← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

حكم القسمة وأما حكمها: فتعين نصيب كل واحد منهم من نصيب صاحبه بحيث لا يبقى تعلق لكل واحد منهم نصيب صاحبه، ثم هي -أي القسمة- لا تعرى عن معنى المبادلة، أي: في جميع الصور سواء كانت في ذوات الأمثال، أو في غير ذوات الأمثال، لكن في ذوات الأمثال معنى الإقرار راجح، والمعنى من الإقرار هو أن يقبضه لعين حقه، ولكن مع ذلك فيه معنى المبايعة، وذلك لأن ما قبضه كل واحد منهما نصفه ملكه من الأصل حقيقة، ونصفه ملك صاحبه صار له من جهة صاحبه بالقسمة إلا أن ما أخذ كل واحد منهما من نصيب صاحبه في ذوات الأمثال مثل ما ترك عليه فتعين، فأخذ مثل الحق يتعين بمنزلة أخذ عين الحق [حكمًا] (١). ألا ترى أن أخذ المثل في [العرض جعل كأخذ العين حكمًا، فجعل العوض لذلك بمنزلة العارية، ولم يجعل بمنزلة المبادلة بين] (٢) المقرض والمستقرض، فلذلك لم يحرم النساء فيه، فجعل استرداد العرض بمنزلة استيفاء عين حقه، ثم في كل موضع يمكن العمل بشبه الإفراز (٣) والمبادلة يعمل بهما، وفي كل موضع لا يمكن العمل بالشبهين بعمل يشبه الإفراز (٤)؛ لأن شبه الإقرار راجح إلى هذا. أشار في «المغني» (٥): «ولو اشترياه فاقتسماه، أي: لو اشترى الرجلان مكيلاً أو موزونًا بدراهم واقتسماها فيما بينهما؛ فلكل واحد منهما أن يبيع نصفه مرابحة بنصف الدراهم. فإن قيل: أليس أن محمدًا ذكر في آخر كتاب (القسمة) (٦): إذا كان وصي الذمي مسلمًا وفي التركة جمعت (٧) وخنازير أنه يكره قسمتها، ولو كان المرجحان في هذه القسمة، أي: في قسمة الموزونات وهي الثمن (٨) يشبه الإقرار ينبغي أن يجوز من غير كراهة، فإن الذمي إذا وكل مسلمًا أن يقبض خمرًا له جاز للوكيل قبضها من غير كراهة. قلنا: ذكر شمس الأئمة الحلواني إذا كان في التركة الخمور لا غير لا يكره للوصي المسلم قسمتها؛ لأن هذه القسمة إقرار محض ليس فيها شبهة المبادلة، والمسلم يملك قبض خمر الذمي، وإنما تكره القسمة إذا كان مع الخمر الخنازير؛ لأن القسمة حينئذ تكون مبادلة (٩).

стр. 4307

وغيره من المشايخ قالوا: لا، بل يكره قسمة الخمور وحدها للمسلم؛ لأن العمل بالشبهين في قسمة الخمر ممكن بإثبات الكراهة، ومعنى الكراهة هاهنا معنى هو بين الحلال المطلق والحرام المحض؛ لأنها لو كانت إفرازًا (١) من كل وجه كانت حلالاً، ولو كانت مبايعة من كل وجه كان (٢) حرامًا، فإذا كانت مبايعة حقيقة [من كل] (٣) وجه إفرازًا (٤) حكمًا أثبتنا حكمًا بين الحلال [المحض] والحرام المحض، ومعنى المبادلة هو الظاهر في الحيوانات، أي: في غير ذوات الأمثال كلها، وبه صرح في «المغني» وغيره فقال في «المغني»: «وأما القسمة في غير ذوات الأمثال فبينة المبادلة فيها راجح؛ لأنها إقرار حكمًا من وجه، ومن حيث الحقيقة هي مبادلة من كل وجه، أما الحقيقة فظاهر، وأما الحكم فلأن نصف ما يأخذ كل واحد منهما مثل لما ترك على صاحبه باعتبار القيمة، وأخذ المثل كأخذ العين حكمًا فكان إفرازًا (٥) إلا أن ما يأخذ كل واحد منهما ليس لمثله (٦) لما ترك على صاحبه [القيمة] (٧) بيقين؛ لأن المقسوم ليس من ذوات الأمثال لا تثبت المعادلة بيقين، فالإفراز (٨) مع المبادلة استويا في الحكم، ثم ترجحت المبايعة بالحقيقة» (٩). وذكر في «المبسوط» (١٠): ونوع هو تميز فيه معنى المبادلة، كالقسمة فيما يتفاوت من النبات والحيوانات/، فإنها تتميز عند اتحاد الجنس وتفاوت (١١) المنفعة، ولهذا يجبر القاضي عليها عند طلب بعض الشركاء، وفيها معنى المبادلة على معنى أن ما يصيب كل واحد منهما نصفه بما (١٢) كان مملوكًا [له] (١٣)، ونصفه عوض عما أخذه صاحبه من نصيبه، ولهذا لا ينفرد به أحد الشريكين، ولا يبيع أحدهما نصيبه مرابحة بعد القسمة. وقوله: (إلا أنها إذا كانت من جنس واحد أجبر القاضي على القسمة)، وهذا جواب لسؤال مقدر يرد على قوله: (ومعنى المبادلة هو الظاهر في الحيوانات والعروض، بأن يقال: لو كان الرجحان للمبايعة لكان لا يجبر إلا على القسمة في غير ذوات الأمثال.

стр. 4308

قلنا: إنما يجبر لدفع الضرر عن غيره؛ كالغريم يحبس حتى يبيع ماله ليقضي الدين، وبهذا السؤال والجواب صَرَّح في «المغني» حيث قال (١): «فإن قيل: لو كان الرجحان في هذه القسمة للمبالغة لكان لا يجبر الآبي عليها، وبالإجماع يجبر، وكذلك لا يثبت حكم الغرور فيها حتى أن الشريكين إذا اقتسما دارًا أو أرضًا بينهما، وبنى أحدهما في نصيبه بناءً، ثم جاء مستحق واستحق الطابقة التي بنى فيها، ونقض بناه لا يرجع على صاحبه بقيمة البناء، ولو كان الرجحان لجانب المبايعة لثبت الغرور، كما لو اشترى. قلنا: الجبر على هذه المبايعة [لقطع ارتفاق الآبي الملك لصاحبه، ويجوز أن يجري الجبر على المبايعة] (٢) باعتبار حق مستحق للغير. ألا ترى أن المشتري لا يجبر على تسليم الدار إلى الشفيع، وإن كان التسليم إليه مبايعة، إنما يجبر لحق الشفيع؟ ألا ترى أن المديون يحبس حتى يبيع ماله ويقضي الدين، فحدثان الجبر عليها لا ينفي كونها مبايعة؟ وأما الثاني قلنا: إنما لا يثبت الغرور؛ لأن كل واحد منهما مضطر في هذه المبايعة؛ لأنه يحتاج إلى تخليص حقه ومنع صاحبه عن الارتفاق بملكه، ولا يمكنه ذلك إلا بهذه المبايعة، فيكون مضطرًا إلى هذه المبايعة لإحياء حقه، والجبر كما ثبت بالإكراه يثبت بالحاجة إلى إحياء الحق؛ كصاحب العلو إذا بنى السفل، وإن (٣) كان مخيرًا على (٤) هذه المبايعة لا يثبت فيها حكم الغرور، كالشفيع إذا أخذ الدار من المشتري بقضاء القاضي وإن كانت أجناسًا، أي: وإن كانت الأعيان المشتركة أجناسًا لا يجبر القاضي على قسمتها. وحاصل ذلك: أن الأعيان المشتركة في أصلها فلا تخلو: إما إن كانت من جنس واحد أو من أجناس مختلفة، فإن كانت من جنس واحد فلا يخلو: إما إن كانت مما يجري فيه الربا؛ كالمكيل، أو الموزون (٥)، أو لا يجري؛ كالحيوانات، فجبر القاضي يجري عند طلب أحد الشريكين القسمة في هذين الوجهين بعد أن كانا من جنس واحد حتى لو كان بين رجلين جماعة غنم أو جماعة بقر أو جماعة إبل أو جماعة ثياب كلها من جنس واحد، فطلب أحدهما قسمته وأبى الآخر ذلك، فإن القاضي يجبر الآبي منهما على القسمة؛ لأن الآبي منهما متغيب؛ لأن المشاع ناقص المنفعة والمقسوم وآخر المنفعة، فلا يلتفت القاضي إلى تعنته، هذا إذا كانت المنفعة تبقى بعد القسمة، وأما إذا لم تبق المنفعة، بل يتضرر كل واحد منهما لا بقسمة القاضي، كما إذا كان حمامًا بينهما، أو بيتًا صغيرًا، أو حائطًا بينهما، وما أشبه ذلك مما يحتاج في قسمته إلى الشق والقطع، فلا يقسم ذلك حتى يتراضيا عليه، ولا يقسم برضا أحدهما دون الآخر، وعند التراضي على القسمة روايتان؛ في رواية: لا بأس للقاضي أن يلي شق ذلك بنفسه ويقطعه بإذنهما، وفي رواية أخرى: لا يلي ذلك بنفسه، بل يفوض ذلك إليهما فيما يفعلانه [هذا إذا لم يكن من أموال الربا، فإن كان من أموال الربا فلا اعتبار لتراضيهما عند فضل] (٦) أحدهما على الآخر قدرًا، والأصل أن التراضي في القسمة على الضرر جائز، كما ذكرنا، والتراضي على الربا لا يجوز لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٧) حتى أنه لو كان كر حنطة بين رجلين نصفين؛ ثلاثون مختومًا منها رديئة قيمتها عشرة دراهم، وعشرة مخاتيم منها صبرة قيمتها عشرة؛ فتراضيا على أن يكون الثلاثون الرديئة لأحدهما، والعشرة الجيدة للآخر، فلا يجوز؛ لأنه ربا؛ لأن الذي قبض الثلاثين كان له في جملة الكر عشرون مختومًا، وقد قبض زيادة العشرة بأداء الجودة في العشرة المتروكة لصاحبه، فيكون ربا وإن تراضيا عليه لم يجز أيضًا؛ لأن الكيلي أو/ الوزني عند ملاقاة جنسه لا غير (٨) للوصف والقيمة، وإنما العبرة للقدر، وهو الكيل في المكيل، أو الوزن في الموزون.

стр. 4309

وأما إذا كانت الأعيان المشتركة من أجناس مختلفة، فطلب أحدهما قسمتها بينهما فلا يقسمها إلا بتراضيهما جميعًا؛ لأن القسمة في مختلف الجنس مبادلة كالتجارة، والتراضي في التجارة شرط؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ (١). كذا في «شرح الطحاوي» في مواضع متفرقة (٢). وإن لم يفعل نصب قاسمًا يقسم بالأجر، [أي:] (٣) وإن لم ينصب قاسمًا يرزقه من بيت المال ينصب قاسمًا يقسم بالأجر، ويقدر أجر مثله، أي: ويقدر القاضي أجر مثل قسمة القاسم، وأبعد عن التهمة، أي: تهمة الميل إلى أجر (٤) المتقاسمين [في مواضع متفرقة] (٥) بسبب ما يعطيه بعض الشركاء [تارة] (٦). وفي «الذخيرة» (٧): ويجوز للقاضي أن يأخذ على القسمة أجرًا، ولكن المستحب له أن لا يأخذ، وهذا لأن القسمة ليس بقضاء على الحقيقة حتى لا يعترض على القاضي مباشرتها، وإنما الذي يعترض عليه جبر الآبي على القسمة، إلا أن لها شبهًا بالقضاء من حيث إنها [لا] (٨) تستفاد بولاية القضاء حتى ملك القاضي جبر الآبى، ولم يملك الأجنبي ذلك؛ فمن حيث إنها ليست بقضاء جاز أخذ الأجر عليها، ومن حيث إنها تشبه القضاء يستحب ألا يأخذ بالأجر عليها، ولو اصطلحوا فاقتسموا جاز، أي: الشركاء ثم (٩) يرفعوا الأمر إلى القاضي، بل اقتسموا بأنفسهم باصطلاحهم، فهو جائز؛ لأن في القسمة معنى المعاوضة فيثبت بالتراضي، كما في سائر المعاوضات. كذا في «أدب القاضي»» (١٠). القسام: جمع القاسم، كالزراع جمع الزارع. التواكل: هو أن يتكل بعضهم على بعض. ثم معنى قوله: «ولا يترك القسام يشتركون، أي: لا يخلي القاضي القاسمين المعينين وأنفسهم على رأيهم في الاشتراك [لكن] (١١) بحيث لا يتجاوز أمر القسمة عنهم إلى غيرهم؛ لأنه لو عينهم في الاستئجار، لعل القسام يكلفون الأجر زيادة على أجر المثل؛ فيتضرر بها المتقاسمون، بل يقول القاضي لكل واحد من المتقاسمين: استدانت (١٢) بالقسمة من غير مشاركة الأجر، فكان كل واحد منهم مأذونًا ومجازًا بالقسمة من جانب القاضي، فحينئذ يتسارع كل من القسام إلى ما يتيسر من الآخر (١٣) فيقسم الأموال المشتركة بأرخص الأمور؛ كيلا يفوت منه ذلك الأجر، وإن قل فلا يتضرر المتقاسمون؛ [كأجرة الكيال والوزان، يعني: إذا استأجروا الكيال ليعقل الكيل فيما هو مشترك بينهم، فالأجر (١٤) على قدر الأنصباء، وكذلك الوزان، وهذا لأن المقصود بالقسمة أن يتوسل كل واحد منهم إلى الانتفاع بنصيبه، ومنفعة نصيب صاحب الكبير أكثر من منفعة نصيب صاحب القليل؛ فيجب أن يكون الأجر على صاحب الكثير أكثر لما أن الغرم مقابل بالغنم، فصارت الأجرة كالزوائد الحاصلة من الملك المشترك، كالثمار والأولاد، فهي على قدر الملك بينهما بالاتفاق.

