المطلب الثامن
إمامته ومكانته عند علماء الحديث
لقد تبوَّأ الخطيب البغدادي ﵀ مكانة رفيعة عند أهل العلم، فقد أثنوا عليه، وشهدوا له بالتقدُّم والإمامة في علوم الحديث، فمن ذلك:
قال الحافظ ابن ماكولا وهو من أنجب تلاميذ الخطيب: «كان الخطيب آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفة وإتقانًا وحفظًا وضبطًا لحديث رسول الله ﷺ ، وتفنُّنًا في علله وأسانيده، وخبرة برواته وناقليه، وعلمًا بصحيحه وغريبه وفرده ومنكره وسقيمه ومطروحه، ولم يكن للبغداديين بعد أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني من يجري مجراه، ولا قام بعده بهذا الشأن سواه.
وقد استفدنا كثيرًا من هذا اليسير الذي نحسنه، وبه وعنه تعلَّمنا شطرًا من هذا القليل الذي نعرفه بتنبيهه ومنه، فجزاه الله عنَّا الخير، ولقَّاه الحسنى ولجميع مشايخنا وأئمتنا ولجميع المسلمين» (١).
وقال الحافظ ابن ماكولا أيضًا: «سألتُ أبا عبد الله الصوري عن الخطيب وأبي نصر السجزي؛ أيهما أحفظ؟ ففضَّل الخطيبَ تفضيلًا بيِّنًا» (٢).
وقال العلامة أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعيد الباجي: «أبو بكر الخطيب رجل حافظ متقن» (٣).
стр. 72
وقال الإمام الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن علي الفيروزآبادي الشيرازي:
«أبو بكر الخطيب يُشبَّه بأبي الحسن الدارقطني ونُظرائه في معرفة الحديث وحفظه» (١).
وذكر الحافظ أبو طاهر السِّلفي أنه سمع الحافظ المؤتمن بن أحمد بن علي الساجي يقول: «ما أخرجت بغداد بعد الدارقطني أحفظ من أبي بكر الخطيب» (٢).
وقال الحافظ أبو سعد السمعاني: «كان إمام عصره بلا مدافعة، وحافظ وقته بلا منازعة» (٣).
وقال أيضًا: «والخطيب ﵀ في درجة القدماء من الحفاظ والأئمة الكبار، كيحيى بن معين وعلي بن المديني وأحمد بن أبي خيثمة وطبقتهم، وكان علَّامة العصر، اكتسى به هذا الشأن غضارة وبهجة ونضارة، وكان مهيبًا وقورًا نبيلًا خطيرًا، ثقة صدوقًا متحرِّيًا، حجة فيما يصنِّفه ويقوله وينقله ويجمعه، حسن النقل والخط، كثير الشَّكْل والضبط، قارئًا للحديث فصيحًا، وكان في درجة الكمال والرتبة العليا خُلُقًا وخَلْقًا وهيئة ومنظرًا، انتهى إليه معرفة علم الحديث وحفظه، وخُتم به الحُفَّاظ ﵀» (٤).
وقال الحافظ ابن عساكر: «الخطيب البغدادي الفقيه الحافظ، أحد الأئمة
стр. 73
المشهورين، والمصنِّفين المكثرين، والحفاظ المبرِّزين، ومن خُتم به ديوان
المحدِّثين» (١).
وقال العلامة ابن خِلِّكان: «كان من الحفاظ المتقنين العلماء المتبحِّرين، … وفضله أشهر من أن يوصف» (٢).
وقال الحافظ الذهبي: «الإمام الأوحد، العلَّامة المفتي، الحافظ الناقد، محدِّث الوقت، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي، صاحب التصانيف، وخاتمة الحفاظ … وكتب الكثير، وتقدَّم في هذا الشأن، وبذَّ الأقران، وجمع وصنَّف، وصحَّح وعلَّل، وجرَّح وعدَّل، وأرَّخ وأوضح، وصار أحفظ أهل عصره على الإطلاق» (٣).
وقال العلامة تاج الدين السبكي: «الحافظ الكبير، أحد أعلام الحفاظ، ومهرة الحديث، وصاحب التصانيف المنتشرة» (٤).
* * *
стр. 74
المطلب التاسع
الرد على الشبهات التي أثيرت حوله
لقد تبين ما تبوَّأه الخطيب من مكانة عالية عند أهل العلم، وتواتر ثناؤهم عليه بالتقدُّم في العلوم والإمامة في الدين، وانتشر ما عُرف به من كريم الصفات ومعالي الأخلاق، ومع ذلك فإنه قد تعرَّض لبعض الطعون، وأثيرت حوله بعض الشبهات، وسوف أقوم بعرض أهم هذه الطعون والشبهات مع الرد عليها باختصار.
أولًا: دعوى تعصُّبه على مخالفيه في المذهب من أحناف وحنابلة:
أما تعصُّبه ضد الأحناف: فقد ادَّعى بعض الأحناف أنه طعن في الإمام أبي حنيفة، وساق في ترجمته من «تاريخ بغداد» روايات في ثلبه وذمه، وقد ردَّ عليه في ذلك الملك المعظَّم شرف الدين عيسى بن الملك العادل المتوفى سنة ٦٢٤ هـ، وصنَّف كتابًا سمَّاه: «السهم المصيب في الرد على الخطيب» (١)، كما ألَّف الشيخ محمد زاهد الكوثري كتابًا سماه: «تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب» (٢).
والرد على ذلك: أن من منهج الخطيب في كتابه أنه يذكر ما قيل في المترجَم
стр. 75
له من جرح وتعديل، ومدح وذم، وقد صرَّح بذلك في بداية ذكره للتراجم فقال: «هذه تسمية: الخلفاء، والأشراف، والكبراء، والقضاة، والفقهاء، والمحدِّثين، … وما انتهى إليَّ من معرفة كناهم، وأنسابهم، ومشهور مآثرهم وأحسابهم، ومستحسن أخبارهم، ومبلغ أعمارهم، وتاريخ وفاتهم، وبيان حالاتهم، وما حُفظ فيهم من الألفاظ عن أسلاف أئمتنا الحفاظ، من ثناء ومدح، وذم وقدح، وقبول وطرح، وتعديل وجرح، جمعتُ ذلك كلَّه وألَّفتُه أبوابًا مرتبة على نسق حروف المعجم من أوائل أسمائهم» (١).
وهذا ما صنعه الخطيب في ترجمة الإمام أبي حنيفة، فإنه أورد ما قيل فيه من جرح وتعديل ومدح وذم، وقد اعتذر عن ذكره لمثالب الإمام أبي حنيفة بتصريحه في صدر سياقه لها أنه إنما ذكرها أسوة بغيره من العلماء، فقال: و «معتذرون إلى من وقف عليها وكره سماعها، بأن أبا حنيفة عندنا -مع جلالة قدره- أسوةُ غيره من العلماء الذين دوَّنَّا ذكرهم في هذا الكتاب، وأوردنا أخبارهم، وحكينا أقوال الناس فيهم على تباينها، والله الموفِّق للصواب» (٢).
