← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

والثاني: أن العصفور وإن كان من العدديات المتقاربة إلا أنه بمعنى المنقطع؛ لأنه مما لا يقتنى، ولا يحبس للتوالد، وقد يمكن أخذه، وقد لا يمكن، ولا رجحان لإمكان الأخذ على عدم الإمكان، حتى يقام مقام الموجود في أيدي الناس فيبقى العبرة للانقطاع، بخلاف السمك الطري؛ لأن إمكان الأخذ في السمك راجح (١) على عدم الإمكان، فيكون العبرة لإمكان الأخذ فيقام إمكان الأخذ مقام الموجود في أيدي الناس. وأما في لحومها، أما عددًا فلا إشكال أنه لا يجوز؛ لأنه عددي متفاوت. وأما وزنًا هل يجوز، فظاهر ما ذكر محمد يدل على أنه لا يجوز؛ لأنه أطلق إطلاقًا، فمن مشايخنا من قال: بأن (٢) المسألة على الاختلاف لا يجوز عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما يجوز، كما لو أسلم في اللحم، ومنهم من يقول: لا يجوز عند الكل، إلا أنه حمل المذكور من لحم الطيور على طيور لا يقتنى ولا يحبس للتوالد، فيكون البطلان بسبب أنه أسلم في المنقطع فلا (٣) يجوز بسبب الانقطاع عندهم جميعًا، وإن ذكر الوزن، فأما (٤) فيما يقتنى ويحبس للتوالد يجوز عند الكل؛ لأن ما يقع من التفاوت في اللحم يسبب (٥) العظم في (٦) الطيور تفاوت لا يعتبره الناس، فإنه لا تجري المماكسة بسببه، فكان بمنزلة عظم الإلية وعظم السمك، وإلى هذا مال (٧) شيخ الإسلام المعروف بجواهر (٨) زاده (٩). وذكر في المبسوط (١٠): وعن أبي يوسف ﵀ قال: ما لا يتفاوت آحاده في المالية كالعصافير ونحوها يجوز السلم في لحومها. وقال: لا يجوز على الوجه الثاني، وهو التعليل بالسمن والهزال والتضمين بالمثل جواب عن قولهما فالمثل أعدل من القيمة؛ لأن فيه رعاية الصورة والمعنى. وقال (١١): ولأن القبض يغاير (١٢) هذه النكتة؛ لأجل التفرقة بين الاستقراض والسلم، ففي الاستقراض يقبض حالاً وترتفع الجهالة بالقبض، فلا يفضي (١٣) إلى المنازعة، وأما في السلم فإن المسلم فيه إنما يعرف بالوصف، وبالوصف لا ترتفع الجهالة فيفضي إلى المنازعة، فلما لم يعرف الوصف تمام التعريف لم يكتف بالوصف في حق اللحم في السلم.

стр. 2872

ولا يجوز السلم إلا مؤجلًا. وقال الشافعي ﵀: يجوز [حالاً] (١)؛ لإطلاق الحديث: "ورخص في السلم" إلى آخره. قيل: ترك كل منا ومن الشافعي مذهبه، (وأن من) (٢) مذهب الشافعي حمل المطلق على المقيد، وعندنا على عكسه، ثم مذهبنا ومذهبه يختلفان في السلم والكتابة على طريق المضادة في اشتراط الأجل، أعني إن سلم الحال لا يجوز عندنا، وعنده يجوز، وفي الكتابة على العكس، فإن الكتابة الحالة جائزة عندنا، وعنده لا يجوز (٣). ثم أنه إنما ترك أصله وهو حمل المطلق على المقيد هنا فقال: لأني وجدت الأصول متعارضة، حيث وجدت البيع غير مؤجل، والكتابة مؤجلة على أصلي، كما تركت أصلي هذا في صوم كفارة اليمين؛ لأني وجدت الأصول متعارضة، فإن صوم المتعة مشروع بصفة التصرف [التفريق]، وصوم الظهار (٤) مشروع بصفة التتابع، فتركت صوم كفارة اليمين مطلقاً على حاله إن شاء فرق كما في صوم المتعة، وإن شاء تابع كما في صوم الظهار. وعندنا المل (٥) بالمقيد هنا، لا على طريق حمل [المطلق على] (٦) المقيد، بل لما ورد الإطلاق والتقييد هنا في الحكم، وهو جواز عقد السلم عند ذكر الأجل، وعدم الجواز عند تركه كان التقييد بشرط الأجل وصفاً زايدًا على الحكم المطلق، فلما تعلق الجواز بقيد الأجل لا يبقى مطلقاً حينئذ فعملنا (٧) بالزيادة، كما عملنا (٨) بنص التتابع في صوم كفارة اليمين عند ورود النصين بالإطلاق والتقييد فيه. واحتج الشافعي في ذلك بالحديث: "ورخص في السلم" فقد أثبت في السلم رخصة مطلقة، واشتراط (٩) التأجيل فيه زيادة على النص، والمعنى فيه أنه معاوضة مال بمال، فيكون الأجل فيه يرقيها لا شرطًا كالبيع والإجارة، ولأن الظاهر من حال العاقد أنه لا يلتزم تسليم ما لا يقدر على تسليمه، فكان الظاهر أنه يقدر على تسليمه، وذلك يكفي لجواز العقد، ولئن لم يكن قادراً على التسليم فيما يدخل في ملكه من رأس المال يقدر على التحصيل والتسليم، ولهذا أوجبنا تسليم رأس المال على رب السلم أولاً قبل قبض المسلم فيه، وبهذا فارق الكتابة الحالة، قال: فإني لا أجوز الكتابة الحالة، فإن العبد يخرج من (١٠) بر (١١) مولاه غير مالك لشيء، فلا يكون قادراً على تسليم البدل، وبما يدخل في ملكه لا يقدر على التحصيل إلا بمدة، ولهذا (١٢) لا أجوزه إلا مؤجلاً.

стр. 2873

وحجتنا فيه قوله ﵇: «من أسلم فيسلم (١) في كيل معلوم ووزن معلوم، إلى (٢) أجل معلوم» (٣)، فقد شرط الجواز السلم إعلام الأصل (٤) كما في شرط إعلام القدر، والمراد بيان أن الأجل من شرائط السلم، كالرجل يقول: من أراد الصلاة فليتوضأ، إلا أن يكون المراد أنه إذا أسلم مؤجلاً ينبغي أن يكون الأجل معلومًا، بل ظاهره يحرم السلم على من أراد إلا لهذه (٥) الأوصاف، كرجل يقول: من دخل داري فليدخل غاض البصر، ومن كلمني فليتكلم بالصواب، فتقيد السلم المطلق في حديث الرخصة بهذا، فجاء من هذا أن الأجل المعلوم شرط لجواز السلم. ولأن النبي ﵇ نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان (٦) ورخص في السلم، أخبر أنه جوزه رخصة، والرخصة ما استبيح لعذر مع قيام المحرم، علم بهذا أن الحكم الأصلي في باب السلم أن لا يجوز؛ لأنه بيع ما ليس بعين و ما ليس بملك، وملك المبيع شرط لجواز العقد مع العينية. ولأن المراد من النهي [عن] (٧) بيع ما ليس في ملكه، ولا (٨) بيع ما ليس بحضرته بدليل أنه إذا باع ما بحضرته قبل الملك ثم ملك (٩) فسلم لم يجز، وإذا باع شيئاً غائباً قد رآه المشتري وهو في ملكه صح، قبلت (١٠) أن الأصل في باب السلم الفساد، وإنما أبيح رخصة، والرخصة اسم لما أبيح بعذر مع قيام المحرم تيسيراً على العباد، وكل الأعذار للعبادة في العجز، والعجز في باب السلم حاجة الفقير إلى ثمن السلعة لعسرته، والعجز بسبب المعدوم (١١) لا يرتفع إلا بالتمليك، وذلك لا يحصل عادة إلا بزمان يكسب فيه، أو مجيء (١٢) حين الحصاد، فلم يبح لذلك إلا بالأجل؛ ليتمكن فيه من الكسب فيقدر على التسليم، فصار الأجل شرطًا لا لعينه بل للقدرة على التسليم كما قال الشافعي في الكتابة.

стр. 2874

إلا أنا نقول في الكتابة: أن البدل في الكتابة معقود به لا معقود عليه، والقدرة على تسليم المعقود [عليه] ليست بشرط لجواز العقد كالثمن في البيع. فأما المسلم فيه فمعقود عليه، والقدرة على تسليم المعقود عليه شرط (١) لجواز العقد كما في بيع العين، ولأن الكتابة إرفاق، فالظاهر أن المولى لا يضيق عليه في المطالبة بالبدل. وأما السلم فعقد تجارة، وهو مبني على الضيق، فالظاهر أنه يطالبه بالتسليم بمقدار عقيب العقد، وهو عاجز عن ذلك، فلهذا لم يجوّزه إلا مؤجلاً، كذا في المبسوط والأسرار (٢). الحاجة نقص يرتفع بالمطلوب وينجبر به. يقال: أفلس الرجل أي صار مفلساً (٣)، كأنما صارت دراهمه فلوساً كما يقال: أخبث الرجل إذا صار أصحابه (٤) خبثاً. ويجوز أن يراد به أنه صار إلى حال يقال فيها: ليس معه فلس، كما يقال: أقهر الرجل أي صار إلى حال يقهر عليها. والمفاليس جمع المفلس على الوجهين. ولأنه شرع رخصة دفعًا لحاجة المفاليس، فلا بد من الأجل ليقدر على التحصيل فيه. فإن قلت: لو كان (٥) شرعية عقد السلم دفعًا لحاجة المفاليس لاختصت (٦) بحالة الإفلاس وليس كذلك، ألا ترى أنه يجوز بيع الحنطة سليمًا (٧) وعنده إكرار حنطة. قلت: أن الشيء لا يباع سليمًا (٨) إلا بأدنى الثمنين، والعاجز (٩) لا يبيع إلا للربح، فدل البيع بأدنى الثمنين على أنه لا يبيع إلا للعجز (١٠) عن الربح، ولا عجز إلا بأن يجعل ما عنده مستغرقاً لحاجته، ولأن حقيقة العدم أمر باطن لا يمكن الوقوف عليه حقيقة، والشرع بنى هذه الرخصة على العدم، فيبنى على السبب الظاهر الدال على العدم؛ ليمكننا تعليق الحكم به والبيع بالخسران دليل على العدم، وهذا كما علق رخصة المسافر بالمشقة، وهي أمر باطن في الإنسان، فأقام الشرع السبب الظاهر المشير للمشقة من السفر مقام حقيقة المشقة، وإن لم يكن في السفر (١١) مشقة أصلاً، فإن السلطان إذا تنزه من بستان إلى بستان، ومقصده مسيرة تصرفاته يترخص برخص المسافر (١٢)، وكذلك النكاح الظاهر أقيم مقام الماء الباطن في باب النسب (١٣)، ونظائره كثيرة، ولهذا المعنى وهو معنى العدم، والله أعلم.

стр. 2875

سمي السلم سليمًا (١)؛ لأن من شرط البيع أن يكون بعد الملك، وهذا البيع (٢) قبل الملك، فكان استعجالاً للبيع عن حينه، والسلم والسلف في اللغة واحد، والسلف ينبئ عن التعجيل كالسلف من الناس وهم الذين تعجلوا (٣) إلى الله تعالى، والعقود خصت بأسماء دالة على معانيها كالنكاح سمي به؛ لما فيه من الازدواج والضم، والصرف سمي به؛ لما فيه من تراد الإبدال في المجلس لا بد منه، والاستصناع سمي به؛ لما فيه من طلب الصناعة للعين الذي يريده، وكذلك الحوالة (٤) والكفالة. فإن قيل: إنما سمي عقد السلم سلمًا لما فيه من استعجال رأس المال. قلت: أن السلم اسم للمسلم فيه دون رأس المال، فلا يكون الاسم مبيناً عما ليس بمقصود في العقد، والدليل أيضاً على أن سلم الحال لا يجوز هو أنا اتفقنا على وجوب تسليم رأس المال أولاً، فلو جاز أن يكون المسلم فيه حالاً لم يجب تسليم رأس المال أولاً؛ لأن قضية المعاوضة التسوية بين المتعاقدين في الملك والتسليم، يعني لما كان أحد البدلين وهو المسلم فيه على ما هو قول الخصم جائز التسليم في الحال، كان ينبغي أن يكون الحكم كذلك في رأس المال بأن يكون جائز التسليم لا واجب التسليم؛ لما أن مقتضى العقد التسوية، ولم يكن كذلك بل كان رأس المال واجب التسليم في حال العقد، علم بهذا أن الأجل في المسلم فيه ليس بجائز بل هو واجب، ويتضح هذا فيما إذا كان رأس المال عينًا، وأن (٥) أول التسليمين في البدل الذي هو دين كالثمن في بيع العين، والدليل عليه أن السلم اختص بالدين مع مشاركة العين الدين فيما هو المقصود، فما كان كذلك (٦) [إلا] (٧) لاختصاصه بحكم يختص به الدين، وليس ذلك إلا الأجل، كذا في المبسوط والأسرار وغيرهما (٨).

