← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وَمَشَايِخُ بلخ ﵏ أَخَذُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِمَا؛ وَهُوَ مُخْتَارُ الْفَقِيهِ أَبِي … اللَّيْثِ ﵀ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فَخْرُ الدِّينِ خَانَ ﵀ فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " (١). وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ يَقُولُ: الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا (٢) جَرَى عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَمَّا مَنْ (٣) تَعَمَّدَ ذَلِكَ؛ يَكُونُ زِنْدِيقاً (٤) أَوْ مَجْنُوناً، فَالْمَجْنُونُ يُدَاوَى؛ وَالزِّنْدِيقُ يُقْتَلُ (٥). [حكم قراءة القرآن بالفارسية] قَوْلُهُ ﵀: (فَمُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْعَرَبِيَّةِ). حَتَّى جَوَّزَ الافْتِتَاحَ (بِثَنَاءٍ عَرَبِيٍّ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ، بَعْدَ أَنْ كَانَ عَرَبِيّاً، (وَمَعَ أَبِي يُوسُفَ فِي الْفَارِسِيَّةِ) فَلَمْ يُجَوِّزْ الافْتِتَاحَ بِالْفَارِسِيَّةِ؛ لِأَنَّ لُغَةَ الْعَرَبِ لَهَا مِنَ الْمَزِيَّةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا، لِقَوْلِهِ ﷺ : «أَنَا عَرَبِيٌّ وَالْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ وَلِسَانُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ» (٦) ذَكَرَهُ ﷺ فِي مَعْرِضِ الْأَثْرَةِ وَتَفْصِيلُ (٧) لِسَانِ الْعَرَب ِ، عَلَى سَائِرِ الْأَلْسِنَةِ، كَذَا فِي "الفوائد الظهيرية".

стр. 597

وَقَالَا الْقُرْآنُ مُعْجِزٌ، وَالْإِعْجَازُ فِي النَّظْمِ، وَالْمَعْنَى فَإِذَا قُدِرَ عَلَيْهِمَا؛ لَا يَتَأَدَّى الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِمَا فَإِذَا عَجَزَ عَنِ النَّظْمِ؛ أَتَى بِمَا قُدِرَ عَلَيْهِ، كَمَنْ عَجَزَ عْنِ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ؛ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ وأبو حَنِيفَةَ ﵀ (١) اسْتَدَلَّ بِمَا رُوِيَ أَنَّ الفُرسَ كَتَبُوا إِلَى سَلَمَانَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمُ الْفَاتِحَةَ بِالْفَارِسِيَّةِ، فَكَتَبَ [بِالْفَارِسِيَّةِ] (٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (بنام يزدان بخشا وندي نجشا وندكر) (٣) فَكَانُوا يَقْرَؤُوا (٤) ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ؛ حَتَّى لَانَتْ أَلْسِنَتُهُمْ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَبَعْدَمَا كَتَبَ عَرَضَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ بَعَثَهُ إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ كَذَا فِي " الْمَبْسُوطِ " (٥).

стр. 598

[من لم يحسن العربية هل له أن يقرأ بأي لغة غيرها] وَيَجُوزُ بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ سِوَى الْفَارِسِيَّةِ؛ هُوَ الصَّحِيحُ، هَذَا احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ الْبَرَدْعِيِّ ﵀ (١)؛ فَإِنَّهُ قَالَ إِنَّمَا جَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ الْقِرَاءَةَ بِالْفَارِسِيَّةِ؛ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَلْسِنَةِ، لِقُرْبِ الْفَارِسِيَّةِ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ ﵀ وَالصَّحِيحُ النَّقْلُ إِلَى أَيِّ لُغَةٍ كَانَتْ، كَذَا فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ" لِلْإِمَامِ الْمَحْبُوبِيِّ وَالتُّمُرْتَاشِيِّ (٢) -رحمهما الله-. [الآذان بالفارسية] وَالْخِلَافُ فِي (٣) الاعْتِدَادِ؛ أَيْ: فِي أَنَّهُ هَلْ يَقَعُ مَحْسُوساً (٤) عَنْ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ أَمْ لَا؟ وَقَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْإِمَامِ (٥) التُّمُرْتَاشِيِّ: وَلَوْ لَمْ يُحْسِنِ الْعَرَبِيَّةَ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ، قَالَ أَبُو الْيُسْرِ وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ مَنْ قَرَأَ بِالْفَارِسِيَّةِ؛ لَا تَفْسَدُ صَلَاتُهُ (٦) إِنَّمَا الشَّأْنُ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ بِهَا وَكَذَا فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " لِقَاضِي خَانَ (٧) ﵀ وَهَذَا إِذَا قَرَأَ بِالْفَارِسِيَّةِ كُلَّ لَفْظٍ بِمَا هُوَ مَعْنَاهُ (٨)، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ (٩) شَيْئاً؛ أَمَّا إِذَا قَرَأَ عَلَى طَرِيقِ التَّفْسِيرِ، يَفْسَدُ بِالْإِجْمَاعِ كَذَا فِي " الْمَبْسُوطِ " (١٠) وَغَيْرِهِ.

стр. 599

قَوْلُهُ ﵀: (وَفِي الْأَذَانِ يُعْتَبَرُ التَّعَارَفُ) هَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا: تَقْدِيراً فَإِنَّ لَهُمَا أَنْ يَقُولَا: لَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِالْفَارِسِيَّةِ، كَمَا لَا يَجُوزُ الْأَذَانُ بِالْفَارِسِيَّةِ، فَقَالَ: عَدَمُ الْجَوَازِ فِي الْأَذَانِ؛ لِعَدَمِ التَّعَارُفِ فِيهِ بِالْفَارِسِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لِلْإِعْلَامِ، وَالْإِعْلَامُ؛ لَا يَقَعُ بِهَا، حَتَّى لَوْ وَقَعَ الْعُرْفُ فِيهِ بِالْفَارِسِيَّةِ يَجُوزُ أَيْضاً. وَذَكَرَ فِي " الْمَبْسُوطِ ": (وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَوْ أَذَّنَ بِالْفَارِسِيَّةِ وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَذَانٌ جَازَ وَإِنْ كَانُوا لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ الْإِعْلَامُ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ) (١). وَفِي "الأسرار" (٢) وَلَا يَلْزَمُ الْأَذَانُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَتَأَدَّى بِلُغَةٍ أُخْرَى لِأَنَّ الرُّكْنَ لَيْسَ عَمَلَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ/ لَوْ تَكَلَّمَ بِهِ، وأخفاه (٣) لَمْ يَجُزْ، وَالثَّنَاءُ حَاصِلٌ بِعَيْنِ (٤) الْكَلِمَةِ وَلَكِنَّ الْوَاجِبَ؛ إِعْلَامُ النَّاسِ لِحُضُورِ الصَّلَاةِ؛ وَهُوَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِكَلِمَاتٍ مَعْرُوفَةٍ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ يَا اللَّهُ (٥) فَتَمَحَّضَ ذِكْراً، فَيَجُوزُ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ، لَا يَصِحُّ لِأَنَّ مَعْنَاهُ يَا اللَّهُ (٦) أُمَنَّا؛ أَيْ: اقْصُدْنَا بِالْخَيْرِ؛ فَكَانَ مَشُوباً بِالدُّعَاءِ، لَا ثَنَاءً خَالِصاً (كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ) (٧).

