← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

وكذلك شرب الماء من السقا [صار من غير بيان قدر المشروب] بفلس، والحجامة تاجر جائز (١)؛ لتعامل الناس، وإن كان مقدار ما يشرط أو يضع من الكبة على ظهره غير معلوم. وفي الحديث أن النبي ﵇ استصنع خاتمًا (٢)، واستصنع المنبر (٣)، فإذا ثبت هذا (يترك كل) (٤) قياس في مقابلته. وكان الحاكم الشهيد (٥) ﵀ يقول: الاستصناع مواعدة، وإنما ينعقد العقد بالتعاطي إذا جاء مفروغًا عنه، ولهذا يثبت الخيار لكل واحد منهما، والأصح أنه معاقدة، فإنه أجرى (٦) فيه القياس والاستحسان والمواعيد يجوز قياساً واستحساناً، كذا في المبسوط (٧). وذكر صدر الإسلام في الجامع الصغير (٨): وبثبوت الخيار لكل واحد منهما (لا يتبين على أنه) (٩) ليس ببيع، ألا ترى أن اثنين لو تبايعا عرضاً بعرض، ولم ير كل واحد منهما ما اشترى، فلكل واحد منهما الخيار وهو بيع محض (١٠). وقال (١١): لا عدة نفي القول (١٢) الحاكم الشهيد كما ذكرنا، والدليل على أنه معاقدة بيع لا مواعدة من وجوه: أحدها: جريان القياس والاستحسان كما ذكرنا. والثاني: أنه فصل في جوازه بين الناس فيه تعامل، وبين ما لا تعامل فيه، ولو كان مواعدة لجاز في الكل. والثالث: أثبت فيه خيار الرؤية، وخيار الرؤية إنما يكون في البيع. والرابع: تسمية محمد ﵀ لذلك شرى (١٣)، فقال: كان المستصنع إذا رآه بالخيار؛ لأنه اشترى ما لم يره، فقد [سماه] شرى (١٤).

стр. 2907

والخامس: أنه إذا قبض الآخر (١) فإنه يملكه، ولو كانت مواعدة ولا معاقدة لكان لا يصير الآخر (٢) ملكًا له، كذا في الذخيرة. والمعدوم قد يعتبر موجودًا كالناسي للتسمية عند الذبح يجعل التسمية موجودًا (٣)؛ لعذر النسيان. وكذلك الطهارة للمستحاضة يجعل موجودة؛ لعذر جواز الصلاة، لئلا يتضاعف الصلاة عليها، فالتسمية والطهارة معدومتان، فيتقدر [حقيقة] (٤) جعلتا موجودتين؛ لما ذكرنا، كما أن الموجود حقيقة يجعل معدومًا للعذر؛ كالماء المعد لدفع العطش، يجعل معدومًا حتى جاز التيمم (بوجوده) (٥) حقيقة، فكذلك ههنا المستصنع معدوم، يجعل موجودًا حكمًا للتعامل، والمعقود عليه العين دون العمل، حتى لو حاط (٦) الصانع بالمستصنع لا من صنعه (٧)، أو صنعه الصانع قبل الأمر بالصنعة (٨)، يجبر الآمر على القبول، علم أن المعقود عليه هو العين لا العمل، ولهذا ينفي (٩) قول أبي سعيد البردعي، فإنه يقول: المعقود عليه هو العمل؛ لأن الاستصناع استفعال من الصنع، وهو العمل، فتسمية العقد به دليل على أنه هو المعقود عليه، والأديم والصرم فيه لمنزلة الآلة للعمل، لكن الأصح أن المعقود عليه المستصنع فيه، وذكر الصنعة لبيان الوصف، فإن المقصود هو المستصنع فيه، والدليل عليه أن محمدًا ﵀ قال: إذا جاء به مفروغًا عنه فللمستصنع الخيار؛ لأنه اشترى شيئاً لم يرده، وخيار الرؤية إنما يثبت فيه بيع العين فعرفنا أن المبيع هو المستصنع فيه، كذا في المبسوط (١٠). فإن قيل: لو كان بيعًا لما بطل بموت الصانع أو المستصنع. وذكر الإمام قاضي خان في الجامع الصغير (١١): يبطل الاستصناع بموت [أحدهما]، والسلم لا يبطل لموته (١٢) بهما، وكذلك (١٣) [في] (١٤) سائر البياعات، قلنا: الاستصناع شبه بالإجارة من حيث أن فيه طلب الصنع وهو العمل، وشبه بالبيع من حيث أن المقصود منه عين المستصنع فليشهد بالإجازة.

стр. 2908

قلنا: يبطل بموت أحدهما، ولشبهه بالبيع وهو المقصود أجرينا القياس والاستحسان، وأثبتنا خيار الرؤية، ولم يوجب تعجيل الثمن في مجلس العقد ما في بيع العين، وذكر في الذخيرة: وينعقد الاستصناع إجارةً ابتداءً بيعًا انتهاءً متى سلم، ولكن قبيل التسليم لا عند التسليم، بدليل أنهم قالوا بأن الصانع إذا مات قبل تسليم العمل بطل الاستصناع، ولا يستوفي المصنوع من ركنه (١)، ولو انعقد بيعًا ابتداءً وانتهاءً لكان لا يبطل بموته، كما في بيع العين والسلم، قال (٢) محمد: إذا أتى به الصانع كان المستصنع بالخيار؛ لأنه اشترى شيئاً لم يره، ولو انعقد إجازة (٣) ابتداءً وانتهاءً لم يكن [له] (٤) خيار الرؤية، كما في الخياط والصباغ، ولو كان ينعقد عند التسليم لا قبله بساعة لم يثبت خيار الرؤية؛ لأنه يكون مشترياً ما رآه، وخيار الرؤية لا يثبت في المرئي، والمعنى في ذلك أن المستصنع طلب منه العمل والعين جميعًا، ولا بد من اعتبارهما جميعًا، واعتبارهما جميعًا في حالة واحدة متعذر؛ لأن بين الإجارة والبيع تنافياً، (فجوزنا إجازة) (٥) ابتداء؛ لأن عدم المعقود [دار من غير بيان المدة ومقدار الماء ** يستعمل، كذا في البدائع (٦) عليه لا يمنع انعقاد الإجازة (٧)، ويمنع انعقاد البيع فاعتبرناهما جميعًا؛ توفيراً على الأمرين حفظهما، كما فعلنا هكذا في الهبة بشرط العوض، اعتبرناها تبرعًا في الابتداء عملاً باللفظ، وبيعًا انتهاء عملاً بالمعنى، فكذا هنا، فلما كان بيعًا انتهاء، أورده محمد في كتاب البيوع (٨). فإن قيل: لو كان ينعقد إجارة لكان الصانع يجبر على العمل، ويجبر المستصنع على إعطاء الدراهم كما في سائر الإجارات، ولو أتى الصانع لمصنوع (٩) صنعه قبل العقد يرى (١٠) الصانع عما لزمه بالاستصناع، ولو انعقد إجازة (١١) لا يستحق عليه العمل بعد العقد. قلنا: الروايات في لزوم الاستصناع وعدم لزومه مختلفة، روى (١٢) أبو (١٣) يوسف عن أبي حنيفة -رحمهما الله-: أن الصانع لا يجبر على العمل، بل يتخير إن شاء فعل، وإن شاء (لم يفعل) (١٤).

стр. 2909

وإذا أتى الصانع بالمصنوع لا يجبر المستصنع على القبول، فوجه ذلك: أما (١) الصانع إنما لم يجر على العمل، وإن كان ينعقد إجارته (٢)؛ لأنه لا يمكنه العمل إلا بالإتلاف (٣) عين والإجارة يفسخ بهذا القدر. ألا ترى أن المدارع (٤) له أن يمتنع من العمل إذا كان البذر من جهته، ورب الأرض كذلك؛ لأنه لا يمكنه المعنى (٥) بهذه الإجازة (٦)، الإتلاف (٧) عين، وكذلك لو استأجر رجلاً ليقطع يده، وقد وقعت فيها أكلة، كان له أن يمنع، فكذا هذا، ولا يجبر المستصنع على إعطاء الدراهم، وإن شرط تعجيله؛ لأن هذه الإجارة في الأجرة شرى (٨)، ما لم يره، ومن اشترى ما لم يره كان له أن ينفسخ (٩) العقد، ولا يعطي البدل، ولأن جواز الاستصناع بخلاف القياس؛ لأجل الحاجة والضرورة في الجواز لا في اللزوم، وعن هذا قلنا: أن للصانع أن يبيع المصبوغ (١٠) قبل أن يراه المستصنع؛ لأن العقد ليس بلازم، فإذا رآه ورضي به ليس له أن يبيعه؛ لأن الصانع بالإحصار (١١) أسقط خياره، ولزم العقد من جانبه، فإذا رضي به المستصنع ثبت اللزوم في حقه أيضاً، وقال أبو يوسف ﵀: آخر الأخبار (١٢) لواحد منهما، بل يجبر الصانع على العمل، ويجبر المستصنع على القبول، فوجه ذلك أما (١٣) الصانع ضمن العمل فيجبر عليه، وأما المستصنع فلأنه لو لم يجبر على القبول يتضرر به الصانع؛ لأنه عسى لا يشتريه غيره منه أصلاً، أولاً (١٤) يشتري بذلك القدر من الثمن فيجبر على القبول؛ دفعًا للضرر عن الصانع. وأما قوله: لو أتى بمصنوع صنعه قبل العقد لم يجبر على العمل، قلنا: المقصود من العمل المعمول، فإذا سلم [المعمول] (١٥) سقط عنه العمل، هذا كله من الذخيرة. ولا يتعين إلا بالاختيار، أي باختيار المستصنع، وقوله: وهذا كله هو الصحيح راجع إلى قوله: أنه يجوز (١٦) بيعًا لا عدة. وقال (١٧): والمعقود عليه العين دون العمل.

стр. 2910

وقال (١): ولا يتعين إلا بالاختيار لما أن في كل منهما قولاً آخر، وقد ذكرناه، وهو الخيار (٢)، أي المستصنع بالخيار، ولا خيار للصانع، هذا مخالف لما ذكرنا من رواية الذخيرة في رواية [عن] (٣) أبي يوسف عن أبي حنيفة -رحمهما الله-: أن الصانع لا يجبر على العمل، بل ينجبر (٤) إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل. وكذا أيضاً ذكره (٥) الإمام قاضي خان (٦) ﵀ هذه الرواية من غير خلاف أحد، فقال: وإذا كان عقدًا كان للمستصنع خيار الرؤية في ظاهر الرواية؛ لأنه اشترى [شيئاً] لم يره، وهل للصانع خيار أن لا يعمل له ذلك لأنه لا يتمكن من العمل إلا بإتلاف المال، وهو قطع الأديم ونحوه، فلا يجبر على ذلك، كما لو أخذ أرضاً مزارعة على أن البذر من قبل العامل، فإنه لا يجبر على العمل. وقال (٧): إلا بضرر، أي إلا بإتلاف شيء هو عين، وهو قطع الصرم، وغيره كإتلاف الحنطة في ضرره (٨). فإن قيل: قطع الصرم وغيره وإن كان ضرراً لا يعتبر ضرراً في حق الصانع؛ لأنه ضرر مرضي في حقه. قلنا: جاز أن يكون رضاه بسبب ظن أن المستصنع مجبور على القبول، فلا علم أن المستصنع مختار في القبول (إلا برضى) (٩)، حينئذ بقطع الصرم غاية الأمر أن هذا التقرير يقتضي اعتبار الجهل عذراً، والجهل ليس بعذر في دار الإسلام؛ لأنا نقول خيار المستصنع اختيار بعض المتأخرين من أصحابنا، وليس على كل واحد من المسلمين في دار الإسلام علم أقوال جميع المجتهدين من اختياراتهم، إذ لو كان مشروطًا ذلك كان كل الناس علماء (١٠) وأهل الفتوى، وليس ذلك بمأخوذ على الناس أجمع بالإجماع، فقد يخفى على العلماء الذين هم في تفتيش المسائل الليل والنهار بعض أقوال المجتهدين من أولي الأبصار، فكيف على العامي الذي بناء أمره على التقليد، وقد لا يكون ذلك على التسديد، وأما قولهم: الجهل ليس بعذر في دار الإسلام فذلك في الفرائض التي لا بد لإقامة دينه منها، لا في خياره اجتهاد [و] (١١) جميع المجتهدين. أما الصانع فلما ذكرنا، يعني لا خيار للصانع لما ذكر أن الاستصناع يجوز بيعًا لا عدة، والبائع إذا باع شيئاً لم يره لا يكون له الخيار؛ لأنه لا يشتريه غيره بمثله، وقد لا يشتريه غيره أصلاً، كما لو استصنع منبراً من يعظ للناس عليه، فالعامي لا يشتريه أصلاً، فلذلك لم يجعل للمستصنع خيار الرؤية، كما في السلم ليس لرب السلم خيار الرؤية، ولكن هذا غير ظاهر الرواية.

стр. 2911

وقال في المبسوط (١): وفرق في ظاهر الرواية بين هذا والسلم. وقال: لا فائدة في إثبات الخيار في السلم؛ لأن المسلم فيه دين في الذمة، وإذا رد المقبوض عاد دينًا كما كان. وههنا إثبات الخيار مفيد؛ لأنه مبيع عين فبرده ينفسخ العقد ويعود إليه رأس ماله، وصح يوضح الفرق أن إعلام الدين بذكر الصفة، إذ لا يتصور فيه المعاينة، فقام ذكر الوصف في المسلم فيه مقام الرؤية في بيع العين. فأما (٢) إعلام العين فتمامه بالرؤية، والمستصنع فيه مبيع عين، فلهذا يثبت فيه خيار الرؤية، ولا يجوز فيما لا يعامل فيه كالثياب، فإنه إذا أمر نساجاً ينفسخ (٣) ثوباً من عدل نفسه لا يجوز؛ لأنه لا يعامل فيه، وإنما قال: بغير أجل وهو قوله في أول مسألة الاستصناع: وإن استصنع شيئاً من ذلك بغير أجل [جاز] (٤)؛ لأنه لو ضرب الأجل فيما فيه تعامل (٥) يصير سلمًا عند أبي حنيفة ﵀، إنما قيد لفظه (٦) فيما فيه تعامل (٧)؛ احترازاً عن ضرب الأجل فيما لا تعامل فيه، كالثياب فإنه يصير سلمًا بالاتفاق على ما ذكر في الكتاب، ثم المراد بضرب الأجل ما هو المراد من ضرب الآجال التي يضرب بها للسلم (٨)، فقال في المبسوط: هذا إذا ذكره (٩) المدة على سبيل الاستمهال، أما إذا كان على سبيل الاستعجال بأن قال: على أن يفرغ عنه غدًا أو بعد غد، فهذا لا يكون سلمًا ** (١٠)، ذكر المدة للنزاع (١١) من العمل لا لتأخير المطالبة بالتسليم، ألا ترى أنه ذكر (أو في مدة يمكنه) (١٢) الفراغ فيها من العمل، ويحكى عن الهندواني (١٣) قال: إن كان ذكر المدة من قبل المستصنع فهو للاستعجال، فلا يصير به سلمًا، وإن كان الصانع هو الذي ذكر المدة فهو سلم؛ (لما يذكره) (١٤) على سبيل الاستمهال (١٥). وقيل: إن ذكر أدنى مدة يتمكن فيها من العمل فهو الاستصناع (١٦)، وإن كان أكثر من ذلك فهو سلم؛ لأن ذلك يختلف باختلاف الأعمال، فلا يمكن تقديره بشيء معلوم، ثم فيما كان سلمًا يعتبر فيه شرائط السلم من قبض رأس المال في المجلس، ولا خيار للمستصنع إذا أتى بالمصنوع على الوصف الذي وصفه، لهما أن اللفظ حقيقة للاستصناع (١٧) إلى آخره، هما يقولان: ذكر الأجل يقتضي أن يكون سلمًا، وذكر الاستصناع يقتضي أن يكون غير سلم، إلا أن ذكر الأجل محتمل؛ لأنه يحتمل أن يكون ذكره للتعجيل، ويحتمل أن يكون للاستمهال.