стр. 2876

ولو كان قادرًا على التسليم لم يوجد المرخص وهو العجز عن التسليم، يعني لو كان قادرًا على تسليم المسلم فيه، ومع ذلك باع سلمًا بأن (١) باع وهو معدوم لا يجوز؛ لوجود النافي، وهو القياس؛ لأن القياس يبقي السلم؛ لأنه بيع المعدوم، أو النافي هو ما روي عن النبي ﵇: أنه نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان (٢)، وهو معنى قوله: فبقي على وهو من النفي، لا الباقي (٣) من البقاء (٤). وقيل: ثلاثة أيام، وهو ما ذكره أحمد بن أبي عمران البغدادي (٥) أستاذ الطحاوي -رحمهما الله- عن أصحابنا اعتبارًا للأجل بالخيار الذي ورد الشرع فيه بالتقدير ثلاثة أيام. وقيل: أكثر من نصف يوم؛ لأن المعجل ما كان مقبوضًا في المجلس، والمؤجل ما يتأخر قبضه عن المجلس، ولا يبقى المجلس بينهما في العادة أكثر من نصف يوم. ومن مشايخنا من يقول: أدنى الأجل شهر؛ استدلالًا بمسألة كتاب الأيمان إذا حلف المديون ليقضين حقه عاجلًا، فقضاه قبل تمام الشهر برَّ في يمينه، فإذا كان ما دون الشهر في حكم العاجل كان الشهر وما فوقه في حكم الأجل، كذا في المبسوط (٦). وذكر في الذخيرة (٧): وعن أبي الحسن الكرخي ﵀ أنه ينظر إلى مقدار المسلم فيه وإلى عرف الناس في تأجيل مثله، فإن كان قدر (٨) ما أجل أجلاً يؤجّل بمثله (٩) في العرف والعادة يجوز السلم، وما لا فلا.

стр. 2877

ثم قال: وعن محمد ﵀ أنه قد (١) راد (٢) الشهر (٣) فصاعدًا وعليه الفتوى؛ لأنه يتأخر فيه التسليم، فربما يضيع فيؤدي إلى المنازعة، حتى أنه لو اشترى بذلك إلا يدًا بيد فلا بأس به؛ لأن في المعيّن يجوز البيع مجازفة، فبمكيال غير معروف أولى، وهذا لأن التسليم عقيب العقد، والقدرة على التسليم في الحال ثابتة؛ لقيام المكيال الذي عينه. وقد مر من قبل، أي في أول كتاب البيوع. الكيس ابناشتن من حد ضرب والانكباس ابناشته شدن. الزبيل معروف، فإذا كسوته (٤) يقتلان (٥). قلت: أبيل وزنبيل؛ لأنه قيس (٦) في الكلام فعليل بالفتح، كذا في الصحاح (٧). أرأيت، أي أخبرني، ثم قال النبي ﵇: «بم يستحل أحدكم» (٨)، وهذا بيان من النبي ﵇ بطريق [التعليل] (٩) لعدم الجواز (في ثمرة) (١٠) قرية بعينها [أو ثمرة محله إلى آخره] (١١). وقال: مال أخيه أراد به رأس المال، أي لو لم تحصل الثمرة فبأي طريق يحل رأس المال للمسلم إليه. ولو كانت النسبة إلى قرية لبيان الصفة لا على شرط القرية المعينة، بل على بيان أن صفة تلك الحنطة التي هي المسلم فيه مثل صفة حنطة تلك القرية المعيّنة كالحشمراني ببخارى يجوز عقد السلم، فإن تعيين الحشمراني لا باعتبار أن يكون الحنطة من الحشمران لا غير، بل باعتبار أن صفة الحنطة مثلاً بمثل صفة حنطة الحشمران. وذكر في المبسوط (١٢): وإذا أسلم في حنطة من حنطة هراة (١٣) خاصة، وهي تنقطع عن أيدي الناس فلا خير فيه، كما لو أسلم في طعام فراح عيّنه، قيل: لم يرد بهذا هراة خراسان، وإنما مراده قرية في الفرات تسمى هراة، وطعام تلك القرية (١٤) يتوهم أن يصيبها (١٥) آفة، أما هراة خراسان فلا يتوهم انقطاع طعامه، فهو والسلم (١٦) في طعام العراق والشام سواء.

стр. 2878

وإذا أسلم في ثوب هروي فلا بأس به، من أصحابنا من يقول بأن الثوب الهروي لا يتوهم انقطاعه بخلاف الطعام، فالجراد قد يستأصل طعام هراة، ولا يستأصل حوكه هراة، وهذا ضعيف، قالوا: قد يستأجل (١) حوكة هراة، ولكن المعنى الصحيح في [الطعام] (٢) الفرق أن نسبة الثوب إلى هراة لبيان جنس المسلم فيه، لا لتعيين المكان، فإن الثوب الهروي ما ينسج على صفة معلومة، فسواء نسج على تلك الصفة بهراة أو بغير هراة يسمى هرويًا بمنزلة الزندنيجي والوداري، فقال: وإلى هذا أشار في الكتاب، فقال: الثوب الهروي من الثياب بمنزلة الحنطة من الحبوب، يعني بهذا بيان الجنس بخلاف الحنطة، وأن (٣) حنطة هراة ما ينبت بأرض هراة حتى أن النابت في موضع آخر لا ينسب إلى هراة، وإن كان تلك (٤) الصفة فكان هذا تعيينًا للمكان وذلك يتوهم انقطاعه. قال مشايخنا: إن نسب الطعام إلى موضع يعلم أن مراده بذلك بيان الصفة فذلك لا يفسد السلم أيضاً كالحشمراني ببخارى، فإنه يذكر ذلك لبيان جودة الحنطة، ولا يختص له ما ينبت بتلك القرية، فكأنه قال: في حنطة جيدة. وقع في الأصل: والثوب الهروي لا يصنع بغير تلك البلاد، وهو غلط، بل الصحيح أن الثوب الهروي يصنع في غير تلك البلاد على ما بيّنا أنه اسم منسوج بصفة فسمى به، وأن نسج بغير هراة. النجسي خلاف السقي منسوب إلى النجس وهي الأرض التي يسقيها السماء؛ لأنها منجوسة الحظ من الماء. ثم بمكيال معروف، أي معروف المقدار. والأصل فيه ما روينا، وهو قوله ﵇: «من أسلم منكم» (٥) إلى آخره. والفقه فيه ما بينا وهو قوله: ولأن الجهالة فيه مفضية إلى المنازعة. ومعروفة (٦) مقدار رأس المال إذا كان يتعلق العقد على مقداره كالمكيل. وإنما قيد بهذا احترازًا عن ما لا يتعلق عقد السلم بمقداره (٧) كالمذروعات؛ لأن الذُرعان في الثوب المعين صفة، ولهذا لو اشترى ثوبًا على أنه عشرة أذرع فوجده أحد عشر ذراعًا يسلم له الزيادة، ولو وجده تسعة أذرع لا يحط عنه شيء من الثمن، والمسلم فيه لا ينقسم على عدد الذرعان ليشترط إعلامه، بخلاف ما إذا كان رأس المال هو (٨) المكيلات والموزونات، فإن إعلامه شرط عند أبي حنيفة ﵀، وهو مروي عن ابن عمر ﵄، وقول الفقيه من الصحابة مقدم على القياس.

стр. 2879

والمعنى فيه أن هذا مقدر (١) يتناوله عقد السلم فلا بد من إعلام قدره كالمسلم فيه. وتحقيقه أن جهالة قدر رأس المال يؤدي إلى جهالة المسلم فيه؛ لأن المسلم إليه ينفق رأس السلم (٢) شيئًا فشيئًا، وربما يجد بعض ذلك زيوفاً فيرده، فلا (٣) يستبدله في مجلس الرد، فيبطل العقد بقدر ما رده، فإذا لم يكن مقدار رأس المال معلومًا لا يعلم في كم انتقص السلم وفي كم بقي، وإذا كان مقدار رأس المال معلومًا يوزن المردود فيعلم به في كم انتقص العقد، وما يؤدي إلى جهالة المسلم فيه يجب الاحتراز عنه، وإن كان ذلك موهومًا، ألا ترى أنه لو أسلم في مكيل بمكيال رجل بعينه لا يجوز العقد؛ لأنه يتوهم هلاك ذلك المكيال، وهو مخالف لغيره من المكاييل، فإذا هلك صار مقدار المسلم فيه مجهولاً، فكذلك ههنا يجب التحرز عن هذه الجهالة بإعلام مقدار رأس المال، بخلاف ما إذا كان رأس المال ثوباً؛ لأن الذرعان في الثوب المعين صفة فلا يتعلق عقد السلم بمقداره إلى آخر ما ذكرنا (٤)، كذا في المبسوط (٥). إذا كان له حمل ومؤنة، الحمل بالفتح مصدر حمل الشيء، ومنه ما له حمل ومؤنة، يعنون ما له نقل يحتاج في حمله إلى ظهر أو أجرة حمال، وبيانه في لفظ الأصل مال (٦) مؤنة في الحمل، كذا في المغرب (٧). وإنما قيد بهذا؛ لأنه إذا لم يكن له حمل ومؤنة فلا خلاف أن بيان مكان الإيفاء وليس (٨) بشرط. ولكن عند أبي يوسف ومحمد [رحمهما الله] (٩) في أظهر الروايتين: يجب تسليمه في مكان العقد؛ لأنه موضع الالتزام. وفي رواية أخرى عنهما: أنه يسلم إليه حيث ما لقيه (١٠)، وهو قول أبي حنيفة ﵀ سواء بيّنا (١١) المكان أو لم يبيّنا (١٢)؛ لأن الشرط الذي ليس بمفيد (١٣) لا يكون معتبرًا، والمالية فيما لا حمل له ولا مؤنة لا (١٤) يختلف باختلاف الأمكنة، إنما نختلف (١٥) لعزة (١٦) الوجود وكثرة الوجود، وأما فيما له حمل ومؤنة (١٧) فيختلف ماليته باختلاف المكان، وأن (١٨) الحنطة والحطب موجود في المصر والسوار (١٩) جميعًا، ثم يشتري في المصر بأكثر ما يشتري به في السواد (٢٠)، وما كان ذلك إلا لاختلاف المكان، كذا في المبسوط (٢١).

стр. 2880

فهاتان مسألتان، أي لاختلاف (١) بين أبي حنيفة وصاحبيه في هاتين المسألتين. وإنما ذكر هذا؛ ليبين أن كل واحدة (٢) من المسألتين يحتاج إلى إقامة الدليل من الطرفين بطريق الاستبداد. فأشبه الثمن والأجرة، يعني إذا جعل المكيل أو الموزون ثمن (٣) المبيع أو الأجرة في الاستئجار، وأشار إليهما ولا يعرف مقدارهما يجوز بالإشارة، فكذا ينبغي أن يكتفى (٤) بالإشارة في رأس المال. قلنا: ما ذكرناه من [أن] (٥) انفساخ عقد السلم على تقدير الرد، وعدم الاستبدال في مجلس الرد لا يلزم ههنا، فإن البيع أو عقد الإجارة لا ينفسخ برد الثمن، وترك الاستبدال في مجلس الرد، وكذلك الأجرة، فافترقا [من هذا] (٦) الوجه. وصار كالثوب، أي إذا جعل الثوب رأس مال السلم يجوز وإن لم يبين ذرعانه (٧)، فلو لم يعلم قدره لا يدري في كم بقي. فإن قيل: في هذا اعتبار لشبهة (٨) شبهة [وجه] (٩) الشبهة أو أكثر، وذلك لأن وجود بعض رأس (١٠) المال زيوفاً فيه شبهة واحتمال؛ لأنه يحتمل أن لا يجد زيفاً وهو (١١) الظاهر، وبعد الوجود الرد محتمل، وبعد [الوجود والرد محتمل، وبعد الرد] ترك الاستبدال في مجلس الرد محتمل، فالمعتبر هو شبهة الشبهة دون النازل عنها. قلنا: هذه (١٢) شبهة (١٣) واحدة؛ لأن كلاً منها مبني على وجوده زيفاً فكانت (١٤) شبهة واحدة؛ [لأن كلاً منهما] (١٥) فيعتبر. والموهوم في هذا العقد كالمتحقق كما ذكرنا من عدم جواز عقد السلم في المكيل بمكيال (١٦) رجل بعينه لوهم الهلاك. ومن فروعه، أي من (١٧) فروع الاختلاف في معرفة مقدار رأس المال: إذا أسلم في جنسين [إلى أن قال: أو أسلم جنسين] (١٨). فصورتهما جميعًا مذكورتان في المبسوط (١٩):

стр. 2881

أما الأولى: فهي ما إذا أسلم الرجل مائة درهم في كر [حنطة وكر شعير]، ولم يبين رأس مال (١) كل واحد منهما فلا خير فيه عند أبي حنيفة ﵀ (٢) -، وهذا بناء على (ما بينا أن) (٣) إعلام قدر رأس المال فيما يتعلق العقد على قدره شرط عنده، وههنا (٤) المائة (٥) التي ينقسم على الحنطة والشعير باعتبار القيمة، وطريق معرفة الحزر، فلا يكون مقدار رأس المال لكل (٦) واحد منهما معلومًا، وعندهما الإشارة إلى العين يكفي لجواز العقد، وقد وجدت. وأما الثانية: فهي ما إذا أسلم دراهم ودنانير في طعام، وقد علم وزن أحدهما ولم يعلم وزن الآخر، فلا خير فيه عند أبي حنيفة – ﵀ (٧) -، وجائز عندهما؛ لأن إعلام قدر رأس المال عندهما ليست (٨) بشرط، فالإشارة إلى العين يكفي، وعند أبي حنيفة ﵀ (٩) - إعلام القدر فيما يتعلق العقد بقدره شرط، وإذا لم يعلم وزن أحدهما بطل العقد في حصته؛ لانعدام شرط الجواز، فيبطل في حصة الآخر أيضاً؛ لاتحاد الصفقة، أو لجهالة حصة الآخر، والسلم في المجهول لا يصح ابتداءً. ولهما في الثانية، أي في المسألة الثانية، وهي بيان [أن] (١٠) مكان التسليم لا يحتاج إليه عندهما، أن إمكان (١١) العقد يتعين لوجود العقد الموجب لتسليم (١٢) فيه؛ لأن السبب الموجب لتسليم (١٣) وهو العقد وجد فيه، كما في بيع العين، وأن (١٤) من باع حنطة بعينها بسواد يجب تسليمها في موضع الحنطة؛ لأنه ملكها في ذلك الموضع، ولأن أحد البدلين وهو رأس المال يجب تسليمه في موضع العقد، فكذلك البدل الآخر؛ لأن العقد في حكم (١٥) مكان التسليم مطلق (١٦) فيقتضي المساواة بين البدلين. فإن قيل: لو تعيّن مكان العقد لبطل ببيان مكان آخر، كما في بيع العين فإنه لو اشترى كر حنطة، وشرط على البائع الحمل إلى هذا (١٧) فإن البيع يفسد، سواء اشتراه في المصر أو خارج المصر، [أو] (١٨) اشتراه بجنسه أو بخلاف جنسه، والمسألة في الذخيرة (١٩).