стр. 600

[وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة] قَوْلُهُ ﵀: (وَيَعْتَمِدُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى) (١). فِي الدِّيوَانِ اعْتَمَدَهُ؛ أَيْ: قَصَدَ لَهُ الْبَاءَ زَائِدَةً هُنَا فِي الْمَفْعُولِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾﴾ (٢) أَيْ: وَيَقْصِدُ؛ وَضْعَ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀: يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ؛ بِأَنَّ فِي الاعْتِمَادِ أَرْبَعَ مَسَائِلَ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ هَلْ يَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ أَمْ لَا؟ وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ كَيْفَ يَضَعُ؟ وَالثَّالِثَةُ: أَنَّهُ أَيْنَ يَضَعُ؟ وَالرَّابِعَةُ: أَنَّهُ مَتَى يَضَعُ؟ أَمَّا الْأُولَى: فَعَلَى قَوْلِ عُلَمَائِنَا؛ السُّنَّة أَنْ يَعْتَمِدَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى. وَقَالَ مَالِكٌ (٣) بِأَنَّهُ يُرْسِلُ إِرْسَالاً، وَإِنْ شَاءَ اعْتَمَدَ، فَالْإِرْسَالُ عِنْدَ مَالِكٍ عَزِيمَةٌ وَالاعْتِمَادُ رُخْصَةٌ. وَفِي " الْمَبْسُوطِ ": (وأصْلُ الاعْتِمَادِ سُنَّةٌ، إِلَّا عَلَى قَوْلِ الْأَوْزَاعِيِّ (٤)؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: يِتَخْيِرِ الْمُصَلِّي بَيْنَ الاعْتِمَادِ وَالْإِرْسَالِ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا أُمِرُوا بِالاعْتِمَادِ؛ إِشْفَاقاً عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُطَوِّلُونَ الْقِيَامَ؛ فَكَانَ يَنْزِلُ الدَّمُ (٥) إِلَى رُؤُوسِ أَنَامِلِهِمْ، إِذَا أَرْسَلُوا فَقِيلَ لَهُمْ؛ لَوِ أعْتَمَدْتُمْ، لَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ، وَالْمَذْهَبُ (٦) عِنْدَ عُلَمَائِنَا؛ أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَاظَبَ عَلَيْهِ (٧) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «إِنَّا مَعَاشِرُ الْأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا بِأَنْ نَأْخُذَ شَمَائِلَنَا بِأَيْمَانِنَا فِي الصَّلَاةِ» (٨).

стр. 601

وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَضَعَ الْمُصَلِّي يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ؛ تَحْتَ السُّرَّةِ فِي الصَّلَاةِ (١). [صِفةُ وموضعُ وضعِ اليَدِ في الصَّلاةِ] وامَّا صِفَةُ الْوَضْعِ؛ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ؛ فَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ، لَفْظُ الْأَخْذِ وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (٢) لَفْظُ الْوَضْعِ، وَاسْتَحْسَنَ كَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِنَا، الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا، بِأَنْ يَضَعَ بَاطِنَ كَفِّهِ الْيُمْنَى، عَلَى ظَاهِرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى، وَيُحَلِّقُ بِالْخِنْصَرِ، وَالْإِبْهَامِ، عَلَى الرُّسْغِ؛ لِيَكُونَ عَامِلاً بِالْحَدِيثَيْنِ. وامَّا مَوْضِعُ الْوَضْعِ؛ وَهُوَ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ؛ فَالْأَفْضَلُ عِنْدَنَا؛ تَحْتَ السُّرَّةِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ؛ الْأَفْضَلُ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الصَّدْرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٣) قِيلَ الْمُرَادُ وَضْعُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ، عَلَى النَّحْرِ؛ وَهُوَ الصَّدْرُ؛ وَلِأَنَّهُ مَوْضِعُ نُورِ الْإِيمَانِ، فَحِفْظُهُ بِيَدِهِ (٤) فِي الصَّلَاةِ أَوْلَى، مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى الْعَوْرَةِ؛ بِالْوَضْعِ تَحْتِ السُّرَّةِ (٥) وَلَنَا حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ كَمَا رَوَيْنَا وَالسُّنَّةُ إِذَا أُطْلِقَتْ؛ تَنْصَرِفُ فِي الْأَغْلَبِ؛ إِلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ الْوَضْعُ تَحْتَ السُّرَّةِ؛ أَبْعَدُ عَنِ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ، واقْرَبُ إِلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ، فَكَانَ أَوْلَى. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَانْحَرْ﴾ نَحْرُ الْأُضْحِيَةِ، بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَلَئِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالنَّحْرِ الصَّدْرَ، فَمَعْنَاهُ ضَعْ بِالْقُرْبِ مِنَ النَّحْرِ، وَذَلِكَ تَحْتَ السُّرَّةِ، ثُمَّ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، الاعْتِمَادُ سُنَّةُ الْقِيَامِ، وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ سُنَّةُ الْقِرَاءَةِ (٦)، وَيَتَبَيَّنُ هَذَا فِي الْمُصَلَّى بَعْدَ التَّكْبِيرِ، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ، فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُرْسِلُ يَدَيْهِ فِي حَالَةِ الثَّنَاءِ؛ فَإِذَا أَخَذَ فِي الْقِرَاءَةِ اعْتَمَدَ، وَ (٧) فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا يَكُفُّ يَدَيْهِ بَعْدَ التَّكْبِيرِ يَعْتَمِدُ (٨) (٩).

