← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

[على المسلم قيمة الخمر إذا أتلفها] (وإن كان) أي: الخمر على تأويل الشراب، و"إنْ" هذه للوصل أي: مع أنّ الخمر (من ذوات الأمثال) عند من يجعلها متقوّمة، يجب على المسلم قيمتها؛ لكونه مأمورًا به بالاجتناب منها، وفي تمليكها قربان منها، وقوله: (بخلاف ما إذا جرت) متعلق بقوله: (لأن المسلم ممنوع عن تمليكه) أي: (إذا جرت المبايعة) في الخمر (بين ذميين) أو وُجد استهلاك الخمر فيما بينهما يجب مثل الخمر لا قيمتها؛ وذكر في «المبسوط» (١): (ولو غصب نصراني (٢) من نصراني خمرًا فاستهلكها فعليه مثلها؛ لأنّ الخمر من ذوات الأمثال، والمصير إلى القيمة في ذوات الأمثال عند العجز عن أداء المثل، وذلك في حق المسلم دون النصراني؛ لأنه قادر على تمليك الخمر من غيره بعوض؛ ولهذا جاءت المبايعة في الخمر بينهم، وإن أسلم الطالب بعدما قضى له بمثلها، فلا شيء له على الْمُسْتَهْلِكِ؛ لأن الخمر في حق (٣) المسلم ليس بمال متقوّم، فكان بإسلامه مُبَرِّئًا للمستهلِك عمّا كان له في ذمته من الخمر، وكذلك لو أسلما؛ لأن في [إسلام الطالب والمطلوب] إسلامهما إسلام الطالب، ولو أسلم المطلوب وحده، أو أسلم المطلوب ثمّ الطالب فعلى قول أبي يوسف (٤) وهو روايته عن أبي حنيفة (٥) - رحمهما الله- فالجواب كذلك، أي: فلا شيء للطالب على المستهلِك من الضمان، وفي قول محمد (٦) وهو رواية عن أبي حنيفة - رحمهما الله- على المطلوب قيمة الخمر، فوجه قول محمد ظاهر، وهو أن الإسلام الطارئ بعد تقرّر سبب الضمان يُجعل كالمقترن بالسبب، ثم اقتران إسلام المطلوب بغصب الخمر واستهلاكها لا يمنع وجوب ضمان القيمة فكذلك الطارئ بخلاف إسلام الطالب؛ وذلك لأنّ خمر الذمي يجوز أن تكون مضمونة في يد المسلم، فكذلك يجوز (٧) أن تكون مضمونة في ذمة المسلم.

стр. 4202

وأما أبو يوسف (١) ﵀ فيقول: تَعَذُّرُ قَبْض الخمر المُسْتَحَقِّ في الذمة بسبب الإسلام فلا تجب القيمة، وتحقيقه: أنه لمَّا وجب الخمر بالسبب دينًا في الذمة، لم يمكن إيجاب القيمة باعتبار أصل السبب، ولم يمكن أيضًا إيجاب القيمة عوضًا عما كان في الذمة؛ لأن شرطها تمليك ما في الذمة بها أي: تمليك الخمر الواجب في الذمة لمن عليه/ بمقابلة قيمة الخمر التي يأخذها منه، والذميُّ لا يَقْدِر على تمليك الخمر من المسلم بعوض كما أنّ المسلم لا يتملك الخمر بعوض؛ فلانعدام الشرط يتعذّر استيفاء القيمة، كما لو هشم قُلْب فضة إنسان، ثم تَلِف المكسور في يد صاحب الْقُلْب ليس له أن يُضَّمِن الكاسر شيئًا؛ لأن شرط تضمين القيمة تمليك المكسور منه، وذلك فائت، وبه فارق الإسلام المقارن؛ لأن وجوب القيمة هناك باعتبار أصل السبب، وهو الغصب والاستهلاك، فإنّه موجب للضمان باعتبار الجناية من غير أن يكون موجبًا للملك في المحل عند التعذّر، كما في غصب المدبَّر). [حرمة الربا في عقيدة أهل الكتاب] (لأنه مستثنى عن عقودهم) أي: بعدم الجواز، (وهو قوله ﵇: «إلا من أربى فليس بيننا، وبينه عهد» (٢)؛ وهذا لأن ذلك فسق منهم في الاعتقاد لا ديانة، وقد ثبت بالنص حُرمة الربا في اعتقادهم، قال الله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ (٣) كذا في «المبسوط» (٤).

стр. 4203

[إتلاف عبد الذمي المرتد] (وبخلاف العبد المُرتد) معطوف على (بخلاف الربا) وكلاهما متعلقان بقوله: (لأن الذمي غير ممنوع عن تمليك الخمر) يعني: أن الذمي متروك بما هو عليه من اعتقاده من حِلِّ الخمر، على ما ذُكر قبل هذا، ونحن أُمرنا بأن نتركهم وما يدينون؛ فلذلك إذا أتلف المسلمُ خمرَ الذمي يَضمن فَوَرد على هذا الأصل إشكالٌ، وهو استحلالهم الربا اعتقادًا فأجاب عنه، ثم ورد عليه العبد المرتد للذمي؛ فإنّ المسلم إذا أتلفه لا يضمن للذمي، وإن كان الذمي يَعتقد أن العبد المرتد مال متقوم، وأنه مُحقٌ في اعتقاده عند نفسه، ومع ذلك لم يصر اعتقاده حُجة في إيجاب الضمان على المتلِف، وهو المقيس عليه للشافعي (١) في مسألة الخمر فأجاب عنه بقوله: (لِأَنَّا مَا ضَمِنَّا لَهُمْ تَرْكَ التَّعَرُّضِ لَهُ) أي: للعبد المرتد للذمي (لما فيه) أي: لما في ترك التعرض (من الِاسْتِخْفَاف في الدين) ولكن يُشكل على هذا التعليل مسألة من أتلف صَليبًا (٢) على نصراني ضمِن قيمته صليبًا، وفي ترك التعرض في حقيقة عبادة الصليب على اعتقادهم استخفاف للدين، ومع ذلك قلنا بوجوب (٣) قيمة الصليب؛ عملًا باعتقادهم لا بنفس النُّقرة (٤) أو الصُّفر أو غير ذلك فأجاب عنه في «الإيضاح» (٥) فقال: لأن النصراني مُقِرّ على ذلك. [الخلاف في ضمان إتلاف الشاة المذبوحة بترك التسمية عليها عمدا] وكذلك قوله: (وبخلاف متروك التسمية عامدًا) يتعلق بقوله: (ونحن أُمرنا بأن نتركهم وما يدينون) يعني: لما أُمرنا بأن نترك أهل الذمة على ما اعتقدوه مع أن اعتقادهم في ذلك باطل من كل وجه حتى وَجب الضمان على مُتلِف خمرهم عملًا باعتقادهم في التقوم، كذلك وجب علينا أن نترك أهل الاجتهاد على ما اعتقدوا من حقيَّة اجتهادهم مع احتمال ذلك بالطريق الأولى، فحينئذ يجب علينا أن نقول: بوجوب ضمان من أتلف الشاة المذبوحة بترك التسمية عامدًا؛ لأن اعتقاد الشافعي (٦) ﵀ -وأصحابه أنه مال متقوم فأجاب عنه بقوله (لأن ولاية المُحاجَّة ثابتة (٧) معهم فلمَّا كانت المحاجة ثابتة، قد ثبت لنا بالنص القطعي أن متروك التسمية عامدًا حرام، فلذلك لم نعتبر اعتقادهم في إيجاب الضمان (٨) وقوله: (وبخلاف متروك التسمية) أي: (عمدًا إذا كان لمن يبيحه)، وهو الشافعي (٩) ومن تابعه.

стр. 4204

[من غصب جلد ميتة] (القَرَظ) بفتحتين وَرَقُ السَّلَمِ يُدْبَغُ بِهِ، وَمِنْهُ أَدِيمٌ مَقْروظ (١)، وبالفارسية (برغنج) (والْعَفْصُ) (٢) (مازر) (ويأخذ الجلد ويعطي ما زاد الدباغ فيه) (٣) على بناء الفاعل أي: المالك يأخذ ويعطي، فإن قيل: إذا لم يكن لجلد الميتة قيمةٌ بماذا يُعرف قيمة ما زاد الدباغ فيه؟ قلنا: (أن يَنظر إلى هذا الجلد لو كان ذكيًا) إلى آخره، وهو المذكور في الكتاب (٤) قال القدوري- ﵀ في كتابه (٥): إنما يكون لصاحب الجلد إذا أخذ الدَّبَّاغُ الجلد من منزله، فأمّا إذا ألقى صاحبه في الطريق فأخذ رجل جلدها ودبغه فليس للمالك أن يأخذ الجلد، وعن أبي يوسف (٦) ﵀ أن له أن يأخذ في هذه الصورة أيضًا، كذا في «الذخيرة» (٧). [من استهلك جلد الميتة] (وقالا: يضمن الجلد مدبوغًا، ويعطي ما زاد الدباغ فيه) على بناء المفعول أي: ويعطي ما زاد الدباغ فيه على بناء المفعول أي: يعطي الذي دبغه ثم استهلكه هذا محمول على اختلاف جِنس ما ضمن، وما أعطى على ما ذكر في الكتاب (٨)، (ولو هلك) أي: كل [من استهلك الخل] واحد من الخل (٩) والجلد المدبوغ وقوله (أمّا الخل فلأنه لمَّا بقي على ملك مالكه) إلى آخره دليل صورة الاستهلاك بالضمان أو عدم الضمان على ما اختلفوا (١٠)، ولم يذكر الدليل لقوله: [لا ضمان على الغاصب إذا هلك الجلد أو الخل في يده] (ولو هلك في يده لا يضمن بالإجماع (١١) لأن دليله ظاهر، وهو أنه لو ضمن لا يخلو إما أن يضمن قيمته يوم الغصب أو يوم الهلاك، ولا وجه لضمان قيمته يوم الغصب؛ لأنه لم يكن لكل واحد من الخمر، وجلد الميتة قيمة يوم الغصب/، ولا وجه لضمان قيمته يوم الهلاك أيضًا؛ لأنه لم يوجد منه فعل في هلاكه، والضمان لا يجب إلا بفعل موصوف بالتعدي.

стр. 4205

[من غصب استهلكه] قوله- ﵀: (كما لو غصب ثوبًا فصبغه، ثم استهلكه يَضمَنه، ويعطي المالك ما زاد الصبغ فيه) (وهذا المعنيين أحدهما: أن الاستهلاك جناية موجبة للضمان في محل هو مال متقوّم، وقد وُجد ذلك لمَّا بقِيَ الجلد على مِلك صاحبه بعدما صار مالًا متقومًا كما في الثوب، إلا أن هناك السبب الأول هو الغصب موجب للضمان أيضًا، فله أن يضمنه بأي السببين شاء، وههنا السبب الأول وهو الغصب غير موجب للضمان، فتعيّن التضمين بالسبب الثاني، فكان هو في هذا السبب كغيره، ولو استهلكه غيره كان للمغصوب منه أن يُضَّمِن المٌستهلِك، ويعطي الغاصب ما زاد الدباغ فيه (١). والثاني: وهو أنه لمَّا بقِيَ الجلد مضمون الرد عليه، فإذا تعذّر ردّ عينه باستهلاكه يجب عليه ردّ قيمته؛ لأنه بالاستهلاك فوَّت ما كان مُستحَقًّا عليه، والتفويت موجب للضمان بخلاف الهلاك؛ فإن التفويت لم يوجد هناك فلا يضمن، كما في المستعار، حيث يَضمَنه بالاستهلاك دون الهلاك، وكذلك لو دبغه بشيء لا قيمة له يضمنه بالاستهلاك دون الهلاك، وحُجة أبي حنيفة- ﵀ في ذلك: هو أن المغصوب منه استفاد المالية والتقوم في هذا الجلد من الغاصب ببدلٍ استوجبه الغاصب عليه، فلا يكون له أن يضمنه شيئًا بعد استهلاكه، كما لو استهلك البائعُ المبيعَ قبل التسليم، وتقريره من وجهين: [استهلاك الجلد] أحدهما: أن الاستهلاك غير موجب للضمان عليه باعتبار ما زاد الدباغ فيه؛ لأن ذلك كان مملوكًا له قبل الاتِّصال بالجلد، وبعد الاتِّصال بقي حقًّا له حتى كان له أن يحبسه لِيَسْتَوْفِيَ بدله، والجلد بدون هذا الوصف لا يكون مضمونًا عليه بالاستهلاك كما لو استهلكه قبل الدباغ، وبه فارق الثوب؛ فإن الاستهلاك فيه بدون صفة الصبغ موجب للضمان، وبه فارق ما إذا دبغه بشيء لا قيمة له؛ لأنّ الصنعة ما بقيت حقًّا للغاصب بعد الاتِّصال بالجلد؛ ولهذا لا يَحبسه ولا يرجع ببدله. والثاني: ما اتَّصل بالجلد من الصفة ههنا مال متقوّم للغاصب حقيقة وحكمًا، وهو قائم من كل وجه، وقد كان مالًا قبل الاتِّصال بالجلد، وبقي بعده كذلك، وأمّا أصل الجلد فلم يكن مالًا متقومًا قبل الدِّباغ، وما كان مالًا بنفسه ومتصلًا بغيره يترجح على ما لم يكن مالًا قبل الاتصال، وإنما (٢) صار مالًا بالاتِّصال، فتكون العبرة للراجح، واستهلاكه فيه غير موجب للضمان، بخلاف الثوب؛ لأن الأصل هناك كان مالًا قبل الاتِّصال، ولمَّا استويا في صفة المالية رجحنا ما هو الأصل، وإذا دَبغَه بشيء لا قيمة له فالوصف ههنا ليس بمال لا قبل الاتِّصال ولا بعده، والأصل مال بعد الاتِّصال؛ فرجحنا جانب الأصل لهذا) كذا في «المبسوط» (٣).

