← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

وذكر في المبسوط (١) يوضحه (٢): أن المؤجل أنقص في المالية من الحال، ولهذا حرّم الشرع النساء عند وجود أحد الوصفين للفضل الخالي عن المقابلة حكمًا، فإذا باعه وكتم ذلك، فالمشتري بالخيار إذا علم التدليس الموجود من البائع؛ لأن الأجل لا يقابله شيء من الثمن، أي حقيقة، وبه (٣) صرح الإمام قاضي خان ﵀ كيلا (٤) يلزم التناقض بما ذكر قبله بقوله. ألا ترى أنّه يزاد (٥) في الثمن لأجل الأجل، فكان التوفيق بينهما هو أن الأجل في نفسه ليس بمال، فلا يقابله شيء من الثمن إذا لم يشترط زيادة الثمن بمقابلته قصدًا، ويزاد (٦) إذا ذكر الأجل بمقابلة زيادة الثمن قصدًا، ولما كان كذلك ثم لما باع مرابحة ما اشتراه نسبة (٧) مطلقًا عن بيان النسيّة (٨) ثم علم المشتري أنّه كان اشتراه البائع من بائعه نسيّه (٩) بما ذكره من الثمن، وقد دلّس في بيع نفسه كان للمشتري الخيار في فسخ البيع إذا كان المبيع قائمًا، نظر (١٠) الجانب أجل يزاد بمقابلة الثمن قصدًا، وإذا هلك المبيع أو استهلكه المشتري لم يبق الخيار، بل يلزم (١١) البيع بما اشتراه من الثمن وهو ألف ومائة درهم نظر الجانب أجل لا يقابله شيء من الثمن حقيقة، يعني إذا لم يذكر زيادة الثمن بمقابلته عملًا بجانب (١٢) الأجل الثابتين له. و [قد] (١٣) ذكر في الفوائد الظهيرية: فإن استهلك (١٤) المشتري [لم يبق] (١٥) المبيع أو هلك عنده بطل الخيار؛ [لأن الخيار] بهلاك (١٦) المبيع يبطل اعتبارًا بعامة (١٧) الخيارات من خيار الشرط والرؤية، وذكر في المحيط: ثم في الأجل المشروط إذا باعه من غير بيان وعلم به المشتري فله الخيار، إن شاء رضي به وأمسكه، وإن شاء رده. ذكر المسألة في الأصل (١٨) والجامع الصغير، ويصير ذكر هذه المسألة رواية فيمن اشترى شيئًا وصار مغبونًا فيه غبنًا فاحشًا أن له أن يرده على البائع بحكم الغين (١٩).

стр. 2767

وإليه أشار محمد ﵀ في كتاب الصلح [في باب الصلح] (١) عن العيوب (٢). وكان القاضي الإمام أبو علي النسفي (٣) يحكي عن أستاذه أنّه كان يقول: في المسألة روايتان عن أصحابنا، وكان يفتي برواية الرد رفقًا بالناس. وكان القاضي الإمام صدر الإسلام أبو اليسر والقاضي الإمام ركن الإسلام أبو بكر الزرنجري (٤) والقاضي الإمام جمال الدين الديغدموني جدي ﵏ يفتون أن البائع إن كان قال للمشتري: قيمة متاعي كذا، أو (٥) قال: متاع (٦) يساوي كذا، فاشترى بناء على ذلك، ثم ظهر بخلافه أن له الرد بحكم التغرير، أما إذا لم يقل ذلك فليس له الرد، وغيرهم كانوا لا يفتون بالرد على كل حال، والصحيح أن يفتي بالرد إذا وجد التغرير، وبدونه لا يفتي بالرد (٧). فإن (٨) كان ولاه أباه (٩) ولم يبين، أي ففي هذه المسألة التي اشترى غلامًا نسيئة بألف درهم عقد مع آخر عقد التولية، أي باعه بألف بمثل ما اشترى من غير زيادة ولا نقصان مكان عقد المرابحة، ولم يبين أنه كان اشترى الغلام بألف نسيئة، ثم علم المشتري الذي اشتراه بطريق التولية أن البائع خان (١٠) يترك (١١) ذكر النسيئة كان للمشتري هذا الخيار؛ لأن الخيانة في التولية مثلها في المرابحة، أي في أنّه يجب الاحتراز عن حقيقة الخيانة وعن شبهتها في المرابحة (١٢).

стр. 2768

وكذلك (١) في التولية؛ لأن بناهما على الأمانة، لزمه بألف حالة؛ لما ذكرنا، وهو قوله: لأن الأجل لا يقابله شيء من الثمن، وقيل: يقوم بثمن حال إلى آخره. وهذا القول (٢) قول أبي جعفر (٣) ﵀ (٤)، أي يقوم المبيع بثمن حال وبثمن مؤجل حتى أنه لو كان يشتري في الأجل بدينار ودانق (٥)، وبدون الأجل يشتري بدينار ويرجع بفضل ما بينهما، وهو الدانق، كتأخير القبول إلى آخر المجلس بأن قال البائع في أول المجلس: بعت، وقال المشتري في آخر المجلس: اشتريته (٦) يصح وإن طال المجلس؛ لأن ساعات (٧) المجلس كساعة واحدة. ونظيره بيع الشيء برقمه بسكون القاف (٨)، وقد ذكرنا صورته فيما قبل، فإن التاجر (برقم الثبات) (٩) أي يعلمها بعلامة بأن ثمنها كذا، فيبيع بذلك الثمن الذي هو معلوم للبائع غير معلوم للمشتري، ثم لو علم المشتري قدر ذلك الثمن في ذلك المجلس، وإن كان بعد القبول يصح البيع، فيجعل كأنه علم وقت القبول؛ لاتحاد المجلس، والله أعلم (١٠) [بالصواب] (١١). فصل لما اختلف جنس المسائل المتفرقة التي قيدت كل واحدة منها (بوصف زايد) (١٢) على البيع الذي تجرد (١٣) عن تلك الأوصاف ألحق بتلك المسائل (١٤) المرابحة والتولية التي قيدت بوصف، وخرجت عن جنس البيع الذي تجرد عن أوصاف زائدة؛ لاتحادهما في الوصف الزائد، ولكن أتى بالفصل؛ لأن هذه (١٥) المسائل ليست من مسائل المرابحة والتولية.

стр. 2769

فقال (١): ومن اشترى شيئًا مما (ينقل ويحول) (٢) لم يجز له أن يبيعه حتى يقبضه. قيد بالبيع ولم يقل: أن (٣) يتصرف فيه بتصرف؛ ليقع المسألة على الاتفاق، فإن عند محمد ﵀ يجوز الهبة والصدقة قبل القبض، فكان عدم جواز البيع على الاتفاق. وعم في قوله مما ينقل ويحول، ولم يبال خلاف مالك (٤) فيما سوى الطعام، فإن عند مالك [فيما سوى الطعام فإن عند مالك] (٥) ما يجوز جميع التصرفات من البيع والهبة قبل القبض فيما سوى الطعام (٦). احتج مالك ﵀ بما روي عن النبي ﵇ (٧) أنه خص (٨) الطعام بالذكر (٩) عند النهي، فذلك دليل على أن الحكم فيما عداه بخلافه، وإلا فليس لهذا (١٠) التخصيص فائدة. وحجتنا ما روي عن النبي ﵇ (١١) «أنّه نهى عن بيع ما لم يقبض» (١٢). وكذلك في حديث عتّاب بن أسيد (١٣) ﵁، وكلمة ما للتعميم فيما لا يعقل (١٤).

стр. 2770

ثم تخصيص الشيء بالذكر عندنا (١) لا يدل على أن الحكم فيما عداه بخلافه، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢)، وذلك لا يدل على أنّه يجوز ذلك في غير أشهر الحرم، كيف وراوي هذا الحديث ابن عباس (٣) ﵄، وقال بعد روايته: وأحسب (٤) كل شيء مثله (٥). ثم قال محمد ﵀: كل تصرف لا يتم إلا بالقبض فذلك جائز في المبيع قبل القبض إذا سلّطه (٦) على قبضه فقبضه؛ لأن تمام هذا العقد لا يكون إلا بالقبض والمانع زائل (٧) عند ذلك. بخلاف البيع والإجارة فإنّه يلزم بنفسه، وقاس هذا بهبة الدين لغير (٨) من عليه الدين، فإنها يجوز إذا سلّطه (٩) على قبضه، بخلاف البيع. وأبو يوسف ﵀ يقول: البيع أسرع نفاذاً من الهبة؛ بدليل أن الشيوع فيما يحتمل القسمة يمنع تمام الهبة دون البيع، ثم البيع في المبيع قبل القبض لا يجوز؛ لأنه تمليك العين ما ملكه في حال قيام الغرر (١٠) في ملكه فالهبة أولى؛ لأن الهبة في استدعاء الملك القوي (١١) من البيع حتى يجوز البيع من المكاتب والمأذون (١٢) له دون الهبة، كذا في المبسوط (١٣).

стр. 2771

الغرر ما طوي عنك علمه وقد ذكرناه. غرر (١) انفساخ (٢) العقد، أي العقد الثاني. فإن قلت: غرر الانفساخ فيما بعد القبض متوهم أيضاً على تقدير ظهور الاستحقاق، مع أن عدم الهلاك ههنا أصل، كما أن عدم ظهور الاستحقاق هناك أصل، فاستويا (٣) من هذا الوجه في الغرر، فيجب أن يستويا في الحكم، وهو عدم جواز البيع. قلت: لو قلنا به يلزم اسنداد (٤) باب البيع أصلًا، وهو مفتوح، ولخلا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٥) عن فائدة إثبات الإحلال. ولأن قبض (٦) القبض ذلك متوهم، وهذا أيضًا متوهم، وإن اشتركا في أحد المعنيين الموجب لعدم الجواز فامتاز ما قبل القبض بما هو السالم له، وهو غرر انفساخ العقد على اعتبار الهلاك، فلذلك اختص بحكم يمتاز به عن حكم ما بعد القبض، وهو عدم جواز البيع قبل القبض. ولا غرر فيه؛ لأن الهلاك في العقار نادر. حتى قال بعض أصحابنا: جواب أبي حنيفة ﵀ (٧) - في موضع لا يخشى عليه أن يصير بحراً، أو يغلب عليه الرحال، فأما في موضع لا يؤمن (٨) عليه ذلك لا يجوز، كما في المنقول، كذا ذكره الإمام المحبوبي ﵀ (٩) (١٠). فإن قيل: العقار وإن كان لا يتوهم انفساخ العقد فيه بالهلاك يتوهم انفساخ العقد فيه بالرد بالعيب. قلنا: لم قلتم أنه يتوهم انفساخ العقد فيه بالرد متى جاز البيع فيه قبل القبض، بل هذا لا يصح؛ لأنّه متى جاز البيع فيه قبل القبض يصير ملكًا للمشتري، وحينئذ لا يملك المشتري الأول الرد فلا يتوهم الانفساخ فيه بالرد حينئذ، كذا في الفوائد الظهيرية (١١). فإن قيل: التعليل بقوله: لأن (١٢) الهلاك في العقار نادر تعليل في موضع النص، وهو ما روي عن النبي ﵇ (١٣) «أنّه نهى عن بيع ما لم يقبض» (١٤)، وأنه عام على ما ذكر من المبسوط فيتناول العقار وغيره، والتعليل بخلاف النص في موضع النص لا يقبل.

