعة، وحافظ وقته بلا منازعة» (٣). وقال أيضًا: «والخطيب ﵀ في درجة القدماء من الحفاظ والأئمة الكبار، كيحيى بن معين وعلي بن المديني وأحمد بن أبي خيثمة وطبقتهم، وكان علَّامة العصر، اكتسى به هذا الشأن غضارة وبهجة ونضارة، وكان مهيبًا وقورًا نبيلًا خطيرًا، ثقة صدوقًا متحرِّيًا، حجة فيما يصنِّفه ويقوله وينقله ويجمعه، حسن النقل والخط، كثير الشَّكْل والضبط، قارئًا للحديث فصيحًا، وكان في درجة الكمال والرتبة العليا خُلُقًا وخَلْقًا وهيئة ومنظرًا، انتهى إليه معرفة علم الحديث وحفظه، وخُتم به الحُفَّاظ ﵀» (٤). وقال الحافظ ابن عساكر: «الخطيب البغدادي الفقيه الحافظ، أحد الأئمة

стр. 73

المشهورين، والمصنِّفين المكثرين، والحفاظ المبرِّزين، ومن خُتم به ديوان المحدِّثين» (١). وقال العلامة ابن خِلِّكان: «كان من الحفاظ المتقنين العلماء المتبحِّرين، … وفضله أشهر من أن يوصف» (٢). وقال الحافظ الذهبي: «الإمام الأوحد، العلَّامة المفتي، الحافظ الناقد، محدِّث الوقت، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي، صاحب التصانيف، وخاتمة الحفاظ … وكتب الكثير، وتقدَّم في هذا الشأن، وبذَّ الأقران، وجمع وصنَّف، وصحَّح وعلَّل، وجرَّح وعدَّل، وأرَّخ وأوضح، وصار أحفظ أهل عصره على الإطلاق» (٣). وقال العلامة تاج الدين السبكي: «الحافظ الكبير، أحد أعلام الحفاظ، ومهرة الحديث، وصاحب التصانيف المنتشرة» (٤). * * *

стр. 74

المطلب التاسع الرد على الشبهات التي أثيرت حوله لقد تبين ما تبوَّأه الخطيب من مكانة عالية عند أهل العلم، وتواتر ثناؤهم عليه بالتقدُّم في العلوم والإمامة في الدين، وانتشر ما عُرف به من كريم الصفات ومعالي الأخلاق، ومع ذلك فإنه قد تعرَّض لبعض الطعون، وأثيرت حوله بعض الشبهات، وسوف أقوم بعرض أهم هذه الطعون والشبهات مع الرد عليها باختصار. أولًا: دعوى تعصُّبه على مخالفيه في المذهب من أحناف وحنابلة: أما تعصُّبه ضد الأحناف: فقد ادَّعى بعض الأحناف أنه طعن في الإمام أبي حنيفة، وساق في ترجمته من «تاريخ بغداد» روايات في ثلبه وذمه، وقد ردَّ عليه في ذلك الملك المعظَّم شرف الدين عيسى بن الملك العادل المتوفى سنة ٦٢٤ هـ، وصنَّف كتابًا سمَّاه: «السهم المصيب في الرد على الخطيب» (١)، كما ألَّف الشيخ محمد زاهد الكوثري كتابًا سماه: «تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب» (٢). والرد على ذلك: أن من منهج الخطيب في كتابه أنه يذكر ما قيل في المترجَم

стр. 75

له من جرح وتعديل، ومدح وذم، وقد صرَّح بذلك في بداية ذكره للتراجم فقال: «هذه تسمية: الخلفاء، والأشراف، والكبراء، والقضاة، والفقهاء، والمحدِّثين، … وما انتهى إليَّ من معرفة كناهم، وأنسابهم، ومشهور مآثرهم وأحسابهم، ومستحسن أخبارهم، ومبلغ أعمارهم، وتاريخ وفاتهم، وبيان حالاتهم، وما حُفظ فيهم من الألفاظ عن أسلاف أئمتنا الحفاظ، من ثناء ومدح، وذم وقدح، وقبول وطرح، وتعديل وجرح، جمعتُ ذلك كلَّه وألَّفتُه أبوابًا مرتبة على نسق حروف المعجم من أوائل أسمائهم» (١). وهذا ما صنعه الخطيب في ترجمة الإمام أبي حنيفة، فإنه أورد ما قيل فيه من جرح وتعديل ومدح وذم، وقد اعتذر عن ذكره لمثالب الإمام أبي حنيفة بتصريحه في صدر سياقه لها أنه إنما ذكرها أسوة بغيره من العلماء، فقال: و «معتذرون إلى من وقف عليها وكره سماعها، بأن أبا حنيفة عندنا -مع جلالة قدره- أسوةُ غيره من العلماء الذين دوَّنَّا ذكرهم في هذا الكتاب، وأوردنا أخبارهم، وحكينا أقوال الناس فيهم على تباينها، والله الموفِّق للصواب» (٢). وأما تعصُّبه ضد الحنابلة: فقد ادعى ذلك ابن الجوزي، فزعم أن الخطيب كان قديمًا على مذهب أحمد بن حنبل ﵁، فمال عليه الحنابلة لما رأوا من ميله إلى المبتدعة وآذوه، فانتقل إلى مذهب الشافعي ﵁، وتعصَّب في تصانيفه عليهم، فرمز إلى ذمهم، وصرَّح بقدر ما أمكنه، ثم ذكر أمثلة على ما
следующие страницы →