стр. 4206

[إذا كان الجلد وأراد المالك تركه على الغاصب] (كما في المستعار) أي: في التفويت والفوات، (فأراد المالك أن يتركه على الغاصب في هذا الوجه) [أي: في الوجه الذي كان الدباغ فيه] (١) بشيء متقوم (وَيُضَمِّنَهُ قيمته قيل: ليس له ذلك) أي: مطلقًا من غير ذكر (٢) خلاف (وقيل: ليس له ذلك عند أبي حنيفة (٣) ﵀) أي: مُقيدًا بقول أبي حنيفة (وأمّا عندهما (٤) فله) ولاية التضمين، فكان القول الثاني غير القول (٥) الأول؛ لأن المقيد (٦) غير المطلق (٧) (ثم قيل: يضمنه قيمة جلد مدبوغ) (٨) أي: على قولهما؛ لأن الكلام فيما إذا دبغه بشيء [له قيمة، وقيمة التضمين عندهما في الاستهلاك (ولو استهلكه) أي: جلد الميتة الذي دبغه بشيء] (٩) لا قيمة له، ([يضمن قيمته] (١٠) مدبوغًا)، وهذا بالإجماع (١١). [إذا دبغ الغاصب الجلد بما لا قيمة له] وهكذا نصّ في «الذخيرة» (١٢) [وغيرها، فقال في «الذخيرة»:] (١٣) وإذا استهلكه الغاصب فإن دبغه بشيء لا قيمة له ضَمِنه في قولهم جميعًا؛ لأنه صار مالًا على ملك صاحبه، ولا حق للغاصب فيه، فكانت المالية والتقوم جميعًا حقًّا للمالك، فيَضمن بالاستهلاك، (وقيل: طاهرًا غير مدبوغ) (١٤). [تضمين الغاصب قيمة الجلد مدبوغًا] وفي «المبسوط» (١٥): (ومن أصحابنا من يقول: يُضمِّنه قيمته طاهرًا غير مدبوغ؛ لأن صفة الدباغ حصلت بفعله، فلا يوجب الضمان عليه، ولكن من ضرورته زوال صفة النجاسة، وذلك غير حاصل بفعله، بل يتميّز الجلد من الدسومات (١٦) النجسة، وأكثرهم على أنه يضمِّنه قيمته مدبوغًا؛ لأن صفة الدباغ ههنا تبع للجلد، وهي غير معتبرة منفردة عن الجلد؛ ولهذا لا يغرم باعتبارها شيئًا، فإذا صار أصل الجلد مضمونًا عليه بالاستهلاك، فكذلك ما تبعه كالخمر إذا خلّلها)

стр. 4207

وذكر في «الإيضاح» (١) و «الذخيرة» (٢) بعدما ذكر دباغة الغاصب جلد الذكية والميتة/ (فقال: وفي القدوري (٣) لو أن الغاصب جعل هذا الجلد أديمًا (٤) أو زِقًّا (٥) أو دفترًا (٦) أو جِرابًا (٧) أو فروًا (٨) لم يكن للمغصوب منه على ذلك سبيل؛ لأنه تبدَّل الاسم والمعنى بصنع الغاصب فكان هو أولى؛ فإن كان الجلد ذكيًّا فله قيمته يوم الغصب، وإن كان الجلد جلد ميتة فلا شيء له). [تخليل الخمر بإلقاء الملح فيها] (ولو خَلَّلَ الخمر بإلقاء الملح) إلى آخره وحاصلة: أنّ التخليل على وجوه ثلاثة: أما إن خلّلها بالنقل من الظل إلى الشمس، أو بإلقاء الملح فيه، أو نَصَبَ الخل فيه؛ ففي الوجه الأول: الخل لصاحب الخمر بغير شيء؛ لأنه عين ماله؛ وإنما أزال صفة الخمرية بغير ثمن، فصار كما لو تخلَّلت بنفسها، وهو وغسل الثوب النجس سواء، فإن استهلكه الغاصب بعد ذلك ضمِن مثله؛ لأنه استهلك مالًا متقومًا خالصًا للمالك، وإن خللها بإلقاء الملح فيه اختلف المشايخ فيه (٩)، قال بعضهم: هذا والأول سواء (١٠)؛ لأن الملح صار مُستهلَكًا فيه؛ فلا يُعتبر، وقال بعضهم: على قول أبي حنيفة (١١) ﵀ الخل للغاصب؛ لأنه استهلاك، إلا أن الخمر لم تكن متقومة، والملح كان متقوّمًا، فيترجح جانب الغاصب فيكون له بغير شيء (١٢)، (وعلى قولهما (١٣) للمالك أن يأخذ الخل ويعطيه ما زاد الملح فيه كما في دبغ الجلد)، وصبغ الثوب؛ فإن أراد المالك أن يتركه على الغاصب ويُضمِّنه قيمته فيه روايتان (١٤)، في روايةٍ: له ذلك كما في جلد الميتة، وفي رواية: ليس له ذلك.

стр. 4208

[تخليل الخمر بصب الخل فيها] وأمّا إذا خلَّلها بصب الخل فيها اختلف المشايخ (١) فيه أيضًا، قال بعضهم: على قول أبي حنيفة (٢) ﵀ يكون للغاصب بغير شيء، سواء صار خلًّا من ساعته، أو بمرور الأيام؛ لأن الخلط (٣) استهلاك، واستهلاك الخمر لا يوجب الضمان، وعلى قول أبي يوسف ومحمد (٤): إن صار خلًّا بمرور الزمان كان بينهما على قَدْرِ كَيْلِهِمَا؛ لأنه لم يصير استهلاكًا، بل صار في التقدير كأنه نُصِب في الخل. [إن صار الخمر خلا من ساعته فهو ملك الغاصب لأنه استهلاك] (وإن صار خلًا من ساعته كان للغاصب ولا ضمان عليه، لأنه استهلاك) وذكر شمس الأئمة الحلواني (٥) ﵀ ظاهر الجواب فيها: أن يَقسم سهمًا على قَدْرِ كَيْلِهِمَا، سواء صارت خلًّا من ساعتها أو بعد حين، أمّا عندهما فلا يُشكل؛ لأن الخلط ليس باستهلاك عندهما (٦)، وكذلك عند أبي حنيفة-﵀؛ لأن عنده الخلط يوجب زوال الملك بشرط الضمان، والضمان هنا متعذّر؛ لأنّ خمر المسلم لا يُضمن بالإتلاف، فصار كما لو انصب خَلَّه في خمره لا بصنعه، وثمنه يكون مُشتركًا بينهما على قَدْرِ كَيْلِهِمَا، كذلك ههنا؛ فإن استهلكه الغاصب ينبغي أن يكون ضامنًا عند الكل على هذا القول، كذا ذكره الإمام قاضي خان في «الجامع الصغير» (٧). [إذا كان الجلد وأراد المالك تركه على الغاصب] وقوله: (قالوا عند أبي حنيفة (٨) ﵀ صار ملكًا للغاصب) إلى آخره فيه إشارة إلى أن فيه اختلاف المشايخ على ما ذكرنا؛ لأن لفظ قالوا إنما يستعملونه فيما فيه اختلاف، إذ حكم الإجماع يُعلم بإجراء اللفظ على إطلاقه بدونه، فلا بدَّ لذكره من فائدة، وهي ما ذكرنا (صار ملكًا للغاصب)؛ لأنه استهلاك، إلا أن الخمر لم تكن متقوّمة، والملح كان متقومًا، إلى آخر ما ذكرنا، (وإن أراد المالك تركه وتضمينه فهو على ما قيل، وقيل) ينبغي أن يُقرأ هذان اللفظان بالوصل حتى يُستفاد منه مُراد صاحب الكتاب؛ فإن مراده فهو على القولين المذكورين في دبغ الجلد، وهو ما ذكره قُبيل هذا بقوله: (ولو كان قائمًا فأراد المالك أن يتركه على الغاصب في هذا الوجه ويضمنه قيمته، قيل: ليس له ذلك، وقيل: ليس له ذلك عند أبي حنيفة (٩) ﵀، وعندهما له ذلك) فكان تقدير قوله: (فهو على ما قيل، وقيل) أي: فهو على تقدير قيل، ويستثنيه حتى يُستفاد منه [معنى قوله] (١٠) فهو على القولين اللذين ذكرناهما، والدليل على هذا ما ذكرته من رواية قاضي خان (١١) بقوله فيه روايتان: (وهو على أصله) أي: أصل محمد (١٢) ليس باستهلاك، فإنّ أصل محمد، وهو قول أبي يوسف (١٣) أيضًا إن خلط الشيء بجنسه (ليس باستهلاك) عندهما، ولمَّا لم يكن استهلاكًا عنده كان الخل مشتركًا بين الغاصب، وبين المغصوب منه؛ لأنّه صار خالطًا خلَّ نفسه بخل المغصوب منه، وما صار مُستهلكًا للخمر، ولكن زالت عنها النجاسة بصُنعه؛ فإذا صار الخل مشتركًا بينهما؛ فإذا أتلفه فقد أتلف خلَّ نفسه وخلَّ غيره، فيضمن خلًّا مثل خلِّ المغصوب منه، كذا ذكره صدر الإسلام- ﵀ في «الجامع الصغير» (١٤).

стр. 4209

[لا يُضمن خمر المسلم بالاستهلاك] (هو للغاصب في الوجهين) وهما ما إذا صارت خلًّا من ساعته، وأما إذا صارت خلًّا بعد زمان (ولا ضمان في الاستهلاك) أي: في هذا الاستهلاك، وهو استهلاك خمر غيره بخلِّ (١) نفسه؛ لأن خمر المسلم لا يُضمن بالاستهلاك، ولو ضمّنه إنما يضمنه باعتبار الخلّ؛ لأنه هو المتقوم، ولا ضمان/ ههنا باعتباره أيضًا؛ لأن الخل ملكه (٢) (وبعض المشايخ أجروا جواب الكتاب (٣) على إطلاقه (٤) إلى آخره، وبعضهم قالوا (٥) أيضًا: المخلوط ههنا مشترك بالإجماع (٦)؛ لأنّ عنده إنما ينقطع حق المالك بالاستهلاك إذا ضمِنه، فالخلط كالكيل والموزون إذا غصبه وخلطه بمثله من ملك نفسه، وأما إذا لم يكن مضمونًا عليه فلا ينقطع، ووجود الاستهلاك كعدمه، فبقي مشتركًا كالكيل إذا اختلط بنفسه بمكيل آخر لغيره، كذا ذكره الإمام المحبوبي (٧)، وما ذكرناه من الأقوال يحتمل أن يكون هو الذي ذكر بقوله: (وقد أثبتناها في كفاية المنتهى).