стр. 602

قَوْلُهُ ﵀: (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الْإِمَامِ الزَّاهِدِ أَبِي حَفْصٍ الْفَضْلِيِّ، وَعَنْ قَوْلِ أَصْحَابِ الْفَضْلِيِّ، (فَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: السُّنَةُ فِي صَلَاةِ الْجَنَازَةِ، وَفِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، وَالْقَوْمَةُ الَّتِي بَيْنَ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ؛ الْإِرْسَالُ، وَقَالَ أَصْحَابُ الْفَضْلِيِّ، مِنْهُمُ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ النسفي، وَالْحَاكِمُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْكَاتِبُ (١)، وَالْإِمَامُ الزَّاهِدُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الخيرآخري ﵀ (٢) السُّنَةُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الاعْتِمَادُ، وَقَالُوا: مَذْهَبُ الرَّوَافِضِ (٣) الْإِرْسَالُ مِنْ أَوَّل الصَّلَاةِ، فَنَحْنُ نَعْتَمِدُ مُخَالَفَةً لَهُمْ. وَكَانَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحُلْوَانِيُّ ﵀ يَقُولُ: كُلُّ قِيَامٍ فِيهِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ؛ فَالسُّنَّةُ فِيهِ الاعْتِمَادُ كَمَا فِي حَالَةِ الثَّنَاءِ، وَالقُنُوت، وَصَلَاةِ الْجَنَازَةِ، وَكُلُّ قِيَامٍ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ؛ كَمَا فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ؛ فَالسُّنَّةُ فِيهِ الْإِرْسَالُ، وَبِهِ كَانَ يَفْتِي شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرْخَسِيُّ ﵀، وَالصَّدْرُ الْكَبِيرُ بُرْهَانُ الْأَئِمَّةِ، وَالصَّدْرُ الشَّهِيدُ حُسَامُ الْأَئِمَّةِ) ﵏ كَذَا فِي " الْمُحِيطِ " (٤).

стр. 603

وَذَكَرَ فِي "فتاوى قاضي خان": (وَكَمَا فَرَغَ مِنَ التَّكْبِيرِ، يَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى تَحْتَ السُّرَّةِ، وَكَذَلِكَ فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، وَتَكْبِيرَاتِ الْجَنَازَةِ، وَالْقُنُوتِ، وَيُرْسِلُ فِي الْقَوْمَةِ بَيْنَ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ) (١) وَفِي "التَّجْنِيسِ" الْمُصَلِّي إِذَا تَحَرَّمَ لِلصَّلَاةِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ لَا يُرْسِلْهُمَا، ثُمَّ يَضَعُ؛ بَلْ يَضَعُ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ إِرْسَالٍ؛ لِأَنَّ هَذَا قِيَامٌ فِيهِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ، (بِخِلَافِ مَا بَيْنَ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ؛ فَإِنَّ الْمُخْتَارَ فِيهِ هُوَ الْإِرْسَالُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ) (٢). [دُعاءُ الاستفتاح] قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ). سُبْحَانَ؛ عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ، لَا يُصْرَفُ وَلَا/ يَتَصَرَّفُ (٣)، وَإِنَّمَا يَكُونُ مَنْصُوباً عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ. وَقَوْلُهُ: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ) مَعْنَاهُ: سَبَّحْتُكَ بِجَمِيعِ آلَائِكَ، وَبِحَمْدِكَ سَبَّحْتُكَ. كَذَا فِي "المغرب" (٤). فَإِنْ قُلْتَ: لَوْ كَانَ سُبْحَان عَلَماً لِلتَّسْبِيحِ؛ لَمَا أُضِيفَ فِي قَوْلِهِمْ: سُبْحَانَكَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ إِذِ الْعَلَمُ لَا يُضَافُ؛ اللَّهُمَّ إِلَّا إنْ كَانَ مُؤَّلاً؛ بِوَاحِدٍ مِنَ الْجِنْسِ، قُلْتُ: قَدْ ذَكَرَ [الْجِنْدِيُّ] (٥) فِي الْإِقْلِيدِ (٦) أَنَّ سُبْحَانَ؛ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَماً إِذَا لَمْ يَجِئْ مُضَافاً؛ أَمَّا إِذَا أُضِيفَ فَلَا؛ لِأَنَّ الْعَلَمَ لَا يُضَافُ، وَاسْتِعْمَالُهُ مُفْرَداً غَيْرُ مُضَافٍ قَلِيلٌ. وَفِي "الْمَبْسُوطِ ": (جَاءَ عَنِ الضَّحَّاكِ (٧) فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (٨) أَنَّه قَوْلُ الْمُصَلِّي عِنْدَ الافْتِتَاحِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ (٩) وَرَوَى هَذَا الذِّكْرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ ﵃ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ (١٠) وَلَمْ يَذْكُرْ: وَجَلَّ ثَنَاؤُكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِي الْمَشَاهِيرِ) (١١).

стр. 604

قَوْلُهُ ﵀: (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ يَضُمُّ إِلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ (١) الخ) (٢). وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: (الخ) أَيْ: إِلَى آخِرِ مَا يَقُولُ الْمُصَلِّي، بَعْدَ الثَّنَاءِ فِي الْمَعْهُودِ عِنْدَهُ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ؛ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ، وَالْأَرْضَ؛ حَنِيفاً، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي، وَنُسُكِي، وَمَحْيَايَ، وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا [أَوَّلُ] (٣) مِنْ الْمُسْلِمِينَ» (٤) كَذَا فِي " الْمَبْسُوطَيْنِ (٥). وَقَالَ فِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ": وَلَا يُغَيِّرُ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ (٦) إِلَّا أَنَّهُ [إِذَا] (٧) انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٨) يَجِبُ أَنْ يُغَيِّرَ وَيَقُولُ: وأنا مِنْ [أَوَّلِ] (٩) الْمُسْلِمِينَ، (وَلَوْ قَالَ: «وأنا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ») (١٠) اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ؛ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: تَفْسَدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ كَذَبَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا تَفْسَدُ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ؛ قِرَاءَةَ مَا في الْقُرْآنِ، لَا الْإِنْبَاءُ عَنْ (١١) نَفْسِهِ، وأبو يُوسُفَ (١٢) يَقُولُ: الْأَخْبَارُ؛ وَرَدَتْ بِهِمَا، فَاجْمَعُ بَيْنَهُمَا؛ عَمَلًا بِالْأَخْبَارِ كُلِّهَا، وَجَعَلَ الْبِدَايَةَ بِالتَّسْبِيحِ؛ أَوْلَى فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ؛ لِأَنَّ (١٣) الْقُرْآنَ وَرَدَ بِهِ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (١٤)، وَفِي رِوَايَةٍ: يَتَخَيَّرُ إِنْ شَاءَ إِلَى (١٥) قَبْلِ الثَّنَاءِ، وَإِنْ شَاءَ بَعْدَهُ، وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ التَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ، وَالْأَمْرُ فِيهِ وَاسِعٌ.