стр. 2772

قلنا: ذاك حديث خص منه مواضع فيخص العقار بهذا الدليل. وذلك لأن معنى ما روى: نهى عن بيع ما لم يقبض، أي ما لم يقبض من ملكه الذي ثبت (١) ملكه بسبب من أسباب الملك. ثم إن المرأة لو تصرفت في الصداق قبل قبضها بالبيع أو الهبة أو (٢) غيرهما جاز، وكذلك الزوج في بدل الخلع (٣). وكذلك رب الدين في الدين وملك (٤) غيره وسلّطه (٥) على قبضه يجوز. وذكر (٦) في المبسوط (٧): والحديث عام دخله خصوص؛ لإجماعنا (٨) على جواز التصرف في الثمن والصداق قبل القبض، ومثل هذا العام يجوز تخصيصه بالقياس (٩)، [فيحمل (١٠) على المنقول؛ بدليل ما ذكرنا، والدليل عليه أن حق الشفعة يثبت للشفيع قبل القبض، أي قبل قبض المشتري، والشفيع يتملك ببدل (١١)، فلو كان العقار قبل القبض لا يحتمل التمليك ببدل لما ثبت للشفيع حق الأخذ قبل القبض، والغرر المنهي (١٢) غرر انفساخ (١٣) العقد. والحديث معلول به، أي بذلك الغرر، والدليل عليه أن التصرف في الثمن قبل القبض جائز؛ لأنّه لا غرر في الملك، وكذلك التصرف في المهر قبل القبض جائز عندنا؛ لانعدام الغرر في الملك، فإن (١٤) بالهلاك لا يبطل ملكها، ولكن على الزوج قيمته لها، والدليل عليه أن التصرف الذي لا يمتنع بالغرر نافذ في المبيع قبل القبض وهو العتق (١٥) والتزويج، وبه (١٦) تبين (١٧) فساد قولهم: أن تأكد (١٨) الملك بتأكد (١٩) السبب، وذلك بالقبض؛ لأنا نقول أن العتق في استدعاء ملك تام في المحل فوق البيع، ثم يجوز ذلك في المبيع قبل القبض كذا في المبسوط (٢٠).

стр. 2773

والأصل فيما يجوز تصرّفه قبل القبض وما لا يجوز هو أن كل عوض ملك بعقد ينفسخ العقد فيه بهلاكه قبل القبض لم يجز التصرف فيه؛ كالبيع والأجرة وبدل الصلح إذا كان معينًا، وما لا ينفسخ العقد فيه بهلاكه فالتصرف فيه جائز قبل القبض؛ كالمهر وبدل الخلع والعتق على مال وبدل الصلح عن دم العمد (١)، وكان الفقه فيه أن المطلق للتصرف هو الملك وقد وجد، لكن الاحتراز عن الغرر واجب ما أمكن، فإذا كان يتوهم غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه لم يجز بناء عقد آخر عليه، وإذا لم يتوهم غرر (٢) الانفساخ انتفى المانع، فجاز العقد، ولهذا (٣) المعنى جوّز أبو حنيفة ﵁ (٤). وما لا يجوز بيعه قبل القبض فكذلك إجارته؛ لأن صحة (٥) الإجارة بملك الرقبة، فإذا ملك التصرف في الرقبة -وهي الأصل- ملك في البائع (٦) وما لا فلا، كذا في الإيضاح. والإجارة قيل على هذا الاختلاف، وقبل (٧) أنّه لا يجوز بلا خلاف، وهو الصحيح؛ لأن المنافع بمنزلة المفعول (٨) والإجارة تمليك (٩) المنافع فيمتنع جوازها لذلك، كذا في الفوائد الظهيرية (١٠). ومن اشترى مكيلاً كالحنطة (١١) والشعير مكايلة، أي بشرط الكيل بأن قال: اشتريت هذا الطعام على أنه عشرة أقفزة (١٢)، أو موزونًا كالحديد والذهب موازنة، أي بشرط الوزن بأن قال: اشتريت هذا الحديد على أنه عشرة أمناء وقبضه، لا يجوز له أن يتصرف فيه قبل الكيل أو الوزن؛ لنهي النبي ﵇ «عن بيع الطعام … الحديث» (١٣). ثم قال: ومن اشترى مكيلاً، مكايلة قيود بها يقع الاحتراز عن مسائل أخَر (١٤). قيّد بالاشتراء؛ لأنه إذا ملك مكيلًا أو موزونًا بهبة أو ميراث أو وصية جاز لمن ملك أن يتصرف فيه قبل القبض وقبل الكيل. وقيّد بكون المكيل أو (١٥) الموزون مبيعًا حتى قال: ومن اشترى مكيلاً فإنه إذا كان ثمنًا يجوز التصرف فيه، وإن كان معينًا عندنا، على ما يجيء متصلًا بهذه المسألة.

стр. 2774

وقيد بكونه مكايلة أو موازنة؛ لأنّه إذا باع المكيل أو الموزون مجازفة جاز التصرف فيه قبل القبض وقبل الكيل بالبيع أو بالأكل أو غيرهما على ما يجيء. وإلى (١) هذا أشار في الإيضاح و الجامع الصغير لقاضي خان (٢). فاكتاله أو اتزنه، أي كال لنفسه ووزن لنفسه. ثم باعه مكايلة أو موازنة، أي ثم باع المشتري بشرط الكيل أيضًا فاشتراه (٣) من المكيل (٤) بشرط الكيل، لم يجز للمشتري [منه إن (٥) لم يجز للمشتري] الثاني من المشتري الأول أن يبيعه حتى يعيد الكيل لنفسه، كما كان كذلك الحكم في حق [المشتري] الأول. فإن اكتاله لنفسه حين اشتراه لم يكف (٦) ذلك للمشتري الثاني، وإن كان ذلك الكيل يحضره (٧) المشتري الثاني، فلذلك ذكر [في] (٨) قوله في الكتاب: ثم باعه مكايلة أو موازنة؛ ليتحقق فيه اشتراط الكيلين. وحاصله أن (٩) ما إذا كان البيع والشراء مرتين في المكيلات بشرط الكيل لا بد أن يكون الكيل مرتين؛ عملًا بما روي عن النبي ﵇ (١٠): «نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه صاعان (١١)، صاع البائع وصاع المشتري» (١٢).

стр. 2775

وهذا الذي قلته إنما ينكشف ويتضح تمام انكشاف واتضاح بما ذكره الإمام المحقق ظهير الدين المرغيناني (١) ﵀ في فوائده (٢) فقال: أما المكيلات فهي على (أقسام ثلاثة) (٣): منها ما يحتاج إلى الكيل مرتين، وهو السلم على ما يجيء -إن شاء الله تعالى-، وبيع العين بأن باع مكيلًا مكايلة بعدما اشتراه مكايلة يحتاج فيه إلى كيلين، ولا يكفي المشتري كيل البائع لنفسه، وإن كان بحضرته؛ للحديث الذي ذكرنا. وما يحتاج فيه إلى صاع البائع وصاع المشتري إنما يكون فيما إذا كان شراؤه بشرط الكيل ثم يبيعه من غيره بشرط الكيل. وإنما كان كذلك؛ لأن الكيل من تمام القبض فيما يبيع مكايلة، وأصل القبض شرط لجواز التصرف في المبيع (٤)، فيكون تمام القبض شرطًا أيضًا، وذلك لأن القدر معقود عليه فيما بيع (٥) مكايلة. ألا ترى أنّه يلزم رد الزيادة إذا (٦) ازداد، وينقص من الثمن حصة (٧) ما انتقص، والقدر [والقبض] غير متعين قبل الكيل؛ لتوهم الزيادة والنقصان، ولا ينوب قبض المشتري الأول عن قبض المشتري الثاني، وإن كان بحضرته، فكذا الكيل الذي هو من تمام القبض. ومن صورة المكيلات ما يكتفي فيه بكيل واحد، وهو القسم الثاني، وهو ما إذا اشترى المسلم إليه حنطة مجازفة، أو استفادهما (٨) زراعة أو إرثًا (٩)، أو استقرض حنطة على أنها كرثم أوفاها (١٠) رب السلم أو باعها مكايلة، احتيج فيه إلى كيل واحد، وهو كيل المشتري، أو كيل البائع بحضرة المشتري. وإنما احتيج إلى كيل واحد؛ لإباحة التصرف؛ لأن (١١) الكيل شرط لجواز التصرف فيما بيع مكايلة لمكان الحاجة إلى تعيين المقدار. وإنما يكتفى به؛ لأن الكيل غير محتاج إليه فيما اشتراه مجازفة؛ لأن البيع وقع على المشار (١٢) إليه دون مقدار بعينه، وكذلك فيما استفاده زراعة أو إرثًا.

стр. 2776

وكذلك فيما استفاده قرضًا بشرط الكيل، وإن كان الاستقراض تملكًا بعوض فكان كالشرى، إلا أنّه شرى صورة عادته حكمًا؛ لأن ما يرده عين المقبوض حكمًا، ولهذا لم يجب قبض بدله في حال الصرف، فكان تملكًا بغير عوض حكمًا. ومن صورة المكيلات ما لا يحتاج فيه إلى الكيل أصلًا، وهو القسم الثالث، وهو ما إذا اشترى حنطة مجازفة وقبضها ثم باعها مجازفة؛ لأنه لا حاجة هنا إلى تعيين (١) المقدار بالكيل. وأما إذا ملك المكيل ثمنًا على أنه كر فقبضه، ثم تصرف فيه قبل الكيل جاز؛ لأن الكيل من تمام القبض، والقبض أصله ليس بشرط في الأثمان، فكذلك (٢) لا يشترط ما كان من تتماته (٣). ولو اشتراها مكايلة ثم باعها من غيره مجازفة قبل الكيل وبعد القبض في ظاهر الرواية (٤) لا يجوز؛ لما قلناه (٥). وفي نوادر ابن سماعه (٦) قال: يجوز. بخلاف ما إذا باعه مجازفة وقبضه المشتري، حيث يجوز للمشتري أن يتصرف فيه قبل الكيل والوزن؛ لأنه لما اشتراه مجازفة ملك جميع ما كان مشارًا إليه فكان متصرفًا في ملك نفسه. بخلاف القدر أي الكيل. ولو كاله البائع بعد البيع بحضرة المشتري قيل: لا يكتفى به؛ لظاهر (٧) الحديث (٨). وذكر الإمام قاضي خان ﵀: فإن كان البائع كاله قبل البيع بحضرة المشتري أو عند غيبته لا يكتفى به؛ لما ذكرنا أن المشتري لم يملك إلا مقدرًا، واحتمال الزيادة والنقصان ثابت. وإن كاله (٩) بعد البيع بحضرة المشتري قال: بعضهم يحتاج إلى الكيل ثانيًا؛ لظاهر (١٠) النص (١١).

стр. 2777

وقال بعضهم: لا يشترط وهو الصحيح؛ لأن سبب وجوب الكيل هو البيع بشرط الكيل، ولم يوجد إلا بيع واحد، وبالكيل الواحد صار البيع معلومًا عند المشتري، وقد ذكرنا أن الحديث محمول على ما إذا وجد عقدان بشرط الكيل. قلت: وبما (١) ذكر الإمام قاضي خان والإمام المرغيناني -رحمهما الله- يعلم أن (٢) اشتراط الكيلين فيما إذا وجد العقدان بشرط الكيل، كما هو مقتضى لفظ الكتاب في أول المسألة أيضًا، وهو قوله: ومن اشترى مكيلًا مكايلة أو موزونًا موازنة فاكتاله أو (٣) اتزنه ثم باعه مكايلة أو موازنة لم يجز للمشتري منه أن يبيعه حى (٤) يعيد الكيل، ثم ذكر في آخر هذه المسألة في الكتاب بقوله: والصحيح أنّه يكتفى به، أي بالكيل الواحد، وهو يقتضي أن يكون وضع المسألة فيما إذا وجد عقد واحد بشرط الكيل؛ (لما أن) (٥) الاكتفاء بالكيل الواحد في الصحيح من الرواية إنما هو في العقد الواحد بشرط الكيل. وأمّا إذا وجد العقدان كل واحد منهما بشرط الكيل فالاكتفاء (٦) بالكيل الواحد منهما (٧) ليس بصحيح من الرواية، بل جواب المسألة فيه الكيلان لا غير على ما يقتضيه الصحيح من الرواية. وأمّا على قول من تمسك بظاهر الحديث في تلك الصورة، أعني صورة وجود العقدين كل واحد منهما بشرط الكيل، فيجب أربع من الكيل؛ لأن كل واحد من العقدين عقد بشرط الكيل. ومن باع مكيلًا مكايلة أي بشرط الكيل، فعند من تمسك بظاهر الحديث فيه كيلان، فإذا وجد عقدان بذلك الوصف كان في كل واحد منهما كيلان فيهما أربع من الكيل لا محالة. فعلى هذا التقدير الذي ذكرت (٨) يلزم في لفظ الكتاب في وضع أول المسألة مع [هذا] (٩) الحكم في آخرها نوع تناقض. اللهم إلا أن يريد بما ذكر في آخر المسألة بقوله: والصحيح أنه يكتفى به آخر (١٠) البيعين، وهو البيع الثاني دون الأول؛ لما أنه لم يذكر في أول المسألة لفظ البيع إلا مرة واحدة، فجعل المقصود فيه البيع الثاني، وفي حقه أجري ذلك الحكم وجعل البيع المفهوم من قوله: ومن اشترى مكيلًا مكايلة غير ملتفت إليه فيما ذكر من الحكم في آخر المسألة. ودل عليه قوله: ومحمل الحديث اجتماع الصفقتين على ما نبين (١١) في السلم، فعلم بهذا (أنه أنكر) (١٢) اجتماع الصفقتين هنا (١٣) بهذا اللفظ، وليس ذلك إلا بأن يجعل الصفقة الأولى غير منظور إليها.