стр. 4210

(ومن كسر لمسلم بَرْبَطًا (١) (٢) إلى آخره، هذه المسألة من (٣) مسائل «الجامع الصغير» (٤) وموضعها فيه في آخر كتاب الضمان قُبيل كتاب القضاء. [المخلوط مشتركا بين الغاصب والمالك بالإجماع] (هَرَاقَ (٥) الْمَاءَ يَعْنِي: أَرَاقَهُ أَيْ: صَبَّهُ يُهَرِيق بِتَحْرِيكِ الْهَاءِ، وَأَهْرَاقَ يُهْرِيقُ بِسُكُونِ الْهَاءِ فِي الْأَوَّلِ بَدَلٌ مِنْ الْهَمْزَةِ وَفِي الثَّانِي زَائِدَةٌ) كذا في «المغرب» (٦) وذكر في «الصحاح» (٧) (هَرَاقَ الْمَاءَ يُهَرِيقُهُ بِفَتْحِ الْهَاءِ، هِرَاقَةً، أَصْلُهُ أَرَاقَ يُرِيقُ إِرَاقَةً، وَأَصْلُ أَراقَ يُرْيِقُ، وأَصل يُرِيقُ، يؤريق (٨)؛ وَإِنَّمَا قَالُوا أَنا أُهَرِيقُه وَهُمْ لَا يَقُولُونَ أُأَرِيقُهُ لِاسْتِثْقَالِهِمُ الْهَمْزَتَيْنِ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بَعْدَ الإِبدال، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخرى: أَهْرَقَ الْمَاءَ يُهْرِقُه إهْراقًا عَلَى أَفْعَلَ يُفْعِلُ، إلى أن قال: وفيه لغة ثالثة: أَهْراقُ يُهْريقُ إهْراقًا، وهذا شاذ، وَنَظِيرُهُ أَسْطَاع يُسْطيع إسْطِياعًا، بِفَتْحِ الأَلف فِي الْمَاضِي وَضَمِّ الْيَاءِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، لُغَةٌ فِي أَطاع يُطِيع، فَجَعَلُوا السِّينَ عِوَضًا مِنْ ذَهَابِ حَرَكَةِ عَيْنِ الْفِعْلِ) (٩). [الخلاف في حكم ضرب الدف] (فهو ضامن) أي: لقيمة الآلة التي تصلح مثلها لغير اللهو على ما ذكر في الكتاب (١٠) (والدُّف (١١) الذي يُباح ضربه في الْعُرْسِ يُضْمَن بالإتلاف من غير خلاف (١٢)، وفي «فتاوى أبي الليث» (١٣) إنَّ ضَرْب الدُّف في العُرس (١٤) مُختلف فيه بين العلماء، بعضهم قالوا: يُكره، وبعضهم قالوا: لا يكره، (قال الفقيه أبو الليث (١٥) ﵀ الدف الذي يُضرب في زماننا هذا مع الصَنْجَات (١٦) والجلاجلات (١٧) ينبغي أن يكون مكروهًا (١٨)؛ وإنما الخلاف في الذي كان يضرب في الزمان المتقدم) كذا في «الذخيرة» (١٩).

стр. 4211

[ضمان من كسر بربطا أو مزمارا] (لهما أن هذه الأشياء أعدّت للمعصية فبطل تقومها) وذكر الصدر الشهيد (١) ﵀ في باب العدوى والأعداء من أدب القاضي (٢) رواية عن أصحابنا: أنه يُهدم البيت على من اعتاد الفسق (٣) وأنواع الفساد، حتى (٤) قالوا: أيضًا لا بأس بالهجوم على بيت المفسدين، وقيل: يُراق العصير أيضًا قبل أن يشتدَّ ويُقْذف بالزَّبد (٥) على من اعتاد الفسق، وقد رُوي عن عمر ﵁: «أنه أحرق البيت على الثقفي (٦) حين سَمِع شرابًا (٧) في [من كسر بإذن الإمام لا يضمن] بيته» (٨)، وهل يَضمن قيمة الدِّنان (٩) بكسرها (١٠)؟ (إن كان بإذن الإمام لا يَضمن) وإلا ضمن (١١) (ولأنه فعل ما فعل آمرًا بالمعروف وهو بأمر الشرع) قال النبي ﵇: «بعثت لكسر المزامير وقتل الخنازير» (١٢) والمأمور به شرعًا لا يصلح سببًا للضمان (١٣)، وعن شٌريح (١٤) ﵀ أن رجلين اختصما إليه في طُّنْبور (١٥) فلم يلتفت إليهما حتى قاما من عنده، قال أبو يوسف (١٦) ﵀: لو كنت أنا، فإن كانت خصومتهما وهو في أيديهما أو في يد أحدهما كسرته وعزَّرتُهما، وإن كَسَرَه أحدهما والآخر يطلب الضمان جَزيت الذي كسره خيرًا، وأوجعت الآخر عقوبة؛ وهذا لأن هذه [الأشياء اتُّخذت للهو] (١٧) والمعصية؛ [فإن الاجتماع] (١٨) منها معصية وقال النبي ﵇: «استماع صوت الملاهي معصية، والجلوس عليها

стр. 4212

من الفسوق، والتلذُّذ بها من الكفر (١) (٢) (٣). وقد رُوي أن عمر (٤) ﵁ بلَغَه عن نائحة (٥) من نساء أهل المدينة فأتاها حتى هجم عليها في منزلها، ثم ضربها بالدِّرة (٦) حتى سقط خِمارها (٧) فقيل له: «يا أمير المؤمنين إن خمارها قد سقط؟ فقال له: إنه لا حرمة لها» (٨) وتكلموا في قوله: «لا حرمة لها» قيل: معناه أنها لما اشتغلت بما لا يحل في الشرع فقد [أسقطتْ بما صنعتْ حرمتها والتحقت] (٩) بالإيماء، والدليل عليه ما رُوي عن الفقيه أبي بكر البلخي (١٠) ﵀ أنه خرج على بعض نهرٍ، وكان النساء على شط (١١) نهر كاشفات الرؤوس والذراع، فقيل له: كيف فعلت هذا؟ فقال: إنه لا حرمة لهن، إنما الشك في إيمانهن كأنهن (١٢) حربيات) وإنما قال ذلك استدلالًا بما قاله عمر ﵁ كذا في «الجامع الصغير» (١٣) للإمام المحبوبي.

стр. 4213

[وجوه الأمر بالمعروف] وذكر في «الذخيرة» (١) و «المغني» (٢) ناقلًا عن بستان الفقيه أبي الليث (٣): (أن الأمر بالمعروف على وجوهٍ، إن كان يعلم بأكثر رأيه أنه لو أمر بالمعروف يَقبلون ذلك منه، ويمتنعون عن المنكر، فالأمر واجب عليه، ولا يَسَعه تركه، ولو عَلِم بأكثر رأيه بأنه لو أمرهم بذلك قذفوه وشتموه فترْكه أفضل، وكذلك لو عَلِم أنهم يضربونه ولا يصبر على ذلك، ويقع بينهم العداوة، ويَهِيجُ/ منه القتال؛ فتركه أفضل، ولو عَلِم أنهم لو ضربوه صَبَرَ على ذلك، ولم يشْكُ إلى (٤) أحد فلا بأس به، وهو مجاهدٌ، ولو عَلِم أنهم لا يقبلون منه، ولا يخاف منهم ضربًا ولا شتمًا فهو بالخيار، والأمر بالمعروف أفضل)؛ وذكر الإمام المحبوبي (٥) مطلقًا فقال: ثم الأمر بالمعروف واجب، أو فرض إذا غَلَب على ظنِّ الآمر أنه لو أمره بالمعروف ترك الفسق، وإن غلب على ظنه أنه لا يتركه لا يكون إثمًا في ترك الأمر، والله أعلم [بالصواب] (٦).

стр. 4214

كتاب الشفعة وجهُ مُناسبة الشُّفعة بالغَصب من حيث إنَّ كُلاً منهما يملك الإنسان مال غيره بغير رضاه، خلا أنَّ الغَصبَ [في] (١) في نفسه عدوانٌ مَحضٌ، والشفعة مشروعة بأصلها ووصفها، فكان من حقها أن تُقدَّم على الغصب لشرعيتها، لكن الإنسان أحوج إلى معرفة أحكام الغصب؛ لكثرة وقوعه بسبب كثرة أسبابه؛ لتصور الاستحقاق في البياعات والأشربة والإجارات والشركات والمزارعات وغيرها، أو (٢) وجوده من الظَّلَمَة واللصوص المتعلقة جهارًا خصوصًا في هذا الزمان، وأن (٣) الغالب منهم الغصب والعدوان. سبب الشفعة وأمَّا سببُ الشفعة فشيءٌ واحد: وهو اتصال ملك العقار عند البيع؛ إمَّا بالشركة، أو بالجِوار. ثم محاسن شرعية الشفعة ظاهرة، وهي أنَّ الأصل في شرعيتها: دفع ضرر الجوار، وهو مادة المَضَارِّ والضِّرار؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٤)، وقال [النبي] (٥) ﵇: «لَا ضَرَر وَلا ضِرَارَ في الإسلام» (٦).

стр. 4215

ولا شكَّ لأحد في حُسن [دفع] (١) ضرر التأذي بسبب سوء المجاورة على الدوام من حيث إيقاد النار، وإعلاء الجدار، وإثارة الغبار، ومنع ضوء النهار، وكم من شريك في العقار، أو مجاور في الدار ممن يُتبرك بوجوده ويُسمن بوقوده، وكم مِن مُخالفٍ في دينه وديانته، ومُسَاوٍ خائن في حفظه وصيانته بحيث لا يصاير بطلعته المشئومة بساعة (٢)؛ فكيف بالدَّوام، ولا يُقاوم فكأنه في طرفي بلد؛ فأنى بالجوار والانتظام! وقد جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ (٣)، أي: لألزِمَنَّه صُحبة الأضداد، وعن بعضهم: أَضيقُ السُّجون مُعَاشرةُ الأضداد (٤). تعريف الشفعة فلمَّا كان كذلك كان دفع العدوان شرعية الشفعة من المحاسن التي ليس وراءها شيءٌ من الحُسن؛ إذ سَعيُ الإنسان في أمور الدنيا والآخرة ليس إلا لدفع العذاب، والوصول إلى جزيل الثواب؛ فيحتاج هاهنا إلى بيان الشفعة لغة وشرعًا، وسببها، وشرطها، وركنها، وصفتها، وحُكمها، ومراتبها. أمَّا اللُّغةُ: فهي مأخوذة من الشَّفع الذي هو ضِدُّ الوتر، وهو الضَّمُّ لما فيه من ضَمِّ شيءٍ إلى شيء، ومنه شفاعةُ رسول الله ﵇ (٥) للمُذنبين؛ لأنه يَضُمُّهم بها إلى الفائزين. وفي الحديث: أنَّه ﵇[بعث] (٦) مُصدقًا؛ فأتاه بشاة شافع، فلم يأخذها، فقال: «ائْتِني بِمُعْتَاطٍ» (٧). فالشَّافع: هي التي معها ولدها؛ لأنها شفعتة (٨)، يقال: شفع الرجل شفعًا، إذا كان فردًا فصار له ثانيًا. والمعتاط: العائط، وهي التي لم تَحمل (٩). واستشفعتُه إلى فلانٍ، أي: سألتُه أن يَشفع فيَّ، وكذلك الشفيع فيما نحن فيه: بضم المأخوذ إلى مُلكه (١٠)؛ فَسُمِّي لذلك شفعة.

стр. 4216

وأما شرعًا: فهي عبارةٌ عمَّا يَتملك (١) المرءُ على المشتري حين اشترى العقارَ من شريك الشفيع أو جَارِه. وأما سببُها: فعامَّة المشايخ يقولون: سببُ وجوب الشفعة: اتِّصال ملك الشفيع بملك البيع؛ لأنَّ الشفعة إنما تجب لدفع ضرر الدخيل عن الأصل، وهو ضَرر سوء المعاملة والمعاشرة، وإنَّما يتحقق هذا الضرر عند اتصال ملك الشفيع بملك البيع (٢). ولهذا قلنا (٣): كما ثَبت حقُّ الشفعة للشريك في رقبة المبيع ثبتت لشريك في حق من حقوقه نحو الطَّريق والشُّرب، ويثبت للشَّريك في حَدٍّ من حدوده، وهو الجوار، فإنَّ اتصال ملك الجار من شركةٍ في الحدِّ إنما كان كذلك (٤)؛ لأن ضرر المشتري بسبب اتصال الملك موجود في هذه [الوجوه] (٥). وكان الخَصَّاف ﵀ (٦) - يقول: «الشفعة تجبُ بالبَيع، ثم تجبُ بالطَّلب» (٧). فهو إشارةٌ منه إلى أنَّ كليهما سببٌ على التعاقب، وأنَّه غير صحيح؛ لأنَّ الشفعة إذا وجبت بالبيع، لا يُتصور وجوبُها ثانيًا بالطلب. وذكر شيخ الإسلام- ﵀ (٨) - أنَّ الشَّركةَ مع البيع عِلَّةٌ لوجوب الشفعة؛ لأنَّ حَقَّ الشفعة قط لا يَثبت إلا بهما، ولا يجوز أن يقال بأنَّ الشِّرى شرط الشركة عِلَّة وسبب، فإنَّ الشفيع لو سَلَّم الشفعة قبل البيع لا يَصح، ولو سَلَّم بعد البيع/ يصحُّ، ولو كان سبب وجوب الشفعة الشركة وحدها لَصَحَّ (٩) التسليمُ قبل البيع؛ لأنه حصل بعد وجود سبب الوجوب. أَلا ترى أنَّ الإبراء عن سائر الحقوق بعد وجود سبب الوجوب جائز، فعُلم بهذا أنَّ الشركة وحدها ليست بعلة. والحاصل: أنَّ استحقاق الشفعة بالشركة عند البيع، أو بالشركة والبيع، وتأكدها بالطلب، وثبوت [الملك في] (١٠) البقعة بالقضاء أو الرِّضاء (١١).