стр. 2912

و (١) الاستصناع محكم في تناول ما وضع له غير محتمل لشيء آخر، فيحمل لمحتمل (٢) على الحكم (٣)، فيقال: إن ذكر الأجل للتعجيل؛ ليترجح الحكم (٤) على المحتمل، وليكون الاستصناع على حقيقة. وذكر في المبسوط (٥): أن الاستصناع بدون ذكر الأجل عقد جائز غير لازم، فيذكر الأجل فيه لا يصير لازمًا كعقد الشركة والمضاربة، وهذا لأن ذكر الأجل أثر فيه تأخير المطالبة، ولا يعتبر العقد من جنس إلى جنس آخر، ولو كان الاستصناع بذكر الأجل فيه يصير سلمًا، فصار السلم بحذف الأجل منه استصناعاً، ولو كان هذا سلمًا لكان سلمًا فاسدًا؛ لأنه شرط فيه صنعة صانع بعينه، وذلك مفسد للسلم، وأبو حنيفة ﵀ يقول: هذا مبيع دين، والمبيع الدين لا يكون إلا سلمًا، كما لو ذكر لفظة السلم، وبيانه ما ذكرنا أن المستصنع فيه مبيع، والأجل لا يثبت إلا في الديون، فلما ثبت فيه الأجل ههنا [عرفنا] أنه مبيع دين، وتأثيره أن المعتبر ما هو المقصود، وبه يختلف العقد، لا باعتبار اللفظ، ألا ترى أنه لو قال: ملكتك هذه العين بعشرة دراهم كان بيعًا، ولو قال: سكنى هذه الدار شهراً كان إجارة، فعرفنا أن المعتبر ما هو المقصود، ثم السلم أقرب إلى الجواز من الاستصناع، فإن (٦) كل واحد منهما مستحسن، ولكن الآثار في السلم مشهورة، وهو جائز فيما للناس فيه تعامل، وفيما لا تعامل فيه، فكان الأصل فيما قصداه (٧) السلم، إلا إذا تعذر جعله سلمًا بأن لم يذكر فيه أجلاً، فحينئذ يجعل استصناعاً، فأما إذا أمكن جعله سلمًا بأن ذكر الأجل يجعل سلمًا، ولأن الأجل مؤخّر للمطالبة، ولا يكون ذلك إلا بعد لزوم العقد، واللزوم في السلم دون الاستصناع، فثبوت الأجل فيه دليل على أنه سلم، فذكر الصنعة لبيان وصف المسلم فيه، ولهذا لو جاء به مفروغًا عنه لا من صنعته يجبر على القبول، وبهذا يتبين فساد قولهم: أنه سلم شرط فيه صنعة صانع بعينه، وما قالا (٨) بأن السلم يحذف (٩) الأجل (لا يصير) (١٠) استصناعاً يشكل بالمتعة لا يصير نكاحاً بحذف المدة عنها، ثم النكاح بذكر المدة فيه يصير متعة، وهو ما إذا تزوج امرأة شهراً، كذا في المبسوط (١١).

стр. 2913

وفي تعاملهم الاستصناع نوع شبهة، فإن الشافعي ينكر شرعيته، ولأنه نقل من الصحابة ﵃ تعاملهم السلم، وفي فعل الصحابة في تعاملهم الاستصناع [نوع] (١) شبهة، فكان الحمل على السلم أولى، والله أعلم. [مسائل منثورة] (٢) ذكر القدوري (٣) (٤) ﵀: بيع كل ذي ناب من السباع، وذي محلب (٥) من الطيور جائز، معلمًا كان أو غير معلم، في رواية الأصل، ولا شك في جواز بيع الكلب المعلم؛ لأنه آلة الحراسة والاصطياد فيكون محلاً للبيع. ألا ترى جاز بيع البازي المعلم والصقر المعلم، وإنما جاز؛ لأنه آلة الاصطياد، وهذا لأنه إذا كان آلة الحراسة والاصطياد كان منتفعًا به حقيقة وشرعًا، فيكون مالاً؛ لأن المال غير الآدمي خلق المنافع (٦) الآدمي، والمال (٧) محل للبيع. وأما بيع كلب غير معلم، فقد ذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ (٨): أنه إذا كان بحال يقبل التعليم يجوز بيعه، قال ﵀: هو الصحيح من المذهب، وهذا لأنه إذا كان يقبل التعليم كان منتفعًا به، فيكون مالاً محلا لبيع (٩)، الدليل عليه أنه ذكر في النوادر: (أنه لو) (١٠) باع الحر، ويجوز (١١) بيعه؛ لأنه يقبل التعليم، وإنما لا يجوز بيع العقور الذي لا يقبل التعليم، وهكذا نقول في الأسد: [أنه] (١٢) إذا كان بحيث يقبل التعليم ويصطاد به أنه يجوز بيعه، وإن كان لا يقبل التعليم والاصطياد به لا يجوز البيع، والعهد (١٣) والبازي يقبلان التعليم على كل حال، فيجوز بيعهما على كل حال.

стр. 2914

وأما القرد فقد اختلفت الروايات فيه عن أبي حنيفة، روى الحسن ﵀: أنه يجوز بيعه، وروى أبو يوسف عنه: أنه لا يجوز بيعه. وروى ابن رستم (١) عن محمد: أن (٢) بيعه وبيع الفيل جائز؛ لأنه منتفع به حقيقة وشرعًا، فهو كسائر الحيوانات (٣). وأما الهرة فقد ذكر شيخ الإسلام: أنه يجوز بيعها، وسئل عطاء بن رباح (٤) عن ثمن الهرة، فقال: لا بأس به، كذا في الذخيرة والمحيط (٥). وذكر الإمام التمرتاشي (٦): بيع كل ذي ناب من السباع و [كل] (٧) ذي مخلب من الطيور (٨) جائز، معلمًا كان (أو لا) (٩)، إلا الخنزير. وقال الشافعي ﵀: لا يجوز بيع الكلب والنمر والأسد. أن من السحت مهر البغي، [وثمن الكلب] (١٠)، أي أن من الحرام أجرة الزانية من بغت المرأة بغا بالكسر والمد أي زنت فهي بغي، والجمع بغايا، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (١١) مثل قوله: ملحفة حديد. عن الأخفش (١٢): كذا في الصحاح (١٣)، يعني كان من حقها (١٤) أن يقال: [أنها] (١٥) بغية لأنها فعيل بمعنى فاعلة، والحكم فيه أنه يفرق بين المذكر والمؤنث كعليم وعليمة، إلا أنه قد يشبه فعيل فاعل تفعيل بمعنى مفعول فلا يفرق بينهما، بالثامنة قولهم: ملحقة جديد وهذا ملحق به، فكان متيقنًا به، أي فكان جواز البيع متيقنًا.

стр. 2915

ولنا أنه نهى ﵇ عن بيع كلب، إلا كلب صيد، [أو ماشية (١) (٢). فإن قلت: المدعي جواز بيع جميع الكلاب المعلم وغير المعلم، وهذا الحديث يقتضي جواز بيع كلب الصيد والماشية لا غير فما وجه (٣). قلت: إيراد الحديث لإبطال مذهب الخصم، لا لإثبات المدعي، فإن الخصم يدعي شمول عدم الجواز في أنواع الكلاب كلها، فيثبت بهذا الحديث أن شمول عدم الجواز في أنواع الكلاب كلها غير ثابت. وأما إثبات المدعي فبحديث ذكره في الأسرار برواية عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه قال: «قضى رسول الله ﵇ في كلب بأربعين درهمًا» (٤)، فذكره مطلقاً من غير تخصيص في أنواع الكلاب في التضمين، وتضمين المتلف دليل على تقوم المتلف، أو يقول المدعي: جواز بيع الكلب المعلم وغير المعلم سوى العقور فيثبت ذلك بهذا الحديث، وذلك لأن جواز بيع الكلب المعلم استفيد بقوله: إلا كلب صيد، وجواز بيع الكلب غير المعلم بقوله: أو ماشية، [وذلك] (٥) لأن كل كلب يصلح لحراسة الماشية، إذ من عادة الكلاب نباحها عند حس الذئب أو السارق، فبقي العقور تحت المستثنى منه، ولأنه منتفع به حراسته، فكان (٦) مالاً فيجوز بيعه، وهذا لأن محل البيع مال متقوم. وكذلك المضمون بالغصب [مال متقوم] (٧)، والكلب مال متقوم (مثل العهد) (٨)؛ لأن المال اسم لما يقع عليه ملك اليمين بالاستيلاء، وهو الذي خلق لمصالح الآدمي مما في البر والبحر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٩)، أضاف إلينا بلام التمليك، فدل أنها في الأصل خلقت مملوكة لبني آدم، فصار الآدمي مالك المال في الأصل، وصار المال اسمًا لغير الآدمي مما يصلح لمصالح الآدمي، والملك يثبت بالإفراز (١٠) والقيمة بالتمول، فإن الصيد قبل الإحراز لا يكون مملوكًا، وما لا يتمول من الأملاك كحبة حنطة وشربة ماء من المياه وكف تراب لا يتقوم؛ لأنه لا يتمول، ولأن الكلب يورث ويوصى به فيصح، وغير الملك لا يورث ولا يصح به الوصية، وكذلك الخمر لا يتقوم؛ لأن الشرع نهانا عن تمولها، ففسد التمول شرعًا، وانعدم (١١) حكمًا، وإن وجد حقيقة، وإذا ثبت هذا، والكلب غيرنا فكان مالاً، وملك (بالأجر ثم تمول) (١٢) تمولاً صحيحًا؛ لأن الشرع أباح الانتفاع به لما جعله آلة الاصطياد، فصح التمول بإباحة الشرع، فثبت حكمه وهو القيمة.

стр. 2916

قولنا (١): آلة الاصطياد دل على هذه المعاني؛ لأن آلة الصيد غير الصايد، والآدمي صايد، ودل على إباحة المنفعة والانتفاع. فإن قيل: الكلب تمسك (٢) للانتفاع لمنافعه (٣) لا لعينه، والآدمي ينتفع بمنافعه بالإجارة، ولا يدل على أن عينه مال. قلنا: أن الانتفاع بالمنفعة نفع من الكلب تبعًا لملك (٤) العين لا قصدًا في المنفعة. ألا ترى (أنه لا يورث) (٥)، والمنفعة وحدها لا تورث، فيجري مجرى الانتفاع بمنافع العبد والأمة ولثوب (٦) وجميع ما لا يؤكل عينه، ولا يتلف إلا بالانتفاع بمنافعه، دل عليه أنا ما جعلنا الانتفاع بها دليلاً على أنه غير محرم العين، فإن مما حرم عينه (لم يجز) (٧) الانتفاع به كالخمر والخنزير ونحوهما، وهذه الأموال المخلوقة لنا، لا يبطل قيمتها مع قيام للتمول إلا بتحريم الشرع، فإذا أبيح التمول بضرب (٨) منفعة صح التمول وثبت حكمه وهو القيمة. فإن قيل: شعر الخنزير ينتفع به الأساكفة، (ولا يجوز) (٩) بيعها. قلنا: أن الخنزير محرم العين شرعًا، لا يباح إمساكه لمنفعة توجه فتثبت الحرمة في كل جزء منه؛ من الشعر والعظم وكل شيء، وسقطت القيمة، ثم الإباحة لضرورة الحزر، ولا يدل على رفع الحرمة عن أصله فيما عدا الضرورة؛ كإباحة لحمه حالة الضرورة، لا يدل على صحة التمول وجواز البيع، فأما الكلب فما (١٠) ثبت فيه تحريم مطلق. ثم إباحة لضرورة (١١) ليبقى وراها (١٢) على التحريم، هذا كله من الأسرار. والحديث محمول على الابتداء؛ لأنه روي عن إبراهيم (١٣) أنه قال: روي أن رسول الله ﵇: رخص في ثمن كلب الصيد (١٤)، فيذكر الرخصة [فيه] (١٥) يتبين انتساخ ما رووا من النهي، وهذا لأنهم كانوا العفو (١٦) اقتناء الكلاب، وكانت الكلاب (منهم يؤذي) (١٧) الضيفان والغرباء، فنهوا عن اقتنائها، فشق (عليهم ذلك) (١٨)، فأمروا بقتل الكلاب، ونهوا عن بيعها؛ تحقيقاً للزجر عن العادة المألوفة، ثم شبه رخص لهم بعد ذلك في ثمن ما يكون منتفعًا به من الكلاب، وهو كلب الصيد، والحزر (١٩) والماثم (٢٠)، [ثم] (٢١) أنه منتفع به في حالة الاختيار، ويجوز تمليكه بغير عوض في حالة الحياة بالهبة، وبعد الموت بالوصية، فيجوز تمليكه بالعوض أيضاً، وبهذا يتبين أنه ليس بنجس العين، فإن الانتفاع (بما هو ينجس) (٢٢) العين لا يحل في حالة الاختيار؛ كالخمر، ولا يجوز تمليكه قصدًا بالهبة والوصية، كذا ذكره (٢٣) هذه المسألة في كتاب الصيد من المبسوط (٢٤).