стр. 2882

قلنا: لما عين مكاناً آخر بالنص صار أولى من مكان العقد الذي كنا نعينه بدلالة (١) السلب (٢) الموجب للتسليم من غير نص، غير أن هذا (٣) الشرط يفسد بيع العين؛ لأن المشتري يملك العين بالشرى، وإذا (٤) شرط عليه حملاً زايدًا فقد اشترط عليه عملاً في ملكه مع ما اشترى العين منه، ثم سمى الثمن بإزاء ذلك كله صار ما يقابل الحمل إجارة، فيصير صفقة في صفقة فيبطل بالشرط الفاسد، ورب السلم لا يملك عينًا قبل القبض، فيكون النقل إلى مكان آخر (٥) عملاً من البائع في مال نفسه، فلا يصير مؤاجراً لغيره (٦)، فلا يصير هذا الشرط صفقة في ص، فقة فلا يصير فاسدًا، كذا في المبسوط والأسرار (٧). وذكر في الفوائد الظهيرية (٨): فإن قيل: لم قلتم بأن في بيع العين متعين (٩) مكان البيع مكاناً للتسليم، والدليل على أنه لا يتعين ما يروى عن محمد ﵀ في رجل باع طعاماً، والطعام في السواد، وإن (١٠) كان المشتري يعلم مكان الطعام فلا خيار له، وإن كان لا يعلم فله الخيار، ولو تعين مكان البيع مكاناً للتسليم لما كان له الخيار. ثم قيل: إنما يجوز البيع إذا كانت خواني (١١) الحنطة في بيت واحد، فإن كانت في مصر وسواد فالبيع فاسد؛ لإفضائه إلى المنازعة؛ لأن المشتري يطالبه بالتسليم في أقرب الأماكن (١٢)، والبائع (يسلمه إليه في أبعد الأماكن) (١٣). وهذا كله دليل على أن مكان البيع لا يتعين مكاناً للتسليم في بيع [العين] (١٤). قلنا: مكان البيع يتعين مكاناً بالتسليم (١٥) إذا كان المبيع حاضراً، والمبيع في السلم حاضر؛ لأنه في ذمة المسلم إليه، والمسلم إليه حاضر في مكان العقد، فيكون المبيع حاضراً بحضوره، وفي بيع العين إذا كان المبيع حاضراً في مكان البيع يستحق تسليمه فيه، وإن كان غائباً يستحق تسليمه في مكانه الذي استحق تسليم الثمن، ثم في السلم يستحق تسليم رأس المال في مكان العقد فيستحق تسليم ما يقابله في ذلك المكان أيضاً تسوية بينهما بقدر الوسع والإمكان.

стр. 2883

فيصير نظير (أو لا وقال) (١) الإمكان، يعني أن الجزء الأول يتعين لنفس الوجوب بعدم مزاحمة الآخر، وإن لم يتعين لوجوب الأداء، والجمع بينهما من حيث عدم مزاحمة الآخر كالقرض والغصب، أي يتعين مكان القرض والغصب للتسليم. ولأبي حنيفة ﵀: أن التسليم غير واجب (في الحال، أي) (٢) في السلم، فلا يتعين. بخلاف (القرض والغصب) (٣)، وذلك لأن موضع الالتزام إنما يتعين للتسليم بسبب يستحق به التسليم بنفس الالتزام، كالقرض والغصب، والاستهلاك والسلم لا يجوز إلا مؤجلاً، فعرفنا أنه لا يستحق التسليم عقيب العقد فيه بحال، وإنما استحقاق التسليم عند حلول الأجل، وعند ذلك لا يدري أنه في أي مكان يكون. ثم قال: أرأيت لو عقد عقد السلم في السفينة في لجة البحر أكان يتعين في موضع العقد للتسليم عند حلول الأجل، هذا مما لا يقوله عاقل. والدليل عليه أن مكان العقد لو تعين (لتسليم المسلم) (٤) فيه لم يجز تغييره بالشرط لمكان (٥) المبيع (٦) في بيع العين، فإنه لو باع [فإنه لو باع] (٧) حنطة في السواد بشرط أن يسلمها في المصر لا يجوز العقد، ولما جاز ههنا لبيان (٨) مكان الإيفاء عرفنا أن موضع العقد غير متعين، وصار (٩) كجهالة الصفة. يعني [أن] (١٠) باختلاف الصفة تختلف القيم، فكذلك باختلاف الأمكنة تختلف القيم. وعن هذا، أي وعن اختلاف القيم باختلاف المكان، أن الاختلاف فيه، أي في المكان يوجب التخالف كما في الصفة، أي الاختلاف في صفة الثمن، أو (١١) المثمن يوجب التخالف بأن اختلفا في جودته ورداته. وقال في الكتاب في باب التخالف من كتاب الدعوى والاختلاف (١٢): في وصف الشيء (١٣) وجنسه بمنزلة الاختلاف في القدر في جريان التحالف، وقيل على عكسه، أي لا يوجب التخالف عنده، وعندهما يوجب؛ لأن تعيين (١٤) المكان عندهما لما ثبت بمجرد وجود العقد فيه كان من جملة قضية العقد، والاختلاف فههنا (١٥) يوجب التخالف بالإجماع، فيجب أن يكون ههنا كذلك، وعند أبي حنيفة ﵀ تعين المكان لما لم يكن من مقتضيات العقد صار بمنزلة الأجل، والاختلاف فيه لا يوجب التخالف فكذا هنا.

стр. 2884

وعلى هذا الخلاف الثمن والأجرة والقسمة، أي هل يشترط بيان مكان إيفاء الثمن إذا كان له حمل ومؤنة في ثمن بيع العين أم لا؟ فعند أبي حنيفة ﵀ يشترط، حتى لو لم يبينا مكان إيفاء الثمن ليفسد (١) البيع عنده، وعندهما لا يفسد، وذكر الإمام قاضي خان وكذا أيضاً في المبسوط (٢): وكل شيء أسلم فيه وله حمل ومؤنة، ولم يبين المكان الذي يوفيه فيه فهو فاسد، وما ليس له حمل و [لا] (٣) مؤنة، ولم يسم المكان فهو جائز، ويوفيه (٤) في المكان الذي أسلم فيه، وهذا قول أبي حنيفة ﵀، وقال أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله-: وكذلك ما له حمل ومؤنة يجوز السلم فيه، فإن هنا (٥) المكان تعين ذلك المكان، وهو قول أبي حنيفة الأول، وهذا الاختلاف في فصول أربعة: أحدها: السلم وهو الذي ذكرناه، والثاني: إذا باع عبدًا بحنطة موصوفة في الذمة إلى أجل، يشترط بيان مكان الإيفاء لجواز العقد عند أبي حنيفة، وعندهما لا يشترط بيان مكان الإيفاء، ومن المشايخ من قال في ثمن المبيع: لا يشترط البيان عند الكل، والصحيح أنه على الخلاف؛ لأن الثمن في البياعات كالأجرة في الإجارات، والثالث: إذا استأجر داراً بما له حمل ومؤنة دينًا في ذمته، وعند (٦) أبي حنيفة ﵀ يشترط بيان مكان الإيفاء، وعندهما يتعين موضع الدار (للإيفاء لا موضع العقد) (٧)، والرابع: إذا اقتسما داراً بينهما واحد أحدهما زيادة على نصيبه، وشرط على نفسه مكيلاً أو موزونًا دينًا في الذمة له حمل ومؤنة، عند أبي حنيفة ﵀ يشترط بيان مكان الإيفاء، وعندهما لا يشترط. ومكان تسليم الدابة للإيفاء، يعني إذا استأجر الدابة وجعل أجرتها مقداراً من الحنطة [يجب] (٨) إيفاء الحنطة في الموضع الذي سلم الآجر الدابة إلى المستأجر، وما لم يكن له حمل ومؤنة (مثل الزعفران) (٩) وصغار اللؤلؤ، قيل (١٠): لا يتعين؛ لأنه لا يفيد؛ لأنه لا يلزمه نقله مؤنة، ولا تختلف ماليته باختلاف الأمكنة كبقعة واحدة فيما ذكرنا، وهو أنه لا تختلف قيمته باختلاف المحلة، وعن هذا قالوا: من دفع ماله مضاربة إلى رجل ليعمل بالكوفة، وله (١١) أن يعمل به في أي مكان، وفي أي محلة كانت بالكوفة، وكذلك لو استأجر دابة ليعمل عليها بالكوفة فالإجارة جائزة.

стр. 2885

ولا يصح السلم حتى يقبض رأس المال، أي لا يبقى صحيحًا بعد وقوعه على الصحة إذا لم يوجد قبض رأس المال في مكان العقد قبل أن يفارقه، أي قبل أن يفارق كل واحد من المتعاقدين عن الآخر بدناً لا مكانًا، حتى لو مشى العاقدان فرسخًا (١) بعد العقد ولم يقبض المسلم إليه رأس المال، لا يبطل العقد إذا لم يوجد مفارقة أحدهما من الآخر قبل القبض، بل لو مشيا فرسخًا ثم سلم قبل أن يفارقه صح التسليم (٢)، كذا في المبسوط (٣) [وغيره] (٤). كلأ الدين كلوا، أي تأخر من حد منع، ومنه: نهى النبي ﵇ عن الكالئ بالكالئ (٥). وذكر في المبسوط (٦): وأما تعجيل رأس المال فنقول: إذا كان رأس المال دراهم أو دنانير يكون التعجيل شرطًا قياساً واستحسانًا؛ لأن الدراهم والدنانير لا يتعينا (٧) في العقود، فيكون هذا بيع الدين بالدين، وذلك لا يجوز؛ لنهي النبي ﵇ عن بيع الكالي بالكالي (٨)، أي (٩) النسيئة بالنسيئة. فأما إذا كان رأس المال عروضاً فهل يكون التعجيل شرطاً؟ القياس أن لا يكون شرطًا، وفي الاستحسان يكون شرطًا، وجه القياس أن العروض سلعة تتعين في العقود، بخلاف الدراهم، فلو لم يشترط التعجيل لما يؤدي إلى بيع الدين بالدين، وجه الاستحسان أن السلم أحد (١٠) عاجل بأجل، والمسلم فيه أجل (١١)، فوجب أن يكون رأس المال عاجلاً ليكون حكمه ثابتًا على ما يقتضيه الاسم لغة، كالصرف والحوالة والكفالة، فإن هذه العقود تثبت أحكامها بمقتضيات أساميها (١٢) لغة. قوله: وإن كان عينًا فهو كالثوب والحيوان، وهذا الذي ذكرنا هو مذهبنا، وقال مالك ﵀: يجوز عقد السلم وإن لم يقبض رأس المال يومًا أو يومين، بعد أن لا يكون مؤجلاً بمنزلة الثمن في البيع، فإنه لا يشترط قبضه في المجلس، إلا أن يكون حالاً؛ لأن ما يقابله مؤجل، والنسيئة بالنسيئة حرام، ولا ينعدم صفة الحلول بترك القبض فيه يومًا أو يومين (١٣).