وأما تعصُّبه ضد الحنابلة: فقد ادعى ذلك ابن الجوزي، فزعم أن الخطيب كان قديمًا على مذهب أحمد بن حنبل ﵁، فمال عليه الحنابلة لما رأوا من ميله إلى المبتدعة وآذوه، فانتقل إلى مذهب الشافعي ﵁، وتعصَّب في تصانيفه عليهم، فرمز إلى ذمهم، وصرَّح بقدر ما أمكنه، ثم ذكر أمثلة على ما
стр. 76
ادَّعاه (١)،
وقد صنَّف أيضًا كتابًا رد فيه على الخطيب سمَّاه: «السهم المُصيب في بيان تعصُّب الخطيب» (٢).
والرد على ذلك: أن دعوى أنه كان حنبليًّا ثم صار شافعيًّا تحتاج إلى دليل، وإلا فالذي تدل عليه سيرته من كلامه عن نفسه وكلام مترجميه أنه لم يكن حنبليًّا في يوم من الأيام، كيف وكل مشايخه في الفقه الذين درس عليهم منذ نعومة أظفاره هم من الفقهاء الشافعية؟!
فقد حضر مجالس أبي حامد الإسفراييني وسنه أقل من أربعة عشر عامًا، ثم تفقَّه على ابن المَحامِلي، والقاضي أبي الطيب الطبري الشافعي، وثلاثتهم شافعية، فمتى كان حنبليًّا إذن؟ (٣).
أما زعم ابن الجوزي أنه تعصَّب على الحنابلة، فقد ذكرنا أن الخطيب التزم أن يورد ما قيل في المترجم له من جرح وتعديل ومدح وذم، وليس في هذا تعصُّب، قال الذهبي: «تناكد ابن الجوزي ﵀ وغضَّ من الخطيب، ونسبه إلى أنه يتعصب على أصحابنا الحنابلة» (٤).
وقد ردَّ المعلِّمي اليماني على ابن الجوزي بالتفصيل، وأبان عن تعصُّبه على الخطيب، وذلك في كتابه: «التنكيل» (٥).
стр. 77
ثانيًا: دعوى أن حفظه لم يكن على قدر تصانيفه:
فقد قال ابن طاهر: سألتُ هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي: هل كان الخطيب كتصانيفه في الحفظ؟ قال: «لا، كنا إذا سألناه عن شيء أجابنا بعد أيام، وإن ألححنا عليه غضب، كانت له بادرة وحشة، ولم يكن حفظه على قدر تصانيفه» (١).
وابن طاهر هو محمد بن طاهر بن علي بن أحمد أبو الفضل المقدسي، حافظ للحديث، لكنه متكلَّم فيه، قال ابن الجوزي: «من أثنى عليه فلأجل حفظه للحديث ومعرفته به، وإلا فالجرح أولى به». ثم نقل عن أبي الفضل بن ناصر أنه قال: «محمد بن طاهر لا يُحتج به، صنَّف كتابًا في جواز النظر إلى المُرْد» (٢).
وهبة الله بن عبد الوارث الشيرازي حافظ رحَّال، قال السمعاني: «كان ثقة خيِّرًا، كثير العبادة، مشتغلًا بنفسه، خرَّج وأفاد، وانتفع الطلبة بصحبته وبقراءته، وكان قدومه بغداد في سنة سبع وخمسين» (٣).
وهذا النقل -على فرض صحته- لا يدل على ضعف حفظ الخطيب، بل يدل على زيادة تثبُّته، وليس الحافظ من يقدر على سرد كثير من الأسانيد والمتون، وهو قاصر في تخريج الحديث، وتمييز صحيحه من سقيمه، ومعرفة علله، إنما الحفظ المعرفة (٤).
стр. 78
وقد وصف الخطيبَ بالحفظ والمعرفة وفضَّله على كل حفاظ عصره - كثيرٌ ممن أدركه ومن جاء بعده مثل: ابن ماكولا، والصوري، والباجي، وأبي إسحاق الشيرازي، والمؤتمن الساجي، والبَرَداني، وشجاع الذهلي، والسمعاني، وابن عساكر، والذهبي، وغيرهم (١)، فهل بعد هؤلاء من متكلِّم؟!
ثالثًا: دعوى أن كتبه مستفادة من الصوري:
حاول بعض خصوم الخطيب اتهامه بانتحال الكتب التي صنَّفها، زاعمين أنها مستفادة من كتب شيخه ورفيقه الصوري، فقد قال ابن الطيوري: «أكثر كتب الخطيب سوى «التاريخ» مستفاد من كتب الصوري، كان الصوري بدأ بها ولم يتمها، وكانت للصوري أخت بصور، مات وخلَّف عندها اثني عشر عِدلًا محزومًا من الكتب، فلما خرج الخطيب إلى الشام حصَّل من كتبه ما صنَّف منها كتبه» (٢).
وهذه تهمة باطلة، فقد ألَّف الخطيب معظم كتبه قبل استقراره بصور، فقد استقر بها منذ سنة ٤٥٩ هـ، وقد سرد محمد بن أحمد بن محمد المالكي الأندلسي كتبَ الخطيب التي صنفها إلى سنة ٤٥٣ هـ فبلغت ٦٤ مصنفًا (٣)، فأين هذه التصانيف التي صنفها مستفيدًا من كتب الصوري؟!
стр. 79
ومما يدل على وهاء هذه التهمة أن ابن الجوزي مع عداوته للخطيب، وانتهازه الفُرصة للانتقاص منه، لم يستطع قبول هذه الرواية السمجة، ولم يُعرِّج عليها، بل أقصى ما استطاع أن يقول: «وقد يضع الإنسان طريقًا فتُسلَك، وما قصَّر الخطيب على كل حال» (١).
وعقَّب الذهبي على هذه الرواية بقوله: «قلت: ما الخطيب بمفتقِر إلى الصوري، هو أحفظ وأوسع رحلة وحديثًا ومعرفة» (٢).
رابعًا: دعوى أنه كان يدلِّس:
فقد قال ابن ماكولا: «شيخنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن منصور العَتِيقي، قال لي: إنه روياني الأصل … وكان الخطيب ربما دلَّسه، وروى عنه وهو في الحياة، يقول: أخبرني أحمد بن [أبي] جعفر القَطِيعي؛ لسكناه في قَطيعة أم عيسى» (٣).
ومعنى هذا أن الخطيب يدلِّس تدليس الشيوخ، وقد وصفه بذلك أيضًا ابن الصلاح، فقال عند كلامه على أنواع التدليس: «القسم الثاني: تدليس الشيوخ، وهو أن يروي عن شيخ حديثًا سمعه منه، فيُسمِّيه أو يُكنيه أو ينسبه أو يصفه، بما لا يُعرف به؛ كي لا يُعرف ....
