← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

وأما إلغاؤه عن السببية أصلاً فلا، على ما بيَّنَّاه، إشارة إلى قوله: (ولنا أنهم استووا في سبب الاستحقاق وهو الاتصال)، إلى آخره: أنَّ الشفعة إنما تجب إذا رغب البائع عن ملك الدار. فإن قلت: يُشكل على هذا ما إذا باع داره بشرط الخيار للبائع، فلا شفعة فيه على ما يجيء من الكتاب مع ظهور رغبته (١) عن ملك الدار! قلت: في الإعراض هناك تردد لبقاء الخيار للبائع، بخلاف مسألة الإقرار بالبيع حيث يجبر بانقطاع ملكه عن الدار بالكلية، وإقرار كل مقر حجة في حق نفسه؛ فلذلك عومل به كما هو زعمه، فلا ينتقل إلى الشفيع إلا بالتراضي، أو بقضاء (٢) القاضي. وفي «الذخيرة»: «وللشفيع أن يمتنع من الأخذ بالشفعة، وإن بذل له المشتري حتى يقضي القاضي له بها؛ لأن في قضاء القاضي له زيادة فائدة، وهي معرفة القاضي بسبب ملكه، وعلم القاضي لمنزله (٣) شهادة شاهدين، فكان الأخذ بقضاء القاضي أحوط (٤). وتظهر فائدة هذا، وهو توقف الملك في الدار المشفوعة بعد الطلبين إلى وقت أخذ الدار المشفوعة بتسليم المشتري إلى الشفيع، أو إلى وقت حكم الحاكم، يعني: لا يثبت الملك للشفيع، وإن وجد منه الطلبان؛ طلب المواثبة، وطلب الإشهار- ما لم يوجد [بعد] (٥) ذلك أحد الشيئين؛ إما تسليم المشتري بدون حكم الحاكم، [أو حكم الحاكم] (٦)، فإذا وجد أحدهما حينئذ بملك الشفيع الدار المشفوعة لا يورث عنه في الصورة الأولى، وهي ما إذا مات الشفيع بعد الطلبين؛ لأنه لم يملكهما المورث؛ فكيف يورث عنه، ويبطل (٧) شفعته في الثانية، [أي: في صورة الثانية] (٨)، وهي ما إذا باع داره المستحق بها الشفعة؛ لأن سبب الأخذ بالشفعة اتصال ملك الشفيع بالدار المشفوعة، وقد زال ملكه عما يستحق به الشفعة، ويأخذها قبل أن يأخذها، فلم يبق السبب قبل أن يثبت الحكم، فلا يثبت الحكم، ولا يستحقها في الثالثة، أي: لا يستحق الدار التي بيعت بالشفعة في الصورة الثالثة، وهي ما إذا بيعت دار بجنب الدار المشفوعة؛ لأنه لم يملك المشفوعة، فكيف يملك بها غيرها، والله أعلم بالصواب. * * *

стр. 4237

باب طلب الشفعة والخصومة [فيها] (١) لما لم تَثبت الشفعة بدون الطلب شَرَع في بيانه، وكيفيته، وتسميته (٢). طلبُ المواثبة سُمِّي به تبركًا بلفظ الحديث: «الشُّفْعَةُ لِمَنْ وَاثَبَها» (٣)، أي لمن طَلَبها على وجه السرعة والمبادرة، مُفاعلة من الوثوب على الاستعادة (٤)؛ [لأن يثبت هو الذي يشرع] (٥) في طَيِّ الأرض بمشيه، وهو أن يطلبها، كما علم أي على قول (٦) علمه بالبيع من غير توقف، سواء كان عنده إنسان أو لم يكن. وذكر في «المبسوط»: «وإذا علم بالبيع، وهو بمحضر من المشتري! فالجواب واضحٌ، أي: يطلبها، وهو ظاهر، وكذلك إن كان بمحضر من الشهود ينبغي له أن يُشهدهم على طلبه، وكذلك لو لم يكن بحضرته أحد حين [يبيع] (٧) ينبغي أن يطلب الشفعة، والطلب صحيح من غير إشهاد، والإشهاد لمخافة] (٨) الجحود؛ فينبغي له أن يطلب حتى إذا حلَّفه المشتري أمكنه أن يحلف أنه طلبها كما سمع»] (٩). وذكر في «شرح الأقطع» (١٠): وإنما يفعل ذلك، أي: يطلب وإن لم يكن عنده أحد؛ لئلا يسقط حق الشفعة فيما بينه وبين الله تعالى، حتى لو بلغه (١١) البيع ولم يطلب بطلت شفعته. وقال ابن أبي ليلى (١٢): إن طلب إلى ثلاثة أيام فله الشفعة.

стр. 4238

وقال سفيان (١): له مهلة يوم من حين سمع. وقال: الشريك هو على شفعته ما لم يَطلبها صريحًا أو دلالة لمنزلة سائر الحقوق المستحقة. و [قال] (٢) ابنُ أبي لَيْلى: كان يقول: يحتاج الشفيع إلى النظر والتأمل حتى يعلم أنه ينتفع بجوار هذا الجار فلا يطلب الشفعة، [أو يتضرر] (٣) به فيطلب (٤) الشفعة، ومثل هذا لا يُوقف عليه إلا بالتأمل [فيه] (٥) مدة؛ فيجعل له من/ المدة ثلاثة أيام بمنزلة خيار الشرط (٦). ولهذا قَدَّر سفيانُ المدة بيوم. واستدل علماؤنا في ذلك بقوله ﵇: «الشُّفعة لِمَن وَاثَبَها» (٧)، وفي رواية: «الشُّفعة [كَشَطِّ العقال؛ إن أخذتها ثبتت] (٨) (٩)، وإلا ذهبت»؛ لأنه إذا سكت عن الطلب، فذلك منه دليل الرضا بمجاورة الجار الحادث، ودليل الرضا كصريح الرضا، ولو لم يجعل هذا دليل الرضا تضرر به المشتري، فإنه [يسكت حتى يتصرف] (١٠) المشتري فيه لم يبطل تصرفه عليه، وفيه من الضرر ما لا يخفى. كذا في «المبسوط» (١١). وذكر في «المغني»: إذا سمع الشفيع ببيع الدار فسكت لا تبطل شفعته ما لم يعلم المشتري والثمن، كالبكر إذا استؤمرت فسكتت، ثم علمت أن الأب زوَّجها من فلان؛ فَرَدَّت، صَحَّ رَدُّها (١٢). وأحاله إلى فتاوى [القاضي] (١٣) الإمام (١٤).

стр. 4239

فإن قلت: لو أدركت الصغيرة، وثبت لها خيار البلوغ والشفعة، فلو قدَّمت اختيار نفسها [تبطل الشفعة، ولو قدمت اختيار نفسها تبطل الشفعة، ولو قدمت طلب الشفعة يبطل اختيار نفسها] (١)؛ ما الحيلة لها حتى لا يبطل كلاهما؟ قلت: الحيلة فيه هي أن يقول طلبت حقين لي؛ الشفعة والخيار، فصح كلاهما. بكذا (٢) ذكر في فصل (الطلب) من «فتاوى قاضي خان (٣)» (٤). وفيها أيضًا: «دار [بيعت بجنب دار] (٥) رجل، والجار يزعم أن رقبة الدار المبيعة له، ويخاف أنه لو ادعى رقبتها تبطل شفعته، لا (٦) مالك الدار لا يكون شفيعًا، وإن ادَّعى الشفعة لا يُمكنه دعوى الدار: أنها له؛ ماذا يصنع حتى لا يبطل شفعته؟ قالوا: يقول: هذه الدار داري، وأنا أدَّعي رقبتها، فإن وصلتُ إليها، وإلا فأنا على شفعتي منها؛ لأن هذه الجملة كلام واحد، فلم يتحقق السكوت عن طلب (٧) الشفعة، لا بد من زمان التأمل، [كما] (٨) في المخيرة، فإن لها الخيار ما دامت في مجلسها، والجامع حاجة الرأي والتأمل، ولأن الشرع أحب (٩) له حق التملك ببدل، ولو أوجب البائع له ذلك بإيجاب البيع كان له (١٠) خيار القبول ما دام في مجلسه، فهذا مثله. ولو قال بعدما بلغه الخبر: الحمد لله، أو قال: خلصني الله من فلان، ثم طلب الشفعة، فهو على شفعته. هذا كله من «المبسوط» (١١). والإشهاد فيه، أي: في طلب المواثبة ليس بلازم، إنما هي لنفي التجاحد؛ وذلك لأن طلب المواثبة ليس لإثبات الحق، وإنما شُرط هذا الطلب ليعلم أنه غير مُعرِض عن الشفعة، وغير راضٍ بجوار هذا الدخيل (١٢)، والإشهاد ليس بشرط فيه، وكذلك حصره واحدًا من الأشياء الثلاثة: البائع أو المشتري أو الدار ليس بشرط لصحة هذا الطلب.

стр. 4240

وإنما ذكر أصحابُنا الإشهاد عند الطلب (١)، لا لأنه شرط صحة هذا الطلب، ولكن لأن المشتري لو جحد هذا الطلب، والشهود (٢) يشهدون له على ذلك، وهو نظير ما قال أصحابُنا في الأب إذا وهب لابنه الصغير هبة، وأشهد على ذلك ما ذكروا الإشهاد لكونه شرطًا بصحة الهبة (٣)، ولكن (٤) لأنه لو جحد، فالشهود يشهدون. وكذلك ذكروا الإشهاد على طلب التفريغ في الحائط المائل على طريق الاحتياط، لا لأنه شرط صحة التفريغ. كذا في «الذخيرة» (٥) و «المغني»» (٦). ويصح الطلب بكل لفظ يُفهم منه طلب الشفعة، حتى يحكى (٧) عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل البخاري ﵀ (٨) - لو وجبت الشفعة لقروي، فقال: شفعه [شفعه] (٩)، كان ذلك منه طلبًا صحيحًا تامًّا. كذا في «الذخيرة» (١٠). وذكر في «المغني»: «و [منهم] (١١) من يقول: أطلب الشفعةَ وآخذها، ولو قال: طلبت الشفعة وأخذتها بَطَلت شفعته (١٢). وأصل الاختلاف في عزل الوكيل، وقد ذكرناه بدلائله وأخواته فيما تقدم» (١٣). أراد به ما ذكره في أواخر فصل (القضاء بالمواريث)، وهو من فصول كتاب «أدب القاضي». وأراد [به] (١٤) بأخواته: المولى إذا خبَّر (١٥) بجناية عبده، والشفيع، والبكر، والمسلم الذي لم يهاجر، وهذا بخلاف المجبرة إذا أجبرت عنده- أي: عند أبي حنيفة ﵀ (١٦) - يعني: أن المجبر إذا أجبر المرأة بأن زوجها جبرها في نفسها صارت المرأة مخيرة، سواء كان الجبر عدلاً أو غير عدل، حتى لو اختارت نفسها في مجلسها يقع الطلاق، وإلا فلا، ولا يشترط في المجبر (١٧) أخد شرطي الشهادة، بخلاف مجبر الشفيع بالبيع، حيث يشترط فيه أبو حنيفة أحد شرطي الشهادة، وهو العدد أو العدالة على ما ذكر.

стр. 4241

والخلاف ما إذا أخبره المشتري حيث لا يشترط في المشتري أيضًا أحد شرطي الشهادة، يعني: أن المشتري إذا قال للشفيع: قد اشتريت، فلم يطلب الشفيع شفعته [بطلب شفعته] (١)، وإن لم يكن المشتري عدلاً؛ لأن المشتري خصم في هذا، والعدالة في الخصوم/ ليست بشرط. كذا في «الإيضاح» (٢). والثاني: طلب التقرير والإشهاد، وهذا الطلب إنما يصح عند حضرة واحد من الثلاثة؛ إما المشتري، وإما البائع، وإما الدار، ومدة هذا الطلب مقدرة بالتمكن من الإشهاد عند حصره أحد هؤلاء الثلاثة حتى لو تمكن ولم يطلب بطلت شفعته. قال شيخ الإسلام في «شرحه» (٣): «إن الشفيع إنما يحتاج إلى طلب المواثبة، ثم إلى طلب الإشهاد بعده إذا لم يمكنه الإشهاد عند طلب المواثبة بأن سمع الشرى حال غيبته عن المشتري والبائع والدار. أما إذا سمع الشرى عند حضرة أحد هؤلاء فطلب (٤) طلب المواثبة، وأشهد على ذلك فذلك يكفيه، ويقوم ذلك مقام طلبين. فإن قصد الأبعد من هذه الأشياء الثلاثة، وترك الأقرب، فإن كانوا جملة في مصر واحد فالقياس أن يبطل شفعته. وفي الاستحسان: لا يبطل لأن نواحي المصر جعلت كناحية واحدة حكمًا، ولو كانوا في مكان واحد حقيقة، وطلب [عند] (٥) أحدهم، وترك الطلب عند الآخرين، أليس أنه يصح طلبه؟ كذا هاهنا. أما لو كان الشفيع بحضرة أحد هؤلاء الثلاثة والآخران في مصرٍ آخر، أو في رستاق هذا المصر الذي الشفيع فيه؛ فقصد الأبعد وترك الطلب عند من هو بحضرته بطلت شفعته قياسًا واستحسانًا؛ لأن مصرًا آخر أو رستاق (٦) هذا المصر مع هذا المصر لم يجعل كمكان واحد، فإذا ترك الطلب عند الأقرب فقد ترك الطلب مع الإمكان، فيبطل بنهض منه؛ أي: يقوم ويشهد على البائع إن كان المبيع في يده، وأما إذا لم يكن المبيع في يده- ذكر أبو الحسن القُدوري والناطفي (٧): أنه لا يصح الطلب عنده (٨).