стр. 4310

فكذا الأجر، وكذلك إذا استأجروا رجلاً لبناء جدار أو تطيين سطح بينهم، فإن الأجر يجب على التفاوت. ولأبي حنيفة ﵀ (١) - (٢) أن الأجر مقابل باليمين، وأنه لا يتفاوت، ومعنى هذا الكلام هو أن القاسم لا يستحق الأجر بالمساحة، ومد الأطناب [في المشي] (٣) على الحدود؛ لأنه لو استعان في ذلك بأرباب الملك استوجب كمال الأجر إذا قسم بنفسه فعرفنا أنه إنما يستوجب الأجر بالقسمة، وهي تمييز نصيب كل واحد منهم، ولا تفاوت بينهم في ذلك، وأنه كما يتميز نصيب صاحب الكثير بعمله عن نصيب صاحب القليل، كذلك يتميز نصيب [صاحب] (٤) القليل عن نصيب صاحب الكثير، وقد لا يتصور إفراز القليل عن الكثير إلا بما يفزر الكثير منه؛ فكان عمل الإفراز واقعًا لهما جملة، وكذلك الحساب فإن معرفة [حساب] (٥) النصيب الكثير يحتاج [لإفراز] (٦) القليل منه، كما يحتاج لإفراز الكثير، وكان العمل من حيث الحساب واقعًا للجملة. بخلاف تطيين السطح، وبناء الجدار؛ لأن الأجر ثم مقابل بالبناء والتطيين، ونفس ذلك الفعل مقدر بقدر المكان (٧)، ألا ترى أن ما يحصل بعمله من البناء والطين المبسوط يكون بينهما أثلاثًا، فكذلك بدله، وأما المقسوم أثلاثًا فلم يحصل بعمله، بل حصل بالإفراز والتمييز لا غير، وهو واقع لهما؛ لأن التمييز يحصل بعمل/ واحد، وهما في ذلك العمل سواء. وبخلاف الزوائد فإنها تتولد من الملك، وإنما يتولد بقدر الملك. وبخلاف النفقة، فإنها لإيفاء الملك، وحاجة صاحب الكثير إلى ذلك أكثر من حاجة صاحب القليل. كذا في «المبسوط» (٨) و «الأسرار»، فيتعذر اعتباره، أي: اعتبار كون صعوبة الحساب بالنظر إلى القليل، يعني: ربما يكون عمله في نصيب صاحب القليل أكثر، فإن الحساب لا يدق إذا استوت الأنصباء، وإنما يدق عند تفاوت الأنصباء، ويزداد فيه بقلة بعض الأنصباء؛ فلعل تمييز نصيب صاحب ذلك العمل سواء، والكيل والوزن إن كان للقسمة، قيل: هو على الخلاف، يعني: إذا استأجروا رجلاً لكيل الحنطة المشتركة بينهم، أو لزرع ثوب مشترك بينهم إن كان الاستئجار لأجل القسمة، والمسألة على الخلاف؛ لأن القليل إنما يفرز عن الكثير الذي يقرر الكثير منه، وكان العمل في كل نصيب بشرط الإفراز للآخر (٩) عنه، كالحساب في الفصل الأول، فلم يظهر التفاوت، وأما إذا كان الاستيجار لنفس الكيل والزرع؛ ليصير المكيل والثوب معلوم القدر والزرع، فالأجر على قدر الأنصباء؛ لأن الأجر استحق بإزاء فعل الكيل من غير اعتبار إفراز، وفعل الكيل يتعذر بقدر المكيل، فتفاوت البدل أيضًا. كذا في «الأسرار»، و «الذخيرة» (١٠)، وهو العذر لو أطلق، ولفظ هو إشارة إلى قوله: (فالأجر مقابل بعمل الكيل والوزن)، يعني: أن قولهما يتقدر بقدره؛ كأجرة الكيال والوزان لو كان مجرى على إطلاقه، فالجواب لأبي حنيفة ﵀ (١١) - عن ذلك هو إنما تفاوت الأجر هناك على قدر الأنصباء؛ لأن كيل نصيب صاحب الكثير أشق وأصعب من كيل نصيب صاحب القليل لا محالة، فلذلك كانت الأجرة هناك بحسب الأنصباء لا بحسب رءوس المتقاسمين، وإلى صحة رواية الإطلاق قال الإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي حيث قال في «المبسوط»: «وأما أجر الكيال والوزان فقد قال بعض مشايخنا: هو على الاختلاف، فإن المكيل والموزون يقسم بذلك، والكيال والوزان بمنزلة القسام»، ثم قال: «والأصح أن أبا حنيفة يفرق بينهما، ويقول هناك: إنما استوجب الأجر بعمله في الكيل والوزن» (١٢).

стр. 4311

ألا ترى أنه لو استعان في ذلك بالشركاء لم يستوجب الأجر، وعمله في ذلك لصاحب الكثير أكثر، وكل عاقل يعرف أن كيل مائة قفيز يكون أكثر من كيل عشرة أقفزة، فلهذا كانت الأجرة عليهما بقدر الملك بخلاف القسام. وعنه- أي: وعن أبي حنيفة (١): «وفي أيديهم دار وضيعة قيد بهما؛ لأنه إذا كان في أيديهم عروض أو شيء مما ينقل قسم بإفرازهم بالاتفاق، وادعوا أنهم ورثوها قيد به [لأنهم] (٢) لو ادعوا الشراء من غائب قسم بينهم بإفرازهم بالاتفاق في رواية الأصول، على ما ذكر في الكتاب، وهكذا أيضًا في «الإيضاح» (٣)، ويذكر أن (٤) القاضي في كتاب (القسمة)، أي: في صك القسمة أنه قسمها بقولهم معنى لا بالبينة، وذلك لأن حكم القسمة بالبينة يخالف حكم القسمة بالإفراز؛ لأن حكم القسمة بالبينة يتعدى إلى الغير حتى لو ادعت أم ولد هذا الميت أو مُدبرة العتق، فالقاضي يقضي لهما بالعتق، ولا يكلفهما إقامة البينة على الموت [في حكم] (٥) القسمة بالإفراز لا يتعدى. ألا ترى أنه لا يقضى بالعتق في هاتين الصورتين إلا ببينة تقوم على الموت. كذا ذكره في الفصل الثاني من قسمة «الذخيرة» (٦). حتى لو حدثت الزيادة فيها تنفذ وصاياه؛ ألا ترى أن من أوصى بجاريته لرجل ومات فولدت ولدًا، أو اكتسبت كان الولد والكسب لورثة الميت، وإن حدثت الزيادة بعد القسمة تكون للموصى له، وإن كانت الجارية مع الزيادة لا يخرج من ثلث المال. كذا في شهادات «الجامع» لقاضي خان (٧). فلابد من البينة، وهو أي: البينة على تأويل الشاهد مقيد، وهذا جواب عن قولهما: (ولا بينة إلا على المنكر فلا يفيد)، ولا يمتنع ذلك بإقراره. هذا كله جواب إشكال ذكر في «الذخيرة»، وقال (٨): «وإن حضر اثنان من الورثة، وطَلَبَا قسمة العقار، والباقي غائب، فالقاضي يسمع (٩) البينة، ويقسم الدار، ويجعل أحد الحاضرين مدعيًا والآخر مدعى عليه، وأحد الورثة بتنصيب خصمًا عن الميت، وعن باقي الورثة، ثم قال: «فإن قيل: كيف يجعل أحدهما مدَّعى عليه، وكل واحد منهما مقر بما يدعيه صاحبه، والمقر بما يدعيه/ المدعي لا يصلح خصمًا للمدعي.

стр. 4312

قلنا: كل واحد منهما إنما يقر على الغير، والإقرار على الغير باطل وجوده وعدمه بمنزلة. ألا ترى أن من ادعى على ميت دينًا، وأقر به وصيه فإن المدعي (١) تكلف إقامة البينة، وبتنصيب الوصي خصمًا له، وإن كان الوصي مُقِرًّا. بخلاف المنقول، إلى آخره، يعني: أن معنى النظر للميت في المنقول في القسمة من وجهين: أحدهما: أن العروض يخشى عليها التوى (٢) والتلف، وفي القسمة تحصين وحفظ لها، وأما العقار فحصن بنفسه لا يخشى عليه التلف، ففي القسمة قضاء على الميت يقطع حقه عنه، والثاني [أن] (٣) في العروض ما يأخذ كل واحد منهم بعد القسمة يصير مضمونًا عليه بالقبض في حق غيرهم، ففي جعل ذلك مضمونًا عليهم معنى النظر للميت، وذلك لا يوجد في العقار فإنه لا يصير مضمونًا في العقار على من أثبت يده فيه عند أبي حنيفة. كذا في «المبسوط» (٤). وكان قوله: «ولا كذلك العقار عنده- أي: عند أبي حنيفة (٥). (وبخلاف المشترى) معطوف على قوله: (بخلاف المنقول)، أي: يقسم القاضي العقار بينهم إذا ادَّعوا الشرى، وقال في «المبسوط» (٦): «ولو كان في أيديهم دار، وأقروا بها دراهم اشتروها من فلان الغائب، وسألوا القاضي قسمتها أجابهم القاضي إلى ذلك، ثم قال في جواب أبي حنيفة عن هذه المسألة: فقال (٧): «وأما في الشرى فقد روي عن أبي حنيفة في غير الأصول: أن القاضي لا يقسمها بينهم، وسوى بين الشرى والميراث، ولكن على هذا الطريق، أي: على الطريق الثاني الذي ذكرنا لأبي حنيفة: يسلم، كما هو ظاهر الرواية، فيقول: قضاؤه بالقسمة في المشترى لا يتضمن قطع [حق] (٨) البائع؛ لأن بعد البيع والتسليم لا يبقى المبيع على حكم ملك البائع بخلاف الميراث. وقال في «الذخيرة» (٩) بخلاف فصل الشراء على ظاهر الرواية؛ لأن القسمة هناك لا تتضمن بطلان شيء من ملك البائع؛ لأن المشتري بعد القبض ملك المشتري من كل وجه، ولم يبق للبائع فيه حق.

стр. 4313

ألا ترى أن ما يحدث من الزيادة يحدث على حكم ملك المشتري؟ وإن ادعوا الملك ولم يذكروا كيف انتقل- أي: بسبب الميراث، أو بسبب الشرى، أو غيرهما [قوله] (١) قسمه بينهم [بمجرد دعواهم الملك من غير إقامتهم البينة على ما ادعوا من الملك، ومسألة «الجامع الصغير» على خلاف ذلك حيث اشترطت قسمة بينهم] (٢)، قال ﵁: «هذه رواية كتاب القسمة»» (٣). وقوله: (هذه) إشارة إلى [قوله: «قسمه بينهم بمجرد دعواهم الملك من غير إقامتهم البينة على ما ادعوا من الملك، ومن «الجامع الصغير» على خلاف ذلك حيث اشترطت] (٤) هناك إقامة البينة على الملك في حق جواز القسمة، فلذلك أعاد لفظ «الجامع الصغير» في الكتاب، وهذه المسألة في «الجامع الصغير» مذكورة في كتاب القضاء منه، وفيها تفريعات. ثم [قوله: «وفي «الجامع الصغير» (٥) أرض ادعاها رجلان، وأقاما البينة أنها في أيديهما، أي: بطريق الملك بدليل قوله: «وقسمة الملك» يقتصر إلى قيامه، أي: الملك، ثم قيل: و] (٦) هو قول أبي حنيفة والإشارة راجعة إلى قوله: (لم يقسمها حتى يقيما البينة)، والدار في أيديهم ومعهم [وإن] (٧) غائب قسمه القاضي. وقوله: (والدار في أيديهم) وقع سهوًا؛ لأنه لو كانت في أيديهم لكان البعض في يد الغائب ضرورة، وقد ذكر بعد هذا في الكتاب: وإن كان العقار في يد الوارث الغائب أو شيء منه لم يقسم، والصحيح أن يقول: والدار في أيديهما، كما ذكره في «المبسوط» بقوله: «وإذا حضر القاضي اثنان من الورثة، والعقار في أيديهما» (٨)، هكذا وجدت بخط شيخي وما ذكره من السهو هو الصحيح، وذكر في «المبسوط» في هذه الصورة وقال (٩): «وإذا كان في الورثة صغيرًا أو كبيرًا غائبًا والدار في أيدي الكبار الحضور، فعند أبي حنيفة لا يقسمها القاضي بينهم حتى تقوم البينة على أصول المواريث؛ لأنها لم يقسم في الفصل الأول مع أن الورثة كلهم كبار حضور، ففي هذا الفصل أولى (١٠) أن لا يقسم؛ لأن في قسمته قضاء على الغائب والصغير بقولهم، وعلى قول أبي يوسف ومحمد: يقسمها بينهم، ويعزل حق الغائب والصغير، ويشهد أنه قسمها بإقرار الكبار الحضور، وأن الغائب والصغير على حجته، كما في الفصل الأول؛ لأن الدار كلها في يد الكبار الحضور وليس في هذه القسمة قضاء على الصغير، والغائب بإخراج شيء من أيديهما، بل فيهما نظر لهما بظهور نصيبهما مما في يد الغير، [والقسمة] (١١) يعزل نصيب الغائب والصغير، وكان هذا محض نظر في حق/ الغائب والصغير.

стр. 4314

[وقوله:] (١) (وكذا لو كان مكان الغائب صبي) [برفع]] (٢) صبي على أنه اسم كان، كما ذكرنا من قبل، أراد به: قوله: لم يقسمها القاضي، عند أبي حنيفة: حتى يقيموا البينة على موته، وعدد ورثته. وقال صاحباه: يقسمها باعترافهم، ولو كانوا مشترين لم يقسم مع يمينه أحدهم، يعني: وإن أقاموا بينة على الشراء، ويصير مغرورًا بشراء المورث، يعني: لو اشترى المورث جارية ومات، واستولدها الوارث، ثم استحقت يكون الولد حرًّا بالقيمة، ويرجع الوارث بها على البائع كالمورث. (ولا فرق في هذا الفصل) إشارة إلى قوله: (وإن كان العقار في يد الوارث الغائب أو شيء منه لم يقسم)، كما أطلق في الكتاب، وهو قوله: (لم يقسم) من غير ذكر إقامة البينة على الإرث أيضًا مخالف لما ذكره في «المبسوط»؛ لأنه قال في «المبسوط» (٣): «وإن كان شيء من العقار في يد الصغير أو الغائب لم أقتسمها بإقرار الحضور حتى تقوم البينة على أصل الميراث؛ لأن في هذه القسمة قضاء على الغائب والصغير بإخراج شيء مما كان في يده [عن يده] (٤)، وكذلك إن كان الكبير أودع ما كان في يده منها رجلاً حتى غاب؛ لأن المودع أمين، فلا يكون خصمًا في ذلك، ولا يجوز للقاضي أن يقضي على الغائب بحضور أمينه، فلهذا لا يقسم حتى تقوم البينة، فإذا قامت البينة قبلها القاضي؛ لأنها تقوم لإثبات ولاية القاضي في تركة الميت، ولأن الورثة يخلفون الميت في الميراث؛ فينتصبون خصمًا عنه، وينتصب بعضهم خصمًا عن بعضهم، فقلما تخلو تركة عن هذا، فإن الورثة يكبرون، وقلما يحضرون فلو لم يقبل القاضي البينة ولم يقسمها لمكان غائب أو صغير أدى إلى الضرر، والضرر مدفوع. وذكر في «فتاوى قاضي [خان] (٥) (٦): فرواية أنه لا يقسم وإن قامت البينة ما لم يحضر الغائب هي رواية «الجامع»، وكان قوله في الكتاب هو الصحيح احترازًا عن رواية «المبسوط» وغيره في أنه يقسم إذا قامت البينة [والله أعلم] (٧)؛ لأن الواحد لا يصلح مخاصَمًا ومخاصِمًا، وهذا لأن الحاضر إن كان خصمًا عن نفسه فليس هاهنا خصم عن الميت وعن الغائب، وإن كان هذا الحاضر خصمًا عنهما فليس هاهنا من يخاصمه عن نفسه؛ ليقيم البينة عليه بذلك، بخلاف ما إذا كان الحاضر اثنين من الورثة.

