← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 809

منهج الخطيب البغدادي في نقد الحديث

محمد محب الدين أبو زيد

Полный текст (481 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

بعد أن عرض الخلاف في هذا الحديث: «والثوري ﵀ كان يضطرب فيه ولم يثبت إسناده» (١). وذهب ابن حجر أيضًا إلى أن في هذا الحديث اضطرابًا (٢). - الحديث الثالث: روى الخطيب في ترجمة أبي الأحوص محمد بن نصر بن سليمان المُخرِّمي ومن طريقه عن يعقوب بن القاسم قال: حدثنا عبد الرزاق، عن المعتمر بن سليمان، عن القاسم بن الفضل الحُدَّاني، عن عمرو بن مرة، عن أبي البَخْتري، عن عثمان قال: سمعت النبي ﷺ وقال له عمار وهو يُعذَّب: هكذا الدهر أبدًا؟ فقال له رسول الله ﷺ : «اللهم اغفر لآل ياسر، موعدكم الجنة». ثم قال: «لا أعلم روى هذا الحديث هكذا عن القاسم بن الفضل غير معتمر بن سليمان وعنه عبد الرزاق. ورواه مسلم بن إبراهيم، عن القاسم بن الفضل، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن عثمان. وتابع مسلمًا أبو داود الطيالسي وعبد الله بن بكر السهمي فروياه كذلك عن القاسم. ورواه الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن عثمان،

стр. 352

حدَّث به عن الأعمش هكذا منصور بن أبي الأسود، وهذا القول يشد رواية مسلم بن إبراهيم ومن تابعه. وقيل أيضًا: عن الأعمش عن سالم من غير ذكر لعمرو بن مرة. وروي عن الأعمش فيه قول آخر. والحديث في الأصل مضطرب، فالله أعلم» (١). فهذا الحديث ذكر الخطيب أنه تفرد بروايته عبد الرزاق، عن المعتمر بن سليمان، عن القاسم بن الفضل الحُدَّاني (٢)، عن عمرو بن مرة، عن أبي البَخْتري، عن عثمان، وروايته أخرجها ابن عساكر (٣). ثم ذكر أنه رواه مسلم بن إبراهيم (٤)، عن القاسم بن الفضل، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن عثمان، وروايته أخرجها ابن سعد (٥) مقرونًا بأبي قطن عمرو بن الهيثم (٦)، وابن عساكر (٧).

стр. 353

ثم ذكر أنه تابع مسلمًا أبو داود الطيالسي (١)، وعبد الله بن بكر السهمي (٢) فروياه كذلك عن القاسم. وقد تابع مسلمًا أيضًا على روايته هذه عبد الصمد بن عبد الوارث (٣)، وعبد العزيز بن أبان (٤)، وعبد الملك بن إبراهيم الجُدِّي (٥)، وموسى بن إسماعيل الْمِنْقَري (٦).

стр. 354

ثم ذكر الخطيب أنه رواه منصور بن أبي الأسود (١)، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن عثمان، وروايته أخرجها الخطيب (٢)، وابن عساكر (٣). وذكر أن هذه الرواية تقوِّي رواية مسلم بن إبراهيم ومن تابعه. وذكر الدارقطني أن شعبة قد رواه أيضًا عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن عثمان (٤). ثم ذكر الخطيب أنه رُوي أيضًا عن الأعمش عن سالم من غير ذكر لعمرو بن مرة، وقد رواه عن الأعمش كذلك حسين بن عيسى بن زيد (٥)، وروايته أخرجها قاضي المارستان (٦)، وابن عساكر (٧).

стр. 355

ثم ذكر الخطيب أنه رُوي عن الأعمش فيه قول آخر، ولعله يريد ما رواه سليمان بن قَرْم (١)، عن الأعمش، عن عبد الرحمن بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن عثمان بن عفان، وهذه الرواية أخرجها الطبراني (٢)، وابن عساكر (٣). ثم ذهب الخطيب إلى أن الحديث في الأصل مضطرب، مع أننا إذا نظرنا في الوجوه المذكورة وجدنا أنه يمكن ترجيح وجه منها. أما رواية عبد الرزاق عن معتمر، فقد تفردا بها، وحكم عليها الدارقطني بالوهم (٤). وأما رواية الأعمش عن سالم من غير ذكر لعمرو بن مرة، فقد رواها حسين بن عيسى بن زيد، ولم يُذكر فيه جرح ولا تعديل. وأما رواية الأعمش، عن عبد الرحمن بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن عثمان بن عفان، فقد رواها سليمان بن قَرْم، وهو سيئ الحفظ يتشيع.

стр. 356

فيتضح من ذلك أن الرواية الراجحة هي رواية مسلم بن إبراهيم ومن تابعه؛ فقد رواها جماعة من الثقات. * بعد دراسة نقد الخطيب لهذه الأحاديث الثلاثة، يتبين لنا أن هذه الأحاديث قد وقع فيها الاضطراب في الإسناد، وأن وصف الخطيب لهذه الأحاديث بالاضطراب، يتفق مع ما عليه أهل الاصطلاح من تعريف الاضطراب في الإسناد، ولا يتفق مع تعريف الخطيب للاضطراب في الإسناد، الذي ذكرته في آخر المطلب السابق، والذي يشابه تعريف تدليس الشيوخ، والله الموفِّق. * * *