стр. 4242

وذكر شيخ الإسلام أنه صحيح استحسانًا (١). وهكذا ذكره (٢) الشيخ الإمام أحمد الطواويسي (٣): أو على [مهر] (٤) المشاع، أي: المشتري؛ أطلق هذا، ولم يقيد بكون الدار في يد المشتري؛ لأن هذا لا يتفاوت؛ فإن الطلب عند المشتري صحيح، سواء كانت الدار في يد المشتري، أو في يد البائع. هذا كله من «الذخيرة»» (٥)؛ معناه: إذا تركها من غير عذر. وفي «الذخيرة» و «المغني» (٦) فإن ترك الشفيع الطلب الثالث، يعني بعدما طلب الطلبين [لو لم] (٧) يرفع الأمر [إلى] (٨) القاضي حتى يقضي له بالشفعة، هل تبطل شفعته؟ أجمعوا على أنه إذا ترك هذا الطلب بعذر من مرض أو حبس، أو غير ذلك، ولم يمكنه التوكيل بهذا الطلب: أنه لا تبطل شفعته، وإن طالت المدة، وإن ترك هذا الطلب بغير عذر، فعلى قول أبي حنيفة: لا تبطل شفعته، وإن طالت المدة، وعلى قولهما: تبطل إذا طالت المدة. واختلفت الروايات عنهما في طول المدة؛ ففي رواية عن محمد: قدر بثلاثة أيام (٩). وفي رواية أخرى: [قدره] (١٠) بشهر، وهو إحدى الروايات عن أبي يوسف (١١). قال (١٢) [شيخ الإسلام ﵀] (١٣): «الفتوى اليوم على هذا» (١٤). وهكذا ذكره (١٥) أيضًا في «الجامع الصغير» لقاضي خان، فكان ما اختاره في الكتاب بأن الفتوى على قول أبي حنيفة مخالفًا لروايات هذه الكتب (١٦). وذكر في «الذخيرة» (١٧) و «المغني» (١٨) الشفيع بالجواز (١٩) إذا خاف أنه لو طلب الشفعة عند القاضي، والقاضي لا يرى ذلك تبطل شفعته فلم يطلب فهو على شفعته؛ لأن هذا عذر.

стр. 4243

وحكى عن الإمام الزاهد عبد الواحد الشيباني (١) أنه قال: إذا كان الشفيع علم بالشرى، وطلب طلب المواثبة ثبت حقه، لكن إذا قال بعد ذلك علمت منذ (٢) كذا وطلبت لا يصدق على الطلب، ولو قال: ما علمت إلا الساعة يكون كاذبًا، فالحيلة في ذلك: أن يقول [لإنسان] (٣): أخبرني بالشرى؛ فأخبره، ثم يقول: الآن أُخبرتُ ويكون صادقًا، وإن كان أخبر قبل ذلك؛ لأنه أجل؛ أي لأن الشهر أجل، وما دونه عاجل بدليل مسألة اليمين ليقضي حقه عاجلاً فقضاه فيما دون الشهر بَرَّ في يمينه، وما ذكر من الصور (٤) يُشكل [بما] (٥) إذا كان غائبًا، أي: إذا كان الشفيع غائبًا، ولا فرق في حق المشتري، أي: لا فرق في لزوم الضرر على المشتري بين أن يكون الشفيع حاضرًا أو غائبًا، ثم لم يعتبر ضرره (٦) فيما إذا كان الشفيع غائبًا حيث لم يَبطل حق الشفعة بتأخير هذا الطلب، وهو طلب الخصومة فيما إذا كان غائبًا بالاتفاق؛ فيجب ألَّا يبطل أيضًا فيما إذا كان الشفيع حاضرًا، وآخر طلب الخصومة (٧). وفي «الذخيرة» (٨): وإذا (٩) كان الشفيع غائبًا، فعلم بالشرى فإنه ينبغي/ أن يطلب [طلب] (١٠) المواثبة، ثم له من الأجل على قدر المسير إلى المشتري أو البائع أو الدار المبيعة لطلب الإشهاد والتقرير، فإذا مضى ذلك الأجل، وهو قدر المسير إلى أجل (١١) هذه الأشياء قبل أن يطلب هذا الطلب، أو أن يبعث من يطلب فلا شفعة له، فإن قدم المصر الذي فيه الدار فتغيب المشتري فطلب الشفيع طلب الإشهاد والتقرير عند البائع إذا كانت الدار في يده، أو عند الدار، ثم ترك الطلب الآخر، فإنه لا يبطل شفعته، وإن طال ذلك بلا خلاف؛ لأنه إنما ترك هذا الطلب بعذر؛ لأنه لا يمكنه اتباع المشتري لأجل الخصومة؛ لأنه كلما قدم مصرًا فيه المشتري ليخاصمه، ويأخذ منه يهرب المشتري إلى مصرٍ آخر، وترك هذا الطلب بعذر لا يُوجب بطلان الشفعة.

стр. 4244

وقوله: (لا تبطل شفعته بالتأخير)، أي: بتأخير هذا الطلب، وهو طلب الخصومة، وإذا تقدم الشفيع إلى القاضي هذا هو [طلب] (١) كيفية الخصومة التي كان وعدها قبل هذا، فادعى الشرى، وطلب الشفعة، وصورة ذلك: أن يقول الشفيع للقاضي: إن فلانًا اشترى دارًا، وتبين مصرها ومحلتها وحدودها، وأنا شفيعها بدار لي، وتبين حدودها؛ فمره بتسلمها إليَّ، وإنما يتبين هذه الأشياء؛ لأن الدعوى إنما تصح في المعلوم، وإعلام العقار بهذه الأشياء؛ فبعد ذلك مسألة القاضي: أن المشتري هل قبض الدار أم لا؟ لأنه إذا لم يقبضها من البائع لا تصح الدعوى على المشتري ما لم يحضر البائع؛ لأن اليد للبائع، فإذا ذكر القبض منع (٢) أن يسأله بأي سبب تدعي الشفعة، وهذا لأن أسباب الشفعة مما يختلف فيها العلماء؛ بعضهم قالوا: تثبت الشفعة للجار المقابل، وهو قول شريح. ذكره في «المبسوط» إذا كان أقرب بابًا (٣). وعندنا: الشفعة على مراتب، فلابد من أن يبين سببها؛ لينظر القاضي أن ما زعمه سببًا: هل هو سبب؟ وبعد أن يكون سببًا: هل هو محجوب بغيره، وإذا بين المدعي أنه ليس بمحجوب بغير مثاله (٤) القاضي: متى علمت بالشرى؟ وكيف ضعت حين علمت؟ قال مشايخنا ﵏: «والصحيح: أن القاضي يقول [له] (٥): متى أخبرت بالشرى؟ وكيف صنعت حين أخبرت بالشرى؟ وإنما اختاروا الإخبار؛ لأن العلم لا يثبت إلا بدليل مقطوع به، والشفعة تبطل بترك الطلب بعد وصول الخبر إليه، وإنما يسأله عن وقت الإخبار، أو وقت العلم حتى يرى القاضي أن المدة هل تطاولت من وقت العلم، أو من وقت الإخبار إلى وقت المرافقة (٦) إلى القاضي، فإن عند أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- إذا تطاولت المدة؛ فالقاضي لا يلتفت إلى دعواه. وعليه الفتوى. ثم إذا سأله عن طلب المواثبة؛ فقال: طلبت حتى (٧) علمت، أو قال: حتى (٨) أخبرت من غير لبث- سأله عن طلب الإشهاد: هل طَلَبَ طَلَبَ الإشهادِ بعد ذلك من غير تأخير وتقصير؟ فإن قال: نعم؛ سأله: أين الذي طلب بحضرته؟ هل كان أقرب إليه من غيره؟ فإن قال: نعم؛ تبين أن الإشهاد قد صح، ثم إذا بين ما يصح عنده الطلب، فقد صحح دعواه، وبعد (٩) ذلك [إلى] (١٠) القاضي يسأل (١١) المدعَى عليه عن دعوى المدعي، فإن أنكر أن يكون شفيعها، وأنكر سبب شفعته، فإن كان المدعي ادعى الشفعة بسبب الجواز (١٢)، والمدعى عليه أنكر أن يكون المدعي جارًا للدار المشتركة (١٣)، وأن تكون الدار التي بجنب الدار المشتراة ملك المدعي، فالقول قوله، وإن كانت تلك الدار في يد المُدَّعي، فعلى المدعي أن يُقيم البينة على أن تلك الدار ملكه؛ لأن اليد محتملة؛ يحتمل أن تكون يد ملك، ويحتمل أن تكون يد إجارة أو عارية، والمحتمل لا يصلح حجة.

стр. 4245

أقصى ما فيه: أن الظاهر أن يدها يد ملك، ولكن الظاهر يكفي لإبقاء ما كان على ما كان، ولا يكفي لاستحقاق أمر لم يكن، وحاجة الشفيع إلى الاستحقاق على المشتري، والظاهر لا يكفي بذلك (١)، وإن لم يكن له بينة وأراد استحلاف المشتري، فله ذلك لأنه هو المنكِر في الحقيقة، ثم على قول أبي يوسف: يستحلف على العلم، وعلى قول محمد: على الثبات لأن [هو] (٢) المدعي يَدعي عليه استحقاق الشفعة بهذا السبب، وصار كما لو ادعى الملك بسبب الشرى/ أو غيره، وهو ينكر، وهناك يحلف على الثبات، كذا هاهنا، فبعد ذلك ينظر إن كان المدعى عليه مقرًّا أن المدعي طلب طلب المواثبة وطلب الإشهاد؛ فقد ثبت ما ادعاه؛ وإن كان منكِرًا وجب على المدعي إقامة البينة على ذلك، [وكذلك] (٣) في غيره. كذا في «الذخيرة» (٤). وهذا الذي ذكرتُه أبين مما [أجاز بأنه] (٥) على الكتاب الموسوم ب «التجنيس، والمزيد» (٦)، وهما معًا اسم كتاب واحد للمصنف في الفتاوى. وقوله: (ولا يحلفه (٧) البينة)، أي: [لا] (٨) يعترف المشتري بملكه الذي شفع (٩) به، كلف القاضي الشفيع إقامة البينة؛ يشهدون على أن الذي يشفع به ملك الشفيع. هذا هو ظاهر الرواية، فإنه لا يقضي القاضي له بالشفعة حتى يثبت ملكه بالبينة. وعن أبي يوسف أن القولَ في ذلك قولُ الشفيع، ويقضى له بالشفعة (١٠)، وهو قول زفر؛ لأن طريق معرفة الملك اليد، ولهذا تجوز الشهادة بالملك لذي (١١) اليد باعتبار يده، وكما أن القاضي لا يقضي إلا بالعلم فكذلك الشاهد لا يجوز له أن يشهد إلا بالعلم، ولما صلح ظاهر اليد لذلك هناك وجب أن يصلح هاهنا (١٢). ووجه ظاهر الرواية: أن الملك باعتبار اليد يثبت من حيث الظاهر، والظاهر حجة لدفع الاستحقاق، لا للاستحقاق على الغير، ولهذا جعلنا اليد حجة للمدعى عليه؛ ليدفع بها استحقاق المدعي، وحجة في حق الشاهد ليدفع بها استحقاق مَن ينازعه، وحاجة ذي اليد هاهنا إلى إتيان الاستحقاق فيما في يد الغير، والظاهر لا يكفي لذلك، فلابد من أن يثبت له الملك بالبينة، وهو نظير ما لو طعن المشهود عليه في الشاهد أنه عبد يحتاج إلى إقامة البينة على حريته؛ لأن ثبوت حريته باعتبار الظاهر، وإذا وجد قتيل في دار إنسان فأنكرت عاقلته كون الدار له يحتاج إلى إثبات الملك بالبينة؛ ليقضى بالدية على عاقلته. كذا في باب (الوكالة بالشفعة) من شفعة «المبسوط» (١٣).

стр. 4246

فإن عجز عن البينة استحلف المشتري بالله ما يعلم أنه مالك (١) هذا الدار (٢). ذكره من الاستحلاف (٣) على العلم، هو (٤) قول أبي يوسف (٥). وأما على قول محمد: فعلى الثبات (٦). وقد ذكرتُه من «الذخيرة» (٧)، وذكرنا الاختلاف بتوفيق الله تعالى، وهو ما ذكره في فصل (كيفية اليمين والاستحلاف) من كتاب (الدعوى) بقوله: «فيحلف على الحاصل في هذه الوجوه، إلى أن قال: «وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله؛ أما على قول أبي يوسف: «يُحَلَّف في جميع ذلك على السبب»، إلى آخره (٨). وفي «الذخيرة»: «وإن أنكر المدعى عليه جميع ذلك بأن قال: لا شفعة له قبلي (٩)، فالقول قوله، ويسأل القاضي المدعي: هل لك بينة على ما تَدَّعي؟ فإن قال: لا بينة لي، وطلب يمين المدعَى عليه حلَّفه القاضي؛ لأنه ادَّعى عليه معنى لو أقَرَّ به يلزمه، فإذا أنكر يُستحلف، كما في سائر الدعاوى، ثم القاضي يُحَلِّفه على السبب: بالله ما اشتريت الدار التي بُيِّن حدودها وَوُصف في هذه الدَّعوى، ولا يُحلفه على الحاصل: بالله ما لهذا قبلك شفعة من (١٠) الوجه الذي ادُّعِي. وإنما حُلِّف على السبب نظرًا للمدعي؛ لأن الدعوى وقعت في الشفعة بسبب الجواز (١١)، وبين العلماء اختلاف ظاهر في استحقاق الشفعة بالجواز (١٢)، فلو حلفناه على الحاصل ربما يتأول قول من لا يرى استحقاق الشفعة بالجواز (١٣) فلا يحنث في يمينه، فيتضرر به المُدَّعي. فإن قيل: كما أن التحليف على الحاصل ضرر للمدعي [ففي التحليف] (١٤) على السبب ضرر للمُدَّعى عليه لجواز أنه اشترى، ولا شفعة للشفيع، فإن سكت عن الطلب أو سلم الشفعة قلنا: القاضي لا تجديد أمر (١٥) إلحاق الضرر بأحدهما، فكان مراعاة جانب المدعي بالنظر له، ودفع الضرر عنه أولى؛ لأن السبب الموجب للشفعة في حقه [قد] (١٦) وجد، وسقوط الحق بعد وجود سبب وجوبه إنما يكون بعارض المسقط، فيجب التمسك بالأصل حتى يقوم الدليل على خلافه.