стр. 2778

ثم صورة ما أحاله إلى باب السلم بقوله: على ما نبين (١) في باب السلم، هي (٢) قوله في باب السلم: ومن أسلم في كر (٣) فلما حل الأجل اشترى المسلم إليه من رجل كرًا وأمر رب السلم بقبضه، لم يكن قبضًا، وإن أمره أن يقبضه ثم بقبضه لنفسه فاكتاله له ثم اكتاله لنفسه جاز؛ لأنه اجتمعت الصفقتان بشرط الكيل، فلا بد من الكيل مرتين، (في هذا) (٤) هو محمل الحديث. ولو اشترى المعدود عدّا فهو كالمذروع فيما يروى عنهما، أي عن أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- (٥). وحاصل ذلك أن الأموال في هذا النوع من التقدير ثلاث (٦) مقدرات، مثل: الكيلي والوزني، وعدديات (٧) متقاربة، ومذروعات (٨)، فالتصرف في ذلك كله قبل القبض باطل، وإن اشتراه (٩) بشرط كيل أو وزن أو عدد أو ذرع وقبضه، فلا يجوز التصرف في المكيل والموزون قبل الكيل والوزن؛ لما روي عن النبي ﵇ «أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه صاعان (١٠) … الحديث» (١١)، والنهي عن البيع يدل على الفساد إذا كان لمعنى في البيع، وهو جهالة المبيع، وفيه ذلك. وأما في المذروعات فإن البيع جائز بعد القبض قبل الذرع، سواء اشترى مجازفة أو على أنّه عشرة أذرع؛ لأن المشتري ملك الثوب المشار إليه، وإن كان ذرعانه أكثر؛ لأن الذرع صفة، ألا ترى أنّه لو ذرع فازداد لم يرد شيئًا، ولو انتقص لم يرجع بشيء فلم يكن في ذلك جهالة. وأما في العدديات (١٢) فإنه إذا اشترى المعدود مجازفة وقبضه جاز له التصرف قبل العد؛ لما ذكرنا في الكيلي والوزني، وإن اشتراه على أنه كذا وقبضه فباعه أو تصرف فيه تصرفًا آخر قبل العد لم يذكر هذا في الكتاب. وروي عن أبي حنيفة ﵁ أنه لا يجوز، وهو اختيار الكرخي (١٣)، وعنه في رواية أخرى أنّه يجوز، وهو قول أبي يوسف ومحمد، لهما أنه كما يجوز بيع الواحد بالاثنين في المذروعات يجوز في العدديات (١٤)، ولا يجوز في المكيلات وكأن العددي ملحق بالمذروع.

стр. 2779

ولأبي حنيفة ﵁ أن التصرف في المكيل والموزون إنما كان حرامًا قبل الكيل؛ لاختلاط المبيع بغير المبيع، والاختلاط ههنا موجود (١). ألا ترى أن من اشترى جوازًا (٢) على أنها ألف، فوجدها أكثر لا نسلم (٣) له الزيادة، ولو كان أقل من ألف يسترد حصة النقصان من البائع، فإذا اشتركا في العلة اشتركا في الحكم، كذا ذكره الإمام فخر الإسلام وقاضي خان -رحمهما الله-. والتصرف في الثمن قبل القبض جائز، وكذلك قبل الكيل والوزن فيما يكال ويوزن، سواء كان ذلك الثمن مما يتعين أو لا يتعين من المكيلات والموزونات، حتى أنه لو باع شيئًا بمكيل أو موزون على أنه كر وقبضه من غير كيل جاز له أن يتصرف فيه قبل الكيل؛ لأن التصرف في الثمن قبل القبض جائز، فقبل الكيل أولى. وكذا (٤) إذا ملك مكيلًا أو موزونًا بهبة أو ميراث أو وصية جاز له التصرف قبل القبض على ما ذكرنا. وذكر في الإيضاح (٥): ويجوز التصرف في الأثمان قبل القبض. وقال الشافعي: إن كانت عينًا لم يجز التصرف فيه؛ لأنه حال التعيين الثمن والمبيع سواء عنده؛ لما أن الأثمان يتعين (٦) بالتعيين في العقود والفسوخ عنده، وإن لم يكن (٧) معينة لم يجز أيضًا في أحد القولين؛ لأنه يقول: الثمن إذا لم يتعين فالمستحق بالعقد ما يعيّنه في الثاني من الزمان، والاستدلال [والاستبدال] يفوت هذا المعنى فلا يجوز كالمسلم فيه (٨). ونحن نقول بأن الثمن ما وجب في الذمة، والقبض (٩) لا يرد عليه حقيقة، فإنما (١٠) طريق قبضه أن يقبض مثله عينًا فيصير مضمونًا عليه فيلتقيان قصاصًا، وإذا كان طريق القبض هذا لم يقع التفرقة بين أن يكون المقبوض من جنسه أو من خلاف جنسه؛ لأنه مضمون بمعناه، والمقاصة يقع (١١) بالمعنى. وقد روي عن ابن عمر (١٢) ﵄ أنه قال: كنا نبيع الإبل بالبقيع (١٣)، فنأخذ مكان الدراهم الدنانير ومكان الدنانير الدراهم، فكان (١٤) يجوّزه رسول الله ﵇ (١٥).

стр. 2780

بخلاف السلم؛ لأنه [وإن كان ديناً] (١) ولكن الشرع جعل المقبوض في السلم حكم عين المستحق بالعقد؛ لأن الأصل فيه أن يكون مبيعًا، والاستبدال (عن المبيع) (٢) لا يجوز. ويجوز للمشتري أن يزيد البائع في الثمن إلى قوله: ويتعلق الاستحقاق بجميع ذلك، أي يتعلق حق المرتد له بجميع ذلك في الأصل والزيادة، سواء كان تابعًا أو مشتريًا حتى تملك البائع حبس المبيع حتى يستوفي المزيد عليه والزيادة (٣). وكذلك المشتري فإنه لا يملك مطالبة المبيع من البائع حتى يدفع المزيد عليه والزيادة. وفي صورة الحط يستحق المشتري مطالبة المبيع كله بتسليم ما بقي بعد الحط. وكذلك إذا استحق المبيع يرجع المشتري على البائع بالأصل والزيادة. وكذا (٤) يستحق الشفيع الشفعة بما بقي بعد الحط. ولا يشكل على هذا ما إذا زاد المشتري في شرى (٥) العقار على أصل الثمن فللشفيع أن يأخذ شفعته لأصل (٦) دون الزيادة، فلا يكون (٧) الزيادة ملتحقة (٨) بأصل العقد في حق الشفيع. لما ذكر في الكتاب باق (٩) البائع والمشتري لا يملكان إبطال حق (١٠) الثابت له بأصل الثمن، ويستوي أن تكون الزيادة من العاقدين أو من الأجنبي. لأنه يصير ملكه عوض ملكه؛ لأن المشتري ملك المبيع قبل الزيادة، فلو زاد في الثمن مع ذلك كانت الزيادة لأجل ملك نفسه، وهو المبيع، وذلك لا يجوز كالمودع إذا اشترى الوديعة من المودع. وهذا في حق الأجنبي أظهر، فإنه لا يملك شيئًا من المبيع، فكيف يلتزم (١١) الثمن بمقابلة ما لا يملكه. ألا ترى أن الزيادة في الصداق (١٢) لا يلحق (١٣) بأصل العقد، حتى لا ينتصف بالطلاق قبل الدخول، وقاساه بحط الكل (١٤). وحجتنا في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ (١٥)، أي من فريضة بعد الفريضة، وذلك تنصيص على أن حكم الزيادة المفروضة بعد العقد كحكم المفروض في العقد، إلا ما قام الدليل عليه، وقد قام الدليل على أنه لا ينتصف بالطلاق قبل الدخول إلا ما (١٦) تأكد بالتسمية في أصل العقد بالنص، ففيما سوى ذلك حكم الزيادة حكم الأصل.

стр. 2781

وأما قوله: أنه يلتزم (١) العوض عن ملكه، فقلنا: قيام العقد بقيام المعقود عليه، والمعقود عليه قام (٢) في يد المشتري على وجه يجوز الاعتياض عنه، فصح منه التزام العوض بمقابلته أيضًا. ولأنه تبع، والعوض بمقابلة الأصل دون السبع كما في أطراف الحيوان، كذا في المبسوط (٣). لأن وصف الشيء يقوم به لا بنفسه. فكذلك ههنا يقوم (٤) الزيادة بالثمن لا بنفسها. بخلاف حط الكل، حيث لا يلتحق بأصل العقد؛ لأن عمل الحط في إخراج القدر المحطوط من أن يكون ثمنًا، فالشرط فيه قيام الثمن، فأما حط الجميع فإنه غير مغير لوصف العقد؛ لأن الإنسان لا يكون مغبوبًا (٥) بجميع الثمن، ولو التحق بأصل العقد فأما أن يفسد به العقد؛ لأنه يبقى بيعًا بلا ثمن، وقد علمنا أنهما لم يقصدا ذلك؛ لأنه (حينئذ يكون تغييرًا من) (٦) مشروع إلى غير مشروع، أو يصير ذلك العقد هبة، وقد كان قصدهما التجارة في المبيع دون الهبة، فأما حط البعض فلو التحق بأصل العقد تحقق بمقصودهما (٧) فيجوز، إلى هذا أشار في المبسوط (٨). وعلى اعتبار الالتحاق جواب عن تعليل زفر والشافعي في أن الزيادة يصير ملكه عوض ملكه. ويظهر حكم الاستحقاق (٩) التولية، فإن البائع إذا حط بعض الثمن عن المشتري، ثم [إن] (١٠) المشتري إذا باعه بيع التولية، فقال الآخر: وليتك هذا الشيء يقع عقد التولية هذا على ما بقي من الثمن بعد الحط، وكان (١١) الحط بعد العقد ملحقًا بأصل العقد. ثم [إن] (١٢) الزيادة [لا تصح] (١٣) أي الزيادة في الثمن، أما الزيادة في المبيع بعد هلاك المبيع ففي البقالي يجوز ذلك، بخلاف الزيادة في الثمن في ظاهر الرواية، وهكذا ذكر ابن سماعة (١٤).