стр. 357

المبحث الثاني القلب المطلب الأول تعريف الحديث المقلوب وأقسامه المقلوب لغة: يقال: قلبته قلبًا -من باب ضرب- حوَّلته عن وجهه، وكلام مقلوب مصروف عن وجهه، وقلبت الرداء حوَّلته وجعلت أعلاه أسفله، وقلبت الشيء للابتياع قلبًا أيضًا تصفَّحته فرأيتُ داخله وباطنه، وقلبت الأمر ظهرًا لبطن اختبرته، وقلبت الأرض للزراعة، وقلَّبت بالتشديد في الكل مبالغة وتكثير، وفي التنزيل: ﴿وَقَلَّبُواْ لَكَ الْأُمُورَ﴾ [التوبة: ٤٨] (١). المقلوب اصطلاحًا: هو تغيير مَن يُعرف بروايةٍ ما بغيره عمدًا أو سهوًا (٢). وهو قسمان: القسم الأول: أن يكون الحديث مشهورًا براوٍ، فيُجعل مكانه راوٍ آخر في

стр. 358

طبقته؛ ليصير بذلك غريبًا مرغوبًا فيه، كحديث مشهور بسالم فيُجعل مكانه نافع، وكحديث مشهور بمالك فيُجعل مكانه عبيد الله بن عمر، ونحو ذلك. وقد يدخل في هذا القسم أيضًا ما إذا انقلب عليه اسم راوٍ، مثل مرة بن كعب بكعب بن مرة، وسعد بن سنان بسنان بن سعد (١). القسم الثاني: وهو أن يؤخذ إسناد متن، فيُجعل على متن آخر، ومتن هذا فيُجعل بإسناد آخر، وهذا قد يُقصد به أيضًا الإغراب؛ فيكون ذلك كالوضع، وقد يُفعل اختبارًا لحفظ المحدِّث، وهذا يفعله أهل الحديث كثيرًا، وفي جوازه نظر، إلا أنه إذا فعله أهل الحديث لا يستقر حديثًا، وإنما يقصد اختبار حفظ المحدِّث بذلك، أو اختباره؛ هل يقبل التلقين، أم لا؟ (٢). * ولم أجد تعريفًا للحديث المقلوب عند الخطيب، وللخطيب كتاب في أحد قسمي المقلوب اسمه: «رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب» (٣)، وقد أعلَّ الخطيب عددًا من الأحاديث بالقلب، وهو ما سنوضِّحه في المطلب الآتي. * * *

стр. 359

المطلب الثاني بيان الخطيب للقلب في الأحاديث أعلَّ الخطيب في كتابه «تاريخ بغداد» ثلاثة أحاديث بأنه قد حدث فيها قلب، وهذا بيانها: - الحديث الأول: روى الخطيب في ترجمة القاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الأسداباذي قال: «أخبرنا أبو عبد الله الصَّيْمَري وأبو القاسم التَّنُوخي قالا: أخبرنا القاضي أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الأسداباذي ببغداد قال: حدثنا أبو الحسن علي بن إبراهيم بن سلمة قال: حدثني محمد بن المغيرة السكري قال: حدثنا هشام بن عبيد الله الرازي، عن مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر، أراه عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] قال: «وما ذاك؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «تنصروه». وأخبرنا الصَّيْمَري والتَّنُوخي قالا: أخبرنا عبد الجبار بن أحمد قال: حدثنا عبد الرحمن بن حمدان الجلاب قال: حدثنا عبد الله بن إسحاق أبو العباس نزيل حلب قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: حدثنا يحيى بن حسان قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا سفيان الثوري قال: حدثنا مالك بن أنس، عن الزهري، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ قال: «مثل أمتي مثل المطر؛ لا يُدرى أوله خير أو آخره».

стр. 360

وقد انقلب على عبد الجبار هذان الحديثان، والصواب في الحديث الأول: عن هشام بن عبيد الله، عن مالك، عن الزهري، عن أنس، كذلك أخبرناه أبو القاسم عبد الرحمن بن أحمد بن إبراهيم القزويني قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن سلمة القطان قال: أخبرنا محمد بن المغيرة الهمذاني ويُعرف بحمدان قال: حدثنا هشام بن عبيد الله الرازي قال: حدثنا مالك بن أنس، عن الزهري، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ قال: «مثل أمتي مثل المطر؛ لا يُدرى أوله خير أم آخره». وأما حديث جابر، فيرويه غير واحد، عن إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن يحيى بن حسان، عن ابن مهدي، عن سفيان الثوري، عن يحيى بن سعيد القطان (١)، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر. أخبرناه علي بن يحيى بن جعفر الأصبهاني قال: حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني قال: أخبرنا محمد بن حماد المصيصي في كتابه إلينا قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، وأخبرناه الأزهري قال: أخبرنا أبو المفضل محمد بن عبد الله بن محمد الكوفي قال: حدثنا عبد الله بن أبي سفيان الشعراني قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: حدثنا يحيى بن حسان قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا سفيان الثوري -وفي حديث الطبراني سفيان بن سعيد- قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت على

стр. 361

رسول الله ﷺ ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]، قال لنا رسول الله ﷺ : «ما ذاكم؟». قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «تنصروه» (١). ينبِّه الخطيب على خطأ القاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الأسداباذي (٢) في هذين الحديثين، فقد انقلبا عليه، ودخل عليه حديث في حديث. حيث إن هناك حديثين؛ الأول يرويه هشام بن عبيد الله الرازي، عن مالك، عن الزهري، عن أنس مرفوعًا: «مثل أمتي مثل المطر؛ لا يُدرى أوله خير أم آخره» (٣). والثاني يرويه إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن يحيى بن حسان، عن ابن مهدي، عن سفيان الثوري، عن يحيى بن سعيد القطان، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر: لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] (٤).

