← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

والتهايؤ في هذا الوجه إفراز (١) بجميع الأنصباء، وإنما قيد بقوله: هذا الوجه، وهو أن يسكن هذا في جانب من الدار ويسكن هذا في جانب آخر منهما في زمان واحد؛ لأنه إذا اتحد زمان الاستيفاء يجعل إفراز لا مبادلة للإمكان من الإفراز إذا تهايأ مكانان في زمان واحد يتحقق معنى الإفراز، وأما إذا كان التهايؤ في الزمانين في مكان واحد لا يمكن جعله إفرازًا، بل يجعل كل واحد منهما كالمنقرض عن الآخر في نوبته، وكان مبادلة إفرازًا. ولهذا لا يشترط فيه التأقيت، وهذا إيضاح أنه إفراز؛ لأنه لو كان مبادلة لا تشترط التأقيت، كما في الإجارة؛ لأنه لو كان مبادلة كان تمليك المنافع بالعوض فيلحق بالإجارة حينئذ فيشترط التأقيت. وقوله: (شرط في ذلك في العقد أو لم يشترط) هذا القيد للاحتراز عما ذهب إليه أبو علي الشاشي (٢) (٣)، وذكر في «الذخيرة» (٤): دار بين رجلين تهايأا على أن يسكن منزلاً معلومًا وهذا منزلاً معلومًا، وعلى أن يؤاجر كل واحد منهما منزله، ويأكل غلته فهو جائز. كذا ذكر في بعض الروايات، وذكر في بعض الروايات: أو على أن يؤاجر كل واحد منهما منزله، فعلى الرواية الأولى: هذه مهايأة في السكنى والاستغلال جميعًا من حيث المكان، وبيان أنهما إذا تهايأا في السكنى ولم يشترطا الإجارة أن كل واحد منهما لا يملك إجارة منزله، إذ لو ملك كل واحد منهما ذلك لم يكن لاشتراط الإجارة مع السكنى معنى، وإلى هذا ذهب أبو علي الشاشي. وكان الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي يقول: ظاهر المذهب أن كل واحد منهما يملك إجارة منزله، وإن لم يشترطا الإجارة وقت المهايأة، وعلى الرواية الثانية يكون هذا مهايأة، أما في السكنى وفي الاستغلال من حيث المكان، وبيان على أن المهايأة في الاستغلال يجوز حالة الانفراد مقصودًا، كما يجوز تبعًا للمهايأة في السكنى، ثم إنما ملك كل واحد منهما إجارة منزله من غير الشرط في ظاهر المذهب على ما ذكره شمس الأئمة؛ لأن المهايأة قسمة المنفعة فما نصيب كل واحد منهما من المنفعة يحصل مستحقًّا له باعتبار قديم ملكه؛ لأن المنفعة جنس واحد لا يتفاوت بمنزلة قسمة المكيل والموزون ليملك الاعتياض عن المنفعة المملوكة له، شرط ذلك أو لم يشترط.

стр. 4342

لأن التهايؤ في المكان أعدل لاستوائهما في زمان الانتفاع من غير تقديم لأحدهما على الآخر، أما لو تهايأا زمانًا بأن يكون يومًا لهذا ويومًا لهذا فلا بد أن يتقدم ثوبه ثوب أحدهما على الآخر، فلا تبقى المساواة بينهما في الانتفاع فلا يكون عدلاً. وفي الزمان أكمل؛ لأن كل واحد منهما ينتفع بجميع جوانب الدار في نوبته، فكان/ انتفاع كل واحد منهما بالدار أكمل في نوبته لانتفاعه بجميع الدار بخلاف التهايؤ من حيث المكان، فإن فيه انتفاعًا ببعض الدار، وكان انتفاعه بالدار أنقص. (على أن يخدم هذا) أي: هذا الشريك. وقال هذا في محل النصب بالمفعولية. وقال: هذا العبد بالرفع، وكذلك الآخر بالآخر بنصب الأول ورفع الثاني. جاز عندهما، أي: عند أبي يوسف ومحمد (١). لأن القسمة على هذا الوجه جائزة جبرًا من القاضي، أي: عندهما. وهكذا روي عنه، يعني: قال بعض المشايخ: إن عنده لا يقسم. وقد روى عنه، كما قال ذلك البعض. وحاصل مسائل التهايؤ في العبيد: هو أن التهايؤ في استخدام عبد واحد بينهما من غير استغلال يجوز بلا خلاف، وكذلك في العبدين على الأصح، أي: يجوز بلا خلاف، وأما التهايؤ في العبد الواحد بينهما من حيث الاستغلال فلا يجوز بالاتفاق والتمايز في العينين بينهما من حيث الاستغلال فيجوز عندهما خلافًا لأبي حنيفة على ما يجيء (٢). (ولو تهايأ في الدارين) أي: على السكنى، أو الغلة. وقد قيل: لا يجبر عنده. وهو قول الكرخي (٣). وعن أبي حنيفة أنه لا يجوز التهايؤ فيه أصلاً، أي: لا بطريق الجبر، ولا بطريق التراضي. أما بالجبر لما قلنا، وهو قوله اعتبارًا بالقسمة (٤). وأما بالتراضي فلما ذكر في الكتاب من أنه بيع السكنى بالسكنى، وهو غير جائز على ما مَرَّ في الإجارات. وجواب ظاهر الرواية عن هذا: ما ذكرناه من رواية «الذخيرة»: هو أن الحرمة عند وجود أحد وصفي علة الربا ثابتة بالنص بخلاف القياس. والنص ورد فيما هو مبادلة من كل وجه، وهو البيع، والمهايأة: إفراز من وجه، مبادلة من وجه، فيعمل فيها بقضية القياس؛ لأن الحكم إذا ثبت بخلاف القياس يراعى فيه جميع شرائط ما ورد فيه النص (٥). وذكر في «الإيضاح» (٦): وذهب أبو الحسن إلى أن معنى قول أبي حنيفة أن الدور لا يقسم معناه، أي: لا يفعل القاضي، وإن فعل جاز. فعلى هذا القول القسمة في الأصول جائزة، فكذا في المهايأة ثم بيان الوجه أن يقال بأن قسمة الأعيان يقع بالقيمة، وقيمة البناء يختلف اختلافًا بينًا، وإذا كثر التفاوت التحقت بالأعيان المختلفة في حق القسمة، فأما السكنى فالمعتبر فيه الصلاحية فلما يقع فيه التفاوت، فصارت الدور كالأعيان المتقاربة في حق التهايؤ، وفي حق القسمة أجناس مختلفة.

стр. 4343

وكذلك الاستغلال يجوز؛ لأنه نزل المنفعة، فإذا جاز التهايؤ في المنفعة، كذا في الاستغلال. (والدابة يحملها) على صيغة بناء المفعول، ولو زادت الغلة في نوبة أحدهما اتخد أدب العلم في الدار الواحدة عليها أي: على الغلة. وذكر في «الذخيرة» (١): فإن أغلت إحدى الدارين، ولم يغل: الدار الدار الأخرى فليس للذي لم يغل داره أن يشارك الآخر في غلة داره؛ لأن الذي أغلت داره إنما آجر داره لنفسه بإذن شريكه، ولو آجرها لنفسه بغير إذن شريكه كانت الغلة له، فكذا إذا آجرها بإذن شريكه، وتكون الغلة طيبًا له؛ لأن الإجارة حصلت بإذن شريكه، وفي الدار الواحدة أدائها على الاستغلال زمانًا فأغلت في نوبة أحدهما أكثر، والزيادة والفصل بينهما؛ لأن معنى الإفراز والقسمة في الدارين أرجح، على معنى أن كل واحد منهما يصل إلى المنفعة والغلة في الوقت الذي يصل إليه صاحبه مما يستوفيه كل واحد منهما عوضه عن قديم ملكه استوجبه بعقده، فيسلم له، وفي الدار الواحدة إذا تهايأ في الاستغلال زمانًا فأحدهما يصل إلى الغلة قبل وصول الآخر إليها، وذلك لا يكون قضيته للقسمة، فيجعل كل واحد منهما وكيلاً عن صاحبه في إجارة نصيب صاحبه، وما يقبضه كل واحد منهما يجعل عوضًا عما يقبض صاحبه من عوض نصيبه، والمعارضة تقتضي المساواة، فعند التفاضل يثبت (٢) التراجع فيما بينهما ليستويا (٣). وقوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله: (والاعتدال ثابت في الحال)، إلى آخره. وكذا يجوز في العبدين عندهما، أي: يجوز التهايؤ في استغلال العبدين عندهما اعتبارًا بالتهايؤ في المنافع، وهو التهايؤ في الاستخدام الحالي عن الاستغلال. لأن التفاوت في أعيان الرقيق/ أكثر منه، أي: من التفاوت من حيث الزمان في العبد الواحد، ثم التهايؤ في استغلال العبد الواحد لا يجوز بالاتفاق، فأولى أن لا يجوز الاستغلال في العبدين. ولكنهما يفرقان يفترقان بين جواز التهايؤ في استغلال العبدين وبين عدم جواز التهايؤ في استغلال العبد الواحد. ذكره في «البسيط (٤)»، وقال: فهما يقولان معنى القسمة والتمييز يترجح في علة العبدين؛ لأن كل واحد منهما يصل إلى نصيبه في الوقت الذي يصل إليه صاحبه، فيجوز ذلك [كما] (٥) في المهايأة في الخدمة، وفي علة الدارين، وأما في العبد الواحد فمعنى المفاوضة يغلب؛ لأنه يصل أحدهما إلى العلة قبل أن يصل الآخر إليه، [وفيه معنى] (٦) الحظر، فربما عرض العبد في نوبة أحدهما فيعجز عن الخدمة، وربما يمتنع من (٧) الخدمة بدعوى الحرية، ومعنى الحظر في المفاوضة مبطل له، وبه قارب [علة الدار] (٨) الواحدة؛ لأن الغالب فيها السلامة (٩).

стр. 4344

والتهايؤ في الخدمة جوز ضرورة. هذا جواب إشكال يرد على قوله: (لأن التفاوت في أعيان الرقيق أكثر) إلى آخره. فإن قيل: لو كان التعليل بالتفاوت في أعيان الرقيق معوّلاً عليه لما جاز ذلك في الاستخدام، بل يجوز التهايؤ في استخدام العبد الواحد بالاتفاق في جميع الروايات، وفي العبدين على الأصح، على ما مَرَّ؛ لإمكان قسمتها، أي: لإمكان قسمة العلو (١) لكونها، أي: لكون الغلة عينًا؛ لأنها دراهم أو دنانير، وفي بعض النسخ: لكونه على تأويل الآجر، أو بدل الإجارة، أي: لا حاجة للشريكين في العبد الواحد، أو في العبيد إلى التهايؤ في الاستغلال الذي هو مفوت (٢) للمعادلة على ما ذكر؛ لأنه يمكن استغلالها إياه على طريق الشركة، ثم يقسمان ما حصل من غلة العبد من الدراهم أو الدنانير. والوجه ما بيناه في الركوب، وهو قوله: (وعندهما يجوز اعتبارًا بقسمة الأعيان، وله أن الاستغلال يتفاوت) إلى آخره. وهذه أعيان باقية ترد القسمة عليها عند حصولها، فلا يجوز المهايأة لذلك. فإن قلت: يشكل على هذا التهايؤ في ألبان الجاريتين، وهو أن تكون الجاريتان بين رجلين، ولهما لبن تهايأ الشريكان على أن ترضع هذه ابن هذا سنتين، وترضع هذه ابن هذا سنتين، [وكان] (٣) جائزًا مع أن ألبانهما أيضًا أعيان، ولم تجوّز المهايأة في ألبان البقر بعلة أنها أعيان، والمسألة في «المنتقى» (٤) (٥). قلت: لأن ألبان بني آدم لا قيمة لها إلا عند العقد بطريق التبعية، على ما مر في الإجارات، فجرت مجرى المنافع والمهايأة إنما تكون في المنافع، فلذلك جاز فيها المهايأة. [وأما ألبان البقر والإبل والغنم فلها قيمة، فكانت أعيانًا على حقيقتها فلم يجز فيها المهايأة] (٦)، إلى هذا أشار في «الذخيرة» (٧). وفيها: أيضًا أمة بين رجلين خاف كل واحد منهما صاحبه عليها، فقال أحدهما: تكون عندك يومًا، وعندي يومًا، وقال الآخر: بل نصفها على يدي عدل، فإني أجعلها عند كل واحد منهما يومًا، ولا أضعها على يدي عدل.

стр. 4345

قال مشايخنا (١): ويحتاط في باب الفروج في جميع المواضع، نحو العتق في الجوار، والطلاق في فصول الشهادة، وغير ذلك إلا في هذا، فإنه لا يحتاط لحشمة ملكه أن يبيع حصته، أي: من الشجر والغنم، والله [تعالى] (٢) أعلم [بالصواب] (٣). * * * [بسم الله الرحمن الرحيم] (٤) كتاب المزارعة (٥) لما كان الخارج في عقد المزارعة من أنواع ما يقع فيه القسمة ذكر المزارعة بعدها. اعلم أن المزارعة من المكاسب، فكانت المحاسن والأسباب المذكورة في البيوع مذكورة هنا. وما ذكر في الكتاب من معنى المزارعة لغة وشرعًا أغنانا عن ذكره، وما سوى ذلك ظاهر. قوله [﵀] (٦): (قال أبو حنيفة: المزارعة بالثلث والربع باطلة). وإنما قيَّد [بالربع والثلث] (٧) مع أنه لا تجوز المزارعة في جميع الصور عنده تبركًا بلفظ الحديث الذي جاء بذلك، وهو ما ذكره في «المبسوط» بقوله (٨): «روي عن زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة. فقيل: وما المخابرة؟ قال: «المزارعة بالثلث والربع» (٩). وإنما خص في الحديث بذلك لمكان العادة في ذلك الوقت بذلك التقدير. أو نقول: لو لم يقل بهذا الطريق- وهو تعيين قدر النصيب شائعًا- وجب أن لا يتبين/ قدر نصيب المزارع أصلاً، [أو يبين قفزانًا] (١٠) مسماة، وكل واحد منهما يفسد المزارعة بالإجماع، والذي نحن فيه مسبوق (١١) لبيان مذهب أبي حنيفة على الخصوص بأن المزارعة فاسدة، ولا يعلم ذلك إلا بهذا الطريق الذي ذكر في الكتاب (١٢).