стр. 4315

والثاني أن الحاضر إذا كان واحدًا فهو غير متظلم في طلب القسمة، ولا طالب للإنصاف إذ ليس معه من ينتفع بملكه حتى يقول للقاضي: اقسمها بيننا كيلا (١) ينتفع بملكي غيري، وأما إذا حضر اثنان فكل واحد منهما يطلب القسمة يسأل القاضي أن يمنع صاحبه عن الانتفاع بنصيبه، وذلك مستقيم. كذا في «المبسوط»» (٢). وذكر في «الذخيرة»: فإذا كان بعض الورثة حضورًا والبعض غيبًا، والدار كلها أو بعضها في يد الغائب، وطلب الحاضر القسمة من القاضي، وأقام البينة على الميراث، فإن كان الحاضر واحدًا، فالقاضي لا يقبل بينته، ولا يقسم الدار (٣). وعن أبي يوسف أن القاضي ينصب عن الغائب خصمًا، ويسمع البينة عليه، ويقسم الدار (٤). ووجه ظاهر الرواية: أن التركة قبل القسمة إن بقيت على حكم ملك الميت من وجه صارت ملكًا للورثة من وجه حتى لو أعتق واحد منهم عبدًا من التركة قبل القسمة بعد العتق في نصيبه، وكل واحد من الورثة قبل (٥) القسمة يرتفق بنصيبه وبنصيب شركائه، والحاضر يدعو (٦) القسمة، كما يدعي [إزالة ما بقي من ملك الميت يدعي] (٧) على شركاء (٨) قطع الارتفاق [وتنصيب فلان] (٩) جاز للقاضي نصب الموصى من حيث إنه دعوى على الميت لا يجوز له نصب الوصي من حيث إنه دعوى على شركائه الغيب، ولا يجوز له نصب الوصي بالشك، وليس كما لو ادعى أجنبي دينًا على الميت، وليس للميت وارث ولا وصي [له] (١٠)، وأن (١١) القاضي ينصب عنه وصيًّا؛ لأن [ذلك] (١٢) دعوى على الميت من كل وجه، وللقاضي أن ينصب وصيًّا عن الميت، أما هاهنا بخلافه، وإذا لم يكن للقاضي أن ينصب وصيًّا عن الميت، وهذا الواحد لا يصلح خصمًا عن الميت وعن سائر الشركاء؛ لأنه مدع فلا يصلح مدعى عليه، فتعذر قبول البينة؛ لأن البينة من غير الخصم لا يقبل، ولو كان الحاضر كثيرًا وصغيرًا نصب القاضي عن الصغير وصيًّا، وقسم. اعلم أن هاهنا مسألة لا بدّ من معرفتها، وهي أن القاضي إنما ينصب وصيًّا عن الصغير/ إذا كان الصغير حاضرًا، أما إذا كان غائبًا فلا ينصب عنه وصيًّا.

стр. 4316

بخلاف الكبير الغائب على قول أبي يوسف فإنه ينصب وصيًّا عن الغائب (١) على قوله، على ما ذكرنا، [وبخلاف ما إذا وقع الدعوى على الميت فإنه ينصب وصيًّا عن الميت، وإن كان المدعي واحدًا على ما ذكرنا] (٢)، ثم الفرق بين الصبي الغائب والحاضر في حق نصب الوصي هو (٣) أن الصغير إذا كان حاضرًا فينصب الوصي لأجل (٤) الجواب ضرورة؛ لأن الدعوى قد صحت على الصبي؛ لكونه حاضرًا إلا أنه عجز عن الجواب، فينصب عنه وصيًّا ليجيب خصمه. وأما إذا كان غائبًا لم تصح الدعوى عليه، ولم يتوجه الجواب عليه، ولم تقع الضرورة على نصب الوصي. كذا في «الذخيرة»» (٥). وكذا إذا حضر وارث كثير وموصى له بالثلث فيها أي: في الدار. اعلم أن الموصى له شريك في هذا الدار، فكان بمنزلة الوارث، فإن حضر بنفسه وحده فالقاضي لا يسمع بينته، ولا يقسم الدار، كما لو حضر واحد من الورثة، وإن حضر هو مع أحد الورثة فالقاضي يسمع بينتهما، ويقسم الدار، كما لو حضر وارث (٦). كذا في «الذخيرة» (٧)، [والله أعلم] (٨). * * * فصل فيما يقسم و [في] (٩) ما لا يقسم لما تنوعت مسائل القسمة على هذين النوعين، أعني: ما يقسم وما لا يقسم شرع في بيانهما، فيما يحتملها، أي: فيما يحتمل القسمة على ما بيناه من قبل إشارة إلى قوله: (إذا كانت من جنس واحد أجبر القاضي على القسمة عند طلب أحد الشركاء؛ لأن فيه معنى الإفراز؛ لتفاوت المقاصد والمبادلة مما يجري فيه الجبر كقضاء الدين)، إلى آخره، فإن طلب صاحب الكثير قسم، أي: وإن أبى صاحب القليل عندنا، فكان معنى قوله: (قسم)، أي: قسم القاضي جبرًا على مَن أَبَى. وقال ابن أبي ليلى: «لا يقسمها» (١٠). وكذلك إن كان سائر الشركاء لا ينتفعون بأنصبائهم إلا أن هذا الواحد الطالب للقسمة، فإنه يقسمها بينهم وإن كان الطالب [بها] (١١) صاحب القليل لم يقسمها إذا كان هو لا ينتفع بنصيبه بعد القسمة. وعلى قول ابن أبي ليلى: لا يقسمها عند إباء بعضهم إلا إذا كان كل واحد [منهم ينتفع منهم بنصيبه] (١٢) بعد القسمة؛ لأن المقصود بالقسمة تحصيل المنفعة لا تفويتها، والمعتبر في القسمة العادلة بين الشركاء في المنفعة، فإذا كان بعضهم لا ينتفع بنصيبه أحد (١٣) القسمة فهذه قسمة تقع على ضرر، والقاضي لا يجبر الشركاء على مثله، كما لو كان الطالب من لا ينتفع بنصيبه بعد القسمة.

стр. 4317

ولنا: أن الطالب للقسمة يطلب الإنصاف من القاضي ولا يتعنت؛ لأنه يطلب منه أن يخصه بالانتفاع بملكه، ويمنع غيره من الانتفاع بملكه، وهذا منه طلب الإنصاف، فعلى القاضي أن يجيبه إلى ذلك بخلاف ما إذا كان الطالب للقسمة من لا ينتفع بنصيبه؛ لأنه متعنت في طلب القسمة، والقاضي يجيب المتعنت بالرد. وذكر الجصاص ﵀ (١) - على قلت (٢) هذا، وهو أن (٣) [يقسم بعد] (٤) يطلب (٥) صاحب القليل القسمة، ويأبى (٦) صاحب الكثير، وذكر في بعض النسخ الخصاف مكان الجصاص، والأصح أن يذكر الجصاص؛ لأنه هو الموافق لرواية «فتاوى قاضي خان» وغيرها، بل قول الجصاص ما هو المذكور أولاً. هكذا ذكر في «الذخيرة» و «فتاوى قاضي خان» (٧)، والأصح المذكور في الكتاب وهو الأول وهو قوله: (وإن طلب صاحب الكثير قسم، وإن طلب صاحب القليل لم يقسم). ووجه الأصح: هو أن [رضا] (٨) صاحب القليل بالتزام الضرر لا يلزم القاضي شيئًا، وإنما الملزم طلب (٩) الإنصاف من القاضي وإيصاله (١٠) إلى منفعة [ملكه]، وذلك لا يوجد عند طلب صاحب القليل. ألا ترى أن كل واحد منهما إذا كان لا ينتفع بنصيبه بعد القسمة، وطلبا جميعًا القسمة لم يقسمها القاضي بينهما، فكذلك إذا كان الطالب من لا ينتفع بنصيبه بعد القسمة. هذا كله من «المبسوط» (١١). والوجه الأصح (١٢) فيما ذكرنا (١٣)؛ لأنه لما أقام الدليل على اعتبار قول صاحب الكثير يقول: لأن الأول ينتفع به، وأقام الدليل أيضًا على اعتبار قول صاحب القليل، وهو قول الجصاص بقوله: لأن صاحب الكثير يريد الإضرار بغيره، والآخر يرضى بضرر نفسه كان مقيمًا الدليل لقول الحاكم (١٤) أيضًا [لا محالة] (١٥)، وإن كان كل واحد يستنصر لصغره بأن كان بيتًا صغيرًا بينهما لم يقسمها، أي: عند طلب أحدهما؛ لأن الطالب للقسمة منهما متغيب.

стр. 4318

فإن قيل: القسمة يتمكن كل واحد منهما من الانتفاع بنصيبه، وبالقسمة/ يفوت ذلك فالطالب منهما إنما يقصد التعنت (١) والإضرار بشريكه، فلا يجيبه القاضي إلى ذلك، وكذلك لا يقسم الحائط والحمام بين رجلين؛ لأن في قسمته ضررًا، والمقصود بالقسمة [أيضًا] (٢) منفعة الملك إلى كل (٣) واحد من الشركاء، وفي الحائط والحمام تفوت المنفعة بالقسمة؛ لأن كل واحد منهما لا ينتفع بنصيبه بعد القسمة، كما كان ينتفع [به] (٤) قبل القسمة، فلا يقسمه القاضي بينهم؛ لأنه لا يشغل (٥) بما لا يفيده، ولا بما فيه إضرار، ولو اقتسموا بينهم بالتراضي لم يمنعهم من ذلك؛ لأنهم لو أقدموا على إتلاف الملك لم يمنعهم ذلك في الحكم فكذا (٦) إذا تراضوا على القسمة فيما بينهم. كذا في «المبسوط»» (٧). ويقسم العروض، أي: جبرًا إذا كان من صنف واحد؛ لأن في حق التراضي لا يشترط النصف الواحد، ويدل على هذا أيضًا شيئًا من قوله: سبيلها (٨) التراضي دون جبر القاضي، ويدل عليه أيضًا ما ذكره في «المبسوط» بلفظ الإجبار صريحًا حيث قال (٩): «وإذا كان القيم (١٠) بين قوم ميراثًا أو شراءً فأراد بعضهم قسمتها، وكره [ذلك] (١١) بعضهم، وقامت البينة على الأصيل، فإن القاضي يقسمها بينهم؛ لأن اعتبار المعادلة في المنفعة والمالية عند اتحاد جنس الحيوان ممكن للتقارب في المقصود، فبلغت معنى التمييز في هذه القسمة على معنى المعاوضة، وبمعنى التمييز يثبت للقاضي، ولأنه إجبار بعض الشركاء عليه، وكذلك كل صنف من الحيوان أو غيره من الثياب، أو ما يكال، أو يورث، فعند اتحاد الجنس يجبر القاضي على القسمة عند طلب بعض الشركاء إلا في الرقيق. وقوله: (والإبل) بالنصب بالعطف على كل موزون، وفي بعض النسخ: (والأبك)، وهو مناسب لما قبله، وذكر الإبل مناسب لما بعده، ولا يقسم شاة وبعيرًا وبرذونًا (١٢) وحمارًا، أي: لا يقسم جبرًا في هذه الأشياء قسمة جمع، بأن يجمع نصيب أحد الورثة في الشاة خاصة، ونصيب الآخر في البعير خاصة، بل يقسم الشاة بينهم جميعًا [على] (١٣) ما يستحقون [هاهنا] (١٤).

стр. 4319

وكذلك في البعير وغيره؛ لأن الأجناس [إذا اختلفت] (١) كانت القسمة بطريق الجمع قطعًا لبعض المنفعة لا تكميلاً، إلى هذا أشار في «الإيضاح» (٢). وقال في «الذخيرة» (٣): «والحاصل أن القاضي لا يقسم الأجناس المختلفة من كل وجه قسمة جمع إذا أبى ذلك بعض الشركاء بأن كان بين رجلين إبل واحد (٤) وغنم، وطلب أحدهما من القاضي أن يجمع نصيبه في الإبل، أو في البقر، فالقاضي لا يقسم على هذا الوجه، وفي الجنس المتحد تقسم الأعداد قسمة جمع عند طلب البعض بأن كان بين رجلين غنم كثير، [وكان بينهما إبل كثيرة] (٥)، وطلب أحدهما من القاضي أن يجمع نصيبه في طائفة، فعلى القاضي ذلك. ولا يقسم الأواني، أي: التحقت الأواني بالأجناس المختلفة بسبب الصنعة، وإن كان أصلها واحدًا كالإجانة (٦)، والقمقم، والطشت المتخذة من الصفر مثلاً، ولذلك لا يقسمها القاضي بينهم جبرًا، وكذلك الأثواب المتخذة من القطن إذا اختلفت بالصنعة؛ كالقباء والجبة والقميص لا يقسم القاضي بعضها في بعض. ويقسم الثياب الهروية لاتحاد الصنف. هذا احتراز عن اختلاف الصنف؛ لأنه ذكر في «المبسوط»، فقال (٧): «وإن كان الذي بين الشركاء ثوبًا رطبًا، وثوبًا هرويًّا، ووسادة، وبساطًا لم يقسمه إلا برضا (٨)؛ لأن في الأجناس المختلفة [القسمة] (٩) تكون بطريق المعاوضة، فإن كان كل واحد من الشريكين يتملك على شريكه نصيبه من الجنس الذي يأخذ عوضًا عما يملكه من نصيب نفسه من الجنس الآخر، وفي المعاوضات لابد من التراضي، ولا يقسم ثوبًا واحدًا، أي: عند طلب أحد الشريكين دون الآخر لاشتمال (١٠) القسمة على الضرر، فإنه يحتاج إلى قطع الثوب بينهما، وفي قطعه إتلاف جزء منه فلا يفعله القاضي مع كراهة بعض الشركاء، وإن [رَضِيَا] (١١) بذلك جميعًا قسمته بينهما لوجود الرضى منهما بالتزام هذا الضرر.

стр. 4320

وقد قال بعض مشايخنا: «القاضي لا يفعل ذلك وإن تراضيا عليه، ولكن لو اقتسما فيما بينهما لم يمنعهما من ذلك؛ لأن في هذه القسمة إتلاف جزء، القاضي (١) بقضائه يحصل ولا يتلف. كذا في «المبسوط»» (٢). بخلاف ثلاثة أثواب، أي: وأن القاضي يقسم ثلاثة أثواب بين رجلين. وفي «المبسوط»: «لو كانت ثلاثة أثواب بين رجلين، وأراد أحدهما قسمتها، وأبى الآخر، فإني أنظر في ذلك إن كانت قسمتها تستقيم من غير قطع بأن تكون/ قيمة ثوبين مثل قيمة الثالث، فإن القاضي يقسمها بينهما؛ فيعطى أحدهما ثوبين والآخر ثوبًا، وإن كان لا يستقيم [ثم] (٣) اقتسمها بينهم إلا أن يتراضوا فيما بينهم على شيء. هكذا قال في الكتاب (٤). والأصح أن يقال: إن استوت القيمة فكان نصيب كل واحد منهما ثوبًا [ونصفًا، فإنه يقسم بينهما، ويدع الثالث مشتركًا، ولذلك إن استقام أن يجعل أحد القسمين ثوبًا] (٥) وثلثي الآخر، والقسم الآخر ثوبًا وثلث الآخر، أو أحد القسمين ثوبًا وريعًا والآخر ثوبًا وثلاثة أرباع فإنه يقسم بينهم ويترك الثوب الثالث مشتركًا؛ لأنه يتيسر عليه التميز في بعض المشترك، ولو تيسر ذلك في الكل كأن يقسم الكل عند طلب بعض الشركاء، وكذلك إذا تيسر ذلك في البعض. وقوله: (وثلاثة أرباع) بالجر بالعطف على ثوب. وقال أبو حنيفة: «لا يقسم الرقيق والجواهر» (٦)، أي: لا يجبر على القسمة عند إباء البعض، كما كان يجبر على القسمة عند اتحاد جنس الحيوانات من الإبل والبقر، على ما ذكرنا. وعندهما يجبر عليها، كما في الإبل والغنم (٧). وحاصله: أن الرقيق إذا كان بين اثنين فهو على وجوه؛ إن كان في (٨) الرقيق دواب، أو عروض، أو شيء آخر قسم القاضي الكل بينهم في قولهم: وإن لم يكن مع الرقيق شيء آخر؛ فإن كان ذكورًا وإناثًا لا يقسم إلا برضاهم، وإن كان الكل ذكورًا أو إناثًا ليس (٩) مع الرقيق شيء [آخر] (١٠)، وطلب بعض الورثة قسمتها، وأبى البعض أو أبى أحد الورثة لا يقسم القاضي بينهم في قول أبي حنيفة ولا يجبرهم على ذلك (١١).