стр. 4247

وجه الظاهر: أنه لا ثمن له عليه قبل القضاء، يعني: لا ثمن للمشتري على الشفيع قبل قضاء القاضي بالشفعة للشفيع، [فكيف يطالب المشتري الثمن من الشفيع قبل الوجوب فلابد من قضاء القاضي له بالشفعة] (١) حتى يتمكن المشتري من مطالبة الثمن عن الشفيع. إلى هذا أشار في «المبسوط» (٢). وقال بعد قول محمد: «ولكنا نقول: ما لم يجب الثمن عليه لا يطالب بإحضاره، ووجوب الثمن عليه بقضاء القاضي له بالدار، فالقاضي يَقضي له بحقه قبل إحضار الثمن/، ويجعل المشتري أحق بإمساكها إلى أن يستوفي الثمن، فيدفع الدار إليه، كما هو الحكم بين البائع والمشتري» (٣). وذكر في «الذخيرة» محيلاً إلى «شرح الطحاوي» فقال: «وفي «شرح الطحاوي»: لا ينبغي للقاضي أن يقضي للشفيع حتى يحضر الثمن، وإن قضى لا ينفذ (٤) قضاؤه، ولكن للمشتري أن يحبس الدار حتى ينقد الشفيع الثمن، فإن الشفيع لو قال: ليس عندي الثمن أحضره اليوم، أو قال: غدًا، أو ما أشبه ذلك، فالقاضي لا يلتفت إلى ذلك، ويبطل حقه في الشفعة» (٥). ثم قال: «فرق بين هذا وبين المشتري مع البائع، فإن المشتري إذا لم يدفع الثمن إلى البائع في الحال، وماطله في ذلك لا يبطل الشراء، والفرق أن البائع لما أزال البيع عن ملكه قبل وصول الثمن إليه فقد أضرَّ بنفسه عن اختيار فلا ينظر له بإبطال ملك المشتري، وإنما ينظر له بإثبات ولاية حبس المبيع، فأما المشتري هاهنا فلا يزيل ملك نفسه عن اختيار ليقال: أضر بنفسه قبل وصول الثمن إليه، بل الشفيع يتملك عليه كرهًا؛ دفعًا للضرر عن نفسه، وإنما يجوز للإنسان دفع الضرر عن نفسه على وجه لا يضر بغيره، ودفع الضرر عن المشتري بإبطال [حق] (٦) الشفعة إذا قال: ليس عندي الثمن، أو قال: أحضره غدًا. وقوله: (فيحبس له)، أي: يحبس المبيع في يد المشتري حتى يأخذ الثمن، وهي أن البيع في حق المشتري إذا كان ينفسخ لابد من حضوره؛ ليقضي بالفسخ عليه، فيكون اشتراط حضور المشتري معلولاً بعلتين؛ بعلة أنه يصير مقضيًّا عليه في حق الملك؛ لأنه ذكر قبل هذا بقوله؛ لأن الملك للمشتري، واليد للبائع، والقاضي يقضي بهما للشفيع، فلابد من حضورهما، وبعلة أنه يصير مَقضيًّا عليه في حقِّ الفسخ؛ فما ذكر هاهنا بقوله ليقضي بالفسخ عليه، والقضاء على الغائب لا يجوز ملكًا أو فسخًا، فلابد من حضوره، ثم وجه هذا الفسخ المذكور، وهو قوله: (فيفسخ البيع بمشهد منه)، أن يفسخ، أي: عند فسخ القاضي في حق الإضافة، أي: إضافة البيع إلى المشتري المراد من الإضافة [هو] (٧) انتقال كاف الخطاب في قول البائع: بعتُ منك من المشتري إلى الشفيع، فصار كأن البائع خَاطَبَ الشفيعَ بقوله: بعتُ منك.

стр. 4248

وقوله: (لامتناع قبض المشتري) يتعلق بقوله: (أن ينفسخ). وقوله: (بالأخذ)، أي: بسبب أخذ الشفيع بالشفعة، يعني: لما أخذ الشفيع الدار بالشفعة من المشتري يفسخ القاضي البيع الذي جرى بين البائع والمشتري صار ذلك الانفساخ الحاصل من فسخ القاضي منحصرًا في حق المشتري، لا في حق البائع، وصار الشفيع بسبب أخذ الدار بالشفعة قائمًا مقام المشتري في حق كاف الخطاب الذي خاطبه البائع بقوله: بعت منك، فصار كأن البائع أضاف البيع إلى الشفيع تقديرًا في ذلك الخطاب. وإنما قلنا: إنه انفسخ في حق المشتري؛ لأنه لما قام الشفيع مقام المشتري في حق إضافة البيع، والدار غير مقبوضة للمشتري، والكلام فيه، ولا يقبضها أبدًا بهذا البيع صار كأن المبيع هلك قبل أن يقبل (١) إلى المشتري، وذلك يوجب انفساخ العقد، فكذا هنا، وإنما احتجنا إلى هذا التكلف كله من انفساخ البيع في حق المشتري دون البائع؛ لأنه لو انفسخ البيع من كل وجه في حق البائع والمشتري جميعًا صار كأن البيع لم يكن أصلاً؛ لأن الانفساخ من كل وجه عبارة عنه، فحينئذ يَبطل حق الشفعة أيضًا؛ لأن الشفعة إنما يجب بالبيع، فلو قلنا بالفسخ في حقهما جميعًا صار كأن البيع لم يكن موجودًا أصلاً، فلا تجب الشفعة، وما جعلنا الفسخ في حق المشتري إلا لأجل إيجاب الشفعة للشفيع، فلذلك أثبتنا عقد البيع في حق البائع؛ ليكون أخذ الشفيع الشفعة بناء عليه. وإلى هذا أشار بقوله: (إلا أنه يبقى أصل البيع لتعذر انفساخه؛ لأنَّ الشفعة بناء عليه، ولكنه تتحول الصفقة إليه)، وأوضح هذا التقرير في «الإيضاح» و «الذخيرة»، فقال في «الذخيرة»: «فإن أخذها من البائع فعهدته وضمان ماله على البائع عندنا؛ لأن بالأخذ من البائع ينفسخ العقد الذي جرى بين البائع والمشتري، ويقع التملك على البائع، وهو المذهب عند علمائنا، ثم قال: وقيل معنى انتقاض المبيع فيما بين البائع والمشتري: الانتقاض/ في حق الإضافة إليه، فإن قول البائع للمشتري: بعت هذه الدار إثبات للبيع (٢). وقوله: (منك) إضافة إليه، فإذا أخذها الشفيع بالشفعة تقدم على المشتري، فصار ذلك البيع مضافًا إلى الشفيع بعد أن كان مضافًا إلى المشتري، وانتقضت الإضافة إلى المشتري، ونظيره في المحسوسات: مَن رمى سهمًا إلى رجل فتقدم عليه غيره، وأصابه السهم، فالرمي في نفسه لم ينقطع، ولكن التوجيه إلى الأول قد انقطع بتحلل هذا الثاني؛ فخرج الأول من أن يكون مقصودًا بالرمي.

стр. 4249

فإن قلت: يشكل على هذا الأصل ما ذكره بعد هذا في الكتاب في آخر هذا الباب الذي يجب (١) فيه، وفي الباب السادس من شفعة «الجامع الكبير» (٢)، وهو مسألتان: إحداهما: أن المشتري إذا اشترى دارًا قد رآها قبل الشرى، فليس له فيها خيار الرؤية، ثم لو كان للدار شفيع وأخذها بالشفعة قبل أن يقبضها المشتري، فله فيها خيار [الرؤية] (٣)، فقد أثبت محمد خيار الرؤية للشفيع في هذه المسألة، ولو بجواب (٤) الصفقة الموجهة إلى المشتري إلى الشفيع لما ثبت للشفيع خيار الرؤية. ألا ترى أن الموكل بالشرى إذا ملك (٥) المشتري بطريق يحول (٦) صفقة الوكيل إليه لا يثبت خيار الرؤية للموكل إذا لم يثبت للوكيل بأن كان الوكيل قد رآه قبل الشرى. والثانية: أن المشتري إذا اشترى دارًا على أن البائع بريء من كل عيب بها، ولم يقبضها بعد، ثم أخذها الشفيع بالشفعة، واطلع على عيب بها كان له أن يردها، ولو كان الأخذ بالشفعة بطريق تحول الصفقة الثانية [للمشتري إلى الشفيع] (٧)؛ لما ثبت للشفيع ولاية الرد بالعيب، كما لم يكن هو للمشتري» (٨). قلت: ما ذكره في الكتاب بأن الصفقة تتحول من المشتري إلى الشفيع من غير تجديد العقد بين المشتري والشفيع هو اختيار بعض المشايخ. وأما اختيار عامة المشايخ فينتقل الدار من المشتري إلى الشفيع بعقد جديد بينهما؛ استدلالاً بهاتين المسألتين. وأما جواب المشايخ الذين قالوا: تتحول الصفقة من المشتري إلى الشفيع من غير عقد جديد بينهما عن هاتين المسألتين هو: أن العقد يقتضي سلامة المعقود عليه من العيب، وإنما تغير في حق المشتري بعارض الشرط، وشرط البراءة وجد من المشتري دون الشفيع، فتحولت (٩) الصفقة إلى الشفيع مُوحية للسلامة نظرًا إلى الأصل. وكذلك لو كان المشتري رأى بالدار عيوبًا عند الشرى (١٠) وقبله، ولم ير الشفيع شيئًا من ذلك كان للشفيع أن يردها بالعيب؛ لما قلنا: إن براءة البائع عن العيوب في حق المشتري إنما كان بعارض قبول المشتري، ولم يوجد ذلك العارض في حق الشفيع، والأصل هو السلامة عن العيب فيكون له ولاية الرد بالعيب. كذا ذكره في «الجامع الكبير» (١١) للإمام المعروف بصدر حميد (١٢).

стр. 4250

وأما مسألة الوكيل: فإن الموكل لما وكل الوكيل بالشرى فقد أقامه مقام نفسه، ورضي ما فعله على نفسه، فكان سقوط خيار الرؤية من الموكل ضررًا مرضيًّا بتوكيله، فلم يكن له الرد بخيار الرؤية كذلك. وأما هاهنا بخلافه فإن الشفيع لم يوكل المشتري بالشرى، وذكر في «الجامع الكبير» لقاضي خان في ذلك الباب: الأخذ بالشفعة بمنزلة الشرى؛ لأنه تملك ببدل، فيكون الشفيع بمنزلة المشتري، والمأجور (١) منه بمنزلة البائع، وبقيت أحكام البيع إلا حكم الغرور. قوله: (فتسليمه إليه)، أي: فتسليم الوكيل إلى الموكل (كتسليم البائع إلى المشتري، فتصير الخصومة معه)، أي: مع الموكل (٢)، كما أن الخصومة يكون (٣) مع المشتري إذا سلم البائع الدار إليه، إلا أنه مع ذلك قائم مقام الموكل، فيكتفى بحضوره، أي: بحضور الوكيل في الخصومة قبل التسليم. هذا كله جواب لسؤال مُقَدَّر يَرد على قوله: (لأن الوكيل كالبائع) من الموكل، وهو أن يقال: لو كان الوكيل بالشرى كالبائع من الموكل [كان] (٤) ينبغي أن يشترط حضور الوكيل والموكل جميعًا في الخصومة في الشفعة إذا كانت الدار في يد الوكيل، كما أن الحكم كذلك في البائع والمشتري، فإن الدار إذا كانت في يد البائع بعد شرى المشتري الدار منه لو خاصم الشفيع البائع في طلب الشفعة عند القاضي يشترط (٥) حضور المشتري مع حضور البائع في قضاء القاضي بالشفعة للشفيع؛ لما أن اليد للبائع، والملك للمشتري على ما ذكروها (٦) هنا لا يشترط حضور/ الموكل مع أن الموكل قائم مقام المشتري، بل يُكتفى بحضور الوكيل الذي هو قائم مقام البائع. فالجواب عنه: [هو] (٧) أن الوكيل بالشرى هاهنا ثابت عن الموكل، فيكون حضوره كحضور الموكل، ولا كذلك ثمة؛ لأن البائع ليس بثابت عن المشتري فلا يكتفى لذلك بحضور البائع. وكذا (٨) إذا كان البائع وصيًّا لميت، أي يكون الخصم للشفيع هو الوصي، يعني: إذا كان الورثة صغارًا فيما يجوز بيعه قُيِّد به؛ لأنه لا يجوز بيع الوصي ولا شراؤه إلا بما يتغابن الناس في مثله [على ما يجيء في موضعه إن شاء الله تعالى] (٩)، [ولا يجوز فيما يتغابن الناس في مثله على ما يجيء في موضعه إن شاء الله تعالى] (١٠)؛ لأن ولاية الوصي نظر به، ولا نظر في الغبن الفاحش فلا يجوز ذلك، أو نقول -وهو الصحيح- لأنه هو المذكور في «المبسوط» هو أن قوله: فيما يجوز بيعه احتراز عن وصي ببيع التركة مع أن الورثة كبار كلهم، فإن ذلك لا يجوز؛ لأنه قال في الباب الأول من «شفعة المبسوط»: «البائع إذا كان وصيًّا لميت إلا أن الورثة إذا كانوا كبارًا كلهم، وليس على الميت دين ولم يوص بشيء يباع فيه الدار -لم يجز بيع الوصي؛ لأن الملك للورثة وهم متمكنون من النظر لأنفسهم، وإن كان فيهم صبي صغير جاز بيع الوصي في جميع الدار، وكذلك إن كان عليه دين أو أوصى بوصي من ثمن الدار، وهو استحسانٌ ذهب إليه أبو حنيفة [﵁] (١١)، وفي القياس لا يجوز بيعه إلا في نصيب الصغير خاصة، أو بقدر الدين والوصية، ثم فيما جاز بيعه كان للشفيع أن يأخذ الدار منه بالشفعة إذا كانت في يده، [والله أعلم] (١٢) (١٣).