стр. 2917

ولو سلم فيحرم التنازل دون البيع كما في السرقين، فإن عندنا يجوز بيع (١) البقر والسرقين، وقال الشافعي [﵀] (٢): لا يجوز؛ لأنه نجس العين بمنزلة العذري (٣)، ولنا أنه قال: منتفع عند الناس من غير نكير. وأما القدرة (٤) فلا ينتفع بها، إلا إذا اختلط بالتراب، فحينئذ جاز بيعها تبعًا، كذا ذكره الإمام قاضي خان في الجامع الصغير، فإنه ليس بمال [متقوم في] (٥) عندنا (٦)، أي ليس بمال متقوم، ولأنهم مكلفون، أي بالإيمان وبموجب المعاملات. وذكر في المبسوط (٧): ولا يجوز بين أهل الذمة شيء من بيوع الصرف في السلم وغيرهما، إلا ما يجوز بين أهل الإسلام ما خلا بيع الخمر والخنزير، فإني أجيز ذلك بينهم واستحسن ذلك؛ لأنها أموال متقومة في حقهم، ثم لما كانوا مكلفين بهذه الأشياء كانوا محتاجين إلى ما يبقى به أنفسهم، كما في حق المسلمين، ولا يبقي الأنفس إلا بالطعام والشراب والكسوة (٨) والسكنى، ولا تحصل هذه الأشياء إلا بمباشرة الأسباب المشروعة، ومن تلك الأسباب المشروعة: البيع، فيجب أن يكون البيع مشروعًا في حقهم، كما في حق المسلمين؛ ليتمكنوا من ** أنفسهم، "ولوهم بيعها" الخطاب للعمال، أي اجعلوهم (٩) ولاة بيعها، والتولية أن يجعله والياً. ومن قال لغيره: بع عبدك من فلان بألف درهم، على أني ضامن لك خمسمائة من الثمن سوى الألف إلى آخره. صورة المسألة هي ما ذكره الإمام المرغيناني، فالإمام (١٠) الكسائي (١١) -رحمهما الله- وهي (١٢): أن يطلب إنسان من آخر شرى (١٣) عبده بألف درهم، وهو لا يبيع إلا بألف وخمسمائة، والمشتري لا يرغب فيه إلا بألف، فيجيء آخر ويقول لصاحب العبد: بع عبدك هذا من هذا الرجل بألف، على أني ضامن لك خمسمائة من الثمن سوى الألف، فيقول صاحب العبد: بعت، ويكون قوله: بعت جواباً للكل.

стр. 2918

ولو لم يوجد إباء ولا مساومة، ولكن إيجاب العبد بألف حصل عقيب ضمان الرجل ذلك، كان كذلك استحساناً. وأما (١) ضمانه بعد الإباء والمساومة يصح قياساً واستحساناً. وذكر فخر الإسلام ﵀ (٢): وأصل ذلك أن أصل الثمن لم يشرع بغير مال (٣) يقابله، وأما فضول الثمن فيستغني عن ذلك، ويجوز أن يقابله تسمية المال لا حقيقة، ألا ترى أن من باع عبدًا بألفين، وقيمته ألف، أن الألف الزايد (٤) لا يقابله مال إلا تسمية، فصار الفضل في ذلك بمنزلة بدل الخلع بأصله، وقد صح شرطه على غير العاقد هناك، أعني غير المرأة، فكذلك ههنا، وإن قال: [من] الثمن [فقد] (٥) وجدت صورة المقابلة، وإن لم يقل (٦) من الثمن لم يوجد صورة المقابلة ولا معناها. وقال الإمام التمرتاشي (٧): في قوله: و (٨) قال: بعه بألف على أني ضامن لك خمسمائة من الثمن سوى الألف، فباعه جاز البيع للمشتري بألف وخمسمائة على الأجنبي؛ لأنه جعل زيادة في الثمن، ولا يجوز في حق المشتري حتى لو أدى الألف إلى البائع له أن يقبض العبد، وليس للبائع أن يحبسه لأجل الخمسمائة، ولو أراد المشتري أن يبيعه مرابحة ببيعه مرابحة يبيعه على ألف، وإن كانت داراً فللشفيع أخذها بألف، ولو تقايلا البيع فللأجنبي أن يسترد الخمسمائة من البائع. وفي قياس قول أبي يوسف ﵀ أن الإقالة بيع جديد ينبغي أن لا يسترد. وكذا [لو] (٩) رده (بعيب بغير قضاء، وبقضاء يسترد) (١٠). ولو ضمن الأجنبي بأمر المشتري، وباقي المسألة بحالها، فالزيادة صارت واجبة في حق المشتري، وللبائع أن يحبس العبد حتى يصل إليه ألف وخمسمائة؛ لأنه لما ضمن بأمر المشتري كان للضمين (١١) أن يرجع على المشتري، فصار كأن المشتري اشتراه بألف وخمسمائة. وله أن يبيعه مرابحة عليه؛ لأن المرابحة يكون (١٢) بما قام عليه، وللشفيع أحدها (١٣) بذلك. ولو أراد المشتري رده بعيب بقضاء أو بغير قضاء أو تقايلا فالبائع يرد الألف على المشتري والزيادة على الضمين.

стр. 2919

وذكر الإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي ﵀ (١): الفرق بين المسألتين من وجهين فقال في المسألة الأولى: ضمن الأجنبي الخمسمائة وصير نفسه زعيمًا حيث قال: من الثمن فيجب عليه، بخلاف ما إذا [قال] (٢) له: بعه من فلان بألف درهم، على أني ضامن لكن خمسمائة، ولم يقل: من الثمن، فباعه بألف درهم، فإن البيع جائز بألف درهم، ولا شيء على الضامن؛ لأن هناك رشاه على البيع بما سمي من المال، والرشوة حرام لا يلتزم بالضمان. ثم تحقيق هذا الفرق من وجهين: أحدهما: أن البيع سبب موجب للثمن، فإذا قال: من الثمن، فإنما جعل الخمسمائة على نفسه مستحق (٣) للبائع بالبيع، وذلك جائز، وإذا لم يقل: من الثمن، فإنما جعل الخمسمائة للبائع على نفسه بالالتزام ابتداء لا بالبيع، وذلك رشوة التزمها لتحصيل المقصود. والثاني: أنه إذا قال: من الثمن فقد صار مضيفاً الالتزام (٤) في (٥) ما بعد البيع؛ لأن وجوب الثمن يكون بعد البيع، وإذا لم يقل: من الثمن كان هذا التزاماً منه في الحال، بشرط أن يبيعه منه بألف درهم، وذلك [منه] (٦) غير صحيح. فإن قيل: كيف يجب شيء من الثمن عليه بالبيع ولم يدخل في ملكه شيء من المعقود عليه. قلنا: التزام الثمن بالبيع مقصودًا لا يكون إلا ممن يدخل المبيع في ملكه، فأما بيعًا فقد يكون من غير ملكه من يدخل المبيع في ملكه، ولهذا جوزنا من المشتري الزيادة في الثمن، وهذا (٧) لا يملك شيئاً بمقابلة هذه الزيادة؛ لأن المبيع صار مملوكًا [له] (٨) كله بالثمن الأول، ولكن لما كانت هذه الزيادة تثبت تبعًا (٩) وإن لم يملك بمقابلتها شيئاً، كذلك ههنا القائل [إنما] (١٠) يلتزم الخمسمائة من الثمن تبعًا. فإن قيل: لو ثبتت هذه الخمسمائة ثمنًا له لتوجهت الطالبة [المطالبة] بها على المشتري، ثم الضامن يكون متحملاً عنه، وبالاتفاق لا يطالب المشتري بها. قلنا: نعم لا يطالب بها؛ لأنه لم يلتزمها، وإنما يطالب بها من التزمها، ويكون من الثمن في حق من التزمها، لا في حق من لم يلتزمها؛ لأن ثبوت الحكم بحسب السبب، وهو كالرجل يقول: بفلان (١١) على فلان ألف درهم، وإنابة (١٢) كفيل (١٣) [به] (١٤)، وأنكر الأصيل ذلك، فإن الكفيل يصير مطالباً بالألف، والأصيل لا يصير مطالباً بشيء منه لهذا المعنى، وذكر في الفوائد الظهيرية (١٥) سؤالاً وجواباً بوجه آخر فقال:

стр. 2920

فإن (١) قيل: يجب أن لا تصح الزيادة في الثمن من الأجنبي؛ لأن أصل الثمن لا يجوز أن يجب على الأجنبي، والمبيع لغيره، فكذلك الزيادة يجب أن لا تجوز من الأجنبي إذا كان ما بإزائها يحصل لغيره. قلنا: ذكر الفقيه أبو بكر الجصاص (٢) (٣)، عن الشيخ أبي الحسن الكرخي ﵏ أورد هذا السؤال ومنع وقال: يجوز أن يكون أصل الثمن على الأجنبي، والمثمن لغيره، كما تجوز الزيادة في الثمن من الأجنبي وما بإزائها لغيره، وقال: ولا يعرف في هذا رواية منصوص عليها عن أصحابنا. بخلاف ما قلنا فساغ [لنا] (٤) المنع، فعلى هذا لا يحتاج إلى الفرق، ثم قال الجصاص: هذا المنع الذي ذكره الكرخي مما يبعد، وذلك لأن عن أصحابنا رواية في هذا، فإن محمدًا ﵀ ذكر في كتاب الصرف وغيره: أن من اشترى شيئاً بدين له على غيره لا يصح هذا الشراء عند علمائنا؛ لأنه اشترى بشرط أن يكون تسليم الثمن على غيره والثمن لغيره، وإذا كان الشراء بشرط أن يكون تسليم الثمن على غيره والثمن لغيره، وإذا كان الشراء بشرط أن يكون تسليم الثمن على غيره باطلاً، فلا (٥) يبطل الشراء إذا كان بشرط أن يكون وجوب الثمن والتسليم على غير المشتري أولى، وإذا كان كذلك لم يكن بد من الفرق، والفرق أن القياس بأي (٦) جواز (٧) الزيادة (٨) من الأجنبي في الثمن؛ لأنها بدل المال معاوضة من غير أن يحصل بإزائه عوض، وذلك لا يجوز؛ اعتباراً بأصل الثمن، إلا أنا تركنا القياس بالنص الوارد بجواز قضاء الدين من الأجنبي شرعًا، وهو حديث أبي قتادة الأنصاري (٩) ﵁ حيث امتنع النبي ﵇ عن الصلاة على رجل من الأنصار لمكان (١٠) (دين عليه) (١١)، قال أبو قتادة: هو على وإلي، وفي ** (١٢) يا رسول الله، وجود (١٣) ذلك منه، حتى صلى على الميت (١٤)، وذلك القضاء منه بذل المال عوضاً عن دينه من غير أن يحصل له عوض بإزائه، والشرع جوز ذلك؛ لما أشرنا إليه، والزيادة من الأجنبي في الثمن في معناه، فكانت ملحقة به؛ (استدلالاً به) (١٥).

стр. 2921

قلت: لكن الأولى في هذا ما قاله العالمان (١) في التحقيق؛ أعني بهما: الإمام شمس الأئمة السرخسي والإمام فخر الإسلام؛ لأنها (٢) لو استدللنا في جواز التزام الزيادة من الأجنبي بهذا الحديث، وهو حديث أبي قتادة ينبغي أن يجوز من الأجنبي التزام أصل الثمن أيضاً، كما يجوز التزام الزيادة على الثمن؛ لأن حكم الحديث لا لفرق بينهما، وبالاتفاق أن التزام أصل الثمن لا يجوز منه، ولأن حكم الحديث إنما كان بعد الوجوب والتزام الزيادة من الأجنبي يجوز وقت المعاقدة قبل وجوب أصل الثمن على المشتري، فعلم أن بينهما فرق (٣). فالنكاح جائز؛ لوجود سبب الولاية، وهو الملك في الرقبة على الكمال، أي سبب ولاية التزويج. فإن قلت: كما (٤) أن الملك في الرقبة على الكمال سبب ولاية التزويج، فكذلك هو أيضاً سبب ولاية التصرف، فمن أين وقعت المفارقة بين النكاح وبين البيع، حيث جاز التزويج قبل القبض، ولم يجز البيع قبله، ولو قيل فبالحديث (٥)، فما الحكمة في تخصيص البيع دون سائر التصرفات. قلت: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن البيع يبطل بالغر (٦)، والنكاح لا يبطل؛ لأن معنى الغرر يتحقق فيه؛ لاحتمال (٧) الانفساخ بالهلاك قبل القبض، والنكاح لا ينفسخ بهلاك العقود (٨) عليه قبل القبض وبعده. والثاني: أن القدرة على التسليم شرط لصحة البيع، وذلك إنما يكون بعد القبض، وهي ليست بشرط لصحة النكاح. ألا ترى أن بيع الآبق لا يجوز، ونكاح الآبقة جائز، فلما ثبتت المفارقة بينهما من هذين الوجهين، وقد ورد النهي عن البيع قبل القبض اختص بالبقيع (٩)، ولم يكن ورود النهي عن البيع ورودًا في النكاح، وفي الفوائد (١٠): وذكر (١١) الصدر الشهيد (١٢) في الفتاوى الأكبر (١٣): اشترى جارية ثم زوّجها قبل القبض، إن تم البيع جاز النكاح، وإن انتقض بطل في قول أبي يوسف، خلافاً لمحمد ﵀، قال: والمختار قول أبي يوسف؛ لأن البيع متى انتقض قبل القبض انتقض من الأصل، فصار كأن (١٤) لم يكن، فكان النكاح باطلاً.

стр. 2922

فعلى ما اختاره إنما يصير المشتري قابضاً بعيب يبقى على تقدير الرد، لا بعيب لا يبقى على تقدير الرد. وذكر [الإمام] (١) القاضي الإمام الزرنكري (٢) ﵀ في هذه المسألة: لو ماتت الجارية قبل القبض لا يبطل النكاح، وإن بطل البيع، ومتى لم يطأها حتى ماتت يجب المهر للمشتري بتسليط من جهة، [أي من جهة] (٣) المشتري. والقياس أن يصير قابضاً بنفس التزويج، وهو رواية عن أبي يوسف ﵀، حتى إذا هلكت بعد ذلك فهو من مال المشتري؛ لأن التزويج عيب فيها حتى لو وجدها المشتري ذات زوج له أن يردها، فالمشتري (٤) إذا عيب المعقود عليه يصير قابضاً، ويجعل التزويج كالإعتاق أو (٥) التدبير. ولكنه استحسن فقال: لا يكون قابضاً لها بنفس التزويج، حتى إذا هلكت فهو (٦) من مال البائع؛ لأنه لم يتصل من المشتري فعل بها، وإنما التزويج عيب من طريق الحكم على معنى أنه تقل رغبات الناس فيها، وينتقض لأجل الثمن، وهو في معنى نقصان السعر، والتزويج لما كان عيباً من طريق الحكم كان نظير الإقرار عليه بالدين، والمشتري لو أقر عليها بدين (٧) لا يصير قابضاً لها. بخلاف العيب الحقيقي، فذلك باعتبار فعل يتصل من المشتري بعينها، وهو إتلاف الجزء من عينها، كذا في المبسوط (٨)، في باب جناية البائع والمشتري على المبيع قبل القبض. أن في الحقيقي استيلاء، أي في التعييب الحقيقي، بأن اشترى جارية، وفقأ عينها أو قطع يدها يكون قبضاً، فكذا بالوطء؛ لأنه استيلاء على المحل بالفعل الحسي (٩). فإن قيل: يشكل على هذا الإعتاق والتدبير، فإن المشتري يصير قابضاً لهما (١٠)، وهما ليسا باستيلاء على [هذا] (١١) المحل بالفعل الحسي. قلنا: قال في المبسوط (١٢): الإعتاق أنها للملك فيها وإتلاف للمالية، ولهذا يثبت له الولاء (١٣)، فمن ضرورته أن يصير قابضاً. وكذلك التدبير نظير (١٤) العتق (١٥) في استحقاق الولاء، وثبوت حق الحرية للمدبر به.

