← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

وفي المغرب (١): الصنجات بالتحريك جمع صنجة بالتسكين. وعن الفراء (٢): السين أفصح (٣). وأنكره القتبي (٤) أصلاً، ذكره في باب الصاد (٥). فقال (٦): ولو (٧) باع بالنقود موازنة، هكذا صح في متن الكتاب، أي باع الزعفران وأشباهه بالنقود، وفي حاشية الكتاب: ولو باع النقود جعل نسخة، يعني باع النقود بالعروض، ثم (٨) كتب شيخي ﵀ في حاشية كتابه في المبسوط كما ذكر في المتن، وفي الإيضاح كما أثبت في الحاشية (٩). [وقوله] (١٠): وقبضها، أي وقبض النقود، وهي الدراهم والدنانير صح التصرف فيها قبل الوزن، أي في النقود، فهذا يتبين عدم اتفاق (١١) الزعفران مع الدراهم والدنانير في الحكم أيضاً، وهو عدم جواز التصرف في الزعفران قبل الوزن، وجوازه في النقود قبل الوزن، يعني أنه إذا باع الزعفران بشرط الوزن بأن يقول: بعت هذا الزعفران على أنه منّ أو منّان، وقبل المشتري ذلك، ليس للمشتري أن يتصرف فيه بالبيع وغيره من غير إعادة الوزن، كما في سائر السلع.

стр. 2802

أما لو باع منًّا من الزعفران بالنقود المشار إليها، فقال المشتري: اشتريت هذا الزعفران بهذه النقود المشار إليها، بشرط أنها خمسة أو عشرة دنانير، فقيل (١) البائع منه ذلك، فللبائع أن يتصرف في تلك النقود بأن يشتري بها شيئاً أو يتصرف فيها بوجه آخر قبل إعادة الوزن في النقود، فعلم بهذا أنهما لم يتفقا حكمًا [أيضًا] (٢) كما لم يتفقا في صورة الوزن، على ما ذكرنا، وإذا (٣) اختلفا فيه صورة ومعنى وحكماً. هذا على طريق اللف والنشر (٤)، فإن نظير الصورة ما ذكر أولًا، وكذا باقيه على الترتيب؛ لأن نظير الصورة هو ما ذكره، فإن ذلك أي الزعفران يوزن بالأمناء، وهذا يوزن بالصنجات، وكانا (٥) مختلفين صورة. وأما معنى فإن ذلك يتعين وهذا لا، وأما حكمًا فإنه لا يجوز التصرف فيه قبل القبض، وفي هذا يجوز، فكانا مختلفين معنى وحكمًا، فتنزل الشبهة فيه إلى شبهة الشبهة، يعني أنه لو اتفقا البدلان في الوزن من كل وجه، وهما ليسا من أموال الربا فكان فيهما شبهة الربا في النسيئة، كما لو أسلم الحديد في القطن، ولما لم يتفق البدلان ههنا، وهو ما إذا أسلم النقود في الزعفران في الوزن من كل وجه، بل اختلفا صورة ومعنى وحكمًا كان اتفاق الوزن فيهما شبهة الشبهة وهي غير معتبرة في المنع عن الجواز، على ما ذكرنا من تقرير الإيضاح (٦). وذكر في الذخيرة (٧) أصلًا آخر في هذا وقال: وربا النساء يحرم بأحد وصفي علة الربا وهو الجنس أو الوزن أو الكيل في مثمنين أو ثمنين، حتى أنه إذا أسلم قفيز حنطة في قفيز شعير لا يجوز؛ لوجود المكيل في مثمنين، وكذا إذا أسلم الدراهم في الذهب لا يجوز؛ لوجود الوزن في ثمنين، وإذا أسلم الحديد في الزعفران لا يجوز؛ لوجود الوزن في مثمنين، وإذا أسلم الدراهم في الزعفران يجوز؛ لأنه لم يوجد الوزن في مثمنين أو ثمنين إنما وجد في ثمن ومثمن.

стр. 2803

فإن قلت: لما كان شرط عدم جواز السلم في الشيء إيجاد (١) البدلين في الوزن أو في الكيل ينبغي أن يجوز إسلام الحنطة أو الشعير في الدراهم أو الدنانير، حيث لم يجمعهما لا كيل ولا وزن، ومع ذلك لا يجوز ذلك سلمًا. قلنا (٢): إنما كان هكذا؛ لأن الدراهم لا يصلح مسلمًا فيها، وكذلك الدنانير؛ لأن المسلم فيه مبيع، والدراهم والدنانير متعينة للثمنية. وهل يجوز بيعًا، قيل: إن كان بلفظ البيع يجوز البيع بثمن مؤجل، وإن كان بلفظ السلم، فقد قيل: لا يجوز. وقال الطحاوي ﵀: وينبغي (٣) أن يجوز البيع بثمن مؤجل، كذا في الذخيرة (٤). فهو مكيل أبدًا. واتفقت الروايات عن أصحابنا: أن ما ثبت كيله بالنص، لا يجوز بيعه بجنسه وزنًا، وإن تماثلا وزنًا؛ كالحنطة وأشباهها؛ لأن الشرع ورد فيها بالجواز بشرط التماثل (في الكيل) (٥). وقال في فتاوى أهل سمرقند (٦): لو علم أنهما تماثلا كيلاً يجوز، كذا في الذخيرة (٧). لأن النص أقوى من العرف؛ لأن العرف يحتمل أن يكون على الباطل، وأما (٨) النص بعد ثبوته فلا يحتمل أن يكون على الباطل، ولأن العرف حجة على الذين تعارفوا به، وليس بحجة على من (٩) لم يتعارفوا به، وأما (١٠) النص فحجة على الكل. لأنها دلالة، أي لأن عادات الناس دلالة على جواز الحكم فيما وقعت عليه عادات الناس؛ لقوله ﵇: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن» (١١).

стр. 2804

لأن (١) النص على ذلك لكان (٢) العادة، أي لأن النص بالكيل (٣) في المكيل وبالوزن في الموزون في ذلك الوقت إنما كان لمكان العادة فيه، فكان المنظور إليه العادة أيضًا في ذلك الوقت، وقد تبدلت يجب (٤) أن يثبت الحكم على وفاق ذلك ....... (نقص كلام). لا يجوز عندهما أي عند أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله-، إلا أنّه يجوز الإسلام في الحنطة وزنًا أي على ما هو اختيار الطحاوي (٥). و [ذكر] (٦) في المبسوط (٧) في آخر الباب الأول من كتاب البيوع: ولا خير في أن يبتاع حنطة بحنطة مجازفة، وكذلك كل مكلل (٨) أو موزون؛ لأن المساواة في القدر شرط لجواز العقد. وإن (٩) تبايعا صبرة بصبرة مجازفة ثم كيلتا بعد ذلك (وكانتا متساويتين) (١٠) لم يجز العقد عندنا. وقال زفر: يجوز (١١)؛ لأن ما هو شرط الجواز وهو المماثلة، قد تبين أنّه كان موجودًا وإن لم يكن معلومًا للمتعاقدين. وحجتنا في ذلك: أن المعتبر لجواز العقد [بالمساوة] (١٢) العلم بالمساواة عند العقد؛ لأنه إذا لم يعلم ذلك كان الفضل معدومًا موهومًا، وما هو موهوم الوجود يجعل كالمتحقق فيما بنى (١٣) أمره على الاحتياط. ثم قال: وكذلك لو باع الحنطة بالحنطة وزنًا بوزن لا يجوز؛ لأن الحنطة مكيل (١٤)، وشرط الجواز فيها المماثلة في الكيل، وبالمساواة (١٥) في الوزن لا يعلم المماثلة في الكيل. وهذا بخلاف ما لو أسلم في الحنطة وزنًا فإنه يجوز على ما ذكره الطحاوي؛ لأن في المسلم فيه لا يعتبر المماثلة إنما يعتبر الإعلام على وجه لا يبقى بينهما منازعة في التسليم، وذلك يحصل بذكر الوزن كما يحصل بذكر الكيل، وذكر في التتمة (١٦): إذا أسلم مكايلة فيما ثبت وزنه نصاً أو موازنة فيما ثبت كيله نصاً، ذكر في المجرد (١٧) عن أصحابنا أنه لا يجوز، وروى الطحاوي عن أصحابنا أنه يجوز، فصار في هذا الفصل روايتان.

стр. 2805

فإن قلت: هذا الذي ذكر كله في الفرق (بين الوزني أو الكيلي) (١) نصًا، وبين كونه عادة في الجنسين المختلفين، وهل يختلف الحكم بين الوزني نصًا وبين الوزني عادة في متحدي الجنس كما في إنائين مصوغين من جنس واحد، أحدهما أكثر وزنًا من الآخر، وفي إنائين مصوعين (٢) من ذهب أحدهما أكثر وزنًا من الآخر، وكذلك في الفضة في البيع أم لا. قلت: نعم، ففي الأول: يجوز، وفي الثاني: لا [يجوز] (٣)، بيان ذلك فيما ذكره من المبسوط (٤) في الباب الأول من كتاب البيوع فقال: ولا بأس بأن يبيع إناء مصوعًا (٥) بإناء مصوع (٦) من نوعه يدًا بيد، وإن كان أكثر منه في الوزن (٧)، (إذا كان ذلك) (٨) الإناء لا يباع وزنًا؛ لأنه عددي متفاوت كالثياب، وهذا بخلاف أواني الذهب والفضة، فإنه يجري فيها ربا الفضل، وإن كانت لا تباع وزنًا في العادة؛ لأن صفة الوزن في الذهب والفضة منصوص عليها، فلا يتغير ذلك بالصنعة ولا يخرج من أن يكون موزونًا بالعادة، والعادة (٩) لا تعارض النص، وأما في الحديد والشبه وما أشبه ذلك، فصفة الوزن ثابتة بالعرف، فيخرج من أن يكون موزونًا بالصنعة بالعرف، ويتعارف الناس بيع المصنوع [نصف] (١٠) منه عددًا. الرطل (١١) بالكسر والفتح لغة: نصف منا، المنا مقصور الذي يوزن به، وهو أفصح من المن (١٢). وقال أبو عبيد (١٣) (١٤): الرطل وزنه مائة درهم وثمانية وعشرون درهمًا وزن سبعة (١٥).

стр. 2806

الأوقية (١) بالتشديد: أربعون درهمًا، وهي أفعولة من الوقاية؛ لأنها تقي صاحبها من الضر. وعند الأطباء: (الأوقية وزن) (٢) عشرة مثاقيل وخمسة أسباع درهم، وهو أستار وثلثا أستار (٣). وفي كتاب العين (٤): الوقية وزن من أوزان الدهن وهي سبعة مثاقيل، كذا في المغرب (٥). وذكر في الصحاح (٦): الأوقية في الحديث: أربعون درهمًا، وكذلك كان فيما مضى، فأما (٧) اليوم (فيما يتعارفه) (٨) الناس ويقدر عليه الأطباء فالأوقية عندهم: وزن عشرة دراهم وخمسة أسباع درهم، وهو أستار وثلثا أستار، والجمع (الأواقي في مثل) (٩) أثفية وأثافي، وإن شئت حققت (المثافي الجميع) (١٠)، والأواقي أيضًا جمع واقية، وكل ما ينسب إلى الرطل إلى آخره. قال الإمام الإسبيجاني (١١) (١٢) ﵀: وفائدة هذا أنه لو باع ما ينسب إلى الرطل بجنسه متفاضلًا في الكيل متساويًا في الوزن يجوز. وقال (١٣): بخلاف سائر المكاييل متصل بقوله: لأنها قدرت بطريق الوزن، حيث لم يقدر المكاييل بطريق الوزن، فكان الاعتبار في المكاييل للمكيل (١٤)، لذلك (١٥) حتى لو باع قفيز حنطة بقفيز حنطة (لا يدري) (١٦) قدر القفيز وزنًا فإنه يجوز.