стр. 4251

فصل في الاختلاف لما ذكر مسائل الاتفاق بين الشفيع والمشتري في الثمن، وهو الأصل- شَرع في بيان مسائل الاختلاف بينهما فيه، فالمشتري لا يَدَّعي عليه شيئًا؛ لأنه لم يجب له على الشفيع شيء حتى يحلف الشفيع ليخيره، أي: ليخير الشفيع ولا نص هاهنا، إنما النص في حق البائع والمشتري مع وجود معنى الإنكار من الطرفين هناك، فوجب اليمين (١) لذلك في الطرفين، ولم يوجد الإنكار هاهنا (٢) في طرف الشفيع فلم يكن في معنى [ما] (٣) ورد فيه النص، فلذلك لم يجب التحالف هنا، وإن كان الشفيع والمشتري بمنزلة البائع والمشتري، ولكن لمعنى (٤) فارق بينهما لم يكن ورود النص بالتحالف هنا بمنزلة الورود هنا، فصار كبينة البائع، [أي: مع المشتري، يعني: لو اختلف البائع والمشتري في مقدار الثمن، وأقاما البينة، كانت بينة البائع] (٥) أولى بالقبول لما فيها من إثبات الزيادة والوكيل، أي: وكبينة الوكيل مع بينة الموكل بالشرى مع الموكل إذا اختلفا في مقدار الثمن، وأقاما البينة كانت البينة بينة الوكيل، لا (٦) تثبت الزيادة والمشتري من العدو، أي: وكبينة المشتري من العدو مع بينة المولى القديم، فإن المشتري من العدو مع المولى القديم إذا اختلفا في ثمن العبد المأسور و [أقاما البينة] (٧) كانت البينة بينة المشتري من العدو، ولما فيها من إثبات الزيادة. ولهما (٨): أنه لا تنافي بين السببين في حق الشفيع. ألا ترى أنه لو اشترى مرتين مرة بألف، ومرة بألفين كان للشفيع أن يأخذ بأيهما شاء؛ فعرفنا أنه لا تنافي بينهما في حقه، والاشتغال بالترجيح عند تعذر العمل بهما، فأما مع إمكان العمل بالبينتين فلا معنى للمصير إلى الترجيح؛ فيجعل في حق الشفيع [إلى] (٩) كأن الشرائين جميعًا ثابتان، فله أن يأخذ بأيهما شاء، وهو نظير المولى مع العبد إذا اختلفا فقال المولى: قلت لك: إذا أديت إليَّ ألفين فأنت حرٌّ. وقال العبد: قلت لي: إذا أدَّيت إليَّ ألفًا فأنت حر. فأقاما البينة، فإن بينة العبد تقبل بهذا الطريق، وهو أنه لا منافاة بينهما، فيجعل كأن الكلامين صَدَرَا من المولى، ويُعتق العبد بأداء أيِّ المَالين شيئًا بخلاف البائع مع المشتري إذا اختلفا؛ لأن هناك العمل بالبينتين غير ممكن، فالعقد الثاني في حقهما ناسخ للأول، فلهذا صرنا إلى الترجيح بالزيادة كيف وأيتهما (١٠) ممنوعة على ما روي عن محمد، فإن ابن سماعة (١١) روى عن محمد (١٢) أنَّ البينة بينة الموكل؛ لأن الوكيل صدر منه إقراران؛ أي: بحسب ما تُوجبه البينتان، فكان للموكل أن يأخذ بأيهما شاء، فأما في ظاهر الرواية (١٣)، فقلنا: الوكيل مع الموكل كالبائع/ مع الموكل، كالبائع مع المشتري، ولهذا يجري التخالف بينهما عند الاختلاف في الثمن، وقد بيَّنا القدر منه.

стр. 4252

وأما المشتري من العدو يعني: أن المشتري من العدو والمولى القديم إذا اختلفا فقد نص في «السير الكبير» (١) أن البينة بينة المولى القديم، ولم يذكر فيه قول أبي يوسف لما بينهما من الوحشة حين صنف «السير الكبير»، ولئن سلمنا فهناك العمل بالبينتين غير ممكن في حق المولى القديم؛ لأن الشرى الثاني ناسخ للأول، فصرنا إلى الترجيح بالزيادة بهذا. وهذه طريقة لأبي (٢) حنيفة في هذه المسألة حكاها محمد، والطريقة الثانية حكاها أبو يوسف، وهي قوله في الكتاب: «ولأن بينة الشفيع ملزمة، وبينة المشتري غير ملزمة، والبينتان للإلزام، بيان هذا: أنه إذا قبلت بينة الشفيع وجب على المشتري تسليم الدار إليه [بألف] (٣) شاء، أو إلى (٤)، وإذا قبلت بينة المشتري لا يجب على الشفيع شيء، ولكنه يتخير بين أن يأخذ أو يترك، وبه فارق بين البائع والمشتري؛ لأن كل واحد من البينتين هناك ملزمة، وكذلك بينة الوكيل مع الموكل كل واحد منهما ملزمة، فلهذا صرنا إلى الترجيح بالزيادة، وفي (٥) مسألة المشتري من العدو يقول على هذه الطريقة: البينة بينة المولى القديم؛ لأنها ملزمة، وبينة المشتري غير ملزمة. هذا كله في الباب الأول من «شفعة المبسوط» (٦). وإذا ادَّعى المشتري شيئًا، وادَّعى البائع أقل منه، ولم يقبض الثمن إلى آخره، ولم يتعرض لبيان أن الدار في يد البائع أو في يد المشتري؛ لأن ذلك لا يختلف؛ لأنه ذكر في «الإيضاح» (٧): «فإذا اختلف البائع معهما، أي: مع المشتري والشفيع والدار في يد البائع أو المشتري، ولم ينقد الثمن، فالقول [في ذلك] (٨) قول البائع، ويتحالفان، [ويترادان] (٩)، وإن ادَّعى البائعُ الأكثر، أي: الأكثر مما قاله المشتري والشفيع؛ لأنه وضع هذه المسألة في «المبسوط» (١٠) و «الذخيرة» (١١) في اختلاف (١٢) هؤلاء الثلاثة بأن قال الشفيع: [الثمن] (١٣) ألف. وقال المشتري: ألفان. وقال البائع: ثلاثة آلاف. فإن أقاموا البينة، فالبينة بينة البائع؛ لأنها تُثبت الزيادة.

стр. 4253

ولو كان اختلافهم في الثمن قبل نقد الثمن، فهو على وجهين: الأول: أن تكون الدار في يد البائع، وفي هذا الوجه ينظر إن كان ما قاله البائع [أقل مما قالا، فالقول قول البائع، ويأخذ الشفيع بذلك من غير يمين على أحد، وإن كان ما قاله البائع] (١) أكثر مما قالا، فالبائع مع المشتري يتحالفان، فبعد ذلك إن نكل البائع فالشفيع يأخذ بألفين، وإن نكل المشتري لزمه ثلاثة آلاف درهم، والشفيع يأخذ بثلاثة آلاف درهم إن شاء، وليس له أن يأخذها بألفي درهم، وإن حلفا وطلبا الفسخ من القاضي، أو طلب أحدهما ذلك، وفسخ القاضي العقد بينهما، فالشفيع يأخذ بما قاله البائع إن شاء، ففسخ العقد مما لا يبطل حق الشفيع خصوصًا على قول العامة، فإن عندهم من ضرورة أخذ الشفيع الشفعة من المشتري ينفسخ العقد الذي جرى بين البائع والمشتري، وقد ذكرناه من رواية «الجامع الكبير» فكان الفسخ مقررًا لحق الشفيع لا رافعًا، ولأن حق الشفيع لما ثبت بطلبه عند سماع البينة قد وقع لازمًا، ولا يرتفع حقه الثابت بفسخ المتبايعين بيعهما بعد ذلك؛ لأن حق الشفيع منفصل عن حق المتبايعين؛ لأنه لما بدأ بالإقرار [إن] (٢) تعلقت الشفعة به، أي: بالإقرار بالبيع، فبقوله بعد ذلك قبضت الثمن. يريد إسقاط حق الشفيع، أي: حق الشفيع الذي تعلق بالبيع بما قال البائع من مقدار الثمن؛ لأنه لو تحقق استيفاء الثمن كان البائع أجنبيًّا من هذا البيع؛ لأن هذا الكلام فيما إذا وقع تسليم الدار إلى المشتري في «الذخيرة»، فلما وقع تسليم الدار إلى المشتري واستيفاء الثمن للبائع كان البائع والأجنبي في حق هذا العقد سواء، وكلام الأجنبي لا يُسمع في حقِّ مقدار [هذا] (٣) الثمن، فكذا قول هذا البائع، بيان هذا فيما ذكره في «الذخيرة» (٤). وقال: «وإذا كانت الدار في يد المشتري فقال البائع: بعتُها إيَّاه بألف درهم، واستوفيت الثمن، وقال المشتري: اشتريتها بألفين؛ أحدها بألفين، والفرق/ أن البائع إذا بدأ بالإقرار بالاستيفاء لا يصح منه بيان مقدار الثمن بعد ذلك؛ لأنه لم يبق بعد استيفاء الثمن وتسليم الدار إلى المشتري ذا حظ من هذا العقد بل صار كالأجنبي، ولو أن أجنبيًّا بيَّن مقدار الثَّمن لا يصح بيانه. كذا هاهنا، وإذا بدأ ببيان مقدار الثمن [التي] (٥) لا يصح منه الإقرار بالاستيفاء بعد ذلك؛ لأن قبل الإقرار بالاستيفاء ثبت حق الآخر (٦) للشفيع بذلك المقدار، وبالإقرار بالاستيفاء يبطل ذلك الحق على الشفيع، أي: في حق المقدار، كما في المسألة التي بدأ بالاستيفاء، ثم بين المقدار لأن بالإقرار بالاستيفاء يتبين أن [بيان] (٧) مقدار الثمن منه لم يصح؛ لأنه لم يبق ذا حظ من هذا العقد، فلم يصح الإقرار بالاستيفاء، أي: [في حق] (٨) الشفيع في حق المقدار صيانة لحق الشفيع، وإذا لم يصح الإقرار بالاستيفاء بقي [بيان] (٩) مقدار الثمن صحيحًا؛ لأنه بين مقدار الثمن، وهو ذو حظ في هذا العقد؛ لأن له الاستيفاء بحكم هذا العقد.

стр. 4254

وذكر في «المبسوط» (١) فهو نظير ما قال الوصي: استوفيت [جميع] (٢) ما للميت على غريمه فلان، وهو ألف درهم، وقال الغريم: بل كان عليَّ ألفا درهم، وقد أوفيتك جميع ذلك، فالوصي ضامن للألفين، ولا شيء له على الغريم، ولو قال: استوفيت من الغريم ألف درهم، وهو جميع ما للميت عليه فقال: فلان كان عليَّ ألفا درهم، وقد أوفيتك الكل؛ فللوصي أن يرجع عليه بألفٍ أخرى، والفرق ما بينا، وهو أن البائع إذا بدأ بإقرار قبض جميع الثمن قبل أن يبين مقداره، فقد انتهى حكم للعقد (٣) في حقه، وصار هو كالأجنبي (٤) فلا قول له بعد ذلك في بيان مقدار الثمن، فيكون القول قول المشتري. وأما إذا بدأ ببيان مقدار الثمن قبل أن يقر بقبضه، فقد ظهر أن الثمن ذلك القدر يخبره؛ لأن الشرع جعل القول قوله ما لم يصل إليه الثمن، وثبت للشفيع حق الأخذ بذلك الثمن، فلا يبطل ذلك عليه بإقرار البائع بقبض الثمن بعد ذلك. وذكر في «الإيضاح»: وروى الحسن (٥) عن أبي حنيفة -رحمه (٦) الله- أن المبيع إذا كان في يدي البائع، وأقر (٧) بقبض الثمن، وزعم أنه ألف، فالقول قوله؛ لأن التملك يقع على البائع، فيرجع إلى قوله. والله [تعالى] (٨) أعلم بالصواب (٩). * * * فصل فيما يؤخذ به المشفوع لما فرغ من بيان أحكام المشفوع وهو الأصل؛ لأنه المقصود من حق الشفعة شَرَع في بيان ما يُؤخذ به وهو البيع؛ لأن الذي يؤخذ به المشفوع هو الثمن الذي يؤديه [به] (١٠) الشفيع، والثمن بيع؛ لأن الثمن ما بقي، أي: الذي بقي، بخلاف حط الكل؛ لأنه لا يلتحق بأصل العقد، وذلك لأن [حط] (١١) جميع الثمن لو التحق بأصل العقد؛ فإما أن يصير العقد هبة ولا شفعة للشفيع في الهبة، أو يصير بيعًا بغير ثمن فيكون فاسدًا ولا منفعة في البيع الفاسد، فعرفنا أنه لا يمكن إلحاق [حط] (١٢) الجميع بأصل العقد في حق الشفيع، بخلاف حط البعض.

стр. 4255

وإن زاد المشتري البائع لم يلزم الشفيع الزيادة؛ لأن الشفيع قد استحق أخذها بالثمن الأول قبل الزيادة، والمشتري لا يملك إبطال الحق الثابت له، فلا يملك تغييره أيضًا؛ يوضحه أن هذه الزيادة يلزمه (١) نفسه شيئًا للبائع، ويلزمه (٢) الشفيع مثل ذلك، وله الولاية على نفسه دون الشفيع؛ فيعمل إلزامه (٣) في حقه، ولا يعمل في حق الشفيع. ألا ترى أنه لو جدد (٤) بيعًا مع البائع بأكثر من الثمن الأول صحَّ ذلك في حقه، وكان الشفيع (٥) أن يأخذ بالثمن الأول. فإن قلت: ما وجه الفرق بين هذا وبين البيع مرابحة؛ فإن هناك استوى الحط والزيادة في حق الالتحاق [الالتحاق] (٦) بأصل العقد، وفي حق الشفيع افترقا حيث يلتحق الحط بأصل العقد دون الزيادة. قلنا (٧): [الفرق] (٨) فيه: [هو] (٩) أن بيع المرابحة غير مستحق على المشتري، فليس في التزامه الزيادة في حكم بيع المرابحة إبطال حق مستحق عليه بخلاف الشفعة، فإنا لو ألحقنا الزيادة بأصل العقد في حق الشفيع يلزم إبطال حق ثبت للشفيع بأقل من ذلك الثمن. هذا كله من «المبسوط» (١٠). وثمرة التحاق الحط والزيادة بأصل العقد يظهر في مسألة أخرى أيضًا: أما في الحط فإن الشفيع إذا سلم الشفعة، ثم حظر (١١) البائع من الثمن شيئًا فله الشفعة؛ لأن الحط يلتحق بأصل العقد، فكان كما أجير (١٢) بالبيع بألف فسلم، فإذا البيع/ بخمسمائة، وأما [في] (١٣) الزيادة: فإن الشفيع إذا سلم الشفعة، ثم زاد (١٤) البائع بعد ذلك في المبيع عبدًا أو أمة كان للشفيع أن يأخذ الدار بحصتها، أي: بحصة الدار من الثمن؛ لأن الزيادة تلتحق بأصل العقد؛ فتبين أن حصة الدار من الثمن أقل (١٥) مما عليه الشفيع. كذا ذكره في الفصل العاشر من شفعة «الذخيرة» (١٦). ومن أراد بالعوض: المتاع الذي هو من ذوات القيم؛ كالعبد، لا من ذوات الأمثال؛ كالحنطة والشعير- فإن فيها يأخذ الشفيع بمثلها إلا (١٧) بقيمتها.