стр. 2923

ومن اشترى عبدًا فغاب، أي المشتري قبل نقد الثمن، فأقام البائع البينة أنه باعه إياه، أي أقر البائع بأن البائع باع هذا العبد من ذلك المشتري الغائب، وأقام البينة على ذلك، ثم إنما ذكر إقامة البينة؛ لأن البائع لو طلب من القاضي أن يبيعه لثمنه، وقص عليه القصة، فالقاضي لا يجيبه من غير بينة؛ للتهمة، وإنما وضع المسألة في المنقول؛ لأن القاضي لا يبيع العقار على الغائب، وهاتان المسألتان في الجامع الصغير (للإمام التمرتاشي) (١) (٢). فإن قلت (٣): كيف يقبل البينة من غير خصم حاضر ينكر موجب شهادة البينة، مع أن شرط قبول البينة إنكار خصم حاضر، والمشروط لا يثبت بدون شرطه. قلت: قال الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀ (٤): أما قبول هذه البينة من غير خصم حاضر فلتكشف (٥) الحال، أو لأنه يدعي ثبوت ولاية النظر للقاضي في هذا المال بسبب غيبة صاحبه، فالقاضي ناظر لكل من عجز عن النظر لنفسه، والحاجة إلى النظر [لنفسه] ههنا حاجة ماسة لهما جميعًا، أما للمشتري (٦) فلأن العبد ملكه، وهو محتاج إلى النفقة، وأما البائع لأنه (٧) يعرض الهلاك في يده، وبهلاكه يسقط حقه في الثمن، فلهذا قبل (٨) البينة. وحاصله أن حكم القاضي هذا في الحقيقة حكم بإقرار المقر، وإنما اشترط (٩) مع ذلك إقامة البينة؛ لإظهار الأمر عند القاضي، ونفي التهمة، لا لإثبات الملك للغائب والدين عليه، وإنكار الخصم في الدعوى إنما يشترط لقبول البينة أن لو كان المدعي يدعي إثبات الحق على المدعى عليه، والقاضي يقضي بموجب إقامة البينة، وأما ههنا فالقاضي يقضي بموجب إقرار المقر بما في يده، فلا يحتاج لذلك إلى إنكار الخصم حاضر، وهذا لأن العبد في يد البائع، والقول قول الإنسان فيما في يده، ألا ترى أنه لو ادعى أنه ملكه كان القول قوله، فإذا أقر بالبيع فقد أقر للغائب بالملك على وجه يكون مشغولاً لا بحقه؛ لأن الثمن تعلق بالمبيع، فيعتبر إقراره واشتراط البينة؛ لينفي (١٠) التهمة، إلى هذا أشار الإمام قاضي خان ﵀ (١١).

стр. 2924

وفيه إبطال حق المشتري، أي وفي (١) البيع. وإن لم يدر أين هو بيع العبد (واوافى) (٢) الثمن بنصب الثمن؛ لأنه المفعول الثاني للإيفاء، أي أوفى البائع الثمن. فإن قلت: في البيع فسادان: أحدهما: لزوم بيع المنقول قبل القبض، وذلك لا يجوز؛ لأن كلامنا فيما إذا لم يقبضه المشتري على ما يجيء. والثاني: لزوم القضاء على الغائب بزوال الملك، وهو أيضاً لا يجوز. قلت: أما الجواب عن الأول: فمن مشايخنا من قال: ينصب القاضي من يقبض العبد للمشتري، ثم يبيع؛ لأن بيع القاضي كبيع المشتري، وبيع المشتري قبل القبض لا يجوز، فكذا بيع القاضي، ولكن (٣) فيه نظر؛ لأن المشتري ليس له أن يقبضه قبل نقد (٤) الثمن (٥)، فكذا من يجعل وكيلاً عنه، وقيل: لا ينصب القاضي وكيلاً ليقبضه للمشتري؛ لأن البيع هناك (٦) ليست (٧) بمقصود، وإنما المقصود النظر للبائع؛ إحياء لحقه، والبيع يحصل في ضمن النظر، ويجوز أن يثبت الشيء ضمنًا، وإن كان لا يثبت قصدًا، كذا في الفوائد الظهيرية (٨). وأما الجواب عن الثاني: فهو فيما ذكرناه من تقرير الإمام قاضي خان: بأن هذا ليس بقضاء على الغائب، بل هو اعتبار قول صاحب اليد فيما في يده، والقضاء على الغائب إنما لا يجوز إذا وقع مقصودًا، وأما لو وقع القضاء عليه في ضمن شيء مقصود سواه فيجوز، على ما يجيء قبيل باب التحكيم، ثم اعلم أن مسألتنا هذه فيما إذا غاب المشتري قبل القبض حتى صح بيع القاضي لإيفاء ثمن البائع؛ لأن البائع إنما يكون أحق بمالية العبد إذا كان قبل القبض، فإن له أن يحبسه حتى يستوفي الثمن، حتى لو مات المشتري مفلساً في هذه الحالة كان البائع أحق [بمالية] العبد من سائر الغرماء، كالمرتهن يكون أحق بالرهن من سائر الغرماء، ثم المرهون يباع في دين المرتهن إذا تعذر استيفاء الدين من الراهن، فكذلك يستوفي الثمن من مالية العبد بالبيع إذا تعذر استيفاؤه من المشتري، والمبيع قبل القبض في يد البائع بمنزلة الرهن في يد المرتهن. وأما إذا كان البائع سلمه إلى المشتري والمسألة بحالها فلا يقبل بينة البائع؛ لأن حق البائع هناك في الثمن غير متعلق بمالية العبد بل هو دين في ذمة المشتري، والبينة لإثبات الدين على الغائب غير مقبولة عندنا، فلا يتمكن القاضي من قضاء الدين من مال الغائب قبل ثبوت الدين وإثباته، إنما يكون بالبينة عند حضور الخصم، إلى هذا أشار شمس الأئمة ﵀ (٩)، فللحاضر أن يدفع الثمن كله ويقبضه إلى أجره (١٠)، وأجمعوا أنهما لو كانا حاضرين وأراد أحدهما أن ينقد حصته ليقبض نصيبه ليس له ذلك، فالخلاف بين أبي يوسف وصاحبيه في موضعين:

стр. 2925

أحدهما: في قبض جميع العبد، على تقدير نقد جميع الثمن، [والباقي] (١) في احتباس نصيب الغائب عنه إذا حضر؛ لأنه يستوفي نصيبه من الثمن. وذكر الإمام التمرتاشي ﵀ (٢): فالحاضر (٣) لا يملك قبض نصيبه إلا بنقد جميع الثمن، فلو (٤) نقد اختلفوا في مواضع: الأول: هل يجبر البائع على قبول نصيب الغائب، عند أبي يوسف: لا يجبر، خلافاً لهما. والثاني: لو قبل، هل يجبر على تسليم نصيب الغائب إلى الحاضر، عنده لا، خلافاً لهما. والثالث: لو قبض الحاضر العبد، هل يرجع على الغائب بما نقد عليه عنده، خلافاً لهما. وقال أبو يوسف: إذا دفع الحاضر الثمن كله لم يقبض إلا نصيبه، أي يقبض نصيبه بطريق المهايأة، ولهما أنه مضطر فيه إلى قوله: كمعير الرهن. فإن قلت: لو كان التعليل بالاضطرار معولاً عليه لما تفاوت الحكم بين أن يكون شريكه حاضراً وغائباً، كما في صاحب العلو، فإنه يبني السفل ليبني عليه علوه، فإنه لا يكون متبرعًا ببناء السفل، سواء كان صاحب السفل حاضراً أو غائباً، وههنا لو كانا حاضرين ثم أراد أحدهما أن ينقد حصته ليقبض نصيبه ليس له ذلك بالإجماع، ولو نقد نصيبه كان متبرعًا فيما نقد بالإجماع. قلت: الملك للغائب إنما يثبت في نصيبه باعتبار قبول الحاضر؛ لأن من خاطب اثنين بالبيع فقبل أحدهما دون الآخر، لم يملك شيئاً منه، وإذا ثبت أن الملك له باعتبار قبول الحاضر كان الحاضر بمنزلة الوكيل عنه بالشراء، فإذا نقد الثمن تمكن من قبض المبيع، وثبت له حق الرجوع على صاحبه بنصيبه، إلا أنه وكيل من وجه دون وجه؛ لأنه لا يكون مطالباً بنصيب صاحبه من الثمن بعد قبوله، فمن هذا الوجه يكون كالمتبرع، والأصل أن ما تردد بين شهرين يوفر حظه عليهما فلشبهه بالمتبرع. قلنا: إذا كان صاحبه حاضراً لا يرجع عليه ولشبهه بالوكيل. قلنا: إذا كان صاحبه غائباً يرجع (٥) عليه بما أدّى عنه، ويتمكن من قبض نصيبه، وهذا لأن في حال حضرته هو غير مضطر إلى إيفاء جميع الثمن من مال (٦)؛ لأنه يمكنه أن يخاصمه إلى القاضي حتى ينقد نصيبه من الثمن؛ ليتمكن من هو من قبض نصيبه من العبد، وفي حال غيبته هو مضطر إلى ذلك؛ لأنه لا يتوصل إلى نصيبه من العبد إلا بدفع جميع الثمن، فإن الصفقة في حق البائع واحدة، فلهذا (٧) جعلناه كالوكيل في هذه الحالة؛ ليقبض جميع العبد إذا نقد جميع الثمن، ثم يرجع على صاحبه بنصيبه، ويحبس نصيبه عنه؛ ليستوفي منه ما ثبت له حق الرجوع به، كما يثبت للوكيل حق حبس المبيع إذا نقد الثمن من مال نفسه، كذا في الجامع الصغير (٨) لشمس الأئمة السرخسي ﵀ (٩).

стр. 2926

وأما صاحب العلو فإنه مضطر إلى أن يتوصل إلى حقه من بناء العلو، سواء كان صاحب السفل حاضراً أو غائباً؛ لأنه ليس له أن يخاصمه في أن يبني السفل ليبني هو عليه علوه، فلذلك افترقا، كمعير الرهن بأن أعار شيئاً ليرهنه فرهنه، ثم أفلس الراهن، وهو المستعير، أو غاب فافتكه المعير يرجع بما أدى من الدين على الراهن، وإن [كان] (١) قضى دين الراهن بغير أمره؛ لأنه مضطر في القضاء، أو (٢) لا يتمكن من الانتفاع بماله إلا بقضاء الذين (٣)، فكذلك ههنا. فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين ما إذا استأجر الرجلان داراً، فغاب أحدهما قبل نقد الأجر لصاحب الدار، فنقد الحاضر كل الأجر، فإنه يكون متبرعًا بالإجماع. قلت: لأنه غير مضطر في نقد نصيب صاحبه من الآجر من قبل أنه ليس للآجر جنس الدار لاستيفاء الأجر، كذا ذكره الإمام التمرتاشي (٤). ومن اشترى جاريةً بألف مثقال ذهب وفضة، بأن قال: خريدم بهزار مثقال زر ونقرة فهما نصفان، ولفظ رواية الأصل من الجامع الصغير (٥): يعقوب (٦)، عن أبي حنيفة -رحمهما الله- في رجل يقول لرجل: أبيعك هذه الجارية بألف مثقال ذهب جيد وفضة، قال: هما نصفان خمسمائة مثقال ذهب وخمسمائة مثقال فضة، قال أبو جعفر ﵀: فائدة هذا الكتاب (٧) أن قوله: أبيعك كقوله: بعتك، فظاهره العدة، ويراد به الإيجاب، وليست هذه اللفظة في كتاب البيوع، إنما فيه: إذا باع جارية، ولكن ذكر فخر الإسلام ﵀ في الجامع الصغير: أن قوله: أبيعك ليس بإبجاب، بل هو من باب المساومة. وفائدة أخرى أن في مسألة البيوع قدم الفضة وأخر الذهب، فقال: ألف مثقال فضة وذهب جيد، وفي هذه الرواية: ذكر الذهب، ثم الجيد، ثم الفضة، فلولا هذه الرواية لقيل: أن مقدار المثقال غلب استعماله في الذهب لا في الفضة، فإذا قدم الذهب وأضاف المثقال إليه ثم قال: وفضة، لم يستعمل المثقال في الفضة، فصار كأنه باع بألف مثقال ذهب وبفضة (٨) مجهولة المقدار، فالبيع باطل، وأما إذا قال: ألف (٩) مثقال فضة، فقد أضاف المثقال إلى الفضة فلابد من اعتباره فيها، ثم عطف عليه الذهب الذي يليق بذلك المقدار، فاجتمعا جميعًا في المثقال، وأخذ من كل جنس بصفة، فرواية الجامع أزالت هذه الشبهة.