стр. 4321

وقال صاحباه: يقسم ويجبرهم على القسمة. كذا في «فتاوى قاضي خان» (١). والحاصل: أن عند أبي حنيفة لا يجوز الإجبار على قسمة الماء (٢) [إلا] (٣) أن يكون مع الرقيق شيء آخر هو (٤) محل لقسمة الجمع [بكل] (٥)؛ كالغنم والثياب، فيقسم القاضي [الكل] (٦) قسمة جمع. وكان أبو بكر الرازي يقول: تأويل هذه المسألة: أنه يقسم ذلك برضا الشركاء، فأما مع كراهة بعضهم فالقاضي لا يقسم؛ لأنه إذا كان عند اتحاد الجنس في الرقيق لا يقسم قسمة الجبر عند أبي حنيفة فعند اختلاف الجنس أولى، والأظهر أن قسمة الجبر تجري هاهنا عند أبي حنيفة باعتبار أن الجنس الآخر الذي هو مع الرقيق يجعل أصلاً في القسمة، وحكم القسمة جبرًا يثبت فيه، فثبت في الرقيق أيضًا تبعًا، وقد ثبت حكم العقد في الشيء بيعًا، وإن كان لا يجوز إثباته مقصودًا، كالشرب، والطريق في البيع، والمنقولات في الوقف (٧). [كذا في «المبسوط» (٨) و «الذخيرة» (٩) (١٠). وله: أن التفاوت في الآدمي فاحش؛ لتفاوت المعاني الباطنة كالدهن والكياسة. كذا في «المبسوط» (١١) و «الذخيرة» (١٢)؛ لأن من العبد من يصلح للأمانة، ومنهم من يصلح للتجارة، ومنهم من يصلح للفروسية والخياطة والكتابة، فمتى جمع نصيب كل واحد منهم في واحد فاتَهُ سائر المنافع، فلم يكن ذلك قسمة وإفرازًا فلم يصر مستحقه كقسمة الحمام والأجناس المختلفة، ألا ترى [أن] (١٣) الذكر والأنثى من بني آدم جنسان، ومن الحيوانات جنس واحد حتى إذا اشترى شقصًا على أنه عبد فإذا هو جارية بخلاف سائر الحيوانات أي: لا ينعقد العقد في الأول وفي الثاني ينعقد. فإن قلت: ما جواب أبي حنيفة عما لو (١٤) قالا: إن الرقيق كسائر الحيوانات في سائر العقود، ألا ترى التأنيث (١٥) في الذمة مهرًا، ولا يثبت سلمًا، فيجب أن يجعل في القسمة أيضًا كسائر الحيوانات، وهذا لأنه لو تزوج امرأة على عبد صحت التسمية، ولو كانت الجهالة جهالة فاحشة لما صحت، كما إذا تزوج امرأة على ثوب أو حيوان.

стр. 4322

قلت: جوابه أن الجهالة في الرقيق جهالة فاحشة، كجهالة الجنس إلا أن تلك الجهالة غير مانعة لأجل التسمية في النكاح؛ لأن تلك الجهالة المتفاحشة موجودة بين أنواع مهر المثل فلم (١) لم يفسد (٢) اعتبار تلك الجهالة، وإن فحشت لم يعتبر ما دونه من الجهالة فيه أيضًا، والحجة الظاهرة لأبي حنيفة ﵀ (٣) - ما قاله أصحابنا جميعًا فيمن دفع إلى آخر ألف درهم مضاربة، فاشترى المضارب [بهما] (٤) عبدين كل واحد منهما يساوي ألفًا أن عتق المضارب لا ينفذ، ولو كان يجب القسمة جميعًا لصار الربع من كل عبد للمضارب، وكان ينفذ عتقه كما إذا كان عبدًا واحدًا قيمته ألفان، وكذلك لا يلزمه الزكاة في/ نصيبه، ولو اعتبر جنسًا واحدًا لوجب كما إذا اشترى أغنامًا تساوي ألفين فإن الزكاة تلزم في نصيبه بحيث قالوا بأنه لا يملك شيئًا من [العبدين تبين أنه يعتبر كل عقد على حدة كان ليس معه غيره في حق إثبات الشركة سهمًا، وعند ذلك لا يفصل شيء من] (٥) العبيد عن رأس المال، فلم يثبت له ملك، فكانت هذه المسألة ناقصة، كما قالا. هذا كله مما ذكره في «المبسوط» و «الأسرار» فلا يقسم القاضي بخلاف الراضي (٦) لما بينا إشارة إلى ما ذكره في أوائل هذا الفصل بقوله: (وإن كان كل واحد يستضر لصغره لم يقسمها إلا بتراضيهما؛ لأن الجبر على القسمة لتكميل المنفعة)، إلى آخره. القراح من الأرض: كل قطعة على حيالها ليس فيها شجر ولا شائب صح (٧)، وقد يجمع على أقرحة، كمكان وأمكنة، وزمان وأزمنة. كذا في «المغرب» (٨). وذكر في «المبسوط»: وإذا كانت الدور بين قوم فأراد أحدهم أن يجمع نصيبه منها في دار واحدة، وأبى ذلك بعضهم قسم القاضي كل دار بينهم على حدة، ولم يضم بعض أنصبائهم إلى بعض إلا أن يصطلحوا على ذلك في قول أبي حنيفة (٩). وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: الرأي في ذلك إلى القاضي (١٠). وينبغي أن ننظر (١١) في ذلك؛ فإن كانت أنصباء أحدهم إذا جمعت في دار كان أعدل للقسمة جمع ذلك؛ لأن المعتبر في القسمة المعادلة في المنفعة والمالية، والمقصود دفع الضرر، وإذا قسم [كل دار على حدة ربما يتضرر كل واحد منهم ليفرز نصيبه، وإذا اقتسم] (١٢) الكل قسمة واحدة يجمع نصيب كل واحد منهم [في دار] (١٣)، وينتفع بذلك، والقاضي يصيب ناظرًا، ويمضي قضاؤه على وجه يرى النظر فيه فيعوض الترجيح إلى القاضي [والرأي] (١٤) في ذلك [إلى القاضي] (١٥) إن رأى النظر في أن يقسم كل دار على حدة فعل، وإن رأى أن يقسم جملة فعل. كذا في «الفتاوى الظهيرية» (١٦) (١٧)، ثم هي ثلاثة فصول عند أبي حنيفة [﵀] (١٨): الدور والبيوت والمنازل، والدور سواء كانت متفرقة أو متلازقة لا تقسم عنده قسمة واحدة إلا برضا الشريك، والبيوت تقسم قسمة واحدة سواء كانت متفرقة أو مجتمعة في مكان واحد؛ لأنها تتفاوت في معنى السكنى، والبيت اسم لسقف واحد له دهليز، فلا يتفاوت في المنفعة عادة.

стр. 4323

ألا ترى أنه (١) تؤاجر أجر (٢) واحد في كل محلة، فيقسم قسمة واحدة، والمنازل إن كانت مجتمعة في دار واحدة متلازقة (٣) بعضها ببعض تقسم قسمة واحدة، وإن كانت متفرقة يقسم كل منزل (٤) على حدة، سواء كانت في محال أو في دار واحدة بعضها في أقصاها، وبعضها في أدناها؛ لأن المنزل فوق البيت، فالمنازل تتفاوت في معنى السكنى، ولكن التفاوت فيها دون التفاوت في الدور، فهي تشبه البيوت من وجه، والدور من وجه فلشبهها بالبيوت قلنا: إذا كانت متلازقة تقسم قسمة واحدة؛ لأن التفاوت فيها نقل في مكان واحد، ولشبهها بالدور قلنا: إذا كانت في أمكنة متفرقة لا تقسم قسمة واحدة، وهما في الفصول كلها يقولان: ينظر القاضي إلى أعدل الوجوه فيمضي القسمة على ذلك. كذا في «المبسوط» (٥)؛ لأنه أي: لأن المنزل بين الدار والبيت على ما مَرَّ في باب الحقوق من كتاب (البيوع) أن إجارة منافع الدار بالحانوت لا يجوز، أي: إجارة الدار بمنافع الحانوت لا يجوز، أما جعل عين الحانوت أجرة لمنافع الدار فيجوز، وإنما لا يجوز جعل منافع الحانوت أجرة لمنافع الدار، وهي حرمة الربا هنالك، أي: في إجارات الأصل (٦)، [والله أعلم] (٧). * * * فصل في كيفية القسمة القرعة في القسمة لما فرغ من بيان ما يقسم وما لا يقسم احتاج إلى بيان كيفية القسمة فيما يقسم؛ لأن [الكيفية منه] (٨) فيتبع جواز أصل القيمة (٩) الذي هو الموصوف، وينبغي للقاسم أن يصور ما يقسمه، يعني (صورت بركشند بركاغدايجه راكه قسمت مي كنداي) يصوره على قرطاس، ليرفع ذلك القرطاس إلى القاضي حتى يتولى الإقراع بينهم بنفسه إن لم يأمره بالإقراع، ويفرز كل نصيب لتنقطع المنازعة بينهم، ثم يكتب أساميهم، ويجعلها قرعة، ثم يلقب نصيبًا بالأول إلى آخره، يعني إذا كان لأحدهم نصف، وللآخر ثلث، والثالث سدس يلقب النصف بالأول، والثلث بالثاني، والسدس بالثالث، فإن خرج السدس أولاً يدفع من السهم الأول وهو النصف/ فإن خرج بعده النصف يضم إلى ما يليه حتى يتم النصف، ويدفع إلى صاحبه، ثم وثم إلى آخره. وقال الإمام مولانا حميد الدين: «صورته أرض بين جماعة لأحدهم سدسها، ولآخر نصفها، ولآخر ثلثها يجعلها ستة أسهم، ويلقب الجزء الأول بالسهم الأول، والذي يليه بالثاني والثالث على هذا، ويكتب أساميهم، ويجعلها قرعة، ثم يلقيها في كمه، فمن خرج اسمه أولاً فله السهم الأول، فإن كان ذلك بقي بسهمه بأن كانت (١٠) صاحب صاحب السدس فله الجزء الأول، وإن كان صاحب الثلث فله الجزء الأول، والذي يليه، وإن كان صاحب النصف فله الجزء الأول، واللذان يليانه.

стр. 4324

في «فتاوى قاضي خان» (١) ثلاثة نفر بينهم أرض لأحدهم عشرة أسهم، وللثاني خمسة أسهم، وللثالث سهم واحد، فأرادوا قسمتها، وأراد صاحب العشرة الأسهم أن تقع [بين] (٢) سهامه متصلة في موضع واحد، ولا يرضى بذلك الذي له سهم واحد قسمت الأراضي بينهم متصلة كانت أو متفرقة على قدر سهامهم؛ عشرة لواحد، وخمسة لآخر، وسهم للثالث، ويجعل الأراضي [على] (٣) عدد سهامهم، يعني ستة عشر سهمًا بعد أن عدلت وسويت، ثم يجعل بنادق سهامهم على عدد سهامهم، [ويقرع] (٤) بينهم البندقة طينة مدورة، [يرمي] (٥) يعني: يكتب أسامي أصحاب السهام في كاغده ثم يجعل هي في البندقة، فأول بندقة تخرج توضع على طرف من أطراف السهام، وهو أول السهام، ثم ينظر إلى البندقة لمن هي؟ فإن كانت لصاحب العشرة من البنادق العشرة يعطى له ذلك وتسعة أسهم متصلة بالسهم الذي وضع البندقة عليه، فيكون سهام صاحبها على الاتصال، ثم يقرع بين الستة كذلك، فأول بندقة تخرج توضع على طرف من أطراف الستة الباقية، ثم ينظر إلى البندقة لمن هي؟ فإن كانت لصاحب الخمسة من البنادق الخمسة يعطى له ذلك السهم وأربعة أسهم متصلة بذلك السهم، ويبقى السهم الواحد لصاحب الواحد، وإن كانت هي البندقة لصاحب الواحد كان له الطرف الذي وضع عليه البندقة، وتكون الخمسة الباقية لصاحب الخمسة. (والقرعة لتطييب القلوب) إلى آخره، هذا جواب الاستحسان [عن وجه القياس. وقال في «المبسوط»: «واستعمال القرعة للقاسم لا بأس به، وهو استحسان» (٦). وفي القياس هذا لا يستقيم؛ لأنه في معنى القمار، فإنه تعليق الاستحقاق] (٧) بخروج القرعة، والقمار حرام. ولهذا لم يجوِّز علماؤنا استعمال القرعة في دعوى النسب، ودعوى الملك، وتعين العتق (٨)، ثم هذا في معنى الاستقسام بالأزلام الذي كان يعتاده أهل الجاهلية، وقد حرم الله تعالى ذلك، ونص على أنه رجس وفسق، ولكنا تركنا هذا بالسنة، والتعامل الظاهر من لدن رسول الله ﵇ إلى يومنا هذا من غير نكير منكر. ثم هذا ليس في معنى القمار، ففي القمار أصل الاستحقاق يتعلق بما يستعمل فيه، وفي هذا الموضع أصل الاستحقاق لكل واحد منهم لا يتعلق بخروج القرعة؛ لأن القاسم (٩) لو قال: أنا عدلت في القسمة فخذ أنت هذا الجانب، وأنت هذا الجانب كان مستقيمًا إلا أنه ربما يتهم في ذلك، فيستعمل القرعة لتطيب قلوب الشركاء، ونفي تهمة المثل عن نفسه، وذلك جائز.

стр. 4325

ألا ترى أن يونس ﵇ في مثل هذا استعمل القرعة مع أصحاب السفينة، كما قال الله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ (١)، وذلك لأنه علم أنه هو المقصود، ولكن (٢) لو ألقى نفسه في الماء ربما ينسب إلى ما لا يليق بالأنبياء، فاستعمل القرعة لذلك. وكذلك زكريا ﵇ استعمل القرعة مع الأحبار في ضم مريم ﵂ إلى نفسه، وقد كان علم أنه أحق بها منهم؛ لأن خالتها كانت عنده، ولكنه استعمل القرعة تطييبًا لقلوبهم؛ قال الله تعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (٣). ثم إن كان القاضي هو الذي يقسم بالقرعة أو نائبه، فليس لبعض الشركاء أن يأبى ذلك بعد خروج بعض السهام، كما لا يلتفت إلى إباء بعض الشركاء قبل خروج القرعة، وإن كان القاسم يقسم بينهم بالتراضي، فيرجع (٤) بعضهم بعد خروج بعض السهام كان له ذلك إلا إذا خرج السهام كلها إلا واحدًا؛ لأن التمييز هاهنا يعتمد التراضي بينهم، ولكل واحد منهم أن يرجع قبل أن يتم، وبخروج بعض السهام لا يتم، وكان هذا كالرجوع عن الإيجاب/ قبل قبول المشتري؛ فأما إذا خرج جميع السهام إلا واحد فقد تمت القسمة؛ لأن نصيب ذلك الواحد تعيَّن خرج أو لم يخرج، فلا يملك بعضهم الرجوع بعد تمام القسمة. (فيملك الإلزام)، أي: القاضي، أو القاسم بنيابته. (ولا يدخل في القسمة الدراهم)، أي: الدراهم التي ليست في التركة لا تدخل لتجربتها نقصان بعض الأنصباء، بل يجبر النقصان بشيء من التركة. صورته: دار بين جماعة فأرادوا قسمتها، وفي أحد الجانبين فضل بناء، فأراد أحد الشركاء أن يكون عوض البناء دراهم، وأراد الآخر أن يكون عوضه من الأرض بجعل العوض من الأرض لا من الدراهم إلا إذا تعذر، على ما ذكر في الكتاب. وإنما قلنا هكذا؛ لأنه ذكر قبل هذا، ولا يقسم الجنسين، ولأنه علل المسألة بقوله؛ لأنه لا شركة في الدراهم. ودراهم الآخر في ذمته، أي: وقت القسمة. بخلاف البيع حيث لا يفسد في هذه الصورة، وهي ما إذا باع دارًا أو أرضًا، ولا يتمكن المشتري من الاستطراق، ولا من يسيل الماء إلى الأرض؛ لأن المقصود منه أي: من البيع يملك العين، أي: للمشتري، وأنه بجامع تعذر الانتفاع، كبيع الجحش الذي هو غير منتفع به في الحال فإنه يجوز، وذكر في «المبسوط» (٥) وإن لم يذكر الحقوق والمرافق فالقسمة فاسدة.