стр. 2886

ولكنا نقول: السلم أخذ عاجل بآجل، فيشترط كون أحد البدلين فيه معجلاً، كما يشترط أن يكون الآخر مؤجلاً؛ ليتوفر على هذا العقد مقتضاه، والتعجيل إنما يحصل بالقبض في المجلس، فكان ينبغي (أن يشترط) (١) اقتران القبض بالعقد، فإنه أتم ما يكون من التعجيل، ولكن الشرع جعل ساعات المجلس كحالة العقد؛ تيسيراً كما في عقد الصرف. لينقلب المسلم إليه فيه فيقدر على التسليم، أي اشترط (٢) قبض رأس المال في المجلس لينصرف المسلم إليه في رأس المال، فيقدر المسلم إليه على تسليم المسلم فيه. ولهذا قلنا: إيضاح لاشتراط القبض المستفاد من قوله: ولأنه لا بد من تسليم رأس المال إذا كان فيه، أي في السلم؛ لأنه، أي لأن خيار الشرط يمنع تمام القبض؛ لأن الخيار يمنع الملك فيمنع صحة تمام القبض، وأنه (٣) شرط بالإجماع. لكونه مانعًا من الانعقاد في حق الحكم، أي لكون خيار الشرط مانعًا من انعقاد العقد في حق الحكم، وهو ثبوت الملك، فيكون مانعًا لما هو مبني على الملك، وهو القبض. وهذا بخلاف الاستحقاق، فإن رأس المال إذا وجد مستحقاً لم يمنع الاستحقاق تمام القبض، حتى لو افترق (٤) بعد القبض ثم أجاز المالك صح العقد، وإن كان الاستحقاق يمنع الملك؛ لأن امتناع الملك ليس بقضية السبب، فإن السبب وجد مطلقاً لا مانع فيه، وإنما امتناع الملك لتعلق حق ثالث، فإذا أجاز المالك التحقت الإجازة بحالة العقد، وبقاء حقه قبل الإجازة لا يمنع صحة القبض الذي يتم به العقد، كما لا يمنع عن (٥) انعقاد العقد عليه، أما خيار الشرط فيعدم الملك، ويجعل العقد في حق الحكم كالمتعلق بشرط سقوط الخيار، فكان تأثيره أكثر من تأثير عدم القبض، وعدم قبض رأس المال في المجلس مبطل للسلم، فاشتراط الخيار فيه أولى. وهذا لأن القبض حكم العقد، وقد صار العقد بشرط الخيار في حق الحكم كالمتعلق، والمعلّق بالشرط معدوم قبله، وعن هذا قلنا أن إعتاق المشتري لا يتوقف، أي لا يصح أصلاً إذا كان في البيع خيار للبائع، وإعتاق المشتري من الفضولي يتوقف. وبهذا يتبين أن القبض لا يتم بخيار الشرط، فالافتراق (٦) قبل تمام القبض مبطل للعقد، كذا في الإيضاح والمبسوط (٧). لأنه غير مقيد، أي لأن خيار الرؤية لا يثبت في السلم غير مقيد فائدته؛ لأن فائدة خيار الرؤية الفسخ بحكم خيار الرؤية، والفسخ بخيار الرؤية لا يثبت في السلم، وذلك لأنه متى رئي (٨) المقبوض لخيار (٩) الرؤية لا ينفسخ السلم (١٠)؛ لأن الفسخ لم يرد [على] (١١) عين ما تناوله العقد، وأن (١٢) العقد لم يتناول هذا المقبوض بعينه، وإنما يتناول مثله دينًا في الذمة (فلا ينفسخ) (١٣) العقد برده، بل يعود حقه إلى مثله، فإذا (١٤) لم يفد لا يثبت في بيع العين ينفسخ بالرد بخيار الرؤية فيفيد فائدته فيثبت، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١٥).

стр. 2887

وحاصله أن رد المسلم فيه لا يوجب الفسخ؛ لأنه لو رد بخيار الرؤية كان الواجب في ذمته كما كان؛ لأن هذا عين، وما وجب في ذمة المسلم إليه بعقد السلم دين، فكان المقبوض غير المبيع، وخيار الرؤية ثابت في المبيع لا في غير المبيع. فإن قلت: يشكل على هذا الاستصناع، فإن ذلك دين في ذمة الصانع، ومع ذلك كان للمستصنع خيار الرؤية على ما يجيء، فعلى ما ذكرت من الوجه بأن (١) خيار الرؤية ثابت في المبيع بالنص لا في غير المبيع ينبغي أن لا يثبت فيه خيار الرؤية. قلت: لا نسلم ذلك، بل المعقود عليه في الاستصناع هو العين لا الدين، على ما يجيء في مسألة الاستصناع -إن شاء الله تعالى-. وكذا لا يثبت فيه خيار الرؤية، أي لا يثبت خيار الرؤية في المسلم فيه دور (٢) رأس المال، فإن خيار الرؤية أو خيار العيب في رأس المال لا يفسد السلم؛ لأنه لا يمنع بثبوت (٣) الملك، كذا في التحفة (٤). ولو (٥) أسقط خيار الشرط قبل الافتراق ورأس المال قائم حار (٦). وإنما قيد بقيام رأس المال؛ لأنه إذا كان هالكاً وقت إسقاط الخيار بأن أنفقه حتى صار دينًا عليه لم يصح العقد بإسقاط الخيار؛ لأن ابتداء العقد برأس مال هو دين لا يجوز، فكذلك إتمامه بإسقاط الخيار، كذا في المبسوط (٧). وقد مر نظيره، وهو ما إذا باع إلى أجل مجهول ثم أسقط الأجل قبل حلول ينقلب جائزًا عندنا، خلافاً لزفر. وقال (٨): إعلام رأس المال مشتمل على بيان جنسه وقدره ووصفه (٩)، والقدرة على تحصيله بأن كان موجودًا من وقت العقد إلى حين الحل. فإن أسلم مائتي درهم في كر حنطة، مائة منها دين على المسلم إليه، ومائة نقد، والسلم (١٠) في حصة الدين باطل. وإنما قيد لقوله: (١١) مائة منها دين على المسلم إليه؛ لأن المائة لو كانت دينًا على الأجنبي، والمسألة بحالها تشيع الفساد في الكل، على ما يجيء. ثم المسألة على وجهين: إما أن أطلق (١٢) العقد بأن قال: أسلمت إليك مائتي درهم في كر حنطة، ولم نصف (١٣) إلى الدين، ثم جعلا مائة من رأس المال قصاصاً بالدين، وهذا لا يشكل بأن الفساد لا يشيع في الكل؛ لأن الفساد طارئ، والفساد الطارئ لا يفسد العقد، كما إذا (١٤) باع عبدين، ثم مات أحدهما قبل القبض، كان الباقي مبيعًا بالبيع (١٥) بالحصة طارئاً.

стр. 2888

وأما إذا قيد بأن أضاف السلم إلى ذلك الدين فقال: أسلمت [إليك] مائتي درهم في كر حنطة مائة منها الدين الذي عليك، فكذلك؛ لأن الدراهم لا تتعين في العقود إذا كانت عينًا، فلا (١) تتعين إذا كانت دينًا، ولهذا لو اشترى من رجل شيئاً بدين له عليه، ثم تصادقا أن لا دين، لا يبطل العقد، وإذا لم يتعين الدين كانت الإضافة إلى الدين والإطلاق فيه سواء. فإن قيل: ما ذكرتم منتقض بمسائل ثلاث: إحداها: أن الرجل إذا قال: إن بعت هذا العبد بهذا الكر وبهذه (٢) الدراهم فهما (في المساكين) (٣) صدقة، فباعه بهما يحنث ويلزمه التصدق بالكر، وهذا أنه تعين النقود في العقود. والثانية: أن الرجل إذا باع ديناراً بعشرة، فنقد الدينار ولم يقبض العشرة حتى اشترى بالعشرة ثوباً، فالبيع فاسد. والثالثة: إذا باع عينًا بدين، وهما يعلمان أن لا دين، فالبيع فاسد، ولو كان الإطلاق والتقييد سواء لجاز العقدان، ولما جيب في المسألة الأولى. قلنا: (٤) أما الأولى فنحن ندعي أن العقود (٥) لا يتعين (٦) في العقود، أي استحقاقاً لا جوازاً فلا يلزم؛ (لأنها يتعين جواز الاستحقاق) (٧). وأما الثالثة: فلأن البيع إنما لم يجز لمكان التهازل بالبيع؛ لأن هذا بيع بلا ثمن، فيكون منهما تهازلاً به، وهي تتعين في حق الجواز، وهكذا نقول في المسألة الثانية؛ (لانتقاضه الصرف) (٨)، باختلاف المجلس بالاشتغال بالعقد الآخر، فيتحقق البيع بلا ثمن، فيمتنع الجواز باعتبار التهازل، كذا في الفوائد الظهيرية. وقيل: هذا إذا أسلم مائتين مطلقاً ثم قاصدًا المائة بما عليه، فأما إذا قال: أسلمت مائة الدين وهذه المائة النقد بطل العقد فيهما عند أبي حنيفة ﵀؛ لأن حصة الدين بطل (٩) العقد فيها (١٠)، وقد جعل حصته شرطًا في الباقي فبطل الجميع، والصحيح أن الجواب فيهما واحد؛ لأن العقد لا يتقيد بالدين، وإن قيّد أنه (١١) بدليل أنه لو اشترى عينًا بدين ثم تصادقا أن لا دين لا يبطل العقد، إلا إذا كان (العلمان علم) (١٢) الدين كان فاسدًا؛ لأنه بيع بلا ثمن، بخلاف المائة على ثالث حيث يشيع الفساد؛ لأنها (١٣) ليست بمال في حقهما، كذا ذكره الإمام التمرتاشي (١٤).

стр. 2889

وهذا (١) الذي ذكرنا (٢) من أصل المسألة كله عندنا، وعن زفر ﵀: أن العقد في الكل باطل، أما في حصة الدين فلنهي النبي ﵇ عن الكالئ بالكالئ (٣)، وهذا فساد قوي يمكن في البعض فيفسد به الكل، باعتبار أنه جعل قبول العقد في حصة الدين شرطًا للقبول في حصة العين، وهذا شرط فاسد. ومذهبنا مروي عن ابن عباس ﵄، ثم (٤) يعتبر البعض بالكل في الدين والعين جميعًا، وحقيقة المعنى أن العقد انعقد صحيحًا في الكل، حتى لو نقد جميع المائتين في المجلس كان العقد صحيحًا لما أن العقد لا يتعلق بالدين المضاف إليه، وإنما يتعلق بجنسه إلى آخره، كذا في المبسوط (٥). ولا يجوز التصرف في رأس المال إلى أن قال: ولا يجوز الشركة والتولية، فصورة الشركة أن يشرك آخر [معه] (٦) في المسلم فيه، وأنه بيع بعض المبيع قبل القبض، وصورة التولية ظاهرة. فإن قيل: فأي فائدة في تخصيص الشركة والتولية بعدما ذكر الأعم منهما وهو قوله: ولا يجوز التصرف في رأس مال السلم والمسلم فيه قبل القبض. قلنا: أن أحدًا لا يشتري المسلم فيه مرابحةً؛ لكونه دينًا، لا وضيعة؛ لكونها ضرراً ظاهراً، فلو (٧) اشترى بما (٨) يشتريه بمثل ما اشتراه رب السلم رغبة في كله، وهو التولية، أو في بعضه، وهو الشركة، فلذلك (٩) خصّهما بالذكر؛ لتصور التصرف فيهما من هذا الوجه. ووجدت بخط شيخي ﵀: وإنما وضع [هذه] (١٠) المسألة في التولية؛ لنوع إشكال، وذلك أن (١١) من العلماء من يجوّز (١٢) التولية في بعض (١٣) العين والسلم قبل القبض، وقال: التولية إقامة معروف، فإنه يولي غيره ما تولى، فوضع المسألة فيها؛ ليبين أن ذا ليس بشيء؛ لأن التولية بيع، إلا أنه يمثل الثمن الأول. وفي المبسوط (١٤): لا (١٥) يستطيع رب السلم أن يبيع ما أسلم فيه قبل القبض؛ لأن المسلم فيه مبيع، وبيع المبيع قبل القبض لا يجوز؛ لأنه لما بعث رسول الله ﵇ عتاب بن أسيد ﵁ قاضياً وأميراً قال: «انههم عن ِأربعة: [عن بيع] ما لم يقبضوا، وعن ربح ما [لم] (١٦) يضمنوا، وعن شرطين في بيع، وعن بيع وسلف» (١٧)، ولأن العين أقبل للتصرف من الدين، ثم المبيع العين إذا كان منقولاً لا يجوز التصرف فيه قبل القبض؛ لبقاء الغرر في الملك المطلق للتصرف، فإذا كان دينًا أولى، وذلك الغرر ههنا قائم، فإن (١٨) الدين يتوى بفوات محله، يعني إذا مات المديون مفلساً، ولهذا يبطل (١٩) الحوالة.

стр. 2890

وكما لا [يصح] (١) يبيع (٢) المسلم فيه قبل القبض، لا يشرك فيه شريكًا ولا تولية أحدًا؛ لأن التولية تمليك ما ملك بمثل ما ملك به، والإشراك تمليك نصف ما ملك بمثل نصف ما ملكه، فكما لا يجوز هذا التصرف منه في الكل، لا يجوز في البعض، لا نأخذ إلا سلك [أي المسلم فيه] (٣)، أي لا يأخذ إلا المسلم فيه حال بقاء العقد، أو رأس مالك أي عند الفسخ. وهذا لأن الإقالة بيع جديد، هذا التعليل لبيان أن رأس المال أخذ (شبه المبيع) (٤)، فوجه الاستدلال بهذا هو أن الإقالة بيع جديد في حق الثالث، وهو حق الشرع هنا، ولا بد للبيع من وجود المعقود عليه لا محالة، ثم بعد ذلك ههنا (٥) لا يخلو إما أن يكون رأس المال وهو المعقود عليه أو المسلم فيه، لا يجوز أن يكون المسلم فيه هو المعقود عليه؛ لأن المسلم فيه انعدم ههنا؛ لأن ذلك كان دينًا في ذمة المسلم إليه، وقد سقط بالإقالة، وقد ذكرنا أن قيام المعقود عليه شرط صحة البيع إلى وقت القبض، فلما سقط المسلم فيه ههنا بالإقالة فقد هلك المبيع قبل القبض فتبطل الإقالة حينئذ، كما يبطل البيع بهلاك المعقود عليه قبل القبض، وقد صحت الإقالة هنا (٦)، فلا بد أن يقال بقيام المعقود عليه، وليس ذلك إلا رأس المال؛ لسقوط المسلم فيه. لأنه دين مثله، أي لأن رأس المال دين مثل المسلم فيه، والمسلم فيه يصلح أن يكون مبيعًا مع كونه دينًا، فكذلك رأس المال ينبغي أن يكون يصلح لكونه مبيعًا بعد الإقالة، مع كونه دينًا بالطريق (٧) الأولى. وذلك لأن عقد السلم ابتداء بيع من كل وجه، وقد صلح (٨) الدين وهو المسلم فيه لكونه مبيعًا، فالإقالة التي هي بيع من وجه؛ لأنه بيع في حق الثالث لا في حق المتعاقدين، وجب أن يصلح الدين، وهو رأس المال لكونه مبيعًا أولى. إلا أنه لا يجب قبضه في المجلس، أي إلا أن رأس المال لا يجب قبضه بعد الإقالة في مجلس الإقالة. هذا الاستثناء لجواب شبهة، وهي أنه لما ذكر أن الإقالة بمنزلة بيع جديد كانت إقالة بيع المسلم بمنزلة بيع السلم، وفي بيع السلم كان قبض رأس المال في مجلس البيع شرطًا، فيجب أن يكون قبض رأس المال بعد الإقالة في مجلس الإقالة شرطًا؛ قياساً لحكم الانتهاء بالابتداء.