стр. 2807

وذكر في المبسوط (١): وكل شيء وقع عليه كيل (٢) الرطل فهو موزون، ثم قال: يريد به الإدهان (٣) ونحوها؛ لأن الرطل إنما يعدل بالوزن، إلا أنه يشق عليهم وزن الدهن بالأمنا والصنجات في كل وقت؛ لأنه لا يستمسك إلا في وعاء، وفي وزن كل وعاء نوع خرج، فاتخذ الرطل لذلك تيسيرًا، فعرفنا أن كيل الرطل فهو موزون، فيجوز السلم فيه بذكر الوزن. (ماء وهاء هاء يوزن) (٤)، هاء بمعنى خذ، ومنه قوله تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩)﴾ [الحاقة: ١٩]، أي كل واحد من المتعاقدين يقول لصاحبه: هاء، فيتقابضان والقصر خطأ، كذا في المغرب (٥). وما سواه، أي وما سوى جنس الأثمان مما فيه الربا كالحنطة بالحنطة، خلافاً للشافعي ﵀ في بيع الطعام (٦)، ذكر لفظ الطعام مطلقًا؛ ليتناول كل مطعوم، سواء اختلف الجنس أو اتحد بأن باع كر حنطة بكر حنطة، أو كر حنطة بكر شعير أو تمر، فافترقا من غير قبض، فإنه يجوز العقد عندنا، وعند الشافعي: لا يجوز، كذا ذكره الإمام الزوزني (٧) ﵀ في تعليقاته. ولنا أنه مبيع متعين، فلا يشترط فيه القبض كالثوب. فإن قلت: لو قال الخصم: أجمعنا على اشتراط القبض في البدلين في بيع الصرف؛ استدلالًا بقوله ﵇: «يدًا بيد» (٨)، ثم أنتم تستدلون بهذا اللفظ بعينه على اشتراط التعيين في بيع الطعام بالطعام، واللفظ الواحد كيف يفيد حكمين مختلفين في محلين [مختلفين]، (فلما أجمعنا في معناه) (٩) في بيع الأثمان على أن المراد منه القبض، يجب أن يكون في حق الطعام كذلك، وإلا يلزم تعميم المشترك في موضع الإثبات، أو الجمع بين الحقيقة والجاز (١٠)، وكلاهما منتف، فينتفي إرادة التعيين منه لذلك ضرورة.

стр. 2808

قلت: (١) لم يختلف حكمه عندنا، بل المراد في كلتا الصورتين التعيين، إلا أن تعيين كل موضع يختلف بحسب حاله، ففي الدراهم والدنانير التعيين لا يكون إلا بالقبض؛ (لأنهما) (٢) لا يتعينان في العقود والفسوخ، فكان تعيينهما لم يكن إلا بالقبض، فكان القبض هناك من ضرورة وجوب التعيين، لا أن يكون القبض مرارًا (٣) هناك أيضًا، وأما الطعام فهو مما يتعين بالتعيين ثمنًا كان أو مثمنًا فلم يحتج لذلك إلى أن يتوقف تعيينه على (٤) وجود القبض فلم يلزم حينئذ بما قلنا تعميم المشترك، ولا الجمع بين الحقيقة والمجاز. فإن قلت: كونه مما يتعين بالتعيين لا يسقط اشتراط التقابض، ألا ترى أن من باع إناء فضة بإناء فضة أو بإناء ذهب بشرط (٥) التقابض، مع أن إناء الفضة أو [إناء] (٦) الذهب مما يتعين بالتعيين -على ما يجيء في كتاب الصرف إن شاء الله تعالى- فكان التعليل في إسقاط التقابض في بيع الطعام بالطعام بأنهما مما يتعين بالتعيين فلا يحتاج إلى القبض تعليلًا منقوضًا به. قلت: ليس بمنقوض، بل هو مستقيم غاية الاستقامة، وذلك لأن إناء فضة [بإناء فضة] (٧) أو إناء ذهب (أن الحق) (٨) بما يتعين بالتعيين بسبب الصنعة، لكن لم يسقط عنه شبهة عدم التعيين؛ لكونه ثمنًا خلقه (٩) فيشترط القبض؛ اعتبارًا للشبهة في الربا. بخلاف الطعام فإنه ما خلق للثمنية، فلا يكون [فيه] (١٠) شبهة عدم التعيين، فلما تعين بالتعيين من غير شبهة إغنانًا عن التقابض فيهما. وإلى ما ذكرنا أولًا أن وجوب القبض في بدل الصرف للتعيين أشار في المبسوط (١١)، وقال: وهذا بخلاف الصرف، فإن هناك لا يشترط القبض الذي هو حكم العقد، وإنما يشترط التعيين؛ لأن التعيين من شروط العقد؛ بدليل نهي النبي ﵇ (١٢) عن الكالئ بالكالي (١٣)، والنقود لا يتعين (١٤) في العقود، فكان اشتراط القبض للتعيين، وليس أحد البدلين والصرف أولى من الآخر، (بهذا فشرطنا) (١٥) القبض فيهما للتعيين، فكان المراد من قوله ﵇: «يدًا بيد» (١٦) التعيين؛ لأن التعيين إنما يكون بالإشارة باليد، كما أن القبض يكون باليد، فصلح ذكر اليد كناية (١٧) عنهما، أي عن القبض وعن التعيين، لكن لو كان مراده القبض لقال: يد (١٨) من يد، فلما قال: يدًا بيد عرفنا أنه بمنزلة قوله عينًا بعين.

стр. 2809

وتعاقب القبض هذا جواب عن قوله: ولأنه إذا لم يقبض في المجلس يتعاقب القبض، وتفسير الجواب: هو أن التجار لا يفصلون في المالية بين المقبوض في المجلس وغير المقبوض بعد أن يكون حالاً، وإذا لم يتمكن (فضل خال) (١) عن المقابلة كان العقد جائزًا كما في بيع العبيد. والدّواب بجنسه أو بغير جنسه. ويجوز بيع البيضة بالبيضتين، والثمرة بالثمرتين، والجوزة بالجوزتين، هذا إذا كان البدلان موجودين، ولو كان كلاهما أو أحدهما نسيئة لا يجوز؛ لأن الجنس بانفراده يحرم النساء، كذا ذكره الإمام التمرتاشي (٢). فإن قيل: الجوز والبيض جعلا (مثالًا في ضمان) (٣) المستهلكات، فينبغي أن لا يجوز بيع الواحد بالاثنين. قلنا: لا مماثلة بينهما حقيقة للتفاوت صغيرًا كان أو كبيرًا، (إلا أن الناس) (٤) اصطلحوا على إهدار التفاوت، فيعمل لذلك (٥) في حقهم، وهو ضمان العدوايات دون الربا الذي هو حق الشرع عليهم، كذا في الذخيرة (٦). ويجوز بيع الفلس بالفلسين بأعيانهما إلى آخره، وهو على أربعة أوجه: إن باع فلسًا بغير عينه بفلسين بغير أعيانهما لا يجوز؛ لأن الفلوس (٧) (الرابحة أمثال) (٨) متساوية قطعًا؛ لاصطلاح الناس على سقوط قيمة الجودة منها، فيكون أحد الفلسين فضلًا خاليًا عن العوض مشروطًا في العقد، وذلك هو [فالبائع] الربا بعينه. وإن باع فلسًا بعينه بفلسين بغير أعيانهما لم يجز أيضًا؛ لأنه لو جاز [فالبائع أمسك] (٩) الفلس العين (١٠)، وطالبه [بفلس] (١١) آخر، أو سّلم إليه الفلس المعين ثم قبضه (١٢) ذلك منه بعينه مع فلس آخر؛ لاستحقاقه فلسين في ذمته، فيكون الفلس الآخر خاليًا عن العوض.

стр. 2810

وكذلك لو باع فلسين بأعيانهما بفلس آخر بغير عينه؛ لأنه لو جاز لقبض المشتري الفلسين ثم دفع إليه أحدهما مكان ما استوجب في ذمته، فيبقى الآخر له بغير عوض. أما إذا باع فلسًا بعينه بفلسين بأعيانهما، فيجوز في قول أبي يوسف، وهو قول أبي حنيفة -رحمهما الله-، (ولا يجوز في قول محمد) (١) ﵀. وبهذا يتبين أن الفلس لا يتعين بالتعيين مادام رائجًا عند محمد ﵀، وعندهما يعين (٢) بالتعيين إذا قوبل بجنسه، حتى لو هلك أحدهما قبل القبض بطل العقد عندهما، فمحمد (٣) يقول: الفلوس الرائجة ثمن، والأثمان لا يتعين (٤) في العقود بالتعيين كالدراهم والدنانير. ألا ترى أنها لو قوبلت بخلاف جنسها لم يتعين، حتى لو اشترى بفلوس معينة شيئًا فهلكت قبل التسليم لا يبطل العقد، ولو استبدل بها جاز، فكذلك إذا قوبلت بجنسها؛ لأن ما يتعين بالتعيين فالجنس وغير الجنس فيه سواء؛ كالمكيلات والموزونات، ولا ما يتعين فالجنس وغير الجنس فيه سواء؛ كالذهب والفضة. وهما يقولان: (الفلوس وعددية) (٥) والعددي يتعين بالتعيين، ويجوز بيع الواحد منه بالاثنين، كما لو باع جوزة بجوزتين بأعيانهما، كذا في المبسوط (٦). ولهما أن الثمنية (تثبت في حقهما) (٧) باصطلاحهما، والدليل على أن معنى الثمنية في الفلوس بالاصطلاح أنها ثمن الخسيس من الأشياء دون النفيس، وأنها تروح في بعض الأوقات دون البعض بخلاف الذهب والفضة، وإذا بطلت الثمنية يتعين بالتعيين. فإن قيل (٨): إذا كسدت الفلوس باتفاق الكل لا يكون لنا (٩) باصطلاح المتعاقدين، فيجب أن لا يكون عروضًا أيضًا باصطلاح المتعاقدين؛ لأن اتفاق الكل على ثمنيتها سوى المتعاقدين [باقي] (١٠) بعد. قلنا: الأصل أن تكون الفلوس عروضًا، فاصطلاحهما على الثمنية بعد الكساد كان على خلاف الأصل، فلا يجوز أن يكون ثمنًا باصطلاحهما؛ لوقوع اصطلاحهما على خلاف الأصل، وأما إذا اصطلحا على كونها عروضًا كان اصطلاحهما على وفاق الأصل، وهو كونها عروضًا فيجوز، وإن كان اتفاق من سواهما على الثمنية. ولا يعود وزنيًا؛ لبقاء الاصطلاح على العدّ هذا جواب إشكال ذكره في المبسوط فقال:

стр. 2811

فإن قيل: تحت هذا الكلام فسادٌ عظيم، فإنه إذا خرج في حقهما عن أن يكون ثمنًا كان هذا بيع قطعة صفر بقطعتي صفر، وذلك لا يجوز، فلم يكن في إبطال وصف الثمنية تصحيح هذا العقد. قلنا: الاصطلاح في الفلوس كان على صفة الثمنية فيها والعدد (١)، وهما في هذه المبايعة أعرضا عن اعتبار صفة الثمنية فيها، وما أعرضا عن اعتبار صفة العدد (٢) فيها، وليس من ضرورة خروجها من أن يكون ثمنًا في حقهما خروجها من أن يكون عددية؛ كالجوز والبيض فهو عددي وليس بثمن، فهذا باتفاقهما يصير (٣) بهذه الصفة وحصل من هذا أنه لم يلزم من بطلان الثمنية بطلان العدد (٤)؛ لأنهما ليسا بمتلازمين بل هما يفترقان وجودًا وعدمًا. أما وجودًا ففي فصل الدراهم والدنانير، فإنهما ثمن وليسا بمعدود، وأما عدمًا ففي فصل الجوز والبيض والبطيخ، فإنها معدودة وليست بأثمان. الكالئ من كلأ الدين: تأخر، كلوا فهو كالئ، ومعنى الكالي بالكالي: النسيئة بالنسيئة (٥). ولا يجوز بيع الحنطة بالدقيق إلى آخره، أي لا يجوز متساويًا ولا متفاضلًا، لا بالكيل ولا بغيره؛ لعدم إمكان المماثلة بين الحنطة والدقيق، ولا يجوز البيع بينهما؛ لشبهة الفضل باعتبار شبهة المجانسة. فإن قيل: الحرمة في الربا حرمة مؤقتة إلى غاية وجود المساواة، فلو ثبت الحرمة بينهما على ذلك الطريق لكانت الحرمة مطلقة لا ينتهي (٦) أبدًا، وحينئذ كان على خلاف ما اقتضاه النص في الأصل وهو قوله ﵇: «لا تبيعوا البر بالبر إلا متساويًا» (٧)، وهذا فرع ذلك فيجب أن يكون على وفاق الأصل، وإلا يلزم أن يكون مثل ظهار الذمي (٨)، وذلك لا يجوز لهذا المعنى لما عرفت (٩). قلنا: الحرمة المتناهية في الربا هي حرمة حقيقة الفضل، فإن تلك الحرمة ينتهي (١٠) بالمساواة، وأما الحرمة الثانية (١١) بشبهة الفضل، فتلك الحرمة غير مؤقتة.