стр. 80
وتسمَّح بذلك جماعة من الرواة المصنِّفين، منهم الخطيب أبو بكر (١)؛ فقد كان لَهِجًا به في تصانيفه، والله أعلم» (٢).
لكن دافع عنه ابن حجر بقوله: «ينبغي أن يكون الخطيب قدوةً في ذلك، وأن يُستدل بفعله على جوازه؛ فإنه إنما يُعمَّى على غير أهل الفن، وأما أهله فلا يخفى ذلك عليهم؛ لمعرفتهم بالتراجم، ولم يكن الخطيب يفعله إيهامًا للكثرة، فإنه مكثر من الشيوخ والمرويات، والناس بعده عيال عليه، وإنما يفعل ذلك تفنُّنًا في العبارة، وربما أدت ضرورة التصنيف إلى تكرار الشيخ الواحد عن قرب، فينوِّع أوصافه؛ لئلا يصير مبتذلًا ينفر السمع منه للتكرار المحض، والله أعلم» (٣).
وتوجد تُهَم أخرى أعرضت عن ذكرها؛ لظهور كذبها ووهائها (٤).
* * *
стр. 81
المطلب العاشر
مرضه ووفاته
مرض الحافظ أبو بكر الخطيب ببغداد في منتصف شهر رمضان من سنة ٤٦٣ هـ، واستمر به المرض إلى أن اشتد في غرة ذي الحجة، وحينها أوصى إلى صديقه وتلميذه أبي الفضل بن خيرون، وتصدَّق بجميع ماله، وهو مائتا دينار، فرَّق ذلك على أصحاب الحديث والفقهاء والفقراء في مرضه، ووصَّى أن يُتصدق بجميع ما يخلفه من ثياب وغيرها، وأوقف جميع كتبه على المسلمين.
وتوفي ﵀ ضحى نهار الاثنين السابع من ذي الحجة من سنة ٤٦٣ هـ، وأُخرج الغد يوم الثلاثاء، وحضر الصلاة عليه خلق كثير من أماثل الناس: النقباء والأشراف والقضاة والفقهاء وأهل العلم والصوفية والعامة، وتبع جنازته خلق عظيم، وكان الفقيه الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي أحد من حمل جنازته، وكان بين يديها جماعة ينادون: «هذا الذي كان يذبُّ عن رسول الله ﷺ ، هذا الذي كان ينفي الكذب عن رسول الله ﷺ ، هذا الذي كان يحفظ حديث رسول الله ﷺ ».
وقد أوصى أن يُدفن بجوار بشر الحافي، وكان قد شرب من زمزم في حجته وسأل الله ثلاث حاجات منها: أن يُدفن إذا مات عند قبر بشر الحافي.
فسارع تلامذته ومحبُّوه في إنفاذ وصيته، وكان الموضع الذي بجنب بشر
стр. 82
الحافي قد حفر فيه أبو بكر أحمد بن علي الطُّرَيْثِيثي قبرًا لنفسه، وكان يمضي إلى
ذلك الموضع ويختم فيه القرآن ويدعو، ومضى على ذلك عدة سنين، فلما مات الخطيب سألوه أن يدفنوه في هذا الموضع فامتنع، وقال: هذا قبري قد حفرته وختمت فيه عدة ختمات، لا أُمكِّن أحدًا من الدفن فيه، وهذا مما لا يُتصوَّر.
فانتهى الخبر إلى الشيخ الزاهد أبي سعد أحمد بن محمد بن دوست النيسابوري المعروف بشيخ الشيوخ، فقال لأبي بكر الطُّرَيْثِيثي: يا شيخ، لو كان بشر بن الحارث الحافي في الأحياء، ودخلت أنت والخطيب عليه، أيُّكما كان يقعد إلى جانبه أنت أو الخطيب؟ قال: لا، بل الخطيب. فقال: كذا ينبغي أن يكون في حالة الممات؛ فإنه أحق به منك. فطاب قلبه ورضي بأن يُدفن الخطيب في ذلك الموضع، فدُفن فيه (١).
﵀ وأكرم مثواه، وهو ممن يُنشد له قول الشاعر:
ما زلتَ تدأب في التاريخ مجتهدًا … حتى رأيتُك في التاريخ مكتوبا (٢)
وقد رُئيت له منامات كثيرة صالحة مبشِّرة، منها ما ذكره أبو الفضل بن خيرون قال: جاءني بعض الصالحين وأخبرني لما مات الخطيب أنه رآه في النوم، فقال له: كيف حالك؟ قال: أنا في رَوح ورَيحان وجنة نعيم (٣).
стр. 83
المبحث الثاني
التعريف بـ «تاريخ بغداد»
وفيه خمسة مطالب:
- المطلب الأول: موضوعه، وترتيبه.
- المطلب الثاني: مصادره.
- المطلب الثالث: أهميته ومميزاته.
- المطلب الرابع: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب.
- المطلب الخامس: منهج سياق الأحاديث في الكتاب.
стр. 84
المطلب الأول
موضوعه وترتيبه
أولًا: موضوعه:
طُبع «تاريخ بغداد» بمصر قديمًا باسم: «تاريخ بغداد أو مدينة السلام» (١)، ثم طُبع بتحقيق الدكتور بشار عواد باسم: «تاريخ مدينة السلام وأخبار محدِّثيها وذكر قُطَّانها العلماء من غير أهلها ووارديها» (٢)، وذكر المحقق الفاضل أن النسخ الأصلية للكتاب قد اتفقت على هذا العنوان (٣).
وقد قال الخطيب في افتتاح كتابه: «هذا كتاب تاريخ مدينة السلام، وخبر بنائها، وذكر كُبراء نُزَّالها ووارديها، وتسمية علمائها. ذكرتُ من ذلك ما بلغني علمه، وانتهت إليَّ معرفته، مستعينًا على ما يعرض من جميع الأمور بالله الكريم، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» (٤).
واسم الكتاب يدل على موضوعه، وهو أنه يذكر فيه تاريخ مدينة السلام (بغداد)، وكيفية بنائها، ويذكر ترجمة أهلها وعلمائها ومن ورد عليها.
وقد أوضح الخطيب موضوع كتابه بالتفصيل، فقال في بداية ذكره للتراجم: «هذه تسمية: الخلفاء، والأشراف، والكُبراء، والقضاة، والفقهاء، والمحدِّثين، والقُرَّاء، والزُّهَّاد، والصُّلَحاء، والمتأدِّبين، والشعراء، من أهل
стр. 85
مدينة السلام، الذين وُلدوا بها وبسواها من البلدان ونزلوها، وذكر مَن انتقل منهم عنها ومات ببلدة غيرها، ومن كان بالنواحي القريبة منها، ومن قدمها من غير أهلها، وما انتهى إليَّ من معرفة كناهم، وأنسابهم، ومشهور مآثرهم وأحسابهم، ومستحسن أخبارهم، ومبلغ أعمارهم، وتاريخ وفاتهم، وبيان حالاتهم، وما حُفظ فيهم من الألفاظ عن أسلاف أئمتنا الحفاظ، من ثناء ومدح، وذم وقدح، وقبول وطرح، وتعديل وجرح ....