стр. 2782

وأما الزيادة في الثمن فلا يصح بعد هلاك المبيع على ظاهر الرواية (١). فقيد بظاهر الرواية؛ احتراز (٢) عما روى الحسن عن أبي حنيفة -رحمهما الله- فقال: يصح زيادة الثمن بعد هلاك المبيع (٣). وروى عن محمد أن شرط صحة زيادة الثمن كون المبيع قائلًا (٤) للمقابلة في نفسه لا كونه قائلًا (٥) للمقابلة في حق المشتري، حتى أن على هذه الرواية يصح الزيادة من المشتري في الثمن بعدما باع المشتري المبيع أو وهب وسلم أو تصدق وسلم؛ لأن المبيع بقي محلًا للمقابلة في نفسه. وفي ظاهر الرواية لا يصح الزيادة؛ لأن المبيع لم يبق محلًا للمقابلة في (حق المشتري) (٦) (٧). والصحيح ما ذكر في ظاهر الرواية؛ لأن طريق تصحيح الزيادة في الثمن بغير العقد، والعقد بعد هلاك المعقود عليه لا يقبل التغيير؛ لأن التغيير يرد على الموجود والعقد كلام كما وجد تلاشي وانعدم، وإنما يجعل باقيًا ببقاء محله، ومحله المبيع فإذا هلك المبيع فات محل العقد، فلا يبقى العقد فلا يمكن القول بالتغيير. هذا الذي ذكرنا (٨) في حكم الزيادة في المبيع أو الثمن، وأما حكم الحط فيقول: حط بعض الثمن صحيح، ويلتحق بأصل العقد كالزيادة، غير أن بين الزيادة والحط فرقًا من وجهين؛ أحدهما: أن الحط صحيح سواء بقي المبيع محلًا للمقابلة وقت الحط أو لم يبق، بخلاف الزيادة على ظاهر الرواية؛ لأن الحط إخراج ما تناوله الحط من أن يكون ثمنًا للحال، ويستند إلى حال كمال العدم، فيشترط له قيام الثمن لا قيام المبيع، وأما الزيادة فإثبات صورة المقابلة للحال، ويستند إلى حال كمال الثبوت، فيشترط لها قيام المبيع بشرط أن يكون محلًا للمقابلة. والثاني: أن من اشترى عبدين صفقة واحدة بألف درهم، فحط عنه المشتري [البائع] مائة، كان الحط نصفين، ولو زاد المشتري مائة في هذه الصورة ينقسم الثمن على قدر قيمتهما، والفرق أن الحط يكون من الثمن، ولا تعلق له بالمبيع، فإذا قال: حططت عن ثمنهما مائة فقد أدخلهما في الحط على السواء، فانقسم الحط عليهما نصفين، بخلاف الزيادة في الثمن؛ لأنها تقابل المبيعين، وقد قابلهما بهما مطلقًا، والمقابلة المطلقة يقتضي (٩) الانقسام على المتيقن [المتعين]، وهذا وباقي المسائل التي تتعلق بمسألتنا هذه مذكورة في الذخيرة (١٠).

стр. 2783

وفي البقالي والفرق بين الزيادة في المبيع حيث (١) يجوز بعد هلاك المبيع؛ لأنها تثبت بمقابلة الثمن، والثمن قائم بخلاف الزيادة في الثمن؛ لأنها تثبت بمقابلة المبيع، هكذا وجدت بخط شيخي ﵀ (٢). وفي المبسوط (٣): وكذلك لا (يثبت بالزيادة) (٤) بعد العتاق والتدبير؛ لأنه لم يبق المعقود عليه على وجه يجوز الاعتياض عنه، وهذا لأنه لا بد لإثبات الزيادة عوضًا من (٥) اعتبار الحال ثم الاستناد إلى وقت العقد، وقد تعذر إثباتها في الحال فلا يظهر فيها حكم الاستناد كما قلنا في البيع الموقوف: أنّه لا بد من قيام المعقود عليه عند الإجارة؛ ليثبت الملك مستندًا إلى وقت العقد، وبالاتفاق في البيع بشرط الخيار للبائع، وعلى هذا الحط إلا أن عمل الحط في إخراج القدر المحطوط من أن يكون ثمنًا، فالشرط فيه قيام الثمن لا قيام المعقود عليه والثمن باق، فيثبت الحط على سبيل الالتحاق بأصل العقد. لأنه، أي لأن المبيع بحال يمكن إخراج البدل عما يقابله معنى لا يمكن إثبات الثمن بمقابلة الهالك، ويمكن إخراج الثمن وإسقاطه (٦) بمقابلة الهالك؛ لأن الحط يلائم الهالك (٧). وقد ذكرناه (٨)، أي وقد ذكرنا أن الجهالة اليسيرة متحملة في الكفالة (٩)، وفي تأجيل الدين كما في الحصاد والدياس (١٠). بخلاف الجهالة في البيع (١١) إلى أجل مجهول حيث لا يصح (١٢)، وإن كانت الجهالة يسيرة من قبل، أي في أواخر باب البيع الفاسد صار مؤجلًا؛ لما ذكرنا، وهو قوله: لأن الثمن حقه، إلا القرض فإن تأجيله لا يصح، أي لا يلزم، لكن هذا التأويل (١٣) وهو قولنا: أي لا يلزم إنما يصح على تقدير النكتة الأولى، وهي عند إلحاق الفرض بالعارية (١٤) نظرًا إلى حالة الابتداء، وأما على تقدير النكتة الثانية، وهي إلحاقه بالمعاوضة نظرًا إلى حالة الانتهاء، فكان قوله: لا يصح (١٥) على حقيقته، إذ في جوازه يلزم الربا، والربا حرام محض، فلا يصح التأجيل أصلًا، لكن المعوّل هو النكتة الأولى؛ لانفتاح باب القرض إجماعًا، وفي النظر إلى جانب المعاوضة يلزم انسداد بابه وهو متروك بالاتفاق، ثم معنى قولنا: لا يلزم التأجيل، أي لمن أجل إبطاله، كما في تأجيل العواري، وهذا بخلاف ما إذا أوصى أن يقرض من ماله ألف درهم فلانًا، أي ههنا يلزم التأجيل مع أن فيه تأجيل القرض أيضًا، لكن ذاك باعتبار الوصية، وفي الوصية يلزم ما لا يلزم في غيره، ألا ترى أنه لو أوصى بثمرة بستانه لفلان تنصّح ويلزم، وإن كانت الثمرة معدومة وقت الوصية، فكذلك ههنا يلزم التأجيل في القرض حتى لا يجوز للورثة أن يطالبوا الموصى له بالاسترداد قبل السنة، كما في الوصية بالخدمة والسكنى، حيث يصح (١٦) الوصية فيهما ويلزم تنفيذه، فكذلك في الإقراض والجامع بينهما معنى التبرع بالمنافع، وهذه المسألة مبسوطة في شرح الطحاوي (١٧)، ولكن حاصل ذلك ما ذكر في الكتاب، وذكر في شرح الأقطع: ولو شرط الأجل في ابتداء القرض بطل الشرط وصح (القرض، فكذلك) (١٨) إذا شرطاه في الثاني، والله أعلم بالصواب.

стр. 2784

باب الربا لما ذكر أبواب البيوع التي أمر الشارع بمباشرتها بقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (١) ذكر [في] هذا الباب أنواع البيوع التي نهى الشارع عن مباشرتها بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ (٢)، وقد نبهت مرارًا بأن النهي يعقب الأمر ويقفوه؛ لما أن المنع (٣) يقتضي سبق الوجود، ثم للربا تفسير لغوي وشرعي، أما اللغة: فهو (٤) الزيادة، من ربا المال زاد، وينسب (٥) إليه فيقال (٦): ربوي بكسر الراء، ومنه الأشياء الربوية، وفتح الراء خطأ، كذا في المغرب (٧). وأما الشرعي فيذكر (٨) بعد [هذا] (٩). اعلم أن الله تعالى جعل المال سببًا لإقامة مصالح العباد في الدنيا، وشرع التجارة لها طريقًا، والتجارة نوعان حلال، يسمى في الشرع: بيعًا، وحرام يسمى: ربا، وكل واحد منهما تجارة، والأصل فيهما قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١٠). و (١١) حد البيع: مبادلة المال بالمال، وهذا أمر كان معهودًا بينهم، والشرع جاء بتقريرهم على ذلك. وقوله (١٢) تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١٣)، هذا مجمل، فإن الربا في اللغة: عبارة عن الفضل والزيادة على ما ذكرنا، وليس المراد بهذا مطلق الفضل بالاتفاق، إذ البيع ما شرع في أصله إلا لاكتساب الفضل. وروي عن عمر ﵁ أنه قال: قبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أبواب الربا (١٤)، وكان من أرباب اللسان. واختلفت الصحابة ﵃ في الربا، وكان من مذهب ابن عباس [﵄] (١٥) أن لا ربا إلا في النسيّة (١٦)، ثم رجع عن ذلك (١٧)، فدل اختلافهم أن المراد بالكتاب ليس بمطلق (١٨) الفضل، وإنما المراد به فضل مخصوص بجهة.

стр. 2785

واختلفوا في ذلك، قال علماؤنا ﵏: الربا نوع بيع فيه فضل مستحق لأحد المتعاقدين، خال عما يقابله من عوض شرط في هذا العقد، وعلى هذا سائر أنواع [البيوع] الفاسدة؛ كالبيع بأجل مجهول، أو بشرط منفعة لأحد المتعاقدين، وما أشبه ذلك، من قبيل الربا بتقدير فضل مستحق خال عما يقابله من العوض المشروط، فكان معنى اللغة وهو الفضل معتبرًا (١). وعند الشافعي ﵀: البيع هو التصرف المشروع بحده، والربا اسم جعل علمًا على تصرف ينشئه العبد لا على الحد المشروع (٢)، من غير اعتبار معنى اللغة فيه، بل صار يعرف استعمال الشرع موضوعًا لهذه الجملة، فعلى ما عليه قاعدة الخصم لا طريق لمعرفة البيع والربا إلا من جهة الشارع؛ لأن البيع هو التصرف [المشروع]، والربا ما ليس بمشروع، والمشروعية تتلقى من قبل الشارع، وعلى ما عليه قاعدة كلامنا صفة المشروعية تثبت لأصل البيع الذي كان متعارفًا بين أهل اللسان، فإن الله تعالى أثبت الحل للبيع، فانصرف إلى البيع المعهود؛ لأن اللام للتعريف، والربا مخصوص من هذه الجملة بإثبات وصف التحريم. والدليل على حرمة الربا: الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣)، وقد ذكر الله تعالى لآكل الربا (خمسًا من العقوبات أحدها) (٤): التخبط، قيل في معناه: ينتفخ بطنه يوم القيامة بحيث لا تحمله قدماه، وكلما رام القيام يسقط (٥)، فيكون بمنزلة الذي أصابه مس من الشيطان، فيصير كالمصروع الذي لا يقدر على أن يقوم. والثاني: المحق، والمراد به: الهلاك والاستئصال، وقيل: ذهاب البركة والاستمتاع حتى لا ينتفع هو به ولا ولده بعد موته. والثالث: الحرب. والرابع: الكفر، قال الله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾ (٦)، وقال: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾ (٧)، أي كفار باستحلال الربا. والخامس: الخلود في النار (٨). والسنة جاءت بتأييد ما قلنا فإن النبي ﵇ قال: «أكل درهم واحد من الربا أشد من ثلاث وثلاثين زنية يزنيها الرجل» (٩)، ومن نبت لحمه بحرام فالنار أولى به (١٠)، والمقصود من بيان كتاب البيوع بيان الحلال الذي هو بيع شرعًا، والحرام (١١) الذي هو ربا، ولهذا لما قيل لمحمد ﵀: ألا تصنف [لنا] (١٢) شيئًا من الزهد [في كتابك] (١٣)، قال: (١٤) قد صنفت كتاب البيوع (١٥)، ومراده بينت فيه ما يحل ويحرم، وليس [هذا] (١٦) الزهد إلا الاجتناب من الحرام، والرغبة في الحلال، ولهذا بدأ الكتاب بحديث رواه عن أبي حنيفة عن عطية العوفي (١٧)، وعن أبي سعيد الخدري (١٨) ﵃، عن رسول الله ﵇ أنه قال: «الذهب بالذهب مثل بمثل يد بيد والفضل ربا، والفضة بالفضة مثل بمثل ويد بيد والفضل ربا» (١٩)، وكذا عد الحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، على هذا الطريق، وهذا حديث مشهور تلقته العلماء بالقبول والعمل به.