стр. 4217

شروط الشفعة وأمَّا شَرْطُها [المخصوص بها] (١): فهو أن يكون المحل عقارًا -سُفْلاً كان أو عُلوًا- يحتمل القسمة؛ كالدَّار والبيت، أو لا يحتمل كالحمام والبئر، والمحال شروط، فكذا صفاته؛ فإنَّ الشفعة لا تجب في المنقولات مقصودًا، وإنما تجبُ تَبَعًا للعقار، وأن يطلب الشفيع شفعته على وجه المواثبة (٢) والإسراع، وذلك طلبه عند قول (٣) علمه بالشِّرى، وأنَّه (٤) طلب الشفعة كما علم بالشرى يُثبت حَقَّه، وإن لم يطلب هنيهةً وسَكت بطلت شفعته على ما يجيء. ومن شرطها أيضًا: أن يكون العقد عقد مُعَاوضة عين المال بالمال، فإنها لا تجب إلا عند عقد البيع، أو ما هو في معناه من الصُّلح والهبة بشرط العوض إذا وجد قبض البَدَلَين، وأما إذا قبض أحدهما دون الآخر فلا شفعة عندنا، خِلافًا لِزُفر (٥). أركان الشفعة وصفتها وأمَّا رُكنها: فهو أَخْذ الشَّفيع ما اشتراه المشتري، إما من البائع أو من المشتري عند وجود شرطها وسببها. وأما صفتها: فهي أن (٦) الأخذ بالشفعة بمنزلة شراء مُبتدأ، فكل ما يَثبت للمُشتري من غير شرط؛ نحو الرَّدِّ بخيار الرؤية، والرد بالعيب-يثبت للشفيع، وما لا يَثبت للمشتري إلا بالشرط لا يَثبت للشفيع إلا بالشرط أيضًا. حكم الشفعة وأما حكمها: فجواز طَلَبِ الشفعة عند تَحَقُّق سببِها الذي ذكرنا، وهو الشركة في ملك العقار مع البيع، وتأكدها بعد الطلب، وثبوت الملك بالقضاء بها، أو بالرِّضا. وأما ترتيبها: فثلاثة؛ فإنَّ أَوَّل ما يستحق بها بالشركة في عين البقعة (٧)، ثم بالشفعة في حقوق الملك من الطريق والشرب، ثم بالجوار. [وقد قيل: يستحق الشفعة على أربع مرات، وكلٌّ منها بيانه في مواضعه إن شاء الله تعالى] (٨)، كذا في «المبسوط» (٩)، [والذخيرة] (١٠) (١١)، و «التحفة» (١٢)، وغيرها.

стр. 4218

ثم ذكر في «المبسوط» (١)، وقال: «زعم بعضُ أصحابنا: أنَّ القياسَ يأبى ثبوت حَق الشفعة؛ لأنه يتملك على المشتري ملكًا صحيحًا بغير رضاه، وذلك لا يجوز، فإنَّه من نوع الأكل بالباطل، وتَأَيَّد هذا بقوله ﵇: «لَا يَحِلُّ مَالُ امرئٍ مُسلمٍ إلَّا بِطِيبةِ نَفْسٍ مِنْهُ» (٢). ولأنه بالأخذِ يدفع الضَّرر عن نفسه على وجهٍ يُلحق الضَّرر بالمشتري في إبطال مُلكه، وليس لأحدٍ أن يَدفع الضرر عن نفسه بالإضرار لغيره (٣)، ولَكِنَّا تركنا هذا القياس بالأخبار المشهورة في الباب». ثم قال: «والأصحُّ أن نقول: الشفعة أصلٌ في الشَّرع فلا يجوز أن يُقال: إنها مُستحسنة من القياس، بل هي ثابتةٌ على موافقة القياس، وقد دَلَّ (٤) على ثُبوتها الأحاديثُ المشهورةُ عن رسول الله ﵇، وعن الصحابة ﵃؛ من ذلك: ما بدأ به محمدٌ الكتابَ (٥)، ورواه عن مِسْوَر بن مَخْرَمةَ (٦)، عن رَافعِ بن خَديج (٧)، أنَّ سَعْدَ بن مالك (٨) عَرَضَ بيتًا له على جارٍ له فقال: «خُذه بأربعمائة، أَمَا إني قد أُعطيت به ثماني مائة درهم، ولكن أُعْطِيكَه؛ لأني (٩) سمعتُ رسول الله ﵇ يقول: «الجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِه (١٠)» (١١).

стр. 4219

وفيه دليلٌ على أنَّ مَن أراد بيعَ مُلكه، فإنه يَنبغي له أن يَعرِضَ على جَاره؛ لمراعاة حق المجاورة؛ قال ﵇: «ما زالَ جَبرئيلُ يُوصِيني بَالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أنَّه سَيُوَرِّثُه» (١). ولأنَّه أقربُ إلى حُسن العِشرة، والتجوز عن الخصومة والمنازعة» (٢). قوله: (الشفعة واجبة)، أي: ثابتةٌ عند تَحَقُّق سببِها، إلا أن يكون المرادُ بها لزوم الإثمِ عند تَركها. الخُلطة -بالضَّمة (٣) - الشركة، خَالَطَه: أي شَارَكه. ولا فَرْقَ إذًا بين الخليط والشريك؛ [لأنهما سببان] (٤) عن معنى واحد، والاختلاف بينهما إنما يقع بسبب اختلاف المحل؛ فتارة ذكر الشريك في نفس المبيع و [تارة ذَكَر] (٥) الخليط في حَقِّ المبيع، وتارة ذكر على عكسه. مراتب الشفعة وذكر في «الذخيرة» (٦): «وهذا الذي ذَكَره في عَامَّة الكتب بأن الشُّفعة عندنا تُستحق على ثلاث مراتب: أوَّلاً: تُستحق بالشركة في عين البقعة، ثم بالشركة في حقوق الملك من الطريق والشرب، ثم تُستحق بالجوار. وصورته: منزل بين اثنين في سكة غير نافذة، باع أحدُ الشريكين نصيبَه من المنزل، فالشريكُ في المنزل أحقُّ بالشفعة، فإن سَلَّم فأهل السكة أحقُّ، فإن سلموا فالجار المُلاصق (٧) أحق، وهو الذي على ظَهر هذا المنزل، وباب داره في سكة أخرى. ومسألة الجار على وجهين: إما أن تكون الدار التي وقع فيها الشرى (٨) في سكة نافذة، وفي هذا الوجه الشفعة للجار الملاصق. وإما أن يكون في سكة غير نافذة، وفي/ هذا الوجه جميع أهل السكة شفعاء؛ الملازق والمقابل في ذلك سواء. و [قد] (٩) قيل: الشفعة عنده يستحق به (١٠) على أربع مراتب، وبيان ذلك في مسألتين: إحداهما: بيت في دار في سكَّة غير نافذة، والبيت لاثنين، والدار لقوم؛ فباع أَحَدُ صاحبي البيت نَصيبَه من البيت، فالشفعة أولاً للشريك في البيت، فإن سلم فلشريك الدار، فإن سلم فلأهل السكة، الكل في ذلك سواء، فإن سلموا فالجار الملازق، وهو الذي على ظهر هذا المنزل، وباب داره في سكة أخرى.

стр. 4220

والثانية: دار بين شريكين في سكة غير نافذة باع أحد الشريكين نصيبه من الدار من إنسان، فالشفعة أولاً للشريك في الدار، فإن سلم فللشريك في الحائط المشترك الذي يكون بين الدارين، فإن سلم فلأهل السكة، الكل في ذلك على السواء، فإن سلم فللجار الذي يكون ظهر هذه الدار إلى داره، وباب تلك الدار في سكة أخرى. ثم اعلم أن في [كل] (١) موضع سلم للشريك الشفعة إنما يثبت للجار حق الشفعة إذا كان الجار قد طلب الشفعة حين سمع البيع، وإن لم يكن له حق الأخذ في الحال، أما إذا لم يطلب الشفعة حين سلم (٢) الشريك الشفعة فلا شفعة له. ولقوله ﵇: «جَارُ الدَّار أَحَقُّ بالدَّارِ والأَرض، يُنتظر له وإن كان غائبًا» (٣). وفي رواية «الأسرار» (٤): «ينتظر بها [عدا ما لا ينتظر] (٥) إذا كان غائبًا». [ثم قال في «الأسرار»: «فإن قيل: المراد به أحق بها عرضًا عليه للبيع؛ ألا ترى أنَّه فَسَّر الحق بالانتظار إذا كان غائبًا» (٦) (٧).

стр. 4221

قلنا: إنَّ النبيَّ ﵇ جعله أحقَّ على الإطلاق، فيكون أحق بها قبل البيع وبعده. وقوله: «ينتظر»: تفسير لبعض ما شمله كلمة: أحق. ولأن ما روي عن عمرو بن الشَّريد (١)، عن أبيه، عن النبي ﵇ أنه سُئِل عن أرض بِيعت ليس لأحد فيها شريك ولا نصيب! فقال: «الجارُ أَحَقُّ بِشُفعته» (٢)، فهذا يُبطل ذلك التأويل إذا كان طريقهما واحدًا، أي: إذا كان طريق البائع والجار. السَّقَب [بالسين] (٣): القرب، والصاد [لغة] (٤)، وهما (٥) مصدر: أسقبت الدار، وصقبت، والصاقب: القريب (٦). ومعنى الحديث: «الجار أحق بسَقَبه» [أن] (٧) الجار أحقُّ بالشفعة إذا كان جارًا مُلاصقًا. والباء من صلة «أحق» لا للتسبيب (٨)، [كما في قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (٩) (١٠)، وأريد بالسقب الساقب على معنى: ذو السقب، أو تسمية بالمصدر، أو وصف به، كذا في «المغرب» (١١) (١٢). وقال الشافعي (١٣): «لا شفعة بالجوار» (١٤).

стр. 4222

[ليس] (١) لتخصيص هذا زيادة فائدة؛ لأنه كما لا نقول بالشفعة بالجوار، فكذلك لا نقول بالشفعة بالشركة في الحقوق [أيضًا] (٢)، وكذلك لا نقول بالشفعة فيما لا يحتمل القسمة؛ كالبئر والنهر أيضًا؛ لأنه ذكر في «الأسرار»: قال علماؤنا ﵏: «الشفعة تجب بالجوار، وبالخلطة، وهي الشركة في الحقوق نحو الطريق والنهر، وتجب بالشركة في البقعة» (٣). وقال الشافعي: «لا تجب إلا بالشركة في البقعة ثَمَّ» (٤). [فهو] (٥) إنما يقول بالشركة في البقعة إذا كانت مما يحتمل القسمة؛ كالدار والأرض، وأما فيما لا [يحتمل القسمة] (٦)؛ كالحَمَّام، والرَّحى (٧)، والبئر، والنهر، والدُّور الصِّغار؛ فعنده لا تجب الشفعة في ذلك، وعندنا تجب فيما يُقَسَّم، وفيما لا يُقَسَّم، كذا في «الإيضاح» (٨). فَحَصَل من هذا أنَّ عند الشافعي (٩) إنما تثبت الشفعة بوصفين: أحدهما: بالشركة في نَفْس البُقعة، لا بالشركة في الحقوق. والثاني: بالشركة في نفس البقعة التي تحتمل القسمة، ولا تثبت فيما لا يحتمل القسمة. وقوله: (لأنَّ مؤنة القسمة تلزمه في الأصل، وهو فيما لم يُقَسَّم، دون الفرع، وهو الجار. ولنا ما روينا)؛ وهو قوله ﵇: «جَارُ الدَّار أَحَقُّ بالدار والأرض، ينتظر له» (١٠). فإن قلت: فلو روى الشافعيُّ لفظَ الجار بالشريك؛ لأنَّه يُطلق اسم الجار على الشريك؛ قال الأعشي (١١): أَيَا جارتي بِيني فإنك طالقة … كذاك أمور الناس [على دوى طارقة] (١٢) (١٣) والمراد: زوجته، وهي شريكته في الفِرَاش.