ولم أذكر من محدِّثي الغرباء الذين قدموا مدينة السلام ولم يستوطنوها سوى مَن صحَّ عندي أنه روى العلم بها.
فأما من وردها ولم يحدِّث بها، فإني أطرحت ذكره، وأهملت أمره؛ لكثرة أسمائهم، وتعذُّر إحصائهم، غير نفر يسير عددهم، عظيم عند أهل العلم محلُّهم، ثبت عندي ورودهم مدينتنا ولم أتحقَّق تحديثهم بها، فرأيتُ ألَّا أُخلي كتابي من ذكرهم؛ لرفعة أخطارهم، وعلو أقدارهم» (١).
ونستطيع من هذا النص المهم ومن مطالعة الكتاب أن نستخلص في نقاط أهم الموضوعات التي يشتمل عليها «تاريخ بغداد» وهي:
١ - خبر بناء بغداد، والأحاديث التي وردت فيها، ووصفها، والكلام على أهم معالمها.
٢ - تراجم أعلام بغداد وكُبرائها وعلمائها الذين وُلدوا بها، منذ بنائها وحتى عصر الخطيب.
٣ - تراجم الذين وُلدوا بغيرها من البلدان، ثم نزلوها فصارت وطنًا لهم.
стр. 86
٤ - تراجم الذين وُلدوا بها، ثم رحلوا عنها، وماتوا ببلدة غيرها.
٥ - تراجم من كان بالمناطق القريبة من بغداد، مثل: المدائن، وعُكبَرا، وبَعْقُوبا، والدُّور، وسامرَّا، والنَّهْروان، والأنْبار، ودَيْر العاقول، ونحوها (١).
٦ - تراجم الغرباء الذين قدموا بغداد وحدَّثوا بها ولم يستوطنوها، أما من وردها ولم يحدِّث بها فلم يذكرهم لكثرتهم، إلا من كان منهم عظيم القدر عند أهل العلم.
٧ - يذكر في ترجمة كل واحد من هؤلاء ما يعرفه من كنيته ونسبه.
٨ - يذكر أيضًا مشهور مآثره وحسبه، ومستحسن أخباره.
٨ - يذكر تاريخ مولد من يترجم له ووفاته.
٩ - يذكر ما قيل في المترجم له من ثناء وقدح، وتعديل وجرح.
١٠ - يذكر بعض غرائب أحاديث المترجم له، ويتكلم عليها أحيانًا ويبيِّن عللها.
١١ - اشتمل الكتاب على (٧٧٨٣) ترجمة (٢).
ثانيًا: ترتيبه:
رتَّب الخطيبُ تراجم كتابه على حروف المعجم، واعتبر الاسم الأول فقط، فإذا اتفق أكثر من واحد في الاسم بدأ بترجمة من تقدَّمت وفاته، فإذا كان في
стр. 87
المترجَمين بالاسم كثرة، رتَّبهم على أسماء آبائهم حسب حروف المعجم، إلا أنه بدأ كتابه بمن اسمه محمد تبرُّكًا بنبينا ﷺ .
قال الخطيب: «ألَّفتُه أبوابًا مرتَّبة على نسق حروف المعجم من أوائل أسمائهم، وبدأتُ منهم بذكر من اسمه محمد تبرُّكًا برسول الله ﷺ ، ثم أتبعته بذكر من ابتدأ اسمه حرف الألف، وثنَّيت بحرف الباء، ثم ما بعدها من الحروف على ترتيبها إلى آخرها، ليسهل إدراك ذلك على طالبيه، وتقرب معرفته من مبتغيه …
وكل من تقدَّمت وفاته بدأتُ بذكره دون غيره ممن مات بعده، وإن كان المتأخر أكبر سنًّا وأعلى إسنادًا، إلا أن تتسع ترجمة في بعض الأبواب فأرتِّب أصحابها على توالي حروف المعجم من أوائل تسمية الآباء، ومن شذَّ عني معرفة تاريخ وفاته ذكرته في أثناء أهل طبقته ممن عاصره» (١).
ولما انتهى المصنف من سرد الأسماء، أفرد بابًا للكنى قال فيه: «هذا ذِكر مَن عُرِف بكنيته، ولم يُذكر لنا اسمه، أو ذُكر على الاختلاف فيه، ولم يتضح لنا الصواب منه» (٢).
ونظرًا لقلة المترجمين بكناهم، فقد رتَّبهم على الوفيات، فقد بلغ عددهم ١٠٨ ترجمة فقط، وأتبعهم بمن لا يُعرف اسمه ولا كنيته، من نحو أخي فلان، وعمِّ فلان. ثم ترجم للنساء المذكورات بالفضل ورواية العلم (٣)، ورتَّب تراجمهن على الوفيات أيضًا؛ لقلَّة عددهن، فقد بلغ عددهن ٣١ ترجمة فقط (٤).
стр. 88
المطلب الثاني
مصادره
تميَّز الخطيب باتساع مروياته، وتعدُّد معارفه، وسعة اطلاعه، وقد ظهر ذلك واضحًا في كتابه «تاريخ بغداد»؛ حيث نقل فيه عن مئات الكتب والمراجع، وكانت الرواية بالإسناد المتصل من شيوخه إلى أصحاب الكتب، أو ما وقع له بطرق الرواية الأخرى كالإجازة والمناولة - هي طريقته المعتادة في النقل، فكان لا ينقل من كتاب إلا إذا كان قد وقع له بطريق من طرق الرواية المعروفة، أو ما كان بخط صاحب الكتاب نفسه، فنجده كثيرًا ما يقول: قرأت في كتاب فلان بخطه كذا (١).
وقد أحصى الدكتور أكرم العمري مصادر الخطيب في «تاريخه»، وعدد نقولاته عن كل مصدر، في دراسة موسَّعة سماها «موارد الخطيب في تاريخ بغداد»، بيَّنت هذه الدراسة أن مصادره لم تكن تاريخية أو حديثية فقط، بل تعدَّت ذلك إلى علوم أخرى كثيرة مثل: الخطط، والمسالك، والبلدان، والأموال، والخَرَاج، والأدب، والطبقات، والوفيات، والجرح والتعديل، وغيرها.
وسأذكر هنا أهم مصادر الخطيب الحديثية لتعلُّقها بموضوع الرسالة.