стр. 4256

أحدها (١): الشفيع بقيمته (٢)، أي: أخذ (٣) [الشفيع] (٤) الدار بقيمة العوض (٥) التي كانت هي وقت الشرى، لا وقت الأخذ بالشفعة. هكذا ذكر قبل الفصل الخامس من شفعة «الذخيرة»؛ لأنه من ذوات القيم (٦). فإن قلت: القيمة في (٧) ذوات القيم إنما يعرف بالحزْر والظن، وذلك يمنع من استحقاق الشفعة. ألا ترى أن الشفيع لو سلم شفعة الدار على أن يأخذ من الدار بيتًا بعينه، وهذا التسليم باطل، فكان له أن يأخذ جميع الدار، وإنما بطل تسليمه حتى لم يستحق شفعة البيت المعين منفردًا؛ لكون قيمة البيت مما يعرف بالحزْر والظن حتى أنه لو سلم شفعة الدار على أن يأخذ ثلثًا منها أو نصفًا منها، فالتسليم جائز، والأخذ جائز؛ فكان له أن يأخذ الثلث أو النصف؛ لأنه أخذ شيئًا معلومًا بشيء معلوم؛ لأن ثمن [نصف] (٨) الدار، أو ثلثها (٩) معلوم بيقين، ثم قيمة العبد في مسألتنا مما يعرف بالحزْر والظن؛ فيجب أن لا يستحق لها (١٠) الشفعة. قلت: قضية القياس: أن لا تؤخذ الدار بقيمة العبد إلا [أنا] (١١) تركنا القياس لضرورة؛ لأن بيع الدار بالعبد قد صحَّ، وإذا صح البيعُ وجبت الشفعة، ولا يمكن الأخذ إلا بقيمة العبد أوجبنا الأخذ بالقيمة لهذه الضرورة، ومثل هذه الضرورة لا تتأتى في مسألة البيت؛ لأن أخذ البيت بثمن معلوم ممكن للشفيع، فجواز سقوط اعتبار الجهالة لضرورة (١٢) لا تدل (١٣) على جواز سقوط الجهالة بغير (١٤) ضرورة. كذا ذكر في الفصل العاشر في شفعة «الذخيرة» (١٥). ثم هذا الذي ذكره بأن أخذ الشفيع الدار بقيمة العوض (١٦) غيرنا. وقال أهل المدينة: نأخذها (١٧) بقيمة الدار. كذا ذكره في «المبسوط» (١٨)، وذكر العبد مكان العَرض، فقال: [وأداء الشرى] (١٩) دارًا [بغير نفسه] (٢٠)، فللشفيع أن يأخذها بقيمة العبد عندنا.

стр. 4257

وقال أهل المدينة: يأخذها بقيمة الدار؛ لأن المبيع مضمون بنفسه، أو بما يقابله من (١) المسمى. ألا ترى أن في البيع الفاسد لما تعذر وجوب المسمى كان مضمونًا بنفسه، وقد تعذر هاهنا إيجاب المسمى في حق الشفيع؛ لأنه لا مثل له من جنسه، فوجب المصير إلى الضمان الأصلي، وهو قيمة نفسه، ولأن دفع الصور من الجانبين واجب، وإنما يندفع الضرر عن المشتري بوصول قيمة ملكه إليه، وملكه عند الآخر (٢) رقبة الدار. وحجتنا في ذلك: أن الشفيع يتملك بمثل ما يملك به المشتري، والمثل إما أن يكون من حيث الصورة، وفي (٣) معنى المالية، فإذا كان الثمن مما له مثل من جنسه يأخذه بمثله صورة، وإن كان مما لا مثل له من جنسه يأخذه بمثله في صفة المالية، وهو القيمة، كالغاصب عند تعذر رد العين [برد المثل] (٤) فيما له مثل، والقيمة فيما لا مثل له؛ فإن مات العبد قبل أن يقبضه البائع انتقض الشرى بفوات القبض المستحق بالعقد، فإن العبد معقود عليه، وقد هلك قبل التسليم، وللشفيع أن يأخذ بقيمة العبد عندنا (٥). وقال زُفر: «ليس له أن يأخذ (٦) بالشفعة؛ لأن العقد قد انتقض من الأصل بهلاك العبد قبل التسليم» (٧). وحجتنا في ذلك: أن بدل الدار في حق الشفيع قيمة العبد، وهو قادر على أخذها به بعد هلاك العبد كما قبله، وليس في هلاك العبد إلا انفساخ العقد بين البائع والمشتري، وذلك لا يمنع بقاء [حق] (٨) الشفيع على ما بينا، بخلاف استحقاق العبد، فإنه يتبين به أن أصل البيع [لم يكن صحيحًا] (٩)، وأن حقه (١٠) لم يثبت، وإذا باع بثمن مؤجل فللشفيع الخيار إن شاء أخذها بثمن حالٍّ، إلى آخره (١١). وقال في «الذخيرة» (١٢): «هذا إذا كان الأخذ (١٣) / معلومًا، فأما إذا كان مجهولاً؛ نحو الحصاد، والدياس (١٤)، وأشباه ذلك؛ فقال الشفيع: أنا أعجل الثمن وآخذها، لم يكن له ذلك؛ لأن الشرى بالأجل المجهول فاسد، وحق الشفيع لا يثبت في الشرى الفاسد؛ لأن كونه مؤجلاً وهو (١٥) في الثمن، يقال: دَين مُؤجل، ودين حالٌّ.

стр. 4258

(والأخذ بالشفعة به)، أي: بالثمن. ولنا: أن الأجل إنما يثبت بالشرط، ولا شرط فيما بين الشفيع والبائع، وليس هذا مقتضى العقد حتى يتحول إلى الشفيع بتحول الصفقة، بل هذا مقتضى الشرط؛ فيثبت في حق من ثبت في حقه الشرط. وذكر في «المبسوط» الأجل مدة ملحقة بالعقد شرطًا، فلا يثبت في حق الشفيع كالخيار، وهذا لأن تأثير الأجل في تأخير المطالبة، وبه يتبين أنه ليس بصفة للمال؛ لأن الثمن للبائع، والأجل حق المشتري على البائع؛ فكيف يكون صفة للثمن؟! الملاءة: صحته بفتح الميم (١)؛ فإنها مصدر مَلُؤَ الرجل -بالضم- ملاءة، والملي: الغني المقتدر (٢). (ثم ولاه غيره)، أي: باعه بالتولية. وقوله: (لما بينا من قبل)، أراد به: قوله: (لامتناع قبض المشتري بالآخر بالشفعة وهو يوجب الفسخ)، إلى آخره. ذكر (٣) في أواخر باب طلب الشفعة، خلافًا لأبي يوسف الآخر (٤). وذكر ابنُ أبي مالك (٥): كان أبو يوسف يقول أولاً كقولهما في أن الشفيع إذا لم يطلب في الحال لم يكن له أن يأخذها بعد حلول الأجل، ثم رجع، وقال: له أن يأخذها عند حلول الأجل، وإن لم يطلب في الحال فوجهه أن الطلب غير مقصود بعينه، بل للأخذ، وهو في الحال لا يتمكن من الأخذ على الوجه الذي يطلبه؛ لأنه إنما يريد الأخذ بعد حلول الأجل، أو بثمن مؤجل في الحال، ولا يتمكن من ذلك فلا فائدة في طلبه في الحال فسكوته لأنه لم ير به فائدة، لا لإعراضه عن الأخذ (٦). ووجهه (٧) ظاهر الرواية: أن حقه ثبت في الشفعة بدليل أنه لو أخذه بثمن حالٍّ كان له ذلك، والسكوت عن الطلب بعد ثبوت حقه، فبطل شفعته. كذا في «المبسوط» (٨). (وإن اشترى ذميٌّ بخمر أو خنزير [دارًا] (٩)، وشفيعها ذمي، أخذها بمثل الخمر وقيمة الخنزير). أطلق الاشتراء، ولم يتعرض أن المشتَرَى دارٌ أو بيعة أو كنيسة؛ لأن الشفعة تجري في الجميع. وذكر في «المغني» (١٠): اشترى الذمي من ذمي كنيسة أو بيعة، فللشفيع الشفعة، ثم قال: «وهذا الجواب ظاهر فيما إذا كان من دينهم (١١) أن الملك [لا] (١٢) يزول عن المالك بجعله بيعة أو كنيسة، كما يزول الملك في ديننا إذا اتخذنا مسجدًا، إنما يشكل فيما إذا كان من ديانتهم: أن الملك يزول عن المالك بهذا الصنيع؛ لأنه باع ما لا يملك، فلا يجوز بيعه في ديانتهم. ونحن أمرنا ببناء الأحكام على اعتقادهم إلا ما استثني عليهم في عهودهم (١٣).

стр. 4259

والوجه في ذلك: أنه لما أقدم على البيع هدد أن بديننا [إلى] (١) أن الملك لا يزول عن المالك بما يُعده للمعصية، والذمي إذا كان (٢) بديننا يلزمه ذلك، كما في نكاح المحارم إذا طلب الفرقة من القاضي. وأما إطلاق لفظ الذمي في الكتاب في قوله: (وإذا اشترى ذمي)، وفي قوله: (وشفيعها ذمي)؛ للاحتراز عن المرتد، [لا للاحتراز] (٣) عن الحربي المستأمن، فإن المرتد لا شفعة له، سواء قتل في ردته، أو مات، أو لحق بدار الحرب، ولا لورثته؛ لأن الشفعة لا تورث. هذا إذا كان المرتد شفيعًا، وأما إذا كان المرتد بائعًا؛ فقتل، أو مات، أو لحق بدار الحرب- بَطَلَ البيع، لم يكن فيه الشفعة في قول أبي حنيفة (٤). بخلاف ما إذا اشترى المرتد دارًا؛ لأن توقف العقد عنده لحق المرتد، فإذا كان المرتد هو البائع فهذا في معنى بيع بشرط الخيار للبائع فلا تجب به الشفعة، وإذا كان المرتد هو المشتري، فهذا [في] (٥) معنى بيع بشرط الخيار للمشتري، فتجب الشفعة به للشفيع سواء، وبعض (٦) البيع أو تم [لم يكن] (٧). فإن (٨) أسلم المرتد البائع قبل أن يلحق (٩) بدار الحرب جاز بيعه، وللشفيع فيها الشفعة؛ لأن البيع تم، وخياره سقط بإسلامه. هذا التفصيل كله في المرتد. و [أما] (١٠) الحربي المستأمن في وجوب الشفعة له، وعليه في دار الإسلام سواء بمنزلة الذمي؛ لأنه من جملة المعاملات، وهو قد التزم حكم المعاملات مدة مقامه في دارنا (١١)؛ فيكون بمنزلة الذمي في ذلك؛ فإن اشترى المستأمن دارًا، ولحق/ بدار الحرب فالشفيع على شفعته متى لقيه؛ لأن لحاقه بدار الحرب كموته، وموت المشتري لا يبطل شفعة الشفيع. وإن (١٢) اشترى المسلم في دار الحرب [دارًا] (١٣)، أو (١٤) شفيعها مسلم بدار له، ثم أسلم أهل الدار فلا شفعة للشفيع؛ لأن حق الشفعة من أحكام الإسلام، وحكم الإسلام لا يجري في دار الحرب. وأما تعيين الخمر والخنزير في الثمن فللاحتراز عما إذا اشترى من الكافر دارًا بميتة أو دم فلا شفعة فيها؛ لأنها ليست بمال في حقهم، فالشرى بها يكون بإطلاق العقد الباطل لا تجب الشفعة. كذا في «المبسوط» (١٥).

стр. 4260

وذكر في «المغنى» (١) بعد ذكر مسائل المستأمن والمسلم الذي اشترى في دار الحرب دارًا يجب أن يعلم أن كل حكم لا يفتقر إلى قضاء القاضي، فدار الإسلام ودار الحرب في حق ذلك الحكم [سواء] (٢)، وكل حكم يفتقر إلى قضاء القاضي لا يثبت ذلك الحكم في حق من كان من المسلمين في دار الحرب بمباشرة سبب ذلك الحكم في دار الحرب، نظير الأول جواز البيع والشرى، وصحة الاستيلاد، ونفاذ العتق، ووجوب الصوم والصلاة؛ فإن هذه الأحكام من أحكام الإسلام، وتجري على من كان في دار الحرب من المسلمين؛ لأن أحكام هذه الحقوق لا تفتقر إلى القضاء. ونظير الثاني الزياد (٣)؛ فإن المسلم إذا زنا في دار الحرب، ثم صارت [هي] (٤) دار الإسلام (٥)، أو خرج هو إلى دار الإسلام لا يقام عليه الحد؛ لأن الزنا في حال وجوده لم يوجب الحد؛ لأن ما هو المقصود من الحد الإقامة، والإقامة إلى الإمام، وليس للإمام ولاية الإقامة في دار الحرب، فلم يجب الحد لما كانت ولاية الإقامة فائتة. قوله: (أما الخنزير فظاهر)؛ لأنه من ذوات القيم، فوجوب القيمة في ذوات القيم كان أمرًا ظاهرًا. فإن قلت: ليس أمره بظاهر، بل أمر وجوب القيمة فيه أشد إشكالاً من وجوب القيمة في الخمر، وذلك لأنه ذكر في الكتاب في باب من ثمرة (٦) على العاشر من كتاب (الزكاة) في مسألة: فإن مَرَّ ذمي بخمر أو خنزير على العاشر، وقال (٧): «إن القيم (٨) في ذوات القيم لها حكم العين، فلذلك [لأحد يأخذ] (٩) العاشر من قيمة الخنزير، ثم أوجب هاهنا على الشفيع المسلم قيمة الخنزير، [وقد علم من ذلك التعليل: أنَّ العقد ذوات القيم حكم الأعيان فحينئذ كان إيجاب قيمة الخنزير] (١٠) على المسلم بمنزلة إيجاب الخنزير [على المسلم] (١١)، [فإيجاب الخنزير على المسلم] (١٢) غير جائز لوجهين (١٣): أحدهما: للزوم إيجاب الحيوان غير المعين في الذمة يقابله (١٤) المال.