стр. 2812

ألا ترى أن حرمة النساء حرمة لشبهة الفضل لا ينتهي (١) إلى غاية، ولا ينتهي (٢) بالمسوّي بل يبقى (٣) إلى أن يبقى النساء، فكذلك ههنا يبقى (٤) حرمة بيع الحنطة بالدقيق؛ لعدم إمكان المساواة ما دام ذلك البيع باقيًا؛ لما أن هذه الحرمة حرمة شبهة الربا وهي لا تنتهي؛ لأن المجانسة باقية من وجه؛ لأن الدقيق بالطحن لم يوجد إلا تفريق الأجزاء، والمجتمع بالتفريق لا يصير شيئًا آخر، ولهذا بقي حرمة ربا الفضل بين الدقيق والحنطة. ومن وجه زائلة؛ لأن اختلاف المجانسة إنما يثبت باختلاف الاسم والصورة واختلاف المعاني كما بين الحنطة والشعير، وههنا إن نظرنا إلى الاسم فالاسم قد زال فإنه لا يسمى حنطة، ولهذا قالوا: من وكل رجلًا بأن يشتري له حنطة فاشترى له دقيقًا فإنه لا يجوز، والصورة متبدلة، والمعاني مختلفة، فإن ما ينبغي من الحنطة لا ينبغي من الدقيق من التبذير واتخاذه هريسة وسويقًا، والمجانسة زالت من وجه وبقيت من وجه، وربا الفضل بين الحنطة والحنطة كانت ثابتًا قبل الطحن، ثم وقع الشك في أنه زال بالطحن، فمن حيث أن المجانسة قائمة من وجه لا يزول، ومن حيث أن المجانسة قد زالت يزول، فلا تزول الحرمة بالشك، وإذا ثبت الربا بينهما لم يثبت المخلص بالتساوي كيلًا في هذه الحالة؛ لأن الشرع إنما اعتبر التساوي بالكيل مخلصًا عن الحرمة حال قيام المجانسة من كل وجه، فإنه قال: الحنطة بالحنطة مثل بمثل كيل بكيل، كذا في مبسوط شيخ الإسلام ﵀ (٥). الاكتناز اكندة شدن مغر وخوشه وايجه بدان ماند. يقال: اكتنز الشيء اكتنازاً أي اجتمع وامتلأ. وقولهم: إجزاء الروث (٦) (متخلخلة) (٧)، أي في خلالها فرح لرخاوتها وكونها مجوفة غير مكتنزة، كذا في المغرب (٨). و [يجوز] (٩) بيع الدقيق بالدقيق متساويًا كيلًا جائز. وانتصاب متساويًا وكيلًا على أنهما حالان متداخلتان (١٠)؛ لأن العامل في متساويًا (لفظ بيع) (١١)، والعامل في كيلًا لفظ متساويًا، كقوله (١٢) تعالى: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾ [النصر: ٢]، ففي قوله: يدخلون العامل قوله: ورأيت، وفي أفواجًا يدخلون على هذا الطريق.

стр. 2813

وإنما جاز البيع بينهما عند التساوي بالكيل؛ لأن المجانسة بينهما قائمة من كل وجه، والاتفاق في القدر ثابت، فبيان المجانسة ظاهر. وأما بيان الاتفاق في القدر: أن الدقيق كيلي، فإن الناس اعتادوا بيعه كيلًا، ولهذا جاز السلم فيه كيلًا، ويجوز بيعه في الذمة كيلًا، وكذا يجوز استقراضه كيلًا. وحكي عن الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل ﵀ (١) أن بيع الدقيق بالدقيق إذا تساويا كيلًا إنما يجوز إذا كانا مكبوسين، كذا في الذخيرة (٢). ولا يجوز بيع الدقيق بالمقلية، أي بالحنطة المقلية، وهي المشوية [يقال:] (٣) مقلية ومقلوة من قلى البر إذا شواه، يقلي والثانية (٤) من قلا يقلو. وما ذكر من الطعن على محمد ﵀ كان ينبغي أن يقول: حنطة مقلوة، وحنطة غير مقلوة لا مقلية جهل من الطاعن؛ لأنهما لغتان فصيحتان، إلى هذا أشار في المغرب (٥). وعندهما يجوز، أي كيف ما كان متساويًا أو (٦) متفاضلًا بعد أن يكون يدًا بيد؛ لأنهما جنسان مختلفان، فإن الاسم مختلف والمقصود مختلف؛ لأنه يقصد بالدقيق اتحاد الخبز والقصايد (٧) والأطرية منه، ولا يحصل شيء من ذلك بالسويق، وإنما يلت بالسمن أو العسل فيؤكل كذلك، أو يشرب بالماء، وكان التفاوت بينهما في المقصود أظهر من التفاوت في الهروي و (٨) المروي من الثبات (٩). وكذلك (لا يصير كل واحد منهما) (١٠) مثل صاحبه بحال، فالسويق (١١) لا يصير دقيقًا، والدقيق لا يصير سويقًا بحال، ثم اتحاد الأصل لا يمنع اختلاف الجنس باعتبار هذه المعاني.

стр. 2814

وعن أبي يوسف ﵀: أنه يجوز البيع متساويًا لا متفاضلًا؛ لأن الدقيق قد يصير سويقًا بأن يرش عليه الماء ثم يقلى فيصير سويقًا، ببغداد يتخذ السويق بهذه الصفة فيعتبر المساواة بينهما؛ لجواز العقد باعتبار المال. ولأبي حنيفة ﵀ طريقان: أحدهما: أن السويق أجزاء حنطة مقلية، والدقيق أجزاء حنطة غير مقلية، وبيع الحنطة المقلية بغير المقلية لا يجوز بحال، فكذلك بيع الدقيق مع السويق. والطريق الآخر: أن بيع الحنطة بالسويق لا يجوز بالاتفاق، وربا الفضل لا يثبت إلا باعتبار المجانسة، ولا مجانسة بين الحنطة والسويق صورة، فعرفنا أن المجانسة باعتبار ما في الضمن، والذي في ضمن الحنطة دقيق (١)، فيثبت (٢) المجانسة بين الدقيق والسويق بعد الطحن، كما يثبت (٣) المجانسة بين السويق والحنطة باعتبار ما في الضمن قبل الطحن، وليس (٤) فيه أكثر من أنّه فات بعض المقاصد بالسويق، وبه لا يختلف الجنس كالحنطة المقلية مع غير المقلية، والعلكة مع الرخوة، والتي أكلها السويق فإنها لا تصلح للزراعة، والهريسة والكشك منها، ولا يوجب ذلك اختلاف الجنس، فكذلك الدقيق مع السويق، إلى هذا أشار في المبسوط (٥). علكة أي جيدة. يقال: حنطة بعلكة (٦) [جيدة] (٧)، أي يتلزح كالعلك من جودتها وصلابتها، التلزح: التمدد من غير انقطاع. السوسة: العتة، وهي دودة تقع في الصوف والثياب والطعام، ومنه قوله: حنطة مسوسة بكسر الواو والمشددة، كذا في المغرب (٨). ثم ذكر بيع الحنطة المقلية مع غير المقلية وبيع الدقيق بالمقلية في أنه لا يجوز، ولم يذكر بيع المقلية بالمقلية فأما حكمه ذكر في الذخيرة (أنه لا يجوز) (٩) .. وقال: وأما بيع المقلية بالمقلية فيجوز إذا تساويا كيلًا؛ لأن المجانسة بينهما قائمة من كل وجه، فيكتفى لجواز البيع بالمماثلة الحالية. وذكر في المبسوط (١٠): أنه لا يجوز، والله أعلم بصحته. وقال محمد ﵀: إذا باعه بلحم من جنسه لا يجوز. وإنما قيّد بقوله: بلحم من جنسه، وهو أن يباع لحم الشاة بالشاة؛ لأنهما لو كانا مختلفين بأن باع لحم البقر بالشاة وما أشبه يجوز بالاتفاق من غير اعتبار بالقلة والكثرة، كما في بيع اللحمان المختلفة على ما يجيء.

стр. 2815

ثم قوله: إذا باعه بلحم من جنسه فيما إذا باع لحم الشاة بالشاة الحية [وزنًا] (١)، وفيه خلاف محمد ﵀. وأما إذا كانت الشاة مذبوحة مسلوخة جاز إذا تساويا وزنًا وإلا فلا بالاتفاق. وأراد بالمسلوخة المفصولة عن السقط، وإن كانت مذبوحة غير مسلوخة لا يجوز إلا على سبيل الاعتبار بأن يكون اللحم المفصول أكثر، وأراد بغير المسلوخة غير المفصولة عن السقط. ثم حاصل اختلافهما في المسألة المختلف فيها وهي بيع لحم الشاة بالشاة أن محمدًا جعلهما جنسًا واحدًا، والقياس معه؛ لوجود الجنسية بينهما باعتبار ما في الضمن، كما في العصير مع العنب، واللبن مع السمن وأمثالهما. وهما جعلاهما جنسين مختلفين، فيجوز من غير اعتبار [كما] (٢). وأما كونهما جنسين مختلفين عرفناه بالنص قال الله تعالى: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ (٣)، أي بعد نفخ الروح، فقد سماه خلقًا آخر بعد نفخ الروح فعلمنا (أن الحي جنس) (٤) آخر غير [جنس] (٥) الجماد، فلذلك جعلنا (٦) الشاة الحية مع اللحم جنسين [أيضًا] (٧) مختلفين نصًا، فيجوز بيع أحدهما بالآخر من غير اعتبار، كما إذا باع لحم البقر بالشاة، إلى هذا أشار في الذخيرة (٨). ولهما أنه باع الموزون بما ليس بموزون. وذكر في الذخيرة (٩): أنهما جعلاهما جنسين مختلفين كما ذكرنا (١٠). فإن قلت: فعلى كلا التقديرين أعني بيع الموزون بغير الموزون وبيع شيء بخلاف جنسه يقتضي أن يجوز بيع أحدهما بالآخر نسيئة. فقد ذكر في المبسوط (١١): أنه لا يجوز نسيئة إجماعًا فما وجهه. قلت: وجهه ما ذكر فيه، وقال: إن كانت النسيئة في الشاة الحية فهو سلم في الحيوان، وإن كان في البدل الآخر فهو سلم في اللحم، وكلاهما لا يجوز. ثم قال: ولو كانت الشاتان مذبوحتين قد سلختا اشتراهما بشاة مذبوحة لم تسلخ فهو جائز من غير ذكر خلاف، فوجهه أن المثل من لحم الشاة بمقابلة المثل من الشاتين، والباقي من لحم الشاتين كان بإزاء الجلد والسقط فيجوز ذلك، حتى إذا كانت الشاة ليس معها جلد كان ذلك فاسدًا؛ لأن العقد حينئذ اشتمل على اللحم فقط من الجانبين، واللحم موزون فإذا وجدت الجنسية والوزن حرم التفاضل.

стр. 2816

وسقط المتاع: رذالته، وأراد به ههنا ما هو الذي لا يطلق عليه اسم اللحم من الشاة من الجلد والكرش والأمعاء والطحال. أو من حيث زيادة اللحم بأن قوبل اللحم بالسقط أولًا. الحل: دهن السمسم غير مطيب. التجير: ثقل كل شيء يعصر. لا إذا، أي لا يجوز على ذلك التقدير أي على تقدير النقصان بالجفاف. ثم في قوله: انتقص (١) إذا جف إشارة إلى أنه يشترط لجواز العقد المماثلة في أعدل الأحوال، وهو ما بعد الجفوف، ولا يعرف ذلك المساواة (٢) بالكيل في [الحال واعتبار المثالة في] (٣) أعدل الأحوال صحيح، كما في بيع الحنطة بالدقيق، فإنه لا يجوز؛ لتفاوت بينهما بعد الطحن، ولأنه لو كان ثمرًا إلى آخره. فإن قيل (٤): فبالنظر إلى هذا (الترديد سعى) (٥) أن يجوز بيع الحنطة المقلية بغير المقلية؛ لأن المقلية لا يخلوا (٦) أما (٧) إن كانت حنطة أو لم يكن (٨)، فإن كانت حنطة فيجوز بيعها بالحنطة لقوله ﵇: «الحنطة بالحنطة» (٩)، وإن لم يكن (١٠) حنطة (يجوز أيضًا) (١١)؛ لقوله ﵇: «إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم» (١٢). قلنا: هذا جواب جدلي (١٣)؛ لأجل دفع الخصم. أما الجواب لأبي حنيفة ﵀ عن قوله: أو ينقص إذا جف، فإطلاق النبي ﵇ التمر على الرطب. وذكر في المبسوط (١٤): ودخل أبو حنيفة ﵀ بغداد فسئل عن هذه المسألة وكانوا شديدًا عليه؛ لمخالفته الخبر، فقال: الرطب لا يخلوا ما (١٥) أن يكون تمرًا أو لم يكن، فإن كان تمرًا جاز العقد عليه [بأول الحديث، وإن كان غير تمر فبآخره وهو قوله] (١٦) لقوله ﵇: «التمر بالتمر» (١٧)، وإن لم يكن تمرًا جاز لقوله ﵇: «إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف

стр. 2817

شئتم» (١)، فأورد عليه حديث سعد (٢)، فقال: هذا الحديث دار على زيد بن أبي عباس (٣)، وزيد بن أبي عباس ممن لا يقبل حديثه، واستحسن أهل الحديث منه هذا الطعن، حتى قال ابن المبارك (٤) ﵀: كيف يقال: أبو حنيفة ﵀ لا يعرف الحديث، وهو يقول: زيد بن أبي عباس ممن لا يقبل حديثه، وهذا الكلام حسن في المناظرة؛ لدفع شغب الخصم، ولكن الحجة لا تتم بهذا، الجواز أن يكون ههنا قسم ثالث كما في المقلية بغير المقلية، ولكن الحجة لأبي حنيفة ﵀ الاستدلال بقوله ﵇: «التمر بالتمر مثل بمثل» (٥)، وقد بينا أن اسم التمر اسم لثمرة خارجة من النخل من حين ينعقد صورتها إلى أن يدرك، وما يتردد عليها من الأوصاف باعتبار الأحوال لا يوجب تبدل اسم العين، كالآدمي يكون صبيًا ثم شابًا ثم كهلًا ثم شيخًا، وإذا ثبت أن الكل تمر يراعى وجود المماثلة حالة العقد على الصفة التي دخلت في العقد إلى آخره.