стр. 2927

فإن قيل: الجودة صفة لهما أو للذهب خاصة. قلنا: فهما (١) جميعًا؛ لأنه عطف أحدهما على الآخر. ألا ترى أن رجلاً لو قال: عبدي حر غدًا، وامرأتي طالق، أنهما يقعان جميعًا غدًا، وكذلك لو قال: عبده حر وامرأته طالق غدًا، كذا في كشف الغوامض (٢). قال (٣): وبمثله، وهذا (٤) اللفظ في استعمال الفقهاء فيما إذا كانت المسألتان يتشابهان صورة ويختلفان حكمًا، وهنا كذلك، ولو (٥) اشترى جارية بألف من الذهب والفضة، يجب من الذهب مثاقيل، ومن الفضة دراهم وزن سبعة، يعني خمسمائة يكون من مثقال ذهب، وخمسمائة من الدراهم، يكون بوزن سبعة. وذكر في المبسوط (٦): وإذا باع جارية بألف مثقال وذهب وفضة، أو دراهم ودنانير، كان له من كل واحد منهما النصف؛ لأن الواو للعطف، ومطلق العطف يوجب الاشتراك على وجه المساواة بين المعطوف والمعطوف عليه، إلا أنه إن كان قال: ألف مثقال فعليه خمسمائة مثاقيل ذهب وخمسمائة مثقال فضة؛ لأنه فسّر المثاقيل بالذهب والفضة، وإن قال: ألف من الدراهم والدنانير، فعليه خمسمائة دينار بالمثاقيل وخمسمائة درهم وزن سبعة؛ لأنه هو المتعارف في وزن الدراهم فينصرف إليه، وقال الإمام التمرتاشي: اشترى جارية بألف مثقال ذهب وفضة، وهما (٧) نصفان؛ لأنه أضاف العقد (٨) إليهما على السواء، ويشترط بيان صفتهما (٩)، بخلاف الدراهم والدنانير ينصرف إلى الجيد. وكذا لو قال: له علي مائة مثقال ذهب وفضة، فعليه من كل واحد النصف، وكذا هذا في جميع ما يقر به من المكيل والموزون والثياب وغيرهما (١٠)، قرضاً أو سلمًا أو غصباً أو وديعة أو بيعًا أو شراء أو مهراً أو جعلاً (في خلع) (١١) أو وصيةً أو كفالةً أو غير ذلك، وكذا لو قال: له علي كر حنطة (وشعير وسمسم) (١٢)، كان عليه الثلث من كل جنس، وهو لا يعلم، أي رب الدين لا يعلم. لأن حقه في الوصف مرعي كهو (١٣) في الأصل، أي حق رب الدين في وصف الدين من حيث الجودة واجب رعايته، كحقه في (١٤) الأصل من حيث القدر، فلو كان المقبوض دون حقه قدراً لم يسقط حقه في المطالبة بقدر النقصان، فكذلك إذا كان دون حقه وصفاً، إلا أنه يتعذر عليه الرجوع بفضل القيمة؛ لأنه لا قيمة للجودة عند المقابلة (١٥) بجنسها، فيرد (١٦) عين المقبوض إن (١٧) كان قائمًا، ومثل المقبوض إن كان مستهلكًا؛ لأن مثل الشيء يحكى عينه، ولهما أنه من جنس حقه، أي أن الزيوف (١٨) من جنس حقه الذي هو الجياد، حتى لو تجوز به، أي لو أخذه مساهلاً (١٩) لنقصان حقه فيما (٢٠) لا يجوز الاستبدال كما في الصرف والسلم جاز، وإنما عين ذلك الموضع؛ لأنه لو تجوز بالأخذ فيما يجوز الاستبدال فيه لا يكون ذلك دليلاً على أن ذلك المأخوذ من جنس حقه، حتى أنه لو كان له دين على آخر في غير موضع الصرف والسلم جاز له أن يستبدل (٢١) بالثياب وغيرها.

стр. 2928

ومعلوم أن الثياب ليست من حقه، (وفي السلم والصرف) (١) لا يجوز الاستبدال، ولو لم يكن الزيوف من جنس حقه لكان استبدالاً في الصرف والسلم، وهو لا يجوز، فعلم بهذا أن الزيوف من جنس حقه، ولا يمكن تداركها بإيجاب ضمانها؛ لما ذكرنا، وهو قوله: لأنه (٢) لا قيمة لها عند المقابلة بجنسه. لأنه إيجاب له عليه، أي إيجاب لأجله عليه، ولا نظير له في الشرع بأن يجب الضمان لنفسه على نفسه بالنسبة إلى شيء واحد لنفسه، وهو وصوله إلى دراهمه الجيدة، وإنما قيدنا بقولنا: بالنسبة إلى شيء واحد؛ احترازاً عما يجب نفقة المرأة أو (٣) العبيد على الزوج والمولى بمقابلة انتفاعه منهم؛ لأنهما شيئان (٤) مختلفان فيه، فإن من له الحق فيه مختلف؛ لأن من له الحق في (٥) الانتفاع بملك المتعة (٦) والرقبة الزوج والمولى، وفي الانتفاع بالنفقة المرأة والعبيد. وأما ههنا فالمقبوض [كله] (٧) ملكه، قوله (٨) الحق ومن عليه الحق شخص واحد، وهو رب الدين، فليس له نظير في الشرع، وذكر في الفوايد الظهيرية (٩) في تعليل قول أبي يوسف: ولا يقال بأن (١٠) ملكه فكيف يقضي عليه بضمانه، ثم قال: لأنا نقول جاز أن يقضي عليه بضمان ما هو ملكه إذا كان فيه فائدة، ألا ترى أن كسب المأذون له المديون مضمون على المولى وإن كان ملكًا له، حتى لو اشتراه (١١) صح، وكذلك المرهون مضمون على الراهن، وإن كان ملكًا له، وهنا في التضمين فائدة، وهي إحياء حقه في صفة الجودة. ولأبي حنيفة ﵁ ما قال في الكتاب، والفرق بين هذا وبين ما استشهدا به (أن الضمان) (١٢) يجب بجعالة (١٣)، ولا سبيل إليه، والضمان هناك يجب للغرماء، وإلى ذلك سبيل، وفي النوازل: اشترى داراً بالجياد، ونقد الزيوف، أخذها الشفيع بالجياد؛ لأنه إنما يأخذ بما اشترى، ولو باعها مرابحةً فإن رأس المال الجياد. وفي الأجناس: اشترى بالجياد ونقد الزيف، ثم حلف أنه اشتراها بالجياد، قال أبو حنيفة ﵀: لا يحنث، وقال أبو يوسف ﵀: بحيث (١٤)، كذا ذكره الإمام التمرتاشي (١٥).

стр. 2929

وكذا إذا انكسر فيها ظبي، وفي بعض الروايات: إذا نكس أي دخل في الكناس وهو موضعه، وإنما قيد بالتكسر؛ لأنه لو كسره أحد يكون له الشيء بريان كردن، فصار كنصب سبكه للخفاف فيعقل بها صيد لا له ما لم يكفه [فتؤمل] (١)، أما إذا ضمه (٢) ذلك إلى [نفسه] (٣)، أو كان قصد لذلك وتهيأ له، فحينئذ (٤) يكون له ما وقع في ثيابه، وكذا إذا هيأ مكاناً لسرقين الدواب، فما وقع فيما (٥) يكون له عند البعض، كذا ذكره الإمام قاضي خان (٦)، بخلاف ما إذا عسل النحل في أرضه، حيث يكون العسل لصاحب الأرض، فرق بين هذا وبين العسل، والفرق أن العسل فيه معنى الصيدية، لا في الحال ولا في المال، والأرض في يد صاحبها، فما [يكون] (٧) فيها يكون في يد صاحبها، وذلك لأن العسل صار قائمًا بأرضه على وجه القرار، فصار تابعًا لأرضه، كالشجر والزرع يثبت فيها، وهذا كله إذا لم يكن هيأ أرضه للاصطياد. وأما إذا هيأ بأن حفر بئراً للصيد فوقع (٨) فيها فهو له، كذا ذكره الإمام المرغيناني والتمرتاشي (٩)؛ لأنه عد من أنزاله بفتح الهمزة، أي من أنزال أرضه، تناول المكان كما في قوله: ولا أرض أنقل أثقالها، والنزل هو الزيادة والفضل، ومنه قوله: العسل ليس من أنزال الأرض، أي من ريعها وما يحصل منها، كذا في المغرب (١٠). وإنما جعل العسل من أنزال الأرض بخلاف بيض الطير التي باضت فيها؛ لأن العسل لا يحصل في مطلق المواضع وبمطلق الأغدية، بل بغداء خاص ومكان خاص، فإذا عسل في أرض (١١) علم أنه من نبات ذلك الأرض، فكان من أجزاء تلك الأرض، فيكون لمالك الأرض كما إذا نبت في أرضه شجرة، أما البيض فإنه أصل الصيد (١٢)، ولهذا لو كسر (١٣) الحرم (١٤) كان عليه الجزاء، وإمكان الأخذ من غير حيلة لا تخرجه من الصيدية، كصيد لتكسر (١٥) رجله في أرض إنسان، فذلك كان للآخذ دون صاحب الأرض.

стр. 2930

[قوله: و (١) كان استبداله (٢)، أي حينئذ (٣) ما وقع من الشك (٤) في بيان (٥) من (٦) استعد له فكان (٧) قوله: أكان (٨) معطوفاً على محذوف بعد قوله: ما لم يكفه أي وأكفه، أو كان مستعدًا [كان] (٩) له، أي المكان أو المستعد (١٠)، والله أعلم [بالصواب، وإليه المرجع والمآب] (١١). كتاب الصرف آخر كتاب الصرف عن بيان أنواع البيوع، أما لما ذكرنا في أول باب السلم، أو لأن الصرف بيع الأثمان، والثمن في البياعات يجري مجرى الوصف، والبيع والمبيع يجري مجرى الأصل؛ لتوقف جواز البيع إلى وجود المبيع، والقدرة على التسليم، وتوقف صحة الإقالة إلى بقائه، وعدم جواز الاستبدال به، ويخالفه الثمن في هذه الأشياء الأربعة، فلذلك أخر ذكر البيع عن ذكر الأصل؛ لأن الأصل هو الأسبق وجودًا، فكذا ذكر، أو قد ذكر في الكتاب معنى الصرف لغةً وشرعًا. وأما شروطه فعلى الخصوص ثلاثة: أحدها: أن لا يفترق إلا عن تقابض في البدلين، والمراد منه يفرق الأبدان. لا الذهاب عن موضع العقد على ما يجيء. والثاني: أن لا يكون في هذا العقد خيار الشرط لأحدهما؛ لأن الخيار استثناء لحكم العقد، وهو الملك عن العقد، فيمتنع الملك ما بقي الخيار، وإذا امتنع الملك يمتنع القبض الذي يحصل به التعيين الذي هو شرط جواز العقد والشرط. والثالث: أن لا يكون في هذا العقد أجل؛ لأن بشرط الأجل ينعدم استحقاق القبض الذي به يحصل التعيين، فحينئذ يرجع الكل إلى معنى واحد، وهو أن الفساد بسبب انعدام القبض الذي به يحصل التعيين، فخيار الرؤية وخيار العيب يخالف خيار الشرط والأجل في هذا الباب؛ لأن بخيار العيب والرؤية لا يمتنع الملك، فكان القبض الذي يحصل به التعيين ثابتًا، فيصح العقد، ولا كذلك الأجل وخيار الشرط. فإن قيل: كيف يجوز أن يقال بأن قبضه بدل الصرف قبل الافتراق شرط جواز العقد، وأنه يشترط بعد العقد لإحالة العقد، وشرط الجواز ما يشترط حالة العقد، كالشهادة في باب النكاح، والمالية في البيع، فأما ما يجب بعد العقد يكون حكم العقد، لا شرط جواز العقد.

стр. 2931

قلنا: شرط الجواز ما يشترط مقارنًا لحالة العقد، إلا أن اشتراط القبض مقارنًا لحالة العقد من حيث الحقيقة غير ممكن من غير تراض؛ لما فيه من إثبات اليد على مال الغير بغير رضاه، فعلّقنا الجواز بقبض يوجد في المجلس؛ لأن في المجلس العقد حكم [حالة العقد كما] في الإيجاب والقبول، فصار القبض الموجود بعد العقد إذا وجد في مجلس العقد كالموجود وقت العقد من حيث الحكم، ولو كان موجودًا وقت العقد من حيث الحقيقة كان شرط جواز العقد. فكذا إذا كان موجودًا وقت العقد من حيث الحكم، ثم اختلف المشايخ أن التقابض قبل الافتراق شرط صحة العقد أو شرط بقائه على الصحة، فعلى قول من يقول: أنه شرط بقاء العقد لا يتأتى هذا الإشكال، وعلى قول من يقول: شرط صحة العقد يتأتى هذا الإشكال، ولكن وجه الجواب ما ذكرنا، كذا في الذخيرة والمحيط. وذكر في المبسوط (١): الصرف اسم لنوع بيع، وهو مبادلة الأثمان بعضها ببعض، والأموال أنواع ثلاثة: نوع منها في العقد ثمن على كل حال، وهو الدراهم والدنانير، صحبها حرف الباء أو لم يصحبها، سواء كانا يقابلها من جنسها أو من غير جنسها. ونوع منها: هو مبيع على كل حال، وهو ما ليس من ذوات الأمثال من العروض والدواب والمماليك. ونوع: هو ثمن من وجه ومبيع من وجه، كالمكيل والموزون، فإنها إذا كانت معينة في العقد يكون مبيعة، وإذا لم يكن معينة فإن صحبها حرف الباء وقابلها مبيع فهي ثمن، وإن لم يصحبها حرف الباء وقابلها ثمن فهي مبيعة، وهذا لأن الثمن ما يثبت دينًا في الذمة، والنقود لا يستحق بالعقد إلا دينًا في الذمة، وإذا قلنا: أنها لا تتعين بالتعيين فكانت ثمنًا على كل حال، والعروض لا يستحق بالعقد إلا عينًا فكانت مبيعة، والسلم في بعضها رخصة شرعية فلا يخرج به من أن يكون مبيعًا، والمكيل والموزون مستحق عينًا بالعقد تارة ودينًا أخرى، فيكون ثمنًا في حال [مبيعًا في حال] (٢). قال: أولاً لا يطلب منه إلا الزيادة، إذ لا ينتفع بعينه، يعني أن غير الدراهم والدنانير ينتفع بعينه كاللحم والثوب. وأما في الدراهم والدنانير فإنما ينتفع بغيرهما، وهو يقابلها من المبيع، فلما كان كذلك لا يطلب في بيع الدراهم والدنانير إلا زيادة يحصل فيما يقابلهما من الجودة والصناعة؛ لأنه لو لم يطلب الزيادة، وذلك العين بدون الزيادة حاصل له، فلا فائدة لهما في بيع الصرف، بخلاف شراء اللحم مثلاً، فإن مقصود المشتري هو حصول نفس اللحم، لا زيادة قيمته؛ لأن مقصوده دفع الجوع، وهو يحصل بنفس اللحم، فلما كان كذلك كانت إرادة الزيادة مطلوبة في بيع الصرف قطعًا، والصرف هو الزيادة لغة، وكذلك اختص بيع الصرف بذلك الاسم، وهذا الذي ذكرنا في بيع الجنس بالجنس نحو بيع الذهب بالذهب، أو بيع الفضة بالفضة ظاهر.