стр. 2891

وأجاب عنه بهذا وقال: لا يشترط قبض رأس المال في مجلس الإقالة، وإن كان يشترط (١) قبضه في ابتداء عقد السلم. لأنه، أي لأن الإقالة على تأويل تصرف الإقالة أو عقدها، أي لأن تصرف الإقالة في كونه تبعًا (٢) ليس في حكم ابتداء عقد السلم؛ لأن ذلك بيع من كل وجه في حق الكل، وهذا فسخ في حق المتعاقدين، وليس من ضرورة اشتراط القبض في البيع من كل وجه اشتراط القبض في البيع من وجه دون وجه. وذلك لأن اشتراط القبض في الابتداء كان للاحتراز عن بيع الكالي بالكالي، والمسلم فيه سقط بالإقالة فلا يتحقق فيه (٣) بيع الكالي بالكالي، فلا يشترط القبض، وحاصله أن رأس المال (٤) بعد الإقالة صار بمنزلة المسلم فيه، والقبض ليس بشرط للمسلم فيه، فكذا (في حق) (٥) رأس مال السلم. وكذلك رأس المال بعد الإقالة صار (٦) نظير المسلم فيه من حيث حرمة الاستبدال عندنا. وفيه خلاف زفر ﵀، أي وفي جعل رأس المال مبيعًا بعد الإقالة خلاف زفر، هو يقول: بعد الإقالة صار رأس المال دينًا في ذمة المسلم إليه، فكما يجوز الاستبدال بسائر الديون فكذا بهذا الدين. والدليل على أنه ملحق بعد الإقالة بسائر الديون عدم استحقاق القبض في المجلس، يعني كما أن سائر الديون لا يستحق قبضه (٧) في المجلس فكذا لا يستحق قبض رأس المال في مجلس الإقالة، علمنا أنه ملحق بسائر الديون فيجوز الاستبدال بسائر الديون، فكذا هنا. وما ذكره قياس، والذي قاله علماؤنا استحسان، وقالوا: لا يجوز الاستبدال برأس المال للحديث المعروف، أن أحد سلمك أو رأس مالك، ولو (٨) استبدل كان (آخذاً شيئاً) (٩) آخر غير رأس المال، وغير المسلم فيه، وذلك غير جائز. ثم حال رب السلم مع المسلم إليه بعد الفسخ كحال المسلم إليه مع رب السلم حال قيام العقد قبل قبض رأس المال، فكما لا يجوز الاستبدال هناك فكذلك لا يجوز ههنا، فاعتبرنا حال الفسخ بحال العقد في المنع من الاستبدال، كذا في المبسوط (١٠). والحجة عليه ما ذكرناه وهو قوله: وهذا لأن الإقالة بيع جديد إلى آخره. وذكر في المبسوط (١١) حاصل هذا فقال: وإن [شاء] (١٢) تتاركا السلم ورأس المال ثوب، وهلك عند المسلم إليه فعليه قيمته، ولا يبطل الإقالة، وكذلك لو تتاركا بعد هلاكه، ثم قال: وهذه فصول (١٣) أربعة:

стр. 2892

أحدها: أن يشتري عينًا بدراهم فتقابضا ثم تقايلا، ثم هلك المبيع قبل الرد بطلت الإقالة، سواء كان الثمن قائمًا أو هالكًا؛ لأن الإقالة رفع للعقد (١)، وإنما يرفع العقد من المحل الوارد عليه، ومحل العقد المعقود عليه، والمعقود (٢) عليه المبيع دون الثمن، فإن الثمن معقود به، ولهذا شرط قيام الملك في المبيع عند العقد دون الثمن، وإذا (٣) كان المبيع هالكًا عند الإقالة فالإقالة باطلة؛ لفوات محلها، وكذلك إذا هلك بعد الإقالة قبل الرد؛ لأن العارض من هلاك المحل بعد الإقالة قبل الرد كالمقترن بالإقالة. ألا ترى أن هلاك المعقود عليه بعد العقد قبل القبض مبطل للعقد، ويجعل كالمقترن بالعقد. والثاني: لو تبايعا عند إجارته وتقابضا (٤) ثم تقايلا، ثم هلك أحدهما بقيت الإقالة؛ لأن ابتداء الإقالة بعد هلاك أحد العوضين صحيح، فإن كل واحد منهما معقود عليه، بدليل أنه يشترط به قيام الملك في العوضين جميعًا للمتعاقدين بخلاف الثمن. ألا ترى أن بعد هلاك أحدهما يمكن فسخ العقد برد (٥) الآخر بالعيب، فكذلك الإقالة (٦)، فإذا (٧) جاز ابتداء الإقالة بعد هلاك أحدهما، فكذلك يبقى الإقالة وعليه رد قيمة الهلاك؛ لأن القيمة قائمة مقام العين، ولو هلكا جميعًا بعد الإقالة قبل الرد بطلت الإقالة؛ لأن ابتداء الإقالة بعد هلاكها (٨) باطل، أو (٩) لم يبق شيء من المحل الذي تناوله العقد، فكذلك لا تبقى الإقالة بعد هلاكهما. والثالث: إذا تقايلا السلم ورأس المال عين، فهلك بعد الإقالة لم يبطل الإقالة؛ لأن ابتداء الإقالة بعد هلاك رأس المال صحيح، فإن السلم بمنزلة بيع المقايضة؛ لأن السلم فيه مبيع معقود عليه فجازت الإقالة بعد هلاك ما يقابله، وإذا (١٠) بقيت الإقالة فعليه رد قيمة رأس المال؛ لتعذر رد العين مع بقاء السبب الموجب له، والقول قول المطلوب في مقدار القيمة إذا اختلفا؛ لأن الطالب يدّعى عليه زيادة وهو منكر لتلك الزيادة. والرابع: الصرف فإنهما لو تصارفا ديناراً بعشرة دراهم وتقابضا، وهلك البدلان جميعًا، ثم تقايلا، أو تقايلا ثم هلك البدلان قبل التراد جازت الإقالة؛ لأن المعقود عليه ما استوجب كل واحد منهما في ذمة صاحبه.

стр. 2893

ألا ترى أن بعد الإقالة لا يلزمه رد المقبوض بعينه، ولكن إن شاء رده، وإن شاء رد مثله، فلا يكون هلاك (١) المقبوض مانعًا صحة الإقالة، وقد ذكرنا بعض هذا في مسائل الإقالة. قال الأزهري (٢): الكرستون قفيزًا، والقفيز ثمانية مكاكيل، والمكول صاع ونصف، كذا في المغرب (٣). [لم يكن] (٤) قبضا، أي إذ ألحقه، ولفظ شروح الجامع الصغير: وأمر رب السلم أن يقبضه منه قبضاً لحقه، فاقتضاه رب السلم لا يكون اقتضاء حتى يكيله مرتين. اجتمعت الصفتان، أحديهما (٥): صفقة عقد السلم، والثانية: هي الصفقة التي جرت [بين] المسلم إليه وبايعه. هذا (٦) على ما اقتضاه لفظ الكتاب، وأما على تقدير صاحب الفوائد (٧): والصفقة (٨) الثانية هي الصفقة التقديرية بين المسلم إليه وبين رب السلم، والأولى هي صفقة المسلم إليه من (٩) بايعه، فقال: قد تحقق ههنا صفقتان بشرط الكيل، صفقة جرت بين المسلم إليه وبايعه، وصفقة أخرى جرت بين المسلم إليه ورب السلم؛ لأن المسلم إليه يصير بايعًا ما اشترى من رب السلم. قال شمس الأئمة السرخسي ﵀ (١٠): المقبوض في باب السلم غير المسلم فيه حقيقة؛ لأن العقد تناول دينًا في الذمة، والعين عبر (١١) الدين، فباعتبار هذه الحقيقة لم يكن المقبوض عين ما تناوله العقد، فلا بد من طريق يجعل بذلك الطريق كأنه عين المعقود عليه، وذلك بأن يجعل عند القبض كأنهما جددا ذلك العقد على المقبوض، وهو معنى قول المتقدمين للقبض في باب السلم: حكم عقد جديد، وذلك لأن المسلم إليه حين (١٢) عقد عقد السلم صار بايعًا دينًا.

стр. 2894

وإنما يصير بايعًا للعين عند اقتضاء رب السلم، إلا أن هذا العين جعل عين حقه حكمًا حتى لا يصير مستبدلًا [للعين] (١)، أما فيما وراء ذلك فهو كالبائع عند الاقتضاء، وإذا صار المسلم إليه بائعًا من رب السلم وجدت الصفقتان بشرط الكيل، فيستحق على رب السلم كيلان؛ لأن كل واحدة من هاتين الصفقتين صفقة بشرط [الكيل]؛ لأن المسلم إليه اشترى الكر، وهو اسم لأربعين قفيزًا أو ستين قفيزًا على ما ذكرنا، فيكون هذا شراء بشرط الكيل، وكذلك عقد السلم؛ لأنه أسلم في كر. وهذا هو محمل الحديث على ما مر، وهو ما ذكر في الفصل المتصل بباب المرابحة والتولية بقوله: ومحمل الحديث اجتماع الصفقتين على ما نبين. وقال (٢): "والسلم إن (٣) كان سابقاً لكن قبض المسلم فيه لاحق" جواب سؤال مقدر بأن يقال: أن بيع المسلم إليه مع (٤) رب السلم كان سابقًا على شرى (٥) المسلم إليه من بايعه، فلا يكون المسلم إليه بايعًا بعد (٦) الشرى (٧)، فلم يجتمع (٨) الصفقتان، فلا يدخل تحت النهي. فأجاب عنه بهذا وقال: نعم [كان] (٩) كذلك هو سابق إلا أنه في التقدير لاحق، فتجتمع الصفقتان في التقدير، وإن لم تجتمع في التحقيق، وبيان الاجتماع ما ذكرنا. والدليل أيضاً على أن للقبض (١٠) في باب السلم حكم عقد جديد قال في الزيادات (١١): لو (١٢) أسلم إلى رجل مائة درهم في كر حنطة، ثم اشترى المسلم إليه من رب السلم كر حنطة بمائتي درهم إلى سنة فقبضه، فلما حل السلم أعطاه ذلك الكر لم يجز؛ لأنه اشترى ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن، وإنما يكون كذلك إذا جعلا عند القبض كأنهما جددا العقد عليه، وإذا صار المسلم إليه بايعًا من رب المسلم وجدت الصفقتان بشرط الكيل، فيستحق على رب السلم كيلان، كيل لصفقة جرت بين المسلم إليه وبايعه، وكيل لصفقة جرت بين المسلم إليه ورب السلم بعد شرى (١٣) المسلم إليه من بايعه. وإن جعل عينه أن هذه للوصل، أي وإن جعل المقبوض عين الدين في حق حكم خاص، أي دعت الضرورة إلى جعل المقبوضة عين الدين كيلا يتحقق الاستبدال فيجعل عينه لتلك الضرورة، فأما في الحكم الذي لا ضرورة فيه فيعمل بالحقيقة، وهي أن العين غير الدين.

стр. 2895

فحينئذ يتحقق البيع بعد الشرى (١)، أي يتحقق بيع المسلم إليه من رب السلم بعد شرى (٢) المسلم إليه من بايعه. وإن لم يكن سلمًا وكان قرضاً، أي لو كان [مكان] (٣) المسلم إليه مستقرضاً، يعني إذا استقرض كراً، ثم اشترى المستقرض كراً من الغير، ثم أمر المقرض بقبض ذلك الكر جاز، ويكتفى بكيل واحد؛ لأن القرض إعارة؛ لأنه لو لم يكن كذلك يلزم تمليك الشيء بجنسه نسيئة، وهو ربا، ولهذا لا يلزم التأجيل في القرض؛ لأن التأجيل في العواري لا يلزم، فيكون المقبوض عين ما في ذمته حكمًا، فلا يتحقق الصفقتان بشرط الكيل. وذكر الإمام قاضي خان (٤): فأما إذا كان أحد الدينين قرضاً، بأن كان على الرجل كر من سلم فاستقرض (٥) المسلم إليه كرًا من رجل، وأمر رب السلم بقبضه من المقرض أيضاً (٦)، وإن كان على الرجل كر قرض، فاشترى (٧) المستقرض إلى آخره، كما ذكرنا يكتفى بكيل واحد، ثم قال: والفرق بين القرض والسلم أن عقد السلم يوجب الكيل، والقرض لا يوجب الكيل؛ لأنه عقد مساهلة، والتفاوت اليسير لا يفضي إلى المنازعة، ولهذا لو استقرض من إنسان حنطة على أنها عشرة أقفزة كان له أن يتصرف فيها قبل الكيل، فيكتفى بكيل واحد، وكذلك لو اشترى المسلم إليه حنطة مجازفة، أو استفاد من أرضه أو بميراث أو هبة (٨) أو وصية وأوفاه رب السلم وكالة بمحضر منه يكتفى بكيل واحد؛ لأنه لم يوجد إلا عقد واحد وهو السلم. ففعل وهو غائب، أي وكال (٩) المسلم إليه الكر في غراير (١٠) رب السلم، ورب السلم غائب لم يكن قبضاً، حتى لو هلك يهلك من مال المسلم إليه. هذا إذا لم يكن في غراير [رب] (١١) السلم طعام رب (١٢) السلم، فأما إذا كان في الغراير طعام لرب السلم، وكاله فيه بأمره قيل: لا يصير قابضاً [ههنا]؛ لما ذكرنا أن أمره غير معتبر في ملك الغير.