стр. 4261

والثاني: للزوم إيجاب الخنزير على المسلم. قلت: قد ذكرت جواز (١) هذا هناك فلا أعيده، وجواب آخر هنا: [هو] (٢) أن قيمة الخنزير وإن كانت بمنزلة الخنزير معنى، ولكن في كينونتها بمنزلة الخنزير شبهة، فلما كان متضمنًا إبطال حق العبد لم يعمل بهذه الشبهة، بل يعمل بها فيما إذا لم يكن متضمنًا إبطال حق الغير، فلم يعمل هاهنا بالشبهة؛ لكون العمل بها متضمنًا إبطال حق الغير. بخلاف ما إذا مرَّ على العاشر. ثم اعلم أن طريق [قيمة] (٣) معرفة الخمر والخنزير هو الرجوع فيها إلى من أسلم من أهل الذمة، أو من باب من فسقة المسلمين؛ فإن وقع الاختلاف في ذلك، فالقول فيه قول المشتري: بمنزلة ما إذا اختلف الشفيع والمشتري في مقدار الثمن. ذكر هذه المسألة، وهي طريق معرفة القيمة في أواخر باب ما لا يجب فيه الشفعة من شفعة «المبسوط» (٤)، ثم لم يذكر مسألة ما إذا أسلم أحد المتعاقدين في حق الشفعة، فقال في «المبسوط» (٥): «وإذا أسلم أحد المتبايعين والخمر غير مقبوضة، والدار مقبوضة، أو غير مقبوضة انتقض البيع لفوات القبض المستحق بالعقد، والإسلام يمنع قبض الخمر بحكم البيع كما يمنع العقد على الخمر، ولكن لا يبطل حق الشفيع في الشفعة؛ لأن وجوب الشفعة بأصل البيع، وقد كان صحيحًا، وبقاؤه ليس بشرط لبقاء الشفعة، كما لو اشترى دارًا بعبد فمات العبد قبل التسليم انتقض البيع، ولم يبطل به حق الشفيع؛ فيأخذها الشفيع بقيمة الخمر إن كان هو مسلمًا، أو كان المأخوذ منه مسلمًا؛ لتعذر تمليك الخمر بينهما، وإن كانا كافرين أخذها بمثل تلك الخمر؛ لأن من أسلم من المتعاقدين قد تعذر التسليم والقبض في الخمر بينه وبين الآخر بسبب إسلامه، وذلك/ غير موجود بين الشفيع والمأخوذ منه إذا كانا كافرين، وإن كان إسلام أحد المتعاقدين بعد قبض الخمر قبل قبض الدار والبيع بينهما يبقى صحيحًا؛ لأن حكم العقد في الخمر منتهٍ بالقبض، والإسلام لا يمنع قبض الدار، [والله تعالى أعلم بالصواب].

стр. 4262

فصل والمسائل في هذا الفصل كلها مبنية على تغير المشفوع؛ إما بالزيادة أو بالنقصان بنفسه، أو تعقل الغير، فكان المتغير فرعًا على غير المتعين، فلذلك ذكرها بعد المسائل المبنية على عدم التغير؛ لأن الفرع مبني على الأصل. يجب أن يعلم أن تصرف المشتري في الدار المشفوعة بأن (١) [وجه] (٢) كان من بيع أو هبة أو هدم بناء أو غير ذلك صحيح؛ لأن للمشتري حقيقة الملك، وللشفيع حق أن يتملك، على ما سيجيء تمام هذا في المسائل المتفرقة من كتاب (الشفعة) إن شاء وأخذها (٣) بالثمن وقيمة البناء والغرس، أي: مقلوعين، وإن شاء كلف المشتري قلعه إلا إذا كان في القلع نقصان، وأراد الشفيع أن يأخذها مع البناء (٤) والإغراس بقيمتها مقلوعة غير ثابتة فله ذلك. وعن أبي يوسف أنه لا يكلف بالقلع (٥)، ويخير- أي: الشفيع- بين أن يأخذه (٦) بالثمن، وقيمة البناء والغرس، أي: قائمين على الأرض [غير] (٧) مقلوعين، وبين أن يترك. كذا في «شرح الطحاوي» (٨). وبه قال الشافعي أي: بالتخيير الذي ذكره أبو يوسف إلا أن عنده، أي: عند الشافعي (٩). يعني: أن الشافعي في حق هذا التخيير الذي [ذكره] (١٠) أبو يوسف معه، ولكن للشافعي قول آخر، وهو أن يقلع الشفيع البناء، ويُعطى قيمة البناء بعد القلع، وصار كالموهوب له، يعني: أن الموهوب له إذا بنى في الأرض الموهوبة ليس للواهب أن يقلع بناءه، ويرجع في الأرض؛ لأنه بناه في ملكه، وكذلك المشتري شرى فاسدًا، وكما إذا زرع المشتري، يعني: أن المشتري إذا زرع الأرض المشتراة، ثم حضر الشفيع وطَالَبَه بالشفعة لم يكن للشفيع أن يقلع الزرع بالاتفاق فيجب أن يكون في البناء كذلك؛ لأن الضرر الواقع على المشتري [يقلع] (١١) بقلع الزرع، والبناء واحد، [وهذا أي: وهذا] (١٢) المدَّعى الذي قلناه، وهو ألا يكلف المشتري بقلع البناء؛ لأن في إيجاب الأخذ بالقيمة دفع أعلى الضررين بتحمل الأدنى. بيان هذا هو أن هاهنا اجتمع ضرران: أحدهما: على الشفيع، وهو ضرر زيادة الثمن على الشفيع في قولنا: أخذها الشفيع بالثمن، وقيمة البناء. والثاني: على المشتري، وهو ضرورة قلع بناء المشتري من غير شيء يعوض مقابله (١٣) بنائه. وهو فيما قاله أبو حنيفة (١٤).

стр. 4263

ثم الضرر الذي يلزمه (١) الشفيع أهون من ضرر المشتري؛ لأنه [لو لزم] (٢) على الشفيع زيادة [على] (٣) الثمن الذي اشترى به المشتري، لكن يدخل في ملك الشفيع عوض بمقابلة تلك الزيادة، وهو البناء والغرس. وأما على قولكم يبطل ملك المشتري بالقلع من غير شيء يقابله؛ فكان ضرر الشفيع أهون من ضرر المشتري فكان القول به أوفى (٤) بهذا الطريق. إلى هذا أشار في «المبسوط» (٥) تعلق به، أي: بالمحل، فقوله: تعلق به حق متأكد للغير. وقوله: (من غير تسليط من جهة من له الحق)، كل واحد منهما احتراز عن بناء الموهوب له، وبناء المشتري بالشرى الفاسد، فإن حق الواهب والبائع بالبيع الفاسد ليس في صفة التأكد مثل حق الشفيع. ألا ترى أن تصرف المشتري هاهنا بالبيع والهبة ينقص لحق الشفيع، ولا ينقص تصرف الموهوب له، والمشتري بالشرى الفاسد بالبيع والهبة لحق [البائع و] (٦) الواهب، فكذلك هاهنا يجب أن ينقص تصرف المشتري في الأرض المشفوعة بالبناء. وكذلك الواهب والبائع بالبيع الفاسد لا ينقصان بناء الموهوب له والمشتري بالشرى الفاسد؛ لأن ذلك البناء حصل بتسليط الواهب والبائع بالبيع الفاسد. وأما هاهنا فبناء المشتري لم يكن بتسليط الشفيع فينقص. بخلاف الهبة أي: لا يبقى حق الرجوع للواهب بعد بناء الموهوب له بالاتفاق. وبخلاف الشرى الفاسد عند أبي حنيفة (٧)؛ [بقوله] (٨): «لأن عدم جواز استرداد البائع في الشرى الفاسد إذا بنى المشتري فيما اشترى». على قول أبي حنيفة (٩). وعندهما [يسترده فيما اشترى بناء/ ينحصر البائع هناك بعد البناء] (١٠) كالشفيع في ظاهر الرواية (١١). ومسألة استرداد البائع بعد البناء في الشرى الفاسد من المسائل التي خطَّأ فيها أبو يوسف محمدًا في حفظه الرواية (١٢)، وقد مَرَّ في البيع الفاسد. ولأن حق الاسترداد فيهما أي: في الهبة والبيع الفاسد، وهذا الحق، أي: حق الشفعة فلا معنى (١٣) لإيجاب القيمة كما في الاستحقاق، وهذا جواب عن قول أبي يوسف بأن الشفيع لو أخذ الأرض المشفوعة التي بنى [المشتري] (١٤) فيها بناء إنما يأخذها الثمن (١٥)، وقيمة البناء لا غير (١٦)، أي: لا معنى لإيجاب القيمة على الشفيع فلا يجب كما لا تجب القيمة على المستحق، فإن الشفيع بمنزلة المستحق والمشتري لو بنى أو غرس، ثم استحق يرجع بالثمن وقيمة البناء والغرس على البائع، لا على المستحق، فكذلك هاهنا لا يرجع على الشفيع بقيمة البناء والغرس.

стр. 4264

وأما الجواب عن قوله: لأن في إيجاب الأخذ بالقيمة دفع أعلى الضررين إلى آخره، فما ذكره في «المبسوط» بقوله: «إن حق الواجب والبائع في البيع الفاسد ضعيف؛ لأنه لا يبقى بعد تصرف الموهوب [له] (١) والمشتري بخلاف حق الشفيع فإنه يبقى، والاشتغال بالترجيح لدفع أعلى (٢) الضررين بالأهون، إنما يكون بعد المساواة في أصل الحق، ولا مساواة، فحق الشفيع مقدم على حق المشتري، ثم البناء الذي يدخل في ملكه ربما لا يكون موافقًا له، فيحتاج إلى مؤنة لدفع ذلك البناء، ثم يُبنى على الوجه الذي يوافقه (٣). فإن قلت: ما الفرق بين بناء المشتري في الأرض المشفوعة وبين ما [إذا] (٤) اشترى دارًا، أو صبغها بأشياء كثيرة، ثم جاء الشفيع فهو [قيل] (٥) بالخيار؛ إن شاء أخذها بالشفعة وأعطاه ما زاد فيها، وإن شاء ترك، وهذا بالاتفاق، ذكرها في «العيون» (٦). قلت: هو (٧) أيضًا على الاختلاف، كما في البناء ولو كان على الاتفاق، ففرق محمد بين البناء والصبغ، فقال: البناء إذا نُقض لا يلحق المشتري كثير ضرر لا (٨) يسلم له النقص (٩). ولا كذلك إذا نقض الصبغ. إلى هذا أشار في «الذخيرة» و «الفرق»، على ما هو المشهور (١٠)، أي: الفرق في أن المشتري عند ظهور [الاستحقاق يرجع على بائعه بقيمة البناء، والشفيع لا يرجع على المشتري عند ذلك بقيمة البناء هو أن المشتري مغرور من جهة البائع، فيرجع عليه بالثمن، وبقيمة البناء لدفع الغرور، وذلك لأن البائع اليوم للمشتري السلامة، ولا غرور في حق الشفيع، لا من جانب البائع، ولا من جانب المشتري؛ لأنه يملك على صاحب اليد جبرًا من غير اختيار، فلا يرجع، ونظير هذا الجارية المأسورة إذا اشتراها رجل، وأخذها المالك القديم بالثمن، واستولدها، ثم استحقت من يده- رجع على الذي اشترى من أهل الحرب بالثمن الذي دفعه إليه، ولم يرجع بقيمة الولد؛ لأنه لم يغره، بخلاف ما إذا اشترى جارية فاستولدها، ثم استحقت، فالمشتري يرجع بالثمن وقيمة الولد على البائع للغرور. كذا في «المبسوط» في آخر كتاب (الشفعة) (١١)، و «الإيضاح» (١٢)؛ لأن البناء والغرس تابع فلا يقابلهما شيء من الثمن.

стр. 4265

وأصل المسألة في البيوع، فإن المذهب عندنا أن الثمن مقابلة الأصل دون الأوصاف حتى إن فوات الوصف في يد البائع من غير صنع أحد لا يسقط شيئًا من الثمن. وعند الشافعي يسقط في أحد القولين (١). وكذلك فوات الوصف في يد المشتري من غير صنع أحد لا يمنعه من البيع مرابحة على جميع الثمن عندنا. وعند الشافعي يمنعه من ذلك (٢). بخلاف ما إذا غرق نصف الأرض حيث يأخذ الباقي بحصته، فالتقييد بالنصف لا لإخراج غيره عن هذا الحكم، بل اتبع فيه بوضع «المبسوط»، ثم ذكر في «المبسوط» (٣) بأن الحكم في الثلث وغيره كذلك. وقال فيه: «وإذا اشترى دارًا فغرق نصفها فصار مثل الفرات يجري فيه الماء لا يستطاع رد ذلك عنها، وللشفيع أن يأخذ الباقي بحصته من الثمن إن شاء؛ لأن حقه ثابت في الكل، وقد تمكن من أخذ البعض، فيأخذه من حصته من الثمن اعتبارًا للنقض بالكل (٤). والشافعي في كتابه يدعي المناقضة علينا بهذا الفصل، ويقول: إنهم زعموا إذا احترق البناء لم يسقط شيء من الثمن عن الشفيع، فإذا غرق بعض الأرض سقط حصته من الثمن، فكأنهم اعتبروا فضل الماء دون النار (٥). وإنما قال ذلك لقلة الفقه/ والتأمل، فإن البناء وصف وتبع، وليس بمقابلة الوصف شيء من الثمن إذا فات من غير صنع أحد، فأما نقص الأرض فليس ببيع للأرض، فلابد من إسقاط حصة ما عرف من الثمن عن الشفيع، أو يتأخر ذلك إلى أن يتمكن من أخذه والانتفاع به. ولهذا قلنا في حق احتراق البناء من غير صنع أحد: لا يسقط شيء من الثمن أيضًا لما قلنا؛ لأن البناء وصف وتبع، بخلاف الأرض، فإنها أصل. ثم قال: فإن قال المشتري: ذهب منها الثلث، أي: ثلث الأرض بالغرق، وقال الشفيع: ذهب النصف. فالقول قول المشتري، ويأخذها الشفيع بثلثي الثمن إن شاء، وكذلك لو استحق رجل بعضها، وسلم الشفعة فطلبها الجار بالشفعة أخذ ما بقي بحصته من الثمن، والقول قول المشتري في مقدار المستحق من الباقي؛ لأن الشفيع يدعي حق التملك عليه في الباقي بثمن ينكره المشتري. وإن نقض المشتري البناء، أي: البناء الذي كان بناه البائع، وليس للشفيع أن يأخذ النقض؛ لأنه قد زايل الأرض، وهو نفسه منقول لا يستحق بالشفعة، وإنما كان ثبوت حقه فيه لاتصاله بالأرض، فإذا زال ذلك لم يكن في البناء حق، ولم يذكر في الكتاب ما إذا هدمه أجنبي، وجعل في «المبسوط» (٦) حكم هدم الأجنبي، وحكم هدم المشتري سواء، فقال بعدما ذكر حكم هدم المشتري بأنه يقسم الثمن على قيمة الأرض، وقيمة البناء يوم وقع الشرى؛ فيأخذ الأرض بحصتها من الثمن، قال (٧): وكذلك لو استهلكه أجنبي، وأخذ منه المشتري قيمته، فإن سلامة بدل البناء للمشتري بمنزلة سلامة البناء للمشتري لو هدمه، وما كان مركبًا فيه كالأبواب والسرر المركبة على ما عرف في ولد المبيع، يعني: أن الجارية المبيعة ولدت ولدًا قبل قبض المشتري يسري حكم البيع إلى الولد حتى يكون الولد ملك المشتري أيضًا كأمه، لا يأخذ الثمن في الفصلين، أي: في فصل ما إذا كان في النخيل ثمر حين وقع الشرى، ثم هذه للمشتري، وفي فصل ما إذا لم يكن في النخيل ثمر وقع الشرى على الأرض والنخيل، ثم أثمر النخيل، ثم جزَّ المشتري، ثم جاء الشفيع لم يبق للشفيع حق في الثمن في الفصلين؛ لأنه لم يبق بيعًا؛ لأن بيعته إنما كانت بالاتصال بالنخيل، ولم يبق متصلاً، قال في الكتاب أي: في «مختصر القُدوري» (٨)، وهذا جواب الفصل الأول، وهو ما إذا ابتاع أرضًا وعلى نخلها ثمر، أما في الفصل الثاني وهو ما إذا ابتاعها وليس في النخيل ثمر، وهذا الذي ذكره كله] (٩) هو جواب ظاهر الرواية خلافًا لأبي يوسف في قوله الأول؛ لأنه ذكر في باب الشفعة في الأرضين والأنهار من شفعة «المبسوط» (١٠).