стр. 4346

وذكر في «الذخيرة» (١): وإن أراد (٢) [صاحب] (٣) الأرض والمزارع أن يطيب لهما الزرع عندهما في موضع فسدت المزارعة عندهما [أو عند] (٤) أبي حنيفة في موضع صحت المزارعة عندهما، فالوجه في ذلك ما حكي عن الشيخ الإمام إسماعيل الزاهدي (٥) أنه قال: يميز النصيبان نصيب رب الأرض ونصيب المزارع، ويقول رب الأرض للمزارع: وجب لي عليك أجر مثل الأرض أو نقصانها، ووجب لك عليَّ أجر مثل عملك [ .... ] (٦)، وقدر بذلك (٧) فهل صالحتني على هذه الحنطة، وعلى ما وجب لك عليَّ [بما وجب لي عليك، فيقول المزارع: صالحت. ويقول لرب الأرض: قد وجب لي عليك أجر مثل عملي وبذري، ووجب لك عليَّ أجر مثل الأرض أو نقصانها، فهل صالحتني عما وجب لك عليَّ على] (٨) ما (٩) وجب لي عليك، وعلى هذه الحنطة فيقول رب الأرض: صالحت. وإذا تراضيا على ذلك جاز (١٠)، وتطيب لكل واحد منهما ما أصابه للعمل؛ [لأن الحق بينهما لا يعدوهما، فإذا تراضيا على ذلك فقد زال الموجب للحنث؛ لأنه لا أثر هناك للعمل] (١١)؛ لأنه تخلل فعل واعمل (١٢) مختار، وهو أكل الحيوان فيضاف إليه، وإذا كان مضافًا إليه لا يضاف إلى غيره، وهو العامل فلم تتحقق الشركة. ولأنه استئجار، والدليل على أنه استئجار هو أنه لا يصح بدون ذكر المدة، وذلك من خصائص الإجارات، فكان هذا استئجارًا [ببعض ما يخرج منه، فيكون في معنى قفيز الطحان] (١٣)، ونهى النبي ﵇ عن قفيز الطحان (١٤)، وهو أن يستأجر رجلاً ليطحن له كراء من حنطة بقفيز من دقيقها. ولأن الأجر مجهول أي: على تقدير وجود الخارج، فإنه لا يعلم نصيبه الثلث أو الربع يبلغ مقدار عشرة أقفزة أو أقل منه أو أكثر، أو معدوم، أي: على تقدير أن لا يخرج من الأرض شيء، أو أصابته آفة، أو أن ذلك الأجر لا يثبت في الذمة فيكون معدومًا حقيقة بخلاف ما إذا استأجر شيئًا، وليس في ملكه شيء من الأجر حيث يصح الاستئجار لوجود الأجر في الذمة.

стр. 4347

أنواع الخراج ومعاملة النبي ﵇ أهل خيبر كان خراج (١) مقاسمة (٢). اعلم أن الخراج على نوعين: خراج وظيفة، وخراج مقاسمة. والوظيفة: هي أن يوظف الإمام كل سنة على مال، كما صالح النبي ﵇[مع] (٣) أهل نجران على أن يؤدوا كل سنة ألفًا ومائتي حلة؛ ستمائة في محرم، وستمائة في رجب (٤). والمقاسمة: هي أن [لا] (٥) يقسم الإمام ما يخرج من الأرض، كما صالح النبي ﵇ مع أهل خيبر على أن ما يخرج من أراضيهم نصفه للنبي ﵇ ونصفه لأهلها. [كذا ذكره الإمام المحبوبي (٦) في زكاة «الجامع الصغير» و] (٧) ليس في هذا الحديث حجة لمن جوَّز المزارعة؛ لأن ذلك [كان] (٨) على سبيل المصالحة، فإنه لو أخذ الكل جاز؛ فإنه ﵇ مَلَكَه غنيمة، وكان ترك في أيديهم فضلاً، وقد ورد في هذه الحديث أنه ﵇ قال لأهل خيبر: «أُقِرُّكم ما أقركم الله، أمركم على أمركم الله» (٩)، ولم يبين مدة معلومة، وقد أجمعوا على أن عقد المزارعة لا يصح إلا ببيان المدة المعلومة، فلم يصلح الحديث حجة.

стр. 4348

وأما الجواب عن [اعتبارهم بالمضاربة] (١)، قلنا: لا يصح الاستدلال بعقد المضاربة؛ لأن معنى الشركة [ثم أغلب حتى صح بدون ضرب المدة، فيكون الربح متولدًا من العمل والمال جميعًا، وعقد الشركة] (٢) عقد ينعقد على محض العمل، كما في شركة الأعمال، فلم تكن المزارعة [نظير المضاربة؛ لأن معنى الإجارة في المزارعة] (٣) أغلب لاشتراط المدة فيها. بخلاف المضاربة فامتنع الاستدلال بعقد المضاربة. [كذا في «الإيضاح» (٤) (٥). والخارج كله في الوجهين، أي: فيما إذا كان البذر من فعل العامل، أو من قبل رب الأرض لصاحب البذر؛ لأنه نماء ملكه. فإن قلتَ: ما [في] (٦) وجه الفرق بين هذا وبين مسألة الغصب، وهي ما إذا غصب رجل من إنسان بذرًا فزرعه أن الزرع يكون للزراع لا لصاحب البذر مع أن الخارج هناك أيضًا نماء ملك صاحب البذر؟ شروط المزارعة: بيان المدة قلتُ: الفرق بينهما هو أن الغاصب هناك عامل لنفسه، وإضافة الحادث إلى عمله أولى من الإضافة إلى البذر؛ لأنه في العمل مختار، وهو المكتسب المحصل، وهاهنا هو عامل في بذر الغير بأمره، فيعتبر الأمر، فيجعل العمل مضافًا إلى الأمر فبقي [البذر] (٧) أصلاً، فيضاف النماء إليه/. [كذا ذكره الإمام المحبوبي في زكاة «الجامع الصغير»] (٨) (٩)، كما لو وقع البذر بنفسه فيثبت. كذا في «الإيضاح» (١٠)، كما فصَّلنا، وهو قوله: (وهذا إذا كان البذر من قبل صاحب الأرض إلى آخره، والثالث بيان المدة). فإن قلت: ذكر بيان المدة مطلقًا، ولم يبين مقدار المدة [كم] (١١) تكون؟ ولا شك أن المدة لو كانت قليلة جدًّا بحيث لا يدرك الزرع فيها لا يصح لعدم الفائدة، ولو كانت طويلة جدًّا بحيث لا يعيشان إليها كانت بمنزلة التأبيد فلا يصح أيضًا، فلابد من ذكر مقدار المدة التي تصح بها المزارعة، فكم هي؟ قلت: قال في «الذخيرة»: «ومن الشرائط بيان المدة بأن يقول: إلى سنة، أو [إلى] (١٢) سنتين، [أو ما أشبه] (١٣)، وإن بيَّن وقتًا لا يتمكن فيه من المزارعة فسدت المزارعة، فصار ذكره [وعدم ذكره] (١٤) سواء، وكذلك إذا بيَّن مدة لا يعيش أحدهما إلى مثلها غالبًا لا يجوز؛ لأنه يصير في معنى اشتراط بقاء العقد إلى ما بعد الموت» (١٥).

стр. 4349

وذكر القاضي الإمام أبو علي النسفي (١) أن مشايخنا يقولون في الإجارة الرسمية التي تعقد إلى ثلاثين سنة: إذا كان لا يتوهم حياة العاقدين إلى تلك المدة غالبًا بأن كانا شيخين كبيرين أو أحدهما لم يجوّزوا ذلك، وكأن هذا القائل جعل الغالب من الموت كالمتيقن به، ومثل هذا جائز (٢). ألا ترى أن في فصل (المفقود) إذا مات أقرانه وأترابه يقسم ماله بين ورثته (٣)، ويجعل كأنه مات، وإن كان في قدرة الله تعالى أن يعيشه إلى آخر الدهر، وبعض مشايخنا جوزوا ذلك (٤)، وإليه مال الخصاف (٥)، وكأنه اعتبره بالنكاح؛ فإن من تزوج امرأة إلى مائة سنة أو إلى مدة لا يتوهم حياتهما في تلك المدة، فإن النكاح لا يجوز في ظاهر الرواية، وجعل ذلك بمنزلة نكاح مؤقت، وعن محمد بن سلمة ﵀ (٦) أن المزارعة من غير بيان المدة جائزة، ويقع على سنة واحدة، أي: على زرع واحد، وبه أخذ الفقيه أبو الليث (٧) لأنه- أي: - لأن عقد المزارعة عقد على منافع [الأرض، أي: إذا كان البذر من قبل العامل، ومنافع (٨) العامل، أي: إذا كان البذر من قبل رب الأرض، والمدة هي المعيار لها، أي: للمنافع ليُعلم بها أي: ليعلم العقد بالمدة (٩).

стр. 4350

شروط المزارعة: بيان من عليه البذور وفي «المبسوط»: والمنفعة لا يعلم مقدارها إلا ببيان المدة، فكانت المدة معيارًا للمنفعة بمنزلة الكيل والوزن، وهذا بخلاف المضاربة، فإن هناك بالتصرف بالمال لا يصير مستهلكًا، فلا حاجة إلى إثبات صفة اللزوم لذلك العقد، وهنا البذر يصير مستهلكًا بالإلقاء في الأرض فينا (١) حاجة إلى القول بلزوم هذا العقد لدفع الضرر من الجانبين، ولا يكون ذلك إلا بعد إعلام المعقود عليه من الثاني، وإعلام للمعقود عليه وهو منافع الأرض، أي: إذا كان البذر من قبل العامل، أو منافع العامل، أي: إذا كان من قبل رب الأرض، وبه صرح في «المبسوط» (٢). فلابد من بيان المعقود عليه وجهًا له من البذر من قبله يؤدي إلى المنازعة بينهما، ثم إن كان البذر من قبل [رب] (٣) الأرض، فهو مستأجر للعامل، وإذا كان من قبل العامل فهو مستأجر للأرض، فلابد من بيانه، وهذا إذا لم يذكر لفظًا يدل على أن البذر من قبل مَن هو؟ وأما إذا ذكر لفظًا يدل عليه، فذلك يكفي، فقد ذكر ابن رستم (٤) عن محمد أنَّ من قال لغيره: آجرتك أرضي هذه سنة بالنصف. أو قال: [بالثلث. يجوز، والبذر على المزارع؛ لأن الأجرة تكون على المستأجر، فهذا بيان أن البذر على المزارع، ولو قال:] (٥) استأجرتك لتزرع أرضي هذه بالثلث، فهذا جائز، والبذر على رب الأرض، أما لو قال: دفعت أرضي إليك مزارعة بالثلث لا يجوز، إذ ليس فيه بيان من عليه البذر، وحُكي عن بعض مشايخ بلخ: أن بيان من عليه البذر إنما يشترط في موضع ليس فيه عرف ظاهر أن البذر على من يكون؟ أو كان العرف مشتركًا؛ أما في كل موضع كان فيه عرف ظاهر أن البذر على من يكون؟ لا يشترط بيان من عليه البذر؛ لأن المعروف كالمشروط. كذا في «الذخيرة» (٦)، فما يقطع هذه الشركة كان مفسدًا للعقد؛ لأنه إذا شرط فيها ما يقطع الشركة في الخارج تبقى إجارة محضة، والقياس يأبى جواز الإجارة المحضة بأجر معدوم.

стр. 4351

وعن هذا قلنا: إذا شرط لصاحب البذر أن يرفع قدر البذر من الخارج والباقي سهمًا أن المزارعة تفسد؛ لأن الأرض ربما لا تخرج/ إلا قدر البذر، ولو شرط لصاحب البذر قدر العشر من الخارج والباقي بينهما صحت المزارعة؛ لأن هذا الشرط لا يقطع الشركة في الخارج؛ لأن الخارج - وإن قل- يكون له عشر، وهذا هو الحيلة لصاحب البذر إذا أراد أن يصل إليه قدر البذر أن يشترط لنفسه قدر البذر باسم العشر أو الثلث أو ما أشبه، والباقي بينهما. بيان جنس البذور والثامن: بيان جنس البذر، وهذا قياس. وفي الاستحسان: بيان ما يزرع في الأرض ليس بشرط؛ فوَّض الرأي إلى المزارع، أو لم يفوِّض بعد أن ينص على المزارعة. هكذا ذكر شيخ الإسلام -[﵀] (١) - في أول المزارعة، وذكر في موضع آخر أن بيان ما يزرع في الأرض شرط من غير ذكر القياس والاستحسان، وهذا أقرب إلى الصواب، إلا إذا عَمَّ بأن قال: ما بدا لك، وكان البذر من جهة المزارع، أو قال: ما بدا لي، وكان البذر من جهة رب الأرض، وإن لم يكن [لم يذكر] (٢) شيئًا من ذلك حتى فسدت المزارعة فزرعها مع ذلك ينقلب [العقد] (٣) جائزًا؛ لأن جنس البذر صار معلومًا حال تأكد المزارعة فهو نظير ما لو استأجر دابة للحمل، ولم يبين ما يحمل عليها حتى فسدت الإجارة وحمل (٤) عليها بعد ذلك شيئًا ينقلب العقد جائزًا. كذا هاهنا كذا في «الذخيرة» (٥). وهي عندهما على أربعة أوجه، فوجه الانحصار على هذه الأربعة. قلنا: إن ما تقوم به المزارعة أربعة أشياء، وهي الأرض، والبذر، والعمل، والبقر، وهذا أمر محسوس لا حاجة إلى الدليل، ثم هذه الأربعة بين الشريكين في المزارعة لا تخلو إما: إن كان كلها لأحدهما دون الآخر، أو لهما، فالأول منتفٍ؛ لأن عقد المزارعة شركة انتهاء، والشركة تقتضي الخلط بين الشريكين، فلو لم يكن من أحد الجانبين شيء لا يتصور الشركة. ولو كان لهما فلا يخلو إما: أن يكون بينهما بالتنصيف (٦) في هذه الأربعة، أو بإثبات الأكبر، وهو الثلاثة لأحدهما. فإن كان بالتنصيف فهو على وجهين: أحدهما: أن تكون الأرض والبذر لواحد، والعمل والبقر لآخر، وهو الوجه الأول. والثاني: أن تكون الأرض والبقر لواحد، والبذر والعمل لواحد (٧)، وهو الوجه الرابع.