стр. 2896

قال ﵁: والأصح عندي أنه يصير قابضاً ههنا؛ لأن أمره يخلط طعام السلم بطعامه على وجه لا يمكن التمييز معتبر فيصير بهذا الخلط قابضاً. وهو مثل ما ذكر في كتاب الصرف: لو (١) دفع إلى صانع نصف درهم، وقال: زد من عندك نصف درهم، وضع لي منهما خاتمًا، ففعل ذلك جاز وصار (٢) بالخلط قابضاً له، كذا في المبسوط (٣). ولو كانت الحنطة مشتراة، فإنه لو اشترى حنطة بعينها ودفع غرايره إلى البائع وقال: اجعلها في غرايري، ففعل والمشتري حاضر أو غائب يصير قابضاً. والفرق أن في شرى (٤) العين أمر المشتري بالكيل صادف ملك نفسه؛ لأنه ملك الطعام بنفس العقد فصح الأمر، وإذا صح الأمر صار البائع وكيلاً في إمساك الغراير، فبقيت الغراير في يد المشتري حكمًا، فما وقع فيه يصير في يد المشتري حتى لو كانت الغراير [في يد] (٥) للبايع (٦)، روي عن محمد ﵀ أنه لا يصير قابضاً، أما في السلم أمر رب السلم بالكيل صادف ملك المسلم إليه؛ لأن السلم دين في الذمة، وإنما يتعين (في الاستيفاء) (٧)، فلم يصح، فبقي المسلم إليه عاملاً في ملك نفسه، ويصير مستعيرًا للغراير، فلا يصير رب السلم قابضاً. ألا ترى أنه لو أمره بالطحن كان الطحن (٨) أي الدقيق في السلم للمسلم إليه، ولا يكون لرب السلم أن يقبضه؛ لأنه ح (٩) يصير مستبدلاً، كذا في المبسوط والجامع الصغير لقاضي خان (١٠). ولهذا يكتفى بذلك الكيل في الشرى (١١) في الصحيح، هذا (١٢) احتراز عما قيل بأنه لا يكتفى بكيل واحد؛ تمسكًا بظاهر ما روي عن النبي ﵇: أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه صاعان (١٣)؛ صاع البائع، وصاع المشتري (١٤). لأنه نائب عنه في الكيل، أي لأن البائع نائب عن المشتري في الكيل. والقبض بالوقوع في غراير المشتري، أي القبض يتحقق ويثبت بالوقوع في غراير المشتري كان هذا جواب إشكال بأن يقال: أن البائع مسلم فكيف يكون متسلمًا وقابضاً؛ لأنه استعار غرايره ولم يقبضها؛ لأن العارية تبرع، فلا تتم هي بدون القبض، فلم يصر المشتري قابضاً؛ لأنه مستعير لم يقبض.

стр. 2897

ولو اشترى حنطة بعينها وخلى البائع بينها وبين المشتري في بيت البائع، فعلى قول أبي يوسف: لا يصير قابضاً كما في السلم، وعلى قول محمد: يصير قابضاً، كذا في الفوائد (١) [الظهيرية] (٢). ولو اجتمع العين والدين والغراير للمشتري إلى آخره. صورته: رجل أسلم في كر حنطة فلما حل الأجل اشترى رب السلم كر حنطة أخرى بعينها من المسلم إليه، ودفع المشتري وهو رب السلم الغراير إلى المسلم إليه وهو البايع، لأن (٣) يجعل المسلم إليه هذا الكر المسلم فيه والكر المشترى في تلك الغراير، فالحال لا يخلو إما (أن جعل) (٤) أن يجعل الكر المسلم فيه وهو المراد بالدين أولاً في الغراير، ثم يجعل الكر المشترى وهو المراد بالعين على الكر المسلم فيه، أو على العكس. إن بدأ بالعين صار قابضاً، أي إن بدأ البائع وهو المسلم إليه يجعل الكر المشترى في الغراير، ثم يجعل الكر المسلم فيه على ذلك الكر المشتري صار المشتري قابضاً لهما جميعًا. أما العين، أي أما صحة قبض العين وهو الكر المشتري؛ لأن الأمر قد صح، وكان (٥) [فعل] (٦) المأمور [كفعل الآمر، فإن (٧) قلنا: أن الأمر قد صح؛ لأنه يملك الكر المعين بمجرد الشراء فكان فعل المأمور] مصادفاً ملك الآمر فيصح أمره في ملكه فيصح أمر في ملكه، فيصير قابضاً بفعل المأمور. وأما الدين، أي وأما صحة قبض الدين وهو الكر المسلم فيه؛ لأنه لما صبته على الكر المشتري صار هو متصلاً بملك المشتري، فيصح القبض بمثله على ما ذكر في الكتاب. وإن بدأ بالدين لم قابضاً، أي وإن بدأ المسلم إليه [يجعل المسلم فيه أولاً في غراير رب السلم، ثم يجعل الكر المشترى عليه لم يصر] المشتري قابضاً لهما. أما الدين، أي أما عدم صحة قبض الدين فلعدم صحة الأمر؛ لما (٨) ذكر (٩) أن أمره لم يصادف ملك الآمر؛ لأن حق رب [السلم] في الدين لا في العين، وهذا عين فلا يكون حقه، فكان (١٠) المأمور يجعل الدين في الغراير متصرفاً في ملك نفسه، فلا يكون فعله كفعل الآمر، فلا يكون الآمر بذلك قابضاً لذلك.

стр. 2898

وهذا الخلط غير موصى به، هذا جواب سؤال مقدّر ذكر ذلك السؤال في الفوائد الظهيرية (١) وقال: فإن قيل: الخلط حصل بإذن المشتري فينبغي أن لا ينتقض البيع، قلنا: إن الخلط على هذا الوجه لم قلت بأن (٢) حصل بإذن المشتري، بل الخلط على وجه يصير الآمر قابضاً (٣) حصل بإذنه وهو ما إذا بدا العين. وجعل الإمام قاضي خان ﵀ (٤) ما ذكر من جواب الكتاب قول محمد فقال: وفي قول أبي يوسف: إذا كال (٥) الدين أولاً ثم كال العين بعده صار قابضاً للدين ضرورة اتصاله بملكه، كما لو كال العين أولاً ثم الدين، وعند محمد إن كال العين أولاً يصير قابضاً لهما، وإن كال الدين أولاً يصير قابضاً للعين دون الدين؛ لأنه لما كال الدين أولاً لم يملكه المشتري، وبقي على ملك البائع، وصار مستعيراً من المشتري، فإذا كال العين بعده فقد خلط البائع ملك المشتري بملك نفسه فلا يبرأ عن الدين، وإنما يصير قابضاً العين في هذه الصورة؛ لأنه بالخلط صار مستهلكًا للعين بإذنه، بخلاف الصورة الأولى؛ لأنه لما (٦) كال (٧) العين أولاً صار العين مسلمًا إلى المشتري، فإذا كال (٨) الدين بعده فقد خلط الدين بملك المشتري فيصير المشتري قابضاً. كما لو استقرض كراً من طعام وأمر المقبوض (٩) بأن يزرعها، فزرع يصير المستقرض قابضاً. وكمن دفع إلى صائغ خاتمًا، يعني لو دفع خاتمًا أو ديناراً إلى صائغ، وأمره بأن يزيد من عنده نصف دينار، ويصوغ له [ذلك] (١٠) حلياً بذلك، جاز ويصير قابضاً للنصف بحكم اتصاله بملكه. فإن قيل: يشكل هذا بالصباغ، فإنه إذا صبغ الثوب بعدما استؤجر عليه، فالمستأجر وهو صاحب الثوب لا يصير قابضاً مع وجود مثل هذا الاتصال، فلم صار قابضاً فيما نحن فيه باعتباره. قلنا: المعقود عليه في الإجارة الفعل، وهو الصبغ لا العين، وهو الصنع؛ لأن العين لا يستحق على (١١) الأجر (١٢) بعقد الإجارة، والفعل أعني به الصبغ لا يجاوز الفاعل ولا يتعداه؛ لأنه من قبيل الإعراض، والإعراض لا انتقال لها عن محالها فلم يكن المعقود عليه متصلاً بالثوب، فلا يصير قابضاً.

стр. 2899

فإن قيل: ينبغي أن لا يصير قابضاً؛ لأن البائع لا يصلح زايدًا عن المشتري في القبض، ألا ترى أنه لو وكله بذلك نصاً لا يصح. قلنا: الأمر بالقبض هنا ثبت ضمنًا لا قصدًا، والشيء يجوز أن يثبت ضمنًا وإن كان لا يثبت قصدًا، كما في قوله (١): اعتق عبدك عني على ألف درهم، [على ألف فإن البيع هنا] حيث يثبت البيع ضمنًا للأمر بالإعتاق، وإن كان لا يثبت قصدًا، كذا في الفوائد الظهيرية (٢). وإن (٣) أسلم جاريةً في كر حنطة إلى أخرى (٤)، وقد ذكرنا هذه المسألة في هذا الباب الأصل في جنس هذه المسائل ما ذكر (٥) الفوائد الظهيرية (٦): أن في بيع المقايضة وهو بيع ما يتعين بما يتعين، هلاك أحدهما لا يمنع ابتداء الإقالة ولا بقاؤها، وهلاكها يمنع الإقالة ابتداء وبقاء، في بيع المساومة وهو بيع ما تعين (٧) بما لا يتعين، هلاك الثمن لا يمنع الإقالة ابتداء وبقاء، وهلاك العرض يمنع الإقالة ابتداء وبقاء، والمعنى (٨) في ذلك أن الإقالة صحتها بقيام العقد؛ لأنها فسخ للعقد وإبطال له، وإبطال العقد بدون العقد (٩) لا يكون في المقايضة العقد قائم بقيام أحد العوضين؛ لأن قيام العقد عند قيامهما بقيامهما؛ لأن أحدهما لا يتعين لإضافة القيام إليه، وإذا كان قيام العقد بقيامهما (١٠) لا يبطل العقد بهلاك أحدهما؛ لما عرف أن الثابت بالبينتين (١١) لا يزول بزوال أحدهما، فيكون قائمًا بقيام أحدهما، فتصح الإقالة، وفي بيع ما يتعين مما لا يتعين قيام العقد بما يتعين؛ لأن ما يتعين له ضرب مزية على ما لا يتعين؛ لأن ما يتعين مال حقيقة وحكمًا، وما لا يتعين مال حكمًا لا حقيقة؛ لأنه [دين]، ولهذا لو قال: مالي في المساكين صدقة، وله ديون على مليئ ومفلس لا يدخل، وإذا كان ما يتعين مخصوصاً بضرر مزية على ما لا يتعين لا بد من إيابه هذه المزية، ولا يمكن إبانتها (١٢) حالة البقاء، فبقينا العقد ببقائه فصحت الإقالة باعتبار بقائه ابتداء وبقاء، وفي (١٣) بيع ما لا يتعين بما لا يتعين وهو الصرف يصح الإقالة، وإن هلكا أو هلك أحدهما بخلاف المقايضة، وقد ذكرنا وجهه (في هذا) (١٤) الباب منقولاً (١٥) من المبسوط (١٦).

стр. 2900

فماتت في يد المشتري، أي المسلم إليه، وإنما سماه مشترياً نظراً إلى اشتراه (١) الجارية بالحنطة التي هي دين، وكانت الجارية هي المبيع من كل وجه. ولو تقايلا بعد هلاك الجارية جاز، والقول في القيمة قول المطلوب، والبينة بينة الطالب** وهو رب السلم، كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ (٢). وفي السلم المعقود عليه إنما هو المسلم فيه؛ لأنه مبيع، لما روي عن النبي ﵇: «أنه نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان» (٣)، «ورخص في السلم» (٤)، جعل المسلم فيه مبيعًا ورأس المال بمنزلة الثمن. فصحت الإقالة في المسلم فيه، وإذا انفسخ في المسلم فيه ينفسخ في رأس المال ضرورة، فيجب عليه رد الجارية، وقد عجز عن ردها بحكم الهلاك مع قيام الموجب للرد فيعدم قيمتها، كذا ذكره الإمام قاضي خان (٥). وإذا جاز ابتداءً أولى أن يبقى، أي وإذا جازت الإقالة بعد هلاك الجارية في المسألة الثانية فلأن يبقى الإقالة بعد هلاك الجارية في الأولى بالطريق الأولى. فإن قيل: ينبغي أن لا يصح الإقالة بعد هلاك الجارية؛ لأن الجارية بعد الهلاك صارت بمنزلة المسلم فيه من حيث وجوب قيمتها دينًا في الذمة، والمسلم فيه أيضاً قد سقط بالإقالة، فصارا بمنزلة هلاك العوضين في بيع المقايضة، وذلك يمنع الإقالة هناك فكذا هنا، وذلك أنه إذا هلك أحد العوضين في المقايضة ثم تقايلا ثم هلك الآخر يبطل الإقالة. قلنا: في المقايضة الرد واجب بعد الإقالة، وهلاك المبيع قبل القبض يوجب فسخ العقد، وفي السلم قامت قيمة الجارية مقام الجارية فلم يكن رد عين الجارية واجباً، فكان (٦) قيام القيمة بمنزلة قيام الجارية فصار بمنزلة بقاء أحد العوضين في بيع المقايضة، فهناك يصح الإقالة فيه فكذا هنا. ومن أسلم إلى رجل دراهم في كر حنطة فقال المسلم إليه: شرطت ردياً إلى آخره. الأصل فيه في هذه المسائل أيهما إذا اختلفا في الصحة، فإن خرج كلام أحدهما مخرج التعنت كان باطلاً، وكان القول قول من يدعي الصحة، وإن خرج مخرج الخصومة قال أبو حنيفة ﵀: القول قول من يدعي الصحة أيضاً إذا اتفقا على عقد واحد، وإن كان خصمه هو المنكر. وقال أبو يوسف ومحمد: القول قول المنكر وإن أنكر الصحة.