стр. 89
وقبل البدء في السرد لا بد من التنبيه على أمر مهم، وهو أن مصادر الخطيب الحديثية في «تاريخه» لم تكن من الكتب الصحاح والمشاهير، مثل: الكتب الستة، وصحاح ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، ومسانيد الأئمة أبي داود الطيالسي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، ونحوها من الكتب الصحيحة أو المشهورة، بل كانت من كتب أخرى هي دون الكتب المذكورة في الصحة والشهرة، مثل: كتب المعاجم (١) والمشيخات (٢) والأمالي (٣) والأجزاء (٤) والغرائب والأفراد والفوائد (٥) والعلل وتراجم الرجال ونحوها، ذلك لأنه لم يكن مقصوده إيراد الأحاديث للاحتجاج أو الاستشهاد، بل كان مقصوده إيراد ما اتصل له بالإسناد من أحاديث المترجَم له، لا سيما تلك التي تفرَّد بها، أو أُنكرت عليه، لذلك كانت مصادره في
стр. 90
الغالب الكتب المذكورة، والتي هي مَظِنَّة الأفراد والغرائب والمناكير (١)، ولعدم شهرة مصادر الخطيب كان كثيرًا منها مخطوطًا أو في حكم المفقود.
وهذه هي أهم المصادر الحديثية المطبوعة التي وقفتُ عليها:
«الأمالي» للقاضي الحسين بن إسماعيل المَحامِلي، و «الفوائد» لأبي بكر محمد بن عبد الله الشافعي الشهير بـ «الغيلانيات»، و «الضعفاء الكبير» للعقيلي، و «المعجم الأوسط» و «المعجم الصغير» كلاهما لأبي القاسم الطبراني، و «المحدث الفاصل بين الراوي والواعي» لابن خلاد الرامهرمزي، و «الكامل في الضعفاء» لابن عدي، و «أخبار أصبهان» لأبي نعيم الأصبهاني، وغيرها.
أما مصادره في نقد الحديث فأهمها:
«العلل» لابن المديني، و «علل الحديث» لابن أبي حاتم، و «الكامل في الضعفاء» لابن عدي، و «الضعفاء الكبير» للعقيلي، و «العلل» للدارقطني، وغيرها.
* * *
стр. 91
المطلب الثالث
أهميته ومميزاته
كتاب «تاريخ بغداد» من الكتب المهمة في العلوم الإسلامية، فهو أوسع كتاب يحتوي على تاريخ علماء بغداد وأعلامها منذ بنائها وحتى منتصف القرن الخامس الهجري، وبغداد يومئذ سُرَّة الدنيا وعاصمة الدولة الإسلامية المترامية الأطراف، وهو أهم الكتب التي صنفها الخطيب وأضخمها، حتى قال ابن خِلِّكان: «لو لم يكن له سوى «التاريخ» لكفاه؛ فإنه يدل على اطلاع عظيم» (١).
وقد نال هذا «التاريخ» شهرة واسعة والخطيب ما زال حيًّا، وقد كان العلماء الكبار من معاصريه يتمنَّون أن يذكرهم الخطيب في «التاريخ»؛ لعلمهم بأهميته وعلو مكانته وعظيم قيمته، حتى إن أبا علي الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البنَّاء الفقيه الحنبلي الحافظ النحوي المقرئ المتوفى سنة (٤٧١ هـ) كان يتمنَّى أن يذكره الخطيب في «التاريخ»، فقد ذكر غير واحد من أهل العلم أنه لما صنف الخطيب البغدادي «تاريخه» قال ابن البناء: ذكرني الخطيب بالصدق أو بالكذب؟ قالوا: ما ذكرك أصلًا! قال: ليته ذكرني ولو في الكذَّابين (٢).
стр. 92
وتتجلَّى أهمية «تاريخ بغداد» وما تميز به في النقاط التالية:
١ - يُعَدُّ أول كتاب وأوسع كتاب وصل إلينا في تاريخ علماء بغداد، فصار مصدرًا لمن أتى بعده من المصنفين في علوم التاريخ والحديث والتراجم والجرح والتعديل، فلا تكاد تقرأ كتابًا في هذه العلوم إلا وجدته ناهلًا من «تاريخ بغداد».
٢ - يُعدُّ واحدًا من أعظم الموسوعات في الجرح والتعديل، فقد نقل الخطيب فيه آلاف الروايات في نقد الرواة، حتى جعله الحافظ المِزِّي واحدًا من أربعة كتب اعتمد عليها في تأليف كتابه العظيم «تهذيب الكمال» (١)، ولم يكن الخطيب ناقلًا لهذه الأقوال فحسب، بل كان يشرح كثيرًا من غامضها، ويرجِّح بين متعارضها، وينقد ما جانب الصواب منها (٢).
٣ - أودع الخطيب كتابه هذا أحكامه النقدية الخاصة على من عاصره من الرواة، فتناقلها المحدثون من بعده معتمدين عليها.
٤ - حوى الكتاب كثيرًا من الأحاديث التي يسوقها الخطيب بإسناده، بلغ عددها قرابة خمسة آلاف حديث، يتكلم عليها أحيانًا ويبيِّن عللها، وهي في الغالب من غرائب أحاديث المترجم له، وبعض هذه الأحاديث قد تفرَّد بها الخطيب.
٥ - تُعدُّ المقدمة التي كتبها الخطيب عن خطط بغداد أوسع ما كُتب في هذا الموضوع، لذلك فقد حَظِيت باعتناء كثير من الباحثين والدارسين،
стр. 93
فترجمها سالمون إلى الفرنسية وعلَّق عليها، كما ترجمها يعقوب لِسْنَر إلى
الإنجليزية مع تعليقات ضافية ودراسات ملحقة بها، واستفاد منها كثير من الباحثين في دراستهم عن بغداد، مثل دراسات الدكتور صالح أحمد العلي عن بغداد، لا سيما دراسته النفيسة «بغداد مدينة السلام» (١).
٦ - حوى الكتاب مادة لا بأس بها من التاريخ السياسي والإداري، لا سيما فيما عاصره الخطيب من الأحداث والوقائع.
٧ - تضمَّن الكتاب معلومات مهمة تتصل بالنواحي الاجتماعية والفكرية، من ذِكر الشرائح الاجتماعية، والأسعار، ومستوى المعيشة.
٨ - صوَّر الكتاب جوانب مهمة من تاريخ الحركة الفكرية، لا سيما طبقة رجال الدين من الفقهاء والمحدثين والصوفية ونحوهم، ونظرة المجتمع إليهم، وتأثيرهم فيه، ونوعية اهتماماتهم.
٩ - بيَّن الكتاب منزلة بغداد العلمية بين المدن الإسلامية، وطبيعة الصلات القائمة بينها وبين المدن الأخرى، وصلات العلماء بعضهم ببعض، وسهولة الانتقال في العالم الإسلامي على الرغم من اختلاف الحكَّام بين إقليم وآخر.