стр. 4326

بخلاف البيع فإنه يكون صحيحًا، وإن لم يذكر الحقوق والمرافق؛ لأن المقصود بالبيع ملك العين، وهذا المقصود يتم للمشتري، وإن كان يتعذر عليه الانتفاع لعدم الطريق والمسيل له؛ كمن اشترى مهرًا صغيرًا أو أرضًا سبخة فإنه يجوز، وإن كان لا ينتفع بالمشترى، وهذا لأنه يترك النظر لنفسه حين لم يذكر الحقوق والمرافق ليدخل الطريق والمسيل فلا يشتغل بالنظر له، فأما في القسمة فالمقصود إيصال كل واحد منهما إلى الانتفاع بنصيبه، فإذا لم يكن له مفتح إلى الطريق ولا مسيل ماء، وهذه قسمة وقعت على ضرر فلا يجوز إلا أن يذكر الحقوق والمرافق، فيستدل بذلك على أنهما قصدا إدخال الطريق والمسيل لتصحيح القسمة لعلمها أن القسمة لا تصح بدونهما في هذا الموضع، ولو ذكر الحقوق في الوجه الأول، أي: فيما إذا أمكن صرف الطريق والمسيل عنه، ثم المراد من ذكر الحقوق أي: مطلقًا بأن قال: هذا لك بحقوقه. فأما إذا قال: هذا لك بطريقه وشربه ومسيل مائه، فإنه يثبت هذه الحقوق؛ لأنها أثبتت بأبلغ وجوه الإثبات. كذا في «مبسوط القاضي الإمام أبي زيد ﵀» (١) - كذلك الجواب، أي: إنما يستحق الطريق والمسيل (٢) من وقع له نصيب من الدار والأرض في القسمة بذكر الحقوق إذا لم يمكن [له] (٣) الاستطراق والسيل في نصيبه. وأما إذا تمكن فلا يستحق الطريق والمسيل بذكر الحقوق. هكذا ذكر (٤) في «الذخيرة»، وقال (٥): «ثم إذا ذكر الحقوق والمرافق في القسمة، فإنما يستحق المشروط له الحقوق بالطريق فيما أصاب صاحبه بالقسمة إذا لم يمكنه إيجاد طريق آخر، أما إذا أمكن (٦) فلا، والقسمة في هذا تخالف البيع فإن الطريق والشرب يدخلان في البيع بذكر الحقوق والمرافق، وإن كان للمشتري إمكان فتح الطريق في نصيبه، وإمكان سقي الأرض من نهر آخر، وشرح [من] (٧) هذه المسألة في «المبسوط» في الباب الأول من كتاب (القسمة)، فقال (٨): «وإذا كانت الدار بين رجلين، وفيها صُفَّة فيها بيت، وباب البيت في الصُّفَّة، ومسيل ماء البيت على ظهر الصُّفَّة، أي: على سطحها؛ فاقتسما فأصاب الصفة أحدهما وقطعة من الساحة، [وأصاب البيت أحدهما، وقطعه من الساحة الصفة] (٩)، ولم يذكروا طريقًا ولا مسيل ماء، وصاحب البيت يقدر أن يفتح بابه فيما أصاب من الساحة، ومسيل مائه في ذلك، فأراد أن يمر في الصفة على حاله، ومسيل مائه على ما كان فليس له ذلك، سواء اشترط كل واحد منهما أن له ما أصابه بكل حق له، أو لم يشترط ذلك، والقسمة في هذا.

стр. 4327

بخلاف البيع فإنه لو باع البيت، وذكر في البيع الحقوق والمرافق دخل الطريق، ومسيل الماء وإن لم يذكر الحقوق والمرافق لم يدخل، والفرق أن المقصود بالبيع إيجاب الملك، وقصد المشتري أن يتمكن من الانتفاع، وذلك إنما يتم بالطريق والمسيل إلا أن ذلك خارج من المحدود (١) فلا يدخل في البيع بمطلق تسمية البيت إلا بذكر الحقوق/ والمرافق، فأما المقصود بالقسمة فتمييز أحد الملكين من الآخر، وأن يختص كل واحد منهما بالانتفاع بنصيبه على وجه لا يشاركه الآخر فيه، وإنما يتم هذا المقصود إذا لم يدخل الطريق والمسيل ليتميز نصيب أحدهما من نصيب الآخر من كل وجه، فلهذا لا يدخل مع ذكر الحقوق والمرافق يوضح الفرق أن المقصود بالبيع الاستباح (٢)، وذلك باعتبار المالية، والمالية تختلف بطريق الدخول والمسيل في البيع، فعند ذكر الحقوق والمرافق عرفنا أنهما قصدا ذلك فأما (٣) في القسمة، فالمقصود التمييز (٤) دون الاسترباح فبذكر الحقوق والمرافق لا يتبين [أيهما] (٥) لم يقصد [لا لتمييز] (٦) في أن لا يبقى لأحدهما في نصيب الآخر طريق ولا مسيل ماء، ولو لم يكن مفتح للطريق ولا مسيل ما، فإن كانا ذكرا في كتاب (القسمة) أن لكل واحد منهما ما أصابه بكل حق هو له جازت القسمة، وكان طريقه في الصفة ومسيل مائه على سطحه كما كان قبل القسمة، وإن لم يذكر الحقوق والمرافق فالقسمة فاسدة. بخلاف البيع فإنه يكون صحيحًا وإن لم يذكر الحقوق والمرافق؛ لأن المقصود بالبيع ملك العين، إلى آخره، وقد ذكرناه، وفي (٧) الوجه الثاني يدخل فيها، أي: لو ذكر الحقوق في الصورة التي لا يمكن الاستطراف (٨) والتسييل في نصيبه يدخل الطريق والمسيل في القسمة، فيدخل عند التنصيص باعتباره أي باعتبار التكميل يدخل الطريق أو المسيل عند التنصيص، وفيها أي وفي (٩) القسمة معنى الإفراز (١٠)، فباعتباره لا يدخل من غير تنصيص، أي: فباعتبار معنى الإفراز لا يدخل الطريق الذي في نصيب الآخر من غير تنصيص بذكر الحقوق، وذلك لأن معنى الإفراز كما كان مراعى في القسمة كان ينبغي أن لا يدخل الطريق والمسيل اللذين في نصيب صاحبه، وإن ذكر الحقوق في القسمة؛ لأنه حينئذ لا يحصل الانقطاع والإفراز من كل وجه لكن في القسمة، وإن كان معنى الإفراز ففيه معنى تكميل المنفعة أيضًا، فدخل الطريق والمسيل في القسمة عند ذكر الحقوق لرعاية جانب تكميل المنفعة.

стр. 4328

بخلاف الإجارة، وقد أورد مسألة الإجارة شبهة في «المبسوط» بعد ذكر الفرق بين البيع والقسمة في دخول الطريق والمسيل في البيع بذكر الحقوق في الصورتين بخلاف القسمة على ما ذكرنا، فقال (١): فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن يدخل الطريق والمسيل وإن لم يذكر الحقوق والمرافق لتصحيح القسمة (٢)، [كما إذا استأجر أرضًا دخل الشرب والطريق وإن لم يذكر الحقوق والمرافق لتحصيل المنفعة] (٣). قلنا: هناك موضع الشرب والطريق ليس مما تناوله الإجارة، ولكن مرسل (٤) به إلى الانتفاع بالمستأجر، والآجر إنما يستوعب الأجر إذا تمكن المستأجر من الانتفاع، ففي إدخال الشرب توفير المنفعة عليهما، [فأما] (٥) هاهنا فموضع الطريق والمسيل داخل في القسمة، بموجب القسمة اختصاص كل واحد منهما بما هو نصيبه، فلو أثبتنا لأحدهما حقًّا في نصيب الآخر تضرر به الآخر، ولا يجوز إلحاق الضرر به بدون رضاه، وإنما دليل الرضا اشتراطه الحقوق و المرافق، فلهذا لا يدخل الطريق والمسيل بدون ذكر الحقوق. ولو اختلفوا، أي: الورثة قبل القسمة في رفع الطريق بينهم، المراد من الرفع هو أن لا يدخلوا الطريق في القسمة حتى يبقى مشتركًا كما كان لتحقق الإقرار بالكلية دونه، أي: دون [أي] (٦) رفع الطريق، أي: من غير رفع الطريق جعل على عرض باب الدار؛ لأن باب الطريق متفق عليه، والمختلف فيه يرد إلى المتفق عليه، ثم لا فائدة في جعل الطريق أعرض من باب الدار؛ لأنه ما لم يدخل الجمل من باب الدار لا يحمله في ذلك الطريق، وإذا جعل الطريق أضيق من باب الدار يتضرر به الشركاء، ومقصود كل واحد منهم أن يحمل إلى مسكنه في ذلك الطريق ما يدخله في باب الدار، فلهذا يجعل الطريق بينهم على عرض باب الدار وطوله. كذا في «المبسوط» (٧). ثم المراد من طول الطريق هو الطول من حيث الأعلى، لا طوله من حيث المشي. هكذا ذكره شيخ الإسلام في «مبسوطه»، وقال (٨): «ولم يرد محمد بذكر الطول الطول الذي هو ضد العرض؛ لأن ذلك الطول إنما يكون إلى حيث ينتهون/ بها إلى الطريق الأعظم. وفائدة قسمة ما وراء طول الباب من الأعلى هي أن أحد (٩) الشركاء إذا أراد أن يخرج جناحًا في نصيبه إن كان فوق طول الباب كان له ذلك؛ لأن الهواء فيما زاد على طول الباب مقسوم بينهم، فصار بانيًا (١٠) على خالص حقه، وإن كان فيما دون طول الباب يمنع من ذلك؛ لأن قدر طول الباب من الهواء مشترك فيما بينهم، والبناء على الهواء المشترك لا يجوز من غير رضا الشركاء.

стр. 4329

وإن [كان] (١) أرضًا يرفع مقدار ما يمر فيه ثور؛ لأنه لابد لذلك من الزراعة، ولا يجعل مقدار الطريق مقدار ما يمر ثوران معًا، وإن كان يحتاج إلى ذلك؛ لأنه كما يحتاج إلى هذا يحتاج إلى العجلة، فيؤدي إلى ما لا يتناهى» (٢). وهكذا أيضًا في «الذخيرة» (٣). وإذا كان سفل لا علو له، وعلو لا سفل له. صورته: أن يكون علو مشترك بين رجلين، وسفله لرجل آخر، وسفل مشترك بين هذين الرجلين، وعلو لآخر طلبا القسمة من القاضي، أو طلب أحدهما، فعند أبي حنيفة ﵀ (٤) - يحسب في القسمة ذراع من السفل بذراعين من العلو (٥). وقال أبو يوسف: «يحسب العلو بالنصف، والسفل بالنصف» (٦). وقال محمد: «يقسم على قيمة السفل والعلو وإن كانت قيمتها على السواء بحسب ذراع بذراع، وإن كانت قيمة أحدهما ضعف قيمة الآخر بحسب من الذي قيمته على الضعف ذراع بذراعين من الآخر حتى يستويا في القيمة. كذا في «الذخيرة» (٧). قيل: أجاب كل واحد منهم على عادة أهل عصره، فإن أبا حنيفة أجاب بناء على ما شاهد من عادة أهل الكوفة في اختيار السفل على العلو، وأبو يوسف أجاب بناء على ما شاهد من عادة أهل بغداد في [التسوية على] (٨) العلو والسفل في منفعة السكنى، ومحمد شاهد اختلاف العادات [وذلك] (٩) البلدان فقال: «إنما يقسم على القيمة» (١٠). وقيل: بل هو بناء على أصل آخر، وهو أن عند أبي حنيفة لصاحب السفل منفعتين؛ السكنى، ومنفعة البناء، فإنه لو أراد أن يحفر في سفله سردابًا لم يكن لصاحب العلو منفعة [من ذلك ولصاحب العلو منفعة] (١١) واحدة، وهي منفعة السكنى، فإنه لو أراد أن يبني على علوه علوًا آخر كان لصاحب السفل منعه من ذلك، والمعتبر في القسمة المعادلة في المنفعة (١٢).

стр. 4330

وأبو يوسف -[﵀] (١) - يقول: «صاحب (٢) العلو أن يبني على علوه إذا كان ذلك لا يضر بالسفل، كما أن لصاحب السفل أن يحفر سردابًا في السفل إذا كان لا يضر بصاحب العلو، فاستويا في المنفعة، فيجعل ذراع من السفل بذراع من العلو» (٣). ومحمد -[﵀] (٤) - يقول (٥): «العلو والسفل بناء، والمعادلة في قسمة البناء بالقيمة بيقين، ولأن في بعض البلدان تكون قيمة العلو أكثر من قيمة السفل، وهو كذلك بمكة ومصر. وفي بعض البلدان قيمة السفل أكثر من قيمة العلو، كما هو بالكوفة. وقيل: [في] (٦) كل موضع يكثر النُّدُوَّة في الأرض يختار العلو على السفل، وفي كل موضع يشتد البرد ويكثر الريح يختار السفل على العلو. وربما يختلف ذلك أيضًا باختلاف الأوقات، فلا يمكن اعتبار المعادلة إلا بالقيمة، فاستحسن القسمة في العلو والسفل باعتبار القيمة. ثم تفسير المسألة في قولين (٧): أحدهما: أن يكون بينهما سفل علوه لغيرهما، وعلو سفله لغيرهما، فأراد القسمة، فعلى قول أبي حنيفة يجعل المقابلة (٨) خمسين ذراعًا من ساحة السفل مائة ذراع من ساحة العلو (٩). وعلى قول أبي يوسف (١٠) بمقابلة كل ذراع ذراع. والثاني: أن يكون [من المشترك بين الشركاء ببناء سفله] (١١) علوًّا وسفلاً لا علو له، بأن كان العلو لغيرهم [وعلوًا لا سفل] (١٢) له، فعند أبي حنيفة يجعل بإزاء مائة ذراع من العلو الذي لا سفل له ثلاثة وثلاثون ذراعًا وثلث من البيت الكامل، وبإزاء مائة ذراع من السفل الذي لا علو له ستة وستون ذراعًا وثلثا ذراع من [البيت] (١٣) الكامل؛ لأن العلو عنده مثل نصف السفل، كما في الفصل الأول (١٤). وعند أبي يوسف (١٥) يجعل بإزاء خمسين ذراعًا من البيت الكامل مائة ذراع من السفل الذي لا علو له، ومائة ذراع من العلو الذي لا سفل له؛ لأن العلو والسفل عنده سواء؛ فخمسون ذراعًا من البيت الكامل بمنزلة مائة ذراع؛ خمسون منها سفل، وخمسون منها علو.