стр. 4352

وإن كان بإثبات الأكثر لأحدهما، فهو على وجهين أيضًا. أحدهما: أن تكون الأرض لواحد، والباقي للآخر، وهو الوجه الثاني. والثاني: أن يكون العمل لأحدهما والباقي للآخر، وهو الوجه الثالث. فهذه كلها جائزة إلا الواحد، وهو الوجه الرابع، وهذا الانحصار على رواية «مختصر القدوري» (١)، وأما الانحصار العقلي بالنسبة إلى هذه الأشياء المذكورة- أعني: الأرض والبذر والبقر والعمل من غير تصور الاشتراك بينهما في الواحد، فسبعة أوجه أربعة بطريق الانفراد لأحدهما، والباقي للآخر، وهو أن يقول: الأرض لأحدهما والباقي للآخر، [والبذر لأحدهما والباقي للآخر، والعمل لأحدهما والباقي للآخر، والبقر لأحدهما والباقي للآخر] (٢)، وحكم هذه الأربعة مذكورة في الكتاب، إلا حكم البقر لأحدهما والباقي للآخر، كحكم أن يكون البذر لأحدهما والباقي للآخر، وهو الفساد، وثلاثة بطريق الاختلاط، وهي أن يقول: الأرض والبذر لأحدهما، والعمل والبقر للآخر، والبذر والعمل لأحدهما والأرض والبقر للآخر، والأرض والعمل لأحدهما والبذر والبقر للآخر، فحكم هذه الثلاثة مذكور في الكتاب أيضًا، وهو الفساد في [الثاني و] (٣) الثالث، والجواز في الأولين. وأما إذا كان الاشتراك بينهما في الواحد منهما بأن كانت الأرض مشتركة فيما بينهما. وكذلك في غيرهما، فوجوهها كثيرة. ثم اعلم أن هذه المسائل في الجواز والفساد مبنية على أصل، وهو أن المزارعة تنعقد إجارة، وتتم شركة، وإنما تنعقد إجارة على منفعة الأرض، وعلى (٤) منفعة العامل، ولا يجوز على منفعة غيرهما من منفعة البقر والبذر؛ لأن الشرع لم يرد به فأخذنا فيه بالقياس؛ لأن الاستئجار (٥) ببعض الخارج لا يجوز قياسًا. وأما في استئجار الأرض، أو استئجار العامل فقد ورد الشرع به، فيقول به، أما الأولى فهو أن استئجار الأرض للزراعة ببعض ما يخرج منها جائز؛ لأثر عبد الله بن عمر ﵄ (٦)، ولتعامل الناس، فإن الناس تعاملوا اشتراط البذر على المزارع، ومتى كان البذر على المزارع [صار المزارع] (٧) مستأجرًا للأرض ببعض الخارج.

стр. 4353

وكذلك استئجار العامل ببعض الخارج جائز؛ لأثر رسول الله ﵇ مع أهل الخيبر (١)، ولتعامل الناس، فإنهم تعاملوا/ اشتراط البذر على رب الأرض، وإذا اشترط البذر على رب الأرض يصير رب الأرض مستأجرًا للعامل ببعض الخارج، وأما استئجار غيرهما ببعض الخارج لا يجوز؛ لأن القياس أن لا يجوز استئجار العامل والأرض أيضًا ببعض الخارج؛ لأن الأجر معدوم ليس بمشار إليه، ولا واجب في الذمة، لكن جوَّزناه نصًّا. بخلاف القياس والنص ورد في استئجار العامل والأرض، لا في استئجار غيرهما فبقي استئجار غيرهما ببعض الخارج على أصل القياس، ولما كان كذلك كان ما وجد من صورة عدم الجواز هو من قبيل استئجار غير الأرض والعامل ببعض الخارج، أو كان المشروط على أحدهما شيئين متجانسين فلم يكن أحدهما تبعًا للآخر. ولكن المنظور فيه هو استئجار على (٢) الأرض و [غير] (٣) العامل ببعض الخارج، وما وجد من صور الجواز فهو من قبيل استحقاق الأرض، أو العامل [متجانسين، ولكن المنظور فيه هو استئجار الأرض والعامل] (٤) ببعض الخارج، وفيه ورد الأثر، وهذا هو الأصل الذي تدور عليه مسائل المزارعة [هنا أشار في الفصل الثاني من مزارعة «الذخيرة» (٥)، «الجامع الصغير» (٦) لفخر الإسلام (٧) (٨) كما إذا استأجر خياطًا ليخيط بإبرة الخياط كان الأجر كله بإزاء الخياطة دون الإبرة، فكذا [في] (٩) هذا يكون الخارج بإزاء العمل دون البقر، فلم يصر (١٠) مستأجرًا البقر ببعض الخارج فصح ليخيط ثوبه بإبرته صاحب الثوب، وهو المستأجر ثمرة أي ثمر (١١) صاحب الطين، وهو المستأجر؛ لأنه لو شرط البذر والبقر عليه أي على رب الأرض يجوز، وكذا إذا شرط وحده، أي: إذا شرط البقر وحده.

стр. 4354

وقوله (١): كل ذلك يخلق الله [تعالى] (٢)، هذا الكلام في هذا المقام مستغنى عنه غير مفتقر إليه، لكن فيه تنبيه على أنه من أهل السنة والجماعة حيث جعل منفعة البقر التي يقام بها العمل مخلوقة لله تعالى خلافًا للمعتزلة. وقال: فلم يتجانسا نتيجة لما قبله، وهو قوله: لأن منفعة الأرض قوة في طبعها، ومنفعة البقر صلاحية يقام بها العمل كانتا مختلفتين، فلذلك لم يتجانسا. فتعذر أن تجعل تابعة لها، أي: تعذر جعل منفعة البقر تبعًا لمنفعة الأرض، فلما لم يجعل منفعة البقر تبعًا لمنفعة الأرض كان استحقاق منفعة البقر مقصودًا في المزارعة، وهو لا يجوز كما لو كان من أحدهما البقر لا غير والباقي من الآخر، وذلك لا يجوز بالاتفاق فكذا هنا. وهنا وجهان آخران فاسدان: أحدهما: أن يكون البذر لأحدهما والباقي من الآخر، وإنما لا يجوز هذا؛ لأن صاحب البذر مستأجر للأرض، ولابد (٣) من التخلية بين المستأجر وبين ما استأجر في عقد الإجارة، وتنعدم التخلية هاهنا؛ لأن الأرض تكون في يد العامل، فلهذا فسد العقد. كذا في «المبسوط» (٤). والثاني: أن يجمع بين البذر والبقر بأن يكون البذر والبقر من أحدهما؛ لأنه لا يجوز عند الانفراد، أي: انفراد البقر والبذر بأن كان من أحدهما البقر لا غير أو البذر لا غير، والخارج في الوجهين لصاحب البذر، والوجهان ما ذكرهما، وأحدهما أن يكون البذر لأحدهما، [والبائع للآخر] (٥)، والباقي للآخر، والثاني أن يكون البذر والبقر لأحدهما، والباقي للآخر. وذكر في «المبسوط» بعدما ذكر هذا فقال (٦): بقي الإشكال، وهو أنه أوجب لصاحب الأرض أجر مثل أرضه، ولم يسلم صاحب الأرض الأرض إلى صاحب البذر، فكيف يستوجب عليه أجر مثله. ولكنا نقول: صارت منفعته، أي: منفعة العامل ومنفعة الأرض كلها مسلمة [مسألة] (٧) إلى صاحب البذر لسلامة الخارج له حكمًا، وكذلك إن لم تخرج الأرض شيئًا؛ لأن عمل العامل يأمر (٨) في إلقاء بذره، كعمله بنفسه فيستوجب أجر المثل عليه في الوجهين. هذا الذي ذكره من الفساد فيما أراد دفع بذرًا إلى صاحب الأرض على أن يزرعه في أرضه على أن الخارج بينهما نصفان. وأما إذا قال (٩): على أن الخارج لصاحب الأرض فهذا جائز، وصاحب الأرض معين له في العمل معين لأرضه؛ لأنه ما اشترط بإزاء (١٠) منافعه ومنافع أرضه عوضًا، فيكون متبرعًا بذلك كله.

стр. 4355

فإن قلت: [العامل] (١) فيما بين الناس يكون البذر من أحدهما، والباقي من الآخر في عقد المزارعة ظاهر (٢)، ولو فسد هذا يقع الناس في الحرج [فما والحيلة] (٣) في تجويزه، وكذلك لو كان البقر من أحدهما والباقي من الآخر تعامل ظاهر. قلت: الحيلة هي ما ذكره في «الذخيرة» محالاً إلى النوازل (٤). [إلى هذا أشار في الفصل الثاني من مزارعة «الذخيرة» و «الجامع الصغير» لفخر الإسلام (٥) (٦) /. يقال (٧) رجل له أرض أراد أن يأخذ بذرًا من رجل ويزرعها ويكون الزرع بينهما، فإن الحيل في ذلك أن يشتري نصف البذر منه، ويبرئه البائع من الثمن، ثم يقول له: ازرعها بالبذر كله على أن الخارج بيننا نصفان؛ لأن البذر إذا كان مشتركًا بينهما فالخارج يخرج من محل مشترك بينهما، فيكون بينهما بدون الشرط، فمع الشرط أولى. وأما الحيلة فيما إذا كان البقر من أحدهما، فرواية أبي يوسف فيه بالجواز (٨). بيان المدة ولا تصح المزارعة إلا على مدة معلومة لما بينا، أراد به قوله في بيان شروط المزارعة: (والثالث: بيان المدة؛ لأنه عقد على منافع الأرض) إلى آخره. فصار كما إذا شرطا دفع الخراج والأرض خراجية، أي: لا يجوز هذا، فكذا هنا. اعلم أن هذا الذي ذكره من مسألة الخراج فيما إذا كان الخراج خراج وظيفة؛ بأن يكون دراهم مسماة بحسب الخارج، أو قفزانًا مسماة، وهو لا يجوز؛ لأن الأرض ربما لا تخرج إلا ذلك المقدار، فكان هذا الشرط قاطعًا للشركة، وأما إذا كان الخراج خراج مقاسمة، وهو جزء من الخراج مشاعًا نحو الثلث أو الربع لا تفسد المزارعة بهذا الشرط. كذا في «الذخيرة» (٩). بخلاف ما إذا شرط صاحب البذر عشر الخارج لنفسه، وهذا هو الحيلة في أن يجوز دفع صاحب البذر بذره، وطريق ذلك هو أن ينظر أن مثل هذه الأرض لم تخرج من مثل هذا القدر من البذر، فإن كانت تخرج عشرة أكرار (١٠)، والبذر كر يشترط لنفسه عشر الخارج والباقي بينهما، وإن كانت تخرج أربعة أكرار، والبذر كر يشترط لنفسه ربع الخارج والباقي بينهما، فتجوز المزارعة، ويحصل لرب البذر (١١) مقصوده. كذا في «الذخيرة» (١٢)؛ لأنه معين، أي: معلوم الماذيانات -جمع الماذيان- وهو أصغر من النهر وأعظم من الجدول، فارسي معرب (١٣).