стр. 362

فأخطأ القاضي عبد الجبار، فروى الحديث الأول عن هشام بن عبيد الله الرازي، عن مالك، عن يحيى القطان، عن ابن عيينة، بإسناد الحديث الثاني ومتنه. وروى الحديث الثاني عن الجوهري عن يحيى بن حسان، عن ابن مهدي، عن الثوري، عن مالك، عن الزهري، بإسناد الحديث الأول ومتنه. وهكذا انقلب عليه الحديثان، ودخل عليه حديث في حديث. - الحديث الثاني: روى الخطيب في ترجمة أبي بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي قال: «أخبرنا محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان من أصل كتابه غير مرة (١) قال: حدثنا أبو بكر الشافعي إملاء قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن عيسى البِرْتي القاضي قال: حدثنا أبو معمر قال: حدثنا عبد الوارث قال: حدثنا أبو معاوية، عن محمد بن عبد الله، عن مسعر بن كدام، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن أبيه، عن جده، عن أسماء قالت: قال رسول الله ﷺ : «هل في البيت إلا أنتم يا بني عبد المطلب؟» قلنا: لا يا رسول الله. قال: «إذا نزل بأحدكم همٌّ أو غمٌّ أو سقم أو أَزْل (٢) أو لَأْواء (٣) - قال: وذكر السادسة فنسيتها- فليقل: الله الله ربي لا أشرك به شيئًا».

стр. 363

هكذا رواه الشافعي عن البِرْتي، ووهم فيه؛ إذ قدَّم محمد بن عبد الله على مسعر، وصوابه عن أبي معاوية وهو شيبان بن عبد الرحمن، عن مسعر، عن محمد بن عبد الله. وكذلك رواه غير الشافعي، عن البِرْتي. أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق قال: حدثنا إسماعيل بن محمد الصفار قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى القاضي قال: وأخبرناه الحسن بن أبي بكر قال: أخبرنا أبو سهل بن زياد القطان قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى قال: حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمر قال: حدثنا عبد الوارث قال: حدثنا شيبان قال: حدثنا مسعر، عن محمد بن عبد الله، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن أبيه، عن جده، عن أسماء بنت عميس قالت: جمع رسول الله ﷺ أهله، فقال: «هل إلا أنتم يا بني عبد المطلب؟». فقلنا: لا. فقال: «إذا نزل بأحد منكم كرب أو غم أو سقم -وفي حديث ابن زياد: إذا نزل بأحد منكم غم أو هم أو سقم أو لَأْواء أو أَزْل. وذكر السابعة فأنسيتها- فليقل: الله الله ربي، لا أشرك به شيئًا» ثلاث مرات» (١). فهذا الحديث رواه أبو بكر الشافعي (٢) عن البِرْتي (٣) فأخطأ فيه وقلب

стр. 364

إسناده فقال: «عن محمد بن عبد الله (١) عن مسعر»، والصواب: «عن مسعر عن محمد بن عبد الله». وقد رواه غير واحد عن البِرْتي على الصواب، ذكر منهم الخطيب في روايته اثنين، وهما: إسماعيل بن محمد الصفار (٢)، وأبو سهل بن زياد القطان (٣)، ورواه عنه على الصواب أيضًا الباغندي (٤). وقد ذهب الدارقطني أيضًا إلى خطأ أبي بكر الشافعي في ذلك، فقال: «ورواه شيبان بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الله، عن مسعر، عن عبد العزيز، عن أبيه، عن جده، عن أسماء. والصواب: شيبان، عن مسعر، عن محمد بن عبد الله، غلط فيه الشافعي» (٥). - الحديث الثالث: قال الخطيب في ترجمة سليمان بن أيوب صاحب البصري: «أخبرني الحسن بن محمد الخلال قال: حدثنا عمر بن محمد بن علي الناقد قال: حدثنا

стр. 365

أحمد بن الحسن الصوفي قال: حدثنا سليمان بن أيوب صاحب البصري في منزل عبيد الله القواريري قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أبي الزبير قال: سألت ابن عمر عن استلام الحجر، فقال: رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويُقبِّله. قال: قلت: أرأيت إن زُحِمتُ، أرأيت إن غُلِبتُ؟ قال: اجعل أرأيت باليمن. كذا قال لي الخلال: «عن أبي الزبير»، والصواب: «عن الزبير» وهو ابن عربي» (١). ينبِّه الخطيب على خطأ أحد الرواة فبدلًا من أن يقول: «عن الزبير بن عربي» قال: «عن أبي الزبير»، وهذا الحديث مشهور أنه عن الزبير بن عربي، وقد رواه عن حمادٍ الثقاتُ من أصحابه كذلك، مثل: مسدد بن مسرهد (٢)، وقتيبة بن سعيد (٣)، وأبي داود الطيالسي (٤)، والحسن بن موسى (٥)، وروح بن عبادة (٦).

стр. 366

المبحث الثالث التصحيف المطلب الأول تعريف التصحيف وأقسامه التصحيف لغة: هو تغيير اللفظ حتى يتغيَّر المعنى المراد من الموضع، وأصله الخطأ، يقال: صحَّفه فتصحَّف، أي: غيَّره فتغيَّر حتى التبس (١). وهو أيضًا الخطأ في الصحيفة بأشباه الحروف (٢). التصحيف اصطلاحًا: هو تحويل الكلمة من الهيئة المتعارفة إلى غيرها (٣). ومنشأ هذه التسمية أن قومًا كانوا قد أخذوا العلم من الصُّحُف، من غير أن يلقوا فيها العلماء، وقد كانت الكتابة العربية تُكتب عهدًا طويلًا من غير إعجام للحروف ولا عناية بالتفرقة بين المشتبه منها، فكان يقع فيما يرويه هؤلاء التغيير، فيقال عنده: قد صحَّفوا، أي: رَوَوْه عن الصُّحُف، وهم مُصَحِّفون، والمصدر: التصحيف (٤).