стр. 4331

ومحمد في ذلك كله يعتبر المبادلة (١) / بالقيمة، وعليه الفتوى. كذا في «المبسوط» (٢). وذكر في «الذخيرة» و «المغني» تفسير هذا التقرير وأوضحه، فقال: «ولو كان علو مفرد مشترك بين رجلين، وسفل [مفرد] (٣) مشترك بين هذين الرجلين، وبيت كامل مع العلو، والسفل مشترك بين هذين الرجلين، [وبيت كامل مع العلو، والسفل مشترك بين هذين الرجلين] (٤) طلبوا القسمة من القاضي، فعلى قول أبي حنيفة يحسب ذراع ونصف من [السفل المفرد حتى يكون ذراع من السفل من] (٥) البيت الكامل، [بذراع من السفل المفرد، ونصف ذراع من السفل المفرد بذراع من العلو من البيت الكامل] (٦)، ويحسب ذراع واحد من البيت الكامل بثلاثة أذرع من العلو المفرد؛ ليكون ذراعان (٧) من العلو المفرد بإزاء ذراع واحد من السفل من البيت الكامل، وذراع واحد من العلو المفرد بإزاء أذرع (٨) واحد من العلو من البيت الكامل. فإن قيل: [كيف] (٩) يقسم العلو مع السفل قسمة واحدة عند أبي حنيفة، ومن مذهبه أن البيوت المتفرقة لا تقسم قسمة واحدة إذا لم يكن في دار واحدة. قلنا: موضوع المسألة أنهما كانا في دار واحدة، [والبيتان في دار واحدة] (١٠) عند أبي حنيفة يقسم قسمة جمع، وإن كانا في دارين فهو محمول على ما إذا تراضيا على القسمة، لكن طلبوا من القاضي المعادلة فيما بينهم، وعند أبي حنيفة -[﵀، ومحمد] (١١) - يجوز القسمة على هذا الوجه حالة التراضي. قوله: (أن يجعل بمقابلة مائة ذراع من العلو ثلاثة وثلاثون وثلث ذراع من البيت الكامل، فكان الذراع الواحد من البيت الكامل بمقابلة ثلاثة أذرع من العلو المجرد)، وذلك؛ لأن الذراع الواحد من البيت الكامل [أينما كان في تقدير ذراعين؛ أحدهما من السفل، والآخر من العلو؛ لأن للذراع الواحد من سفل البيت الكامل] (١٢) ذراعًا واحدًا بمقابلته من علوه، وللذراع الواحد من علو البيت الكامل ذراعًا واحدًا بمقابلته من سفله؛ لأن الذراع الواحد من سفل البيت الكامل فواحد في ذات السفل حقيقة، ولكن هو أيضًا في تقدير الذراع الواحد من علو البيت الكامل؛ لأن الذراع الواحد من سفل البيت الكامل فوقه ذراع آخر بمقابلته من علو البيت الكامل، وكان الذراع الواحد من البيت الكامل في تقدير ذراعين [أحدهما في ذاته والثاني (١٣) هو ما فوقه، وكذا لو أحدث الذراع من علو البيت الكامل كان في تقدير ذراعين] (١٤)؛ لأنه في ذاته ذراع واحد من علو البيت الكامل، وتحته أيضًا ذراع آخر من سفل البيت الكامل، فصح قولنا: إن الذراع الواحد من البيت الكامل من أي موضع أحدثه، فهو في تقدير الذراعين، ثم الذراع الواحد من السفل أيهما كان ذراعان من العلو، فكان بمقابلة الذراع من البيت الكامل [من أي موضع أخذته فهو في تقدير الذراعين، ثم الذراع الواحد من السفل أينما كان ذراعان من العلو، وكان بمقابلة الذراع من البيت الكامل] (١٥) ثلاثة أذرع من العلو المجرد لا محالة، فأحد الأذرع الثلاثة من العلو المجرد بمقابلة الذراع الواحد من علو البيت الكامل، والذراعان بمقابلة الذراع الواحد من سفل البيت الكامل، فلما ثبت أن [الذراع] الواحد من البيت الكامل بمقابلة ثلاثة من العلو المجرد [كان] (١٦) ثلاثة وثلاثون وثلث ذراع من البيت الكامل بمقابلة مائة ذراع من العلو المجرد لا محالة؛ لأن للثلاثة (١٧) والثلاثين والثلث ثلث المائة (١٨).

стр. 4332

وقوله: (فثلاثة وثلاثون وثلث من السفل) أي: من سفل البيت الكامل، وهذا بيان نتيجة ما [ذكر] (١) قبله من أن الثلاثة من العلو المجرد بمقابلة واحد [من] (٢) البيت الكامل، ولكن وضع ذلك الواحد في سفل البيت الكامل؛ ليكون أظهر في البيان، يعني أن ثلاثة وثلاثين وثلثًا من سفل البيت الكامل يقابل ستة وستين وثلثين إذا كان مع تلك الستة والستين والثلثين (٣)، ثلاثة وثلاثون وثلث ذراع من العلو المجرد. فبلغت -أي: فبلغت الستة والستون والثلثان مع الثلاثة والثلاثين والثلث- مائة، فيصبح ما قاله: إن مائة ذراع من العلو المجرد بمقابلة ثلاثة وثلاثين وثلث ذراع من البيت الكامل، فكان هذا التقابل بين البيت الكامل والعلو المجرد، ثم ذكر مقابل البيت الكامل والسفل المجرد، فقال: ويجعل بمقابلة مائة ذراع من السفل المجرد ستة وستون وثلثا ذراع من البيت الكامل، فبلغت مائة ذراع، أي: الأذرع التي تقدر من البيت/ الكامل بمقابلة مائة ذراع من السفل المجرد يبلغ المائة؛ لأنه لما أخذ من البيت الكامل [بمقابلة مائة ذراع] (٤) ست وستون وثلثا ذراع بمقابلة مثلها من السفل المجرد، ثم زيد على هذا العدد بصفة، وهو ثلاثة وثلاثون وثلث ذراع؛ لأن هذا العدد من البيت الكامل، أعني: ستة وستين وثلثي ذراع علوًّا، وهو مقدر بنصف هذا، وهو ثلاثة وثلاثون وثلث كان (٥) المجموع مائة، وكانت هذه المائة من البيت الكامل بمقابلة مائة من السفل المجرد، كما ذكرنا، وإذا اختلف المتقاسمون بأن قال أحدهم: بعض نصيبي في يد صاحبي، وأنكر الآخرون، [والله تعالى أعلم] (٦). * * * باب دعوى الغلط في القسمة والاستحقاق فيها لما كان وقوع الغلط والاستحقاق من العوارض [التي] (٧) عسى [أن] (٨) يكون، وعسى [أن] (٩) لا يكون آخر ذكره. وقد أسند (١٠) على نفسه بالاستيفاء، أي: أقر بالاستيفاء. هكذا فسر هذا اللفظ في «المبسوط» على ما يذكر لم يصدق على ذلك، أي: على زعمه أن مما أصابه شيء في يد صاحبيه فلا يصدق إلا بحجة؛ لأن الظاهر عدم وقوع الغلط، فلذلك لا يصدق على ما ادعى من الغلط إلا بالبينة كالمشتري إذا ادعى لنفسه خيار السبب بالشرط (١١).

стр. 4333

وفي «المبسوط» (١): «وإذا قسم القوم أرضًا ميراثًا بينهم أو شراء، وتقابضوا، ثم ادعى أحدهم غلطًا في القسمة، فإنه لا يشتغل بإعادة القسمة بمجرد دعواه؛ لأن القسمة بعد تمامها عقد لازم، فمدعي الغلط يدعي لنفسه حق الفسخ بعدما ظهر بسبب لزوم العقد. وقوله في ذلك غير مقبول إلا بحجة كالمشتري إذا ادعى لنفسه خيار السبب العيب، أو (٢) الشرط، ولكن إن أقام البينة على ذلك فقد أثبت دعواه بالحجة فيعاد القسمة بينهم حتى يستوفي كل ذي حق حقه؛ لأن المعتبر في القسمة العادلة، وقد ثبت بالحجة أن المعادلة بينهم لم يوجد فإن لم تقم له بينة استحلف الشركاء؛ لأنهم لو أقروا بذلك لزمهم، فإذا أنكروا استحلفوا عليه لرجاء النكول؛ فمن حلف منهم لم يكن عليه سبيل. وإليه أشار من بعد، وهو قوله: (وإن قال أصابني إلى موضع كذا فلم يسلمه إليَّ، ولم يشهد على نفسه بالاستيفاء تحالفا)، ففي هذا إشارة إلى أنه لا تقبل دعواه فيما إذا شهد على نفسه بالاستيفاء؛ لأن عدم التحالف عند الإشهاد على الاستيفاء لم يكن لمعنى. إلا أن التناقض مانع لصحة الدعوى، ولا يحلف (٣) عند عدم صحة الدعوى، ألا ترى أنه تحرى التحالف عند صحة الدعوى بوجود موجب التحالف، وهو الاختلاف في مقدار ما حصل له بالقسمة، وكان هو نظير الاختلاف في مقدار البيع، والدليل على صحة هذا الذي [ذكره] (٤) في الكتاب بقوله: (ينبغي أن لا تقبل دعواه أصلاً لتناقضه) صريح ما ذكره في قسمة «فتاوى قاضي خان» في تقسيم وجوه الغلط حيث قال: «ومنها أن تكون المنازعة بينهما بعد ما أشهد كل واحد منهما على القبض، واستيفاء الحق نصفه التمام، ثم يقول أحدهما: حقي الذي في يدك، وحقك الذي في يدي، أو يقول: قد قسمنا، ولكن أخذت أنا بعض حقي دون بعض لا تسمع دعواه ولا خصومته بعد ما أشهدا على القبض والاستيفاء» (٥). وهكذا أيضًا ذكر في «المبسوط» في باب (دعوى الغلط من القسمة) فقال: رجل [مات و] (٦) ترك دارًا وابنين، فاقتسما الدار، وأخذ كل واحد منهما النصف، وأشهدا على القسمة والقبض والوفاء. ثم ادعى أحدهما [بيتا صاحبه] (٧) لم يصدق [على] (٨) ذلك إلا أن يقر به صاحبه من قبل أنه قد أشهد على الوفاء، يعني قد أقر باستيفاء كمال حقه فبعد ذلك هو مناقض فيما يدَّعيه في يد صاحبه، فلا يقبل ببينته على ذلك، ولكن إن أقر به صاحبه فإقراره ملزم إياه، والمناقض إذا صدقه خصمه فيما يدعي ثبت الاستحقاق له، ولو لم يكن أشهد بالوفاء ولم يسمع منه إقراره بالقسمة إلى أن قال: «فالقول قوله مع يمينه» (٩).

стр. 4334

الاختلاف في التقويم ولو اختلفا في التقويم لم يلتفت إليه إلى آخره، فدعوى الغلط في التقويم على نوعين؛ نوع يصح، ونوع لا يصح، فالذي لا يصح أن يدعي أحد المتقاسمين الغلط في التقويم بغبن (١) يسير، فإن كان ما يدعي من الغلط يدخل تحت تقويم المقومين، وهذه (٢) الدعوى لا تصح سواء حصلت القسمة بقضاء القاضي، أو بتراضيهم لوجهين: أحدهما: أن الاحتراز عن مثل هذا الغلط/ غير ممكن. والثاني: أنه يؤدي إلى ما لا يتناهى؛ لأنه يمكنه أن يدَّعي ذلك في القسمة الثانية والثالثة، والذي يصح أن يدعي أحد المتقاسمين الغلط في التقويم بغبن فاحش بأن كان ما يدعي من مقدار الغلط لا يدخل تحت تقويم المقومين، فإنه (٣) صحيح إن حصلت القسمة بقضاء القاضي؛ لأنا لو سمعنا هذه الدعوى وبقضاء (٤) هذه القسمة لا يؤدي إلى ما لا يتناهى؛ لأنه لا يقع مثل هذا الغبن في القسمة الثانية؛ لأنه (٥) يتصور التقويم في المرة الثانية على وجه لا يتحقق فيها الغبن الفاحش، وإن حصلت القسمة بالتراضي، لم يذكر محمد هذا الفصل في الكتاب. وحُكي عن الفقيه أبي جعفر الهندواني ﵀ (٦) - أنه كان يقول: «لقائل أن يقول: لا تسمع هذه الدعوى؛ لأن القسمة في معنى البيع، ودعوى الغبن في البيع من المالك لا [يصح؛ لأنه لا فائدة، فإن البيع من المالك لا] (٧) ينقض بالغبن الفاحش، أما البيع من غير المالك ينقض بالغبن الفاحش؛ كبيع الأب والوصي، ولقائل أن يقول: تسمع هذه الدعوى؛ لأن المعادلة شرط في القسمة والتعديل في الأشياء المتفاوتة يكون من حيث القيمة، فإذا ظهر في القسمة (٨) غبن فاحش كان شرط جواز القسمة قائمًا فيجب نقضها (٩)» (١٠). والصدر الشهيد حسام الدين (١١) كان يأخذ بالقول الأول، وبعض مشايخ عصره كانوا يأخذون بالقول الثاني، وفي «فتاوى قاضي خان» جعل القول الأخير أولى، وقال (١٢): «قال الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل (١٣) -[﵀] (١٤) - تسمع دعواه الغلط والغبن، أي: بعدما قسمت التركة بالتراضي، وله أن يبطل (١٥) القسمة كما لو كانت القسمة بقضاء القاضي، وهو الصحيح، والله أعلم.

стр. 4335

* * * فصل في الاختلاف في الاستحقاق قوله: (ذكر الاختلاف في استحقاق بعض بعينه)، وهكذا ذكر في «الأسرار» و (صفة الحوالة) هذه إلى «الأسرار» وقعت سهوًا؛ لأن هذه المسألة مذكورة في «الأسرار» في الشائع وضعًا وتعليلاً من الجانبين، وتكرارًا بلفظ الشائع غير مرة، فإن المذكور فيه دار بين رجلين اقتسما (١) نصفين، ثم استحق النصف من نصيب أحدهما شائعًا لم تبطل القسمة عند أبي حنيفة ﵀ (٢) - ولكن يخير المستحق عليه إن شاء رد الباقي، واقتسم ثانيًا، وإن شاء رجع على الشريك بقدر ما استحق ولم ينتقض (٣). وقال أبو يوسف -[﵀] (٤) - انتقضت القسمة، وقول محمد -[﵀] (٥) - مضطرب (٦). وأبو يوسف يقول: [القسمة] للإفراز، حين (٧) استحق جزء شائع من نصيب أحدهما تبين أن الإفراز وكانت (٨) باطلة، كما لو استحق النصف من النصيبين جميعًا (٩). وأبو حنيفة يقول بأن الاستحقاق لم يوجب شيوعًا في نصيب الآخر فلا ينتقض القسمة، كما لو استحق شيئًا بعينه من نصيب أحدهما (١٠). أوجه القسمة وهذه ثلاثة أوجه: الأول: أن يستحق خبر جزء شائع من كل الدار بأن استحق نصف الدار أو ثلثها أو ما أشبه ذلك، وفي هذا الوجه القسمة فاسدة. [الوجه] (١١) الثاني: إذا استحق جزء بعينه مما أصاب واحدًا منهم، وفي هذا الوجه صحيحة فيما بقي بعد الاستحقاق. والفرق بين الوجهين: أن القسمة في الوجه الأول [فاسدة، والثاني إذا استحق جزء بعينه مما أصاب واحدًا منهم، وفي هذا الوجه القسمة] (١٢) لا تقيد فائدتها؛ لأن فائدة القسمة إفراز الأنصباء [لما ظهر لهم شريك آخر في كل الدار ظهر أن الإفراز لم يحصل؛ لأن نصيب الذمي ظهر شائعًا في الأنصباء] (١٣). وأما [في] (١٤) الوجه الثاني فالقسمة مفيدة؛ لأن ما هو المقصود من القسمة، وهو الإفراز حاصل هاهنا فيما وراء المستحق؛ لأن ما وراء المستحق ليس الذي ظهر فيه نصيب.