стр. 2786

ومدار هذا الحديث على أربعة نفر من الصحابة عمر بن الخطاب (١)، وعبادة بن الصامت (٢)، وأبي سعيد الخدري، ومعاوية بن أبي سفيان (٣) ﵃، مع اختلاف ألفاظهم، كذا في المبسوط والإيضاح (٤). قوله ﵀: الربا في كل مكيل أو موزون، أي حكم الربا الذي هو حرمة الفضل والنسيئة ثابت أو جار في كل مال هو قابل للكيل أو الوزن. وقوله: بيع بجنسه، صفة للنكرة، وهي مكيل أو موزون من، أي تلك الحرمة وهي حرمة الفضل وحرمة النساء جميعًا إنما يكون في مكيل إذا بيع تمليك من جنسه، وكذلك في الموزون. فالعلة (٥): الكيل مع الجنس، أي علة وجوب المساواة التي يلزم عند فوتها الربا: الكيل مع الجنس، أو الوزن مع الجنس. ويقال: القدر مع الجنس، وهو أشمل؛ لأنه يتناول الكيل والوزن معًا، بخلاف لفظ الكيل؛ لأنه لا يتناول الوزن، ولفظ الوزن لا يتناول الكيل، وأما لفظ القدر فيشملهما معًا. ثم قوله: الحنطة بالحنطة ليس المراد منه بيع ما ينطلق عليه اسم الحنطة [بالحنطة]، فإن بيع حبّة [من حنطة] بحبّة منها لا يجوز؛ لعدم التقوم مع وجود اسم الحنطة فيها (٦)، علم بهذا أن المراد منها حنطة موصوفة بوصف، وهي الحنطة التي تدخل تحت المماثلة؛ بدلالة قوله: مثلًا بمثل.

стр. 2787

والمراد بالمماثلة: المماثلة من حيث الكيل في المكيلات، ومن حيث الوزن في الموزونات. [ومعنى قوله: علة الربا القدر والجنس علة وجوب للسيادات التي يلزم عند كون الربا أو علة كون المال ربوياً أو علة حرمة الفضل]؛ بدلالة ما يروى فيه بروايات أخر: كيلًا بكيل، [أو] (١): وزنًا بوزن (٢)، مكان قوله: مثلًا بمثل، وكذلك ليس المراد (من المماثلة) (٣) من حيث الصفة؛ بدلالة حديث عبادة بن الصامت قال: جيدها ورديها سواء (٤)، وكذلك في حديثه أيضًا: تبره وعينه سواء (٥)، وهذا تنصيص على أن المراد من المماثلة من حيث الكيل والوزن دون الصفة، وكلام رسول الله ﵇ يفسر بعضه بعضًا. ثم معنى قوله ﵇: «الحنطة بالحنطة» (٦) أي بيعوا الحنطة بالحنطة، وذلك لأن (الباء كلمة) (٧) إلصاق دخلت على الاسم، فيقتضي إضمار الفعل لا محالة، كقولنا: بسم الله [الرحمن الرحيم] (٨)، وذلك الفعل المضمر على تقدير رواية الرفع: بيع الحنطة بالحنطة، وعلى تقدير النصب: بيعوا، ثم الدليل على إضمار بيعوا قوله ﵇ في حديث آخر: «لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء» (٩)، والنهي عن الشيء أمر بضده، والأمر للوجوب، والبيع في نفسه مباح لا يأثم تاركه، فلا بد من صرف الأمر إلى معنى يتحقق به الوجوب، وهو وجوب التسوية؛ بدلالة قوله: إلا سواء بسواء، أو بدلالة قوله: [إلا] (١٠) مثلًا بمثل. وقد ذكرنا أن المراد بالمثل لقدر (١١)، فكم من شيء يكون مباحًا في نفسه ولكن يكون واجب الرعاية في صفته وقت مباشرة ذلك الفعل المباح (١٢)؛ كالنكاح، فإنه أمر مباح في نفسه، ولكن عند مباشرته يلزم إحضار الشهود، وكصلاة (١٣) النافلة (١٤) أمر مندوب في نفسها، ولكن عند الإقدام عليها يجب على من أقدم استحضار ما تصح به الصلاة من شروطها حسب وجوبه في صلاة الفرض.

стр. 2788

وأما رواية: بيع الحنطة فهو إخبار في معنى الأمر، فكان (١) كل ما ذكر في حق الأمر مذكورًا في حقه. ثم المراد من قوله: مثل بمثل المماثلة من حيث القدر دون الوصف وقد ذكرناه. ومن قوله: يدًا بيد المراد [به] (٢) عندنا عين بعين، وعند الشافعي ﵀: قبض بقبض. والفضل ربا، فتأويله عندنا: الفضل من حيث الكيل حرام، وعند الشافعي تأويله: فضل ذات أحدهما على الآخر حرام، إلى هذا أشار (القاضي الإمام) (٣) أبو زيد (٤) ﵀. والحكم معلول بإجماع القايسين؛ احترازًا عن قول داود (٥) من المتأخرين وقول عثمان البتي (٦) من المتقدمين، فعندهما حكم هذا النص غير معلول بالعلة المتعدية إلى غيرها، بل الحكم مقصور على هذه الأشياء الستة، كذا في المبسوط (٧). والجنسية شرط، أي شرط لعمل العلة عملها، حتى لا يعمل العلة وهي الطعم في المطعومات، والثمنية في المثمنيات عنده إلا عند وجود الجنسية. ولا يجعل هو للجنسية أثرًا في تحريم النساء، وعندنا الجنسية بانفرادها يحرم النساء، حتى أنه لو أسلم هرويًا في ثوب هروي لا يجوز عندنا، وعند الشافعي ﵀ يجوز؛ بناءً على أن الجنسية (عنده شرط) (٨)، كذا في المبسوط (٩). فعلم بهذا أن فائدة كون الجنسية شرطًا عنده واحد (١٠) وصفي علة الربا عندنا إنما يظهر فيما إذا وجدت الجنسية في غير الأموال الربوية هل يحرم النساء، كما لو أسلم ثوبًا هرويًا في ثوب هروي، عندنا لا يجوز؛ لوجود أحد وصفي العلة، فيثبت الحكم على حياله (١١) بحسب قوله، وذلك حرمة النساء، وعنده يجوز؛ لأن الجنسية عنده شرط العلة، وإنما يعمل (١٢) العلة عند وجود شرطها؛ لأن الشرط يعمل شيئًا من العمل عند عدم العلة.

стр. 2789

والمساواة مخلص، أي يتخلص (١) من الحرمة بسبب المساواة، وينتفي (٢) الحرمة عند ذلك. لأنه، أي لأن الشارع نص على شرطين، وهما التقابض والمماثلة. لأنه قال: يدًا (٣) بيد، مثل بمثل، أي قابضًا يدًا بيد، ومماثلًا بمماثل آخر، وهما نصب على الحال، والعامل فيه الفعل المضمر الذي اقتضاء (٤) الجار في قوله: الحنطة بالحنطة، أي بيعوا الحنطة بالحنطة في هاتين الحالتين، والأحوال شروط كما في قوله: إن دخلت الدار راكبة فأنت طالق، إلا أنه عدل عن النصب إلى الرفع الذي يدل على الابتداء؛ للدلالة على الثبوت، والدليل على هذا رواية النصب بقوله: إن دخلت الدار راكبة فأنت طالق، إلا أنه عدل عن النصب إلى الرفع الذي يدل على الابتداء؛ للدلالة على الثبوت، والدليل على هذا رواية النصب بقوله: يدًا بيد مثلًا بمثل، وكل ذلك يشعر بالعزة، أي توقيف حل البيع في هذه الأشياء إلى اشتراط التقابض والمماثلة يعلم على أن الموقوف الذي حل بيعه إلى وجود الشرائط (٥) عظيم الخطر وجليل القدر عند الشارع. ألا ترى أن واحدًا من الخلفاء والسلاطين عند جلالة قدره وعظمة حاله كيف يعسر وصوله إلى شرائط ومقدمات؛ من اشتماله قلوب الحجاب، (٦) واسترضاء الوزراء والكتّاب بالصلات (٧) والجوائز، فيجعل ذلك دليل عن من توقف أمره إلى شرائط ومقدمات فيما بيننا، فكذلك (٨) ههنا، فلا (٩) توقف أمر حل تناول هذه الأشياء في البياعات إلى مقدمات من اشتراط التقابض والمماثلة بالاتفاق وجب أن يعلل بعلة تناسب خطرها وهي الطعم والثمنية، كما في النكاح لما عظم أمر الفروج (١٠) توقف حل تناوله إلى شرائط ومقدمات، خصوصًا على أصله من عبارة الرجال وحضور الولي والشهود. ولا أثر للجنسية في ذلك فجعلناه شرطًا، والحكم قد يدور مع الشرط (١١).

стр. 2790

وهذا الدفع شبهة ترد على جعله الطعم والثمنية علة بأن يقال: كما أن الطعم والثمنية موجودان في هذه الأشياء الستة فالجنسية أيضًا موجودة، وكما أن [دوران] (١) حكم الربا موجود مع الطعم والثمنية على أصلك، فكذلك (٢) دوران حكم الربا أيضًا موجود مع الجنسية في هذه الأشياء، فلم لم تجعل الجنسية علة كما جعلها خصومك أحد وصفي علة الربا مع مشاركة الجنسية للطعم والثمنية فيما لها من وجودهما في هذه الأشياء، ودوران حكم الربا معهما. فأجاب عنه بهذا وقال: نعم كذلك، إلا أن العلية للوصف الذي له أثر في استجلاب ذلك الحكم لا بمجرد الدوران؛ لأن الحكم قد يدور مع الشرط كالرجم بدون الإحصان (٣) في الزنا، مع أن الزنا علة، والإحصان شرط، وإنما الاعتبار للتأثير، وقد وجدت التأثير للطعم والثمنية لا للجنسية، فلذلك جعلتهما علة لا الجنسية. إلى هذا أشار في المبسوط (٤) في تقرير قوله فقال: ثم ههنا المعنى الذي تنبئ عن الخطر في الذهب والفضة الثم؛ نية لأنهما خلفا لذلك، وبالثمنية (٥) حياة الأموال، والمعنى الذي ينبئ عن زيادة الخطر في الأشياء الأربعاء الطعم؛ لأن بالطعم حياة النفوس فعرفنا أن العلة الموجبة لهذين الشرطين وهما المساواة واليد باليد [مع] (٦) الطعم والثمنية. فلذلك جعلنا الجنسية شرطًا لا علة؛ لأن الحكم يدور مع الشرط وجودًا وعدمًا كما يدور مع العلة. لكن الفرق بينهما بالتأثير، وإذا لم يكن في الجنسية ما ينبئ عن زيادة الخطر ولا يثبت الحكم إلا عند وجوده جعلناه شرطًا لا علة. أنه أوجب المماثلة شرطًا، أي الحديث أوجب المماثلة شرطًا؛ لما ذكرنا أن تقدير قوله ﵇: «مثل بمثل» (٧) أي مماثلًا بمماثل، فكان منصوبًا على الحال، والأحوال شروط كما في قوله: أنت طالق إذا دخلت راكبة، لا تطلق إذا دخلت غير راكبة. وهو المقصود بسوقه، أي والمماثلة هي المقصودة بسوق الحديث، لكن ذكر الضمير الراجع إلى المماثلة ههنا؛ لأنه مبتدأ فاتصف بصفة خبره وهو المقصود.