стр. 4356

وقيل: ما يجتمع فيه ماء السيل، ثم يسقي منه الأرض (١). والسواقي: جمع الساقية، وهي فوق الجدول ودون النهر. كذا في «المغرب» (٢). [ويحتمل أن يكون بينهما فرق لذلك أوردهما بعطف أحدهما على الآخر] (٣)، وكذا إذا شرط لأحدهما التبن وللآخر الحب، أي: لا تصح المزارعة، ولما لم تصح المزارعة كان التبن والحب كله لصاحب البذر منهما، كما هو الحكم في المزارعة الفاسدة. كذا في «المبسوط» (٤). اعتبارًا للعرف فيما لم ينص عليه المتعاقدان، فإن العرف عندهم أن الحب والتبن يكون بينهما نصفان، وتحكيم العرف عند الاشتباه واجب. كذا في «الذخيرة» (٥). والبيع يقوم بشرط الأصل، يعني: لما كان الأصل، وهو الحب مشتركًا بينهما باشتراطهما فيه نصًّا كان التبع وهو التبن مشتركًا بينهما أيضًا تبعًا للأصل، [وإن لم يذكرا فيه الشركة، وكان معنى قوله: والتبع يقوم بشرط الأصل، أي: يتصف البيع بصفة الأصل] (٦) كالإمام، [أي السلطان] (٧). حيلة مهمة في المزارعة: إذا دخل المصر ونوى الإقامة يصير المقتدي (٨) [مقيمًا] (٩) وإن لم يكن في موضع الإقامة، وكذا المولى مع العبد. ولو شرطا الحب نصفين، والتبن لصاحب البذر صحت؛ لأنه حكم العقد، يعني: أنهما لو سكتا عن ذكر التبن كان التبن لصاحب البذر؛ لأنه موجب العقد فإذا نَصَّا عليه فإنما صرَّحا (١٠) بما هو موجب العقد فلا يتغير به وصف العقد. وإن شرطا (١١) التبن للآخر، وفي نسخة: وإن شرط التبن للآخر، أي: لغير صاحب البذر، واستحقاق غير صاحب البذر بالشرط، يعني: لو صححنا هذا العقد أدى إلى أن يستحق أحدهما شيئًا من الخارج بالشرط دون صاحبه فيما إذا حصل التبن دون الحب بخلاف الأول فإن استحقاق رب البذر ليس بالشرط، بل لأنه نماء بذره كذا في «المبسوط» (١٢). لأنه يستحقه شركة، أي: لأن العامل يستحق ما شرطاه بطريق الشركة انتهاء، والحكم في الشركة هكذا، وهو أنه إذا لم يوجد الربح لا شيء له، فكذلك هاهنا.

стр. 4357

وإن كانت إجارة أي: ابتداء، فالآخر مسمى فلا يستحق غيره، أي: المسمى لم يوجد هاهنا، فلا يستحق غير المسمى. فإن قلتَ: يُشكل على هذا أما إذا استأجر رجلاً بأجرة، وهي عين فيعمل الأجير وهلكت الأجرة قبل التسليم يجب على المستأجر أجر المثل، فينبغي أن يكون هاهنا كذلك؛ لأن المزارعة قد صحت، والأجر مسمى، وهلك الأجر قبل التسليم، وإنما قلنا: إن الأجر المسمى هاهنا بمنزلة الأجرة التي هي عين؛ لأنه لو أراد أن يعطيه الخارج من أرض آخر لا يجوز، وإن كان ذلك بمثل نصيبه فيما زرع. قلت: إنما يلحق الأجر المسمى هاهنا بالأجرة التي هي عين [الجندي] (١) / في حق وجوب الأجر أن لو كان هذا في الهلاك، و [هو] (٢) ليس كذلك؛ لأن الأجر العين هناك هلك قبل التسليم؛ [وهاهنا هلك بعد التسليم] (٣)؛ لأن المزارع قبض البذر الذي يتفرع منه الخارج، وقبض الأصل قبض لفرعه، فيصير كالقابض للأجر من هذا الوجه، والأجرة العين إذا هلكت بعد التسليم إلى الأجر لا يجب للأجر شيء آخر، وكذا هنا. كذا في «الجامع الصغير» للإمام المحبوبي (٤). وقال محمد: «له أجر مثله بالغًا ما بلغ»، إلى أن قال: «وقد مر في الإجارات» (٥). في هذا الذي ذكره من الحوالة نوع يعتبر؛ لأنه ذكر في باب الإجارة الفاسدة من (٦) كتاب (الإجارات) في مسألة ما إذا استأجر حمارًا ليحمل طعامًا بقفيز منه، فالإجارة فاسدة، ثم قال: ولا يجاوز بالأجر قفيز؛ لأنه لما فسدت الإجارة فالواجب الأقل مما سمي ومن أجر المثل، هذا (٧) الخلاف ما إذا اشتركا في الاحتطاب حيث يجب الأجر بالغًا ما بلغ عند محمد (٨)؛ لأن المسمى هناك غير معلوم، فلم يصح الخط لمجموع هذا الذي ذكره في الإجارة، فعلم أن عند محمد [لا يدفع] (٩) أجر المثل بالغًا ما بلغ في الإجارات الفاسدة، كما هو قولهما إلا في الشركة في الاحتطاب، ثم ذكر هاهنا، وقال محمد: له أجر مثله بالغًا ما بلغ، إلى أن قال: وقد مر في الإجارات (١٠)، وذلك يدل على أن مذهبيه في جميع الإجارات الفاسدة يبلغ الأجر (١١) بالغًا ما بلغ، وليس كذلك.

стр. 4358

ولا مثل لها أي: لمنافع الأرض، فيجب رد قيمتها؛ لأنه استوفاها بالعقد الفاسد فكانت له قيمة، كما في العقد الصحيح، فهو على الخلاف الذي ذكرنا (١) في أنه لا يزاد على ما شرط [له] (٢) من الخارج عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ويراد بالغًا ما بلغ عند محمد، ولو جمع بين الأرض والبقر، يعني: لو كان الأرض والبقر من واحد، والبذر والعمل من آخر فسدت المزارعة، [وهو] (٣) الوجه الرابع الذي من ذكره عند ذكر أوجه المزارعة، فعلى العامل أجر مثل الأرض والبقر. هو الصحيح، وهو احتراز عن قول بعض أصحابنا، فإنهم قالوا معنى قول محمد، فعلى العامل [أجر مثل] (٤) الأرض والبقر، أي: يغرم له أجر مثل الأرض مكروبة (٥)، فأما البقر لا يجوز أن يستحق بعقد المزارعة بحال، فلا ينعقد العقد عليه صحيحًا ولا فاسدًا، ووجوب أجر المثل لا يكون بدون انعقاد العقد، فالمنافع لا تتقوم إلا بالعقد، ولكن الأصح أن عقد المزارعة من جنس الإجارة، ومنافع البقر ما يجوز استحقاقها بعقد الإجارة؛ فينعقد عليها عقد المزارعة بصفة (٦) الفساد، ويجب أجر مثل (٧)، كما يجب أجر مثل الأرض. كذا في «المبسوط» (٨)، وإذا استحق رب الأرض الخارج لبذره، أي: لأجل أن البذر من جانبه في المزارعة الفاسدة بأن سَمَّيَا قفزانًا مسماة مثلاً، [أو نحو] (٩) ذلك مما تفسد به المزارعة طاب له جميعه، أي: جميع الخارج، ولا يتصدق بشيء من ذلك؛ لأنه نماء ملكه حصل من أرضه. بخلاف ما إذا كان البذر من قبل العامل، فإن فيه على العامل أجر مثل الأرض لرب الأرض، ويرفع عن الخارج قدر بذره، وما أنفق، وما غرم من أجر مثل الأرض لصاحب الأرض، ويتصدق بالفضل؛ لأنه فضل زرع خرج له من أرض غيره بإجارة فاسدة، وإن هلك الخارج في هذه الصورة أو لم تنبت الأرض شيئًا فللعامل أجر مثل عمله. كذا في «الذخيرة» (١٠). وذكر شيخ الإسلام خواهر زاده ﵀» (١١) - في الفرق بين الفصلين فقال: أوجب التصدق بالزيادة متى تمكن الحب في منفعة الأرض، ولم يوجب متى تمكن في عمل العامل؛ لأن العمل وهو التبذير والسقي لم يتصل بالزرع حقيقة؛ لأن التبذير كما وجد انقضى، والسقي إنما يكون بفتح الجدول، وذلك مضى وانقضى، فلم يتصل حقيقة وإن اتصل به حكمًا من حيث إنه لابد من العمل (١٢) لحصول الزرع، كما لابد من منفعة الأرض، واتصال الخبث في العقد الفاسد من وجه دون وجه لا يوجب التصدق، كما لو تصدق (١٣) في الدراهم الحاصلة بالعقد الفاسد، والخبث المتمكن بسبب الفساد في منفعة الأرض اتصل بالخارج حقيقة وحكمًا؛ لأن منفعة الأرض متصلة بالخارج من أول ما نبت إلى وقت الإدراك، وأوجب الصدقة كما لو تصرف/ في العين المشترى بشرى فاسد.

стр. 4359

(وإذا عقدت المزارعة فامتنع صاحب البذر من العمل لم يجبر عليه) إلى آخره. اعلم (١) أن هذه المسألة من بيان صفة المزارعة، وفي «الذخيرة» (٢). وأما بيان صفتها، فيقول: المزارعة لازمة من قبل من لا بذر من جهته حتى لا يملك الفسخ إلا بعذر، وغير لازمة من قبل من له البذر قبل إلقاء البذر في الأرض حتى يملك الفسخ من غير عذر، وبعدما ألقى البذر في الأرض يصير لازمة من الجانبين حتى لا يملك أحدهما الفسخ بعد ذلك إلا بقدر (٣)؛ لأن من كان البذر من قبل (٤) فهو مستأجر؛ إما للعامل أو منفعة الأرض؛ لأنه بازل [عين] (٥) مال فيكون مستأجرًا، والمستأجر يجبر على قبض المستأجر حتى يتأكد عليه البدل، وأما لا يجبر على الاستيفاء؛ لأن الاستيفاء خالص حقه لم يتعلق به حق آخر، فيكون بالخيار إن شاء استوفى، وإن شاء لم يستوف، ولهذا قلنا: إن من استأجر دارًا بدراهم ليسكنها كان مجبورًا على قبض الدار حتى يتأكد حق الأجرة في البدل، وإما لا يكون مجبورًا على استيفاء السكنى، بل بالخيار إن شاء سكن، وإن شاء لم يسكن. وكذلك إذا استأجر أرضًا ليزرعها بدراهم، قيل: إن المستأجر لا يكون مجبورًا على استيفاء ما ملكه بالإجارة، بل يخبر في ذلك إذا وقعت الإجارة بالدراهم والدنانير، فكذا إذا وقعت الإجارة ببعض ما يخرج منها لا يكون المستأجر مجبورًا على الزراعة، بل يكون مجبرًا، فالتجبير انتفى اللزوم؛ لأن اللزوم لو بقي إنما بقي لحق الأجر، وبقاء اللزوم في حق الأجر لا يفيد؛ لأنه متى بقي لازمًا، ولم يكن لصاحب البذر نقض المزارعة، وليس هو بمجبور على الزراعة لم يجب الأجر؛ لأن الأجر بعض ما يخرج منها فمتى لم يزرع لم يوجد الأجر، فعلم بهذا أن تبعية اللزوم لحق الأجر لا يفيد، فلذلك كانت غير لازمة في [حق] (٦) من كان البذر من قبله لهذا المعنى، فامتنع صاحب البذر من العمل لم يجبر عليه، أي: قبل إلقاء البذر، وأما بعد إلقائه فيجبر؛ لأن عقد المزارعة يكون لازمًا من الجانبين بعد إلقاء البذر على ما ذكرنا، لا يمكنه المضي في العقد إلا بضرر، وهو استهلاك البذر حالاً، فصار كما إذا استأجر أجيرًا ليهدم داره، أي: ثم امتنع المستأجر من المضي على ما عقد عليه، فإنه لا يجبر على المضي على موجب العقد؛ لأنه لا يلحقه بالوفاء بالعقد ضرر سوى ما التزمه بالعقد؛ لأنه التزم إقامة العمل وهو قادر على إقامة العمل، كما التزمه بالعقد، وموجب العقود اللازمة وجوب تسليم المعقود عليه، فأما في الفصل الأول وهو فيما إذا امتنع صاحب البذر عن العمل ففي التزام العقد إياه ضرر به فيما لم يتناوله العقد؛ لأن البذر ليس بمعقود عليه.

стр. 4360

وفي إلقائه في الأرض إتلافه. [كذا في «المبسوط»] (١)، ولو امتنع رب الأرض والبذر من قبله، وقد كرب المزارع الأرض، أي: يجوز له الامتناع لما ذكرنا أن صاحب البذر لو امتنع عن المضي على موجب العقد قبل إلقاء البذر لم يجبر على المضي على موجب العقد؛ لأنه يتضرر بالمضي على العقد من حيث إتلاف البذر بإلقائه في الأرض، ولا يعلم فيحصل الخارج أم لا؟ ثم إنه لا شيء للمزارع في عمل الكراب على صاحب البذر لما (٢) أن ما أتى به مجرد المنفعة، والمنفعة لا تتقوم إلا بالقسمة (٣) والعقد والمسمى بمعاملة (٤) المنفعة سيتأخر (٥) من الخارج فإذا لم يحصل الخارج فإن لم يزرع أصلاً لا يستوجب شيئًا آخر، ولأن المزارع عامل لنفسه؛ لأنه استأجر الأرض ليقيم [العمل] (٦) فيها لنفسه، والعامل لنفسه لا يستوجب الأجر على غيره، قال مشايخنا: وهذا الجواب في الحكم فأما [فيما] (٧) بينه وبين ربه يفتي بأن يعطى العامل أجر مثل عمله؛ لأنه إنما اشتغل بإقامة العمل ليزرع، فيحصل له نصيبه من الخارج، فإذا أخذ الأرض بعدما أقام هذه الأعمال من كراب الأرض، وحفر الأنهار كان هو غارًّا للعامل مُلحقًا للضرر به، والغرور والضرر مدفوع فيفتي بأن يطلب رضاه. كذا في باب العذر في المزارعة من مزارعة «المبسوط» (٨). و [أما] (٩) إذا مات أحد المتعاقدين بطلت المزارعة هذا الذي ذكره جواب القياس، وأما في جواب الاستحسان فيبقى عقد المزارعة إلى أن/ يستحصد الزرع. هكذا ذكر في «المبسوط» (١٠)، ولفظ ما ذكر في «الذخيرة» (١١) إذا دفع الرجل إلى رجل أرضًا مزارعة، والبذر من قبل المزارع فمات رب الأرض بعدما نبت الزرع قبل أن يستحصد. والقياس: أن تنقض المزارعة، ولورثة رب الأرض أن يأخذوا أراضيهم، وفي الاستحسان يبقى العقد إلى أن يستحصد الزرع، ثم قال: ومعنى قوله: يبقى العقد: يبقى عقد المزارعة، ولا يثبت إجارة مبتدأة حتى لا يجب الأجر على المزارع، وإنما بقينا عقد المزارعة نظرًا للمزارع؛ لأنها لو لم يبق، فورثة رب الأرض يقلعون الزرع فيتضرر به المزارع بإبطال حقه في الزرع، وهو غير متعد في هذه المزارعة.