стр. 605

فَأَمَّا فِي الْفَرَائِضِ، فَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا اشْتَهَرَ فِيهِ الْأَثَرُ؛ كَذَا فِي " الْمَبْسُوطِ " (١)، قوله ﵀: (وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَأْتِي بِالتَّوَجُّهِ قَبْلَ التَّكْبِيرِ لَتَتَّصِلَ النِّيَّةُ بِهِ) (٢). التَّوَجُّهُ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ»، كفتن (٣) أَيْ لَا يَأْتِي بِقَوْلِهِ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ» بَعْدَ النِّيَّةِ قَبْلَ التَّكْبِيرِ لِتَتَّصِلَ النِّيَّةُ بِالتَّكْبِيرِ. قَوْلُهُ ﵀: (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ فَإِنَّهُ يَقُولُهَا قَبْلَ التَّكْبِيرِ، وَمِنْهُمُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ (٤)؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْعَزِيمَةِ، وَلِهَذَا لُقِّنَ الْعَوَامُّ مِنَ النَّاسِ هَذَا الذِّكْرَ؛ لِيَقُومَ مَقَامَ النِّيَّةِ، وَلِيَكُونَ عَمَلاً بِمَا رُوِيَ فِي الْأَخْبَارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ يَطُولَ مُكْثُهُ فِي الْمِحْرَابِ، قَائِماً مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَة، وَلَا يُصَلِّي [وَهُوَ] (٥) مَذْمُومٌ شَرْعاً؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَالِي أَرَاكُمْ سَامِدِينَ» (٦) كَذَا فِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ".

стр. 606

[التَّعَوَّذ قبل القراءة في الصَّلاة] قوله ﵀ (وَيَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ) الْكَلَامُ فِي التَّعَوُّذِ فِي فُصُولٍ: أَحَدُهَا فِي أَصْلِهِ؛ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَتَعَوَّذُ فِي الصَّلَاةِ (١) لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵃ وَكَانُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾» (٢) وَلَمْ يَقُلْ بِالتَّعَوُّذِ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِقَطْعِ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ، وَهُوَ قَدْ حَصَلَ بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ قَامَ بَيْنَ يَدَيِ رَبِّهِ؛ فَلَا يَكُونُ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، وَعُلَمَاؤُنَا احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٣) وَلَمْ يَفْصِلْ. وَقَدْ رَوَى عَلِيٌّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، كَبَّرَ، وَسَبَّحَ، وَتَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. وَالْحَاجَةُ إِلَى قَطْعِ الْوَسْوَسَةِ (٤) فِي الصَّلَاةِ قَائِمَةٌ، وَالثَّانِي فِي وَقْتِهِ، قَالَ عُلَمَاؤُنَا يَتَعَوَّذُ بَعْدَ الثَّنَاءِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَاب الظَّوَاهِرِ، مِنْهُمْ حَمْزَةُ الْمُقْرِئُ الزَّيَّاتُ (٥) (يَتَعَوَّذُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ (٦) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ ذُكِرَ بِحَرْفِ الْفَاءِ؛ وانَّهُ لِلتَّعْقِيبِ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْفَاءَ لِلْحَالِ؛ كَمَا يُقَالُ إِذَا دَخَلْتَ عَلَى السُّلْطَانِ؛ فَتَأَهَّبَ أَيْ: إِذَا أَرَدْتَ الدُّخُولَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ ها هُنَا؛ مَعْنَاهُ إِذَا أَرَدْتَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ، وَلِظَاهِرِ الْآيَةِ قَالَ عَطَاءٌ: الاسْتِعَاذَةُ تَجِبُ عِنْدَ كُلِّ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ (٧) فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ السَّلَفِ، فَقَدْ كَانُوا مُجْمِعِينَ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ (٨)، وَالثَّالِثُ فِي لَفْظِ التَّعَوُّذِ، فَاخْتِيَارُ أَبِي عَمْرُو (٩) وَعَاصِمٍ (١٠) وَابن كثير ﵏ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَزَادَ حَفْصٌ مِنْ طَرِيقِ هُبَيْرَةَ (١١) وأعوذ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ (١٢) مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَاخْتِيَارُ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ، أَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ (١٣) وَبِكُلِّ ذَلِكَ وَرَدَّ الْأَثَرَ) (١٤).