стр. 2791

إذ هو ينبئ عن التقابل، أي البيع ينبئ عن التقابل؛ لأن البيع مقابلة المال بالمال. وذلك، أي التقابل يحصل بالتماثل؛ لأنه لو كان أحدهما أنقص من (١) الآخر لا يحصل التقابل من كل وجه؛ فيكون (٢) المماثلة شرطًا؛ لأجل تحقيق معنى البيع الذي هو التقابل، أو صيانة لأموال الناس عن التّوى؛ لأن أحد البدلين لو كان أنقص من الآخر ومع ذلك تبادلا كان فيه إضاعة فضل مال من له (٣) فضل في ماله، فلذلك كانت المماثلة شرطًا لصيانة الأموال عن التّوى. أو تتميمًا للفائدة باتصال [التسليم] به، أي بالتماثل، يعني في الذهب والفضة اشترط التماثل بالقبض، فإنهما لا يتعينان بالتعيين، فيحتاج إلى القبض؛ لتحقيق [معنى] (٤) المماثلة، فكان تتميم الفائدة فيه باتصال التسليم بالتماثل، أي بعد كون كل واحد منهما مثلًا للآخر يجب أن يتصل التسليم بالتماثل حتى يتم فائدة العقد. ويحتمل أن يكون معناه عامًا في الأموال كلها، أي لو لم يكن كل واحد منهما مماثلًا للآخر لا يتم الفائدة بالقبض؛ لأنه إذا كان أحدهما أنقص يكون نفعًا (٥) في حق أحد المتعاقدين وضررًا في حق الآخر، وإذا كان مثلًا للآخر يكون نفعًا في حقهما، فتكون الفائدة وهي ثبوت الملك أتم بعد القبض؛ لأنه يكون نفعًا في حقهما جميعًا، بخلاف ما إذا كان أحدهما أنقص من الآخر. ثم يلزم عند فوته، أي فوت الشرط وهو المماثلة. والمعيار يسوي الذات، أي الصورة والجنسية يسوي المعنى، فإن كيلًا من بر يساوي كيلًا من در (٦) من حيث القدر والصورة، لا من حيث المعنى، وكذلك قفيز (٧) حنطة بقفيز شعير يتساويان صورة لا معنى. ولا يعتبر الوصف فيه وهو أن يكون أحدهما أجود من الآخر، فإن الجودة ساقطة العبرة عند المقابلة بجنسها، وذكر في الإيضاح: فإذا استوى الذاتان صورة ومعنى تساويا في المالية، والفضل من حيث الجودة ساقطة العبرة في المكيلات والموزونات؛ [لأن التفاوت في ذلك نقل، وهذا يرجع إلى العرف، فإن الناس لا يعدون التفاوت في المكيلات والموزونات] إلا من باب اليسير، ولهذا صير لمعرفة (٨) قدر المالية إلى الكيل دون بيان الأوصاف.

стр. 2792

أو لأن في اعتباره سد باب البياعات، في اعتبار الوصف سد باب البياعات؛ لأن الحنطة لا تكون مثلًا لحنطة أخرى من كل وجه لا محالة. والسبيل في مثلها الإطلاق، أي السبيل في مثل الأشياء التي يتعلق بها وجوه (١) المنافع التوسعة والإطلاق لا التضييق، فإن السنة الإلهية جرت في حق جنس الإنس وسائر الحيوانات أينما كان الاحتاج (٢) إليها أكثر كان أمرها في الوجود وإطلاق الشرع فيها (أو تبع) (٣)، فاعتبره (٤) (بالهواء والماء) (٥) وعلف الدواب والناس والخبز والسكر والترياق (٦)، ولا شك أن احتياج المخلوقين إلى الهواء أكثر من احتياجهم إلى الماء، فكذلك فيما بعدهما على الترتيب، وإذا كان كذلك كان تعليله بما يوجب التضييق والسنة الإلهية في مثله التوسعة تعليلًا بفساد الوضع أن (٧) عليه يقتضي ما يضاد وضعه في الحكم؛ لأن المعنى من فساد الوضع هو أن يفسد وضع ذلك الحكم على ذلك الدليل؛ [لأنه] يقتضي خلاف ذلك الحكم، كإيجاب الفرقة بإسلام أحد الزوجين، والإسلام عهد عاصمًا للإملاك لا مفرقًا، ثم إسناد الفرقة إلى الإسلام كان فاسدًا في وضعه، وهنا كذلك، فعلم بهذا أن قوله: فتعلل بعلة تناسب إظهار الخطر إلى آخره كان فاسدًا في مخرجه، بل كان ذلك ينافر (٨) حكم خطره ولا يناسبه، وذكر في المبسوط (٩) في جواب قوله: وهذا (١٠) ولأن الطعم عبارة عن أعظم وجوه الانتفاع بالمال، وكذلك الثمنية، فإنها تنبئ عن شدة الحاجة إليه، وتأثير الحاجة في الإباحة لا في الحرمة؛ كتناول الميتة يحل باعتبار الضرورة، ولا معنى لما قال أن الشرع ما حرم البيع في هذه الأموال إلا بشرطين، فإن الشرع ما حرم في هذه الأموال إلا ما حرم في سائر الأموال وهو الفضل الخالي عن المقابلة، وهذا لأن [هذه] (١١) الأموال بذلة (١٢) كسائر الأموال حتى يجوز تناولها بدون الملك بالإباحة وبالملك بغير عوض وهو الهبة.

стр. 2793

بخلاف البضع فإنه مصون عن الابتذال ملحق بالنفوس، فيجوز أن يشترط في النكاح زيادة شرط؛ لإظهار خطر المحل، والذي قال: القدر أي المساواة علة للخلاص. قلنا: لا كذلك فقد بينا أن جواز البيع في هذه الأموال أصل، فحيث يفسد إنما يفسد لوجود العلة المفسدة، فأما (١) الجواز باعتبار الأصل لا باعتبار المخلص، وإن كان هذا مخلصًا فهو مخلص في حالة التساوي، وعلة الربا في حالة الفضل، والشيء الواحد يتضمن حكمين في محلين كالنكاح يثبت الحل في المنكوحة والحرمة في أمها، وإنما جعلنا القدر مخلصًا؛ لأن الخلاص عن الربا بالمساواة في القدر، وذلك لا يعرف إلا بالكيل والوزن، وكذلك (٢) الوقوع في الربا بالفضل على القدر، وذلك لا يعرف إلا بالكيل والوزن، وإنما قلنا أن الجواز أصل في الأموال الربوية؛ لأن النبي ﵇ قال: «الحنطة بالحنطة مثل بمثل» (٣)، فقد أوجب المماثلة لجواز، العقد ثم جعل الفضل بعد تلك المماثلة ربا بقوله: والفضل ربا. وفي الحديث الآخر قال: «لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء» (٤)، وبالإجماع المراد المساواة في الكيل، فعرفنا أن المراد اشتراط المماثلة لجواز العقد؛ لأن الكلام المقيد بالاستثناء يصير عبارة عما وراء المستثنى، فيكون المعنى فساد البيع عند عدم المماثلة التي هي واجبة، وإذا ثبت أن الحكم وجوب (٥) المماثلة، ولا يتصور ثبوت الحكم بدون محله عرفنا أن المحل الذي لا يقبل المماثلة لا يكون مال الربا أصلًا، والحفنة (٦) والنفاحة لا تقبل هذه المماثلة بالاتفاق، فلم يكن مال الربا فكانت باقية تحت قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٧)، فيحل بيعها وإن تفاضلا، هذا على طريق التغليب (٨)، فإن المراد منه فإن فضل أحدهما على الآخر، ثم لما ذكر جواز البيع في المكيل والموزون عند المماثلة بالمعيار الشرعي، وعدم الجواز عند التفاضل، أي عند فضل أحدهما على الآخر عند التسوية بالمعيار الشرعي لزم (٩) الجواز فيما لا يدخل تحت المعيار الشرعي سواء كان ذلك في المكيل أو في الموزون، فلذلك قلنا بجواز بيع الحفنة بالحفنتين، وجواز بيع ذرة بذرة في الذهب والفضة.

стр. 2794

وفي مختلفات الغني (١) (٢) ﵀: وفي الذهب والفضة إذا كان بحيث لا يدخل تحت الوزن كالذرة لا يثبت ربا الفضل، كما في بيع الحفنة بالحفنتين. وذكر في مبسوط شيخ الإسلام (٣) (٤) ﵀ في مسألة بيع الفلس (٥) بالفلسين: ولهذا [لا] (٦) يجوز بيع الذرة بالذرة التي لا تدخل تحت الوزن، كبيع الحفنة بالحفنتين؛ لإهدار التفاوت في الوصف بقوله: جيّدها ورديها سواء (٧)، ويجوز بيع الحفنة بالحفنتين، الحفنة ملء الكف، والاختلاف بيننا وبين الشافعي غير منحصر في بيع الحفنة بالحفنتين، والتفاحة بالتفاحتين، بل الاختلاف ثابت في بيع الحفنة بالحفنة، وبيع التفاحة بالتفاحة أيضًا، فعندنا يجوز فيهما جميعًا، وعنده لا يجوز فيهما جميعًا؛ لوجود الطعم وعدم المسوي، كذا في شرح الطحاوي (٨). ولهذا كان مضمونًا بالقيمة عند الإتلاف، وهذا لإيضاح أن الحفنة والحفنتين والتفاحة والتفاحتين لم يدخل (٩) تحت المعيار الشرعي، فلا يكون هي من المكيلات والموزونات، والدليل على هذا وجوب القيمة عند الإتلاف لا مثلها، [فلو بقيت مكيلة أو موزونة لوجب مثلها، فإن المكيلات والموزونات كلها من ذوات الأمثال لا من ذوات] القيم، وما دون نصف صاع فهو في حكم الحفنة، أي يجوز بيع الواحد بالاثنين فيما لا يدخل تحت نصف الصاع من المكيلات، حتى أنه لو باع خمس حفنات من الحنطة بست حفنات منها وهما لم يبلغا حد نصف الصاع جاز البيع.

стр. 2795

ثم اعلم أن ههنا دقيقة وهي أن الحنطة أو سائر المكيلات يجوز بيعها (١) فيما دون نصف صاع بجنسها من غير اعتبار التسوية، فيما إذا كان كل واحد من البدلين لا يدخل تحت نصف الصاع، وأما إذا كان أحد البدلين (يبلغ حد) (٢) نصف الصاع والآخر (يبلغ حد) (٣) نصف الصاع أو أكثر فبيع أحدهما بالآخر لا يجوز، نص على هذا في المبسوط (٤)، وقال (٥): لو باع حفنة بقفيز لا يجوز، والفقه فيه هو أن سقوط قيمة الجوزة (٦) في الأموال الربوية باعتبار (شرط تحقيق) (٧) المساواة، وقد ذكرنا أن المساواة إنما تكون بالكيل الشرعي في المكيلات، فكانت المساواة حينئذ باعتبار الذات، ويظهر الفضل الخالي عند المقابلة، فيكون الواحد بالاثنين أو أكثر فيحرم، بخلاف الحفنة بالحفنتين، فإن كل واحد من البدلين ههنا تقابل الآخر في البيع من غير اعتبار القفيز وهو المسوي الشرعي بدون (٨) اعتباره للجودة قيمة، ولا (٩) يظهر الفضل الخالي عن (١٠) المقابلة، وإذا قوبل (١١) الحفنة بالحفنتين يجعل كان (١٢) الحفنة هي الجيدة تقابل بجودتها الحفنتين اللتين (١٣) هما دونها في الجودة فيتساويان في القيمة، وإن لم يتساويا في الذات فيجوز، وعنده [لا] (١٤) يجوز؛ لعدم الطعم والثمنية. وأما لو تبايعا وزنيًا بوزني وهو مأكول أو مشروب؛ كالدهن والزيت والرب في الحل لا يجوز إلا وزنًا بوزن في قولهم جميعًا لكن باختلاف التخريج. أما عندنا؛ فلوجود الوزن، وأما عند الشافعي؛ فلوجود (١٥) الطعم. وإذا عدم الوصفان إلى أن قابل حل التفاضل. فإن قيل: كيف أضاف وجود الحل إلى عدم الوصفين، والعدم ليس بشيء، ومثبت الحل والحرمة يجب أن يكون شيئًا، إذ إثبات العدم شيئًا من الأشياء محال عقلًا وشرعًا. قلنا: الأصل في البياعات الإباحة على ما ذكرنا، والحظر إنما كان لمانع، فإذا عدم الحاظر من البيع أثبت الدليل الوجودي الذي هو الأصل في الإباحة إباحته، وهو قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (١٦)، لا أن العدم أثبت الحل، لكن أضيف الحكم إلى وقت انعدام الحاظر؛ لثبوت الحل عند فوت ثبوت الانعدام، كما لو حلف لا يكلم فلانًا إلى شهر، فمضى الشهر حل التكلم من غير حنث (١٧) باعتبار الإباحة الأصلية؛ لأن انعدام (١٨) الشهر أثبت (١٩) حل التكلم، ومع ذلك قد يضاف حل التكلم إلى انعدام الشهر بجواز، فكذا هنا، فصار تقدير قوله: وإذا عدم الوصفان حل التفاضل، أي إذا عدم الوصفان حينئذ جاء، وأن دليل الحل أن يعمل عمله.