стр. 2818

فإن قيل: لو كان الرطب تمرًا ينبغي أن يحنث (١) فيما إذا حلف لا يأكل رطبًا فأكل تمرًا. قلنا: مبنى الأيمان على العرف، وفي العرف الرطب غير التمر. وأما الجواب عن بيع الحنطة بالدقيق: فإن بالطحن يفرق الأجزاء ولا يفوت (جزء شاغل للكيل) (٢)، فيتبين بالتفاوت بينهما بعد الطحن لم (٣) يكونا متساويين عند العقد. وكذلك المقلية بغير المقلية، فإن بالقلي لا يتفاوت (جزء شاغل للكيل) (٤)، وإنما ينعدم اللطافة التي كانت الحنطة بها مبنية، (ولما ظهر التفاوت بعد) (٥) القلي عرفنا أن هذا التفاوت كان موجودًا عند العقد. ثم صاحب الشرع أسقط اعتبار التفاوت في الجودة بقوله: ثم جيدها ورديئها سواء (٦)، واعتبر التفاوت بين النقد والنسيئة، حتى شرط اليد باليد، وصفة الجودة لا تكون حادثة بصنع العباد، والتفاوت بين النقد والنسيئة حادث بصنع العباد (٧) وهو اشتراط الأجل، فصار هذا أصلًا أن كل تفاوت يبتنى (٨) على صنع العباد، فلذلك مفسد للعقد، وفي المقلية بغير المقلية والحنطة بالدقيق التفاوت بهذه الصفة، وكل تفاوت يبتنى (٩) على ما هو ثابت بأصل الخلقة من غير صنع العباد فهو ساقط الاعتبار، والتفاوت بين الرطب والثمن بهذه الصفة، فلا يكون معتبرًا كالتفاوت بين الجيد والرديء. ثم تأويل الحديث الذي روياه وهو قوله ﵇ لماذا إن صح قيل: كان السائل وصيًا ليتيم، فلم ير رسول الله ﵇ في ذلك التصرف منفعة لليتيم باعتبار النقصان عند الحقوق، (١٠) فمنع الوصي منه على طريق الاشتقاق (١١) لا على طريق بيان فساد العقد. وقيل: لا يجوز بالاتفاق، والفرق لأبي حنيفة ﵀ بين بيع التمر بالرطب وبين بيع العنب بالزبيب على هذه الرواية هو أن النص ورد بإطلاق لفظ الثمن على الرطب في قوله: ﵇ «أو كل تمر خيبر هكذا»، (١٢) أو (١٣) لم يرد مثل هذا بإطلاق اسم الزبيب على العنب فافترقا، والرطب بالرطب يجوز متماثلًا كيلًا عندنا، أي خلافًا للشافعي ﵀ فإنه لا يجوّز ذلك، وكذلك الخلاف بيننا وبينه في بيع (الباقلي بالباقلي) (١٤)، كذا في المبسوط (١٥).

стр. 2819

وكذا بيع الحنطة الرطبة أو المبلولة بمثلها، أي الحنطة الرطبة بالحنطة الرطبة، والحنطة المبلولة بالحنطة المبلولة والحنطة الرطبة بالحنطة المبلولة [أو اليابسة] (١)، أي بيع الحنطة الرطبة أو المبلولة باليابسة، كذا في الذخيرة وفتاوى قاضي خان (٢). وقال محمد ﵀: لا يجوز [جميع] ذلك، قال شمس الأئمة الحلواني (٣): أن الرواية محفوظة عن محمد أن بيع الحنطة اليابسة بالمبلولة إنما لا يجوز إذا ابتلت الحنطة وانتفخت، أما إذا لم تنتفخ بعد ذلك لكن بلت من ساعته يجوز بيعها باليابسة إذا تساويا كيلًا، كذا في المحيط والذخيرة. أو التمر أو (٤) الزبيب المنقع بالمنقع منهما، أي من التمر والزبيب. وقال: (٥) المنقع بالفتح مخففًا لا غير من أنقع الزبيب في الخايبة (٦)، ونقعه: ألقاه فيها ليبتل ويخرج منه الحلاوة، واسم الشراب نقيع، كذا في المغرب (٧). وأما النقيع (٨) بالتشديد من التنقيع، لم يورد (٩) في الكتب المتداولة من اللغة، وكذا أبو يوسف ﵀ عملًا بإطلاق الحديث، وهو قوله ﵇: «التمر بالتمر مثل بمثل الحنطة (١٠) بالحنطة مثل بمثل» (١١)، إلا أنه ترك هذا الأصل في بيع الرطب بالتمر؛ لما (روينا) (١٢) وهو قوله ﵇: «لا إذن (١٣)» (١٤). ووجه الفرق لمحمد ﵀ إلى آخره، فمحمد يفرق بين هذه الفصول، وهي بيع الحنطة الرطبة أو المبلولة إلى آخرها، وبين بيع الرطب بالرطب، فيقول هناك: التفاوت يظهر بعد خروج البدلين عن الاسم الذي عقد به العقد، ولا يكون ذلك تفاوتًا في المعقود عليه، وفي هذه الفصول يظهر التفاوت بعد الجفوف (١٥)، مع بقاء البدلين على الاسم الذي عقد به العقد، وهو الحنطة والزبيب والتمر، فكان هذا تفاوتًا في المعقود عليه، ولهذا لا يجوز بيع الرطب بالتمر؛ لأن التفاوت يظهر مع بقاء أحد البدلين على الاسم الذي عقد به العقد، كذا في المبسوط (١٦).

стр. 2820

وحاصله أن عند محمد ظهور التفاوت مع بقاء [أحد البدلين على الاسم الذي عقد عليه] (١) (اسم كل المعقود عليه أو مع بقاء اسم البعض) (٢) المعقود عليه مفسد للعقد، وأما ظهور التفاوت بعد زوال اسم كل المعقود عليه لا يفسد العقد. ولو باع البسر (٣) بالتمر متفاضلًا لا يجوز، وإن كان البسر لم يحمر ولم يصفر، وذكر في الذخيرة (٤): أما بيع البسر بالتمر فلا ذكر له في الكتب، وذكر شمس الأئمة الحلواني: أنه يجوز بالإجماع إذا تساويا كيلًا يدًا بيد. الكفري بضم الكاف وفتح الفاء وتشديد الراء كم النخل؛ لأنه يستر ما في جوفه، كذا في المغرب (٥). وفارسيته غنجة آخر ما وهو أول ما ينسق (٦) عنه النخل. وفي المبسوط (٧): ولا بأس بأن يشتري الكفري بما شئت (٨) من التمر يدًا بيد؛ لأن الكفري ليس بتمر ولا يكال [أيضًا] (٩)، ولا خير فيه إذا كان الكفري نسيئة؛ لأنه مجهول فيه الصغير والكبير، وهو عددي متفاوت، فإن آحاده يتفاوت في المالية. فإن هذا الاسم، أي اسم التمر، له، أي للبسر (١٠) من أول ما ينعقد (١١) صورته لا قبله، فإن قبل انعقاد صورته اسمه الكفري (١٢) لا التمر كالإنسان، فاسم الإنسان له تعدى (١٣) تمام صورته وتمام خلقه ودخول الروح فيه، وقبله علقة ومضغة، وبعد (١٤) دخول الروح وإن كان يختلف اسمه من الجنين والطفل والصبي والشباب لا يخرج عن كونه إنسانًا، فكذا في التمر لا يخرج عن اسم التمر بعد انعقاد صورته، وإن كان يختلف اسمه بالبسر والحصرم (١٥) وغيرهما. وقال (١٦): والكفري عددي متفاوت يحتمل أن يكون هذا جواب إشكال يرد على قوله: لأنه ليس بتمر بأن (١٧) قيل: لما لم يكن تمرًا وجب أن يجوز إسلام الثمن (١٨) في الكفري، فقال في جوابه: الكفري عددي متفاوت.

стр. 2821

ولا يجوز بيع الزيتون بالزيت، أي بيع ثمرة الزيتون بالزيت، وذكر في المغرب (١): الزيتون من العضاه (٢)، ويقال كثمرة (٣) الزيتون أيضًا ولدهنه الزيت. ثم اعلم أن الأصل في جنس هذه المسائل أن المجانسة بين الشيئين قد يكون باعتبار العين (٤) تارة وباعتبار ما في العين (٥) أخرى، ففيما وجدت المجانسة عينًا لا يعتبر ما في الضمن حتى يجوز بيع قفيز حنطة علكة بقفيز حنطة أكلها السوس، ولا يعتبر ما في الضمن وفي (٦) الحنطة بالدقيق، يعتبر المجانسة بما (٧) الضمن حقيقة وإن كان شيئًا آخر حكما ثم لا مجانسة بين الزيتون والزيت صورة، وإنما يعتبر المجانسة بما في الضمن وهو الزيت الذي في الزيتون، وبيع أحدهما بالآخر على أربعة أوجه، إن علم أن ما في الزيتون من الزيت أكثر من المنفصل، فقد تحقق الفضل الخالي عن العوض، فلا يجوز البيع، وكذلك إن علم أنه مثله (٨)؛ لأن ثفل الزيتون يكون فضلًا خاليًا عن العوض، وإن كان لا يعلم (كيف هؤلاء) (٩) لا يجوز العقد عندنا، وقال زفر: يجوز؛ لأن الأصل في مقابلة مال متقوم بمال متقوم جواز (١٠) العقد، وإنما الفساد بوجود الفضل الخالي عن العوض، فما لم يعلم به لا يفسد البيع. وعندنا الفضل الذي هو متوهم الوجود كالمتحقق في باب الربا؛ لما روي أن النبي ﵇ (١١): نهى عن ببيع الربا والريبة (١٢) والريبة شبهة الربا. أو (١٣) قال ابن مسعود (١٤): ﵁ كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الحرام (١٥).

стр. 2822

وإن علم أن ما في الزيتون من الزيت أقل من المنفصل فالبيع جائز؛ لأن المثل تصير بإزاء المثل، والباقي من الزيت بإزاء الثفل (١)، فلا يظهر الفضل الخالي عن المقابلة بهذا الطريق. وكذلك دهن السمسم بالسمسم وأمثاله، ولا خير في شيء من ذلك نسيئة؛ لوجود الجنسية باعتبار ما في الضمن، كذا في المبسوط (٢). وذكر في فتاوى قاضي خان (٣): وإنما يشترط أن يكون الخالص أكثر إذا كان الثفل في البدل الآخر شيئًا له قيمة، أما إذا كان شيئًا لا قيمة له كما في الزبد بعد إخراج السمن منه فإن في هذا الوجه إذا كان السمن الخالص مثل ما فيه من السمن يجوز، [هو] مروي ذلك عن أبي حنيفة ﵀. وقال: (٤) فالتخير وبعض الدهن فضل منصرف (٥) إلى قوله: كان أكثر. (وقال: أو) (٦) التجبر وحده فضل ينصرف إلى قوله: أو مساويًا (٧) له. فإن قيل: ينبغي (أن لا يجوز) (٨) بيع دهن السمسم بالسمسم بأي وجه كان؛ لأن الدهن وزني والسمسم كيلي. قلنا: المقصود من السمسم ما في السمسم وهو دهنه، فكان فيه حينئذ بيع الجنس بالجنس. فإن قيل: لما كان ما في السمسم مقصودًا ويخبره (٩) أيضًا مقصود حتى (يجعل بمقابلته) (١٠) شيء من الدهن، ينبغي أن يجوز بيع السمسم بالسمسم متفاضلًا صرفًا لكل واحد من الدهن والثجير إلى خلاف الجنس، كما في مسألة الإكرار وهي بيع كر حنطة وكر متعير (١١) بثلاثة إكرار حنطة وكر شعير. قلنا: ذلك الصرف إلى خلاف الجنس إنما يصح في المنفصل خلقة كما في مسألة الإكرار؛ لأنه لما كان منفصلًا [حقا] (١٢) خلقة [كما في مسألة الإكرار] (١٣) أمكن اعتباره منفصلًا في حق الصرف إلى خلاف الجنس أيضًا، ولأن السمسم إذا (١٤) كان زايدًا في أحد الجانبين كان (ما في ضمن السمسم الزايد من الدهن أيضًا زايدًا) (١٥) على الدهن الذي هو في ضمن السمسم الأقل بمقابلته، والدهن وزني فكان فيه بيع الدهن بالدهن متفاضلًا في الوزن.