стр. 4361

وقد مَرَّ الوجه في الإجارات، وهو قوله: لأنه لو بقي العقد يصير المنفعة المملوكة، أو الأجرة المملوكة لعين العاقد مستحقًّا بالعقد؛ لأنه ينتقل بالموت إلى الوارث، وذلك لا يجوز الاستحصاد [يوردون يقدر كسب] (١) لما نبينه. وهو قوله: لأن المنافع إنما تتقوم بالعقد إلى آخره، القادح: من قدحه الأمر: أثقله. وقوله: (لحق صاحب الأرض) صفة (دين) كقادح، فكان صفة بعد الصفة، فاحتاج إلى بيعه جاز أي: جاز فسخ المزارعة بسبب الدين القادح، يعني أن الدين القادح يصلح عذرًا في فسخ المزارعة. [وفي «المبسوط» (٢) فإن حبس في الدين ولا وفاء عنده إلا من ثمن الأرض يكون هذا عذرًا لصاحب الأرض في فسخ المزارعة] (٣) وبيع الأرض في الدين [لأن] (٤) في المضي على هذا العقد يلحقه ضرر في نفسه، وإذا كان الضرر الذي يلحقه في حال (٥) يدفع صفة اللزوم، والعذر (٦) الذي يلحقه في نفسه، وهو الحبس في الدين أولى، ألا ترى أن البيع قد يمتنع صحته في الابتداء لدفع الضرر، فإن من باع جذعًا في سقفه لا يمكنه تسليمه إلا بضرر لا يجوز البيع. وكذلك لو أجر ما يلحقه ضرر في تسليمه لا يلزم (٧) الإجارة. فكذلك هاهنا ينعدم صفة اللزوم بقدر (٨) الدين لدفع الضرر، ثم هل يحتاج في فسخ المزارعة إلى قضاء القاضي أو [إلى] (٩) الرضا، ذكر (١٠) في «الذخيرة» فيه اختلاف الروايات فقال (١١): لابد لصحة الفسخ من القضاء [أو الرضا] (١٢) على رواية الزيادات (١٣)؛ لأنها في معنى الإجارة (١٤)، وعلى رواية كتاب «المزارعة» و «الإجارات» و «الجامع الصغير» (١٥) لا يحتاج فيه إلى القضاء، ولا إلى الرضا. وبعض (١٦) مشايخنا المتأخرون أخذوا برواياته الزيادات، وبعضهم أخذوا برواية الأصل، ثم قال: وإن طلب من القاضي [البعض] (١٧) قبل البيع، فالقاضي لا يجيبه إلى ذلك، ولكن يبيع بنفسه، ويثبت الدين عند القاضي حتى يمضي القاضي البيع وينتقض العقد حكمًا، وليس للعامل أن يطالبه بما كرب الأرض، وحفر الأنهار بشيء؛ لأن المنافع إنما تتقوم بالعقد إلى آخره.

стр. 4362

وهذا الجواب بهذا التعليل إنما يصح أن لو كان البذر من قبل العامل، أما إذا كان البذر من قبل رب الأرض، فللعامل أجر مثل عمله، وذلك لأن البذر إذا كان من قبل العامل يكون مستأجرًا للأرض، فيكون العقد واردًا [على منفعة] (١) الأرض لا على عمل العامل [فيبقى عمل] (٢) العامل من غير عقد ولا شبهة عقد [قال] (٣) فلا يتقوم على رب الأرض، وأما إذا كان البذر من قبل رب الأرض حتى [لو] (٤) كان رب الأرض مستأجرًا للعامل، وكان العقد واردًا على منافع الأجير يتقوم منافعه، وعمله على رب الأرض، ويرجع على رب الأرض بأجر مثل عمله. كذا في «الذخيرة» (٥) محالاً (٦) إلى مزارعة شيخ الإسلام، ثم الفسخ بعد عقد المزارعة، وعمل العامل يتصور في صور ثلاث، ذكر في الكتاب الصورتين منها، وهما ما إذا فسخ بعدما كرب الأرض وحفر الأنهار، وما إذا فسخ بعد نبات الزرع قبل أن يستحصد، ولم يذكر [بعد] (٧) ما إذا فسخ بعدما زرع العامل الأرض إلا أنه لم يثبت بعد حتى لحق رب الأرض دين قادح، هل له أن يبيع الارض؟ ذكر في «الذخيرة» (٨) [أن] (٩) فيه اختلاف المشايخ. وكان الشيخ أبو بكر العتابي ﵀ (١٠) - يقول له ذلك؛ لأنه ليس لصاحب البذر [في الأرض عين] (١١) مال قائم؛ لأن التبذير استهلاك. ولهذا قالوا: إن لصاحب البذر فسخ المزارعة؛ لأنه يحتاج إلى استهلاك ماله من غير عوض يحصل له في الحال، وحصوله في الثاني غير معلوم، فكان/ هذا بمنزلة ما قبل التبذير. وكان الشيخ أبو إسحاق الحافظ- ﵀ (١٢) - يقول (١٣): [ليس له ذلك] (١٤) لأن التبذير استثمار، وليس باستهلاك ألا ترى أن الأب والوصي (١٥) [على يملكان] (١٦) زراعة أرض الصبي، وهما [لا يملكان] (١٧) استهلاك مال الصبي، وإذا كان كذلك كان للمزارع في الأرض عين (١٨) مال قديم (١٩).

стр. 4363

إذا انقضت مدة المزارعة [وإذا انقضت] (١) مدة الزراعة [عندنا إلا بعضًا] (٢) [قيد بالانقضاء] (٣) احترازًا عن [مسألة الموت في المدة] (٤) على ما يأتي، فإن الحكم فيها، بخلاف ما نحن فيه -كان على المزارع أجر مثل نصيبه من الأرض حتى لو كانت المزارعة بينهما بالنصف كان على العامل أجر مثل نصف الأرض، وكان العمل عليهما حتى يستحصد الزرع، وكذلك تكون النفقة هو (٥) مؤنة الحفظ والسقي وكرى الأنهار عليهما [أيضًا] (٦). وقوله: (معناه)، أي: معنى قوله: والنفقة على الزرع عليهما؛ لأن في تبعية (٧) الزرع بأجر المثل تعديل النظر من الجانبين، يعني: لم يقل للعامل تقلع الزرع نظرًا له حتى أنه لو اختار قلع الزرع كان له ذلك؛ لأنه ترك النظر لنفسه على ما يجيء؛ لأن العقد قد انتهى بانتهاء المدة، فيكون العمل [به] (٨) عليهما، فإن العمل قبل انتهاء المدة كان على العامل حاصرة (٩)، والعمل بعد الانتهاء يكون باعتبار الشركة في الزرع، وهما شريكان في الزرع، فالعمل والمؤنة عليهما كنفقة العبد المشترك بينهما إذا كان عاجزًا عن الكسب، وعلى العامل أجر مثل نصف الأرض؛ لأن المزارعة لما انتهت لم يبق للعامل حق في منفعة الأرض، وهو يستوفي منفعة الأرض بالتربية (١٠) نصيبه (١١) من الزرع فيها إلى وقت الإدراك، فلا يسلم له ذلك مجانًا. (وهذا بخلاف ما إذا مات) قيد بالموت؛ لأنه أراد أن يورد مسألة على خلاف المسألة الأولى في وقت الانفساخ، بأن ينفسخ عقد المزارعة قبل وقته، وهو في الموت؛ لأن انفساخ العقد قبل مدة المزارعة لا يكون إلا في صورة الموت، ثم مسألة الموت مخالفة لمسألة انقضاء المدة في الأحكام الثلاثة، وهي وجوب أجر الأرض والاشتراك في النفقة والاشتراك في العمل حيث لم يجب أجر مثل نصيبه من الأرض على العامل؛ لأن العقد في صورة الموت بقي بينهما ببقاء المدة، ومنفعة الأرض كانت مستحقة له في المدة، فإذا لم يعمل سبب النقض بقي العقد كما كان، فلا يلزمه أجر آخر. كذا في «المبسوط»» (١٢)، وقد ذكرنا عدم وجوب الأجر في صورة الموت من رواية «الذخيرة» أيضًا (١٣).

стр. 4364

وكذلك المنفعة والعمل على العامل خاصة في صورة الموت لا على وجه الاشتراك لما ذكر في الكتاب. (فإن أنفق أحدهما) أي: فيما إذا انقضت مدة الزراعة فهو متطوع في النفقة؛ لأنه أنفق على ملك الغير بغير أمره وبغير أمر من يلي عنه. فإن قيل: هو مضطر في هذا الإنفاق لأنه يجبر بحق نفسه فلا يوصف بالتبرع. قلنا: هو غير مضطر في ذلك؛ لأنه يمكنه الإنفاق بأمر القاضي. ولأنه غير مجبر على الإنفاق فكان متطوعًا، كالدار المشتركة بينهما إذا اشترى (١) فأنفق أحدهما في مَرَمَّتِهَا بغير أمر صاحبه كان متطوعًا في ذلك. كذا في «المبسوط» (٢) و «الذخيرة» (٣). ولو أراد رب الأرض أن يأخذ الزرع بقلاً، أي بعد انقضاء المدة لم يكن له ذلك لما فيه من الإضرار بالمزارع. فإن قلت: كما أن في هذا إضرارًا بالمزارع، وفي قلع المزارع الزرع بقلاً إضرار برب الأرض أيضًا حيث يفوت به نصيبه من الخارج، ومع ذلك [جاز له] (٤) قلعه حيث ذكر في «المبسوط»: وإن أراد العامل أن يأخذه بقلاً فله ذلك (٥). قلت: إنما اختلف حكم قلعيهما (٦) لاختلاف المعنى، وهو أن المزارع لو لم يقلع الزرع لسلم لرب الأرض أجر مثل نصف الأرض، ثم هو مع ذلك كان في المطالبة بالقلع متعنتًا قاصدًا إلى الإضرار بالمزارع، فيرد عليه قصده، وأما المزارع فهو أن الزرع إنما كان يترك لدفع الضرر عنه، وقد رضي بالتزام الضرر. ولأنه نظر لنفسه في هذا من وجه فإنه يمتنع (٧) من التزام أجر مثل نصف الأرض مخافة أن لا يفي نصيبه منه بذلك الأجر، فله ذلك. إلى هذا أشار في «المبسوط» (٨): لم يجبروا على العمل لما بينا، وهو قوله: لأن إيفاء العقد بعد وجود المنهي ينظر له إلى آخره. والمالك على الخيارات/ الثلاثة، لكن في هذه الصورة لو رجع المالك بالنفقة يرجع بكلها إذ العمل على العامل مستحق لبقاء العقد على ما [بينا] (٩) هنا، وهو قوله: لأن المزارع لما امتنع، إلى آخره. الحصاد (١٠): بفتح الحاء وكسرها لغتان، وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١١).

стр. 4365

وأما الرفاع فقد ذكر في «المغرب» هو أن يرفع الزرع إلى البيدر (١) (٢). والكسر لغة: الدياسة في الطعام أن توطئ بقوائم الدواب، وتكرر عليه المدوس يعني الجرجر حتى يصير تبنًا (٣). والدياس (٤): صقل السيف، واستعمال الفقهاء إياه في موضع الدياسة جائز؛ قال الأزهري (٥) (٦): دياس الكدس وداوشه واحد، فإن شرطاه في المزارعة على العامل فسدت، وكذلك لو شرطاه على رب الأرض في هذا النوع أنه إذا شرط في المزارعة على المزارع أو على رب الأرض ما ليس من أعمال المزارعة تفسد به المزارعة [لأنه شرط فيها مالاً يقتضيه المزارعة، وفيه منفعة لأحدهما، ومثل هذا الشرط يوجب فساد المزارعة؛ لأن المزارعة] (٧) تنعقد إجارة، والإجارة تفسد بمثل هذا الشرط، فكذا المزارعة، وإذا شرط فيها ما كان من أعمال المزارعة لا تفسد المزارعة؛ لأنه شرط تقتضيه المزارعة، وشرط ما يقتضيه [في] (٨) العقد يوجب تأكيد العقد لا فساده. والفاصل بين عمل المزارعة وغير عمل المزارعة: أن كل عمل ينبت وينمي ويزيد في الخارج فهو من عمل المزارعة، وكل عمل لا ينبت ولا ينمي في الخارج فهو ليس من أعمال المزارعة، وإذا شرط على المزارع أو على رب الأرض الحصاد والدياس والتذرية ورفعه إلى التبذر (٩) فسدت المزارعة. هكذا ذكر في ظاهر الرواية. وروى أصحاب «الأمالي (١٠)» عن أبي يوسف أن المزارعة مع شرط الحصاد والدياس والتذرية على المزارع جائزة (١١).