стр. 367

وقد فرَّق الحافظ ابن حجر بين التصحيف والتحريف فقال: «إن كانت المخالفة بتغيير حرف أو حروف مع بقاء صورة الخط في السياق، فإن كان ذلك بالنسبة إلى النقط؛ فالمُصَحَّف. وإن كان بالنسبة إلى الشكل؛ فالمُحَرَّف» (١). وقد تعقَّبه الشيخ أحمد شاكر بقوله: «وهو اصطلاح جديد، وأما المتقدِّمون فإن عباراتهم يُفهم منها أن الكلَّ يسمى بالاسمين، وأن التصحيف مأخوذ من النقل عن الصُّحُف، وهو نفسه تحريف» (٢). أقسام التصحيف: للتصحيف ثلاثة تقاسيم: - التقسيم الأول: ينقسم التصحيف فيه إلى قسمين؛ أحدهما في المتن، والثاني في الإسناد. - التقسيم الثاني: ينقسم فيه إلى قسمين: أحدهما: تصحيف البصر وهو الأكثر. وهو التغيير الناتج عن سوء القراءة، بسبب تشابه الحروف والكلمات لتقارب رسمها، فيقرأ الكلمة ويحدِّث بها على غير وجهها الصحيح (٣).

стр. 368

والثاني: تصحيف السمع. وهو أن يكون الاسم واللقب، أو الاسم واسم الأب على وزن اسم آخر ولقبه، أو اسم آخر واسم أبيه؛ والحروف مختلفة شكلًا ونطقًا، فيشتبه ذلك على السمع، كأن يكون الحديث لعاصم الأحول، فيجعله بعضهم عن واصل الأحدب (١). - التقسيم الثالث: ينقسم فيه إلى قسمين: تصحيف اللفظ وهو الأكثر، وإلى تصحيف يتعلق بالمعنى دون اللفظ (٢). * وقد ضرب الخطيب بحظٍّ وافر في مسألة التصحيف، فقد صنَّف كتابًا في الرواة الذين تشتبه أسماؤهم وأنسابهم في الخط وتختلف في اللفظ، سماه «تلخيص المتشابه في الرسم». وأوصى طالب العلم أن يتلقَّى العلم عن أفواه المشايخ لا عن الصُّحُف، فقال عند كلامه عن صفة من يُحتج بروايته إذا كان يحدِّث من حفظه: «يجب أن يكون حفظه مأخوذًا عن العلماء لا عن الصُّحُف» ثم روى عن سليمان بن موسى (٣) أنه قال: «لا تأخذوا العلم من الصُّحفيين» (٤).

стр. 369

وأوصاه قائلًا: «ينبغي لقارئ الحديث أن يتفكَّر فيما يقرأه حتى يسلم من تصحيفه، ومتى لم يكن حافظًا لكتاب الله تعالى لم يؤمَن عليه التصحيف في القرآن أيضًا، وهو من أقبح الأشياء» (١). ثم قرَّر أن «التصحيف والإحالة يسبقان إلى من أخذ العلم عن الصُّحُف» (٢). وقد عقد فصلًا في كتابه «الجامع لأخلاق الراوي» بعنوان «تقييد الأسماء بالشكل والإعجام حذرًا من بوادر التصحيف والإيهام» قال فيه: «في رواة العلم جماعة تشتبه أسماؤهم وأنسابهم في الخط، وتختلف في اللفظ، مثل بشر وبُسر، وبُريد وبَريد، وبَريد ويزيد، وعياش وعباس، وحيان وحبان، وحبان وحنان، وعُبيدة وعَبيدة، وغير ذلك مما قد ذكرناه في كتاب «التلخيص»، فلا يؤمَن على من لم يتمهَّر في صنعة الحديث تصحيف هذه الأسماء، وتحريفها، إلا أن تُنقَط وتُشكَل، فيؤمن دخول الوهم فيها ويسلم من ذلك حاملها وراويها» (٣). وعقد فصلًا في أخبار المصحِّفين سماه: «بعض أخبار أهل الوهم والتحريف، والمحفوظ عنهم من الخطأ والتصحيف، نبتدئ بأخبار من صحَّف في الأسانيد، ثم نتبعها بأخبار من صحَّف في المتون بمشيئة الله» (٤).

стр. 370

المطلب الثاني بيان الخطيب للتصحيف في الأحاديث سنعرض في هذا المطلب بعض الأمثلة التي تبيِّن كيفية نقد الخطيب للأحاديث التي وقع فيها تصحيف في المتن أو في الإسناد. - المثال الأول: روى الخطيب في ترجمة عبد القدوس بن حبيب الشامي، من طريق العباس بن محمد الدوري عن يحيى بن معين (١) قال: قال حجاج الأعور (٢): رأيت عبد القدوس في زمن أبي جعفر على باب مدينة أبي جعفر وهو مغلق، وكان لا يفتح حتى يُصبح الناس جدًّا، فجاء رجل إلى عبد القدوس وهو واقف بباب المدينة، فقال له: أصلحك الله، الحديث الذي حدَّثت به أعِده عليَّ، أو نحو هذا من الكلام قاله يحيى، فقال: «لا تتخذوا شيئًا فيه الرَّوح عرضًا». فقال له الرجل: أي شيء تعني بهذا؟ فقال له عبد القدوس: هو الرجل يُخرج من داره شبيه القَسْطرون.