стр. 4266

وإذا اشترى [أرضًا فيها نحل ليس فيها ثمر فأثمرت في يده فأكلها سنتين، ثم جاء الشفيع فله أن يأخذها بالشفعة] (١) لجميع (٢) الثمن إن شاء. وكان أبو يوسف يقول أولاً (٣): يحط من الثمن حصة ما أكل المشتري من الثمن؛ لأن حال المشتري مع الشفيع كحال البائع مع المشتري قبل التسليم إليه، ولو أكل البائع الثمار الحادثة بعد العقد يحط عن المشتري حصتها من الثمن، كما يحط حصة الثمرة الموجودة عند العقد، فكذلك في حق الشفيع يوضحه أن [التناول من الثمار] (٤) الحادثة يمنع المشتري من بيعها مرابحة حتى تبين، وهي في ذلك كالثمار الموجودة فكذلك في حق الشفيع. فأما وجه ظاهر الرواية وهو الذي رجع إليه أبو يوسف أن المشتري تملك الأرض والنخل بجميع الثمن، والشفيع إنما يأخذها بمثل ما يملك به المشتري، وهذا لأن الحادث من الثمار بعد القبض لا حصة له من الثمن، فإنه لم يكن موجودًا عند العقد، ولا عند القبض وانقسام (٥) الثمن يكون باعتبارهما، ولو كانت قائمة في يد المشتري كان يضمه إلى الأصل، ويبيع الكل مرابحة، فإذا تناول ذلك لم يكن له أن يبيعه مرابحة من غير بيان، إلا أن يكون اتفق عليه مثل ما أكل. وهذا بخلاف الثمار الموجودة عند العقد، أو (٦) أخذها المشتري، فللثمار الموجودة حصة من الثمن، ولا حق للشفيع فيها بعد الجذاذ، ويطرح عن الشفيع حصتها من الثمن. وذكر في «الإيضاح» ولو (٧) كانت الثمرة قائمة فقبض المشتري، واستهلك الثمرة أو هلكت في يده سقط عن الشفيع حصته من الثمن؛ لأن العقد ورد عليها مقصودًا، فيرفع (٨) حصتها عن الشفيع، ولو أثمرت في يد المشتري/ فجاء الشفيع والثمرة في النخيل فله أن يأخذ الكل بالثمن الأول لا يزاد عليه، وإن (٩) جذها المشتري ثم جاء الشفيع والثمرة قائمة أو مستهلكة أخذ الأرض والنخيل بجميع الثمن إن شاء، بخلاف ما إذا حدث (١٠) في يد البائع قبل القبض، فأتلفه البائع أنه يرفع عنه الحصة؛ لأن ما حدث قبل القبض له حصته على اعتبار صيرورته مقصودًا بالقبض، أو بإتلاف البائع، وإذا حدث في يد المشتري لم يرد عليه، فبقي مقصوده فلا تثبت [له] (١١) الحصة، [والله أعلم] (١٢) (١٣).

стр. 4267

باب ما يجب (١) فيه الشفعة، وما لا يجب (٢) مسألة: ثبوت الشفعة فيما لا يقسم ذكر تفصيل (٣) ما يجب فيه الشفعة، وما لا يجب بعد ذكر [نفس] (٤) الوجوب مجملاً؛ لأن التفصيل إنما يحتاج إليه إذا سبق ذكر الإجمال. (الشفعة واجبة)، أي: ثابتة. [والعقار كل] (٥) مالٍ له أصل من دار أو ضيعة (٦). (وإن كان مما لا يقسم)، أي: وإن كان مما لا يحتمل القسمة، أي: لو [قسم] (٧) قسمة حسية لا ينتفع به؛ كالحمام والرحى، بخلاف الأرض. وقال الشافعي: «لا شفعة فيما لا يقسم، أي: فيما لا يحتمل القسمة» (٨). والخلاف بيننا وبينه راجع إلى أصل (٩)، وهو أن من أصل الشافعي أن الأخذ بالشفعة لدفع ضرر مؤنة القسمة، وذلك لا يتحقق فيما لا يحتمل القسمة (١٠). وعندنا لدفع ضرر التأذي بسوء المجاورة على الدوام، وذلك فيما لا يحتمل القسمة موجودة (١١) لاتصال أحد الملكين بالآخر على وجه التأييد والقرار. ولنا ما روي من الحديث في الكتاب، وهو حديث جابر ﵁ (١٢)، ولأن الحمام لو كان مهدومًا فباع أحد الشريكين نصيبه كان للشريك الشفعة، وما يستحق بالشفعة مهدومًا يستحق بالشفعة مثبتًا؛ كالشقص (١٣) من الدار. ثم للشفيع في الرحى والحمام ما كان متصلاً بهما كالبناء، وليس له من متاعها الذي هو ليس بمركب بهما.

стр. 4268

ألا ترى أن الحمام يباع فيأخذه الشفيع بقدر [ماء] (١) الحمام؛ لأنه في البناء، وكذلك في الرحى، ولا يأخذ القصاع (٢)؛ لأنها غير متصلة بالبناء. كذا في «المبسوط» في باب (الشفعة في الأرضين)» (٣). وذكر في «فتاوى قاضي خان» في بيع الحمام يدخل القدر المركب من غير ذكر في البيع، والقصاع لا يدخل، وإن ذكر الحقوق والمرافق (٤). الربع (٥): الدار (٦). والرحى أي: بيت [الرحى] (٧) مع الرحى (٨). الحائط: البستان، وأصله: ما أحاط به (٩)، ومنه حديث أُبيٍّ حيث قال: [«حائطي (١٠)»، أي: أدَّعِي حائطي] (١١) أو حائطي الذي تعرفه ملكي (١٢). الحسب بفتح السين وسكونها في معنى القدر على اختيار المطرزي (١٣)، يقال: أحسبت إليه حسب الطاقة، وعلى حسبها، أي: قدرها (١٤). وعلى اختيار الجوهري هو بالفتح (١٥)، وإنما سكن في ضرورة الشعر. ولا شفعة في البناء والنخيل إذا بيعت بدون العرصة؛ لأن الشفعة إنما تجب [عما] (١٦) في الأراضي التي يملك رقابها حتى أن الأراضي التي جازها الإمام لبيت المال، ويدفع إلى الناس مزارعة فصار لهم فيها كردار؛ كالبناء والأشجار (١٧)، فلو بيعت هذه الأراضي فبيعها باطل، فبيع الكردار إذا كان معلومًا يجوز، ولكن لا شفعة فيها، وإنما تجب بحق الملك في الأراضي حتى لو بيعت دار بجنب دار الوقف فلا شفعة للوقف، ولا يأخذها المتولي، وكذلك إذا كانت هذه الدار وقفًا على رجل لا يكون لل موقوف عليه حق الشفعة بسبب هذه الدار. كذا في «الذخيرة»، و «المغني» (١٨).

стр. 4269

فإن قلت: يشكل على قوله في «الذخيرة»: «وإنما تجب الشفعة بحق الملك في الأرض حتى لو بيعت دار بجنب دار الوقف فلا شفعة للوقف»، إلى آخره، وكذلك قوله في الكتاب: «فلأن (١) الشفعة سببه الاتصال في الملك» (٢)، إلى آخره استحقاق العبد المأذون والمكاتب على ما يجيء، فإنه ليس لهما ملك رقبة الأرض، ومع ذلك إنما (٣) يستحقان الشفعة. قلت: لا يشكل؛ لأن استحقاقهما التصرف في الأرض كالبيع والشرى قام مقام ملك الرقبة، كما قاله أبو حنيفة (٤) باستحقاق (٥) الشفعة للمشتري الذي له الخيار إذا بيعت دار بجنب تلك الدار المشتراة (٦) مع أنه لا يقول بالملك له على ما يجيء بيانه. بخلاف العلو حيث يستحق بالشفعة، أي: يستحق العلو بالشفعة، يعني: لو بيع العلو، وكان لذلك العلو طريق في دار رجل صاحب الدار [التي] (٧) فيها الطريق أولى من صاحب الدار التي عليها (٨) العلو لما مر أنَّ الشريك في الطريق مقدم/ على الجار، فإن سلم صاحب الطريق الشفعة (٩)، وللعلو جار ملازق أخذه بالشفعة مع صاحب السفل؛ لأنهما استويا في الجوار. ويستحق به، أي: بالعلو الشفعة في السفل، يعني: لو باع صاحب السفل سفله كان صاحب العلو شفيعًا بالجوار، وليس بشريك (١٠) إذا لم يكن طريق العلو في ذلك السفل. كذا في «الإيضاح» (١١). وقال في الكتاب (١٢): «إذا لم يكن طريق العلو فيه، أي: في السفل ببيان (١٣) أن استحقاق الشفعة بالعلو بسبب الجوار، لا بسبب الشريك، وليس هو لنفي الشفعة إذا كان به (١٤) طريق في السفل، بل إذا كان له طريق في السفل كان استحقاق صاحب العلو الشفعة في السفل بسبب الشركة في الطريق، لا بسبب الجوار حتى أنه يكون مقدمًا على الجار، على ما ذكرنا من «الإيضاح» (١٥).

стр. 4270

ثبوت الشفعة للمسلم والذمي (والمسلم والذميُّ في الشفعة سواء). وقال ابن أبي ليلى: «لا شفعة للذمي». ويقول: «لأن الأخذ بالشفعة رفق (١) شرعي فلا يثبت، لمن هو منكر لهذه الشريعة، وهو الكافر» (٢). ثبوت الشفعة للصغير والكبير ولكنا نأخذ بما قضى به شريح، وقد تأيَّد ذلك بإمضاء عمر ﵁، ثم أهل الذمة قد التزموا أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات، والأخذ بالشفعة من المعاملات، وهو مشروع لدفع الضرر، والضرر مدفوع عنهم، كما هو مدفوع عن المسلمين، كذا في «المبسوط» (٣) و «الصغير» و «الكبير»، [أي] (٤): سواء. وهذا عندنا. وقال ابن أبي ليلى: «فإنه كان يقول: لا شفعة للصغير؛ لأن وجوبها [لدفع ضرر] (٥) التأذي بسوء المجاورة، وذلك بين الكبار دون الصغار، ولأن الصغير في الجوار تبع، فهو في معنى المستعير والمستأجر» (٦). ولكنا نقول: سبب الاستحقاق [متحقق] (٧) في حق الصغير، وهو الشركة أو الجوار من حيث اتصال ملكه بالمبيع على وجه التأبيد؛ فيكون مساويًا للكثير في الاستحقاق به أيضًا، ثم هو محتاج إلى الأخذ لدفع الضرر في الثاني عن نفسه، وإن لم يكن محتاجًا إلى ذلك في الحال، ولمثل هذه الحالة جاز للولي (٨) [من] (٩) تزويج الصغير والصغيرة، فكذلك ثبت في (١٠) حق الشفعة، كذا ذكر في الباب الأول من شفعة «المبسوط» (١١). وكذلك ثبتت الشفعة عندنا للجنين أيضًا؛ لأنه ذكر في باب (الوكالة بالشفعة) من شفعة «المبسوط» (١٢). وإذا كانت الشفعة لورثته (١٣) فهم (١٤) الصغير والكبير والحبل الذي لم يُولد بعدُ، فهم في الشفعة سواء؛ لأن الجنين من أهل الملك بالإرث؛ فباعتبار الملك يتحقق سبب استحقاق الشفعة من جوار أو شركة، وإذا وضعت الحبلى حملها، وقد ثبت نسبه من الميت يتركهم في الشفعة، وإن كان الوضع بعد البيع لأكثر من ستة أشهر؛ لأنا [بما حكمها] (١٥) بثبوت نسبه (١٦) من الميت، فقد حكمنا بالإرث له، ولكونه (١٧) موجودًا عند البيع، فهو بمنزلة ما لو كان بعض الشركاء في الدار غائبًا، فأخذ الحاضر الدار المبيعة، ثم حضر الغائب فله أن يأخذ [حصته من] (١٨) ذلك، والعبد (١٩) إذا كان مأذونًا، أي: يستحق العبد المأذون الشفعة، هذا إذا كان بائع الدار غير المولى، فالمسألة تجري على عمومها، أما إذا كان البائع مولى العبد، والعبد شفيعها، فللعبد الشفعة إذا كان عليه دين، وإلا فلا. هكذا ذكر في باب (الشهادة في الشفعة) من شفعة «المبسوط»، فقال (٢٠): «وإذا باع الرجل دارًا، وله عبد تاجر وهو (٢١) شفيعها، فإن [كان] (٢٢) عليه دين فله الشفعة، وإن لم يكن عليه دين فلا شفعة له؛ [لأن ماله] (٢٣) لمولاه إذا لم يكن عليه دين، فكما أن البائع لا يأخذ ما باع بالشفعة في هذه الدار، فكذلك [عبده لا] (٢٤) يأخذ، [وإذا كان عليه دين فالغرماء أحق بكسبه، وللغرماء حق الأخذ بالشفعة في هذه الدار، فكذلك للعبد أن يأخذها] (٢٥) لنفعهم (٢٦)، يوضحه أن الأخذ بالشفعة بمنزلة الشرى، وشرى العبد من مولاه إذا لم يكن عليه دين باطل، بخلاف ما إذا كان عليه دين، فكذلك حكم الأخذ بالشفعة.