стр. 4223

ولأنه رُوي عن النبي ﵇ أنه قال: «إنما الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصُرفت الطرق فلا شُفعة» (١). وكلمة «إنما» لإثبات المذكور، ونَفْي ما عَدَاه. ولأنَّ قوله ﵇: «الشفعة فيما لا يقسم» يَقتضي: أنَّ جنس الشفعة فيما لم يُقَسَّم، ولأنه نَصَّ على النفي عما قُسِّم. ولأن تعليلكم لاستحقاق الشفعة بالجوار لسبب دفع الضرر (٢) الجِوَار، إذ هو مادة المضار على ما زعمتم منقوض بالجار المقابل حيث لا يَثبت له الشفعة بالاتفاق مع/ وجود هذه العلة، وكذلك منقوض أيضًا بالجار الملاصق بطريق الإجارة مع وجود هذه العلة ما جوابنا عنه؟ قلت: أمَّا الأول ففي حمل اسم الجار على الشريك ترك الحقيقة والعمل بالمجاز من غير دليل، بل (٣) دلَّ الدليلُ على بطلان الحمل على الشريك؛ لأنه قال في ذلك الحديث الذي روينا، وهو حديث عبد الملك بن أبي سليمان (٤): «الجار أَحَقُّ بسقبه» (٥)، إلى أن قال: «إذا كان طريقهما واحدًا، فلا وجه لحمل الحديث على الشريك؛ لأنه قال: إذا كان طريقهما واحدًا، وإذا حمل على الشريك كان هذا لغوًا، وإنما كان مُفيدًا إذا كان المراد جارًا هو شريك في الطريق» (٦). وكان الإمامُ شمسُ الأئمة الحُلواني ﵀ (٧) - يقول: «العجب منهم؛ يزعمون أنهم أصحاب الحديث، ثم يتركون العمل بمثل هذا الحديث مع شهرته وصحته، فلا يَبقى بعد هذا اللقب معنى سوى أنهم أَحْدَثُوا تَرْكَ العمل بالحديث؛ فلأجله سُمُّوا: أصحاب الحديث لا لِعلمهم بالحديث» (٨).

стр. 4224

وفي حديث سَعْد أيضًا: بطلان ذلك التأويل، حيث قال: «فإنَّ سَعْدًا عَرَضَ بيتًا له على جارٍ له؛ فذلك [ذلك] (١) على أنَّ جميع البيت كان له. ولأنَّ الزوجة تُسَمَّى جارة؛ لأنها تُجَاوره في الفراش، فتقرب منه، لا لأنها تشاركه (٢). وأما استدلاله (٣) بكلمة: «إنما» وحرف (٤) الاستغراق، ففيه بيان أن للشريك شفعة، وتخصيص الشيء بالذكر عندنا لا يدل على أن الحكم فيما عداه بخلافه. ولأن كلمة: «إنما» قد تجيء للإثبات بطريق الكمال، كما يقال: إنما العالم في البلد زيد، أي: الكامل فيه. والمشهور: [به زيدٌ، ولم يُرد به نَفْي العلم عن غيرِه، وهاهنا كذلك، فإن الشريك الذي لم يُقاسم هو] (٥) الشريك في البقعة هو كامل في سبب استحقاق الشفعة حتى لا يُزَاحمه غيرُه، فكان محمولاً على إثبات المذكور بطريق الكمال، دون نفي غيره؛ بدليل سياق الحديث، فإنه قال في آخره: «فإذا وقعت الحدود لم تُصرف الطريق (٦) بأن كان الطريق واحدًا [أن] (٧) تجب الشفعة» (٨). وعند الشافعي- ﵀ (٩) لا تجب هناك، فكان آخر الحديث حُجَّة لنا نصًّا. أما معنى هذا اللفظ فلا شفعة بوقوع الحدود وصرف الطريق (١٠)، فكان الموضع موضع إشكال؛ لأنَّ في القسمة معنى المبادلة. ومما يُشْكِل أنَّه: هل تُستحق بها الشفعة؟ فبَيَّنَ رسولُ الله ﵇ أنَّه لا تُستحق الشفعة بالقِسمة. ولا يلزم الجار المقابل؛ لأنَّ الضرر هناك ليس بسبب اتصال الملك، فلا يستحق دفعه لحق (١١) الملك، فإنَّ الشفعة حقُّ الملك، فيستحق به دفع ضرر يلحقه بسبب اتصال الملك. ولأن الأخذ بالشفعة لما كان بحق الملك صار فرعًا من فروعه، فلا يكون إلا لمن له الاتصال به ملكًا على الدوام. وهذا؛ لأنَّ المقصودَ دفعُ ضرر التأذي بسوء المجاورة على الدوام، فلهذا لا يَثبت لجار السكة (١٢)؛ كالمستأجر والمستعير؛ لأنَّ جواره ليس بمستدام. ولأن الملك الحادث بالإجارة ملكُ مَنفعة، ولا اتصال بين ملك الجار وبين (١٣) منفعة دار جاره، فلا تثبت الشفعة له. كذا في «المبسوط» (١٤)، و «الأسرار» (١٥)، وغيرهما- اعتبارًا (١٦) بمورد الشرع، وهو الخليط في نفس المبيع.

стр. 4225

وضرر القسمة مشروع، لا يصلح علة لتحقيق (١) ضرر غيره، وهو التمليك على المشتري من غير رضاه. وهذا جواب عن قوله: (لأن مؤنة القسمة يلزمه)؛ أَلَا تَرى أنَّ مؤنة القسمة تلزم الشريك في المنقولات، ولا تُثبت الشفعة عند بيع أحد الشريكين نصيبه. اعلم أنَّ أصلَ مَنشأ الخلاف بيننا وبين الشافعي راجعٌ إلى مَعنيين عندنا وعنده؛ فعندنا (٢) المعنى المؤثر لوجوب الشفعة عند البيع اتصال الملك ليدفع الشفيع بثبوت حق الشفعة له سوء (٣) ضرر الجوار، سواء كان ذلك الاتصال في نفس المبيع، أو في حقوقه، أو بالجار الملاصق؛ فلذلك استوى عندنا ما يُقَسَّم وما لا يُقَسَّم. وعند الشافعي- ﵀ (٤) المعنى المؤثر في استحقاق الشفعة عند البيع لزوم مؤنة بالقسمة؛ لأنه لو لم يأخذ الشفيع المبيع بالشفعة طالبه المشتري بالقسمة، فيلحقه بسببه مؤنة القسمة، فالشرع مكَّنه من الأخذ بالشفعة ليدفع به ضرر مؤنة القسمة عن نفسه، وعن هذا قال: «لا تجب الشفعة فيما لا يحتمل القسمة؛ لاندفاع ضرر مؤنة القسمة [في نفسه] (٥) وكذلك في الجار؛ لأنه لا قِسمة هناك (٦). وكذلك (٧) لا يُوجب الشفعة في المنقولات أيضًا؛ لأنَّه يتمكن من دفع مؤنة القسمة ببيع نصيبه، والبيع والشراء في المنقول معتاد بخلاف العقار. ولما كذلك (٨) نفى الشأن بيننا وبينه في الترجيح، وإنا نقول بأن (٩) حق الشفعة إنما وَجَب لدفع ضرر التأذي، وهو معنى مؤثر فيه؛ لأنه/ يُبقي بينهما منازعة دائمة، فلو قال (١٠) الخَصم: يمكن دفع ذلك الضرر الصادر من الجار بالمرافعة إلى السُّلطان أو بالمقاتلة معه! قلنا: ذاك ضررٌ أيضًا أشدُّ من السكوت والتصبر (١١)؛ لأنه محتاج (١٢) إلى المرافعة، وهما (١٣) لا يندفع؛ فتَبقى الشحمة الزائدة بينهما، فكان ما ذكرنا مؤثرًا في إثبات حق الشفعة. وأمَّا ضررُ المقاسمة، فذاك ليس بضرر؛ لأنه حقٌّ مُستحق عليه شرعًا، وإيفاء الحق المستحق لا يُعَدُّ من باب الإضرار على أن مثل هذا الضرر يتحقق في العرف من المشتركة (١٤)، ومع ذلك لا تجب الشفعة فيها. إلى هذا أشار في «المبسوط» (١٥)؛ لأنَّه في كل جزء، أي: لأن الاتصال في كل جزء، وبعده، أي: وبعد الاتصال بالشركة في البيع الاتصال في الحقوق؛ لأن الاتصال هاهنا ليس في كل جزء، ومن البيع الذي هو المقصود، بل الاتصال في الموافق (١٦)، وهي توابع، فكان هذا الاتصال دون الأول، فلذلك تأخر حكمه عن الأول، ولأن ضرر القسمة إن لم يصلح علة كما فعله (١٧) الشافعيُّ يَصلح مُرَجِّحًا، وذلك لأن الترجيح أبدًا إنما يقع بما لا يكون (١٨) علة للاستحقاق.

стр. 4226

ألا ترى أن الأخ لأب وأم مع الأخ لأب إذا اجتمعا يَترجح الأخ لأب وأم في العُصوبة بسبب القرابة، والعصوبة لا تستحق بقرابة الأم، ثم الترجيح يقع بهذا، فهذا مثله. ثم ضرر مُؤنة القسمة إنَّما يَتحقق في الشريك دون الجار، فلذلك قَدَّم الشريك على الجار لوجود الرجحان في الشريك. وجه الظاهر: أنَّ السبب تقرر في حقِّ الكُلِّ، أي: ثبت حقُّ الجار في الشفعة مع وجود حقِّ الشريك فيها؛ لتقرر السبب في حقِّه أيضًا إلا أن الشريك كان مُقَدَّمًا، فإذا سلم كان للجار أن يَستوفي كحق (١) غُرَماء الصحة مع غرماء المرض في التركة، فإنه إذا سقط حقهم بالإبراء كانت التركة لغرماء المرض بديونهم؛ لأن سببَه (٢) استحقاقهم ثابت. ولهذا قلنا: ينبغي للجار أن يَطلب الشفعة إذا علم بالبيع مع الشريك حتى إذا سلم الشريك تمكن من أخذه، فإن لم يطلب [بعلمه] (٣) بعد علمه حتى سلم الشريك فلا حَقَّ له بعد ذلك، كذا في «المبسوط» (٤)، والشريك في المبيع قد يكون في بعض منها، كما في منزل مُعَيَّن من الدار أو جدار معين منها، إلى آخره. أمَّا مسألةُ المنزل بأن يكون البيت في الدار بين رجلين بغير طريق؛ فباع صاحبُ الدَّارِ الدارَ، والشريك (٥) في البيت أَوْلَى بالبيت (٦)، وهو مع الجار سواء في بقية الدار. وأما مسألة الجِدار بأن يكون حائط بين داري رجلين، والحائط بينهما؛ فصاحب الشريك والحائط أولى بالحائط من الجار، وهما سواء في بقية الدار، كذا في «الذخيرة» (٧). وأوضح هذه المسألة للإمام (٨) ركن الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن محمد الكرماني ﵀ (٩) - في «الإيضاح» بأوضح بيان، فقال: «دَارٌ بين رجلين، ولرجل فيها طريق؛ فباع أحدُهما نصيبَه من الدار، فشريكه في الدار أحقُّ بالشفعة، ولا شفعة بصاحب (١٠) الطريق؛ لما مَرَّ من قَبْلُ أنَّ الشركة في بعض (١١) المبيع أقوى من الشركة في حقوقه، والطريق من جملة الحقوق فكان الشريك فيه مؤخرًا عن الشريك في الدار، ثم قال: «وكذلك (١٢) الدار إذا كان بين رجلين، ولأحدهما حائط في الدار بينه وبين آخر بأرضه؛ فباع الذي له شركة في الحائط نصيبَه من (١٣) الدار والحائط، فالشريك في الدار أحقُّ بشفعة الدار، والشريك في الحائط أولى بالحائط، وهو جار في بقية الدار.