стр. 371

قلت ليحيى: ما يعني بهذا؟ قال: أهل الشام يسمون الرَّوْشن (١) والكَنِيف يخرج إلى خارجٍ القَسْطرون (٢). قال الخطيب: «قلت: صحَّف فيه عبد القدوس، وفسَّر تصحيفه؛ لأن الحديث: «لا تتخذوا شيئًا فيه الرُّوح -بضم الراء- غرضًا» (٣) بالغين المعجمة» (٤). ينبِّه الخطيب على تصحيف عبد القدوس لحديث: «لا تتخذوا شيئًا فيه الرُّوح غَرَضًا»، فقد قال فيه: «لا تتخذوا شيئًا فيه الرَّوح عَرْضًا» فصحَّف مرتين؛ فقال: «الرَّوح» بفتح الراء، و «عَرْضًا» بالعين المهملة وإسكان الراء، ولم يكتفِ بذلك، ففسَّر هذا التصحيف بما ذكره، وصوابه: «الرُّوح» بضم الراء، و «غَرَضًا» بالغين المعجمة والراء المفتوحتين، ومعناه: نهى أن نتخذ

стр. 372

الحيوان الذي فيه الروح غرضًا، أي: هدفًا للرمي فيُرمى إليه بالنشاب وشبهه (١). وقد تعجَّب ابن معين من تفسير عبد القدوس لتصحيفه هذا؛ قال ابن محرز: «جعل يحيى بن معين يضحك، وأحسب أنه قال: تفسيره أعجب عندي من تصحيفه» (٢). وعبد القدوس بن حبيب أحد المتروكين؛ قال عمرو بن علي الفلاس: «عبد القدوس الشامي أجمع أهل العلم على ترك حديثه» (٣). وقد ذكروا له تصحيفًا آخر، وهو أنه كان يقول: حدثنا سويد بن عَقَلة (٤)، بالعين المهملة والقاف، وإنما هو بالغين المعجمة والفاء المفتوحتين (٥). - المثال الثاني: روى الخطيب في ترجمة أحمد بن محمد بن الجراح الضرَّاب، عن علي بن أبي علي قال: أخبرنا القاضي أبو الحسن علي بن الحسن الجراحي قال: حدثنا أحمد بن محمد بن الجراح من أصل كتابه قال: حدثنا سعدان بن نصر قال: حدثنا إسحاق الأزرق قال: حدثنا سفيان الثوري، عن واصل

стр. 373

الأحدب، عن الشعبي، عن ابن عباس قال: شرب النبي ﷺ من زمزم وهو قائم (١). ثم قال: «هذا الحديث إنما رواه الثوري، عن عاصم الأحول، عن الشعبي، كذلك رواه عن الثوري أصحابه وإسحاق الأزرق فيهم، ولم يتابع أحد ابن الجراح على قوله: عن واصل الأحدب». ثم روى من طريق عبد الله بن محمد بن أبي علي الحاجب أبي العباس قال: حدثنا إسحاق الأزرق قال: حدثنا سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن الشعبي، عن ابن عباس قال: شرب النبي ﷺ من بئر زمزم قائمًا (٢). فقد تفرد أحمد بن محمد بن الجراح (٣) عن سعدان بن نصر (٤) عن إسحاق الأزرق (٥) بقوله: «عن واصل الأحدب»، وقد رواه أصحاب سفيان الثوري بما فيهم إسحاق الأزرق فقالوا: «عن عاصم الأحول». وممن رواه عن سفيان الثوري كذلك: عبد الرحمن بن مهدي (٦)،

стр. 374

وأبو نُعيم الفضل بن دكين (١)، والأسود بن عامر شاذان (٢)، وخلاد بن يحيى (٣). وقد ذكر الدارقطني أن هذا من تصحيف السمع لا من تصحيف البصر، قال ابن الصلاح: «كأنه ذهب - والله أعلم - إلى أن ذلك مما لا يشتبه من حيث الكتابة، وإنما أخطأ فيه سمعُ مَن رواه» (٤). - المثال الثالث: روى الخطيب في ترجمة محمد بن الفضيل الخراساني البغدادي من «تاريخ بغداد» عن أبي الحسن علي بن يحيى بن جعفر الإمام، وأبي الفرج عبد الواحد بن محمد بن عبد الله البُزَاني جميعًا بأصبهان قالا: أخبرنا عبد الله بن الحسن بن بندار المديني قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ قال: حدثنا محمد بن فضيل البغدادي، عن الحَفَري، عن عاصم بن النعمان،

стр. 375

عن سفيان، عن الأسود بن قيس، عن عمرو بن شقيق، عن علي، مثل حديث قبله أنه خطب فقال: إن رسول الله ﷺ لم يعهد إلينا في الإمارة عهدًا، ولكنه رأي رأيناه فاستُخلف أبو بكر فقام واستقام. وذكر الحديث. ثم قال الخطيب: «كذا روياه لنا فقالا: عن عمرو بن شقيق، وإنما هو عمرو بن سفيان. وقالا أيضًا: عاصم بن النعمان، وإنما هو عصام بن النعمان بن أبي خالد ابن أخي إسماعيل بن أبي خالد (١)» (٢). ينبِّه الخطيب على أن بعض الرواة صحَّف فقال: «شقيق» بدل «سفيان»، ولقائل أن يقول: كيف يمكن أن يتصحَّف «سفيان» إلى «شقيق» مع اختلافهما في الصورة والنقط؟ والجواب: أن الكتابة في القديم كانت تختلف عن الكتابة الحديثة؛ فكانوا يكتبون الحروف بلا نقط في الغالب، وكانوا لا يرسمون الألف المتوسطة في الكلمة، فيكتبون «سفيان» هكذا: «سفين» بلا ألف ولا نقط كذلك، فيسهل تصحيفها إلى «شقيق». ويمكن أن يقال نحوه في «عصام» فإنهم كانوا يكتبونها بلا ألف هكذا: «عصم»، فيسهل تصحيفها إلى «عاصم».