стр. 4336

والوجه الثالث إذا استحق جزء شائع من نصيب أحدهم، وفي هذا الوجه القسمة لا تفسد عند أبي [حنيفة ﵁ (١)، ويكون المستحق عليه الخيار (٢). وعند أبي يوسف [﵀] (٣) القسمة فاسدة (٤). وقول محمد مضطرب. كذا في «الذخيرة» (٥). ينعدم (٦) معنى القسمة، أي: في النصيبين، أما فيما ظهر فيه الاستحقاق فظاهر، وكذلك في النصيب الآخر لما ذكر في الكتاب بقوله: «لأنه يوجب الرجوع بحصته في نصيب الآخر شائعًا» (٧). بخلاف العين؛ لأن باستحقاق بعض معين يبقى الإفراز فيما وراء ذلك البعض، لكن يبقى له ولاية الرجوع والقسمة على هذا الوجه. والقسمة على هذا الوجه يجوز في الابتداء، على ما ذكر في الكتاب بقوله: «ولهذا جازت القسمة على هذا الوجه في الابتداء»، إلى آخره (٨). وصورة المسألة: أي: مسألة الكتاب؛ لأن المسألة المستشهد [بها] (٩). وإن شاء رجع على صاحبه بربع ما في يده من المؤجر، وفي «المبسوط» (١٠): «وإنما يرجع/ صاحب المقدم على شريكه بربع ما في يده إذا [اختار له قضاء] (١١) القسمة؛ لأنه لو استحق جميع المقدم رجع على شريكه بنصف ما في يده، فإذا كان المستحق نصفه يرجع عليه بنصف نصف ما في يده. يوضحه أن جميع قيمة الدار ألف ومائتا درهم، وباستحقاق نصف المقدم تبين أن المشترك بينهما تسعمائة، فحق كل واحد منهما في أربعمائة وخمسين، والذي بقي في يد صاحب المقدم يساوي ثلاثمائة، وما في يد صاحب المؤخر يساوي ستمائة، فيرجع عليه يرفع ما في يده، وقيمته مائة وخمسون حتى يسلم لكل واحد منهما ما يساوي أربعمائة وخمسين. ولو وقعت القسمة، ثم ظهر في التركة دين محيط ردت القسمة كان من حقه أن يقول في جواب [المسألة] (١٢) طولب الورثة بأداء الدين، فإن لم يؤدوا ردت القسمة؛ لأن الدين غير مانع لصحة القسمة إذا أدى المتقاسمون دين الميت من مالهم؛ لأن حق رب الدين في مالية التركة لا في عينها، وإلى هذا أشار بعد هذا بقوله: (ولو أبرأه الغرماء وأداه الورثة من مالهم والدين محيط أو غير محيط جازت القسمة) أي: القسمة الواقعة.

стр. 4337

وفي «الذخيرة» (١) فإن ظهر دين بعد القسمة، فالقسمة مردودة إلا أن يقضوا دينه من مالهم؛ لأن حق الغرماء يتعلق بالتركة، وتعلق حق الغرماء المقسوم يمنع نفاذ القسمة حتى يسقط حقه، كما يمنع نفاذ البيع، وكذلك لو ظهر وارث آخر أو موصى له بالثلث أو الربع فالقسمة مردودة؛ لأنه ظهر أن في التركة شريكًا آخر، وقد قسموا دونه؛ لأن الدين يمنع وقوع الملك للوارث حتى إذا كان في التركة المستغرقة بالدين عند [هو] (٢) ذو رحم محرم للوارث لا يعتق، وكذا (٣) إذا كان غير محيط، إلى آخره. اعلم أن الورثة إذا طلبوا قسمة التركة من القاضي، وعلى الميت دين، والقاضي يعلم به، وصاحب الدين غائب، فإن كان الدين مستغرقًا للتركة فالقاضي لا يقسمها بينهم؛ لأنه لا ملك لهم في التركة؛ لأن الدين مقدم على الميراث والقسمة لتوسل كل واحد من الشركاء إلى الانتفاع بنصيبه، وذلك الورثة (٤) بعد قضاء الدين؛ قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٥)، فلا يكون في القسمة فائدة فلا يقسمها، وإن كان الدين غير مستغرق للتركة فالقياس أن لا يقسمها أيضًا، بل يوقف الكل؛ لأن الدين شاغل لكل جزء من أجزاء التركة حتى لو ملك جميع التركة إلا مقدار الدين كان ذلك لصاحب الدين، وهذا القياس قول أبي حنيفة الأول، ولكنه استحسن فقال (٦): «قل ما تخلو التركة عن دين يسير ويفتح أن يقف عشرة آلاف درهم بدين عشرة دراهم، فالأحسن أن ينظر للفريقين جميعًا فيقف من التركة قدر الدين لحق الغرماء، ويقسم ما زاد على ذلك [مراعاة لحقهم» (٧)، وقد نظر للميت أيضًا من حيث إن وارثه يقوم بحفظ ما يصيبه من ذلك ويكون] (٨) مضمونًا عليه ما لم يصل إلى صاحب الدين حقه، ولا يأخذ كفيلاً [بشيء من ذلك] (٩) قبل هذا، على قول أبي حنيفة (١٠). أما على قولهما: يأخذ منه كفيلاً، وإن لم يكن الدين معلومًا للقاضي سألهم القاضي: هل عليه دين أم لا؟ فإن قالوا: لا. فالقول قولهم، ويقسم المال بينهم، لتمسكهم (١١) بالأصل، وهو فراغ ذمة الميت عن الدين، ولأن المال في يدهم فقد زعموا أنه خالص حقهم فيقبل قولهم، فإن ظهر دين بعد ذلك نقض القسمة بينهم؛ لأنه لو كان الدين معلومًا لم يشتغل بالقسمة، فكذلك إذا ظهر بعد القسمة؛ لأنه [عين] (١٢) تبين أن القسمة كانت قبل أوانها، فإن أوان القسمة ما بعد قضاء الدين. كذا في «المبسوط» (١٣) و «الذخيرة» (١٤).

стр. 4338

ولو أبرأه الغرماء بعد القسمة، أو أداه الورثة [من] (١) مالهم والدين محيط جازت القسمة. وكذلك لو ظهر الموصى له بالألف المرسلة أو أدى الورثة الألف المرسلة جازت قسمتهم على ما كان (٢). فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين ما إذا ظهر الوارث أو الموصي بالثلث أو الربع بعد القسمة، فقالت الورثة: نحن نقضي حق الموصى له بالثلث [أو الربع] (٣) أو حق الوارث الذي ظهر لهم من مالنا، ولا ننقض القسمة، ليس لهم ذلك إلا أن يرضى الوارث الذي ظهر والموصى له بالثلث، بخلاف الغريم والموصى به بالألف المرسلة، فإن الورثة لو قالوا: نحن نقضي حقهما من مالنا، ولا تنقض القسمة، فلهم ذلك. قلت: الفرق بينهما هو أنا نعتبر الانتهاء في المسألتين جميعًا بالابتداء، وفي الابتداء القسمة إذا أراد (٤) أن يقتسموا [التركة فيما بينهم] (٥)، ويعطوا حق الوارث والموصى له بالثلث أو بالربع من مالهم ليس لهم ذلك إلا برضا الوارث والغريم؛ لأن حقهما في عين التركة/ فلا ينقل إلى مال آخر إلا برضاهما، فكذا في الانتهاء، وأما لو أرادوا أن يقسموا التركة، ويعطوا حق الغريم والموصى له بألف مرسلة من مالهم كان لهم ذلك؛ لأن حقهما في معنى (٦) التركة، وهو المالية لا في عين التركة، وفيما يرجع إلى المالية بالتركة ومال الوارث سواء، فكذا في الانتهاء. وعن هذا قالوا: إذا كان للميت مال آخر لم يدخل في القسمة ليس للغريم ولا للموصى له بألف مرسلة حتى يقضي القسمة، بل يعطى حقهما من المال الذي لم يدخل تحت القسمة. كذا في «الذخيرة» (٧). ولو ادَّعى أحد المتقاسمين دينًا في التركة صح دعواه، أي: لو ادعى أحد الورثة بعدما قسمت التركة فيما بينهم أن لي على الميت دينًا كذا كذا دينارًا أو درهمًا صح. بخلاف ما إذا ادعى عينًا من أعيان التركة، فإنه كان لي كنت اشتريته من الميت حال حياته لا يصح دعواه. والفرق بينهما: هو أنه في دعوى العين مناقض لإقدامه على قسمة هذا العين إقرار منه بصحة هذه القسمة في هذا العين ولا تصح القسمة فيه بين (٨) الورثة لو كان ملكًا لهذا الوارث، فكان الإقدام على القسمة إقرارًا منه أن هذا [الدين] (٩) ليس لي، فبعد ذلك بدعواه أنه له يصير مناقضًا، وأما في دعوى الدين فهو غير مناقض؛ لأن القسمة صحيحة مع قيام الدين، لما ذكرنا أن حق القديم في مالية التركة لا في عينها إلا أن للغريم حق نقض القسمة فإذا لم يكن فيه مناقضًا كان دعواه صحيحة، ثم له أن ينقض القسمة وإن باشرها؛ لأن مباشرة القسمة لا يكون أعلى حالاً من إجازة القسمة نصًّا، والغريم إذا أجاز القسمة ثم أراد نقضها فله ذلك، فهاهنا أولى. كذا في «الذخيرة» (١٠)، [والله أعلم] (١١).

стр. 4339

* * * فصل في المهايأة تعريف المهايأة وحكمها وكيفية جوازها لما فرغ من بيان أحكام قسمة الأعيان شرع في بيان أحكام قسمة الأعراض، وهي المهايأة؛ لأن المهايأة قسمة المنافع، وهي أعراض، وقدَّم الأعيان لكونها أصولاً؛ لأن الأعيان قائمة بنفسها، والمنافع فرع عليها؛ لأنها تقوم بالأعيان، فتقديم الأصول على الفروع كفاء حقهما، فيحتاج هاهنا إلى تفسير المهايأة لغة وشرعًا، وحكمها، وكيفية جوازها. أما تفسيرها لغة، فإنها مشتقة من الهيئة (١)، وهي الحالة الظاهرة [للمهيء] (٢) لمتهيئ (٣) للشيء، والتهايؤ: تفاعل منها، وهو أن يتواضعوا على أمر فيتراضوا به (٤). وحقيقته: أن كلاً منهم يرضى بهيئة واحدة ويختارها، أو أن الشريك الثاني ينتفع بالعين على الهيئة التي انتفع بها الشريك الأول، يقال: هايأ فلان فلانًا، وتهايأ القوم. وأما تفسيرها شرعًا، فهي عبارة عن قسمة المنافع (٥). وأما حكمها: فهو الجواز استحسانًا، على ما ذكر في الكتاب دون القياس، فإن القياس يأبى جواز المهايأة؛ لأنها مبادلة المنفعة بجنسها؛ كل واحد من الشريكين في نوبته ينتفع بملك شريكه عوضًا عن انتفاع الشريك بملكه (٦) في نوبته، ولكنا تركنا القياس [وجوزناها] (٧) بالكتاب والسنة. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (٨)، وهذا هو المهايأة. والسنة: ما روي أن الرجل الذي خطب تلك المرأة بين يدي رسول الله ﵇ قال له: «ماذا تصدقها؟» قال: نصف إزاري [هذا] (٩). قال: «إذا جلست في بيتك يومًا لتلبسه هي، ولبست يومًا وخرجت فيه» (١٠)، وهذا هو تفسير المهايأة.

стр. 4340

ولكن (١) المنافع يجوز استحقاقها بالعقد بعوض وبغير عوض؛ كالأعيان، ثم القسمة في الأعيان المشتركة عند إمكان التعديل جائز، فكذلك في المنافع المشتركة. ولهذا يجبر القاضي الشركاء على المهايأة إذا طلب ذلك بعضهم وأبى البعض، والذي لم يطلب قسمت العين. وأما كيفية جوازها، فقد اختلف العلماء فيها: بعضهم قالوا: إن جرت المهايأة في الجنس الواحد والمنفعة متفاوتة تفاوتًا يسيرًا، كما في الثياب والأراضي يعتبر إقرارًا من وجه، مبادلة من وجه؛ حتى لا ينفرد أحدهما بهذه المهايأة، وإذا طلبها أحدهما ولم يطلب الآخر قسمة الأصل أجبر الآخر عليها، وإن جرت في الجنس المختلف كالدور والصيد يعتبر مبادلة من كل وجه [في الجنس المختلف] (٢) حتى لا يجوز من غير رضاهما، وهذا لما ذكرنا أن المهايأة قسمة المنافع؛ فيعتبر بقسمة الأعيان، وقسمة العين اعتبرت مبادلة من [كل] (٣) وجه في الجنس المختلف، واعتبرت مبادلة من وجه وإفرازًا من وجه في الجنس الواحد من الأعيان؛ كالثبات حتى لا ينفرد أحدهما بهذه القسمة، ولكن إذا طلب/ أحدهما أجبر الآخر عليه؛ لأن التفاوت يسير. هكذا في قسمة المنافع، وبعضهم قالوا: إن المهايأة في الجنس الواحد من الأعيان المتفاوتة تفاوتًا يسيرًا يعتبر إفرازًا من وجه، عاريةً من وجه؛ لأن المهايأة جائزة في الجنس الواحد، ولو كانت مبادلة من وجه لما جازت في الجنس الواحد؛ لأنه حينئذ تكون مبادلة المنفعة بجنسها، وأنه يحرم ربا النَّساء، والأول أصح؛ لأن العارية ما تكون بغير عوض وهذا بعوض؛ لأن كل واحد منهما ما يترك من المنفعة من نصيبه على صاحبه في نوبة صاحبه إنما يترك بشرط أن يترك صاحبه نصيبه عليه في نوبته، وإنما لم تحرم النساء؛ لأن القياس أن لا يحرم النساء بأحد وصفي علة ربا العقد؛ لأن الدين مع العين يستويان في العدد، إلا أن للعين فضلاً من حيث الجودة؛ لأن العين أفضل من الدين، وأجود منه إلا أن الفضل من حيث الجودة لا يحرم عند وجود وصفي علة الربا، وهو العدل (٤) مع الجنس، فلأن لا يحرم عند وجود أحد وصفي علة الربا أولى، إلا أنا أثبتنا هذه الحرمة عند وجود أحد وصفي علة ربا (٥) [الفضل] (٦)، وهي [الفصل العدل] (٧) والجنس بالنص بخلاف القياس، والنص ورد فيما هو مبادلة من وجه فيعمل فيها بقضية القياس. هذا كله من «المبسوط» و «المغرب» و «الذخيرة» (٨) على أن يسكن هذا طائفة، أي: ناحية من دار (٩)، وهذا طائفة أي: ناحية أخرى [منها] (١٠)، أو هذا علوها، وهذا سفلها جاز، ثم لو انهدم العلو كان لصاحبه أن يسكن مع صاحب السفل؛ لأنه إنما رضي بسقوط حقه عن سكنى السفل بشرط سلامة سكنى (١١) العلو [له] (١٢)، ولم يسلم حتى انهدم، فكان هو على حقه في سكنى السفل، وورثته في ذلك بمنزلته. كذا في «المبسوط» (١٣).