١٠ - حفظ لنا الكتاب كثيرًا من النصوص المنقولة من مصادر أغلبها مفقود، أما المصادر التي وصلت إلينا فإنَّ نُقول الخطيب تُعَدُّ من أوثق النصوص التي تخدم تحقيق هذه الكتب، وتؤكد صحة معلوماتها؛ نظرًا لاعتماده على النسخ الأصلية التي غالبًا ما كانت بخط مؤلفيها، أو
стр. 94
بخطوط من يوثق بنقلهم ممن روى تلك الكتب، سواء أكانوا من
تلامذة المؤلفين، أم ممن جاء بعدهم، وقد بيَّنت الدراسة القيَّمة التي قام بها الدكتور أكرم العمري لموارد «تاريخ بغداد» ضخامة الموارد التي استقى منها الخطيب مادته.
١١ - حفظ لنا الكتاب أسماء كثير من الكتب التي صنفها المترجَم لهم، وقد بلغت ٤٤٦ مصنفًا، أُلِّفت جميعها خلال القرون الثالث والرابع والخامس، في علوم القرآن والتفسير والحديث والفقه وأصوله والعقائد والفِرق والزهد والتصوف والمنطق والكلام والتاريخ وغيرها، وعند مقارنة هذه الكتب بما أورده ابن النديم في «الفهرست» تبين أن الخطيب ذكر ٢٩٨ كتابًا لم يذكرهم ابن النديم، مما يدل على الإضافة التي قدَّمها الخطيب من خلال ذكره لمصنفات المترجَم لهم.
١٢ - ومما يبيِّن أهمية «تاريخ بغداد» أنه قد اقتبس منه كثير ممن جاء بعده من أهل العلم المصنفين، أمثال: ابن ماكولا، وابن أبي يعلى، والسمعاني، وابن عساكر، وابن الجوزي، وياقوت الحموي، وابن نقطة، وابن خِلِّكان، والمِزِّي، والذهبي، وتاج الدين السبكي، وابن حجر، والسخاوي، والسيوطي، وغيرهم.
ولا شك أن اعتماد هؤلاء العلماء الأعلام في الأعصر المختلفة على هذا الكتاب وكثرة اقتباسهم منه دليل على ثقتهم به، واعترافهم بأهميته، وإذعانهم بإمامة مؤلِّفه (١).
стр. 95
المطلب الرابع
منهج عرض المادة العلمية في الكتاب
اتَّبع الخطيب في عرضه للمادة العلمية في تراجمه منهجًا واضحًا، فلم يكن ناقلًا للروايات والأقول فحسب، بل كان ناقدًا ماهرًا، ينبِّه على ما وقع فيها من خطأ أو تصحيف، ويشرح كثيرًا من غامضها ومُشكلها، ويرجِّح بين متعارضها أو يجمع بينها، وينقد ما جانب الصواب منها، وأوضِّح ذلك في النقاط التالية مع ضرب ما تيسَّر من الأمثلة على ذلك:
١ - التنبيه على ما وقع في أصوله ومسموعاته من خطأ أو تصحيف:
قال الخطيب: «أخبرنا البَرْقاني قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن حَسنويه الهَرَوي قال: أخبرنا الحسين بن إدريس الأنصاري قال: سئل محمد بن علي النيسابوري عن أبي موسى الزَّمِن، فقال: حجة.
كذا في أصل كتاب البَرْقاني، ويسبق إلى وهمي أنه محمد بن يحيى النيسابوري (١)، وقع فيه تصحيف.
وقد أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال: أخبرنا دعلج بن أحمد قال: سمعت الشيخ الصالح أبا سعد الهروي يحيى بن أبي نصر، قال: سألت محمد بن يحيى النيسابوري عن أبي موسى محمد بن المثنى، فقال: حجة» (٢).
стр. 96
وقال أيضًا: «أخبرنا الحسن بن محمد بن إسماعيل بن أشناس البزاز قال: حدثنا علي بن محمد بن لؤلؤ الوراق إملاء قال: حدثنا أحمد بن عيسى بن السُّكَين البَلَدي بواسط قال: سمعتُ أخي قال: حدثنا يزيد بن هارون بن عيسى قال: سمعت مَن يخبر عن أحمد بن حنبل قال: إن يكن أحد ممن يُعرف من الأبدال فإبراهيم بن هانئ.
كذا أخبرناه ابن أشناس، وفي إسناده وهم، وأحسب صوابه: «قال: سمعت أخي، يريد هارون بن عيسى» والله أعلم» (١).
٢ - شرح الأقوال الغامضة والمشكلة وتوجيهها:
قال الخطيب: «قال أبو داود: سمعتُ الحُلواني يقول: أول من أظهر كتابه رَوْح بن عُبادة (٢)، وأبو أسامة (٣).
قلتُ: يعني أنهما رَوَيا ما خولفا فيه، فأظهرا كتبهما حجةً لهما على مُخالفيهما؛ إذ روايتهما عن حفظهما موافقة لما في كتبهما» (٤).
стр. 97
وقال في ترجمة علي بن محمد بن سعيد الموصلي: «سألتُ أبا نعيم عنه، فقال: كذَّاب، كان محمد بن المظفَّر (١) يذكره، ويقول: المسكين لا يُحسن يكذب (٢).
قلتُ: هذا القول من ابن المظفَّر على سبيل الاستنكار لكذبه، والاستعظام له، لا على نفي الكذب عنه» (٣).
٣ - التنبيه على ما وقع في الأقوال من أوهام وأخطاء:
قال الخطيب: «قرأت بخط محمد بن مخلد: سنة ثمان وستين ومائتين فيها مات أحمد بن محمد بن السكن أبو بكر، ويُعرف بأبي خراسان، في شهر ربيع الأول.
قلت: كذا سمَّاه هاهنا: أحمد بن محمد، وسمَّاه في مواضع عدة: محمد بن أحمد بن السكن، وهو الصواب» (٤).
وذكر عن أبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس أنه قال: «محمد بن حاتم بن نُعيم بغدادي، قدم مصر وحدَّث بها».
стр. 98
ثم تعقَّبه بقوله: «وهذا القول عندي وهم؛ لأنه مروزي وليس ببغدادي، وروايته عن نعيم بن حماد، وسويد بن نصر المروزيَّين» (١).
٤ - نقد الروايات المنكرة والواهية:
ذكر الخطيب في ترجمة محمد بن يونس الكُدَيمي عن أحمد بن عبد الله الأصبهاني (٢) أنه قال: أتيتُ عبد الله بن أحمد بن حنبل، فقال: أين كنتَ؟ فقلتُ: في مجلس الكُدَيمي. فقال: لا تذهب إلى ذاك؛ فإنه كذَّاب. فلما كان في بعض الأيام مررتُ به، فإذا عبد الله يكتب عنه، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، ألستَ قلتَ: لا تكتب عن هذا؛ فإنه كذَّاب؟! قال: فأومأ بيده إلى فيه أن اسكت. فلما فرغ وقام من عنده، قلتُ: يا أبا عبد الرحمن، أليس قلتَ: لا تكتب عنه؟ قال: إنما أردتُ بهذا أن لا يجيء الصبيان، فيصيروا معنا في الإسناد واحدًا، إنما هو يُحيي الموتى، أسانيد قد مات صاحبها منذ سنين.