стр. 607

وَقَالَ/ شَيْخُ الْإِسْلَامِ (١) الْمُخْتَارُ فِي التَّعَوُّذِ؛ مَا قَالَ الْفَقِيهُ، أَبُو جَعْفَرَ الْهُنْدُوَانِيُّ (٢) بِهِ هُوَ أَنْ يَقُولَ أَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ؛ لِأَنَّهُ (٣) عَلَى مُوَافَقَةِ الْكِتَابِ. وَإِنْ شَاءَ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ؛ لِأَنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ؛ وَلِأَنَّهُ نَقَلَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى قَوْلِهِ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [وَ] (٤)؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: [إِنَّ اللَّهَ] (٥) هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ؛ ثَنَاءٌ، وَ (٦) بَعْدَ التَّعَوُّذِ مَحَلُّ الْقِرَاءَةِ؛ لَا مَحَلُّ (الثَّنَاءِ كَذَا فِي "الْمَبْسُوطَيْنِ " (٧). [حُكمُ البَسملة] ثُمَّ التَّعَوُّذُ تَبَعٌ لِلثَّنَاءِ؛ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ بَعْدَ الثَّنَاءِ؛ وانَّهُ مِنْ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ كَالْأَوَّلِ) (٨) وَتَبَعُ الشَّيْءِ مَا كَانَ بَعْدَهُ، فَيَجِبُ أَنْ يَأْتِيَ الْمُقْتَدِي بِهِ، وَعِنْدَهُمَا هُوَ تَبَعٌ لِلْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِافْتِتَاحِ الْقِرَاءَةِ؛ فَكَانَ (٩) كَالشَّرْطِ لَهَا، وَشَرْطُ الشَّيْءِ؛ مَا كَانَ تَابَعاً لِلْمَشْرُوطِ، وَإِنْ كَانَ سَابِقاً عَلَيْهِ كَالطَّهَارَةِ، وَإِذَا كَانَ تَبَعاً (١٠) لِلْقِرَاءَةِ عِنْدَهُمَا، وَلَا قِرَاءَةَ عَلَى (١١) الْمُقْتَدِي فَكَذَا لَا تَعَوُّذٌ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ (١٢) يَأْتِي بِهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلثَّنَاءِ، وَيَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَيَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ (١٣).

стр. 608

قَوْلُهُ ﵀: (هَكَذَا نُقِلَ فِي (١) الْمَشَاهِيرِ). هَذَا احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ مَالِكٍ ﵀ وَمَا احْتَجَّ بِهِ؛ فَإِنَّهُ يَقُولُ: (لَا يَأْتِي الْمُصَلِّي بِالتَّسْمِيَةِ لَا سِرّاً وَلَا جَهْراً) (٢) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْتَتِحُ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» (٣) وَلَنَا حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ (٤) وَكَانُوا يَفْتَتِحُونَ (٥) الْقِرَاءَةَ؛ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» (٦). [حُكمُ الجهر بالتسمية] وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهُ كَانَ يُخْفِي التَّسْمِيَةَ، وَهُوَ مَذْهَبُنَا، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵃ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: (يَجْهَرُ بِهَا الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وأبي هُرَيْرَةَ) (٧) ﵁ وَاسْتَدَلَّ (٨) بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْهَرُ بِالتَّسْمِيَةِ». وَلَمَّا صَلَّى مُعَاوِيَةُ ﵁ بِالْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَجْهَرْ بِالتَّسْمِيَةِ؛ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ، فَقَالُوا: أَسَرَقْتَ مِنَ الصَّلَاةِ؟ أَيْنَ التَّسْمِيَةُ؟ فَدَلَّ أَنَّ الْجَهْرَ بِهَا كَانَ مَعْرُوفاً (٩) عِنْدَهُمْ (١٠) وَلَنَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ ﵀ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَهُ يَجْهَرُ بِالتَّسْمِيَةِ فِي الصَّلَاةِ؛ فَقَالَ إِيَّاكَ وَالْحَدَثَ (١١) فِي الْإِسْلَامِ؛ فَإِنِّي صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بِالتَّسْمِيَةِ.

стр. 609

وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﵁، وامَّا الاسْتِدْلَالُ فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ مَذْكُورَةٌ عَلَى سَبِيلِ الثَّنَاءِ؛ دُونَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَسَبِيلُ الثَّنَاءِ؛ الْمُخَافَتَةُ عَلَى مَا نَذْكُرُ فِي مَسْأَلَةِ التَّأْمِينِ، وَالْجَوَابُ عَنْ أَخْبَارِهِمْ؛ أَنَّهَا كَانَتْ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَجْهَرُونَ بِالثَّنَاءِ، وَالْقِرَاءَةِ حَتَّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (١) تراحةجلسة اثبت، انظر: " ٤٩) أَوْ جَهْرٌ لِلتَّعْلِيمِ (كَمَا شُرِعَ الْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ لِلْإِعْلَامِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ جَهَرَ بِالثَّنَاءِ بَعْدَ التَّكْبِيرِ لِلتَّعْلِيمِ) (٢) وامَّا حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ؛ فَإِنَّهُ كَانَ صَحَابِيّاً مِثْلَهُمْ فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُمْ عَلَيْهِ حُجَّةً؛ وَلِأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا تَرْكَ قِرَاءَةِ التَّسْمِيَةِ، لَا الْجَهْرُ بِهَا؛ وَلِأَنَّهُمُ انْتَظَرُوا (٣) حَتَّى فَرَغَ، وَلَمْ يَأْمُرُوهُ بِالْإِعَادَةِ، وَعِنْدَكُمْ (تُعَادُ وَتَفْسَدُ الصَّلَاةُ) (٤) كَمَا لَوْ رَكَعَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، فَيَصِيرُ دَلِيلاً عَلَى أَنَّهُمْ رَأَوْا (٥) سُنَّةً، فَيَصِيرُ كَالتَّعَوُّذِ (٦) كَذَا فِي"الْمَبْسُوطِ " (٧) وَ"الأسرار" (٨). فَإِنْ قُلْتَ خَبَرُ الْإِخْفَاءِ بِالتَّسْمِيَةِ، مِمَّا يَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى؛ كَحَدِيثِ مَسِّ (٩) الذَّكَرِ، بَلِ الْبَلْوَى فِيهِ أَشَدُّ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ (١٠) لَا يَمَسُّ ذَكَرَهُ فِي عُمُومِ أَوْقَاتِ كَوْنِهِ مُتَطَهِّراً، عَادَةً، وَلَوْ مَسَّ؛ إِنَّمَا يَمَسُّ فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، وَهِيَ أَوْقَاتُ كَوْنِهِ مُنْتَقِضَ الطَّهَارَةِ، وَحُكْمُ هَذَا الْحَدِيثِ لَا يَتَنَاوَلُ تِلْكَ الْحَالَةَ، وامَّا الصَّلَاةُ؛ الَّتِي يَجْهَرُ فِيهَا الْقِرَاءَةُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِالْجَمَاعَةِ، فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، مِنْ غَيْرِ [تَخَلُّفٍ] (١١) فَلَوْ كَانَ هَذَا الْخَبَرُ ثَابِتاً؛ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ لَاشْتَهَرَ، وَلَوْ كَانَ ثَابِتاً مَشْهُوراً؛ لَمَا بَقِيَ الاخْتِلَافُ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَلَمَا بَقِيَ الاخْتِلَافُ فِيهِ مَعَ عُمُومِ الْبَلْوَى فِي حُكْمِهِ؛ كَانَ دَلِيلاً عَلَى زِيَافَةِ الْحَدِيثِ، كَمَا فِي خَبَرِ الزَّكَاةِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ؛ بِقَوْلِهِ ﷺ : «ابْتَغُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى خَيْراً كَيْلَا تَأْكُلُهَا الصَّدَقَةُ» (١٢) ثُمَّ بِقَبُولِكُمْ (١٣) خَبَرَ إِخْفَاءِ التَّسْمِيَةِ، وَقَعْتُمْ فِي الَّذِي أَبَيْتُمْ، قُلْتُ: قَدْ ذَكَرْنَا تَأْوِيلَ الْأَحَادِيثِ؛ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْجَهْرِ، وَيُوجِبُ الاخْتِلَافُ؛ بِأَنَّهُ كَانَ جَهْرُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ، قَبْلَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (١٤) ثُمَّ تَرَكُوا الْجَهْرَ بِهِ) (١٥) أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْهَرُونَ بِالثَّنَاءِ وَالْقِرَاءَةِ، … حَتَّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ (١٦) فَتَرَكُوا بَعْدَهُ (١٧) أَوْ لِلتَّعْلِيمِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَلَمْ يَكُنِ الاخْتِلَافُ حِينَئِذٍ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ (١٨) مُحْكَمٌ فِي الْبَابِ، غَيْرُ مُحْتَمِلٍ لِلتَّأْوِيلِ فَكَانَ هُوَ أَوْلَى بِالْأَخْذِ، وَذَكَرَ/ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ: (لَمْ يَعْمَلْ عُلَمَاؤُنَا بِخَبَرِ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ، وَخَبَرُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ، وَعِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنَ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرِ النَّقْلُ فِيهَا مَعَ حَاجَةِ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ إِلَى مَعْرِفَتِهِ) (١٩).