стр. 4341

والتهايؤ في هذا الوجه إفراز (١) بجميع الأنصباء، وإنما قيد بقوله: هذا الوجه، وهو أن يسكن هذا في جانب من الدار ويسكن هذا في جانب آخر منهما في زمان واحد؛ لأنه إذا اتحد زمان الاستيفاء يجعل إفراز لا مبادلة للإمكان من الإفراز إذا تهايأ مكانان في زمان واحد يتحقق معنى الإفراز، وأما إذا كان التهايؤ في الزمانين في مكان واحد لا يمكن جعله إفرازًا، بل يجعل كل واحد منهما كالمنقرض عن الآخر في نوبته، وكان مبادلة إفرازًا. ولهذا لا يشترط فيه التأقيت، وهذا إيضاح أنه إفراز؛ لأنه لو كان مبادلة لا تشترط التأقيت، كما في الإجارة؛ لأنه لو كان مبادلة كان تمليك المنافع بالعوض فيلحق بالإجارة حينئذ فيشترط التأقيت. وقوله: (شرط في ذلك في العقد أو لم يشترط) هذا القيد للاحتراز عما ذهب إليه أبو علي الشاشي (٢) (٣)، وذكر في «الذخيرة» (٤): دار بين رجلين تهايأا على أن يسكن منزلاً معلومًا وهذا منزلاً معلومًا، وعلى أن يؤاجر كل واحد منهما منزله، ويأكل غلته فهو جائز. كذا ذكر في بعض الروايات، وذكر في بعض الروايات: أو على أن يؤاجر كل واحد منهما منزله، فعلى الرواية الأولى: هذه مهايأة في السكنى والاستغلال جميعًا من حيث المكان، وبيان أنهما إذا تهايأا في السكنى ولم يشترطا الإجارة أن كل واحد منهما لا يملك إجارة منزله، إذ لو ملك كل واحد منهما ذلك لم يكن لاشتراط الإجارة مع السكنى معنى، وإلى هذا ذهب أبو علي الشاشي. وكان الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي يقول: ظاهر المذهب أن كل واحد منهما يملك إجارة منزله، وإن لم يشترطا الإجارة وقت المهايأة، وعلى الرواية الثانية يكون هذا مهايأة، أما في السكنى وفي الاستغلال من حيث المكان، وبيان على أن المهايأة في الاستغلال يجوز حالة الانفراد مقصودًا، كما يجوز تبعًا للمهايأة في السكنى، ثم إنما ملك كل واحد منهما إجارة منزله من غير الشرط في ظاهر المذهب على ما ذكره شمس الأئمة؛ لأن المهايأة قسمة المنفعة فما نصيب كل واحد منهما من المنفعة يحصل مستحقًّا له باعتبار قديم ملكه؛ لأن المنفعة جنس واحد لا يتفاوت بمنزلة قسمة المكيل والموزون ليملك الاعتياض عن المنفعة المملوكة له، شرط ذلك أو لم يشترط.

стр. 4342

لأن التهايؤ في المكان أعدل لاستوائهما في زمان الانتفاع من غير تقديم لأحدهما على الآخر، أما لو تهايأا زمانًا بأن يكون يومًا لهذا ويومًا لهذا فلا بد أن يتقدم ثوبه ثوب أحدهما على الآخر، فلا تبقى المساواة بينهما في الانتفاع فلا يكون عدلاً. وفي الزمان أكمل؛ لأن كل واحد منهما ينتفع بجميع جوانب الدار في نوبته، فكان/ انتفاع كل واحد منهما بالدار أكمل في نوبته لانتفاعه بجميع الدار بخلاف التهايؤ من حيث المكان، فإن فيه انتفاعًا ببعض الدار، وكان انتفاعه بالدار أنقص. (على أن يخدم هذا) أي: هذا الشريك. وقال هذا في محل النصب بالمفعولية. وقال: هذا العبد بالرفع، وكذلك الآخر بالآخر بنصب الأول ورفع الثاني. جاز عندهما، أي: عند أبي يوسف ومحمد (١). لأن القسمة على هذا الوجه جائزة جبرًا من القاضي، أي: عندهما. وهكذا روي عنه، يعني: قال بعض المشايخ: إن عنده لا يقسم. وقد روى عنه، كما قال ذلك البعض. وحاصل مسائل التهايؤ في العبيد: هو أن التهايؤ في استخدام عبد واحد بينهما من غير استغلال يجوز بلا خلاف، وكذلك في العبدين على الأصح، أي: يجوز بلا خلاف، وأما التهايؤ في العبد الواحد بينهما من حيث الاستغلال فلا يجوز بالاتفاق والتمايز في العينين بينهما من حيث الاستغلال فيجوز عندهما خلافًا لأبي حنيفة على ما يجيء (٢). (ولو تهايأ في الدارين) أي: على السكنى، أو الغلة. وقد قيل: لا يجبر عنده. وهو قول الكرخي (٣). وعن أبي حنيفة أنه لا يجوز التهايؤ فيه أصلاً، أي: لا بطريق الجبر، ولا بطريق التراضي. أما بالجبر لما قلنا، وهو قوله اعتبارًا بالقسمة (٤). وأما بالتراضي فلما ذكر في الكتاب من أنه بيع السكنى بالسكنى، وهو غير جائز على ما مَرَّ في الإجارات. وجواب ظاهر الرواية عن هذا: ما ذكرناه من رواية «الذخيرة»: هو أن الحرمة عند وجود أحد وصفي علة الربا ثابتة بالنص بخلاف القياس. والنص ورد فيما هو مبادلة من كل وجه، وهو البيع، والمهايأة: إفراز من وجه، مبادلة من وجه، فيعمل فيها بقضية القياس؛ لأن الحكم إذا ثبت بخلاف القياس يراعى فيه جميع شرائط ما ورد فيه النص (٥). وذكر في «الإيضاح» (٦): وذهب أبو الحسن إلى أن معنى قول أبي حنيفة أن الدور لا يقسم معناه، أي: لا يفعل القاضي، وإن فعل جاز. فعلى هذا القول القسمة في الأصول جائزة، فكذا في المهايأة ثم بيان الوجه أن يقال بأن قسمة الأعيان يقع بالقيمة، وقيمة البناء يختلف اختلافًا بينًا، وإذا كثر التفاوت التحقت بالأعيان المختلفة في حق القسمة، فأما السكنى فالمعتبر فيه الصلاحية فلما يقع فيه التفاوت، فصارت الدور كالأعيان المتقاربة في حق التهايؤ، وفي حق القسمة أجناس مختلفة.

стр. 4343

وكذلك الاستغلال يجوز؛ لأنه نزل المنفعة، فإذا جاز التهايؤ في المنفعة، كذا في الاستغلال. (والدابة يحملها) على صيغة بناء المفعول، ولو زادت الغلة في نوبة أحدهما اتخد أدب العلم في الدار الواحدة عليها أي: على الغلة. وذكر في «الذخيرة» (١): فإن أغلت إحدى الدارين، ولم يغل: الدار الدار الأخرى فليس للذي لم يغل داره أن يشارك الآخر في غلة داره؛ لأن الذي أغلت داره إنما آجر داره لنفسه بإذن شريكه، ولو آجرها لنفسه بغير إذن شريكه كانت الغلة له، فكذا إذا آجرها بإذن شريكه، وتكون الغلة طيبًا له؛ لأن الإجارة حصلت بإذن شريكه، وفي الدار الواحدة أدائها على الاستغلال زمانًا فأغلت في نوبة أحدهما أكثر، والزيادة والفصل بينهما؛ لأن معنى الإفراز والقسمة في الدارين أرجح، على معنى أن كل واحد منهما يصل إلى المنفعة والغلة في الوقت الذي يصل إليه صاحبه مما يستوفيه كل واحد منهما عوضه عن قديم ملكه استوجبه بعقده، فيسلم له، وفي الدار الواحدة إذا تهايأ في الاستغلال زمانًا فأحدهما يصل إلى الغلة قبل وصول الآخر إليها، وذلك لا يكون قضيته للقسمة، فيجعل كل واحد منهما وكيلاً عن صاحبه في إجارة نصيب صاحبه، وما يقبضه كل واحد منهما يجعل عوضًا عما يقبض صاحبه من عوض نصيبه، والمعارضة تقتضي المساواة، فعند التفاضل يثبت (٢) التراجع فيما بينهما ليستويا (٣). وقوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله: (والاعتدال ثابت في الحال)، إلى آخره. وكذا يجوز في العبدين عندهما، أي: يجوز التهايؤ في استغلال العبدين عندهما اعتبارًا بالتهايؤ في المنافع، وهو التهايؤ في الاستخدام الحالي عن الاستغلال. لأن التفاوت في أعيان الرقيق/ أكثر منه، أي: من التفاوت من حيث الزمان في العبد الواحد، ثم التهايؤ في استغلال العبد الواحد لا يجوز بالاتفاق، فأولى أن لا يجوز الاستغلال في العبدين. ولكنهما يفرقان يفترقان بين جواز التهايؤ في استغلال العبدين وبين عدم جواز التهايؤ في استغلال العبد الواحد. ذكره في «البسيط (٤)»، وقال: فهما يقولان معنى القسمة والتمييز يترجح في علة العبدين؛ لأن كل واحد منهما يصل إلى نصيبه في الوقت الذي يصل إليه صاحبه، فيجوز ذلك [كما] (٥) في المهايأة في الخدمة، وفي علة الدارين، وأما في العبد الواحد فمعنى المفاوضة يغلب؛ لأنه يصل أحدهما إلى العلة قبل أن يصل الآخر إليه، [وفيه معنى] (٦) الحظر، فربما عرض العبد في نوبة أحدهما فيعجز عن الخدمة، وربما يمتنع من (٧) الخدمة بدعوى الحرية، ومعنى الحظر في المفاوضة مبطل له، وبه قارب [علة الدار] (٨) الواحدة؛ لأن الغالب فيها السلامة (٩).

стр. 4344

والتهايؤ في الخدمة جوز ضرورة. هذا جواب إشكال يرد على قوله: (لأن التفاوت في أعيان الرقيق أكثر) إلى آخره. فإن قيل: لو كان التعليل بالتفاوت في أعيان الرقيق معوّلاً عليه لما جاز ذلك في الاستخدام، بل يجوز التهايؤ في استخدام العبد الواحد بالاتفاق في جميع الروايات، وفي العبدين على الأصح، على ما مَرَّ؛ لإمكان قسمتها، أي: لإمكان قسمة العلو (١) لكونها، أي: لكون الغلة عينًا؛ لأنها دراهم أو دنانير، وفي بعض النسخ: لكونه على تأويل الآجر، أو بدل الإجارة، أي: لا حاجة للشريكين في العبد الواحد، أو في العبيد إلى التهايؤ في الاستغلال الذي هو مفوت (٢) للمعادلة على ما ذكر؛ لأنه يمكن استغلالها إياه على طريق الشركة، ثم يقسمان ما حصل من غلة العبد من الدراهم أو الدنانير. والوجه ما بيناه في الركوب، وهو قوله: (وعندهما يجوز اعتبارًا بقسمة الأعيان، وله أن الاستغلال يتفاوت) إلى آخره. وهذه أعيان باقية ترد القسمة عليها عند حصولها، فلا يجوز المهايأة لذلك. فإن قلت: يشكل على هذا التهايؤ في ألبان الجاريتين، وهو أن تكون الجاريتان بين رجلين، ولهما لبن تهايأ الشريكان على أن ترضع هذه ابن هذا سنتين، وترضع هذه ابن هذا سنتين، [وكان] (٣) جائزًا مع أن ألبانهما أيضًا أعيان، ولم تجوّز المهايأة في ألبان البقر بعلة أنها أعيان، والمسألة في «المنتقى» (٤) (٥). قلت: لأن ألبان بني آدم لا قيمة لها إلا عند العقد بطريق التبعية، على ما مر في الإجارات، فجرت مجرى المنافع والمهايأة إنما تكون في المنافع، فلذلك جاز فيها المهايأة. [وأما ألبان البقر والإبل والغنم فلها قيمة، فكانت أعيانًا على حقيقتها فلم يجز فيها المهايأة] (٦)، إلى هذا أشار في «الذخيرة» (٧). وفيها: أيضًا أمة بين رجلين خاف كل واحد منهما صاحبه عليها، فقال أحدهما: تكون عندك يومًا، وعندي يومًا، وقال الآخر: بل نصفها على يدي عدل، فإني أجعلها عند كل واحد منهما يومًا، ولا أضعها على يدي عدل.

стр. 4345

قال مشايخنا (١): ويحتاط في باب الفروج في جميع المواضع، نحو العتق في الجوار، والطلاق في فصول الشهادة، وغير ذلك إلا في هذا، فإنه لا يحتاط لحشمة ملكه أن يبيع حصته، أي: من الشجر والغنم، والله [تعالى] (٢) أعلم [بالصواب] (٣). * * * [بسم الله الرحمن الرحيم] (٤) كتاب المزارعة (٥) لما كان الخارج في عقد المزارعة من أنواع ما يقع فيه القسمة ذكر المزارعة بعدها. اعلم أن المزارعة من المكاسب، فكانت المحاسن والأسباب المذكورة في البيوع مذكورة هنا. وما ذكر في الكتاب من معنى المزارعة لغة وشرعًا أغنانا عن ذكره، وما سوى ذلك ظاهر. قوله [﵀] (٦): (قال أبو حنيفة: المزارعة بالثلث والربع باطلة). وإنما قيَّد [بالربع والثلث] (٧) مع أنه لا تجوز المزارعة في جميع الصور عنده تبركًا بلفظ الحديث الذي جاء بذلك، وهو ما ذكره في «المبسوط» بقوله (٨): «روي عن زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة. فقيل: وما المخابرة؟ قال: «المزارعة بالثلث والربع» (٩). وإنما خص في الحديث بذلك لمكان العادة في ذلك الوقت بذلك التقدير. أو نقول: لو لم يقل بهذا الطريق- وهو تعيين قدر النصيب شائعًا- وجب أن لا يتبين/ قدر نصيب المزارع أصلاً، [أو يبين قفزانًا] (١٠) مسماة، وكل واحد منهما يفسد المزارعة بالإجماع، والذي نحن فيه مسبوق (١١) لبيان مذهب أبي حنيفة على الخصوص بأن المزارعة فاسدة، ولا يعلم ذلك إلا بهذا الطريق الذي ذكر في الكتاب (١٢).
следующие страницы →