стр. 2932

وكذلك في بيع الذهب بالفضة؛ لأنهما بسبب الثمنية خلقة جعلا جنساً واحداً، ومنه سميت العبادة النافلة صرفاً، ومنه قوله ﵇: «من انتمى إلى غير الله، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً» (١)، العدل هو الفرض، والصرف هو النفل، سماه عدلاً؛ لكونه أداء الحق إلى المستحق، ولكن ذكر في الفائق (٢): حديثًا آخر في هذا فسره بتفسير آخر، وقال في ذكر المدينة: "من أحدث فيها حدثاً، أو آوى محدثاً، فعليه لعنة الله إلى يوم القيامة، لا يقبل منه صرف ولا عدل" (٣) الصرف القوية؛ لأنه صرف للنفس إلى البر عن الفجور، والعدل الفدية من العادلة، المراد من إحداث الحدث الفعل الذي يوجب الحد، وذكر في الْغَرِيبَيْنِ (٤): وقيل: الصرف: النافلة، والعدل: الفريضة (٥). وذكر في شرح الطحاوي (٦): الصرف اسم لعقود ثلاثة، بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، وأحدهما بالآخر، ثم لما اختص باسم الصرف، واختص بشرائط ثلاثة، وذكر تلك الشرائط التي ذكرناها، ثم قال: ويحتاج إلى شرط رابع في عقد الصرف، إذا كان المقعود عليهما من جنس واحد، وهو التساوي في الوزن، فإن باع فضة بفضة، أو ذهباً بذهب لا يجوز إلا مثلاً بمثل، والمثلية شرط في جميع الأموال الربوية عند العقد، علمًا ووجودًا، لا وجودًا لا غير، بيان ذلك: أنهما لو تبايعا حنطة بحنطة مجازفة لا يجوز.

стр. 2933

وكذلك كل مكيل أو موزون، وإن كانا متساويين في الواقع حتى لو تبايعا صبرة بصبرة مجازفة ثم كيلياً بعد ذلك فكانا متساويين لم يجز العقد عندنا، وقال زفر: يجوز؛ لأن ما هو شرط الجواز وهو المماثلة قد يبني أنه كان موجودًا، وإن لم يكن ذلك معلومًا للمتعاقدين، وحجتنا في ذلك أن المعتبر بجواز العقد العلم بالمساواة عند العقد؛ لأنه إذا لم يعلم ذلك كان الفضل معدومًا موهومًا، وما هو موهوم الوجود يجعل كالمتحقق فيما بنى أمره على الاحتياط، كذا في المبسوط (١). لكن هذا إذا كيلتا أو وزنا بعد الافتراق، وأما إذا علم مساواتهما بالكيل أو بالوزن في مجلس العقد يجوز البيع والصرف، وكذلك لو كان بين رجلين فضة أو ذهب فاقتسما بينهما مجازفة لم يجز إلا إذا علم تساويهما في المجلس؛ لأن القسمة بمنزلة البيع، والبيع مجازفة لا يجوز، وكذلك القسمة، كذا في شرح الطحاوي (٢). «الذهب بالذهب، مثلاً بمثل، وزنًا بوزن، يدًا بيد» (٣) فانتصاب [مثلاً] ووزنًا ويدًا على الحال، والعامل فيهما ما اقتضاه الجار والجرور من معنى الفعل، وهو بيعوا على تقدير نصب الذهب، أو بيع الذهب على تقدير رفعه بإقامته مقام المضاف، أي مماثلاً بمماثل، وموزونًا بموزون، ومقبوضاً بمقبوض؛ لما روينا، وهو قوله: يدًا بيد، وإن استنظرك أن يدخل بيته يجيء بعيد هذا، أول الحديث يخاطب به لأحد عاقدي الصرف، أي إن سألك صاحبك أن يدخل بيته لإخراج بدل الصرف أو غيره، فلا تمهله، فكان هذا دليلاً ظاهراً على أن قبض بدلي الصرف في المجلس شرط، ولأنه لا بد من قبض أحدهما ليخرج العقد به عن الكالئ بالكالئ، ثم لا بد من قبض الآخر تحقيقاً للمساواة. فإن قلت: يشكل على هذا التعليل ما إذا باع المضروب بالمصبوغ، فإن المصبوغ مما يتعين بالتعيين، على ما يجيء بعيد هذا، ومع ذلك يشترط قبضهما أيضاً، فعلى هذا التعليل ينبغي أن لا يشترط قبض المصبوغ إذا وجد قبض المضروب؛ لحصول المساواة بينهما في العينية في المضروب بالقبض، وفي المصبوغ بالصباغة، وبحصول العينية فيهما يخرجان عن بيع الكالئ بالكالئ، إذ النسيئة وإنما يكون باعتبار عدم التعيين. قلت: جوابه أيضاً يجيء بعيد هذا، وهو قوله: ولأنه إن كان يتعين ففيه شبهة عدم التعيين؛ لكونه ثمنًا حلقة، فيشترط قبضه؛ اعتباراً للشبهة في الربا.

стр. 2934

فإن قيل: على هذا التقدير يلزم في بيع المضروب بالمصبوغ نسبة شبهة الشبهة، وهي غير معتبرة، وذلك لأن في بيع المضروب بالمضروب نسبة شبهة الفضل؛ لأنه لما قبض أحد البدلين ولم يقبض الآخر كان بيع النقد بالكالئ، وفيه شبهة فضل النقد على النسبة، ثم باع المضروب بالمصبوغ نسيئة، والمصبوغ في نفسه مما يتعين بالتعيين، لكن بالنظر إلى أصله بأن حلق ثمنًا شبهة عدم التعيين كانت فيه شبهة زايدة على تلك الشبهة التي هي شبهة فضل النقد على النسيئة، فكانت شبهة الشبهة، وهي غير معتبرة. قلنا: عدم الجواز في بيع المضروب نسيئة تعين النص بقوله: يدًا بيد، لا بالشبهة؛ لأن في موضع النص الحكم غير مضاف إلى القلة، فحينئذ كانت الحرمة في هذه الصورة باعتبار الشبهة. أو نقول: شبهة الشبهة إنما لا تعتبر إذا لم يكن منصوصاً عليها، وأما إذا كانت الحرمة منصوصاً عليها في الموضع الذي فيه شبهة الشبهة كان ثبوت الحرمة باعتبار النص لا باعتبار شبهة الشبهة، وفيما نحن فيه وهو بيع المضروب بالمصبوغ جاءت الحرمة نصاً، ذكره في المبسوط (١)، وهو ما روي عن عمر ﵁ أنه قال: «الذهب بالذهب مثل بمثل، والورق بالورق مثل بمثل، لا تفضلوا بعضها على بعض، لا يباع منها غائب يتأخر، فإني أخاف عليكم الدماء، والدماء وهو الربا، وإن استنظرك إلى أن يدخل بيته فلا تنظره» (٢)، ومعنى قوله: لا يباع منها غائب يتأخر، أي نسيئة بنقد، واسم الذهب والورق يتناول المصبوغ منهما، فلما كان كذلك كانت الحرمة فيه ثابتة بالنص، لا بشبهة الشبهة. وقال: فلا يتحقق بالنصب على جواب النفي بالفاء، وهو قوله: ثم لا بد لإطلاق ما روينا وهو قوله ﵇: «الذهب بالذهب» (٣)، وفيما بعده: والفضة بالفضة، ثم ذكر في الكتاب اشتراط التقابض في المجلس، وإن كانا يتعينان كالمصبوغ، ولم يذكر اشتراط المساواة في الوزن إذا كانا مصبوغين من الذهب والفضة. ولا يقال: قد ذكر ذلك؛ لأنه قال: فإن باع فضة بفضة أو ذهباً بذهب لا يجوز، إلا مثلاً بمثل، فاسم الذهب والفضة يتناول المصبوغ منهما وغير المصبوغ. لأنا نقول: كما ذكر ذلك ذكر قوله أيضاً: ولا بد من قبض العوضين، أي من الذهب والفضة المذكورين، ومع ذلك ذكر قوله: فوجب قبضهما، سواء كانا يتعينان كالمصبوغ، أو لا يتعينان كالمضروب، حيث أعاد ذكر القبض في المصبوغ مع ذكره في مطلق الذهب والفضة، ولم يعد ذكر المساواة في الوزن في المصبوغ، كما أعاد ذكر القبض فيه، ثم اعلم أن المساواة في الوزن شرط في الذهب والفضة إذا بيع كل واحد منهما بجنسه، وإن كان هو إناء مصبوغًا، حتى لو باع إذا قبضه بإناء فضة متفاضلاً لا يجوز، وإن كان يدًا بيد؛ لأن المساواة شرط في الأموال الربوية إذا قوبلت بجنسها.

стр. 2935

فإن قلت: يشكل على هذا ما لو باع إناءه مصبوغًا من نحاس بإناء مصبوغ متفاضلاً يجوز، مع أن بيع النحاس بالنحاس متفاضلاً لا يجوز، وكذلك في الإناء المتخذ من الشبه أو الصفر أو الحديد بإناء من جنسه متفاضلاً يجوز، ولا يجوز بيع الحديد بالحديد متفاضلاً، فعلى هذا ينبغي أن يجوز بيع إناء فضة بإناء فضة متفاضلاً، وإن كان لا يجوز بيع الفضة بالفضة متفاضلاً. قلت: قد فرق بينهما حيث قيل بجواز بيع [إناء] مصبوغ من غير الذهب والفضة بإناء مصبوغ من جنسه متفاضلاً، وعدم جوازه في بيع الإناء المصبوغ من الذهب والفضة بإناء مصبوغ من جنسه متفاضلاً. ووجه الفرق وهو أن صفة الوزن في الذهب والفضة منصوص عليها، فلا يتعين ذلك بالصفة، ولا يخرج من أن يكون موزونًا في العادة، والعادة لا تعارض النص. وأما في الحديد والشبه وما أشبه ذلك؛ فصفة الوزن ثابتة بالعرف، فيخرج من أن يكون موزونًا بالصنعة بالعرف، ويتعارف [الناس] بيع المصبوغ منه عددًا، كذا في المبسوط (١) في أواخر الباب الأول من كتاب البيوع، وقد ذكرناه مرة في باب الربا في جهة واحدة قيد بها؛ لأنهما لو مشيا في جهتين مختلفتين يبطل الصرف؛ لوجود الافتراق بالأبدان. وذكر في الذخيرة (٢): ولو قاما عن مجلس الصرف وذهبا معًا في جهة واحدة فرسخًا أو ما أشبه ذلك، ثم تقابضا قبل أن يفارق أحدهما صاحبه جاز العقد، وكذلك لو طال قعودهما في مجلس العقد. "وإن وثب عن سطح فثب معه"، أول الحديث هو ما ذكره في المبسوط (٣) فقال: وعن ابن جبلة (٤)، قال: سألت عبد الله بن عمر ﵄ فقلت: إنا نقدم أرض الشام ومعنا الورق الثفال النافقة، وعندهم الورق الكاسدة، أو نبتاع ورقهم العشرة بتسعة ونصف، فقال: لا تفعل، ولكن بع ورقك بذهب، واشتر ورقهم بالذهب، ولا تفارقه حتى تستوفي، وإن وثب من سطح فثب معه (٥).

стр. 2936

وفيه دليل أن المفتي إذا بيّن جواب ما سئل عنه فلا بأس أن يبين المسائل بالطريق الذي يحصل مقصوده، مع التحرز عن الحرام، ولا يكون هذا مما هو مذموم من تعليم الحيل، وفيه دليل على أن القيام عن المجلس من غير افتراق لا يمنع بقاء العقد، وأنه قال: وإن وثب عن سطح فثب معه، التحرز عن مفارقة أحدهما صاحبه قبل القبض. بخلاف خيار المجبرة، وعن محمد ﵀ في رواية أخرى أنه جعل الصرف بمنزلة خيار المخيرة، حتى قال: يبطل بما هو دليل الإعراض كالقيام عن المجلس، كذا في الذخيرة (١). الذهب بالصرف ربا، أي حرام؛ لأن الربا الذي هو الفضل لغة لما كان مستلزمًا للحرام، في باب الربا أطلق لفظ الربا على الحرام، "إلا هاء وهاء"، هاء بوزن هاع بمعنى خذ، ومنه: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩)﴾ (٢)، أي كل واحد من المتعاقدين يقول لصاحبه: هاء، فيتقابضان، وفي بعض الروايات: إلا يدًا بيد هاء وهاء، وهو تأكيد لقوله: إلا يدًا بيد، كأنه قال: إلا نقدًا مع التقابض، كذا في المغرب (٣). فإن افترقا في الصرف قبل قبض العوضين أو أحدهما بطل العقد قبل القبض، في باب الصرف شرط لبقاء العقد لا لصحة العقد، استدلاله بهذا اللفظ فإنه قال في الكتاب: فإن افترقا في الصرف إلى أن قال: بطل العقد، ولا بطلان إلا بعد الصحة. وقال في شرح الطحاوي (٤): العقود في حق التقابض على ثلاثة أوجه: في وجه: التقابض من الجانبين قبل التصرف شرط لصحته، فهو عقد الصرف. وفي وجه: لا يجعل التقابض شرطًا، وهو ما إذا تبايعا عينًا بعين في غير عقد الصرف، فإن التقابض ليس بشرط، وكذلك لو تبايعا عينًا بدين كالحنطة بالدراهم. وفي وجه: يجعل التقابض من أحد الجانبين شرطًا لصحة العقد، وهو ما إذا تبايعا دراهم بفلوس، فالقبض في أحد الجانبين شرط؛ لأنهما لو افترقا من غير قبض من الجانبين حصل الافتراق عن دين بدين؛ لأن الدراهم والفلوس لا يتعينان وإن عيّنت، وإنما يتعين بالقبض، ولو وجد التقابض من أحد الجانبين جاز؛ لأنهما افترقا عن عين بدين، وكذلك إذا تبايعا كيلياً بكيلي، أو وزنياً بوزني، الذي يحرم فيه النساء، وأحدهما عين والآخر دين، والدين منهما ثمن، فإنه يجوز [ثمن] يشترط إحضاره وقبضه قبل التفريق بالأبدان؛ لأن الدين لا يتعين بالإحصار ما لم يقبض، وكذلك في عقد السلم يشترط القبض من أحد الجانبين، وهو رأس المال، ولهذا لا يصح شرط الخيار فيه، أي في الصرف بأن قال: اشتريت هذا الدينار بهذه الدراهم، على أني بالخيار ثلاثة أيام، وكذلك الأجل.