стр. 2901

وللمعنت (١) لغة: من تبطلت العَنَت، وهو وقوع الإنسان فيما لا يستطيع الخروج عنه، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ (٢)، قال الزجاج [﵀] (٣): أي لأهلككم، والإهلاك: إيقاع فيما لا يستطيع الخروج عنه. والمراد بالتعنت شرعًا: من ينكر ما ينفعه، والمخاصم من ينكر ما بصره (٤)، كذا في الفوايد الظهيرية (٥). فالقول قول المسلم إليه؛ لأنهما اتفقا على عقد واحد، واختلفا فيما لا يصح العقد بدونه، وهو بيان الوصف، فمن يدعيه يدعي صحة العقد، فكان الظاهر شاهدًا له؛ لأن الظاهر من حالهما مباشرة العقد بوصف الصحة دون الفساد، والقول قول من يشهد له الظاهر؛ لأنه أقرب إلى الصدق، كذا ذكره الإمام قاضي خان (٦). لأن المسلم فيه يربو على رأس المال في العادة. فإن قيل: لا نسلم، بل رأس المال جبر، وإن قل من المسلم فيه، وإن جل [لما أن] (٧) رأس المال نقد، والمسلم فيه نسيئة، وقد قيل عصفور في يدي جبر (٨) من تزكى في الهواء، وفي المثل] السائر: [النقد خير من النسيئة. قلت (٩): نعم كذلك، إلا أن ذلك متروك هنا بالعرف والعادة، فإن الناس مع وفور عقلهم يعدمون في عقد السلم، وما ذلك (١٠) إلا لفائدة زائدة رأوها فيه، فكان الفاء مزية (١١) النقدية بمقابلة زيادة فائدة رأوها في المسلم فيه، مع كونه نسيئة، وإنما ذكر ربا المسلم فيه لإثبات المعادلة بينه وبين رأس المال؛ لأن المسلم فيه، وإن كان أكثر مالية عادة إلا أنه آجل، ورأس المال وإن كان أقل مالية إلا أنّه عاجل، والعاجل خير من الآجل فينجبر قصور كل واحد منهما لوفور كل واحد منهما فيتعادلان (١٢)، ثم رب السلم متعنت؛ لإنكاره الصحة، وقول المتعنت مردود، فكان القول قول المسلم إليه. وذكر الإمام شمس الأئمة السرخسي (١٣): فالقول قول المسلم إليه؛ لأنه هو الذي يلتزم الطعام بعقد السلم. فالقول قوله في بيان صفة ما التزمه ثم اتفاقهما على أصل العقد يكون اتفاقاً منهما على ما هو شرط جواز العقد، ومن شرط جوازه بيان صفة الطعام، فقول رب السلم لم يسم صفة الطعام يكون رجوعًا عما أقر به وسعيًا في نقض ما تم به.

стр. 2902

وفي عكسه يعني لو كان رب السلم يدعي بيان الوصف والمسلم إليه ينكر لم يذكر هذا في الكتاب وينبغي أن يكون على الاختلاف على قول أبي حنيفة ﵀ القول [قول] من يدعي الصحة. وعلى قول أبي يوسف ومحمد القول قول المسلم إليه كذا ذكره الإمام قاضي خان (١). وسنقرره من بعد [أن … ] (٢) وهو قوله: بعده لخطوط القول لرب السلم عندهما؛ لأنه ينكر حقًا عليه إلى آخره. لأن المسلم إليه متعنت؛ لأنه ينكر ما ينفعه. والفساد لعدم الأجل غير متيقن، هذا جواب سؤال مقدر، وقال الإمام قاضي خان (٣): والقول قول رب السلم، وهذا استحسان، والقياس أن يكون القول قول الآخر، وعلى هذا النكاح والإجارة وكل عقد، إذا ادّعى أحدهما فساد العقد في القياس يكون القول مدعي (٤) الفساد؛ لأنه ينكر استحقاق موجب العقد الجائز، فكان القول قوله. و (٥) لأن السلم (٦) فيه لما كان يربو على رأس [المال] لا يكون منكر لزوم قول شيء، هو زايد في المالية على ما يقابله متعنتًا. ولكنا نقول: القول قول رب السلم وهو استحسان (٧)؛ لأنهما اتفقا على عقد واحد، واختلفا في الصحة والفساد فيقبل قول من يدعي الصحة؛ لأن الظاهر من حالهما مباشرة العقد بصفة الصحة، فالإقرار بالعقد إقرار بموجب العقد الجائز طاهراً (٨) فلا يقبل إنكاره بعد ذلك. وأما تفسير ما ذكر في الكتاب من الجواب هو أن فساد السلم بسبب ترك ذكر الأجل فساد مجتهد فيه، وإن (٩) سلم الحال جائز عند الشافعي [﵀] (١٠)، فلما لم يكن فساده قطعًا عند ترك الأجل لم يلزم من إنكار الأجل رد ر، أس المال فلا يكون النفع حاصلاً للمسلم إليه بهذا الإنكار من كل وجه، فلم يعتبر نفع رد رأس المال فلذلك كان متعنتًا؛ لإنكاره النفع الظاهر، وهو الأجل؛ لأن كونه مؤجلاً نفع له ليقدر (١١) في ذلك الوقت على تحصيل المسلم فيه. بخلاف عدم الوصف، أي لو قال المسلم إليه: شرطت لك ردياً، وقال رب السلم: لم يشترط شيئاً، وهي المسألة الأولى، كان القول قول المسلم إليه؛ لأن فساد السلم بسبب ترك الوصف متيقن به غير مجتهد فيه من [كان (١٢) رب السلم هناك متعنتًا.

стр. 2903

وفي عكسه بأن ادعى المسلم إليه الأجل ورب السلم ينكره. وقال: كرب المال إذا قال للمضارب: شرطت لك نصف الربح إلا عشرة، هذا هو الصواب من النسخة. ووقع في بعض النسخ: شرطت لك نصف الربح وزيادة عشرة، وهذا ليس بصحيح؛ لأن على ذلك التقدير كان القول قول المضارب، وفي صورة [لفظ] (١) الاستثناء كان القول قول رب المال، والمقيس والمقيس عليه في هذه المسألة في شروح المبسوط وشروح الجامع الصغير للإمام قاضي خان والتمرتاشي والفوائد الظهيرية والتتمة وغيرها (٢) بلفظ الاستثناء لما ذكرنا أن في صورة لفظ الاستثناء كان الفعل (٣) قول رب المال، وفي قوله: وزيادة عشرة كان القول للمضارب بالإجماع. وذكر شيخ الإسلام المعروف بجواهر زاده (٤): الفرق بين المضاربة وبين المتنازع فيه من طرف أبي حنيفة ﵁ في مبسوطه فقال: ولا يلزم [في] (٥) المضاربة؛ لأن في المتنازع فيه اتفقا على عقد واحد، وفي المضاربة ما اتفقا بل اختلفا، فرب المال ادّعى الإجارة، فإن (٦) المضاربة متى فسدت جنازة (٧) إجارة فاسدة، وإذا (٨) جازت كانت شركة، فادعى المضارب المضاربة والشركة، وأنكر رب المال ذلك وأقر له بالإجارة، فيكون القول لرب المال، وههنا اتفقا على عقد واحد وهو السلم، فإن السلم للحال سلم فاسدًا وليس بعقد آخر. ألا ترى أنه بحيث (٩) به في حلفه لا يسلم، فقد اتفقا في عقد واحد واختلفا في جوازه وفساده، فكان القول لمدعي الجواز. فإن قيل: هذا العذر الذي ذكرتم في المضاربة يشكل بما لو قال: شرطت لك نصف الربح وزيادة عشرة، وقال المضارب: لا بل شرطت [لي] في نصف الربح، فالقول للمضارب، ولم يقل إنهما اختلفا في نوع العقد. قلنا: هذا لا يلزم؛ لأن المضارب إن ادعى المضاربة والشركة، إلا أن رب المال أقر له بذلك لما قال: شرطت لك نصف الربح، فهو بقوله: "وزيادة عشرة" يدعي فساد العقد بعدما أقر له فالجواز (١٠)؛ لأن قوله: "وزيادة عشرة" معطوف على قوله: "شرطت لك نصف الربح" فأول الكلام لا يقف على وجوده لمن (١١) قال: أنت طالق وطالق لغير المدخول بها، بخلاف ما لو قال: إلا عشرة؛ لأن هذا استثناء، وأول الكلام مما يقف على الاستثناء، وذكر الإمام قاضي خان ﵀ (١٢): ولأبي حنيفة ﵀ أنهما اتفقا على عقد واحد، واختلفا في الصحة والفساد فيكون القول قول من يدعي الصحة كالمتناكحين إذا اختلفا، فأحدهما يدعي النكاح بغير شهود، والآخر بشهود، كان القول قول من يدعي النكاح بشهود، بخلاف مسألة المضاربة؛ لأن ثمة ما اتفقا على عقد واحد؛ لأن المضاربة إذا صحت يكون شركة، وإذا فسدت كانت (١٣) إجارة للعامل، فإن (١٤) كان الظاهر من حالة (١٥) أنه لا يباشر الفاسد، لا يكون الظاهر من حالة أنه لا يباشر العقد الآخر.

стр. 2904

ولا يلزم على ما قلنا إذا اختلفا في النكاح، فقال الزوج: تزوجتك حال ما كنت صغيرًا، وقال (١) المرأة: تزوجني بعد البلوغ، فإن القول قول الزوج، وإن كان فيه فساد العقد؛ لأن ثمة ما أقر بالعقد، بل أنكر العقد، حيث أسنده إلى حال عدم الأهلية. قال: لأنه ليس بلازم، أي لأن عقد المضاربة (ليست بعقد لازم) (٢)؛ لأن كل واحد من رب المال والمضارب يتمكن من فسخه بعد عقد المضاربة، وإذا كان غير لازم يرتفع العقد باختلاف المتعاقدين، وإذا ارتفع العقد بالإنكار بقي دعوى المضارب (٣) في مال رب المال، فالقول للمنكر وهو رب المال. أما السلم فعقد لازم، فبالاختلاف لا يرتفع العقد [بالإنكار] (٤)، وإنما يرتفع عند رفع المتعاقدين معًا، فلما كان كذلك كان مدعي الفساد متعينًا؛ لأنه لا فائدة في إنكاره، فكان قوله مردودًا. وإن خرج خصومة بأن ادعى المسلم إليه الأجل، ورب السلم (٥) ينكره، [فالقول قول المدعي للصحة عنده، وعندهما للمنكر، وإن أنكر الصحة] (٦). يقال: رفعه (٧) هذا الثوب، أي جودته (يراد غلظه) (٨) وثخانته، وإن كان ثوب حرير لا بد من بيان ** أيضاً. وذكر في المبسوط (٩): وإذا أسلم في الحرير ينبغي أن يشترط الوزن؛ لأن قيمة الحرير تختلف باختلاف الوزن، وينبغي أن يشترط الطول والعرض مع الوزن؛ لأن المسلم إليه ربما يأتي وقت حلول الأجل يقطع الحرير بذلك الوزن، ونحن نعلم يقينًا أنه لم يرد به قطع الحرير، وأما في الثياب فلا يشترط الوزن. وذكر في الذخيرة (١٠): قال بعض مشايخنا: ولا شك أن بيان الوزن في الكرباس (١١) ليس بشرط؛ لأن الكرباس لا يختلف باختلاف الوزن. وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ (١٢): اشتراط الوزن في الوداري (١٣) وما يختلف بالنقل والخفة، ثم ذكر اشتراط الوزن في الحرير كما ذكر في المبسوط (١٤)، ثم قال: وفي المنتقى (١٥): إذا باع ثوب خر (١٦) بثوب خريداً تبدلاً يجوز، إلا وزنًا فلا (١٧) خير فيه، أي لا يجوز؛ لأن في الجواز خيراً، وإن استصبغ (١٨) به شيئاً من ذلك بغير أجل جاز استحساناً.

стр. 2905

اعلم أن صورة الاستصناع هي ما ذكره صدر الإسلام ﵀ في الجامع الصغير (١) وقال: صورته أن يجيء إنسان إلى آخر فيقول: احرز لي خفًا صفته (٢) كذا، وقدره كذا بكذا درهمًا، وسلم (٣) له جميع الدراهم، (أو لا نسلم) (٤) أو يسلم بعضه، وإنما يجوز الاستصناع فيما للناس فيه تعامل؛ للإجماع الثابت بالتعامل؛ لأن الجواز ثابت بالإجماع، وإنما الاختلاف في أنه بيع أو عدة. فإن قيل: يشكل على الاستبدال على الجواز لتعامل الناس مسألة المزارعة على قول أبي حنيفة ﵀، فإن (المزارعة والمعاملة) (٥) فاسدتان عنده، وإن كان للناس فيهما تعامل. قلنا: لا كذلك، فإن الخلاف فيهما كان ثابتًا في الصدر الأول، (وهذا كان) (٦) على الاتفاق، كذا ذكره الإمام قاضي خان (٧). وفي القياس لا يجوز؛ لأن المستصنع (٨) فيه مبيع، وهو معدوم، وبيع المعدوم لا يجوز؛ لنهي النبي ﵇ عن بيع ما ليس عند الإنسان (٩)، هذا في حكم بيع العين، فلو كان موجودًا غير مملوك للعاقد لم يجز بيعه، فإذا كان معدومًا أولى. ولكنا تركنا القياس؛ لتعامل الناس في ذلك، فإنهم (١٠) تعاملوه من لدن رسول الله ﵇ إلى يومنا هذا من غير نكير [منكر] (١١)، وتعامل الناس من غير نكير أصل من الأصول كبير؛ لقوله ﵇: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن» (١٢)، وقال: «لا تجتمع أمتي على الضلالة» (١٣)، وهو نظير دخول الحمام بأجر جائز؛ لتعامل الناس، وإن كان مقدار المكث، وما يصب من الماء مجهولاً.