стр. 4227

وكذلك دارٌ بين رجلين، ولأحدهما بئر في الدار بينه وبين آخر؛ فباع نصيبَه من الدار والبئر، فالشريك في الدار أحق بشفعة الدار، والشريك في البئر أحق بالبئر، وهو جار لبقية الدار والبئر والحائط لا يشبه الطريق والشرب؛ لأن الشريك في الطريق والشرب شريك في الحقوق، والحقوق من جملة التوابع؛ فحصلت الشركة في نفس المبيع، إلا أن الشريك في نفس الدار مقدم عليه؛ لأن الأصل أقوى من المبيع، والبئر والحائط لَيْسَا من حقوق الدار؛ فكان (١) مجاورًا [في الشريك] (٢) في الحقوق مقدم عليه، أي: على شريك البئر والحائط. وكذلك سُفْلٌ بين رجلين، ولأحدهما عُلو عليه بينه وبين آخر؛ فباع الذي له نصيب في السفل والعلو نصيبه؛ فلشريكه في السفل الشفعة في السفل، ولشريك (٣) العلو الشفعة في العلو، بصاحب (٤) السفل جارٌ (٥) في حق العُلو، أو شريك في الحقوق إذا كان طريق العلو فيه، وشريك العلو جار في حق السفل، والشريك مقدم على الجار» (٦). ثم قوله: (أو جدار مُعَيَّن منها). أي: مع أرضه، يعني: لو كان الجدار المعين مُشتركًا بين رجلين مع/ أرضه، ثم لأحد الشريكين شركة مع آخر في بقية الدار كان شريك الجدار مع أرضه مقدمًا على الشريك في بقية الدار، إذا باع الذي له شركة في المقدار (٧) نصيبه في الجدار مع أرضه. وإنما قلنا: مع أرضه؛ لأن الشركة في البناء المجرد لا تُوجب الشفعة، كذا في «الذخيرة» (٨)، وذكر فيها -وفي «المغني» (٩) - تفسير هذا فقال: «ثم الجار الذي هو مؤخر عن الشريك في الطريق: ألَّا يكون شريكًا في الأرض الذي هو تحت الحائط الذي هو مشترك بينهما، أما إذا كان شريكًا فيه لا يكون مؤخرًا، بل يكون مقدمًا، وصورة ذلك: أن تكون أرضًا بين اثنين غير مقسومة بينما في وسطها حائطًا، ثم اقتسما الباقي؛ فيكون الحائط وما تحت الحائط من الأرض مُشتركًا بينهما، فكان هذا [هو] (١٠) الجار شريكًا في بعض المبيع، أما إذا اقتسما الأرض قبل بناء الحائط وخطَّا خطًّا في وسطها، ثم أعطى كل واحد منهما شيئًا حتى بَنَيا حائطًا؛ وكل (١١) واحد منهما جار لصاحبه في الأرض شريك في البناء لا غير، والشركة في البناء لا غير لا تُوجب الشفعة، وكذا على الجار في بقية الدار، أي: الشريك في الجدار مع أرضه مقدم على الجار في بقية الدار، في أصح الروايتين عن أبي يوسف (١٢)، وأما في الرواية الأخرى: فهو والجار سواء، ذكره في «الذخيرة»، و «المغني» (١٣).

стр. 4228

وذكر القدوري (١): أنَّ الشريك [الذي] (٢) تحت الحائط يستحق الشفعة في كل المبيع بحكم الشركة (٣). [و] (٤) عند محمد ﵀ وإحدى الروايتين عن أبي يوسف فيكون مقدمًا على الجار في كل المبيع (٥). و [في] (٦) إحدى الروايتين عن أبي يوسف: «تستحق الشفعة في الحائط بحكم الشركة، وتستحق الشفعة في [الحائط بحكم الشركة، وتستحق الشفعة في] (٧) بقية الدار بحكم الجوار، فيكون ذلك مع جارٍ آخر بينهما. القَرَاح من (٨) الأرض: كل قطعة على حيالها، ليس فيها شجر، ولا شائب سبخ، وقد تجمع على أقرحة، كمكان وأمكنة. وفي «المبسوط»: «والشركاء في النهر الصغير: كل من له شِرب أحق من الجار الملازق، وإن كان نهرًا كبيرًا تجري فيه السفن فالجار أحق؛ لأن هؤلاء ليسوا بشركاء في الشرب» (٩). وذكر في «الذخيرة» (١٠): وعامة المشايخ على أن الشركاء على (١١) النهر إذا كانوا لا يُحصون فهو نهر كبير، وإن كانوا يحصون فهو نهر صغير، لكن اختلفوا بعد هذا في حد ما يحصى وما لا يحصى: بعضهم قَدَّر ما لا يحصى بخمس مائة، وبعضهم بمائة، وبعضهم بأربعين. وبعض مشايخنا قالوا (١٢): أصح ما قيل فيه: إنه مفوض إلى رأي كل مجتهد في زمانه؛ إن رآهم كثيرًا كانوا كثيرًا (١٣)، وإن رآهم قليلاً كانوا قليلاً. ثم إن عامة المشايخ (١٤) فَرَّقوا بين النهر والسكة حيث جعلوا الشركة في النهر إذا كان (١٥) بين أقوام يُحصون، خاصة وإن كان للنهر منفذ إلى مفاوز هي لجماعة [من] (١٦) المسلمين، ولم يجعلوا للشركة في الطريق الذي له منفذ إلى طريق العامة شركة خاصة، وإن كان (١٧) أهل السكة يحصون، فإن كانت سكة غير نافذة تتشعب منها سكة غير نافذة، وهي مستطيلة، أي: السكة العظمى [مستطيلة] (١٨)، [فَبِيعت دار في السفلى، أي: في المتشعبة، فلأهلها، أي: فلأهل المتشعبة الشفعة خاصة، دون أهل العليا، أي: أهل السكة العظمى] (١٩).

стр. 4229

وإن بيعت [دار] (١) في العليا، أي: بِيعت دارٌ في العليا فلأهل السكة، أي: الشفعة لأهل السكة العظمى، والمتشعبة التي هي السفلى سواء كانا ملازقين، أو غير ملازقين، صورته هذه (٢)، فاستحقاق الشفعة مع جواز فتح الباب مثل زمان، فكل من كان له ولاية فتح الباب في سكة فله استحقاق الشفعة في تلك السكة، [ومن] (٣) لا فلا. وقد ذكرنا مَن كان له ولاية فتح الباب، ومن ليس له ذلك، وصورته في مسائل شتى من كتاب القضاء في آخر باب الحكيم (٤)، وذلك الموضع الذي أحاله عليه في الكتاب بقوله: «والمعنى ما ذكرنا في كتاب «أدب القاضي» (٥)، وهو قوله: (لأنَّ فتحه للمرور، ولا حق لهم في المرور)، إلى آخره (٦). وحاصل ذلك: إنما كان لأهل السكة السفلى، وهي السكة المتشعبة حق طلب الشفعة إذا بيعت دارٌ في السكة العظمى المستطيلة؛ لأن لأهل السكة المتشعبة حق المرور في السكة العظمى، فحينئذ كانوا شركاء في الطريق، فلهم الشفعة بخلاف العكس فإنه إذا بِيعت دارٌ في السكة المتشعبة [ليس لأهل السكة العظمى حَقُّ طلب الشفعة؛ لأنه ليس لهم حق المرور في السكة المتشعبة] (٧)؛ لأنَّ طريق المتشعبة لأهل المتشعبة خاصة، فلم يكونوا شركاء في الطريق، وليس لهم جواز (٨) فيها؛ فلذلك لم يَثبت حَقُّ الشُّفعة. فهو على قياس الطريق فيما بيَّنَّاه، وهو قوله: (فإن كانت سكة غير نافذة تتشعب منها سكة غير نافذة)، إلى آخره (٩)، فإن استحقاق (١٠) الشفعة/ هناك باعتبار جواز التطرق، فلذلك قال: على قياس الطريق، يعني: لو مع أرض متصلة بالنهر الأصغر كانت الشفعة لأهل النهر الأصغر، لا لأهل النهر الصغير، كما ذكرنا الحكم في السكة المتشعبة مع السكة المستطيلة العظمى، هكذا ذكر في «الذخيرة» بعد ذكر السكَّتَين، فقال: «وعلى هذا نهر خاص انتزع منه نهر آخر، فباع رجل أرضًا على النهر المنتزع تكون [الشفعة] (١١) لأهل النهر المنتزع.

стр. 4230

وقوله: [جاز] (١) لما بَيَّنَّا، إشارة إلى قوله: (لأن العلة هي الشركة في العقار). وإذا اجتمع شفعًا، فالشفعة بينهم على عدد رءوسهم، ولا يُعتبر اختلاف الأملاك. وقال الشافعي (٢): «هي على مقادير الأنصباء» (٣)؛ بنيان (٤) دار بين ثلاثة بقي لأحدهم نصفها، وللآخر ثلثها، وللآخر سدسها؛ فباع صاحب النصف نصيبه، وطلب الإخوان الشفعة قضي بالشِّقص المبيع بينهما نصفين، عندنا وعند الشافعي «أثلاثًا بقدر ملكها» (٥)، وإن باع صاحبُ السدس نصيبَه، وطلب الآخران الشفعة قُضي به بينهما أخماسًا عنده، وإن باع صاحب الثلث نصيبه قُضي به بين الآخرين أرباعًا بقدر ملكهما، وعندنا يقضي به بينهما نصفين. وكذلك على أصلنا: إذا بيعت ولها (٦) جاران؛ أحدهما جار من ثلاثة جوانب، والآخر من جانب واحد، فقلنا (٧) الشفعة فهو بينهما نصفان، كذا في «المبسوط» (٨)، فأشبه الربح، فإن الشريكين إذا اشتريا [شيئًا] (٩) بخمسةَ عشَرَ درهمًا مثلاً، ولم يشترط شيئًا، ومال أحدهما خمسة، ومال الآخر عشرة، ثم باعاه فَرَبِحَا ثلاثة دراهم، فالدرهمان لصاحب العشرة، والدرهم الواحد لصاحب الخمسة؛ لأن الربح بيع (١٠) للمال، فكان بينهما على قدر رأس مالهما؛ لما كان أثلاثًا كان الربح بينهما أيضًا أثلاثًا. والغلة (١١) بأن كان حانوت بينهما أثلاثًا، فغلته أيضًا تكون بينهما أثلاثًا، وكذلك الولد والثمرة. ولنا: أنهم استوا (١٢) في سبب الاستحقاق، وهو الاتصال؛ فيستوون في الاستحقاق، وذلك لأن سبب استحقاق الشفعة إما الجوار أو الشركة، وقد استويا في أصل ذلك، فإن صاحب القليل شريك لصاحب الكثير، وجار لاتصال ملكه بالمبيع [لصاحب الكثير؛ لأن علة الاستحقاق أصل الملك، لا قدر الملك؛ ألا ترى] (١٣) أنه لو انفرد واحدٌ منهم استحق كمال الشفعة، يعني: أن صاحب الكثير (١٤) لو باع نصيبَه كان لصاحب القليل أن يأخذ الكل إلى الشفعة بالاتفاق، [و] (١٥) كما لو باع صاحب القليل كان لصاحب الكثير أن يأخذ جميع المبيع لما أن ملك كل جزء وعلة (١٦) تامة لاستحقاق جميع المبيع بالشفعة، فإنما اجتمع في حق صاحب الكثير عللٌ، وفي حق صاحب القليل علة واحدة، والمساواة تتحقق بين العلة الواحدة والعلل؛ ألا ترى أن أحد المُدَّعِيَيْن لو أقام شاهدين والآخر عشرة من الشهداء تثبت المعارضة والمشاورة بينهما، وكذلك لو أن رجلاً جرح رجلاً جراحة واحدة، وجرحه آخر عشر جراحات؛ فمات من ذلك استويا في حكم القتل والترجيح بقوة في الدليل؛ كالشريك يترجح على الجار، وكجزِّ الرقبة مع جرح الآخر، وأن حكم القتل يضاف إلى الجار [لا إلى الجارح] (١٧) بالاتفاق لا بكثرته؛ لأن ما يصلح علة بانفراده لا يصلح مُرجحًا؛ لأن عند ظهور الترجيح كان المرجوح مدفوعًا بالراجح.