стр. 2796

والمعنى المضموم إليه وهو القدر، أي (الوزن أو الكيل) (١). والنساء بالمد لا غير التأخير، يقال: بعته بنساء، كذا في المغرب (٢). وحرمة النساء بأحدهما، حتى لو باع عبدًا بعبد إلى أجل لا يجوز؛ لوجود الجنسية، وهي بانفرادها تحرم النساء. وقال الشافعي ﵀: الجنس بانفراده لا يخدم (٣) النساء (٤)؛ لأن الجنسية عنده (شرط لا علة) (٥) (٦)، والنكتة له في هذا أن هذا العقد جمع بين بدلين لو قوبل كل واحد منهما بجنسه عينًا حل التفاضل بينهما، فيجوز إسلام أحدهما في الآخر كالهروي مع الهروي، وتأثير هذا أن باعتبار التأجيل في أحد البدلين يظهر التفاوت في المالية [حكمًا، والتفاوت في المالية] حقيقة أكثر تأثيرًا من التفاوت في المالية حكمًا، فإذا كان التفاوت في المالية في هذه الأموال حقيقة لا أثر لها في المنع من جواز العقد فالتفاوت حكمًا أولى. وحجتنا في ذلك ما روي عن النبي ﵇: أنه نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة (٧)، ولا يحمل هذا على النسيئة من الجانبين؛ لأن ذلك مستفاد بنهيه ﵇ عن الكالئ بالكالئ (٨)، ولأنه إذا قيل: باع فلان عبده بالحيوان نسيئة، فإنما يفهم منه النسيئة في البدل خاصة، ومطلق الكلام محمول على ما يتفاهمه (٩) الناس، ولا يستقيم اعتبار النساء بربا الفضل؛ لاتفاقنا على أن ربا النساء أعم حتى يثبت في بيع الحنطة بالشعير اعتبارًا، وإن كان لا يثبت ربا الفضل، ولأن إسلام الشيء في جنسه يؤدي إلى إخلاء العقد عن الفائدة، وإلى أن يكون الشيء الواحد عوضًا ومعوضًا، وعلى فضل خال عن العوض مستحق بالبيع، وذلك باطل.

стр. 2797

بيانه: أنه إذا أسلم ثوبًا هرويًا في ثوب هروي فإنه يلزم تسليم رأس المال في الحال، ثم إذا حل الأجل يرد ذلك الثوب بعينه، والمقبوض بحكم السلم في حكم عين ما يتناوله العقد، فلو جوزناه (١) هذا العقد لم يكن مفيدًا شيئًا، ويكون الثوب الواحد عوضًا ومعوضًا. وإذا أسلم ثوبًا هرويًا في ثوبين هرويين لو جوزنا ذلك لكان إذا حل الأجل أخذ منه ذلك الثوب بعينه وثوبًا آخر، فالثوب الآخر [يكون] فضلًا خاليًا عن العوض مستحقًا بالبيع وهو الربا بعينه، كذا في المبسوط (٢). وقوله: وقال الشافعي _رحمه الله_: الجنس بانفراده لا تحرم النساء (٣)، خص الجنس بانفراده، وليس للتخصيص به عنده زيادة فائدة، فإن عند الشافعي كما أن الجنس بانفراده لا يحرم النساء، فكذلك (٤) الكيل (٥) والوزن (٦) انفراده (٧) أيضًا لا يحرم النساء. وحاصله أن وجود أحد وصفي الربا من الجنس والقدر لا يحرم النساء، فإن عنده إسلام الثوب الهروي في الثوب الهروي يجوز، وكذلك إسلام المكيلات في المكيلات، والموزونات في الموزونات؛ نحو الحديد والرصاص يجوز عنده. والشافعي ينكر حرمة النساء، فورد عليه حرمة النساء في المطعوم. فيقول: التقابض في بيع المطعوم [بالمطعوم] شرط جواز العقد، فينعدم الجواز؛ لانعدام التقابض لا لكونه نساء. قلنا: هذا خرق لإجماع الصحابة ﵃، قال (٨) الصحابة اتفقوا على حرمة النساء، كذا في الإيضاح (٩). فالشبهة أولى [أي أولى] (١٠) أن لا يكون مانعة (١١). نظرًا إلى القدر، أي نظرًا إلى أن القدر الواحد وهو الكيل جمعهما كما في الحنطة مع الشعير بأن (١٢) كان أحدهما نقدًا والآخر نسيئة. أو الجنس أي أولى، أي نظراً إلى أن الجنس الواحد [الذي] (١٣) جمعهما كما في الثوب الهروي مع الثوب الهروي إذا كان أحدهما نقدًا والآخر نسيئة. فيتحقق شبهة الربا وهي مانعة، أي عن جواز البيع في النسيئة. وهذا لما عرف أن كل حكم تعلق بوصفين مؤثرين لا يتم نصاب العلة إلا بهما فلكل واحد منهما شبهة [العلية (١٤)، فبوجود القدر أو الجنس يثبت شبهة العلة.

стр. 2798

والنقدية أوجبت فضلًا في المالية فيتحقق شبهة الربا فيثبت بشبهة العلة، وهي أحد الوصفين. ثم هو علة تامة لحرمة النساء، وإن كان جزء (١) [الأصل والتفاضل والنساء يوم الجنس والقدر يوم العلة الموجبة للحرمة، إذ الأصل الجواز على ما بينا، والحرمة تعارض فيجوز ما لم يثبت، ودليل الحرمة مظهر] العلة؛ لحرمة الفضل فلا يؤدي إلى توديع (٢) أجزاء الحكم على أجزاء العلة. ثم اعلم أن علة الربا علة ذات وصفين: القدر والجنس، ولها من حكم الربا حكمان: حرمة حقيقة الفضل، وحرمة شبهة الفضل، وهي نساء (٣) أحد البدلين عند نقد (٤) الآخر؛ لما ذكرنا أن (٥) للنقد من المزية على النساء، فكان للنقد شبهة الفضل، فإذا وجد أحد وصفي علة الربا كان له شبهة العلة أيضًا، فيثبت به أيضًا حرمة شبهة الفضل، وهي حرمة نقد أحد البدلين عند [فقد] (٦) نساء الآخر وفاقًا وطباقًا لما بين العلة وحكمها؛ لأن عند اجتماع وصفي علة الربا كانت العلة حقيقة، فيثبت به أيضًا حرمة حقيقة الفضل وشبهة (٧). فلما انحط درجة العلية (٨) من الحقيقة إلى الشبهة عند وجود أحد وصفي علة الربا، أو حيث حرمة شبهة الفضل؛ للمناسبة بين العلة وحكمها، ولو (٩) انعكس [الحكم] (١٠) بأن يثبت حرمة حقيقة الفضل عند وجود شبهة العلة حينئذ بربا الحكم على العلة فلا يبقى الطباق والمناسبة بين العلة وحكمها. فإن قيل: النساء حرام في الأموال الربوية باعتبار شبهة الربا، وهي وجود نقد ما يقابلها من البدل في أن للنقد شبهة المزية على النساء، ثم الأموال التي ليست هي في أصلها من الأموال الربوية كالهروي مع الهروي صارت شبهة الأموال الربوية باعتبار وجود أحد وصفي علة الربا فيها، وهو (١١) الجنسية، فحينئذ كان في اعتبار حرمة النساء في تلك الأموال اعتبار (١٢) لشبهة الشبهة، وهي غير معتبرة في موضع من المواضع. قلنا: نعم كذلك، إلا أن كل قياس بمقابلة النص يتقال ويتصور، وكل معقول بمقابلة السمعي يتصاغر ويتهور، وقد ذكرنا من نهي النبي ﵇ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، فثبت بهذا أن ما يتراءى أي أنه من شبهة الشبهة فهي (١٣) شبهة الربا، وقد نهى النبي ﵇ عن شبهة الربا؛ لما روي عن النبي ﵇ أنه نهى عن الربا أو الريبة (١٤)، وذلك لأنه لما وجدت الجنسية في شيء من الأموال كانت شبهة على (١٥) الربا موجودة فيه لما ذكرنا أن اسم شبهة الربا إنما يطلق على الشيء الذي يوجد فيه أحد وصفي الربا، أو (١٦) قد وجدت الجنسية، فكانت شهبة علة الربا موجودة فيترتب عليها حكمها.

стр. 2799

وقال (١): إلا أنه إذا أسلم النقود في الزعفران (٢)، هذا استثناء من قوله: فإذا وجد أحدهما وعدم الآخر حل التفاضل وحرم النساء، فإن ذلك اللفظ بإطلاقه يتناول كل ما يوجد فيه أحد وصفي الربا من الجنس والقدر، ولا (٣) يجوز إسلام أحدهما في الآخر، كإسلام الثوب الهروي في الثوب الهروي؛ لوجود الجنسية، وإسلام الحنطة في الشعير؛ لوجود الكيل فيهما، وإسلام الحديد في الرصاص؛ لوجود الوزن فيهما. ثم ورد عليه إسلام النقود في الزعفران، فإنه يجوز مع أن الوزن فيهما موجود، فكان أحد وصفي علة الربا موجودًا (٤)، فينبغي أن لا يجوز نظرًا إلى ذلك الإطلاق، واستثنى (٥) ذلك بقوله: إلا أنه إذا أسلم النقود في الزعفران ونحوه؛ كالقطن والحديد، يجوز وإن جمعهما الوزن. وكذا [ذكر] (٦) في الإيضاح (٧) بقوله (٨): وإسلام الموزونات في الموزونات لا يجوز عندنا، إلا في مسألة واحدة وهي [مسألة] (٩) إسلام الدراهم والدنانير فيما يوزن يجوز، وإن جمعهما أحد الوصفين وهو الوزن. ثم اختلف تعليل مشايخنا في ذلك على وجهين، ذكرهما في الإيضاح فقال: وإنما جاز ذلك؛ لأن الشرع رخص في السلم، والأصل في رأس المال هو الدراهم والدنانير، فمتى قلنا بامتناع الجواز؛ لوجود أحد الوصفين ينسد باب السلم في الموزونات على ما عليه الأصل والغالب، فأثر شرع (١٠) الرخصة في التجويز، وهذا ظاهر من الفرق. ووجه آخر: وهو أن الوزن في الدراهم والدنانير وسائر الموزونات وإن اتحد صورة، فقد اختلف معنى، فإن الوزن في الدراهم والدنانير أخذ معنى تعيين المستحق بالعقد، وفي غيرهما لم يأخذ معنى تعيين المستحق بالعقد، فإن من اشترى (دنانير أو دراهم) (١١) موازنة كان له أن يبيعه موازنة من غير أن يعيد الوزن، وبمثله لو اشترى زعفرانًا موازنة لم يكن له أن يبيعه موازنة حتى يعيد الوزن، فإذا اختلف (١٢) معنى الوزن من هذا الوجه بقول إذا اتفقا في الوزن من كل وجه امتنع النساء لشبهة الربا؛ لوجود أحد وصفي علة الربا، فإذا وجد الاتفاق في الوزن من وجه دون وجه انحطت الشبهة إلى شبهة الشبهة وأنها غير معتبرة.