стр. 376

- المثال الرابع: قال الخطيب في ترجمة أبي ذر عمار بن محمد بن مخلد البغدادي: «أخبرنا أبو سهل عبد الواحد بن محمد اللِّحياني الخشَّاب بنيسابور قال: أخبرنا أبو ذر عمار بن محمد بن مخلد البغدادي بمكة قال: حدثنا أبي قال: حدثنا حاتم بن الليث قال: حدثتني حكَّامة بنت عثمان بن دينار قالت: حدثني أبي، عن أخيه مالك بن دينار، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء» (١). كذا حدثنا عنه اللِّحياني بهذا الحديث، وبحديث آخر عن الحسن بن أحمد بن المبارك الطوسي، ولم يذكر الغنجار ولا ابن البيِّع، أن أبا ذر هذا يروي عن أبيه، فأخشى أن يكون رُوي الحديث لشيخنا عن محمد بن مخلد بن حفص الدوري، عن حاتم بن الليث، فظن شيخنا أن الدوري والده والله أعلم» (٢). ينبِّه الخطيب على خطأ يظنه وقع من شيخه اللِّحياني (٣)، وذلك أنه حدَّثه

стр. 377

عن أبي ذر عمار بن محمد بن مخلد (١) عن أبيه عن حاتم بن الليث بحديث، ولم يذكر الغنجار (٢) ولا ابن البيِّع (٣) - وهما اللذان اعتمد عليهما الخطيب في سياق ترجمته- أن عمارًا يروي عن أبيه، فيخشى الخطيب أن يكون عمار قد روى الحديث عن محمد بن مخلد الدوري (٤)، فظن اللِّحياني أن الدوري هو والد عمار؛ لاتفاقهما في الاسم واسم الأب. ويُعَد هذا من باب الخطأ الناتج عن الرواية بالمعنى، وهو ما يسمى بـ «تصحيف المعنى». * * *

стр. 378

الفصل الثالث نقد المتون عند الخطيب لقد اهتم المحدِّثون بنقد المتون اهتمامًا عظيمًا، واعتنوا به اعتناءًا بالغًا؛ فنرى كثيرًا من مباحث علوم الحديث تنقسم إلى قسمين؛ قسم في الإسناد وقسم في المتن، مثل: المضطرب، والمدرج، والمقلوب، والمصحَّف، والمعلَّل. كما أن هناك مباحث أخرى خاصة بالمتن، لا دخل للإسناد فيها، مثل: غريب الحديث، ومختلف الحديث، وأسباب الحديث، وناسخ الحديث ومنسوخه. وما اهتمام المحدثين بالأسانيد إلا وسيلة لحفظ المتون، وحمايتها من أن يدخل فيها ما ليس منها، وتنقيتها مما وقع في ألفاظها من خلل. وقد ضرب الخطيب في نقد المتون مع المحدِّثين بسهم، من ذلك أنه ألَّف كتاب «الفصل للوصل المدرج في النقل» خصَّ معظم أبوابه لتمييز ما أُدرج في المتون من ألفاظ وليست منها. ومن ذلك أيضًا أنه تعرَّض لنقد بعض المتون في كتبه الأخرى، ومنها كتابه «تاريخ بغداد»، وقد استخلصت منها بعض قواعد نقد المتن عند الخطيب وهي:

стр. 379

القاعدة الأولى: الاستدلال على بطلان المتن بمخالفته للتاريخ ووقائعه: فمن ذلك أنه قال في مقدمة «تاريخ بغداد»: «أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال (١): حدثنا أبو أحمد الغِطْريفي قال: حدثنا عبد الرحمن بن أحمد بن عبدوس الهمذاني، قال أبو نعيم: وحدثنا أبو محمد بن حيان والسياق له، قال (٢): حدثنا عبد الله بن محمد بن الحجاج، وأبو بكر محمد بن عبد الله المؤدب قالا: حدثنا عبد الرحمن بن أحمد بن عبدوس قال: حدثنا قَطَن بن إبراهيم (٣) قال: حدثنا وهب بن كثير بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سلمان الفارسي (٤) قال: حدثتني أمي (٥)، عن أبي كثير بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سلمان الفارسي (٦)، عن أبيه (٧)، عن جده، أن النبي ﷺ أملى الكتاب على علي بن أبي طالب: «هذا ما فادى محمد بن عبد الله رسول الله، فدى سلمان الفارسي من عثمان بن الأشهل اليهودي ثم القُرَظي بغرس ثلاثمائة نخلة وأربعين أوقية ذهبًا، وقد برئ محمد بن عبد الله رسول الله لثمن سلمان الفارسي، وولاؤه لمحمد بن عبد الله رسول الله وأهل بيته، فليس لأحد على سلمان سبيل». شهد على ذلك: أبو بكر الصديق، وعمر بن