стр. 610

[هل البسملة آية من الفاتحة] وَفِي " الْمَبْسُوطِ ": (وَالْمَسْأَلَةُ فِي الْحَقِيقَةِ؛ تُبْتَنَى عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ؛ لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، وَلَا مِنْ أَوَائِلِ السُّوَرِ عِنْدَنَا؛ بَلْ آيَةٌ أُنْزِلَتْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرِ، لَا مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ؛ وَلِهَذَا كُتِبَتْ بِخَطٍّ عَلَى حِدَةٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ، حَتَّى قَالَ مُحَمَّدٌ يُكْرَهُ لِلْجُنُبِ، وَالْحَائِضِ؛ قِرَاءَةُ التَّسْمِيَةِ عَلَى وَجْهِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ التَّسْمِيَةُ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، قَوْلاً وَاحِداً، وَلَهُ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ (١) قَوْلَانِ) (٢). قَوْلُهُ ﵀: (ويُسِرُّهُمَا) (٣) أَسَرَّ الْحَدِيثَ أَخْفَاهُ، وامَّا يُسِرُّ بِهِمَا، بِزِيَادَةِ الْبَاءِ؛ فَسَهْوٌ كَذَا فِي المغرب (٤) قُلْنَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّعْلِيمِ، كَمَا شُرِعَ الْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ لِلْإِعْلَامِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ (٥) عُمَرَ ﵁ صَلَّى حِينَ أَتَاهُ وَفْدُ العراق، وَجَهَرَ بِالثَّنَاءِ؛ وَإِنَّمَا جَهَرَ لِلتَّعْلِيمِ، الْمُرَادُ بِالتَّعْلِيمِ؛ التَّعْلِيمُ لِلسَّامِعِينَ، عَلَى أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا، وَعَنْهُ أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا احْتِيَاطاً، وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ (٦) أَنَّهُ يَقْرَأُ قَبْلَ فَاتِحَةِ الْكِتَاب، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، قَالَ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنِا، وَرِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَوْلُ … أَبِي يُوسُفَ (٧) [أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ] (٨) أَحْوَطُ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي التَّسْمِيَةِ؛ أَنَّهَا هَلْ هِيَ مِنَ الْفَاتِحَةِ أَمْ لَا؟ وَعَلَيْهِ إِعَادَةُ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَانَ عَلَيْهِ إِعَادَةُ التَّسْمِيَةِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لِيَكُونَ أَبْعَدَ عَنِ الاخْتِلَافِ كَذَا فِي " الْمُحِيطِ " (٩).

стр. 611

[حكم قراءة الفاتحة في الصلاة] قَوْلُهُ ﵀: (ثُمَّ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي " مَبْسُوطِهِ " هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَقْرَأَ سُورَةً تَامَّةً، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؛ لِأَنَّ بَعْضَ السُّورَةِ لَا يُسَمَّى سُورَةً، وَهَذَا لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاتِهِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسُورَةٍ حَتَّى رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّهُ قَالَ أَنَا أَعْلَمُ الْقَرَّائِيينَ بِقَرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاتِهِ، فَقِيلَ لَهُ فَسِّرْهُ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، و ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ (١)، وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢) وَرُبَّمَا كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنَ الْفَجْرِ بِـ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ (٣) وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَ ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ (٤) وَكَذَلِكَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فِي [كُلِّ] (٥) رَكْعَةٍ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ نُقِلَتْ بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ لَا بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَإِنْ جُمِعَ فَلَا بَأْسٌ هَكَذَا رَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ (٦). قَوْلُهُ ﵀ (خِلَافاً لِلشَّافِعِيِّ ﵀ فِي الْفَاتِحَةِ).