стр. 2800

وفي المبسوط (١): رد الوجه الأول من التعليل، ذكره في تفسير قول إبراهيم النخعي (٢) ﵀ فقال: وقوله لا يسلم ما يوزن فيما يوزن غير مجرى على ظاهره، بل المراد إذا كانا [متفقين] في المعنى بأن كانا مثمنين؛ كالزعفران مع القطن، فأما إذا كانا مختلفين في المعنى فذلك جايز، كما لو أسلم النقود في الزعفران أو الحديد أو القطن. ثم قال: والعراقيون من مشايخنا يقولون: الجواز للحاجة؛ لأن رأس المال يكون من النقود عادة، والحاجة يمس إلى إسلامها في الموزونات والمكيلات جميعًا. ولكن هذا كلام من يجوز تخصيص العلة (٣) الشرعية، ولسنا نقول به، بل نقول اتفاقهما (٤) في الوزن صورة لا معنى وحكمًا. فإن الوزن في النقود ليس نظير الوزن في الزعفران، فإن الزعفران يوزن بالأمناء، ويكون مثمنًا يتعين في العقود، والنقد يوزن بالصنجات (٥) ويكون ثمنًا لا يتعين في العقد. ومن حيث الحكم صفة الدين يلزم في الزعفران، حتى لو اشترى زعفرانًا بشرط الوزن ليس له أن يتصرف فيه قبل أن يزنه، فما كان هذا إلا نظير الموزون مع المكيل، فإنهما استويا من حيث أن كل واحد منهما مقدر صفته (٦). ولكن لما اختلفا في المعنى والحكم جوّز إسلام أحدهما في الآخر، فكذلك النقود مع سائر الموزونات. فلما علمنا ما هو المذكور في الكتابين [أي الإيضاح والمبسوط] حينًا إلى لفظ الكتاب، والنقود توزن بالصنجات، الصنجة: ستك ترازو، وصنجة الميزان (معد به) (٧)، ولا يقال: سنجة بالسين عن ابن السكيت (٨)، هكذا كان بخط الإمام تاج الدين الزرنوجي (٩) ﵀.

стр. 2801

وفي المغرب (١): الصنجات بالتحريك جمع صنجة بالتسكين. وعن الفراء (٢): السين أفصح (٣). وأنكره القتبي (٤) أصلاً، ذكره في باب الصاد (٥). فقال (٦): ولو (٧) باع بالنقود موازنة، هكذا صح في متن الكتاب، أي باع الزعفران وأشباهه بالنقود، وفي حاشية الكتاب: ولو باع النقود جعل نسخة، يعني باع النقود بالعروض، ثم (٨) كتب شيخي ﵀ في حاشية كتابه في المبسوط كما ذكر في المتن، وفي الإيضاح كما أثبت في الحاشية (٩). [وقوله] (١٠): وقبضها، أي وقبض النقود، وهي الدراهم والدنانير صح التصرف فيها قبل الوزن، أي في النقود، فهذا يتبين عدم اتفاق (١١) الزعفران مع الدراهم والدنانير في الحكم أيضاً، وهو عدم جواز التصرف في الزعفران قبل الوزن، وجوازه في النقود قبل الوزن، يعني أنه إذا باع الزعفران بشرط الوزن بأن يقول: بعت هذا الزعفران على أنه منّ أو منّان، وقبل المشتري ذلك، ليس للمشتري أن يتصرف فيه بالبيع وغيره من غير إعادة الوزن، كما في سائر السلع.

стр. 2802

أما لو باع منًّا من الزعفران بالنقود المشار إليها، فقال المشتري: اشتريت هذا الزعفران بهذه النقود المشار إليها، بشرط أنها خمسة أو عشرة دنانير، فقيل (١) البائع منه ذلك، فللبائع أن يتصرف في تلك النقود بأن يشتري بها شيئاً أو يتصرف فيها بوجه آخر قبل إعادة الوزن في النقود، فعلم بهذا أنهما لم يتفقا حكمًا [أيضًا] (٢) كما لم يتفقا في صورة الوزن، على ما ذكرنا، وإذا (٣) اختلفا فيه صورة ومعنى وحكماً. هذا على طريق اللف والنشر (٤)، فإن نظير الصورة ما ذكر أولًا، وكذا باقيه على الترتيب؛ لأن نظير الصورة هو ما ذكره، فإن ذلك أي الزعفران يوزن بالأمناء، وهذا يوزن بالصنجات، وكانا (٥) مختلفين صورة. وأما معنى فإن ذلك يتعين وهذا لا، وأما حكمًا فإنه لا يجوز التصرف فيه قبل القبض، وفي هذا يجوز، فكانا مختلفين معنى وحكمًا، فتنزل الشبهة فيه إلى شبهة الشبهة، يعني أنه لو اتفقا البدلان في الوزن من كل وجه، وهما ليسا من أموال الربا فكان فيهما شبهة الربا في النسيئة، كما لو أسلم الحديد في القطن، ولما لم يتفق البدلان ههنا، وهو ما إذا أسلم النقود في الزعفران في الوزن من كل وجه، بل اختلفا صورة ومعنى وحكمًا كان اتفاق الوزن فيهما شبهة الشبهة وهي غير معتبرة في المنع عن الجواز، على ما ذكرنا من تقرير الإيضاح (٦). وذكر في الذخيرة (٧) أصلًا آخر في هذا وقال: وربا النساء يحرم بأحد وصفي علة الربا وهو الجنس أو الوزن أو الكيل في مثمنين أو ثمنين، حتى أنه إذا أسلم قفيز حنطة في قفيز شعير لا يجوز؛ لوجود المكيل في مثمنين، وكذا إذا أسلم الدراهم في الذهب لا يجوز؛ لوجود الوزن في ثمنين، وإذا أسلم الحديد في الزعفران لا يجوز؛ لوجود الوزن في مثمنين، وإذا أسلم الدراهم في الزعفران يجوز؛ لأنه لم يوجد الوزن في مثمنين أو ثمنين إنما وجد في ثمن ومثمن.

стр. 2803

فإن قلت: لما كان شرط عدم جواز السلم في الشيء إيجاد (١) البدلين في الوزن أو في الكيل ينبغي أن يجوز إسلام الحنطة أو الشعير في الدراهم أو الدنانير، حيث لم يجمعهما لا كيل ولا وزن، ومع ذلك لا يجوز ذلك سلمًا. قلنا (٢): إنما كان هكذا؛ لأن الدراهم لا يصلح مسلمًا فيها، وكذلك الدنانير؛ لأن المسلم فيه مبيع، والدراهم والدنانير متعينة للثمنية. وهل يجوز بيعًا، قيل: إن كان بلفظ البيع يجوز البيع بثمن مؤجل، وإن كان بلفظ السلم، فقد قيل: لا يجوز. وقال الطحاوي ﵀: وينبغي (٣) أن يجوز البيع بثمن مؤجل، كذا في الذخيرة (٤). فهو مكيل أبدًا. واتفقت الروايات عن أصحابنا: أن ما ثبت كيله بالنص، لا يجوز بيعه بجنسه وزنًا، وإن تماثلا وزنًا؛ كالحنطة وأشباهها؛ لأن الشرع ورد فيها بالجواز بشرط التماثل (في الكيل) (٥). وقال في فتاوى أهل سمرقند (٦): لو علم أنهما تماثلا كيلاً يجوز، كذا في الذخيرة (٧). لأن النص أقوى من العرف؛ لأن العرف يحتمل أن يكون على الباطل، وأما (٨) النص بعد ثبوته فلا يحتمل أن يكون على الباطل، ولأن العرف حجة على الذين تعارفوا به، وليس بحجة على من (٩) لم يتعارفوا به، وأما (١٠) النص فحجة على الكل. لأنها دلالة، أي لأن عادات الناس دلالة على جواز الحكم فيما وقعت عليه عادات الناس؛ لقوله ﵇: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن» (١١).

стр. 2804

لأن (١) النص على ذلك لكان (٢) العادة، أي لأن النص بالكيل (٣) في المكيل وبالوزن في الموزون في ذلك الوقت إنما كان لمكان العادة فيه، فكان المنظور إليه العادة أيضًا في ذلك الوقت، وقد تبدلت يجب (٤) أن يثبت الحكم على وفاق ذلك ....... (نقص كلام). لا يجوز عندهما أي عند أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله-، إلا أنّه يجوز الإسلام في الحنطة وزنًا أي على ما هو اختيار الطحاوي (٥). و [ذكر] (٦) في المبسوط (٧) في آخر الباب الأول من كتاب البيوع: ولا خير في أن يبتاع حنطة بحنطة مجازفة، وكذلك كل مكلل (٨) أو موزون؛ لأن المساواة في القدر شرط لجواز العقد. وإن (٩) تبايعا صبرة بصبرة مجازفة ثم كيلتا بعد ذلك (وكانتا متساويتين) (١٠) لم يجز العقد عندنا. وقال زفر: يجوز (١١)؛ لأن ما هو شرط الجواز وهو المماثلة، قد تبين أنّه كان موجودًا وإن لم يكن معلومًا للمتعاقدين. وحجتنا في ذلك: أن المعتبر لجواز العقد [بالمساوة] (١٢) العلم بالمساواة عند العقد؛ لأنه إذا لم يعلم ذلك كان الفضل معدومًا موهومًا، وما هو موهوم الوجود يجعل كالمتحقق فيما بنى (١٣) أمره على الاحتياط. ثم قال: وكذلك لو باع الحنطة بالحنطة وزنًا بوزن لا يجوز؛ لأن الحنطة مكيل (١٤)، وشرط الجواز فيها المماثلة في الكيل، وبالمساواة (١٥) في الوزن لا يعلم المماثلة في الكيل. وهذا بخلاف ما لو أسلم في الحنطة وزنًا فإنه يجوز على ما ذكره الطحاوي؛ لأن في المسلم فيه لا يعتبر المماثلة إنما يعتبر الإعلام على وجه لا يبقى بينهما منازعة في التسليم، وذلك يحصل بذكر الوزن كما يحصل بذكر الكيل، وذكر في التتمة (١٦): إذا أسلم مكايلة فيما ثبت وزنه نصاً أو موازنة فيما ثبت كيله نصاً، ذكر في المجرد (١٧) عن أصحابنا أنه لا يجوز، وروى الطحاوي عن أصحابنا أنه يجوز، فصار في هذا الفصل روايتان.

стр. 2805

فإن قلت: هذا الذي ذكر كله في الفرق (بين الوزني أو الكيلي) (١) نصًا، وبين كونه عادة في الجنسين المختلفين، وهل يختلف الحكم بين الوزني نصًا وبين الوزني عادة في متحدي الجنس كما في إنائين مصوغين من جنس واحد، أحدهما أكثر وزنًا من الآخر، وفي إنائين مصوعين (٢) من ذهب أحدهما أكثر وزنًا من الآخر، وكذلك في الفضة في البيع أم لا. قلت: نعم، ففي الأول: يجوز، وفي الثاني: لا [يجوز] (٣)، بيان ذلك فيما ذكره من المبسوط (٤) في الباب الأول من كتاب البيوع فقال: ولا بأس بأن يبيع إناء مصوعًا (٥) بإناء مصوع (٦) من نوعه يدًا بيد، وإن كان أكثر منه في الوزن (٧)، (إذا كان ذلك) (٨) الإناء لا يباع وزنًا؛ لأنه عددي متفاوت كالثياب، وهذا بخلاف أواني الذهب والفضة، فإنه يجري فيها ربا الفضل، وإن كانت لا تباع وزنًا في العادة؛ لأن صفة الوزن في الذهب والفضة منصوص عليها، فلا يتغير ذلك بالصنعة ولا يخرج من أن يكون موزونًا بالعادة، والعادة (٩) لا تعارض النص، وأما في الحديد والشبه وما أشبه ذلك، فصفة الوزن ثابتة بالعرف، فيخرج من أن يكون موزونًا بالصنعة بالعرف، ويتعارف الناس بيع المصنوع [نصف] (١٠) منه عددًا. الرطل (١١) بالكسر والفتح لغة: نصف منا، المنا مقصور الذي يوزن به، وهو أفصح من المن (١٢). وقال أبو عبيد (١٣) (١٤): الرطل وزنه مائة درهم وثمانية وعشرون درهمًا وزن سبعة (١٥).
следующие страницы →