стр. 2823

وذكر في الإيضاح (١): وأما الأدهان فالحل والزيت جنسان؛ لاختلاف أصليهما. قال: وإن كان أصلهما واحدًا واختلف المضاف إليه كالبنفسج مع (٢) الخيري؛ لأن المقاصد بينهما يختلف (٣)، فسقط حكم اتحاد الأصل. الشيرج: الدهن الأبيض، ويقال للعصير أو النبيذ قبل أن يتغير: شيرج أيضًا، وهو تعريب شيره، كذا في المغرب (٤). واختلفوا في القطن بغزله. وذكر في الإيضاح والذخيرة (٥): ولا يجوز بيع غزل القطن بالقطن متساويًا؛ لأن القطن ينقص (٦) بالغزل، وهو (٧) نظير الحنطة مع الدقيق. فذكر (٨) في فتاوى قاضي خان (٩) في موضع: ولا يجوز بيع الغزل بالقطن إلا متساويًا؛ لأن أصلهما واحد وكلاهما موزون، وإن خرجا من الوزن أو خرج أحدهما من الوزن فلا بأس به إن بيع واحدًا باثنين. وبيع الغزل بالثوب جايز على كل حال، وعن محمد ﵀: أن بيع القطن بالثوب لا يجوز متفاضلًا، وعنه: أنه لا يجوز مطلقًا، ثم ذكر بعد هذا: ولا بأس ببيع المحلوج (١٠) بالقطن، والغزل بالقطن إذا كان يعلم أن الخالص أكثر مما في الآخر، وإن كان لا يدري لا يجوز. ويجوز بيع اللحمان المختلفة بعضها ببعض متفاضلًا، وقال الشافعي ﵀: لا يجوز؛ لأن المقصود من اللحم شيء واحد وهو التعدي (١١) والتقوي، واختلاف المقاصد بعد ذلك يرجع إلى الوصف. ونحن نقول بأن اللحوم فروع أصول مختلفة، واختلاف الأصل يوجب اختلاف الفرع ضرورة كالأدهان، وما ذكر من الاتحاد في التغدي (١٢) فذلك اعتبار المعنى العام؛ كالطعم في الطعومات (١٣)، والتفكه في الفواكه، والمعتبر الاتحاد في المعنى الخاص، كذا في الإيضاح. فأما البقر والجواميس جنس واحد، يعني لا يجوز بيع لحم أحدهما بالآخر متفاضلًا. فإن قلت: يشكل (١٤) على حرمة بيع اللحوم في الجنس الواحد بعضها ببعض متفاضلًا (بيع لحم) الطير بعضه ببعض متفاضلًا، فإنه يجوز وإن كان من جنس واحد.

стр. 2824

قلت: ذاك باعتبار أنه لا يوزن في العادة، كذا في الإيضاح. وإذا لم يوزن لا يكال أيضًا، وهو ظاهر فلما لم [يكن] له مقدر شرعي (ألحق بغير المكيل والموزون) (١)، وهناك يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلًا وإن كان من جنس واحد كالثياب فكذا ههنا. ولنا أن الأصول مختلفة حتى لا يكمل نصاب أحدهما بالآخر في الزكاة (٢). وأما قوله: لاتحاد المقصود، قلنا: لم يتحد المقصود أيضًا، فإن (مقصودين الثمن) (٣) يحصل بلبن البقر دون لبن الإبل، ولكن مع اختلاف الجنس، فالألبان واللحوم موزونة كلها، فلذلك لا يجوز بيع البعض بالبعض نسيئة، ويجوز متفاضلًا يدًا بيد؛ لانعدام أحد الوصفين، كذا في المبسوط (٤). فكذا إجزاؤها، أي إجزاء الأصول أيضًا مختلفة بحسب اختلاف الأصول، وأما في حق الجنس الواحد فمتحد، حتى جاز في الألبان التي هي مختلفة الأصول كألبان البقر مع ألبان الشاة يجوز بيع بعضها بالبعض متفاضلًا، ولا يجوز في الألبان التي اتحد أصلها كألبان الشاة بيع (بعضها بالبعض) (٥) متفاضلًا. إذا لم يتبدل بالصنعة، يعني إذا تبدل بالصنعة حينئذ لا يعتبر (اتحاد الفصل (٦)، بل يصير (٧) جنسين بسبب تبدلهما (٨) بالصنعة، وإن كان أصلهما واحدًا كالزندنيجي (٩) مع الوذاري (١٠)، والهروي مع المروي.

стр. 2825

وذكر شيخ الإسلام خواهر زاده (١): فإذا تبدلت صارا نوعين فيجوز البيع كيف ما كان، كبيع الحنطة أو الدقيق بالخبز. الدقل نوع من أردأ التمر، وإنما خص خل (الدقل) (٢) وإن وصل كان حكم خل سائر التمور كذلك؛ لأنهم يجعلون الخل من الدقل، فكان هو إخراج الكلام مخرج العادة، ثم لما كان هذان الخلان جنسين جاز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا، لكن لا يجوز بيع أحدهما بالآخر نسيئة؛ لأنه جمعهما قدر واحد وهو (الوزن والكيل) (٣)، كذا في المبسوط (٤). وشعر المعز وصوف الغنم جنسان. فإن قيل (٥): يجب أن يكونا جنسًا واحدًا؛ لأن المعز والغنم جنس واحد حتى اعتبر اتحادهما في حق الألبان وفي حق تكميل النصاب. قلنا: نعم كذلك، إلا أن المقاصد فيهما قد اختلفت، فإن الحبال الصلبة والمسوج (٦) إنما يتخذ من شعر المعز دون صوف (٧) الضأن، واللبود (٨) واللفافة (٩) إنما يتخذ من صوف الضأن دون شعر المعز، فصارا بسبب اختلاف المقاصد جنسين مختلفين. وحصل من هذا كله أن ما يوجب اختلاف الجنس في الشيء أنواع ثلاثة: أحدها: اختلاف الأصول؛ كألبان البقر والغنم وكذا لحومهما. والثاني: التبدل بالصنعة مع اتحاد الأصل؛ كالوذاري والزندنيجي، والخبز مع الدقيق. وذكر في المبسوط (١٠): وكذلك الزيت المطبوخ مع غير المطبوخ، والدهن المربى بالبنفسج مع غير المربى، يجوز بيع بطل (١١) من المطبوخ والمربى برطلين من غير المطبوخ وغير المربى؛ لأن تلك الرايجة بمنزلة زيادة في عينها.

стр. 2826

وذكر في الذخيرة (١): لو باع قمقمة (٢) من حديد أو صفر (و) (٣) نحاس بقمقمتين من جنسها يجوز يدًا بيد؛ لأن الناس تركوا وزنها مع الإمكان، وترك الوزن مع الإمكان فيما ثبت (٤) وزنه باصطلاحهما إعراض عن الاصطلاح على الوزن، وخروجها عن الاصطلاح [على الوزن] (٥) لم يكن إلا باعتبار (٦) الصنعة، فعلم أن للصنعة في تغيير الأجناس تأثيرًا. والثالث: اختلاف المقصود وإن لم يتبدل الأصل والصنعة؛ كشعر العنز (٧) [العنز: الماعز، وهي الأنثى في المعز] وصوف الضأن، فإن أصلهما جنس واحد، ولم يمس (٨) الصنعة فيهما بعد، ومع ذلك صار (٩) جنسين مختلفين بسبب اختلاف المقصود، وكالعبد مع الأمة على ما مر. فإن قيل: شعر العنز (١٠) وصوف الضأن بالنظر إلى الأصل هما جنس واحد؛ لأن اسم الغنم يتناول الكل كما في الزكاة، وبالنظر إلى المقصود هما جنسان فينبغي أن لا يجوز بيع الواحد بالاثنين؛ ترجيحًا لجانب الحرمة عند تعارض دليلي الحل والحرمة. قلنا: إنما يصار إلى الترجيح عند التعارض، ولا تعارض بين الصورة والمعنى؛ لأن المعنى وهو المقصود راجح (١١). فإن قيل: لو جعلتهما جنسين بالنظر إلى المقصود يجب أن يجعل ألبان البقر والغنم جنسًا واحدًا بالنظر إلى المقصود، فإن المقصود منهما جميعًا واحد. قلنا: لا نسلم اتحاد المقصود، فإن لبن البقر قد يضر الإنسان في بعض الأحوال، ولبن الغنم لا يضر (١٢) في تلك الحالة التي يضره لبن البقر. لأن الخبز صار عدديًا، أي عند محمد ﵀. أو موزونًا، أي عند أبي يوسف ﵀. لا خير فيه، أي لا يجوز على وجه المبالغة؛ لأنه نكره (١٣) في موضع النفي فعم نفي (جمع الخيرية) (١٤). والفتوى على الأول، وهو أن بيع الخبز (١٥) بالحنطة أو الدقيق جايز، وكذا السلم في الخبز جايز في الصحيح؛ احترازًا عما روي عن أبي حنيفة ﵀ أنه لا يجوز، ذكره في المبسوط (١٦)، وقال: وأما السلم في الخبز فلا يجوز عند أبي حنيفة ﵀، ولا يحفظ عنهما خلاف ذلك.

стр. 2827

ومن أصحابنا من يقول: يجوز عندهما على قياس السلم في اللحم. ومنهم من يقول: لا يجوز؛ لما علل به في النوادر (١) عن أبي حنيفة ﵀ (٢) - أنه قال: لأنه لا يوقف على حده، معناه أنه يتفاوت بالعجن والنضج عند الخبز، ويكون منه الثقيل والخفيف. ثم بهذه العلة أفسد أبو حنيفة ﵀ الاستقراض فيه؛ لأن السلم (أو بيع) (٣) بابًا من القرض، حتى يجوز السلم في الثياب، ولا يجوز الاستقراض، فإذا لم يجز السلم في الخبز لهذا المعنى فلأن لا يجوز الاستقراض أولى. وأبو يوسف ﵀ يقول: الخبز موزون عادة، والاستقراض فإذا لم يجز السلم في الخبز لهذا المعنى، فلأن آلى في الموزونات وزنًا يجوز. وذكر في الذخيرة (٤) محالًا إلى شيخ الإسلام جواهر زاده ﵀: لا (٥) يجوز السلم في الخبز عند أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله- لا وزنًا ولا عددًا، وعلى قول أبي يوسف: يجوز وزنًا. واختار المشايخ [للنسوي] قول أبي يوسف إذا أتى بشرايطه (٦)؛ لحاجة الناس، لكن يجب أن يحتاط وقت القبض حتى يقبض من الجنس الذي (سمى) (٧) حتى لا يصير استبدالًا بالمسلم فيه قبل القبض. (وقال) (٨): والتقدم والتأخر، يعني في أول التنور أو في آخره. وهذا إذا كان مأذونًا ولم يكن عليه دين. فإن قلت: قد ذكرت في باب المرابحة أن المبايعة بين المولى وعبده المأذون [له، ولم يكن عليه دين، فإن قلت: قد ذكر في باب المرابحة أن المبايعة بين المولى وعبده المأذون له] (٩)؛ لأنه إنما تصح إذا كان على العبد دين يحيط برقبته وإلا لا يجوز. فكيف أجاز المبايعة بينهما ههنا بدون الدين، قلت: ههنا أيضًا لم يدل شيء على أنه [لا] (١٠) يجوز، بل دل الدليل على أنه لا يجوز، وهو قوله: لأن العبد وما في يده ملك المولى (١١)، فلا يتحقق الربا، أي فلا يتحقق البيع، فلذلك لا يتحقق الربا؛ لما أن بيع الإنسان في ملكه بملكه باطل، وعدم تحقق الربا دليل على عدم صحة البيع؛ لأن البيع إذا وجد بحقيقته في دار الإسلام فوجد الربا بشرايطه (١٢) يكون ربًا لا محالة.