стр. 380

الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وحذيفة بن سعد بن اليمان، وأبو ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود، وبلال مولى أبي بكر، وعبد الرحمن بن عوف، وكتب علي بن أبي طالب يوم الاثنين في جمادى الأولى من سنة مُهاجَر محمد بن عبد الله رسول الله ﷺ » (١). ثم قال: «في هذا الحديث نظر، وذلك أن أول مشاهد سلمان مع رسول الله ﷺ غزوة الخندق (٢)، وكانت في السنة الخامسة من الهجرة، ولو كان تخلَّص سلمان من الرق في السنة الأولى من الهجرة لم يَفُتْهُ شيء من المغازي مع رسول الله ﷺ ، وأيضًا فإن التاريخ بالهجرة لم يكن في عهد رسول الله ﷺ ، وأول من أرَّخ بها عمر بن الخطاب في خلافته، والله أعلم» (٣). القاعدة الثانية: الاستدلال على نكارة المتن بمخالفته للمشهور: من ذلك أنه روى في ترجمة أحمد بن الصلت بن المُغَلِّس الحِمَّاني (٤) من «تاريخ بغداد» ومن طريقه قال: حدثنا محمد بن المثنى صاحب بشر بن الحارث (٥) قال: سمعت ابن عيينة قال: العلماء: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، وأبو حنيفة في زمانه، والثوري في زمانه (٦).

стр. 381

ثم قال: «قلت: ذِكر أبي حنيفة في هذه الحكاية زيادة من الحِمَّاني، والمحفوظ ما أخبرناه علي بن محمد بن عبد الله المقرئ الحذاء قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن سلم الخُتُّلي قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الخالق قال: حدثنا أبو بكر المرُّوذي قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سفيان بن عيينة قال: علماء الأزمنة ثلاثة: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، وسفيان الثوري في زمانه. فإن قيل: ما أنكرتَ أن تكون رواية الحِمَّاني صحيحة، والرواية الثانية نقص منها ذكر أبي حنيفة وحذفه بعض النقلة؟ قلت: منع من ذلك أمران: أحدهما: أن عبد الرزاق بن همام روى عن ابن عيينة مثل هذا القول الثاني سواء (١). والأمر الآخر: أن المحفوظ عن ابن عيينة سوءُ القول في أبي حنيفة، من ذلك ما أخبرنا محمد بن عبيد الله الحِنَّائي قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن الصديق المروزي قال: حدثنا أحمد بن محمد المنكدري قال: حدثنا محمد بن أبي عمر قال: سمعت ابن عيينة يقول. وأخبرنا ابن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه قال: حدثنا يعقوب بن سفيان (٢) قال: حدثني محمد بن أبي عمر يعني العدني قال: قال سفيان: ما وُلد في الإسلام مولود أضر على أهل الإسلام من أبي حنيفة.

стр. 382

وهكذا روى الحُميدي عن ابن عيينة، ولسفيان بن عيينة في أبي حنيفة كلام غير هذا كثير يشبهه في المعنى، قد ذكرناه في أخبار أبي حنيفة (١)، ولو كان ابن عيينة أعظمَ أبا حنيفة ذاك الإعظام، وجعله رابع أئمة علماء الإسلام، لم يقدم عليه بالقول الشنيع هذا الإقدام، فبان بما ذكرناه أن أحمد بن المغلِّس زاد فيما روى واختلق ما حكى، ونسأل الله العصمة من الزلل، والتوفيق لصالح القول والعمل» (٢). القاعدة الثالثة: الاستدلال على الخطأ في المتن بمخالفة راويه لمن هو أولى منه: قال الخطيب في ترجمة محمد بن جعفر بن الحسن بن سليمان بن علي بن صالح صاحب المصلي: «أخبرنا علي بن أبي علي قال: حدثنا محمد بن جعفر الصالحي قال: حدثنا أحمد بن محمد بن بشار بن أبي العجوز قال: حدثنا الحسن بن هارون بن عَقَّار قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، عن النبي ﷺ قال: «لا يُملي مصاحفنا إلا غلمان بني هاشم». وقد وَهِم الصالحي في متن هذا الحديث، وصوابه عن ابن أبي العجوز: حدثنا أبو طاهر عبد الغفار بن محمد بن جعفر المؤدب قال: أخبرنا أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أبي العجوز ببغداد وما كتبناه إلا عنه قال: حدثنا الحسن بن هارون ابن أخي سلمة بن عَقَّار قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة

стр. 383

قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يُملين مصاحفنا إلا غلمان قريش، أو غلمان ثقيف» وهكذا رواه محمد بن المظفر، عن ابن أبي العجوز» (١). فهذا الحديث أخطأ أحد الرواة في متنه، وهو محمد بن جعفر الصالحي، وهو ضعيف الحديث (٢)، فرواه عن ابن أبي العجوز (٣) بلفظ: «لا يُملي مصاحفنا إلا غلمان بني هاشم». والصواب أن ابن أبي العجوز قد رواه بلفظ: «لا يُملين مصاحفنا إلا غلمان قريش، أو غلمان ثقيف»، والفرق واضح بين اللفظين، وممن رواه عنه هكذا: ١ - أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي (٤)، وقد ساقه الخطيب بإسناده كما سبق. ٢ - محمد بن المظفر (٥)، كما ذكر الخطيب، وقد رواه الخطيب أيضًا في موضع آخر من «تاريخه» (٦).