стр. 2937

ثم اعلم أن بين الفساد في بيع الصرف بسبب الافتراق قبل القبض، وبين بيع الصرف الذي انعقد في أصله على الفساد من الابتداء بسبب ذكر الأجل، أو شرط الخيار فرق على قول أبي حنيفة ﵀، فإنه إذا كان لرجل جارية، وفي عنقها طوق فضة، ووزن الطوق مائة، فباعهما جميعًا من رجل بألف درهم حالة جاز البيع فيهما جميعًا، ويكون الطوق بمائة درهم من الألف صرفاً، والجارية بتسعمائة درهم، ولو افترقا عن غير القبض من الجانبين بطل الصرف، وبيع الجارية بتسعمائة صحيح، وبمثله لو باعهما بألف إلى أجل، والصرف باطل بالإجماع، ويبطل بيع الجارية أيضاً عند أبي حنيفة ﵀، وعند صاحبيه لا يبطل البيع في الجارية بتسعمائة، فأبو حنيفة ﵀ فرق بين المسألتين، فقال في المسألة الأولى: لا يبطل البيع في الجارية؛ لأن [العقد] فيهما جميعًا انعقد على الصحة، غير أن الصرف إنما يبطل؛ لفوات شرط من شرايطه قائم، يوجب ذلك إبطال البيع في الجارية، كما إذا اشترى عبدين بألف درهم، فاستحق أحدهما، وفي المسألة الثانية إنما يبطل بيع الجارية؛ لأن عقد الصرف انعقد على الفساد، فأوجب ذلك فساد بيع الجارية، كما إذا اشترى عبدين، فإذا أحدهما حر، كذا في شرح الطحاوي (١). لأن بأحدهما، أي بشرط الخيار، وبالثاني، أي وبالأجل، إلا إذا أسقط الخيار في المجلس فيعود إلى الجواز، ذكر إسقاط الخيار، ولم يذكر إسقاط الأجل؛ لأنه لو سلم في المجلس يجوز، وإن لم يوجد الإسقاط ذكرا قبل تقرره، أي تقرر الفساد حقاً لله تعالى؛ لأن الربا حرام حقاً لله تعالى. وفي تجويزه، أي تجويز شراء الثوب ببدل الصرف من أحد المتعاقدين بعد الصرف كما نقل عن زفر، وإنما ذكره بكلمة: عن؛ لأن الظاهر من مذهب زفر ﵀ كمذهب علمائنا الثلاثة في أن الاستبدال ببدل الصرف قبل القبض لا يجوز، ذكره في الذخيرة (٢). فينصرف العقد إلى مطلقها، أي مطلق الدراهم، بأن اشترى الثوب، ولم يضف إلى بدل الصرف، فإنه يجوز، وكذلك إذا أضاف إلى بدل الصرف؛ لأن الدراهم والدنانير لا يتعينان، وإن كانت موجودة مشاراً إليها، فكذلك إذا كانت دينًا؛ لأن ما لا يتعين بالتعيين إذا كان عينًا لا يتعين بالتعيين إذا كان دينًا، وإذا كان كذلك كانت الإضافة إلى بدل الصرف والإطلاق سواء، إلا أنا نقول: أن قبض بدل الصرف واجب بالسنة، والاستبدال يفوت القبض المستحق، فكان شرط إيفاء الثمن من بدل الصرف شرطًا فاسدًا، فيمنع الجواز؛ لإسقاط الثمن به، والدين يتعين في حق القدر والوصف والاستحقاق فيما يرجع إلى الإسقاط، كذا في الفوائد الظهيرية والجامع الصغير لقاضي خان (٣).

стр. 2938

وليس من ضرورة كونه مبيعًا أن يكون متعينًا، هذا جواب سؤال مقدر وهو أن يقال: لو كان بدل الصرف مبيعًا يجب أن يكون متعينًا؛ لأن المبيع متعين. قلنا: المسلم فيه مبيع، ومع ذلك هو غير متعين، بل هو واجب في الذمة غير عين، ولأن شبهة كونه متعينًا قد ظهرت في البيع الثاني، وهو شراء الثوب ببدل الصرف حتى يحصل به تقدير الثمن، وإن لم يكن متعينًا في نفسه، وهو نظير ما إذا غصب الدراهم واشترى بها شيئاً بأن أشار إليهما ودفع منها يحرم الانتفاع بالمشترى، مع أن الدراهم والدنانير لا يتعينان في العقود، لكن لما حصل بها تقدير الثمن، وإسقاط ما وجب في ذمته بها. قلنا: بحرمة الانتفاع بالمشترى، والشبهة في باب الربا ملحقة بالحقيقة. فإن قيل: ينبغي أن يتعين الدراهم في مسألتنا للثمنية؛ لدخول الباء فيها حيث قال: باع ديناراً بعشرة دراهم، والباء مخصوصة؛ لدخولها في الأثمان. قلنا: ذلك في الأثمان الجعلية (١)، كالحنطة والشعير والحديد من المكيلات والموزونات التي ليست من الدراهم والدنانير إذا كانت دينًا، وأما في بيع الصرف وكل واحد من البدلين ثمن ومثمن؛ لتعينهما للثمنية حلقه، كالسلع التي ليست من الموزونات والمكيلات كل واحد من البدلين ثمن ومثمن، فجعل كل واحد منهما ثمنًا ومثمنًا. وقال: فيجعل كل واحد منهما مبيعًا؛ لعدم الأولوية، هذا هو الوجه الثاني الذي ذكره في الذخيرة في تعليل المسألة (٢). فوجهه أن عقد الصرف بيع؛ لأنه مبادلة مال بمال، ولهذا لو حلف لا يبيع فصار ويحنث في يمينه، والبيع ما يشتمل على مبيع وثمن، وليس كل واحد منهما من بدل الصرف بأن يجعل أحدهما مبيعًا والآخر ثمنًا أولى من الآخر، فجعل كل واحد مبيعًا من وجه وثمنًا من وجه ضرورة انعقاد البيع، وإن كان كل واحد منهما ثمنًا حقيقة. ألا ترى في بيع العرض بالعرض، اعتبر كل واحد منهما ثمنًا من وجه مبيعًا من وجه ضرورة انعقاد البيع، وإن كان كل واحد منهما مبيعًا حقيقة كذا ههنا، وإذا كان كذلك لو جاز الاستبدال به قبل القبض، من حيث أنه ثمن لا يجوز الاستبدال به، من حيث أنه مثمن فلا يجوز بالشك، كما قلنا في التأجيل في بدل الصرف: إن جاز من حيث أنه ثمن لا يجوز من حيث أنه ثمن لا يجوز من حيث أنه مثمن، فلا يجوز بالشك كما قلنا.

стр. 2939

وأما الوجه الأول: فهو ما ذكره فيها بأن الاستبدال ببدل الصرف قبل القبض يفوت قبض بدل الصرف من حيث الحقيقة إلى آخره. فإن قيل: لو جعل كل واحد منهما مبيعًا يشترط قيام الملك في كل واحد منهما حالة العقد حتى لا يصير بايعًا ما ليس عنده، وبالإجماع لم يشترط قيام الملك في الدراهم والدنانير وقت العقد، فقد ذكر في الكتاب: لو باع من آخر ديناراً بدرهم، وليس في ملك هذا دينار ولا في ملك هذا دراهم، ثم استقرض هذا دراهم، ودفعها إلى مسير بها، واستقرض من الآخر ديناراً، ودفعه إلى مسيرته فإنه يجوز. قلنا: الدنانير والدراهم قبل العقد وحالة العقد ثمن من كل وجه، وإنما يعتبر مثمنًا من وجه بعد العقد؛ لأن اعتباره مثمنًا بسبب العقد ضرورة أن العقد لا بد له من مثمن، كما لا بد له من ثمن، فيعتبر كونه مثمنًا بعد العقد لا قبله، فلا يشترط قيام الملك فيه قبل العقد، وهذا كما في بيع العرض بالعرض، فإن كونه ثمنًا لا يثبت قبل العقد بوجه من الوجوه؛ لأنه مثمن في الأصل، وإنما يصير ثمنًا بسبب العقد ضرورة أن العقد لا بد له من ثمن، فيعتبر كونه مثمنًا قبل العقد حتى يشترط قيام الملك في كل واحد منهما حالة العقد، ويتعلق العقد بهما، ويعتبر كونه ثمنًا بعد العقد، حتى لا ينفسخ العقد بهلاك أحدهما بعد البيع قبل القبض، كما لو كان ثمنًا من كل وجه، كذا هنا، وإذا اعتبرت الثمنية قبل العقد في البدلين من كل وجه، لا يشترط قيام الملك فيهما قبل العقد، ولا يتعلق العقد بالمشار إليه. فإن قيل: أليس أنه لو اشترى قلب فضة بدراهم، واستبدل بالدراهم قبل القبض لا يجوز عندكم، مع أن الدراهم بمقابلة القلب ثمن من كل وجه، إذ لا ضرورة إلى جعلها مثمنًا من وجه؛ لأن القلب بمقابلتها مثمن من كل وجه، فعلم بهذا أن حرمة الاستبدال فيما نحن فيه لا باعتبار أن كل واحد من البدلين مبيع. قلنا: جواز الاستبدال ببدل القلب إن كان لا يمتنع للوجه الثاني؛ لأن الدراهم بمقابلة القلب من كل وجه بمبيع للوجه الأول، وهو أن الاستبدال ببدل القلب لو صح يفوت قبض بدل القلب في الصرف، وفوت قبض بدل القلب يوجب فساد الصرف، وما يكون سبباً لفساد العقد يكون فاسدًا في نفسه، كذا في الذخيرة (١). بخلاف بيعه بجنسه مجازفة؛ لما فيه من احتمال الربا، وإن كان متساويين في الوزن في الواقع لا يجوز أيضاً؛ لأن العلم بتساويهما حالة العقد شرط صحة العقد، وقد ذكرنا أنهما لو تبايعا ذهباً بذهب مجازفة، وافترقا بعد التقابض، ثم علما بالوزن أنهما كانا متساويين لا يجوز عندنا، خلافاً لزفر، وقد ذكرناه في أوائل هذا الكتاب الذي نحن فيه؛ لأن قبض [حصة] صحة الطوق واجب في المجلس؛ لأنه صرف، ولا يتفاوت في بيع الصرف بأن يكون مع أحد بدليه العرض، بل يكون العقد صرفاً في الأثمان.

стр. 2940

وذكر في أول كتاب الصرف من المحيط (١): الصرف اسم لنوع بيع، وهو مبادلة الأثمان بعضها ببعض من الذهب والفضة مفردًا أو مجموعًا مع غيره، يريد بقوله: أو مجموعًا مع غيره، أما إذا باع ثوباً وذهباً بفضة، فحصة الذهب صرف؛ لأنه يقابله ثمن، وحصة الثوب بيع، والظاهر منه الإتيان بالواجب، فيحمل عليه، كما إذا ترك سجدة صلبية في الصلاة، وبينها أيضاً، ثم أتى بسجدة السهو، وسلم بصرف إحدى سجدتي السهو إلى الصلبية، وإن لم ينوها؛ ليكون الإتيان بها على وجه الصحة. وكذلك لو طاف طواف الصدر، ولم يطف طواف الزيارة، فإن طواف الصدر ينقل إلى طواف الزيارة؛ ليكون الإتيان بالحج على وجه الصحة، والخروج عن عهدة الفرض، وذلك فيما قلنا لما بينا. وهو قوله: والظاهر منه الإتيان بالواجب؛ لأن الاثنين قد يراد بذكرهما الواحد، أي قد يراد الواحد بذكرهما الواحد، أي قد يراد الواحد بذكر الاثنين عند قيام الدلالة على ذلك، ومن الدليل فيما نحن فيه وجوب أداء ثمن الحلية في المجلس؛ لكونه صرفاً دون ثمن السبق، فإنه ليس بصرف. ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ (٢)، وإنما يخرجان من الملح دون العذب، وإنما قال: "منهما" مع أن الخروج من أحدهما؛ لما أن العذب والملح يلتقيان، فيكون العذب كاللقاح للملح، كما يقال: يخرج الولد من الذكر والأنثى، وإنما تلده الأنثى، وقيل: من عادة العرب أنها تجمع شيئين لأحدهما فعل، فيجعل الفعل لهما، وهو كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ (٣)، وكان الناسي صاحب موسى ﵇ وحده. وقال: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ (٤)، والرسل من الإنس دون الجن، كذا في التيسير (٥). وذكر في الجامع (٦): ولو قال رجل لامرأتيه: إذا حضتما حيضة فأنتما طالقان، أو قال: إذا ولدتما ولدًا فأنتما طالقان، ففي القياس: هذا لغو من الكلام، ولا يتعلق به حكم؛ لأن ولادة ولد واحد، وطهور حيضة واحدة من المرأتين لا يتصور، ولكنا عملنا بالاستحسان بالمجلس؛ كيلا يلغو كلامه، وقلنا: إذا حاضت إحداهما وقع الطلاق عليهما، وكذلك إن ولدت إحداهما ولدًا وقع الطلاق عليهما، وقد يضاف الشيء إلى الاثنين والمراد به واحد كما في النظائر، بخلاف ما إذا قال لهما: إذا حضتما فأنتما طعان فحاضت إحداهما لم يقع على أحد شيء، حتى تحيض الأخرى فإن حاضتا وقع الطلاق عليهما، وكذلك له قال: إن ولدتما فأنتما طالقان، فولدت إحداهما لا تطلق حتى تلد الأخرى؛ لما أن العمل بالحقيقة ممكن، فإن فعل الحيض والولادة منهما متصور، فيشترط وجوده منهما؛ لأن الجزاء لا يتوزع على أجزاء الشرط، بل إنما ينزل الجزاء عند تمام الشرط، وذلك فيما إذا وجد الحيض والولادة منهما جميعًا.