стр. 612

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ (١) تَتَعَيَّنُ الْفَاتِحَةُ رُكْناً حَتَّى لَوْ تَرَكَ حَرْفاً مِنْهَا فِي رَكْعَةٍ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ (٢) بِفَرْضِيَّةِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَسُورَةٍ مَعَهَا؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ مَعَهَا» (٣) وَلَكِنَّا نُوجِبُ الْعَمَلَ بِهَذَا الْخَبَرِ؛ حَتَّى لَا نَأْذَنَ لَهُ بِالاكْتِفَاءِ بِالْفَاتِحَةِ فِي الْأُولَيَينِ، وَلَكْنْ لَا تَثْبُتُ الرُّكْنِيَّةُ بِهِ؛ لِأَنَّ الرُّكْنِيَّةَ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ مُوجِبٌ لِلْعَمَلِ، دُونَ الْعِلْمِ فَتَعْيُّنُ الْفَاتِحَةِ وَاجِبَةٌ؛ حَتَّى يُكْرَهُ لَهُ تَرْكَ قِرَاءَتِهَا، وَتَثْبُتُ الرُّكْنِيَّةُ بِالنَّصِّ، وَكَذَلِكَ يُوجِبُ ضَمَّ السُّورَةِ بِهَذَا الْخَبَرِ لَا الْفَرْضِيَّةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ زَيِاَدَةٌ عَلَى النَّصِّ، وَهِيَ نَسْخٌ فَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ بِالْخَبَرِ الْوَاحِدِ كَذَا فِي " الْمَبْسُوطِ " (٤) وَلَنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٥) فَإِنْ قِيلَ هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي حَقِّ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَقَدِ انْتَسَخَتْ فَرْضِيَّةُ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَكَيْفَ جَازَ التَّمَسُّكُ بِهَا؟

стр. 613

قُلْنَا مَا شُرِعَ رُكْناً لَمْ يَصِرْ مَنْسُوخا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ شُرِعَ فِيهَا يَلْزَمُهُ سَائِرُ الْأَرْكَانِ؛ وَلِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِحِفْظِ الْقُرْآنِ لِبَقَاءِ الْأَحْكَامِ وَالْقُرْآنُ يُحْفَظُ؛ لِأَجْلِ الْقِرَاءَةِ؛ وَالْقِرَاءَةُ لَا تُفْتَرَضُ خَارِجَ الصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ، فَتَعَيَّنَتْ فِي الصَّلَاةِ؛ وَلِأَنَّ اللِّسَانَ عُضْوٌ يَنْبَغِي (١) مِنْهُ التَّعْظِيمُ، حَالَةَ الْخِدْمَةِ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِكُلِّ عُضْوٍ رُكْنٍ لَا تَتَأَدَّى الصَّلَاةُ بِدُونِهِ؛ فَكَذَا هَذَا الْعُضْوُ، يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ رُكْنٌ أَيْضاً، لَا يَتَأَدَّى إِلَّا بِهِ كَذَا فِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ". وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لَا يَجُوزُ فَإِنْ قِيلَ لِمَ قُلْتَ بِأَنَّهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ، بَلْ هُوَ خَبَرٌ مَشْهُورٌ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ فَيَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِمِثْلِهِ؟ قُلْنَا؛ إِنَّمَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْكِتَابِ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ؛ إِذَا كَانَ مُحْكَماً، وامَّا إِذَا كَانَ مُحْتَمَلاً فَلَا، وَهَذَا الْحَدِيثُ مُحْتَمَلٌ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ يُذْكَرُ لِنَفْيِ الْجَوَازِ؛ كَمَا قَالَ ﷺ «لَا صَلَاةٌ إِلَّا بِالطَّهُورِ» (٢) وَيُذْكَرُ لِنَفْيِ الْفَضِيلَةِ؛ كَمَا قَالَ ﷺ : «لَا صَلَاة لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ» (٣) وَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ مُحْتَمَلاً؛ وَبِالْمُحْتَمَلِ لَا يُجَّوِزُ الزِّيَادَةَ عَلَى الْكِتَابِ كَذَا فِي طَرِيقَةِ الْإِمَامِ الْبُرْغَرِيِّ (٤) (وَمَبْسُوطُ/ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ آمِينَ أَيْ قَالَ الْإِمَامُ آمِينَ وَيَقُولُهَا الْمُؤْتَمُّ أَيْ وَيَقُولُ كَلِمَةَ آمِينَ الْمُقْتَدِي أَيْضًا) (٥)؛ وَإِنَّمَا ذَكَرَ قَالَ آمِينَ لِنَفْيِ شُبْهَةِ الْقِسْمَةِ؛ الَّتِي اقْتَضَاهَا ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٦) فَقُولُوا آمِينَ» كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِك ﵀.

стр. 614

[ما يخفيه الإمام في الصَّلاة] وَذُكِرَ فِي " الْمَبْسُوطِ ": (قَالَ وَيُخْفِي الْإِمَامُ التَّعُوُّذَ، وَالتَّشَهُّدَ، وَالتَّسْمِيَةَ، وَآمِينَ، وَاللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) (١) ثُمَّ قَالَ: (قَدْ طَعَنُوا فِيهِ، وَقَالُوا مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (٢) أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَقُولُهَا أَصْلاً؛ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ جَوَابُهُ أَنَّهُ يُخْفِي بِهَا؟ وَلَكِّنَّا نَقُولُ عَرَفَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ لَا يَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ؛ لِحُرْمَةِ قَوْلِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ فَفَرَّعَ الْجَوَابَ عَلَى قَوْلِهِمَا؛ أَنَّهُ (٣) يُخْفِي بِهَا إِذَا كَانَ يَقُولُهَا، (كَمَا فَرَّعَ مَسَائِلَ الْمُزَارَعَةِ؛ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى جَوَازَهَا، وَيَأْتِي هَذَا الْكَلَامُ فِي هَذَا الْفَصْلِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا، وَلَا مُتَمَسَّكٌ لِمَالِكٍ فِي قَوْلِهِ ﷺ يَعْنِي فِي أَنَّهُ لَا يَقُولُهَا) (٤) (٥) الْإِمَامُ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَثْبَتَ أَنَّ الْإِمَامَ يَقُولُهَا بِقَوْلِهِ: «فَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُهَا» قُلْتُ وَفِي قَوْلِهِ ﷺ «فَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُهَا» حُجَّتَانِ لَنَا أَحَدَيْهِمَا عَلَى مَالِكٍ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَقُولُهَا؛ وَالثَّانِيَةُ عَلَى الشَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ يُخْفِيهَا الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَهْراً لَكَانَ مَسْمُوعًا فَحِينَئِذٍ اسْتَغْنَى (٦) عَنْ قَوْلِهِ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُهَا. [حكم التأمين بعد الفاتحة للإمام] وَفِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ" وَرَوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (٧) أَنَّهُ لَا يَقُولُ الْإِمَامُ آمِينَ؛ إِنَّمَا يَقُولُ الْمَأْمُومُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ دَاعِيٌ، وَالْمَأْمُومُ مُسْتَمِعٌ؛ وَإِنَّمَا يُؤَمِّنُ الْمُسْتَمِعُ لَا الدَّاعِي كَمَا فِي سَائِرِ الْأَدْعِيَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ مُوسَى وَهَارُونَ قَالَ: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ﴾ (٨) وَمُوسَى ﵇ كَانَ يَدْعُو؛ وَهَارُونَ ﵇ كَانَ يُؤَمِّنُ فَكَذَلِكَ ها هُنَا الْإِمَامُ دَاعٍ، وَالْمَأْمُومُ مُسْتَمِعٌ؛ فَيَجِبُ أَنْ يُؤَمِّنَ الْمُسْتَمِعُ لَا الدَّاعِي،