стр. 384

٣ - أبو إسحاق بن حمزة (١)، وقد رواه عنه أبو نعيم (٢). فقد استدل الخطيب بخطأ الصالحي في متن هذا الحديث بمخالفته لرواية الثقات. القاعدة الرابعة: الاستدلال على بطلان لفظة في المتن بوهاء المنفرد بها: قال الخطيب في ترجمة محمد بن مزيد أبي بكر الخزاعي المعروف بابن أبي الأزهر: «فمن حديثه ما أخبرنيه أبو القاسم الأزهري قال: حدثنا يوسف بن عمر القواس، والمعافى بن زكريا الجريري قالا: حدثنا ابن أبي الأزهر. وأخبرنا الحسن بن علي الجوهري قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا أبو بكر بن أبي الأزهر قال: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء قال: حدثنا إسماعيل بن صبيح قال: حدثنا أبو أويس قال: حدثنا محمد بن المنكدر قال: حدثنا جابر قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، ولو كان لكُنتَه» (٣).

стр. 385

قوله: «ولو كان لكُنتَه» زيادة لا نعلم رواها إلا ابن أبي الأزهر، والصواب ما أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن الصلت قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الكوفي قال: حدثنا أحمد بن يحيى الصوفي قال: حدثنا إسماعيل بن صبيح اليَشكُري قال: حدثنا أبو أويس بإسناده نحوه، ولم يذكر الزيادة (١)» (٢). فهذه الزيادة زادها ابن أبي الأزهر في متن هذا الحديث، وهو غير ثقة يضع الأحاديث على الثقات، كما قال الخطيب (٣). وقال الشجري بعد أن روى هذه الزيادة من طريق ابن أبي الأزهر: «هذه الزيادة في الحديث ما كتبناها إلا من هذه الرواية» (٤). وقال الذهبي في ترجمته لابن أبي الأزهر: «وضع في حديث «لا نبي بعدي»: ولو كان لكنتَه يا علي» (٥). القاعدة الخامسة: قد يكون الإسناد صحيحًا في الظاهر ويكون المتن باطلًا: لم تكن المتون الباطلة الواردة بأسانيد صحيحة في الظاهر بالتي تخدع الخطيب فتجعله يحكم عليها بالصحة، بل كان ﵀ يتأمَّل المتون جيدًا

стр. 386

وينقدها نقد الصيرفي، فإذا رآها باطلة فإنه يحكم عليها بالبطلان حتى مع صحة أسانيدها في الظاهر. فمن ذلك أنه روى في ترجمة أحمد بن روح البزاز (١) من «تاريخ بغداد» ومن طريقه عن عمرو بن مرزوق الباهلي (٢) قال: حدثنا عمران القطان (٣)، عن قتادة، عن أنس قال: قال النبي ﷺ : «إذا مات مبتدع فإنه قد فُتح على الإسلام فتح» (٤). ثم قال: «الإسناد صحيح، والمتن منكر» (٥). فلم تغُرَّ الخطيبَ صحةُ إسناده في الظاهر، بل تأمَّل المتن وحكم عليه بالنكارة، والله أعلم (٦). * * *

стр. 387

الباب الرابع الخصائص العامة للنقد عند الخطيب وفيه فصلان: الفصل الأول: تأثر الخطيب بالنقاد المتقدمين مع عدم تقليده لهم. الفصل الثاني: كيفية معرفة الخطيب بنقد الراوي والرواية.

стр. 388

الفصل الأول تأثر الخطيب بالنقاد المتقدمين مع عدم تقليده لهم وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تأثر الخطيب بالنقاد المتقدمين في أحكامه النقدية على الأحاديث. المبحث الثاني: شرح الخطيب لكلام النقاد. المبحث الثالث: نقد الخطيب للأحكام النقدية لسابقيه وعدم التقليد.

стр. 389

المبحث الأول تأثر الخطيب بالنقاد المتقدمين في أحكامه النقدية على الأحاديث كان الخطيب ﵀ واسع المعرفة كثير الاطلاع، قد قرأ على مشايخه كتبًا كثيرة، وسمع عليهم مسموعات عديدة، وكانت كتب علل الحديث ونقد رجاله، والتي عليها اعتماد الخطيب في نقد الحديث، من ضمن هذه الكتب والمسموعات التي قرأها ودرسها واستفاد منها وتأثر بما فيها (١). وهذه بعض الأمثلة التي تبين مدى تأثر الخطيب بمتقدمي النقاد في أحكامه النقدية على الأحاديث: - المثال الأول: روى الخطيب في ترجمة محمد بن صَبيح المعروف بابن السماك، من طريق أحمد بن جعفر القَطِيعي (٢)، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي (٣) قال: حدثنا محمد بن السماك، عن يزيد بن أبي زياد، عن المسيب بن رافع، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تشتروا السمك في الماء؛ فإنه غَرَر» (٤).

стр. 390

ثم ذكر أن الإمام أحمد قال: «وحدثنا به هُشيم عن يزيد فلم يرفعه» (١). فنبَّه الإمام أحمد إلى أن هشيم بن بشير الثقة الثبت (٢) قد خالف محمد بن السماك (٣) فرواه عن يزيد به موقوفًا، وفي هذا إشارة إلى تصحيح الرواية الموقوفة، وهذا ما فهمه الخطيب فقال بعد ذلك مباشرة: «وكذلك رواه زائدة بن (٤) قدامة (٥)، عن يزيد بن أبي زياد موقوفًا على ابن مسعود، وهو الصحيح» (٦). - المثال الثاني: ذكر الخطيب في ترجمة أحمد بن الحسن بن عبد الجبار بن راشد الصوفي (٧)، أنه روى عن سويد بن سعيد (٨)، عن مالك، عن الزهري،
следующие страницы →