стр. 4366

وقال الفقيه أبو بكر البلخي: كان محمد بن سلمة وغيره من مشايخ بلخ يذهبون (١) بجواز المزارعة مع هذا الشرط، ويزيدون على هذا ويقولون: يجوز بشرط التنقية والحمل إلى منزل رب الأرض؛ لأن المزارعة بهذه الشرائط متعامل فيما بين الناس. كذا في «الذخيرة» (٢). وما كان [بعد الإدراك؛ كالحدار هو بالدال المهملة: القطع من حد النخل: صرمه، أي: قطع ثمر حدار وما كان بعد] (٣) القسمة من العمل، كالحمل إلى البيت والطحن يكون على كل [حال واحد] (٤) [فيأخذ] (٥) منهما في نصيبه خاصة؛ لأن القسمة تميز [ملك] (٦) أحدهما عن ملك الآخر، فيكون التذبر في ملك كل واحد منهما إليه. كذا في «المبسوط» (٧). (لأنه مال مشترك) سماه مشتركًا بعد القسمة باعتبار ما كان. [والله أعلم] (٨). * * * كتاب المساقاة تعريف المساقاة كان من حق المساقاة أن تقدم على كتاب المزارعة لكثرة قائليها بالجواز، ولورود الأحاديث في معاملة النبي ﵇ بأهل خيبر (٩) إلا أن اعتراض موجبين صوب إيراد المزارعة قبل المساقاة أحدهما: شدة الاحتياج إلى عرفان أحكام المزارعة للعباد لكثرة وقوعها فيما بين أهل البلاد. والثاني: كثرة تفريع مسائل المزارعة بالنسبة إلى مسائل المساقاة. ثم معنى المساقاة لغة وشرعًا ما هو المذكور في الصحاح وغيره: أن المساقاة أن يستعمل رجلاً في نخيل أو كروم أو غيرهما بإصلاحها على أن يكون له سهم معلوم مما تغله (١٠). شروط المساقاة وشرائطها: هي الشرائط التي ذكرت للمزارعة مما يصلح شرطًا للمساقاة. وذكر في «فتاوى قاضي خان»: وشرائطها أربعة: منها بيان نصيب العامل فإن بدا نصيب العامل وسكتا عن نصيب الدافع جاز استحسانًا، كما قلنا في المزارعة (١١). ومنها الشركة في الخارج، كما في المزارعة. ومنها التخلية بين الأشجار والعامل. ومنها بيان الوقت، فإن سكتا عن الوقت جاز استحسانًا [بينا] (١٢)، ويقع العقد على (١٣) أول ثمرة يكون في تلك السنة، فإن لم يخرج في تلك السنة ثمر تنتقض المعاملة.

стр. 4367

وفي «المبسوط»: اعلم أن المزارعة والمعاملة فاسدتان في قول أبي حنيفة وزفر رحمة الله عليهما (١). وفي قول أبي يوسف ومحمد وابن أبي ليلى ﵏: هما جائزتان. وفي قول الشافعي المعاملة في النخيل والكروم والأشجار صحيحة، فيسمون ذلك مساقاة، والمزارعة لا تصح إلا تبعًا للمعاملة، بأن يدفع إليه الكرم معاملة، وفيه أرض بيضاء فيأمره بأن يزرع الأرض بالنصف أيضًا (٢). وقوله: (وقال الشافعي المعاملة جائزة) إلى قوله:/ (والمنقول في وقف العقار من كلمات الشافعي ويقع على أول ثمر يخرج) (٣) أي: في هذه السنة. البذر من الحب: ما كان للبقل وإدراك البذر. وفي نسخة: وإدراك البذر [ولكن الأول أخص، وإدراك البذر] (٤) في أصول الرطبة في هذا بمنزلة إدراك الثمار، معناه: دفع أصول [الرطبة] (٥) الإدراك البذر بمنزلة دفع الأشجار لإدراك الثمار، يعني: لو دفع رطبة قد انتهى جزازها على أن يقوم عليها حتى يخرج بذرها على أن ما رزق الله من رزق فهو بينهما فهو جائز إذا كان البذر مما يرغب فيه غيره (٦)؛ لأنه يصير في معنى الثمر للشجر. وفي «المبسوط» (٧): ولو دفع إليه رطبة قد انتهى جزازها على أن يقوم عليها ويسقيها حتى يخرج بذرها على أن ما رزق الله تعالى في ذلك من بذر فهو بينهما نصفان، ولم يسميا وقتًا فهو جائز استحسانًا؛ لأن لإدراك البذر أوانًا معلومًا عند المزارعين، والبذر إنما يحصل بعمل العامل، واشتراط المناصفة فيه يكون صحيحًا، والرطبة لصاحبها. قوله: (بخلاف الزرع) أي: يشترط للمزارعة بيان المدة، أي: بيان مدة الابتداء والانتهاء، ولا يشترط في المعاملة بيان المدة فيما إذا كان لها نهاية معلومة، وأما إذا [لم يكن] (٨) لها نهاية معلومة فهما متساويتان في الفساد، على ما ذكر في الكتاب، ثم الذي ذكره من عدم اشتراط بيان المدة في المعاملة هو جواب الاستحسان. وأما جواب القياس فيشترط فيها أيضًا على ما ذكر في الكتاب. وفي «الذخيرة» (٩) فَرَّق محمدٌ بين المعاملة وبين المزارعة، فإن من دفع أرضه إلى غيره مزارعة، ولم يسم سنين معلومة لا تجوز المزارعة ولم يوقع المزارعة على زرع واحد في سنة واحدة، وفي المعاملة لو دفع نخلاً أو كرمًا له معاملة بالنصف ولم يسم سنين معلومة يجوز في الاستحسان، وتقع المعاملة على سنة واحدة يعني: على ثمرة واحدة تخرج في تلك السنة.

стр. 4368

والفرق: أن المدة في المعاملة معلومة عرفًا؛ لأن ابتداء العمل مما لا يتقدم ولا يتأخر في النخيل والكروم في الأماكن كلها، وإن تقدم أو تأخر كان يسيرًا لا عبرة له فيما بين الناس، وإذا كان ابتداء العمل هكذا، ولا يتقدم انتهاء العمل ولا يتأخر أيضًا فكانت المدة معلومة عرفًا، أما في باب المزارعة المدة غير معلومة عرفًا؛ لأن ابتداء العمل فيها مما يتقدم ويتأخر عرفًا تفاوتًا فاحشًا، فإن من الناس من يزرع في الخريف، ومنهم من يزرع في الربيع، وإذا كان ابتداء العمل مما يتقدم ويتأخر عرفًا كان الانتهاء كذلك، فكانت المدة مجهولة؛ فلا يجوز. (ولم يبلغ الثمر) أي: ولم يبلغ الغرس الإثمار معاملة حيث لا يجوز إلا ببيان المدة بأن يذكر سنين معلومة؛ لأنه لا يدري في كم يحمل الشجر والنخل والكرم الثمر؟ فالأشجار تتفاوت في ذلك بتفاوت مواضعها من الأرض بالقوة والضعف، وإن بينا مدة معلومة صار مقدار المعقود عليه من عمل العامل معلومًا فيجوز، وإن لم يبينا ذلك لا يجوز. وبخلاف ما إذا دفع نخلاً أو أصول رطبة على أن يقوم عليها، أي: حتى يذهب أصولها، وينقطع نباتها أي: حينئذ لا يجوز. أما إذا دفع النخيل أو أصول الرطبة على أن يقوم عليها معاملة مطلقًا فيجوز إذا كان للرطبة جزة معلومة فتقع المعاملة في النخيل على أول ثمرة تخرج، وفي الرطبة على أول جزة تجز. وأما إذا لم يكن للرطبة جزة معلومة فلا يجوز سواء قيد بذهاب أصولها، أو أطلق ولم يذكر شيئًا؛ لأن في كل منهما جهالة المدة في الرطبة بخلاف النخيل، فإنه لو قيد بقوله: دفعتكها معاملة إلى أن يذهب أصولها فلا يجوز، وإن أطلق عن ذلك فهو جائز فتقع المعاملة على أول ثمرة تخرج في تلك السنة. إلى هذا أشار أبو اليسر (١) (٢). وذكر في «المبسوط» في باب المعاملة (٣): ولو دفع إليه أصول رطبة على أن يقوم عليها ويسقيها حتى تذهب أصولها وينقطع نبتها على أن الخارج بينهما نصفان فهذا فاسد. وكذلك النخل والشجر؛ لأنه ليس لذلك نهاية معلومة في العادة، وجهالة المدة في المعاملة تفسد المعاملة.

стр. 4369

وفي «الإيضاح» (١) و «الذخيرة» (٢): ولو دفع إلى رجل أصول رطبة نابتة في الأرض/ معاملة ولم يسم سنة [ولا أكثر] (٣) من ذلك، فهذا على وجهين، فإن لم يكن لحرازها وقت معلوم فالمعاملة فاسدة، وإن كان لحرازها وقت معلوم فالعقد جائز فيقع على الجزة الأولى، وهذا لأن الرطبة مما يزداد طولاً بطول المدة، فمتى لم يكن وقت الحراز معلومًا كان مدة المعاملة مجهولة بخلاف الثمر؛ لأن لإدراكه وقتًا معلومًا إذا بلغ ذلك الوقت لا يزداد بعد ذلك، وإن طال الزمان، أما الرطبة بخلافها. ويشترط تسمية الجزء مشاعًا لما بينا في المزارعة، وهو قوله: (ولا تصح المزارعة)، إلى أن قال: (إلا أن يكون الخارج بينهما شائعًا تحقيقًا لمعنى الشركة)، إلى آخره. (لا تخرج الثمر فيها) أي: في تلك المدة، أنث الوقت بتأويل المدة، كما يؤنث الصوت بتأويل الصيحة في قوله: ما هذه الصوت؟ والأصل في النصوص أن تكون معلومة سيما على أصله، أي: خصوصًا على أصل الشافعي، فإنه يرى تعليل الأصول أكثر مما رآه أصحابنا، وذلك لوجهين: أحدهما: أن المذهب عنده هو أن النصوص كلها معلولة بكل وصف إلا أن لابد من قيام دليل التمييز بين وصف ووصف، على أن هذا الوصف هو مناط الحكم دون سائر الأوصاف. وعندنا أيضًا هو كذلك، لكن بزيادة شرط آخر فيها سوى هذا الشرط، فإن عندنا لابد من قيام دلالة التمييز، كما قال الشافعي، ولابد أيضًا قبل ذلك من قيام الدليل على أن هذا النص نفسه [بعينه] (٤) معلول بعلة ما، فيظهر أثر هذا الخلاف في مسألة الخمر: أن حرمة الخمر معلولة بعلة أم لا؟ فعنده معلولة بناء على أن الأصل في النصوص التعليل، وقد قام دليل التمييز وهو صفة المخامرة. وعندنا غير معلولة لانعدام الدليل على أن نص الخمر معلول، بل قد قام النص على أنه غير معلول بقوله ﵇: «حرمت الخمر لعينها» (٥).

стр. 4370

والثاني: أنه يجوز تعليل النصوص بنوعي العلة، وهما العلة المتعدية والقاصرة، فيظهر أثر [هذا] (١) الخلاف في الذهب والفضة في حديث الربا: أنه هل يصح أن تعلل بالثمنية أم لا؟ فعنده يصح، وإن كانت قاصرة. وعندنا لا يصح، فكان وجوه العلل عنده أكثر ضرورة، فكان هو أولى بأن يقال شيئًا على أصله لهذين الوجهين. (بخلاف المزارعة بالإضافة إلى صاحب البذر)، وإنما قيد بقوله: (بالإضافة إلى صاحب البذر)؛ لأنه لو امتنع الذي ليس من قبله البذر أجبره الحاكم على العمل. (على ما قدمنا) أراد به ما ذكره [في] (٢) المزارعة بقوله: (وإذا عقدت المزارعة فامتنع صاحب البذر من العمل لم يجبر عليه؛ لأنه لا يمكنه المضي في العقد إلا بضرر يلزمه). وحاصل الفرق بين المزارعة والمعاملة في هذه المسألة راجع إلى وجود الضرر وعدمه؛ ففي المزارعة قبل إلقاء البذر لما تضمن المضي على موجب العقد الضرر، وهو استهلاك البذر في الحال جاز لصاحب البذر أن يمتنع من المضي على موجب العقد، وإن كان بغير عذر سوى إلقاء البذر، لكون إلقاء البذر عذرًا. بخلاف المعاملة فإن مثل هذا الضرر لم يوجد هناك من الجانبين فلذلك وقعت المعاملة من حين وقعت لازمة من الجانبين، فإن صاحب النخل هنا بمنزلة صاحب البذر هناك، فإن النخل أصل لما يتفرع عليه من الثمر كالبذر (٣)، أصل (٤) لما يتفرع عليه من الخارج، ثم إن صاحب النخل هاهنا لا يحتاج في المضي على موجب العقد إلى إتلاف شيء؛ لأن النخل يبقى كما كان؛ فيلزم العقد من الجانبين. بخلاف صاحب البذر فإنه لو مضى على موجب العقد يحتاج إلى أن يلقي بذره في الأرض، وفيه إتلاف ملكه، فله أن لا يرضى به. إلى هذا أشار في «المبسوط» (٥). ثم عذر صاحب الكرم هو أن يلحقه دين قادح (٦) لا يمكنه الإيفاء إلا ببيع الكرم. وعذر العامل: هو أن يمرض. ولا يقال: ينبغي أن يؤمر في مرضه بأن يستأجر غلامًا ليقيم العمل. لأنا نقول: [إن] (٧) في ذلك إلحاق ضرر به لم يلتزمه بعقد المعاملة، وإذا كان في إيفاء (٨) العقد عليه ضرر فوق ما التزمه يصير ذلك عذرًا له في فسخ المعاملة. كذا في «المبسوط» (٩).