стр. 2828

لهما الاعتبار بالمستأمن (١)، أي يتحقق الربا بين المسلم والمستأمن في دارنا، فكذا في دارهم، والجامع تحقق الفضل الخالي عن العوض المستحق بعقد البيع، والجواب ما ذكره في الكتاب، والله أعلم (٢). [باب الحقوق] (٣) كان من حق (٤) مسائل هذا الباب أن يذكر في الفصل المفصل بأول كتاب البيوع، إلا أن (٥) التزم المصنف ﵀ ترتيب الجامع الصغير المرتب فيما هو من مسائله، وهناك هكذا وقع فكذا هنا، ولأن الحقوق توابع فيليق ذكرها بعد ذكر مسائل المتبوع (٦). بكل حق هو له، أي الحق الذي للمنزل من الطريق الذي فيه حق الخروج والدخول. وقال: (٧) فيه، أي في المنزل مما ينتفع به نحو الميزاب (٨) (٩). وقال (١٠): بكل حق هو له أو بمرافقه، أو بكل قليل وكثير، أي قال ذلك اللفظ الأول وهو قوله: بكل حق هو له، ولم يقل غيره، أو قال الثاني ولم يقل غيره، أو قال الثالث ولم يقل غيره. فههنا أسام ثلاثة: الدار. والبيت. والمنزل. فالجواب في الكل هو أن العلو يدخل في ذكر الدار من غير نص باسمه الخاص ومن غير ذكر الحقوق، وفي البيت لا يدخل إلا بذكر اسمه الخاص. وفي المنزل يدخل بذكر الحقوق. وذكر في الفوائد الظهيرية محالًا إلى شفعة مبسوط شمس الأئمة السرخسي ﵀ (١١): أن البيت اسم لمسقف واحد له دهليز (١٢)، والمنزل اسم لما يشتمل على بيوت وصحن مسقف ومطبخ، يسكنه الرجل بعياله، والدار اسم لما يشتمل على بيوت ومنازل وصحن غير مسقف، فكان المنزل فوق البيت دون الدار.

стр. 2829

قال (١) أبو زيد عبيد الله بن أبي بكر بن الحسن (٢) المعروف أبوه بخواهر زاده -رحمهما الله-: وإنما كان الجواب هكذا؛ لأن العلو بمنزلة البناء من وجه، وبمنزلة البيت من وجه، من حيث أن قوام (٣) العلو بالسفل كان بمنزلة البناء، ومن حيث أنه يبنى لينتفع بنفسه لا ليصير السفل به منتفعًا به فهو كبيت آخر. بخلاف البناء فإنه لا يبنى لينتفع بنفسه، وإنما يثنى (٤) ليصير داخل البناء منتفعًا به بالبناء، وإذا كان كذلك يوفر على الشبهين حظهما في المسائل الثلاث، فيجعل للعلو منزلة بين المنزلتين فيها، فيقال: متى ذكر الحقوق دخل، وإن لم ينص على العلو كالبناء يدخل من غير التنصيص عليه، ومتى لم يذكر الحقوق لا يدخل كبيت آخر، والشيء لا يكون تبعًا لمثله. فإن قيل: يشكل على هذا المستعير فإن له أن يعير فيما لا يختلف باختلاف المستعمل، والمكاتب فإن له أن يكاتب. قلنا: المراد من عدم التبعية ههنا في اللفظ الواحد بأن يكون اللفظ موضوعًا لشيء، فعند ذكر الشيء أن يدخل هو ومثله فإنه لا يصح، بل ما كان تبعًا لذلك الشيء يدخل تبعًا للمذكور الذي وضع له اللفظ مقصودًا، وأما في الإعارة والمكاتب لم يتبع للفظه (٥) ما هو مثله أيضًا، ولكن لما أعار لرجل فقد ملكه المنافع، وولاية الإعارة للمستعير إنما نشأت من يملكه المنافع كالمالك، إلا أنه لم يملك فيما يختلف باختلاف المستعمل. بخلاف المالك؛ لأن المستعار أمانة في يده، وفيما يختلف باختلاف المستعمل احتمال وقوع التغير فيه بسبب استعمال المستعير الثاني، فمنع منه حذار وقوع التغير به. وكذلك المكاتب لما اختص لمكاسبه (٦) كان هو أحق بتصرف ما يوصله إلى مقصوده. وفي كتابة عبده تسبب (٧) إلى ما يوصله إلى مقصوده، عسى عند ذكر التوابع وهو قوله: بكل حق أو أمثاله. الكنيف: المستراح. وذكر في الجامع الصغير لقاضي خان (٨): الظلة هي الساباط، [والساباط: سقيفة بين حائطين (٩) بينهما طريق، والجمع: سوابيط وساباطات، في جواهر زاده] الذي يكون أحد طرفيه على الدار المبيعة والطرف الآخر على دار أخرى، (أو) (١٠) على الأسطوانات في السكة ومفتحة [مفتحها] في الدار.

стр. 2830

وذكر في المغرب (١): وقول الفقهاء ظلة الدار يريدون السدة التي فوق الباب، إلا بذكر ما ذكرنا وهو قوله: بكل حق قبوله. فيدخل بذكر التوابع وهو وقوله: بكل حق. بخلاف الإجارة، أي حيث يدخل الطريق فيها بدون قوله: بكل حق في استئجار الدار و المسيل (٢) والشرب في استئجار الأرض، وإن لم يذكر الحقوق والمرافق؛ لأن الإجارة تمليك المنفعة (٣)، ولهذا لا يصح فيما لا ينتفع به في الحال [كالأرض] (٤) كالسبخة (٥)، والمهر الصغير ونحو ذلك، والانتفاع بالدار بدون الطريق لا يكون فمست الضرورة إلى إدخالها في الإجارة. أما البيع فتمليك العين لا تمليك المنفعة، ولهذا يجوز بيع ما لا ينتفع به في الحال كالأرض السبخة ونحوها، فلما جاز البيع بدونها لا يدخل إلا بالذكر، كذا في الجامع الصغير لقاضي خان (٦). فإن قيل: ما ذكرتم يشكل بالقسمة فإن الدار إذا كانت بين رجلين، وفيها [صفة وفيها] ثبت (٧)، وباب البيت في الصفة، ومسيل ماء ظهر البيت على ظهر الصفة فاقتسما، فأصاب الصفة أحدهما وقطعة من الساحة، ولم يذكروا طريق (٨) ولا مسيل داء (٩)، وصاحب البيت لا يستطيع أن يفتح بابه فيما أصابه من الساحة، ولا يقدر أن يسيل (١٠) ماءه في ذلك، فالقسمة فاسدة، فعلى قياس ما ذكرتم ينبغي أن يدخل الطريق والمسيل، وإن لم يذكر (١١) الحقوق والمرافق؛ تحريًا لجواز القسمة، كما أنهما يدخلان في الإجارة؛ تحريًا لجواز الإجارة، وما (١٢) الفرق بينهما. قلنا: الفرق بينهما هو أن في باب الإجارة موضع الشرب [ليس] مما تناولته الإجارة، ولكن يتوصل به إلى الانتفاع بالمستأجر، والآجر إنما يستوجب الأجر إذا تمكن المستأجر من الانتفاع، ففي إدخال الشرب توفير المنفعة عليهما، وأما ههنا فموضع الطريق والمسيل داخل في القسمة؛ لأنهما كانا داخلين في الملك المشترك، فموجب القسمة اختصاص كل واحد منهما بما هو نصيبه، فلو أثبتنا لأحدهما حقًا في نصيب الآخر يضر به الآخر، ولا يجوز الإضرار به بدون رضاه، وإنما دليل الرضا اشتراط الحقوق والمرافق، فلهذا لم يدخل الطريق والمسيل بدون ذكر الحقوق.

стр. 2831

فإن قيل: ما الفرق بين هذا وبين البيع. فإن في البيع إذا ذكر الحقوق يدخل الطريق والمسيل، وإن أمكنه أن يفتح الباب فيما ابتاع، ولسيل ماءه فيه، وفي القسمة إذا أمكنه أن يفتح بابه فيما أصابه من الساحة ويسيل ماءه فيه فإنه لا يدخل المسيل والطريق وإن ذكر الحقوق والمرافق. قلنا: الفرق بينهما هو أن المقصود بالبيع إيجاب الملك، وقصد المشتري التمكن من الانتفاع، وذلك إنما يتم بالطريق والمسيل، إلا أن ذلك خارج من المحدود، فلا يدخل في البيع بمطلق تسمية البيت إلا بذكر الحقوق، وأما المقصود بالقسمة فيميز أحد الملكين من الآخر، واختصاص كل واحد منهما بالانتفاع بنصيبه على وجه (لا شركة للآخر) (١) فيه، وإنما يتم هذا المقصود إذا لم يدخل الطريق والمسيل؛ ليتميز نصيب أحدهما عن (٢) نصيب الآخر من كل وجه، فلهذا لم يدخلا مع ذكر الحقوق والمرافق، كذا في الفوائد الظهيرية (٣)، والله أعلم. [باب الاستحقاق] (٤) مناسبة البابين كل واحد منهما بالآخر ظاهرة من حيث اللف والمعنى، وإن أقر بها لرجل لم يتبعها ولدها ولا أرشها، ثم القضاء باستحقاق المبيع على المشتري لا يوجب انفساخ العقد الذي جرى بينه وبين البائع، ولكن يوجب وقفه على إجارة المستحق، ثم في هذه المسألة إنما لم يتبعها ولدها إذا لم يدع المقر له الولد، أما إذا ادّعى الولد كان له؛ لأن الظاهر [يشهد] (٥) له، وإن لم يدعه لم يحكم له، كذا ذكره الإمام التمرتاشي (٦). فيظهر بها ملكه من الأصل، فيكون الولد متفرعًا عن جارية مملوكة فيكون له، ولهذا [لا] (٧) يرجع الباعة بعضهم على بعض. أما الإقرار فحجة قاصرة؛ لانعدام الولاية على الغير، فيثبت الملك مقصوراً على الحال، ولهذا لا يرجع الباعة بعضهم على بعض، وهو أقر بالجارية فلم يجعل إقراراً بالولد، وهذا لأن الإقرار لما كان حجة [قاصرة] (٨) يثبت الملك به مقصوراً على الحال بعض، وهو أقر والولد منفصل عنها في الحال لم يتعد حكم الملك إليه. وأما حجة البينة إنما (٩) يثبت الملك للمستحق من الأصل.

стр. 2832

وذلك ملك سابق على الانفصال عنها، وذلك لأن الإقرار ينشئه المقر باختياره، وهو يتمكن من إنشاء سبب الملك فيها في الحال غير متمكن من ذلك فيما مضى، فإنما يثبت الملك بإقراره مقصورًا على الحال لهذا. وأما عند قيام البينة الشهود لا يتمكنون من إنشاء ملك للمستحق فيه في الحال، ولا القاضي يتمكن من ذلك، فلابد من أن يجعل ذلك إظهار الملك كان له من (١) الأصل، كذا في الجامع الصغير للإمام شمس (٢) الأئمة السرخسي وقاضي خان [وغيرهما] (٣) -رحمهما الله (٤) -. وقيل: يشترط القضاء بالولد، وهو الأصح؛ لأن محمدًا ﵀ قال: إذا قضى القاضي بالأصل ولم يعرف الزوايد لم يدخل الزوايد تحت الحكم؛ لأنه منفصل وقت القضاء، كذا ذكره الإمام التمرتاشي (٥). ومن اشترى عبدًا، أي على ظن أنه عبد، ولفظ الإمام التمرتاشي ﵀: شخص قال لرجل: اشتر لي فإني عبد فلان، فاشتراه فإذا هو حر ببينة أقامها، فإذا هو حر بسكون الألف؛ لأنها إذا المفاجأة، وقد قال العبد للمشتري: اشتر فإني عبد، إنما قيد بهذين القيدين؛ لأنه لو قال وقت البيع: إني عبد، ولم يأمره بالشرى، أو قال: اشترني، ولم يقل: إني عبد لا يرجع عليه بالثمن في قولهم، كذا ذكره الإمام التمرتاشي في الجامع الصغير محالاً إلى شيخ الإسلام ﵀. لم يرجع عليه على [كل] (٦) حال، أي لم يرجع المرتهن على هذا العبد المقر في حال من الأحوال، سواء كان البائع [الراهن] (٧) حاضرًا أو غائبًا، أي غيبة كانت لا ترجع (٨) فيهما، أي في البيع والرهن (٩)؛ لأن الرجوع بالمعاوضة أو بالكفالة، أي في هذا العقد لما أن أنواع الرجوع على الغير بالضمان كثيرة. وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ في الجامع الصغير (١٠): قول محمد مع قول أبي يوسف -رحمهما الله-، ولهما وهو ظاهر الرواية أن المشتري إنما أقدم على المشري (١١) معتمدًا على كلام العبد، فصار بمنزلة المغرور من جهته، والغرور في المعاوضات التي يقتضي (١٢) سلامة العوض يجعل سببًا للضمان؛ دفعًا للغرور بقدر الإمكان، فإذا ظهرت حرية العبد وأهلية الضمان وتعذر الاستيفاء من جهة البائع يؤاخذ هو بذلك، كالمولى إذا قال لأهل السوق: هذا عبدي، وقد أذنت له في التجارة فبايعوه، ولحقه ديون ثم ظهر أنه كان حرًا رجعوا عليه بديونهم؛ يحكم (١٣) الغرور كذلك ههنا، وهذا الغرور وقع في عقد هو معاوضة وهو البيع، وبه وقع الفرق بين هذا وبين الرهن؛ لأن الرهن ما شرع معاوضة، ولهذا قيل: حكم الرهن ملك اليد بجهة استيفاء الدين ليتوصل به إلى حقيقة الاستيفاء من مالية الرهن لا من عينه، ولهذا قال علماؤنا: أن الرهن برأس [مال] السلم أو بالمسلم فيه إذا هلك يقع به الاستيفاء، ولو كان معاوضة لكان استبدالاً برأس مال السلم أو بالمسلم (١٤) فيه وأنه حرام.