стр. 4231

وهاهنا حقُّ صاحب القليل لا يبطل أصلاً، فعرفنا أنه لا ترجيح في جانبه من حيث قوة العلة، هذا كله مما أشار إليه في «المبسوط» (١). [فإن قلت] (٢): لو قال الشافعي بأنَّ قولكم: لو انفرد واحد منهم استحق كمال الشفعة، فيجب أن يكون مساويًا لصاحب الكثير (٣) لا يلزمني؛ لأنه يجوز أن تكون العلة الواحدة مُثبتة لكمال الحكم، ولكن عند الانضمام مع أخرى يثبت استحقاق أكثر مما يثبته عند الانفراد، وله نظير في الشرع؛ كالرجالة في الغنيمة إذا انفردوا يستحقون كل الغنيمة، وكذلك الفرسان إذا انفردوا يستحقون الكلَّ أيضًا، ولكن إذا اشتركوا قُسِّمت الغنيمة بينهم على التفاوت، وكذلك لو مات واحد وترك بنتًا وأختًا له وأخًا (٤)، فإن للبنت النصف، والباقي للأخت أو للأخ (٥) لِحَقِّ العُصوبة، ولو ترك مع البنت أخًا وأختًا (٦) كان النصف بينهما أثلاثًا (٧). فكذلك هاهنا استحق صاحب القليل كل الدار بالشفعة عند الانفراد، ولكن عند الاجتماع مع صاحب الكثير يتفاوت استحقاقهما للشفعة، ولأن استحقاق الشفعة منفعة تصل لصاحب الملك بسبب ملكه، فيجب أن يكون معتبرًا بضرر يلحقه بسبب ملكه؛ ليكون كل واحد [منهما] (٨) بقدر ملكه، ثم في الضرر مُقَدَّر بحسب الملك، كما في الضمان بسبب الحائط المائل إذا كان مشتركًا بين اثنين أثلاثًا فأشهد عليهما فيه، ثم سقط الحائط، وأضاف/ مالاً أو نفسًا كان الضمان عليهما أثلاثًا بقدر الملك؛ فيجب أن يكون في المنفعة كذلك؛ لقوله ﵇: «الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» (٩) ما جوابنا عنه؟

стр. 4232

قلت: أما مسألة الغنيمة فإن تفضيل الفارس بفرسه حُكمٌ عُرِف شرعًا بخلاف القياس، مع أن الفرس بانفراده لا يصلح علة الاستحقاق؛ فيصلح (١) مرجحًا في استحقاق بعض الغنيمة، وهاهنا ملك حر وعلة (٢) كاملة لاستحقاق الجميع، [فلا تصلح مرجحة] (٣) لما ذكرنا: أن العلة لا تصلح مرجحة، ولأن الإصابة بالقهر سبب ملك الغنيمة، ولكن في المصاب والمقهور، والمصاب يتفاوت بتفاوت الإصابة، فلذلك تفاوتوا في القدر؛ [كالجرح سبب ضمان المجروح؛ فلو رمى رجلان فأصاب أحدهما رجلاً والآخر ذلك الرجل، وآخر معه تفاوتوا في الضمان؛ لتفاوتهما في الجرح والمجروح] (٤). وأما هاهنا فالمحل هو المبيع، قَلَّ أو كثر، وكل نصيب -وإن قَلَّ- علة لاستحقاق (٥) كله، لا يزداد المحل بازدياد النصيب؛ كالجروح في شخص واحد، فكل جرح علة تامة فلغى زيادة الجرح في إضافة الحكم إليها. وأما مسألة الميراث: فإنَّا عَلَّلنا لإلغاء علة ينضم إلى علة لحكم واحد في إيجاب زيادة، والأخ ما استحق زيادة علة انضمت إلى علة أخرى فلم يكن ذلك من هذا الجنس، ولكن تفاوت نصيب الأخ والأخت عند الانضمام باعتبار أن الشرع جعل عصوبة الأنثى بالذكر [علة] (٦) لاستحقاق نصف ما للذكر متفاوتًا؛ لتفاوتهما في نفس العلة، لا أن تكون [العلة] (٧) مرجحة لعلة (٨) أخرى، بل العصوبة بالأخ غير العصوبة بالبنت؛ فإذا جاءت العصوبة بالأخ زالت العصوبة بالبنت، ثم العصوبة بالأخ متفاوتة في نفسها بالشرع، فلم يكن هو من قبيل ترجيح العلة بعلة أخرى. وأمَّا مسألة الحائط المائل فقلنا: إن مات من وقع عليه الحائط، فإن جرحه الحائط فالضمان عليهما نصفين لاستوائهما في العلة، وإن مات بنقل (٩) الحائط فالضمان عليهما أثلاثًا؛ لأن التساوي بينهما في العلة لم يوجد، فإن قتل نصيب صاحب القليل لا يكون كقتل [نصيب] (١٠) صاحب الكثير، ولأن هذا راجع إلى ما يتولد من الملك؛ كالولد والثمرة. وقد ذكرنا أن الشفعة ليست من ثمرات الملك؛ لأن ملك دار غيره لا يجوز أن يجعل ثمرة من ثمرات ملكه، بل السبب أصل الملك، لا قَدْره، والحكم لا يزداد بزيادة العلة، كذا في «المبسوط» (١١)، و «الأسرار» (١٢)، و «الإيضاح» (١٣).

стр. 4233

ولو أسقط بعضُهم حقَّه فهي للباقين في الكل على عددهم. اعلم أنَّ الشفعاء إذا اجتمعوا في دار واحدة مثلاً؛ فحق كل واحد منهم قبل الاستيفاء والقضاء ثابت في جميع الدار؛ لتكامل العلة في حق كل واحد منهم، حتى أنه إذا كان للدار شفيعان سلم أحدهما الشفعة قبل الأخذ وقبل القضاء، كان للآخر أن يأخذ الكل؛ لأن قبل الاستيفاء والقضاء وُجد في حق كل واحد منهم سبب ثبوت حق الشفعة في كل الدار، وأمكن الجمع بينهما؛ لأن الجمع بينهما ليس إلا الجمع بين الحقَّين في عين واحدة كملا لفائدة، وهي أن أحدهما متى ترك أخذ الآخر الكل، وهذا جائز، كما لو رهن داره من رجلين فإنه يَصير راهنًا كل العين من كل واحد منهما بجميع دينه حتى لو قضى دين أحدهما كان للآخر أن يحبس الكل بدينه إلا أنهما إذا طلبا قضى القاضي لكل واحد منهما بالنصف للمزاحمة وللضيق في المحل، فإذا سلم أحدهما قبل القضاء بقي الآخر في الكل، كما لو قَتَلَ الرَّجلين عمدًا؛ فعفى عنه أحدهما كان للآخر أن يقتص منه بهذا المعنى. ثم لو سلم أحدهما لم يكن للآخر إلا أن يأخذها كلها أو يدعها؛ لأن مزاحمة المسلم قد زالت، فكأنه لم يكن الشفيع في الابتداء إلا واحدًا، وليس للشفيع أن يأخذ البعض دون البعض لما في أخذ البعض من تفريق الصفقة والإضرار بالمشتري في تبعيض الملك عليه، والشفع (١) بالأخذ يدفع الضرر عن نفسه، فلا يتمكن من الأخذ على وجهٍ يكون فيه إلحاق الضرر بغيره، وإذا أراد أن يأخذ الشفيع [بالأخذ بدفع الضرر عن نفسه فلا يتمكن من الأخذ على وجه يكون فيه إلحاق إلى] (٢) النصف، ورضي المشتري بذلك كله (٣) ذلك؛ لأن المانع حق المشتري، فإن قال المشتري: لا أعطيك إلا النصف، كان له أن يأخذ الكل؛ لأن حقه ثابت في جميع الدار. فأكثر (٤) ما في الباب أن الغائب قد سلم له منفعته، فللحاضر أن يأخذ الكل. كذا ذكر في باب (الشهادة في الشفعة) من شفعة «المبسوط» (٥). ثم حق كل واحد من الشفيعين ثابت في جميع/ المبيع لما ذكرنا، وعند التسليم بقي حق الآخر في الكل لذلك، وهذا الذي ذكرنا قبل القضاء [له] (٦) بالنصف. [وأما بعد القضاء، فليس للمسلَّم له الشفعة إلا ما هو نصيبه، وهو النصف] (٧)؛ فإنه إذا كان للدار شفيعًا (٨)، وقضى القاضي بالدار بينهما، ثم سلم أحدهما نصيبه لم يكن للآخر أن يأخذ الجميع، وهذا لأن القاضي لما قضى بالدار بينهما صار كل واحد منهما مقضيًّا عليه من جهة صاحبه فيما قضى به لصاحبه، فبطل شفعته فيما قضى به لصاحبه ضرورة، هذا الذي ذكره عند استواء الشفعاء في سبب الشفعة (٩).

стр. 4234

وكذا إذا كان بعضهم أقوى من البعض، فإنه إذا كان بعض الشفعاء أقوى من البعض، فقضى القاضي بالشفعة للقوي بطل حق التضعيف (١) حتى إنه إذا اجتمع الشريك والجار وسلم الشريك الشفعة قبل القضاء له كان للجار أن يأخذها بالشفعة، ولو قضى القاضي بالدار للشريك، ثم سلم الشريك الشفعة فلا شفعة للجار؛ لأن الغائب لعله لا يطلب، ولأن (٢) حق الحاضر في كل الدار ثابت بصفة التأكد؛ لأن تأكد الشفعة بالطلب، وقد وجد الطلب من الشفيع الحاضر، وحق الغائب لم يتأكد بعد، والحق المتأكد لا يُؤَخَّر لحق غير متأكد، ومتى وقع الاستيفاء من الحاضرين إنما يبطل في حق الغائب ما كان يبطل لو كان حاضرًا؛ أما الزيادة فلا، حتى أنه إذا كان للدار شفيعان: أحدهما حاضر والآخر غائب، وقضى القاضي للحاضر بكل الدار كان للغائب أن يأخذ النصف، وإذا جعل بعض الشفعاء نصيبه لبعض لم يصح الجعل، وسقط حقه، وقسمت على عدد مَن نفي؛ لأن نقل الحق في الشفعة لا يستقيم، ولكن سقط حقه بدلالة الإعراض، فبقي حق الباقين. وإن قال الذي قضي له بكل الدار أولاً للثاني: أنا أُسَلِّم لك الكل، فإما أن يأخذ الكل أو يدع؛ فليس له ذلك، وللثاني أن يأخذ النصف ولو كان الشفيع الحاضر لم يأخذ الدار من المشتري بالشفعة، ولكن اشترى الدار منه، ثم حضر الغائب فإن شاء أخذ الدار كلها بالبيع الأول، وإن شاء أخذ كلها بالبيع الثاني، أما بالبيع (٣) الأول فلأن الحاضر أسقط حقه في الشفعة لما أقدم على الشراء وخرج من العين، فكان للآخر أن يأخذ الكل، وأما بالبيع الثاني فلأن الشريك المشتري أعرض عن الشفعة (٤) حيث (٥) أقدم على الشراء، ومع الإعراض لا يثبت له حق الشفعة [في] (٦) مخرج [هو] (٧) من البين، فكان للآخر أن يأخذ الكل، وفي المسألة نوع إشكال؛ لأن حق الشفعة في البيع الثاني إنما يثبت بعد تمام البيع الثاني فلا يبطل بالإعراض قبله. والجواب: هو معرض بالشراء الثاني؛ لأنه أقدم على الشراء مع ثبوت حق الشفعة له، فلا يثبت له بسبب هذا الشراء هذا الحق؛ لأنه تضمن هذا الشراء الإعراض، بخلاف الشفيع إذا اشترى ابتداء؛ لأن شراه لم يتضمن إعراضًا؛ لأنه مقبل على التملك، وهو معنى الأخذ بالشفعة.

стр. 4235

ولو كان المشتري الأول شفيعًا للدار فاشتراها الشفيع الحاضر منه، ثم قدم الغائب؛ فإن شاء أخذ نصف الدار بالبيع الأول، وإن شاء أخذ الكل بالبيع الثاني؛ لأن المشتري الأول لم يثبت له حق قبل الشرى (١) حتى يكون بشرائه مقيضًا (٢) عنه، فبقي هو شفيعًا في البيع الأول، فلا يكون للغائب بسبب البيع الأول إلا النصف. وأما العقد الثاني فقد ثبت للشفيع الحاضر حق الشفعة بسبب البيع الأول، فإذا اشترى سقط حقه عن البيع الأول، ولم يتعلق بعقده حقٌّ [له] (٣)؛ لكونه معرضًا، فلذلك كان للغائب أن يأخذ الكل بالبيع الثاني، هذا كله من «المبسوط» (٤)، و «الذخيرة» (٥). وفي الفصل الثاني عشر من «الذخيرة» أيضًا: «ودار (٦) بيعت ولها شفيعان أحدهما غائب، فطلب الحاضر نصف الدار على حسبان أنه لا يستحق إلا النصف بطلت شفعته. وكذلك لو كانا حاضرين؛ فطلب كلُّ واحد منهما نصف الدار بطلت شفعة كل واحد منهما، والشفعة تجب بعقد البيع، ومعناه بعده لأنه (٧) هو السبب؛ لأن سببها الاتصال (٨). وهذا التأويل الذي ذكره، والتعليل الذي علل به مخالف لعامة روايات الكتب من «المبسوط» و «الذخيرة» و «المغني» وغيرها. وقد ذكرنا فساد قول من يقول بأن سببها الاتصال لا غير، لما أنه لو سلم الشفعة قبل البيع لا يبطل (٩) شفعته، ولو كان سببها الاتصال لا غير لبطلت شفعته لوجود التسليم بعد السبب، ولا اعتبار لوجود الشرط بعده في حق صحة التسليم؛ كأداء الزكاة قبل الحول، وإسقاط الدَّيْن المُؤجَّل بالإبراء قبل حلول الأجل. وقد ذكر في/ الباب الأول من شفعة «المبسوط»، فقال: «ولو سلم الشفعة قبل الشراء كان ذلك باطلاً؛ لأن وجوب حقه بالشراء والإسقاط قبل وجود سبب الوجوب يكون لغوًا؛ كالإبراء عن الثمن قبل البيع»، وهذا لفظه بعينه؛ فقد ألحق وجوب الشفعة بوجوب الثمن والشراء بالبيع، ولا شكَّ أن السبب بوجوب (١٠) الثمن على المشتري هناك بيع البائع؛ فيجب أن يكون هاهنا أيضًا سبب وجوب الشفعة للشفيع شراء المشتري، مع أنه صرح باسم سبب وجوب الشفعة هو الشراء، على ما ذكرنا، وهذا يقضي أن يكون الشراء كل السبب، فلا أقل من أن يكون الشراء جزء السبب، كما ذكره في «الذخيرة»، و «المغني» (١١).