стр. 4371

فإن [مات] (١) رب الأرض والخارج بسر (٢)، فللعامل أن يقوم عليه. هذا جواب الاستحسان. وأما في جواب القياس فقد انتقضت المعاملة بينهما، وكان البسر بين ورثة صاحب الأرض وبين العامل نصفين/ فيما إذا كان العقد على المناصفة، وذلك لأن صاحب الأرض استأجر العامل ببعض الخارج والإجارة تنتقض بموت أحد المتعاقدين، ثم انتقاض العقد بموت أحدهما بمنزلة اتفاقهما على نقضه في حياتهما، ولو نقضاه والخارج [بسر] (٣) كان بينهما ونصفين. فكذا هنا، ولكنه استحسن فقال: للعامل أن يقوم عليه كما كان يقوم حتى يدرك الثمر، وإن كره ذلك الورثة؛ لأن في انتقاض العقد بموت رب الأرض إضرارًا بالعامل وإبطال المال كان مستحقًّا له بالعقد، وهو ترك الثمار في الأشجار إلى وقت الإدراك. وإن التزم العامل الضرر أي: بأن يقول: أنا آخذ نصف البسر، فله ذلك؛ لأن إيفاء (٤) العقد لدفع الضرر عنه، فإذا رضي بالتزام الضرر انتقض العقد بموت رب الأرض، إلا أنه لا يملك إلحاق الضرر بورثة رب الأرض، فيثبت الخيار للورثة بين الأشياء الثلاثة، على ما ذكر في الكتاب. وقد بينا نظيره في المزارعة، وهو قوله (٥): (وإن أراد المزارع أن يأخذه بقلاً قيل لصاحب الأرض: اقلع الزرع فيكون بينهما، أو أعطه قيمة نصيبه، أو أنفق أنت على الزرع وارجع بما تنفقه؛ لأن فيه النظر من الجانبين)، أي: من جانب رب الأرض وجانب ورثة العامل؛ لأن فيه تحصيل مقصودهم وتوفير حقهم عليه (٦) بترك نصيب مورثهم من الثمر في النخل إلى وقت الإدراك كما كان مستحقًّا له. وقوله: (وهذا خلافه في حق مالي) إلى قوله: (لا أن يكون وراثة في الخيار) هذا جواب الإشكال تقديري، وهو أن يقال: خيار الشرط لا يورث، فكيف يثبت الخيار لورثة العامل. وفي «المبسوط» (٧) ولو ماتا (٨) جميعًا كان الخيار في القيام عليه، أو في تركه إلى ورثة العامل؛ لأنهم يقومون مقام العامل، وقد كان له في حياته هذا الخيار بعد موت رب الأرض، فكذلك يكون لورثته بعد موته، وليس هذا من باب توريث الخيار، بل من باب خلافة الوارث المورث فيما هو حق مالي مستحق عليه، وهو ترك الثمار على النخل إلى وقت الإدراك؛ لأن الشجر لا يجوز استئجاره، أي: استئجار الشجر باطل، فإنه لو استأجره لا يجب أجر المثل [أيضًا.

стр. 4372

بخلاف استئجار الأرض، فإنه لو استأجر الأرض إلى مدة معلومة يجب المسمى، ولو استأجرها إلى وقت إدراك الزرع يجب أجر المثل] (١). وذكر في «المبسوط» (٢): ولو اشترى زرعًا في أرض، ثم استأجر الأرض إلى مدة معلومة جاز، ولو استأجرها إلى وقت الإدراك وجب أجر المثل، ولو اشترى ثمارًا على رءوس الأشجار، ثم استأجر الأشجار إلى وقت الإدراك لا يجب عليه أجر. وإذا ظهر هذا الفرق انبنى عليه الفرق الآخر؛ وهو أن هناك العمل عليهما بحسب ملكهما في الزرع؛ لأن رب الأرض لما استوجب الأجر على العامل لا يستوجب عليه العمل في نصيبه بعد انتهاء المدة، وهنا العمل على العامل في الكل؛ لأنه لا يستوجب رب النخل عليه أجرًا بعد انقضاء المدة، كما كان لا يستوجب عليه ذلك قبل انقضاء المدة؛ فيكون العمل كله على العامل إلى وقت الإدراك كما قبل انقضاء المدة. وفي المزارعة في هذا أي فيما إذا انقضت مدة المزارعة؛ لما بينا في الإجارات، وهو قوله (٣): «ولنا أن المنافع غير مقبوضة، وهي المعقود عليها، فصار العذر في الإجارة؛ كالعيب قبل القبض»، إلى آخره. وقد بينا وجوه العذر فيها كظهور النداء (٤) عن السفر، لمن استأجر الدابة للسفر، ومرض المؤاجر، واستئجار الخياط غلامًا ثم إفلاسه. السقف (٥): ورق جريد النخل الذي يسقف (٦) منه الزنبيل والمراوح؛ لاشتراط الشركة فيما كان حاصلاً قبل الشركة، وهو الأرض. وتعذر [رد] (٧) الغراس لاتصالها بالأرض، يعني: لو وقع الغراس وسلمها لم يكن تسليمًا [لشجر الغراس، بل يكون تسليمًا] (٨) لقطعة خشبية، وهو ما شرط ذلك، بل شرط تسليم الشجر بقوله، على أن يكون الأرض والشجر بين رب الأرض والغارس نصفين، فلما لم يكن تسليمها وهي ثابتة وجب قيمتها. وفي «المبسوط» (٩): ثم الغراس عين مال قائمة كانت للعامل، وقد تعذر ردها عليه للاتصال بالأرض [فيلزمه] (١٠) قيمتها مع أجر مثل عمله فيما عمل بمنزلة ما لو دفع إلى خياط طهارة على أن يبطنها ويحشوها ويخيطها جبة بنصف الجبة كان العقد فاسدًا، وكانت له قيمة البطانة والحشو، واجب (١١) مثل عمله فيما عمل.

стр. 4373

وكذلك لو لم يشترط له من/ الأرض شيئًا، ولكنه قال: على أن [لك] (١) عليَّ مائة درهم، أو شرط عليه كر حنطة، فالعقد فاسد. وفي تخريجها أي: وفي تخريج جواب هذه المسألة، وهو قوله: (ومن دفع أرضًا بيضاء) إلى قوله: (لم يجز ذلك طريق آخر)، أي دليل آخر في جواب هذه المسألة بأن هذا العقد لا يجوز سوى ما ذكرناه من الدليل، والذي ذكرناه من الطريق طريق قفيز الطحان، فكان سلوكًا لطريق الاستئجار ببعض ما يخرج من عمله، وهو أن يكون نصف البستان للعامل، فكان بمنزلة طحن الطحان للحنطة بقفيز الدقيق الذي حصل من طحن تلك الحنطة، وهو فاسد، وهذا الطريق هو الأصح، وأما الطريق الآخر الذي أحال على كفاية المنتهي (٢) في تخريج جواب هذه المسألة بأنه لا يجوز فهو طريق شرى رب الأرض نصف الغراس من العامل بمقابلة نصف الأرض، أو شراء جميع الغراس بمقابلة نصف الأرض ونصف الخارج، فكان عدم جواز هذا العقد هناك لجهالة الغراس نصفها أو جميعها؛ لأن (٣) اعتبار معنى الاستئجار الذي هو في معنى قفيز الطحان. وذكر الإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي بيان هذا في باب الإجارة الفاسدة من إجارات المبسوط فقال: «ومن دفع أرضًا إلى رجل يغرس فيها شجرًا على أن يكون الأرض والشجر بين رب الأرض والغارس نصفين لم يجز ذلك؛ لأنه يكون مشتريًا نصف الغرس منه بنصف الأرض، والغراس مجهولة فلا يجوز ذلك، هكذا ذكره بعض مشايخنا (٤). وأما الحكم في «المختصر» فنقول (٥): تأويل المسألة عندي: أنه جعل نصف الأرض عوضًا عن جميع الغرس، ونصف الخارج عوضًا عن العمل، فعلى هذا الطريق نقول: اشترى العامل نصف الأرض بجميع الغراس وهي مجهولة، فكان العقد فاسدًا، فإن فعل فالشجر لرب الأرض؛ لأن العقد في الشجر كان فاسدًا، وقد زرعه [بأمره في أرضه] (٦)، وكان صاحب الأرض فعل ذلك بنفسه [فيصير] (٧) قابضًا للغرس باتصاله بأرضه مستهلكًا بالعلوق، فيجب عليه قيمة الشجر وأجر ما عمل؛ لأنه انتفى من عمله عوضًا، وهو نصف الخارج، ولم ينكر (٨) ذلك، فكان عليه أجر مثله، ثم قال بعده بخطوط قال ﵁: والأصح عندي أن يقال في تعليل هذه المسألة: إن صاحب الأرض استأجره ليجعل أرضه بستانًا بآلات [على] (٩) نفسه على أن يكون أجره بعض ما يحصل بعمله وهو نصف البستان، فهو كما لو استأجر صباغًا ليصبغ ثوبه بصبغ نفسه على أن يكون نصف المصبوغ للصباغ، وذلك فاسد؛ لأنه في معنى قفيز الطحان الذي نهى رسول الله ﵇ عنه، وهذا لأن الغراس آلة تجعل الأرض بها بستانًا كالصبغ للثوب، فإذا فسد العقد بقيت الآلة متصلة (١٠) بملك صاحب الأرض، وهي متقومة فيلزمه قيمتها، كما يجب على صاحب الثوب قيمة ما زاد الصبغ في ثوبه إلا أن الغراس أعيان يقوم بنفسها فلا يدخل أجر العمل في قيمتها، فيلزمه مع قيمة الأشجار أجر مثل عمله؛ لأنه ابتغى عن عمله عوضًا، ولم يسلم [له] (١١) فيستوجب أجر مثل (١٢)، ثم ذكر هذه المسألة في مزارعة «المبسوط»، فقال بعد ذكر صورة المسألة (١٣): «فجميع الثمر والغرس لرب الأرض وللغارس قيمة غرسه وأجر مثله فيما عمل»، ثم قال (١٤): وقد بينا في المسألة طريقين لمشايخنا في كتاب (الإجارات): أحدهما أنه اشترى منه نصف الغرس بنصف الأرض. والآخر: أنه اشترى منه جميع الغرس بنصف الأرض، والأصح أنه استأجر ليجعل أرضه بستانًا بآلات نفسه على أن يكون أجره نصف البستان الذي يظهر بعمله وآلاته، وذلك في معنى قفيز الطحان فيكون فاسدًا.

стр. 4374

قلت: فعل هذا قوله في الكتاب: وفي تخريجها طريق آخر هو] (١) فإن فيه طريقين لكن معنى الشرى يشملهما، وكان منه حيث الشرى طريقًا واحدًا، والذي اختاره من حيث الإجارة، وهو طريق آخر، وهذا أصحهما، أي: والذي ذكرناه في الكتاب أصح الطريقين، وهو طريق الإجارة، فوجه الأصح هو ما ذكرناه من إجارات «المبسوط» بقوله: وهذا لأن الغراس آلة، إلى آخره، والله أعلم [بالصواب] (٢). * * * كتاب الذبائح (٣) أورد الذبائح بعد المزارعة لمناسبة خاصة بينهما، وهي أن الذبح يحصل للمقصود، وهو الانتفاع باللحم في المال مع إتلاف الموجود في الحال، وهو إزهاق روح الحيوان كالزراعة/ في القيعان والصيحان [الصيحان (٤): المكان المستوي] (٥) هي تحصيل للمقصود (٦) وهو الانتفاع [في الخارج] (٧) في المال مع إتلاف الموجود في الحال، وهو تبذير حنطة موجودة لمنافع هي في الحال مفقودة. ثم المحاسن في الذبائح هي أنه لو لم يكن فيها إلا رد قول الثنوية (٨) من المانوية (٩) والديصانية (١٠) والمرقيونية (١١) الضلال وأقل التطول (١٢) لوجب على الموحد تلقيها بالقبول، فإنهم لا يرون إباحة ذبح الحيوان وقتله لما فيه من إذهاب الروح الذي هو من أجزاء النور.

стр. 4375

قلنا: إن الحيات والعقارب وجميع ذوات السموم جميع فسادها وشرها في العالم من قِبَل أرواحها دون أجسادها؛ إذ هي بعد زوال أرواحها عنها تندفع مضرتها، وتنقطع مادة شرها ومضرتها، فعلم بهذا أن هذه الدعوى مطلقًا غير صحيحة. ثم يقال لهم: إن الجنس الذي جعل غذاء للبشر من جملة الحيوانات هو الغنم، ومن المعلوم أن هذا الجنس لو خلا عن قيام الآدمي بدواع أسباب الهلاك عنه، وإيصال ما فيه منفعته لتلف الكل لتسلط الذباب وأنواع السباع عليها، وليس معه آلة الدفاع والنجاة من القوائم والجناح فتمزقه السباع في أدنى (١) مدة، وكذا من طبع هذا الجنس، وهو الغنم أن راعيها لو بعد عنها في المفاوز لبقيت رافعة رءوسها إلى السماء متخوفة عن كل صوت، نافرة عن كل ذكر لا تتناول علفًا ولا ترد ماء، إلى أن تتلف جوعًا وعطشًا، وإذا كان الأمر كذلك فلو لم يبح للآدمي الانتفاع بها وتناول لحومها لما قام بالدفع عنها، والحفظ لها فيتلف الكل، وينقطع الجنس، فكان في إباحة التناول إبقاء الجنس، وفي الحظر إهلاكه، فلو لم يبح إتلاف البعض لغذاء من يقوم عليها يصير ذلك طريقًا إلى فناء الكل، فحينئذ كان ما قالوه عائدًا على موضوعه بالنقص، ولأن فيه تحقيق منة الله تعالى بأنه خلق ما في العالم لمنفعة الممتحنين، وتيسير ما أعد الله لمصالح المكلفين حيث قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٢)، وأما ما تشبثوا به من فتح (٣) إيلام الحيوان، فذلك قول مردود؛ فإن العقلاء لما اتفقوا على حسن إيلام حجامة [المريض] (٤)، وحسن تنقي (٥) الأدوية الكريهة لرجاء شفاء البعض (٦) على طريق غلبة الظن مع أن هذا إيلام وجرح في نفس المكلفين المقصودين بخلق العالم والشفاء غير متيقن به، فلأن يحسن إيلام حيوان غير مكلف، وحصول الانتفاع، وبقاء المهج بالتغذي بلحمه متيقن به أولى وأحرى. شروط الذبائح وباقي ما يتعلق بالذبائح من المحاسن يُذكر في الأضحية إن شاء الله تعالى، وذكر شروط الذبح وكيفيته في الكتاب. قوله: (الذكاة شرط حل الذبيحة)، أي: الذبح شرط حل أكل ما يؤكل لحمه من الحيوان، وأصل تركيب التذكية يدل على التمام، ومنه ذكاء السن بالمد لنهاية الشباب، وذكاء النار بالصغير (٧) لتمام اشتغالها (٨)، وقد ذكرنا أن قول محمد بن الحنفية (٩) ذكاة الأرض: يبسها (١٠)، أي: إنها إذا يبست (١١) من رطوبة النجاسة طهرت وطابت، كما بالذكاة تطهر الذبيحة وتطيب، كذا في «الصحاح» (١٢) و «المغرب» (١٣).