فنقد الخطيب هذه الحكاية المنكرة بقوله: «كان عبد الله بن أحمد أتقى لله من أن يُكذِّب من هو عنده صادق، ويحتج بما حكى عنه هذا الأصبهاني، وفي هذه الحكاية نظر من جهته، والله أعلم» (٣).
وروى الخطيب في ترجمة محمد بن الحسين بن حُميد بن الرَّبيع اللَّخْمي
стр. 99
الكوفي عن أحمد بن محمد بن سعيد (١) أنه قال: كنتُ عند الحَضْرمي فمرَّ عليه ابن للحسين بن حُميد الخزَّاز، فقال: هذا كذَّاب ابن كذَّاب.
فتعقَّبه الخطيب قائلًا: «في الجرح بما يحكيه أبو العباس بن سعيد نظر؛ حدثني علي بن محمد بن نصر قال: سمعتُ حمزة السَّهمي يقول (٢): سألتُ أبا بكر بن عبدان (٣) عن ابن عُقدة إذا حكى حكاية عن غيره من الشيوخ في الجرح؛ هل يُقبل قوله أم لا؟ قال: لا يُقبل.
وقد أخبرنا أحمد بن محمد بن غالب (٤) قال: أخبرنا أبو يعلى الطُّوسي (٥) قال: محمد بن الحسين بن حُميد بن الربيع كان ثقةً يفهم» (٦).
٥ - مناقشة اجتهادات العلماء السابقين وعدم تقليدهم:
روى الخطيب في ترجمة عبد الملك بن أبي سليمان العَرْزمي عن أمية بن
стр. 100
خالد أنه قال: قلتُ لشعبة: ما لك لا تحدِّث عن عبد الملك بن أبي سليمان (١)؟ قال: تركتُ حديثه.
قلتُ: تحدِّث عن محمد بن عبيد الله العَرْزمي (٢)، وتدع عبد الملك، وقد كان حسن الحديث؟! قال: من حُسنها فررتُ.
فتعقَّبه الخطيب قائلًا: «قد أساء شعبة في اختياره حيث حدَّث عن محمد بن عبيد الله العَرْزمي، وترك التحديث عن عبد الملك بن أبي سليمان؛ لأن محمد بن عبيد الله لم تختلف الأئمة من أهل الأثر في ذهاب حديثه، وسقوط روايته. وأما عبد الملك فثناؤهم عليه مستفيض، وحُسن ذِكرهم له مشهور». ثم ذكر توثيق أهل العلم لعبد الملك وثناءهم عليه (٣).
وذكر في ترجمة محمد بن عمران بن موسى أبي عبيد الله الكاتب المَرْزُباني أن شيخه الأزهري حدَّثه قائلًا: «كان أبو عبد الله بن الكاتب (٤) يذكر أبا عبيد الله المَرْزُباني ذِكرًا قبيحًا، ويقول: أشرفتُ منه على أمرٍ عرفتُ به أنَّه كذَّاب».
стр. 101
فتعقَّبه الخطيب قائلًا: «ليس حال أبي عبيد الله عندنا الكذب، وأكثر ما عِيب عليه المذهب، وروايته عن إجازات الشيوخ له من غير تبيين الإجازة، فالله أعلم، وقد ذكره محمد بن أبي الفوارس (١) فقال: كان يقول بالإجازات، وكان فيه اعتزال وتشيُّع» (٢).
стр. 102
المطلب الخامس
منهج سياق الأحاديث في الكتاب
كانت طريقة الخطيب في «تاريخه» أن يورد في كل ترجمة -في الغالب- حديثًا أو أكثر من طريق المترجَم له، وكانت هذه عادة كثير ممن يؤلِّف في تواريخ البلدان وتراجم الرواة، مثل: البخاري في «التاريخ الكبير»، وبحشل في «تاريخ واسط»، والعقيلي في «الضعفاء»، وابن عدي في «الكامل في الضعفاء»، وأبي الشيخ الأصبهاني في «طبقات المحدثين بأصبهان»، وأبي نعيم الأصبهاني في «أخبار أصبهان» وغيرهم.
وسأجمل في نقاط منهج الخطيب في إيراد أحاديث «تاريخه»، وصفات هذه الأحاديث، فمن ذلك:
١ - يورد الخطيب في الترجمة غالبًا حديثًا أو أكثر مما تفرد به صاحب الترجمة؛ وذلك لأن ما ينفرد به الراوي هو ما يتميز به من الحديث، ولذلك نجد الخطيب كثيرًا ما يقول في تعليقاته على الأحاديث التي يوردها: «غريب من حديث فلان»، أو «تفرد به فلان»، أو «لم أكتبه إلا عن فلان» ونحوها من العبارات (١).
وحيث إن الغالب على الغرائب والأفراد أنها أحاديث ضعيفة (٢)، كان ما
стр. 103
انفرد بإخراجه الخطيب هو من قبيل الضعيف، وقد ذكر السيوطي في مقدمة «الجامع الكبير» أن ما انفرد به الخطيب في «التاريخ» أو غيرِه، فهو ضعيف (١).
٢ - قد يورد الخطيب أحاديث للمترجَم له للدلالة على ضعفه وسوء ضبطه، فنجده يقول في مواضع من «تاريخه»: «أحاديث فلان مستنكرة تدل على وهاء حاله»، أو «أحاديثه تدل على سوء ضبطه»، أو «كان غير ثقة روى أحاديث باطلة»، أو «حدَّث عن فلان أحاديث منكرة»، أو «روى عن فلان حديثًا منكرًا»، أو نحوها من العبارات، ثم يسوق حديثًا أو أكثر للدلالة على ما ذهب إليه من حال المترجَم له (٢).
٣ - اعتاد الخطيب إذا ترجم لراوٍ ثقة أن يذكر ما أُنكر عليه من الحديث، ليُعرف ويميَّز، وكانت هذه عادة النقاد الأوائل، فقد ذكر الخطيب في ترجمة أبي معمر إسماعيل بن إبراهيم بن معمر الهُذَلي (٣) عن جعفر الطيالسي (٤) أنه قال: قال يحيى بن معين، وذكر أبا معمر: لا صلَّى الله عليه، ذهب إلى الرَّقَّة فحدَّث بخمسة آلاف حديث، أخطأ في ثلاثة آلاف.
ثم نقد هذه الحكاية قائلًا: «في هذا القول نظر، ويبعد صحته عند مَن اعتبر، ولو كان صحيحًا، لدوَّن أصحاب الحديث ما غلط أبو معمر فيه لعِظَمه
стр. 104
وفُحشه، ولم يغفلوا عنه، كما دوَّنوا ما أخطأ فيه شعبة بن الحجاج، ومعمر بن راشد، ومالك بن أنس، وغيرهم مع قلته في اتساع رواياتهم … » (١).