стр. 2833

وكذا هذا في الصرف، فلم يكن هذا غرورًا في عقد [هو] (١) معاوضة فلا ينهض سببًا للضمان. ولهذا قلنا: أن الرجل إذا سأل غيره عن أمن الطريق، فقال له: اسلك هذا الطريق فإنه (٢) آمن، فسلكه (٣) فإذا فيه لصوص سلبوا أمواله وانتهبوها لم يضمن المخبر شيئًا؛ لما أنه غرور فيما ليس بمعاوضة، وكذلك لو قال: كل هذا الطعام فإنه غير مسموم، فأكل ثم ظهر بخلافه، لا يضمن؛ لأنه تغرير في غير موضع المعاوضة، ويعزر لارتكابه المنكر، إلا أن يجعل ذلك الطعام في حلقه حينئذ جعل قاتلًا. أو نقول: الثمن يجب بالبيع، فجاز أن يكون الأمر به ضمانًا، والدين لا يجب بعقد الرهن، فلا يكون الأمر به ضمانًا؛ لأنه حينئذ لا يكون ساعيًا في إتلاف المال ولا في إتوائه، وإنما يرجع العبد على البائع إذا قدر عليه وإن لم يأمره البائع بالضمان؛ لأنه أدى دينه وهو مضطر إلى ذلك، فصار كمعير الرهن، كذا ذكره الأئمة في شروحهم الإمام (٤) المرغيناني [﵀] (٥)، وقاضي خان، والتمرتاشي ﵏. ثم في وضع المسألة ضرب إشكال على ما ذكر، وقول محمد ﵀ في الكتاب: فإذا العبد حر محتمل يحتمل حرية الأصل، ويحتمل (الحرية بعتاق) (٦) عارض، فإن أراد (٧) به حرية الأصل فلقبول بينة العبد وجهان: أحدهما: ما قاله عامة المشايخ (٨) أن الشهادة القائمة على حرية الأصل يقبل (٩) من غير دعوى العبد عندهم جميعًا؛ لأنها لا تخلوا عن حرمة الفرج؛ لأن الشهود في شهادتهم مفتقرون (١٠) إلى تعيين الأم، وفي ذلك تحريمها وتحريم أخواتها وبناتها؛ لأنه لو كان حر الأصل يكون فرج الأم حرامًا على مولاه، وحرمة الفرج حق الله تعالى، وفي حقوق الله تعالى (الدعوى ليست) (١١) بشرط كما في سائر عتق الأمة، فلا يكون التناقض فيه مانعًا؛ لأنه لم يوجد التناقض في الدعوى؛ لعدم اشتراط الدعوى حتى لو خلت عن تضمن تحريم الفرج، كولد المغرور وهو حر الأصل، ولا يتضمن حرمة فرج الأم تكون الدعوى فيه شرطًا، والتناقض فيه يكون مانعًا.

стр. 2834

والوجه الثاني: ما قاله بعض المشايخ: أن الدعوى وإن كانت شرطًا أيضًا في حرية (١) الأصل عند أبي حنيفة ﵀، لكنه تعذر في التناقض؛ لخفاء حال العلوق (٢)، وكل ما كان مبناه على الخفاء فالتناقض فيه عفو (٣). وإن أراد به العتق المبتدأ وهو العتق العارض فلقبول بينة العبد وجه واحد، وهو أن التناقض فيه عفو أيضًا؛ لأن المولى يستبد بالإعتاق فيعتق العبد، ولا علم له به فيكون التناقض منه عفوًا أيضًا، كما في المختلعة والمكاتب على ما يجيء. [و] (٤) إلى هذا أشار الإمام قاضي خان وغيره، كالمختلعة تقيم البينة على الطلقات الثلاث قبل الخلع، وإنما قيد بالثلاث؛ لأن فيما دون الثلاث يمكن أن يقيم الزوج البينة أنه (٥) قد تزوجها بعد الطلاق الذي أثبتته المرأة بينتها (قبل يوم) (٦) أو يومين، وأما في الثلاث فلا يمكن، (ثم) (٧) المرأة والمكاتب يستردان بدل الخلع والكتابة بعد إقامتهما البينة على ما ادعياه. ثم اعلم ههنا مسألة الجامع الكبير (٨) (٩) وهي الأصل في مسائل الاستحقاق، وهي رجل اشترى من آخر ثوبًا فقطعه قميصًا وخاطه ثم حاء (١٠) مستحق واستحق القميص، وقال: هذا القميص لي، وأثبته بالبينة، فالمشتري لا يرجع بالثمن على البائع؛ لأن الاستحقاق ما ورد على ملك البائع؛ لأنه لو كان ملكه من الأصل ينقطع بالقطع والخياطة، فإن من غصب من آخر ثوبًا فقطعه قميصًا وخاطه ينقطع حق المالك عنه إلى الضمان، فكان واردًا على حدوث ملك المشتري فلا يرجع بالثمن على البائع، والأصل في هذا هو أن الاستحقاق إذا ورد على ملك البائع، أعني به الملك من الأصل يرجع المشتري بالثمن على البائع، وإذا ورد الاستحقاق على حدوث ملك المشتري، أعني به مقصورًا على ملك المشتري لا يرجع بالثمن على البائع، كذا في الجامع الكبير (١١) يصدر (١٢) الدين الحميد.

стр. 2835

ومن ادعى حقًا إلى آخره، دلت المسألة على شيئين: أحدهما: أن الصلح عن المجهول على معلوم جايز (١). والثاني: دلت المسألة على أن صحة الدعوى ليست بشرط لصحة الصلح؛ لأن دعوى الحق في الدار ليست بصحيحة؛ لجهالة الدعوى، حتى لو أقام البينة عليه لا تقبل بينة، إلا إذا ادعى إقرار المدعى عليه بالحق، فحينئذ تصح الدعوى وتقبل البينة، كذا في الفوائد الظهيرية (٢)، والله أعلم. [فصل في بيع الفضولي] (٣) مناسبة هذا الفصل باب الاستحقاق ظاهرة؛ لأن بيع الفضولي من صور الاستحقاق؛ لأن المستحق إنما يستحق ويقول عند الدعوى: هذا ملكي، ومن باعك إنما باعك بغير إذني، فهو عين (٤) بيع الفضولي. [والفضولي] بضم الفاء لا غير، وذكر في المغرب (٥): بفضل (٦) الزيادة، وقد غلب على جمعه على ما لا خير فيه حتى قيل: فضول بلا فضل، وسن بلا سنًا، وطول بلا طول، وعرض بلا عرض، ثم قيل: لمن يشتغل بما لا يعينه فضولي؛ لأنه لما صار بالغلبة لهذا المعنى صار كالعلم له ولم يصر إلى واحدة في النسب، كما في أعرابي وأنصاري. وهو في اصطلاح الفقهاء: من ليس بوكيل، وفتح الفاء خطأ. الأصل في تصرف الفضولي عندنا أن يقول: أن العقود يتوقف (٧) على الإجازة إذا كان لها مخير حالة العقد، [وإن] (٨) لم يكن لها مخير حالة العقد (لا يتوقف، ويقع) (٩) باطلاً والشرى (١٠) لا يتوقف على الإجازة إذا وجد نفاذًا على العاقد، وإن لم يجد نفاذًا عليه فإنه يتوقف. وقال الشافعي ﵀: لا يتوقف العقود (١١)، بيان هذا الأصل هو أن الصبي المحجور عليه إذا باع ماله، أو اشترى شيئًا، أو تزوج امرأة، أو زوج أمته، أو كاتب عبده، أو عقد عقدًا يجوز عليه لو فعله وليه في حالة الصغر، فإذا فعله بنفسه في حالة الصغر يتوقف على إجازة وليه في حالة الصغر، فلو بلغ الصبي قبل أن يجيزه الولي فأجاز بنفسه جاز، ولا يجوز بنفس البلوغ من غير إجازة بعده. ولو أن الصبي طلق امرأته أو خلعها، أو أعتق عبده على مال أو بغير مال، أو وهب ماله أو تصدق به، أو زوج عبده امرأة، أو باع ماله بمحاباة فاحشة، أو اشترى شيئًا بأكثر من قيمته قدر ما لا يتغابن الناس في مثله، أو (١٢) غير ذلك من العقود مما لو فعله وليه في حال صغره لا يجوز عليه، فهذه العقود كلها باطلة لا يتوقف، وإن أجازها الصبي بعد البلوغ لم يجز؛ لأن هذه العقود لا مخبر لها وقت العقد فلا يتوقف على الإجازة إلا إذا كان لفظ إجازته بعد البلوغ مما يصلح لابتداء العقد، فحينئذ يصح على جهة (١٣) الابتداء على جهة (١٤) الإجارة، نحو أن يقول بعد البلوغ: أوقعت ذلك الطلاق أو العتاق فيقع؛ لأنه يصلح للابتداء، كذا في شرح الطحاوي (١٥).

стр. 2836

لأنها بالملك أو بإذن المالك، أي لأن الولاية الشرعية. ولا انعقاد إلا بالقدرة الشرعية والقدرة إما بالملك أو بالإذن. ولنا أن تصرف تمليك هذا من قبيل إضافة العام إلى الخاص كعلم الطب، أي تصرف هو تمليك، وإنما قيد بالتمليك احترازًا عن تصرف هو إسقاط؛ كالطلاق والعتاق، فإن الصبي إذا طلق امرأته، أو أعتق عبده على مال أو على غير مال، لا يتوقف على إجازة الولي ولا على إجازة نفسه بعد البلوغ. بخلاف ما إذا باع ماله، أو اشترى شيئًا، أو تزوج امرأة، أو زوج أمته، فإن هذه التصرفات منه يتوقف على (١) إجازة الولي، أو إجازة نفسه بعد البلوغ كما ذكرناه (٢). وقد صدر من أهله في محله. أما بيان الأهلية فإن التصرف كلام، والأهلية للكلام حقيقة بالتمييز، واعتباره شرعًا بالخطاب. وأما بيان المحلية فإن البيع تمليك مال بمال، فالمحل إنما يكون محلاً بكونه مالاً متقومًا (٣)، وبانعدام الملك للعاقد في المحل لا ينعدم المالية والتقوم. ألا ترى أنه لو باعه بإذن المالك يجوز، وما ليس بمحل لا يصير محلاً بالإذن، ولو باعه المالك بنفسه جاز، والمحلية (لا يختلف يكون) (٤) المتصرف مالكًا وغير مالك. فإن قيل: اعتبار التصرف شرعًا لحكمه لا لعينه، والمراد بالأسباب الشرعية أحكامها، واشتراط الملك في المحل لأجل الحكم، فالتمليك لا يتحقق إلا من المالك، فإذا لم يكن المتصرف مالكًا لغا تصرفه؛ لانعدام حكمه. قلنا: الجواب عن هذا السؤال طريقان: أحدهما: لا نسلم أن الحكم لا يثبت بهذا التصرف، بل يثبت حكم يليق بالسبب، فإنه يثبت بالسبب الموقوف ملك موقوف، كما يثبت بالسبب البات ملك بات، ولهذا لو أعتق المشتري ثم أجاز المالك البيع نفذ عتقه، وهذا لأنه لا ضرر على المالك في إثبات ملك موقوف لهذا السبب، كما لا ضرر عليه في انعقاد السبب، فأما الضرر ففي زوال ملكه، وبالملك الموقوف لا يزول ملكه الثابت. والثاني: أن السبب إنما يلغو إذا خلا عن الحكم شرعًا، فأما (٥) إذا تأخر عنه الحكم فلا؛ لأن الحكم تارةً يتصل بالسبب وتارةً يتأخر كما في البيع بشرط الخيار، والعلة لا تبطل بتأخر حكمها لمانع، فإن أصل البيع صحيح من المالك، والحكم متأخر على أصل الشافعي إلى أن يتفرقا؛ لأنه تأخر لمانع وهو الخيار، وكذلك الراهنان إذا تبايعا برهنا (٦) برهن بغير إذن المرتهن انعقد وتوقف الحكم لحق (٧) المرتهنين.