стр. 4236

وأما إلغاؤه عن السببية أصلاً فلا، على ما بيَّنَّاه، إشارة إلى قوله: (ولنا أنهم استووا في سبب الاستحقاق وهو الاتصال)، إلى آخره: أنَّ الشفعة إنما تجب إذا رغب البائع عن ملك الدار. فإن قلت: يُشكل على هذا ما إذا باع داره بشرط الخيار للبائع، فلا شفعة فيه على ما يجيء من الكتاب مع ظهور رغبته (١) عن ملك الدار! قلت: في الإعراض هناك تردد لبقاء الخيار للبائع، بخلاف مسألة الإقرار بالبيع حيث يجبر بانقطاع ملكه عن الدار بالكلية، وإقرار كل مقر حجة في حق نفسه؛ فلذلك عومل به كما هو زعمه، فلا ينتقل إلى الشفيع إلا بالتراضي، أو بقضاء (٢) القاضي. وفي «الذخيرة»: «وللشفيع أن يمتنع من الأخذ بالشفعة، وإن بذل له المشتري حتى يقضي القاضي له بها؛ لأن في قضاء القاضي له زيادة فائدة، وهي معرفة القاضي بسبب ملكه، وعلم القاضي لمنزله (٣) شهادة شاهدين، فكان الأخذ بقضاء القاضي أحوط (٤). وتظهر فائدة هذا، وهو توقف الملك في الدار المشفوعة بعد الطلبين إلى وقت أخذ الدار المشفوعة بتسليم المشتري إلى الشفيع، أو إلى وقت حكم الحاكم، يعني: لا يثبت الملك للشفيع، وإن وجد منه الطلبان؛ طلب المواثبة، وطلب الإشهار- ما لم يوجد [بعد] (٥) ذلك أحد الشيئين؛ إما تسليم المشتري بدون حكم الحاكم، [أو حكم الحاكم] (٦)، فإذا وجد أحدهما حينئذ بملك الشفيع الدار المشفوعة لا يورث عنه في الصورة الأولى، وهي ما إذا مات الشفيع بعد الطلبين؛ لأنه لم يملكهما المورث؛ فكيف يورث عنه، ويبطل (٧) شفعته في الثانية، [أي: في صورة الثانية] (٨)، وهي ما إذا باع داره المستحق بها الشفعة؛ لأن سبب الأخذ بالشفعة اتصال ملك الشفيع بالدار المشفوعة، وقد زال ملكه عما يستحق به الشفعة، ويأخذها قبل أن يأخذها، فلم يبق السبب قبل أن يثبت الحكم، فلا يثبت الحكم، ولا يستحقها في الثالثة، أي: لا يستحق الدار التي بيعت بالشفعة في الصورة الثالثة، وهي ما إذا بيعت دار بجنب الدار المشفوعة؛ لأنه لم يملك المشفوعة، فكيف يملك بها غيرها، والله أعلم بالصواب. * * *

стр. 4237

باب طلب الشفعة والخصومة [فيها] (١) لما لم تَثبت الشفعة بدون الطلب شَرَع في بيانه، وكيفيته، وتسميته (٢). طلبُ المواثبة سُمِّي به تبركًا بلفظ الحديث: «الشُّفْعَةُ لِمَنْ وَاثَبَها» (٣)، أي لمن طَلَبها على وجه السرعة والمبادرة، مُفاعلة من الوثوب على الاستعادة (٤)؛ [لأن يثبت هو الذي يشرع] (٥) في طَيِّ الأرض بمشيه، وهو أن يطلبها، كما علم أي على قول (٦) علمه بالبيع من غير توقف، سواء كان عنده إنسان أو لم يكن. وذكر في «المبسوط»: «وإذا علم بالبيع، وهو بمحضر من المشتري! فالجواب واضحٌ، أي: يطلبها، وهو ظاهر، وكذلك إن كان بمحضر من الشهود ينبغي له أن يُشهدهم على طلبه، وكذلك لو لم يكن بحضرته أحد حين [يبيع] (٧) ينبغي أن يطلب الشفعة، والطلب صحيح من غير إشهاد، والإشهاد لمخافة] (٨) الجحود؛ فينبغي له أن يطلب حتى إذا حلَّفه المشتري أمكنه أن يحلف أنه طلبها كما سمع»] (٩). وذكر في «شرح الأقطع» (١٠): وإنما يفعل ذلك، أي: يطلب وإن لم يكن عنده أحد؛ لئلا يسقط حق الشفعة فيما بينه وبين الله تعالى، حتى لو بلغه (١١) البيع ولم يطلب بطلت شفعته. وقال ابن أبي ليلى (١٢): إن طلب إلى ثلاثة أيام فله الشفعة.

стр. 4238

وقال سفيان (١): له مهلة يوم من حين سمع. وقال: الشريك هو على شفعته ما لم يَطلبها صريحًا أو دلالة لمنزلة سائر الحقوق المستحقة. و [قال] (٢) ابنُ أبي لَيْلى: كان يقول: يحتاج الشفيع إلى النظر والتأمل حتى يعلم أنه ينتفع بجوار هذا الجار فلا يطلب الشفعة، [أو يتضرر] (٣) به فيطلب (٤) الشفعة، ومثل هذا لا يُوقف عليه إلا بالتأمل [فيه] (٥) مدة؛ فيجعل له من/ المدة ثلاثة أيام بمنزلة خيار الشرط (٦). ولهذا قَدَّر سفيانُ المدة بيوم. واستدل علماؤنا في ذلك بقوله ﵇: «الشُّفعة لِمَن وَاثَبَها» (٧)، وفي رواية: «الشُّفعة [كَشَطِّ العقال؛ إن أخذتها ثبتت] (٨) (٩)، وإلا ذهبت»؛ لأنه إذا سكت عن الطلب، فذلك منه دليل الرضا بمجاورة الجار الحادث، ودليل الرضا كصريح الرضا، ولو لم يجعل هذا دليل الرضا تضرر به المشتري، فإنه [يسكت حتى يتصرف] (١٠) المشتري فيه لم يبطل تصرفه عليه، وفيه من الضرر ما لا يخفى. كذا في «المبسوط» (١١). وذكر في «المغني»: إذا سمع الشفيع ببيع الدار فسكت لا تبطل شفعته ما لم يعلم المشتري والثمن، كالبكر إذا استؤمرت فسكتت، ثم علمت أن الأب زوَّجها من فلان؛ فَرَدَّت، صَحَّ رَدُّها (١٢). وأحاله إلى فتاوى [القاضي] (١٣) الإمام (١٤).

стр. 4239

فإن قلت: لو أدركت الصغيرة، وثبت لها خيار البلوغ والشفعة، فلو قدَّمت اختيار نفسها [تبطل الشفعة، ولو قدمت اختيار نفسها تبطل الشفعة، ولو قدمت طلب الشفعة يبطل اختيار نفسها] (١)؛ ما الحيلة لها حتى لا يبطل كلاهما؟ قلت: الحيلة فيه هي أن يقول طلبت حقين لي؛ الشفعة والخيار، فصح كلاهما. بكذا (٢) ذكر في فصل (الطلب) من «فتاوى قاضي خان (٣)» (٤). وفيها أيضًا: «دار [بيعت بجنب دار] (٥) رجل، والجار يزعم أن رقبة الدار المبيعة له، ويخاف أنه لو ادعى رقبتها تبطل شفعته، لا (٦) مالك الدار لا يكون شفيعًا، وإن ادَّعى الشفعة لا يُمكنه دعوى الدار: أنها له؛ ماذا يصنع حتى لا يبطل شفعته؟ قالوا: يقول: هذه الدار داري، وأنا أدَّعي رقبتها، فإن وصلتُ إليها، وإلا فأنا على شفعتي منها؛ لأن هذه الجملة كلام واحد، فلم يتحقق السكوت عن طلب (٧) الشفعة، لا بد من زمان التأمل، [كما] (٨) في المخيرة، فإن لها الخيار ما دامت في مجلسها، والجامع حاجة الرأي والتأمل، ولأن الشرع أحب (٩) له حق التملك ببدل، ولو أوجب البائع له ذلك بإيجاب البيع كان له (١٠) خيار القبول ما دام في مجلسه، فهذا مثله. ولو قال بعدما بلغه الخبر: الحمد لله، أو قال: خلصني الله من فلان، ثم طلب الشفعة، فهو على شفعته. هذا كله من «المبسوط» (١١). والإشهاد فيه، أي: في طلب المواثبة ليس بلازم، إنما هي لنفي التجاحد؛ وذلك لأن طلب المواثبة ليس لإثبات الحق، وإنما شُرط هذا الطلب ليعلم أنه غير مُعرِض عن الشفعة، وغير راضٍ بجوار هذا الدخيل (١٢)، والإشهاد ليس بشرط فيه، وكذلك حصره واحدًا من الأشياء الثلاثة: البائع أو المشتري أو الدار ليس بشرط لصحة هذا الطلب.

стр. 4240

وإنما ذكر أصحابُنا الإشهاد عند الطلب (١)، لا لأنه شرط صحة هذا الطلب، ولكن لأن المشتري لو جحد هذا الطلب، والشهود (٢) يشهدون له على ذلك، وهو نظير ما قال أصحابُنا في الأب إذا وهب لابنه الصغير هبة، وأشهد على ذلك ما ذكروا الإشهاد لكونه شرطًا بصحة الهبة (٣)، ولكن (٤) لأنه لو جحد، فالشهود يشهدون. وكذلك ذكروا الإشهاد على طلب التفريغ في الحائط المائل على طريق الاحتياط، لا لأنه شرط صحة التفريغ. كذا في «الذخيرة» (٥) و «المغني»» (٦). ويصح الطلب بكل لفظ يُفهم منه طلب الشفعة، حتى يحكى (٧) عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل البخاري ﵀ (٨) - لو وجبت الشفعة لقروي، فقال: شفعه [شفعه] (٩)، كان ذلك منه طلبًا صحيحًا تامًّا. كذا في «الذخيرة» (١٠). وذكر في «المغني»: «و [منهم] (١١) من يقول: أطلب الشفعةَ وآخذها، ولو قال: طلبت الشفعة وأخذتها بَطَلت شفعته (١٢). وأصل الاختلاف في عزل الوكيل، وقد ذكرناه بدلائله وأخواته فيما تقدم» (١٣). أراد به ما ذكره في أواخر فصل (القضاء بالمواريث)، وهو من فصول كتاب «أدب القاضي». وأراد [به] (١٤) بأخواته: المولى إذا خبَّر (١٥) بجناية عبده، والشفيع، والبكر، والمسلم الذي لم يهاجر، وهذا بخلاف المجبرة إذا أجبرت عنده- أي: عند أبي حنيفة ﵀ (١٦) - يعني: أن المجبر إذا أجبر المرأة بأن زوجها جبرها في نفسها صارت المرأة مخيرة، سواء كان الجبر عدلاً أو غير عدل، حتى لو اختارت نفسها في مجلسها يقع الطلاق، وإلا فلا، ولا يشترط في المجبر (١٧) أخد شرطي الشهادة، بخلاف مجبر الشفيع بالبيع، حيث يشترط فيه أبو حنيفة أحد شرطي الشهادة، وهو العدد أو العدالة على ما ذكر.
следующие страницы →