فكانت من عادة أصحاب الحديث تدوين ما أخطأ فيه الثقات، وهكذا فعل الخطيب، فقد ساق في ترجمة حفص بن غياث (٢) حديثين أُنكرا عليه (٣)، وذكر في ترجمة علي بن الحسن بن عَبدُويه الخزَّاز (٤) حديثًا أخطأ فيه (٥)، وروى في ترجمة الفضل بن يعقوب الرُّخامي (٦) حديثًا وهِم فيه (٧).
٤ - قد يكون الحديث الذي يورده الخطيب هو أصلًا للترجمة، ولولا هذا الحديث لم توجد الترجمة، وذلك أنه قد يجد حديثًا مرويًّا من طريق رجل موصوف بأنه بغدادي، فيصنع له ترجمة، يذكر فيها شيخه وتلميذه مستفيدًا ذلك من الحديث الذي يورده، ولا يذكر شيئًا آخر عن المترجم له أكثر مما هو مستفاد من الحديث المذكور.
стр. 105
فقد ترجم الخطيب لمحمد بن أحمد بن الوليد البغدادي فقال: «حدَّث عن محمد بن أبي السَّرِي العسقلاني، روى عنه أبو القاسم الطبراني».
ثم أورد له حديثًا واحدًا فقال: «أخبرنا محمد بن عبد الله بن شَهْرَيار الأصبهاني قال: أخبرنا سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني (١) قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الوليد البغدادي قال: حدثنا محمد بن أبي السَّرِي العسقلاني قال: حدثني الوليد بن مسلم قال: حدثني محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سَلَام، عن أبيه، عن جدِّه قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المِرْبد (٢)، فرأى عثمان بن عفان يقود ناقةً تحمل دقيقًا وسمنًا وعسلًا، فقال له رسول الله ﷺ : «أنِخ» فأناخ فدعا ببُرمة (٣) فجعل فيها من السمن والعسل والدقيق، ثم أمر فأوقد تحتها حتى نضج، ثم قال: «كلوا» فأكل منه رسول الله ﷺ ، ثم قال: «هذا شيء يدعوه أهلُ فارس الخَبِيص (٤)» (٥).
стр. 106
ثم ذكر أن الطبراني قال: «لا يُروى عن عبد الله بن سَلَام إلا بهذا الإسناد، تفرد به الوليد» (١).
فلم يذكر شيئًا في ترجمته أكثر مما استفاده من رواية هذا الحديث.
وترجم أيضًا لأبي العباس أحمد بن عبد الله بن أحمد القزاز المروزي، ولم يذكر في ترجمته شيئًا إلا أنه أورد له حديثًا واحدًا، فقال: «أخبرنا القاضي أبو العلاء محمد بن علي بن يعقوب، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن عبد الله بن أحمد بن المروزي القزاز قدم علينا بغداد للحج، قال: وجدت في كتاب أبي بشر أحمد بن محمد بن عمرو بن مصعب بن بشر المروزي، قال: حدثنا أحمد بن إسماعيل السكري … » فذكر الحديث ثم قال: «أبو بشر المروزي متروك الحديث» (٢).
٥ - ينقل الخطيب أحيانًا كلام النقاد على الأحاديث، فتارة يوافقهم، وتارة يعارضهم، وتارة يسكت.
وأحيانًا ينقد الأحاديث بنفسه ويبين ما فيها من تفرُّد أو اختلاف أو علل أو ضعف، وستأتي دراسة كثير من انتقاداته على طول الرسالة، والله الموفِّق.
* * *
стр. 107
الباب الأول
نقد الأحاديث بالطعن في رواتها
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: نقد الحديث بالطعن في الراوي بالجهالة.
الفصل الثاني: نقد الحديث بالطعن في عدالة الراوي.
الفصل الثالث: نقد الحديث بالطعن في ضبط الراوي.
стр. 108
الفصل الأول
نقد الحديث بالطعن في الراوي بالجهالة
وفيه مبحثان:
- المبحث الأول: ضابط الجهالة عند الخطيب البغدادي.
- المبحث الثاني: نقد الخطيب البغدادي للأحاديث بجهالة بعض رواتها.
стр. 109
المبحث الأول
ضابط الجهالة عند الخطيب البغدادي
عرَّف الخطيبُ المجهولَ عند أصحاب الحديث بقوله: «هو كل مَن لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومَن لم يُعرف حديثه إلا من جهة راوٍ واحد» (١).
وهذه العبارة تحتمل معنيَيْن:
المعنى الأول: أنه لا بد حتى يُطلَق على الراوي أنه مجهول أن يتحقق فيه أمران؛ الأول: عدم شهرته بطلب العلم، والثاني: ألَّا يروي عنه إلا راوٍ واحد. فلا بد حتى ترتفع الجهالة عن الراوي أن يكون مشهورًا بطلب العلم، وأن يروي عنه أكثر من واحد في نفس الوقت.
المعنى الثاني: أنه لكي يكون الراوي مجهولًا، لا بد أن يكون غير مشهور بطلب العلم، فإذا لم يكن مشهورًا، فلا بد ألَّا يروي عنه إلا راوٍ واحد. أما إذا اشتهر بطلب العلم - ولو لم يروِ عنه إلا واحد - فليس بمجهول.
ولعل المعنى الثاني هو المراد، وبه فسَّر السخاوي عبارة الخطيب فقال: «الشهرة بالعلم والثقة والأمانة كافية في رفع الجهالة، بل نقله الخطيب في «الكفاية» عن أصحاب الحديث؛ فإنه قال: المجهول عند أصحاب الحديث هو من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يُعرف حديثه إلا من جهة راوٍ واحد. يعني: حيث لم يشتهر» اهـ بتصرف يسير.
стр. 110
ثم أيَّد ذلك بما نقله عن ابن عبد البر أنه قال: «الذي أقوله أن من عُرف بالثقة والأمانة والعدالة لا يضره إذا لم يروِ عنه إلا واحد».
وعن أبي مسعود الدمشقي الحافظ أنه قال: «إنه برواية الواحد لا ترتفع عن الراوي اسم الجهالة، إلا أن يكون معروفًا في قبيلته، أو يروي عنه آخر» (١).
* وبعد أن عرَّف الخطيبُ المجهولَ عند أصحاب الحديث، مثَّل بعدد من الرواة لم يروِ عنهم إلا راوٍ واحد، مثل: عمرو ذي مُرٍّ (٢)، وجَبَّار الطائي (٣)، وعبد الله بن أَغَر الهَمْداني (٤)، والهيثم بن حَنَش (٥)، ومالك بن أَغَر (٦)، وسعيد بن ذي حُدَّان (٧)، وقيس بن كُرْكُم (٨)، وخَمْر بن مالك (٩)، وهؤلاء كلهم لم يروِ عنهم غير أبي إسحاق السَّبيعي.