стр. 2941

وأما لو قال: خذ هذه الخمسين من ثمن السيف خاصة، وقال الآخر: نعم، أو قال: لا، وتفرقا على ذلك، انتقض البيع في الحلية؛ لأن الترجيح بالاستحقاق عند المساواة في العقد أو الإضافة، ولا مساواة بعد تصريح الدافع، يكون المدفوع من ثمن السيف خاصة، والقول في ذلك قوله؛ لأنه هو المالك، فالقول في بيان جهته (١). قال: كذا في المبسوط (٢)، في باب الإجارة من عمل التموية من كتاب الصرف، إلا أنه وضع المسألة في اشتراء القلب مع الثوب والحلية في مسألتنا، إذا كانت يتخلص من السيف بدون الضرر صارت بمنزلة القلب مع الثوب، والطوق مع الجارية، وهذا إذا كانت الفضة المفردة أزيد مما فيه. وفي المبسوط (٣): فأما بيعها، أي بيع الحلية مع السيف بالفضة فعلى أربعة أوجه: إن كان يعلم أن فضة الحلية أكثر فهو فاسد، وكذلك إن كانت الحلية مثل البعد في الوزن؛ لأن الجفن والحمايل فضل خال عن العوض، فإن مقابلة الفضة بالفضة في البيع يكون بالإجزاء، وإن كان يعلم أن الفضة في الحلية أقل جاز العقد، على أن يجعل المثل بالمثل، والباقي بإزاء الجفن والحمايل عندنا، خلافاً للشافعي، وإن كان لا يدري أيتهما أقل فالعقد فاسد عندنا؛ لعدم العلم بالمساواة عند العقد، وتوهم الفضل، وعند زفر هذا يجوز؛ لأن الأصل هو الجواز، والمفسد هو الفضل الخالي عن العوض، فما لم يعلم به يكون العقد محكومًا بجوازه. والجواب: ما ذكر في الكتاب وجهه الفساد من وجهين فترجحت، فالوجهان ما إذا كان الذي لا يدري أنه مثل الحلية في السيف، أو مثل الطوق في الجارية، وما إذا كان أقل من الحلية أو من الطوق. وأما وجه الجواز ما إذا كان الذي لا يدري أزيد من الحلية في السيف، أو من الطوق في الجارية. فإن قيل: الترجيح إنما يكون لشيء لا يكون علة لإثبات الحكم ابتداء، وههنا كل واحد من الجهتين -أعني المساواة والنقصان- من المقرر علة عدم الجواز ابتداء، فلا يصلح للترجيح. قلنا: مراده أنه إذا كان أحدهما يكفي للحكم، فما ظنك عند اجتماعهما، لا للترجيح الحقيقي، كذا نقل عن العلامة مولانا شمس الدين الكردري (٤) ﵀.

стр. 2942

لأنه صرف كله، وبهذا يحترز عن المسألتين المتقدمتين، وهما: بيع جارية وفي عنقها طوق فضة بألفي مثقال، وبيع سيف محلى بمائة درهم، فإن كل واحدة منهما بيع وصرف، فأثبت الحكم فيهما على حسب ما يقتضيه الدليل. ومن قضية الانقسام، أي ومن قضية المقابلة على تأويل التقابل الانقسام على الشيوع، لا على التعيين. ألا ترى أن من اشترى جاريةً وعبدًا بفرس وثوب، ثم استحق العبد يرجع بقيمة العبد من الثوب والفرس جميعًا، ولولا أن قضية المقابلة الانقسام على الشيوع لما رجع في الثوب والفرس جميعًا. وذكر في الإيضاح (١): ومعنى الشيوع هو أن يكون لكل واحد من البدلين حظ من جملة الآخر، كما إذا اشترى قلباً أي وزنه عشرة بعشرة دراهم، وإن أمكن تصحيحه بصرف الألف إليه أي إلى المشتري؛ لأنه لو صرف الألف إلى المشتري لا يكون شراء ما باع بأقل مما باع، بل يكون شراء ما باع بمثل ما باع، ومع ذلك لا يصرف الألف إلى المشتري؛ لأنه لو صرف يلزم تغيير العقد؛ لما ذكرنا، وهو قوله: من قضية الانقسام على الشيوع لا على التعيين، والتعيين لا يجوز. ولا يصرف إلى الثوب، أي ولا يصرف الدرهم إلى الثوب. ولنا أن المقابلة المطلقة تحتمل مقابلة الفرد بالفرد، كما في الجنس بالجنس، كما إذا باع قفيز حنطة بقفيزي حنطة يبطل العقد؛ لأن القفيز الواحد يقابل القفيز الواحد، والقفيز الآخر يبقى فضلاً، فلا يجوز لذلك. وأنه طريق متعين للصحة، أي وأن مقابلة الفرد بالفرد بأن يكون الواحد بالواحد والاثنين بالاثنين، فيلزم منه صرف الشيء إلى خلاف جنسه فيما نحن فيه، فيصح العقد، ادعى أولاً احتمال مقابلة الفرد بالفرد نفياً لقول الخصم، فإنه يقول بالانقسام في الشيوع، وعدم احتمال العقد مقابلة الفرد بالفرد، ثم ذكر تعين مقابلة الفرد بالفرد ههنا؛ لتعين صحة العقد فيه فيحمل عليه. فإن قيل: لا نسلم بأن طريق الصحة متعين فيما قلتم، بل له وجوه أخر أيضاً، وهو أن يقال: درهم من الدرهمين بمقابلة درهم، ودينار من الدينارين بمقابلة دينار، ودينار من الدينارين بمقابلة درهم باق من الدرهمين. قلنا: ما قلنا متعين للصحة؛ لقلة وقوع التغيير، وذلك لأن فيما ذكرنا تغييرين، وذلك صرف درهم إلى دينار، ودينارين إلى درهمين، وفيما ذكرت ثلاث تعبيرات، وهي صرف درهم إلى درهم، ودينار إلى دينار، ودرهم إلى دينار، فكان الذي هو أقل تغييراً متعينًا في التصحيح. وذكر في الإيضاح (٢): الأصل في هذا الباب أن صفقة البيع إذا اشتملت على إبدال وجبت قسمة أحد البدلين على الآخر، وتظهر الفائدة في الرد بالعيب، والرجوع بالثمن عند الاستحقاق، ووجوب الشفعة فيما يجب فيه الشفعة، فإن كان العقد لا ربا فيه، وإن كان مما لا يتفاوت فالقسمة على الإجزاء، وإن كان مما يتفاوت فالقسمة على القيمة، وأما ما فيه الربا فإنه يجب القسمة على الوجه الذي يصح العقد مبادلة، إذا باع عشرة دراهم بخمسة دراهم ودينار صح العقد، فيكون الخمسة بالخمسة، والخمسة الأخرى بإزاء الدينار.

стр. 2943

وكذلك لو قابل جنسين بجنسين كما في مسألة الكتاب، بأن باع درهمين وديناراً بدينارين ودرهم صح العقد، ويجعل كل جنس بمقابلة الجنس الآخر، وهذا مذهبنا. وقال الشافعي ﵀: البيع باطل في جميع ذلك؛ لأن مطلق المقابلة يقتضي أن يكون بطريق الشيوع، وهو أن يكون لكل واحد من البدلين حظ من جملة الآخر. وذكر في الذخيرة (١): الأصل في جنس هذه المسائل أن الأموال الربوية يصرف الجنس إلى الجنس في المبادلات، إذا لم يكن في صرف الجنس إلى الجنس فساد المبادلة، وإن كان في صرف الجنس إلى الجنس فساد المبادلة يصرف الجنس إلى خلاف الجنس، وإنما وجب صرف الجنس إلى الجنس عند جواز العقد بالنص، وهو قوله ﵇: «الذهب بالذهب، مثل بمثل، والفضة بالفضة، مثل بمثل» (٢)، فقد جعل الجنس بالجنس حالة المماثلة، وحال المماثلة في الأموال الربوية حالة جواز العقد، ونوع من المعنى يدل عليه أنا لو صرفنا الجنس إلى خلاف الجنس احتجنا إلى التقويم بآرائنا واجتهادنا، وإذا صرفنا الجنس إلى الجنس استغنينا عن الاجتهاد فإنه لا مزية لأحدهما على الآخر في المالية؛ لأن المالية تنشأ عن الذات، فإذا استويا في الذات استويا في القيمة من حيث القطع. وإنما وجب صرف الجنس إلى الجنس إلى خلاف الجنس إذا كان في صرف الجنس إلى الجنس فساد المبادلة؛ لأن صرف الجنس إلى الجنس إذا لم يكن فيه فساد العقد بالنص، ولا نص فيما إذا كان في صرف الجنس إلى الجنس فساد العقد فيطلب له دليل آخر، وقد وجد دليل آخر يوجب صرف الجنس إلى خلاف الجنس، وهو ظاهر عقلهما ودينهما؛ لأن الظاهر من حال العاقل المتدين مباشرة الجائز من العقود دون الفاسد، والجواز ههنا في صرف الجنس إلى خلاف الجنس. وفيه تغيير وصفه لا أصله، أي وفيما قلنا من مقابلة الفرد بالفرد تغيير وصف العقد؛ لما أن وصف العقد يقتضي الانقسام بالشيوع، كما قاله الخصم؛ لأنه قابل الجملة بالجملة، وذلك يقتضي الانقسام بالشيوع، لكن في الانقسام بالشيوع تغيير أصل العقد؛ لأن أصل العقد الصحيح يثبت الملك قبل القبض، فلو قلنا بالانقسام بالشيوع يفسد العقد ولا يثبت الملك قبل القبض، وكان تغييراً لأصل العقد بسبب ** وصف العقد، وفيما قلنا وهو مقابلة الفرد بالفرد إبقاء لأصل العقد على قضيته، وهو ثبوت الملك في الكل قبل القبض، مع تغيير الوصف كما قلنا، فكان هو أهون التغييرين، فكان أولى.

стр. 2944

وذكر في المبسوط (١): ولو صرف الجنس إلى خلاف الجنس صح العقد، ولا معارضة بين الجائز والفاسد، والجائز مشروع بأصله ووصفه، والفاسد مشروع بأصله حرام بوصفه، وإذا لم يتحقق المعارضة يترجح ما هو مشروع من كل وجه على ما هو مشروع من وجه. بخلاف مسألة المرابحة؛ لأنه يصير تولية في القلب يصرف الربح إلى الثوب، والتولية ضد المرابحة، والشيء لا يتناول ضده وهو قد صرح بقوله: بعتهما مرابحة، فلو صرفنا قوله: مرابحة إلى الثوب خاصة كان تابعًا للقلب الذي وزنه عشرة دراهم بعشرة دراهم، وهو تولية في القلب، ولو صرفنا المرابحة فيهما كما ذكر يفسد العقد؛ لأنه يصير ربًا في القلب، فلذلك تعين فيه البطلان، والطريق في المسألة الثانية غير متعين، أي طريق الجواز في صرف الألف إلى المشتري غير متعين؛ لأنه لو صرف الألف وما زاد عليه إلى المشتري متعين يجوز أيضاً. وذكر في المبسوط (٢): وأما مسألة العيدين فقلنا: معنى المعارضة يتحقق هناك، فإن جهات الجواز تكثر، فإنه إن جعل بمقابلته مثل الثمن الأول جاز، وكذلك إن جعل بمقابلته أكثر من الثمن الأول بدرهم، وكذلك إن جعل بمقابلته أكثر من الثمن الأول بدرهمين إلى آخره، فلكثرة جهات الجواز يتحقق معنى المعارضة فيجب المصير إلى الانقسام باعتبار القيمة، وههنا لا وجه للجواز إلا واحد، وهو صرف الجنس إلى خلاف الجنس. فإن قيل: ههنا المعارضة تتحقق أيضاً، فإنه إذا جعل الدرهم بمقابلة الدينارين يجوز، وإن جعل نصف درهم بمقابلة نصف درهم، والنصف الباقي لمقابلة الدينار، ونصف دينار بمقابلة نصف دينار، والباقي بمقابلة درهم ونصف يجوز أيضاً. قلنا: نعم، ولكن هذا طريق صرف الجنس إلى خلاف الجنس، ونحن ادعينا أنه لا وجه للجواز ههنا، إلا هذا الطريق وهو طريق صرف الجنس إلى خلاف الجنس، فكيف ما يشتغل به، لا يخرج الطريق به من أن يكون متعينًا، أي لا يخرج من أن يكون صرف الجنس إلى خلاف الجنس طريقاً متعينًا في الجواز، ورأيت جواب هذه الشبهة مكتوباً بخط شيخي ﵀. قلنا: نعم، إلا أن التعدد إنما يمنع الجواز إذا لم يكن لأحدهما ترجيح، ولما ذكرناه رجحان؛ لأن العقد ورد على اسم الدرهم، فتجويزه مع بقاء اسم الدرهم أولى مما لم يبق فيه اسم الدرهم، وفيما ذكرتم لم يبق فيه اسم الدرهم، وفيما قلنا بقي، وكان أولى، والمعين ضده أي ضد المنكر قائمًا كان ضده لم يتناول النكرة المعرفة عينًا، والتعيين في المسح شرط جواز العقد، فانتفى المشروط لانتفاء الشرط.

стр. 2945

وفي الأخيرة، أي وفي المسألة الأخيرة، وهي ما إذا باع درهمًا وثوباً بدرهم وثوب وافترقا من غير قبض فسد البيع في الدرهمين، قلنا هناك: العقد صحيح من غير أن يصرف الجنس إلى خلاف الجنس، فإن القبض في المجلس شرط بقاء العقد صحيحًا، لا بشرط الانعقاد صحيحًا. ونحن إنما صححنا هذا لتصحيح العقد لا للبقاء صحيحًا، فلا يلزم، كذا في المبسوط (١)، فإنا قد ذكرنا من الذخيرة (٢) بأن صرف الجنس إلى الجنس أصل في البياعات إذا لم يكن فيه فساد العقد، وههنا كذلك، فصرفنا الجنس إلى الجنس؛ عملاً بالأصل، وصح العقد أيضاً؛ لانعدام فصل أحدهما على الآخر عند صرف الجنس [إلى] الجنس، ثم فسد العقد بعد الصحة بسبب معنى طارئ، وهو الافتراق من غير قبض في بيع الصرف، وليس كلامنا في الفساد الطارئ فلا يرد علينا نقض. ومن باع أحد عشر درهمًا بعشرة دراهم ودينار، كانت المسألة التي قبل هذا في بيع الصرف أيضاً، لكن كل واحد من طرفي بدليه مشتملاً على جنسين مختلفين، وهنا أحد الطرفين في جنس واحد، والآخر مشتمل على جنسين مختلفين، لكن بزيادة في الجنس الواحد على ما روينا، وهو قوله ﵇: «الفضة بالفضة، مثل بمثل» (٣). والظاهر أنه أراد به ذلك، أي أن البائع أراد بهذا العقد الذي ذكرناه، وهو أن يكون العشرة بمثلها، والدينار بدرهم؛ حملاً لأمره على الصلاح، وهو الإقدام في العقد الجائز لا في الفاسد والجائز فيما قلنا. ولو تبايعا فضة بفضة، ومع أقلهما شيء آخر تبلغ قيمته باقي الفضة جاز، صورته: إذا باع عشرة دراهم ولو بالخمسة عشر درهمًا، وذكر هذه المسألة في الإيضاح (٤) على الخلاف فقال: وروي عن محمد أنه إذا باع الدراهم بالدراهم في أحدهما فصل من حيث الوزن، وفي الجانب الذي لا فصل فيه فلوس، قال: هو جائز في الحكم، ولكني أكرهه، وقال أبو حنيفة ﵀: لا بأس به؛ لأنه أمكن التصحيح، بأن يجعل الجنس بالجنس، والزيادة بإزاء الفلوس، وإنما كره محمد ﵀ ذلك؛ لأنه إذا جاز على هذا الوجه ألف الناس التفاضل فاستعملوه فيما لا يجوز، وكذا أيضاً في المحيط (٥).
следующие страницы →