стр. 4271

وعلى هذا لو باع العبد ومولاه شفيعها، فإن لم يكن عليه دين فلا شفعة للمولى؛ لأن بيع العبد وقع له، وإن كان عليه [دين] (١) فله الشفعة؛ لأن بيعه كان لغرمائه، والمولى من كسب عبده المديون كسائر الأجانب لمثل ما تملك به المشتري صورة، أي: في ذوات الأمثال، أو قيمة، أي: في غير ذوات الأمثال، على ما مَرَّ، أي: في فصل (ما يؤخذ به المشفوع) في قوله: (ومن اشترى دارًا بعرض أخذها الشفيع بقيمته) /؛ لأنه من ذوات القيم، (ومن اشترى بمكيل أو موزون أخذها بمثله)؛ لأنهما من ذوات الأمثال، إلى آخره. وعند الشافعي: يجب فيها الشفعة (٢)، وكذلك عند ابن أبي ليلى (٣). وقوله: (يتأتى)، أي: وقول الشافعي [﵀] (٤) إنما يتأتى فيما إذا جعل شقصًا من دار مهرًا؛ لأنه لا يرى الشفعة بالجوار أو ما يضاهيه، أي: أو ما يضاهي المهر كبدل الخلع والأجرة، أي: إذا جعل شقصًا من دار بدل الخلع أو الأجرة في المعنى الخاص المطلوب، وهو المالية، ولا يتحقق [فيهما] (٥)، أي: ولا يتحقق [المعنى] (٦) الحاضر (٧) وهو المالية، ولا يتحقق [فيهما، أي: ولا يتحقق الحاضر المطلوب في الدية] (٨) والعتق، والأولى في تعليل هذه المسألة ما علل [به] (٩) في نكاح «المبسوط»، فقال: «وجوب الشفعة يختص بمعاوضة (١٠) مال بمال مطلق، والبضع: ليس بمال، فكان (١١) المملوك صداقًا بمنزلة الموهوب، فلا تجب فيه الشفعة، وهذا لأن الشفيع إنما يتملك بمثل السبب الذي تملك به المشتري، فإن الشرع قدم الشفيع على المشتري في إثبات حق الأخذ له بذلك السبب، لا في إنشاء سبب آخر، ولهذا لا تجب الشفعة في الموهوب؛ لأنه لو أخذه [أخذه] (١٢) بعوض، فكان سببًا آخر غير السبب الذي تملك به المتملك (١٣). فكذلك هاهنا المرأة إنما ملكت الدار بالنكاح صداقًا، لو (١٤) أخذها الشفيع كان شرى؛ فكان (١٥) سببًا آخر، بخلاف ما إذا اشتراها بعبد، فإن الشفيع يأخذها بمثل ذلك السبب.

стр. 4272

وإنما قلنا هذا أولى؛ لأن الصفقة المضافة إلى المشتري تنتقل إلى الشفيع عند الأخذ بالشفعة، على ما ذكرنا، وذلك إنما يكون، أي: لو كان [ما] (١) يأخذه الشفيع مثل ما يأخذه المشتري من كل وجه، وذلك لا يتحقق فيما أخذ الشفيع الشفعة فيمن جعلها صداقًا للمرأة؛ لأنه بمنزلة المفروض، أي: لأن المهر الذي قبض (٢) بعد العقد بمنزلة المفروض في العقد في كونه يحتمل أن يرجع الضمير في كونه إلى المفروض في العقد، أو إلى المفروض بعد العقد؛ لأن كل واحد منهما مقابل بالبضع، أي: المهر المفروض بعد العقد بمنزلة المهر المفروض في حالة العقد في حق التنصيف في الطلاق وقبل الدخول، في ظاهر الرواية بالإجماع، على ما مَرَّ في كتاب (النكاح) في قوله: (وإن تزوجها ولم يُسَمِّ لها مهرًا، ثم تَرَاضَيا على تسميته، فهي لها، وإن طلقها قبل الدخول بها فلها المتعة)، لا نصف المهر المفروض بعد النكاح؛ لأنه مبادلة مال بمال؛ لأن مهر المثل أو المسمى (٣) مال. وكذلك الدار مال فكانت مبادلة الدار بمهر المثل مبادلة مال بمال، لا تتعلق هذه المبادلة بالبضع. والدليل على هذا: أنه لو طلقها في هذه الصورة قبل الدخول لم يلزمها رد شيء من الدار على الزوج، وإنما يلزمها ثمن الدار ما فرض القاضي مهرًا لها يحبس (٤) من ذلك مقدار المتعة، وتعطيه الفضل على ذلك، بخلاف ما إذا جعلها مسمى لها، فإن هناك تعطيه نصف المسمى، كذا في شفعة «المبسوط» (٥) حتى إن المضارب إذا باع دارًا، وفيها ربح، لا يستحق ربُّ المال الشفعة في هبة (٦) الربح. صورته: إذا كان رأس المال ألفًا، فاتَّجر المضارب ورَبِحَ ألفًا، ثم اشترى بالألفين دارًا في جواز (٧) رب المال، ثم باعها بالألفين، قال (٨) رب المال لا يستحق الشفعة في حصة المضارب من الربح باعتبار أن الربح تبع لرأس (٩) المال، وليس في مقابلة رأس المال شفعة لرب المال؛ لأن البيع كان لرب [المال] (١٠)؛ لأن المضارب وكيل لرب المال في حقه، وليس في بيع الوكيل شفعة للموكل على ما يجيء إن شاء الله تعالى، فكذا في حصة الربح، وهو البيع.

стр. 4273

وفي «الإيضاح» (١) و «المغني» (٢): فلو باع المضارب دارًا من المضاربة، ورب المال شفيعها، فلا شفعة له سواء كان في الدار ربح أو لم يكن؛ لأن المضارب باع الدار لرب المال، وقد عرف أن المضارب وكيل رب المال بالبيع، فلا شفعة فيه، وهذا بخلاف ما إذا اشترى المضارب دارًا، ورب الدار شفيعها بدار له أخرى، فله أن يأخذ الشفعة؛ لأن شرى المضارب، وإن وقع له ولكن في الحكم كأنه مال ثالث. ألا ترى أنه لا يقدر أن ينزعه من يده، فيكون له أن يأخذه، وذكر محمد في المسألة الأولى، وليس إذا كان رب المال لا يملك نهيه عن البيع ما يدل على أن المضارب ليس بوكيل بالبيع من جهته. ألا ترى أن رجلاً لو رهن من آخر دارًا، أو سلط العدل على بيعها إذا حل أجل الدين حتى يستوفي الدين من الثمن لم يكن للراهن أن ينهاه عن البيع، وإن باعها/ العدل والراهن شفيعها بدار له أخرى لم يكن للراهن أن يأخذها بالشفعة؛ لأن العدل وكيل الراهن بالبيع، مع أن الراهن لا يملك رهنه (٣) عن البيع (٤). وقوله: (في حصة الربح)، أي: في حصة ربح المضارب. [قوله] (٥): [قال ﵀] (٦) - قال ﵁: (هكذا ذكر في أكثر النسخ (٧) المختصر: (والصحيح: أو (٨) يصالح عنها بإنكار»، يعني: عطف في المختصر. الشفعة في الصلح على الإنكار قوله: (أو يصالح عليها بإنكار) على الصور التي لا شفعة فيها فيما ذكر قبله، وهو قوله: (ولا شفعة في الدار [التي] (٩) يتزوج الرجل عليها، أو يخالع المرأة بها)، إلى أن قال: (أو يصالح عليها بإنكار) حيث ألحق هذه الصورة بالصور التي لا تجب فيها الشفعة، ليس (١٠) كذلك، بل إنما كان عدم وجوب الشفعة في الصلح على الإنكار فيما إذا كانت الدار مصالحًا عنها لا مصالحًا عليها؛ لأن الصلح إذا وقع على الدار وجبت الشفعة في الأحوال الثلاث؛ من إقرار، وإنكار، وسكوت، والتفصيل بين الإقرار والإنكار فيما إذا وقع الصلح على الدراهم عن الدار؛ لأنه ذكر في الفصل الثالث من شفعة «الذخيرة» (١١): «وإذا ادعى حقًّا على إنسان، وصالحه المدعي قبله، أي: المدَّعى عليه على دار فللشفيع أن يأخذ الدار بالشفعة، سواء كان الصلح عن إنكار أو إقرار، ويدخل السكوت تحت الإنكار، وإنما تثبت الشفعة هنا؛ لأن التملك بالشفعة يقع على المدعي، وفي زعم المدعي أنه ملك هذه الدار عوضًا عما هو عين مال؛ فيبنى الأمر على زعمه، وبمثله لو ادَّعى دارًا في يدي رجل، وصالحه المدعى قِبَله [على] (١٢) أن يعطيه المدعى قبله دراهم، ويترك الدار على المدعى قبله ينظر إن كان الصلح على إقراره (١٣) [قبله بالشفيع، وإن كان الصلح عن إنكار فلا شفعة للشفيع؛ لأن التملك بالشفعة هاهنا يقع على المدعى قبله فإذا كان الصلح على إقرار] (١٤) ففي زعمه أنه تملك الدار بعوض هو عين مال، وإذا كان الصلح عن إنكار ففي زعمه أنه لا يملك الدار بعوض أصلاً، وإنما دفع الدراهم (١٥) فداء عن اليمين، فإذًا في الفصول كلها تعبير زعم من يقع التملك عليه، بخلاف ما إذا صالح عنها (١٦) بإقرار، أي يجب فيه الشفعة.

стр. 4274

وكذلك إذا أقام المدَّعي البينة حيث تجب فيها الشفعة؛ لأن الثابت بالبينة كالثابت بالإقرار. كذا في «المبسوط» (١)؛ لأنه أخذها عوضًا، أي: لأن المدعي أخذ الدار المصالح عنها عوضًا عن حقه في زعمه، أي: عن حق المدعي في زعم المدعى إذا لم يكن من جنسه، أي: إذا لم يكن العوض من جنس حقه، وإنما قيد [به] (٢)؛ لأنه إذا كان من جنسه يكون آخذًا حقه، فلا يكون معاوضة فلا تجب الشفعة. الشفعة في الهبة (ولا شفعة في هبة لما ذكرنا)، وهو قوله قبل هذا في الباب: (بخلاف الهبة)؛ لأنه لا عوض فيها رأسًا، فإنه لما لم يجب في تمليك الدار التي لها عوض، ولكن ليس بمال؛ كالبضع في النكاح، والنفقة في الإجارة فلأن لا يجب في تمليك الدار التي لا عوض مقابلتها أصلاً أولى، وهذا عندنا (٣). وقال ابن أبي ليلى (٤): «الموهوب يستحق بالشفعة إذا كان مما لا يقسم، ويأخذه الشفيع بقيمة نفسه إن لم يعوض الموهوب له الواهب، وإن عوَّضه فبقيمة العوض فإنه يقول: ثبوت حق الشفعة لحاجته إلى دفع ضرر التأذي بسوء مجاورة الجار الحادث، وذلك لا يختلف باختلاف سبب الملك فتجب له الشفعة متى تجدد الملك لجار (٥) حادث بأي سبب كان من هبة، أو صدقة، أو وصية إلا الميراث، فالملك لا يتحدد به، وإنما يبقي للوارث ما كان ثابتًا للمورث، ولكنا نقول: حق الشفعة إنما يثبت له إذا تمكن من الأخذ بمثل السبب الذي يملك به التملك، فأما إذا عجز عن ذلك فلا يثبت له حق الشفعة كالميراث، وفي الهبة لا تقدير (٦) على أن يأخذ بمثل ذلك السبب؛ لأن الموهوب له تملكه بطريق التبرع. وإنما يأخذها [الشفيع] (٧) بطريق المعاوضة فيكون هذا إنشاء لسبب آخر، وبحق الشفعة لا يثبت هذه الولاية. كذا في «المبسوط» (٨) إلا أن يكون بعوض مشروط، أي: في العقد ولابد (٩) من القبض، وهذا عندنا خلافًا لزفر، فإنه إذا وهب لرجل دارًا على أن وهب له الآخر ألف درهم شرطًا فلا شفعة للشفيع ما لم يتقابضا بعد (١٠) التقابض يجب للشفيع فيها الشفعة (١١).

стр. 4275

وعلى قول زفر -[﵀] (١) - تجب الشفعة قبل التقابض، وهو بناء على ما بينا في كتاب (الهبة): أن الهبة بشرط العوض عنده بيع ابتداء وانتهاء (٢). وعندنا: [بيع] (٣) ابتداء، وبمنزلة البيع إذا اتصل به القبض من الجانبين. كذا في «المبسوط» (٤) بخلاف ما إذا لم يكن العوض مشروطًا في العقد، أي: لا تثبت الشفعة/ حينئذ لا في الموهوب ولا في العوض إذا كان العوض دارًا؛ لأن كل واحد منهما هبة من غير عوض، وأوضح ذلك في «الإيضاح» فقال: «ولو وهب له عقارًا من غير عوض مشروط في العقد، ثم عوضه من ذلك دارًا فلا شفعة في الهبة، ولا في العوض؛ لأن هذه هبة أثبتت على هبته، والهبة الثانية أثرت في إبطال حق الرجوع لا أن يكون عوضًا عن الموهوب الأول حقيقة. ألا ترى أنه لو وهبه عشرة وعوَّضه خمسة جاز ولو كان عوضًا عن الموهوب لكان رِبًا، وإذا ثبت أنه ليس بعوض عن نفس الموهوب لم تثبت الشفعة» (٥). وذكر في «الأوضح» (٦): فامتناع الرجوع فيما إذا عُوِّض بدون الشرط لمكان التعويض لا لصيرورتها تبعًا؛ لأنه يمنع زوال الملك عن البائع، فلما كان بقاء حق البائع يمنع ثبوت حق الشفيع، كما في البيع الفاسد كان بقاء ملكه أولى. كذا في «المبسوط» (٧). (والشفعة تبتنى عليه)، أي: على زوال الملك عن البائع على ما مَرَّ، أي: في أوائل كتاب (الشفعة) في قوله: (والشفعة تجب بعقد البيع)، إلى أن قال: (والوجه فيه: أن الشفعة إنما تجب إذا رغب البائع عن ملك الدار) إلى آخره (٨). هل تجب الشفعة مع خيار المشتري (وإذا أخذها)، أي: وإذا أخذ الشفيع الدار في الثلاث، أي: في مدة الخيار التي هي الثلاث، وإنما قيد بالثلاث؛ لتكون المسألة على الاتفاق. (وجب البيع)، أي: تقرر وتحقق البيع الذي جرى بين البائع والمشتري بشرط الخيار، وإنما ذكر هذا؛ لأن المشتري بخيار الشرط لو ردَّ البيع بحكم خيار الشرط قبل طلب الشفيع لم يجب البيع ولم يتحقق، بل انفسخ من الأصل؛ فحينئذ لا يتمكن الشفيع من طلب الشفعة؛ لأن هذا ليس بإقالة، بل انفساخ من الأصل؛ فكان السبب منعدمًا في حقه من الأصل. إلى هذا أشار في «المبسوط» (٩).
следующие страницы →