стр. 2837

وكذلك الطلاق (١) إلى شهر سبب للإيقاع صحيح، والحكم يتأخر (٢)، وكذلك شهر رمضان سبب لوجوب الصوم، والوجوب متأخر في حق المسافر والمريض، ولا يلزم طلاق الصبي الذي يعقل امرأته، فإنه لا ينعقد، وإن كان هو أهل الكلام حتى لو طلق امرأة غيره صح بأن وكله رجل بطلاق امرأته، والمحل موجود وهو المنكوحة. لأنا نقول أن الشرع ألحق الصبي بالذي لا عقل له فيما يضره من الأحكام؛ نظراً له حتى لا يلزمه حقوق الله تعالى، وإن تحققت الأسباب من إدراك وقت الصلاة، وتحققت الشروط من ملك الزاد والراحلة؛ لأن اللزوم ضرر في نفسه فالتحق شرعًا بالبهيمة، والطلاق احتراز (٣)؛ لأنه إبطال ما شرع مصلحة كالهبة، فلا يبقى أهلاً للكلام من ذلك الوجه، كما لم يبق أهلاً لوجوب حقوق الله تعالى، ولأن امرأة الصبي ليست بمحل لوقوع الطلاق عليها بالإيقاع [فلا تبقى] (٤). ألا ترى أنه لا يقع عليها بإذن الولي ولا بإيقاعه، وهذا لأنا عرفنا محلية الطلاق شرعًا، ولولا شرع الله الطلاق بعد النكاح لما كانت محلاً كالأمة. فأما مال الغير فمحل لحكم البيع حتى يثبت فيه حكم البيع عند إذن المالك أو مباشرته بنفسه، كذا في [الذخيرة و] (٥) الأسرار (٦) والمبسوط في باب الاستبراء (٧) من كتاب البيوع (٨). فإن قلت: لا شك أن تصرف المالك في ملكه بالبيع بعد ورود النهي عنه أنفذ من تصرف غير المالك في ملك الآخر بعد ورود النهي في حقه أيضاً؛ لما روي عن النبي ﵇ (٩) «نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان» (١٠).

стр. 2838

بيان هذا أن المشتري إذا باع المبيع قبل القبض ثم قبضه لا ينفذ البيع، وكذا لو أجازه البائع، وكذلك لو باع عبده الآبق ثم رجع من إباقه لم ينفذ ذلك البيع؛ لورود النهي في حقهما، فلما لم يتوقف تصرفهما فيهما إلى النفاذ مع أنهما مالكان لما تصرفا فيه بالبيع حتى أن الإعتاق فيهما (١) جائز فيهما، فلأن لا يتوقف إلى تنفيذ منفذ تصرف من هو منهي عنه وهو غير مالك لما تصرف فيه بالطريق الأولى. وكذلك لو باع مال الغير ثم اشترى من المالك أو ورثه يبطل بيعه ولا ينفذ، فإذا لم يجز أن ينفذ هذا العقد من جهة العاقد باعتبار ملكه وعقده فلأن لا ينفذ (٢) من جهة غيره بإجارته أولى. قلت: الكلام هو في الانعقاد بأن تصرف الفضولي هل ينعقد، أم لا ينعقد، أم يقع لغوًا، فعند الخصم يقع لغوًا، وعندنا يقع منعقدًا غير نافذ حكمه، فبيع الآبق والمبيع قبل القبض كذلك ينعقد ولا يقع لغوًا، ولكن يقع انعقاده فاسدًا؛ للنهي أو لانعدام شرط الصحة، وهو قدرة العاقد على (٣) تسليم المعقود عليه بيده، فكان ذلك طردًا (٤) حينئذ؛ لانقضاء ما قلنا، وفائدة تصرفهما في ملكهما في موضعين (٥) أثرت ثبوت (٦) الملك عند اتصال قبض المشتري، بخلاف بيع الفضولي فإن المشتري منه لا يملك ما اشتراه وإن اتصل قبضه به، ما لم يجز المالك بيعه فكانت صفة الأولية في تصرف المالك (٧) معمولة، بخلاف ما زعم الخصم. وأما ما ذكره أنه (٨) لو باع مال الغير ثم اشترى من المالك يبطل بيعه. قلنا: إنما كان كذلك؛ لأن حكم ذلك السبب لا يمكن إثباته باعتبار الملك الحادث، فحكم السبب ثبوت الملك للمشتري من وقت العقد، وإنما يتأتى ذلك باعتبار (٩) ملك من كان مالكًا وقت العقد، وقد زال ذلك الملك بإزالته، فلو نفذ باعتبار الملك الحادث نفذ مقصوده على الحال، وحكم السبب ليس هذا، وأما عند الإجارة فيثبت الملك للمشتري من وقت العقد، ولهذا يستحق بزوايده المتصلة والمنفصلة، وهذا هو تأويل النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان أن المراد به إذا باعه ثم اشتراه وأراد تسليمه بحكم ذلك العقد؛ بدليل قصة الحديث، فإن حكيم بن حزام (١٠) ﵁ قال: يا رسول الله، إن الرجل ليأتيني فيطلب مني سلعة ليست عندي فأبتاعها منه ثم أدخل السوق فاشتراها ** فأسلمها فقال ﵇: «لا تبع ما ليس عندك» (١١)، كذا في المبسوط (١٢).

стр. 2839

وله الإجارة، أي وللمالك الإجارة، إذا كان المعقود عليه باقياً والمتعاقدان بحالهما. ثم اعلم أن بقاء الفضولي إنما يشترط لصحة الإجارة في البيع لا في النكاح، ألا ترى أن رجلاً لو زوج ابنته الصغيرة من رجل غائب، ثم مات الأب، وبلغ الزوج النكاح فأجاز ذلك فهو جائز، وهذا نص أن موت الأب لا يبطل نكاح الصغيرة. وقال في متفرقات نكاح المحيط (١): رجل زوج (٢) ابنته الصغيرة من ابن كبير لرجل بغير إذنه، خاطب عنه أبوه ثم مات أبو الصغيرة قبل أن يخبر (٣) الابن النكاح يبطل النكاح، ولو كان مكان الصغيرة كبيرة زوجها بغير إذنه، والمسألة بحالهما (٤) لا يبطل النكاح بموت الأب. وهذا دليل على أن بقاء الفضولي في باب النكاح ليس بشرط لصحة الإجازة، وفي (٥) باب البيع شرط كذا في الفصول (٦) الاستروشنية (٧) (٨). هذا إذا كان الثمن دينًا، وأما إذا كان عرضاً متعينًا إنما يصح الإجارة إذا كان ذلك العرض باقياً، كذا في الإيضاح. وحاصل ذلك ما ذكره في شرح الطحاوي (٩) في بيع الفضولي فقال: فإن بيعه على وجهين، إما أن يبيعه بثمن عين أو بثمن دين، أما إذا باعه بثمن دين؛ كالدراهم والدنانير والفلوس والكيلي والوزني [في] (١٠) الموصوف لغير (١١) عينه، فإن البيع موقوف على إجازة المالك، وقيام الأربعة شرط للحوق الإجارة البائع والمشتري والمالك والمبيع، وقيام الثمن في يد البائع ليس بشرط، فإن أجاز المالك في حال قيام الأربعة جاز البيع، فيكون الإجارة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة، ويكون البائع كالوكيل للمجيز، والثمن للمجيز إن كان قائمًا، وإن هلك في يد البائع هلك أمانة، إلى أن قال: هذا إذا باعه بثمن دين، أما إذا باعه بثمن عرض مما يتعين للعقد إذا عين فههنا قيام الخمسة شرط للحوق الإجارة، فالأربعة (١٢) ما ذكرنا، والخامس: قيام ذلك العرض وهو الثمن شرط أيضاً، فإن أجاز المالك عند قيام الخمسة جاز البيع، ويكون الثمن للبائع دون المجيز، وله (١٣) أن يرجع على البائع بقيمته إن لم [يكن] (١٤) له مثل، وإن كان له مثل فله أن يرجع عليه بمثله، وإنما كان كذلك؛ لأن الثمن إذا كان عرضاً صار البائع مشترياً من وجه، والشرى لا يتوقف على الإجارة إذا وجد نفاذاً على العاقد (١٥)، وههنا وجد النفاذ على العاقد؛ لأن العاقد من أهله غير أنه صار ناقدًا (١٦) مال غيره بغير إذنه في عقد عقده لنفسه، فإذا أجاز (١٧) مالكه صار مجيزًا (١٨) للنقد (١٩) لا للعقد.

стр. 2840

ولا كذلك إذا كان الثمن دينًا؛ لأنه يكون بايعًا (١) من كل وجه، ولا يكون مشتريًا من وجه، فإذا أجازه (٢) صاحبه كان مجيزًا للعقد فكان بدله له. في يده، أي في زيد (٣) الفضولي؛ لأن الإجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة من حيث أن كل واحدة (٤) منهما يثبت الحكم، أو من حيث أن كل واحدة منهما دافعة للمانع. فإن قيل: لا نسلم أن الإجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة [السابقة] (٥)، ألا ترى أن الفضولي إذا باع ملك الغير، والمشتري من الفضولي [باع من غيره، ثم أجاز المالك بيع الفضولي لا ينفذ بيع المشتري من الفضولي]. قلنا: الملك الموقوف إذا طرأ عليه الملك البات أبطل الموقوف، وههنا ملك المشتري من الفضولي يكون باتًا بإجازة المالك فيبطل ملك الشخص الذي اشتراه من مشتري الفضولي، كما إذا تزوجت أمة الغير بدون إذن المالك، ثم مات المالك فأجاز وارثه النكاح، لا يجوز؛ لما قلنا أن الملك البات إذا طرأ على ملك موقوف أبطله على ما يجيء إن شاء الله تعالى. وللفضولي أن يفسخ قبل الإجارة، إلى أن قال: بخلاف الفضولي في النكاح، أي لا يجوز للفضولي أن يفسخه قبل إجازة الموقوف (له) (٦) أو فسخه. قلت: هذا إذا كان الفسخ بالقول، أما إذا كان الفسخ بالفعل فإن الفضولي يملكه، حتى لو قال الفضولي قبل الإجازة: نقضت ذلك النكاح، لا ينتقض، أما لو زوج رجلاً امرأة برضاها فقبل إجازة الزوج زوجة أختها كان بقضاء للنكاح الأول، كذا ذكره في الفضولي (٧) الاستروشنية (٨). وذكر بعد هذا التوقف (٩) في الفعل أيضاً، أما لو وكل الموقوف له النكاح هذا الفضولي يتزوج (١٠) امرأة بغير عينها فإنه يملك فسخ النكاح بالفعل، في جميع الروايات على ما يجيء. وأصل هذا ما ذكره في شرح الطحاوي: وهو أن الفضولي الذي باع ملك الغير بغير إذنه كان له أن يفسخ؛ لأن حقوق العقد يتصرف (١١) إليه، فله أن يتحرز عن التزام العهدة، وكذلك للمشتري أن يفسخه فيفسخ بفسخه. وأما في باب النكاح: لو أن فضولياً خاطب امرأة لرجل بغير (١٢) أمره، فزوجت المرأة نفسها من ذلك الرجل، فإن النكاح موقوف على إجازته، فإن فسخ هذا الفضولي النكاح قبل الإجازة ففسخه باطل؛ لأن حقوق العقد لا تنصرف إليه وهو فيه معبر فإذا عبّر فقد انتهى، فصار هو بمنزلة الأجنبي، ولو فسخت المرأة النكاح قبل الإجارة انفسخ.
следующие страницы →