стр. 4376

ثم اعلم أن هذا الشرط الذي هو الذكاة هو شرط حل التناول فيما يحل تناوله من الحيوانات سوى السمك والجراد ثابت بالنص. ثم اختلفوا فيه أنه معقول المعنى أم لا. وذكر في «المبسوط» فزعم بعض العراقيين من مشايخنا أن التذكية محظورة بالعقل لما فيها من إيلام الحيوان (١). وهذا عندي باطل، وقد كان رسول الله ﵇ يتناول من اللحم قبل مبعثه، ولا يظن به أنه يتناول ذبائح المشركين؛ لأنهم كانوا يذبحون باسم الأصنام فعرفنا أنه كان يذبح ويصطاد بنفسه، وما كان يفعل ما كان محظورًا عقلاً؛ كالظلم والكذب والسفه، فإنه لا يجوز أن يظن به أنه فعل ذلك قط. ثم في الذبح والاصطياد تحصيل منفعة الغداء لمن هو المقصود من الحيوانات، وهو الآدمي؛ فيكون ذلك مباحًا، وإليه أشار الله تعالى بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٢)، والإيلام لهذا المقصود، فلا يكون محظورًا عقلاً؛ كالفصد والحجامة وشرب الأدوية الكريهة في وقتها. قوله: (فإنها تنبئ عنها)، أي: إن الذكاة تنبئ عن الطهارة. واللبة (٣): المنحر من الصدر. (أو دعوى) كالكتابي، أي: يدعي أنه صاحب ملة (٤) التوحيد. ثم إنما تحل ذبيحة الكتابي فيما إذا لم يذكر وقت الذبح عُزَيْرًا، أو اسم المسيح. وأما إذا ذكر ذلك فلا يحل، كما لا يحل ذبيحة المسلم إذا ذكر وقت الذبح غير اسم الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (٥) /. فحال الكتابي في ذلك لا يكون أعلى من حال المسلم، إلى هذا أشار في «المبسوط» (٦). وذبيحة المسلم والكتابي حلال لما يكونا، وهو قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٧)، وهو عام يتناول المسلم والكتابي، والأولى في التمسك في حل ذبيحة الكتابي [ما تمسك به] (٨) في «المبسوط» (٩) بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١٠)، والمراد: الذبائح، إذ لو حمل على ما سواها من الأطعمة لم يكن لتخصيص أهل الكتاب بالذكر معنى.

стр. 4377

وإنما قلنا ذلك أولى؛ لأن عموم قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (١) كما يتناول المسلم والكتابي، فكذلك يتناول الوثني والمرتد والمجوسي؛ فلا تحل ذبيحتهم بالاتفاق. ويحل إذا كان يعقل التسمية. قيل: معناه: أن يعلم أن حل الذبيحة بالتسمية. (والذبيحة)، وفي نسخة (والذبحة) أي: أن يقدر على الذبح. (ويضبط) أي: يضبط ويعلم شرائط الذبح من فَرْي الأوداج والحلقوم. وصحة القصد بما ذكرنا أراد به قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ﴾ (٢) إذا كان يعقل التسمية والذبيحة ويضبط. فإن قلت: فعلى هذا كيف يصح قوله: أو مجنونًا إذ لا قصد له؛ لأن القصد إنما يكون بالعقل. قلت: جاز أن يريد بالمجنون المعتوه، كما ذكر في (الحجر) هكذا، فقال: (ومن باع من هؤلاء) إشارة إلى الثلاثة الذين منهم المجنون، وهو يعقل البيع ويقصده (٣)، ثم قال بعده: والمجنون قد يعقل البيع ويقصده، إلى أن قال: وهو المعتوه (٤) الذي يصلح وكيلاً عن غيره. والأقلف والمجنون سواء، أي: في حال ذبيحتهما، وإنما ذكر الأقلف احترازًا عن قول ابن عباس ﵁ فإنه كان يقول: «شهادة الأقلف وذبيحته لا تجوز» (٥)، لما ذكرنا أراد به ما ذكره من العمومات من قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٦). وقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٧) [ينتظم] (٨) الكتابي الذمي بدون حرف العطف على طريق الصفة والموصوف. (والمرتد) بالجر أي: لا تؤكل ذبيحة المرتد؛ لأنه إذا ارتد إلى غير دين أهل الكتاب فلا إشكال فيه؛ لأنه [كالكافر] (٩) الأصل فيما [هو] (١٠) يعتقده، وإن أريد إلى دين أهل الكتاب فلأنه غير مُقَرٍّ على ما اعتقده، وقد ترك ما كان عليه فلا علة له، والنكاح وحل الذبيحة ينبني على الملة. كذا في «المبسوط» (١١).

стр. 4378

(بخلاف الكتابي إذا تحول إلى غير دينه)، أي: تؤكل ذبيحته، هذا إذا تحول الكتابي إلى دين هو من دين أهل الكتاب، كما إذا تهود النصراني أو تنصر اليهودي، وكذا لو تهود مجوسي أو تنصر تؤكل ذبيحته وصيده؛ لأنه [لا] (١) يقر على ما اعتقد عندنا؛ لأنه صار بحيث يدعي التوحيد، فلا يجوز إجباره على العود إلى دعوى الاثنين، وإذا كان مقرًّا على ما اعتقده التحق بما كان عليه في الأصل، أما لو تمجس يهودي أو نصراني لم يحل صيده ولا ذبيحته، بمنزلة ما لو كان مجوسيًّا في الأصل. كذا في «المبسوط»» (٢). حكم التسمية عند الذبح وإن تركها ناسيًا أكل، وكذا في الرمي وإرسال آلة الصيد. وفي «المبسوط» (٣): ثم التسمية في الذبح يشترط عند القطع وفي الاصطياد (٤) عند الإرسال والرمي؛ لأن التكليف بحسب الوسع. ولنا الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (٥)، ومطلق النهي يقتضي التحريم، وأكد ذلك بحرف من الآية في موضع النهي للمبالغة، فيقتضي حرمته كل جزء منه على ما يذكر. فإن قلت: لو تمسك الشافعي بحديث عائشة [﵂] (٦) فإنها سألت رسول الله ﵇ فقالت: إن الأعراب يأتوننا بلحوم (٧)، فلا ندري أسموا عليها أو لم يسموا؟ فقال: «سموا أنتم وكلوا» (٨)، ولو كانت التسمية من شرائط الحل [لما أمرهم بالأكل عند وقوع الشك فيها، ولأن التسمية لو] (٩) كانت مأمورًا بها، وفي المأمورات لا فرق بين النسيان والعمد؛ كقطع الحلقوم والأوداج، وكالتكبير والقراءة في الصلاة، وإنما يقع الفرق في المزجورات (١٠)؛ كالأكل والشرب في الصوم؛ لأن موجب النهي الانتهاء، والناسي يكون منتهيًا اعتقادًا (١١)، [فأما موجب] (١٢) الأمر الائتمار، والتارك ناسيًا أو عامدًا لا يكون مؤتمرًا، ولأنه استصلاح للأكل، فكانت التسمية فيه ندبًا لا حتمًا كالطبخ والخبز، ثم فيما هو المقصود وهو الأكل التسمية (١٣) ندب، وليست بحتم، ففيما هو طريق إليه أولى.

стр. 4379

والدليل عليه: أنه تحل ذبائح اليهود والنصارى فلو كانت التسمية شرطًا لما حل ذبائحهم؛ لأنهم وإن ذكروا اسم الله تعالى، فإنما يريدون غير الله، وهو ما يعتقدونه معبودًا؛ لأن النصارى يقولون: المسيح ابن الله، ونحن نتبرأ من إلهٍ له ولدٌ. قلت: أما حديث عائشة ﵂، فدليلنا: لأنها/ سألت عن الأكل عند وقوع الشك في التسمية، فذلك دليل على أنه كان معروفًا عندهم أن التسمية من شرائط الحل، وإنما أمرها بالأكل بناء على الظاهر أن المسلم لا يدع التسمية عمدًا، كمن يشترى لحمًا في سوق المسلمين يباح له التناول بناء على الظاهر [أن المسلم لا يدع التسمية عمدًا، كمن اشترى لحمًا في سوق المسلمين يباح له التناول بناء على الظاهر] (١)، وإن كان يتوهم أنه ذبيحة مجوسي، وما ذكره من الفرق بين المأمور والمزجور غير معتبر؛ لأن الأكل في الصلاة مزجور، ثم سوى فيه النسيان [والعمد، والجماع في الإحرام كذلك، ولكن متى اقترن بحالة ما يذكره؛ كهيئة المحرمين والمصلين، ولا يعذر بالنسيان] (٢)، ومتى لم يقترن بحالة ما يذكره يعذر بالنسيان، كما في الصوم، وهاهنا لم يقترن بحالة ما يذكره، وقد يذبح الإنسان الطير، وقلبه مشغول بشغل آخر، فيترك التسمية ناسيًا، وعليه يحمل الحديث أنه ذابح على اسم الله تعالى إذا كان ناسيًا غير معرض بدليل أنه [ذكر] (٣) في بعض الروايات، وإن تعمد لم يحل، وهذا لأن الملة إنما أقيمت مقام التسمية بالحديث، والحديث ورد فيمن ذبح وترك التسمية ناسيًا، فيقوم الملة مقامها في الناسي، وليس العامد بمنزلته، فلا يثبت حكم النص استدلالاً به، وإنما قلنا: إنه ليس بمنزلته؛ لأن المسلم يذبح على اسم الله تعالى، فإنه شرط، وقد اعتقده فإذا نسي لم يوجد منه قصد الترك، فبقيت الحالة الأصلية معتبرة له حكمًا، فأما إذا تعمد الترك والإعراض والرد فلم يمكن إبقاؤها مع تحقيق ما يردها منه حقيقة، كالضيف إذا قدم إليه طعام حَلَّ أكلُه بغير إذن لدلالة الحال. ولو قيل له: لا تأكل؛ لا يحل له. وحجتنا في ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (٤)، ومطلق النهي يقتضي التحريم، وأكد ذلك بحرف (من) في موضع النهي للمبالغة، فيقتضي حرمة كل جزء منه.

стр. 4380

ألا ترى أن من حلف فقال: والله لا آكل من هذا الطعام، فإنه يحنث بأقل القليل، ولو قال: هذا الطعام لا يحنث حتى يأكل الجملة. والهاء في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (١) إن كان كناية عن الأكل والفسق أكل الحرام، وإن كان كتابة [لعله: كناية] عن المذبوح، فالمذبوح الذي يسمى فسقًا في الشرع يكون حرامًا كما قال الله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٢). وفي الآية بيان أن الحرمة لعدم ذكر اسم الله تعالى؛ لأن التحريم يوصف دليل على أن ذلك الوصف هو الموجب للحرمة، كالميتة والموقوذة، وبهذا يتبين فساد حمل الآية على الميتة وذبائح المشركين، فإن الحرمة هناك ليست لعدم ذكر اسم الله تعالى، حتى أنه وإن ذكر اسم الله تعالى لم يحل، وشيء من المعنى يشهد على أن التسمية من شرائط الحل هو أن ذبيحة الكتابي تحل، وذبيحة المجوسي لا تحل، وليس بينهما فرق يعقل معناه بالرأي سوى أن من يدعي التوحيد يصح منه تسمية الله تعالى على الخلوص فيه (٣) يتبين أن التسمية من شرائط الحل، وإنما أمرنا ببناء الحكم في حق أهل الكتاب على ما يظهرون دون ما يضمرون. ألا ترى أن تسمية [غير] (٤) الله تعالى على سبيل التعظيم موجبة للحرمة لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (٥) [تعالى] (٦) فلو اعتبرنا ما يضمرون لم تحل ذبيحتهم، ثم [إنما] (٧) أمرنا بالتسمية عند الذبح مخالفة للمشركين؛ لأنهم كانوا يسمون آلهتهم عند الذبح ومخالفتهم واجبة علينا، فالتسمية عند الذبح علينا واجبة أيضًا. بخلاف الطبخ والخبز، فإنهم ما كانوا يسمون عند ذلك، فالأمر بالتسمية عند ذلك ندب لذلك. هذا كله من «المبسوط» (٨) و «الأسرار» وللسمع غير مجري على ظاهره. وهذا جواب عن قول مالك حيث يحتج بظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٩)، ونقول: لا فصل (١٠) في النص فيجري (١١) على ظاهره في اشتراط التسمية.
следующие страницы →