стр. 2906

وكذلك شرب الماء من السقا [صار من غير بيان قدر المشروب] بفلس، والحجامة تاجر جائز (١)؛ لتعامل الناس، وإن كان مقدار ما يشرط أو يضع من الكبة على ظهره غير معلوم. وفي الحديث أن النبي ﵇ استصنع خاتمًا (٢)، واستصنع المنبر (٣)، فإذا ثبت هذا (يترك كل) (٤) قياس في مقابلته. وكان الحاكم الشهيد (٥) ﵀ يقول: الاستصناع مواعدة، وإنما ينعقد العقد بالتعاطي إذا جاء مفروغًا عنه، ولهذا يثبت الخيار لكل واحد منهما، والأصح أنه معاقدة، فإنه أجرى (٦) فيه القياس والاستحسان والمواعيد يجوز قياساً واستحساناً، كذا في المبسوط (٧). وذكر صدر الإسلام في الجامع الصغير (٨): وبثبوت الخيار لكل واحد منهما (لا يتبين على أنه) (٩) ليس ببيع، ألا ترى أن اثنين لو تبايعا عرضاً بعرض، ولم ير كل واحد منهما ما اشترى، فلكل واحد منهما الخيار وهو بيع محض (١٠). وقال (١١): لا عدة نفي القول (١٢) الحاكم الشهيد كما ذكرنا، والدليل على أنه معاقدة بيع لا مواعدة من وجوه: أحدها: جريان القياس والاستحسان كما ذكرنا. والثاني: أنه فصل في جوازه بين الناس فيه تعامل، وبين ما لا تعامل فيه، ولو كان مواعدة لجاز في الكل. والثالث: أثبت فيه خيار الرؤية، وخيار الرؤية إنما يكون في البيع. والرابع: تسمية محمد ﵀ لذلك شرى (١٣)، فقال: كان المستصنع إذا رآه بالخيار؛ لأنه اشترى ما لم يره، فقد [سماه] شرى (١٤).

стр. 2907

والخامس: أنه إذا قبض الآخر (١) فإنه يملكه، ولو كانت مواعدة ولا معاقدة لكان لا يصير الآخر (٢) ملكًا له، كذا في الذخيرة. والمعدوم قد يعتبر موجودًا كالناسي للتسمية عند الذبح يجعل التسمية موجودًا (٣)؛ لعذر النسيان. وكذلك الطهارة للمستحاضة يجعل موجودة؛ لعذر جواز الصلاة، لئلا يتضاعف الصلاة عليها، فالتسمية والطهارة معدومتان، فيتقدر [حقيقة] (٤) جعلتا موجودتين؛ لما ذكرنا، كما أن الموجود حقيقة يجعل معدومًا للعذر؛ كالماء المعد لدفع العطش، يجعل معدومًا حتى جاز التيمم (بوجوده) (٥) حقيقة، فكذلك ههنا المستصنع معدوم، يجعل موجودًا حكمًا للتعامل، والمعقود عليه العين دون العمل، حتى لو حاط (٦) الصانع بالمستصنع لا من صنعه (٧)، أو صنعه الصانع قبل الأمر بالصنعة (٨)، يجبر الآمر على القبول، علم أن المعقود عليه هو العين لا العمل، ولهذا ينفي (٩) قول أبي سعيد البردعي، فإنه يقول: المعقود عليه هو العمل؛ لأن الاستصناع استفعال من الصنع، وهو العمل، فتسمية العقد به دليل على أنه هو المعقود عليه، والأديم والصرم فيه لمنزلة الآلة للعمل، لكن الأصح أن المعقود عليه المستصنع فيه، وذكر الصنعة لبيان الوصف، فإن المقصود هو المستصنع فيه، والدليل عليه أن محمدًا ﵀ قال: إذا جاء به مفروغًا عنه فللمستصنع الخيار؛ لأنه اشترى شيئاً لم يرده، وخيار الرؤية إنما يثبت فيه بيع العين فعرفنا أن المبيع هو المستصنع فيه، كذا في المبسوط (١٠). فإن قيل: لو كان بيعًا لما بطل بموت الصانع أو المستصنع. وذكر الإمام قاضي خان في الجامع الصغير (١١): يبطل الاستصناع بموت [أحدهما]، والسلم لا يبطل لموته (١٢) بهما، وكذلك (١٣) [في] (١٤) سائر البياعات، قلنا: الاستصناع شبه بالإجارة من حيث أن فيه طلب الصنع وهو العمل، وشبه بالبيع من حيث أن المقصود منه عين المستصنع فليشهد بالإجازة.

стр. 2908

قلنا: يبطل بموت أحدهما، ولشبهه بالبيع وهو المقصود أجرينا القياس والاستحسان، وأثبتنا خيار الرؤية، ولم يوجب تعجيل الثمن في مجلس العقد ما في بيع العين، وذكر في الذخيرة: وينعقد الاستصناع إجارةً ابتداءً بيعًا انتهاءً متى سلم، ولكن قبيل التسليم لا عند التسليم، بدليل أنهم قالوا بأن الصانع إذا مات قبل تسليم العمل بطل الاستصناع، ولا يستوفي المصنوع من ركنه (١)، ولو انعقد بيعًا ابتداءً وانتهاءً لكان لا يبطل بموته، كما في بيع العين والسلم، قال (٢) محمد: إذا أتى به الصانع كان المستصنع بالخيار؛ لأنه اشترى شيئاً لم يره، ولو انعقد إجازة (٣) ابتداءً وانتهاءً لم يكن [له] (٤) خيار الرؤية، كما في الخياط والصباغ، ولو كان ينعقد عند التسليم لا قبله بساعة لم يثبت خيار الرؤية؛ لأنه يكون مشترياً ما رآه، وخيار الرؤية لا يثبت في المرئي، والمعنى في ذلك أن المستصنع طلب منه العمل والعين جميعًا، ولا بد من اعتبارهما جميعًا، واعتبارهما جميعًا في حالة واحدة متعذر؛ لأن بين الإجارة والبيع تنافياً، (فجوزنا إجازة) (٥) ابتداء؛ لأن عدم المعقود [دار من غير بيان المدة ومقدار الماء ** يستعمل، كذا في البدائع (٦) عليه لا يمنع انعقاد الإجازة (٧)، ويمنع انعقاد البيع فاعتبرناهما جميعًا؛ توفيراً على الأمرين حفظهما، كما فعلنا هكذا في الهبة بشرط العوض، اعتبرناها تبرعًا في الابتداء عملاً باللفظ، وبيعًا انتهاء عملاً بالمعنى، فكذا هنا، فلما كان بيعًا انتهاء، أورده محمد في كتاب البيوع (٨). فإن قيل: لو كان ينعقد إجارة لكان الصانع يجبر على العمل، ويجبر المستصنع على إعطاء الدراهم كما في سائر الإجارات، ولو أتى الصانع لمصنوع (٩) صنعه قبل العقد يرى (١٠) الصانع عما لزمه بالاستصناع، ولو انعقد إجازة (١١) لا يستحق عليه العمل بعد العقد. قلنا: الروايات في لزوم الاستصناع وعدم لزومه مختلفة، روى (١٢) أبو (١٣) يوسف عن أبي حنيفة -رحمهما الله-: أن الصانع لا يجبر على العمل، بل يتخير إن شاء فعل، وإن شاء (لم يفعل) (١٤).

стр. 2909

وإذا أتى الصانع بالمصنوع لا يجبر المستصنع على القبول، فوجه ذلك: أما (١) الصانع إنما لم يجر على العمل، وإن كان ينعقد إجارته (٢)؛ لأنه لا يمكنه العمل إلا بالإتلاف (٣) عين والإجارة يفسخ بهذا القدر. ألا ترى أن المدارع (٤) له أن يمتنع من العمل إذا كان البذر من جهته، ورب الأرض كذلك؛ لأنه لا يمكنه المعنى (٥) بهذه الإجازة (٦)، الإتلاف (٧) عين، وكذلك لو استأجر رجلاً ليقطع يده، وقد وقعت فيها أكلة، كان له أن يمنع، فكذا هذا، ولا يجبر المستصنع على إعطاء الدراهم، وإن شرط تعجيله؛ لأن هذه الإجارة في الأجرة شرى (٨)، ما لم يره، ومن اشترى ما لم يره كان له أن ينفسخ (٩) العقد، ولا يعطي البدل، ولأن جواز الاستصناع بخلاف القياس؛ لأجل الحاجة والضرورة في الجواز لا في اللزوم، وعن هذا قلنا: أن للصانع أن يبيع المصبوغ (١٠) قبل أن يراه المستصنع؛ لأن العقد ليس بلازم، فإذا رآه ورضي به ليس له أن يبيعه؛ لأن الصانع بالإحصار (١١) أسقط خياره، ولزم العقد من جانبه، فإذا رضي به المستصنع ثبت اللزوم في حقه أيضاً، وقال أبو يوسف ﵀: آخر الأخبار (١٢) لواحد منهما، بل يجبر الصانع على العمل، ويجبر المستصنع على القبول، فوجه ذلك أما (١٣) الصانع ضمن العمل فيجبر عليه، وأما المستصنع فلأنه لو لم يجبر على القبول يتضرر به الصانع؛ لأنه عسى لا يشتريه غيره منه أصلاً، أولاً (١٤) يشتري بذلك القدر من الثمن فيجبر على القبول؛ دفعًا للضرر عن الصانع. وأما قوله: لو أتى بمصنوع صنعه قبل العقد لم يجبر على العمل، قلنا: المقصود من العمل المعمول، فإذا سلم [المعمول] (١٥) سقط عنه العمل، هذا كله من الذخيرة. ولا يتعين إلا بالاختيار، أي باختيار المستصنع، وقوله: وهذا كله هو الصحيح راجع إلى قوله: أنه يجوز (١٦) بيعًا لا عدة. وقال (١٧): والمعقود عليه العين دون العمل.

стр. 2910

وقال (١): ولا يتعين إلا بالاختيار لما أن في كل منهما قولاً آخر، وقد ذكرناه، وهو الخيار (٢)، أي المستصنع بالخيار، ولا خيار للصانع، هذا مخالف لما ذكرنا من رواية الذخيرة في رواية [عن] (٣) أبي يوسف عن أبي حنيفة -رحمهما الله-: أن الصانع لا يجبر على العمل، بل ينجبر (٤) إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل. وكذا أيضاً ذكره (٥) الإمام قاضي خان (٦) ﵀ هذه الرواية من غير خلاف أحد، فقال: وإذا كان عقدًا كان للمستصنع خيار الرؤية في ظاهر الرواية؛ لأنه اشترى [شيئاً] لم يره، وهل للصانع خيار أن لا يعمل له ذلك لأنه لا يتمكن من العمل إلا بإتلاف المال، وهو قطع الأديم ونحوه، فلا يجبر على ذلك، كما لو أخذ أرضاً مزارعة على أن البذر من قبل العامل، فإنه لا يجبر على العمل. وقال (٧): إلا بضرر، أي إلا بإتلاف شيء هو عين، وهو قطع الصرم، وغيره كإتلاف الحنطة في ضرره (٨). فإن قيل: قطع الصرم وغيره وإن كان ضرراً لا يعتبر ضرراً في حق الصانع؛ لأنه ضرر مرضي في حقه. قلنا: جاز أن يكون رضاه بسبب ظن أن المستصنع مجبور على القبول، فلا علم أن المستصنع مختار في القبول (إلا برضى) (٩)، حينئذ بقطع الصرم غاية الأمر أن هذا التقرير يقتضي اعتبار الجهل عذراً، والجهل ليس بعذر في دار الإسلام؛ لأنا نقول خيار المستصنع اختيار بعض المتأخرين من أصحابنا، وليس على كل واحد من المسلمين في دار الإسلام علم أقوال جميع المجتهدين من اختياراتهم، إذ لو كان مشروطًا ذلك كان كل الناس علماء (١٠) وأهل الفتوى، وليس ذلك بمأخوذ على الناس أجمع بالإجماع، فقد يخفى على العلماء الذين هم في تفتيش المسائل الليل والنهار بعض أقوال المجتهدين من أولي الأبصار، فكيف على العامي الذي بناء أمره على التقليد، وقد لا يكون ذلك على التسديد، وأما قولهم: الجهل ليس بعذر في دار الإسلام فذلك في الفرائض التي لا بد لإقامة دينه منها، لا في خياره اجتهاد [و] (١١) جميع المجتهدين. أما الصانع فلما ذكرنا، يعني لا خيار للصانع لما ذكر أن الاستصناع يجوز بيعًا لا عدة، والبائع إذا باع شيئاً لم يره لا يكون له الخيار؛ لأنه لا يشتريه غيره بمثله، وقد لا يشتريه غيره أصلاً، كما لو استصنع منبراً من يعظ للناس عليه، فالعامي لا يشتريه أصلاً، فلذلك لم يجعل للمستصنع خيار الرؤية، كما في السلم ليس لرب السلم خيار الرؤية، ولكن هذا غير ظاهر الرواية.
следующие страницы →