стр. 615

وامَّا قَوْلُهُ ﷺ : «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا» (١) سُمِّيَ الْإِمَامُ مُؤْمِّناً بِاعْتِبَارِ التَّسْبِيبِ، وَالْمُسَبِّبُ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى بِاسْمِ الْمُبَاشِرِ؛ كَمَا يُقَالُ: بنى الْأَمِيرُ دَارَهُ؛ ثُمَّ عَلَى ظَاهِرِ مَذْهَبِ عُلَمَائِنَا يُؤَمِّنُ الْإِمَامُ، وَيُخْفِي وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: (يَجْهَرُ بِهَا الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ؛ الَّتِي يَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ وَالْمَأْمُومُ يُخَافِتُ) ذَكَرَ الْمُزَنِيُّ (٢) هَكَذَا فِي "مُخْتَصَرِهِ" (٣) كَذَا فِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ". وَذُكِرَ فِي "الْخُلَاصَةِ الْغَزَالِيَّةِ": (وَمِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ أَنْ يَجْهَرَ (٤) بِالتَّأْمِينِ فِي الْجَهْرِيَّةِ ذَكَرَ قَبْلَ هَذَا إِمَاماً كَانَ، أَوْ مُنْفَرِداً) (٥) وَتَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ ﵀ (٦) فِي الْجَهْرِ بِقَوْلِهِ ﷺ : «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا» (٧) فَلَوْ لَمْ يَكُنْ تَأْمِينُ الْإِمَامِ مَسْمُوعاً؛ لَمَا صَحَّ تَعْلِيقُ تَأْمِينِ الْقَوْمِ بِتَأْمِينِهِ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ التَّأْمِينَ دُعَاءٌ؛ فَإِنَّ مَعْنَاهُ اللَّهُمَّ أَجِبْ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ يَا آمِينَ اسْتَجِبْ، وَهُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَصَّةُ مُوسَى وَهَارُونَ ﵉ … قَالَ: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ (٨) وَكَانَ هَارُونُ يُؤَمِّنُ؛ فَدَلَّ أَنَّهُ دُعَاءٌ، وَالسَّبِيلُ فِي الْأَدْعِيَةِ الْمُخَافَتَةُ، عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٩)، وَقَالَ ﷺ : «خَيْرُ الدُّعَاءِ الْخَفِيُّ وَخَيْرُ الرِّزْقِ مَا يَكْفِي» (١٠) وامَّا قَوْلُهُ بِأَنَّهُ عَلَّقَ تَأْمِينَهُ بِتَأْمِينِ الْإِمَامِ؛ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ تَأْمِينُ الْإِمَامِ؛ إِذَا جَهَرَ قُلْنَا يُعْرَفُ تَأْمِينُ الْإِمَامِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْهَرَ بِهِ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ، وَلَا الضَّالِّينَ فَقَدْ جَاءَ أَوَانُ تَأْمِينِ الْإِمَامِ فَيُعْرَفُ تَأْمِينُهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَمَذْهَبُنَا مَذْهَبُ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ (١١)

стр. 616

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ تَرَكَ النَّاسُ الْجَهْرَ بِالتَّأْمِينِ، وَمَا تَرَكُوا إِلَّا لِعِلْمِهِمْ بِالنَّسْخِ كَذَا فِي "الأسرار" (١)، وَ"مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ" وَإِذَا سَمَعَ الْمُقْتَدِي مِنَ الْإِمَامِ وَلَا الضَّالِّينَ فِي صَلَاةٍ لَا يَجْهَرُ فِيهَا هَلْ يُؤَمِّنُ؟. فَعَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ لَا يُؤَمِّنُ وَعَنِ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ يُؤَمِّنُ كَذَا فِي " الْمُحِيطِ " (٢). قَوْلُهُ ﵀: (وَفِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " (٣): (وَيُكَبِّرُ مَعَ الانْحِطَاطِ). وَمِنْ دَأْبِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ نَوْعُ مُخَالَفَةٍ بَيْنَ رِوَايَةِ " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ "وَبَيْنَ رِوَايَةِ القُدُورِي؛ يُصَرِّحُ بِذِكْرِ " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ "؛ ثُمَّ الْمُخَالَفَةُ ها هُنَا هِيَ أَنَّ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي التَّكْبِيرَ فِي مَحْضِ (٤) الْقِيَامِ، كَذَلِكَ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ وَجْهَي مُوجِبِ الْوَاوِ؛ وَلِأَنَّهُ قَالَ ثُمَّ (٥) يُكَبِّرُ، وَيَرْكَعُ، وَالثَّانِي يَقْتَضِي مُقَارَنَةَ التَّكْبِيرِ، مَعَ الانْحِطَاطِ [يُخَالِفُهُ] (٦) لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّ مَعَ مُحْكَمٌ فِي الْمُقَارَنَةِ، وَبِهِ قَالَ الْبَعْضُ أَيْضاً، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ تَكْبِيرِهِ عِنْدَ أَوَّلِ الْخُرُورِ (٧) وَالْفَرَاغُ عِنْدَ الاسْتِوَاءِ لِلرُّكُوعِ (٨)؛ لِأَنَّ هَذَا تَكْبِيرُ الانْتِقَالِ فَيُؤْتَى بِهِ مَعَ الانْتِقَالِ كَذَا فِي (" الْمُحِيطِ ") (٩) (١٠). الْمَدُّ وَالْقَصْرُ فِيهِ وَجْهَانِ أَيْ لُغَتَانِ وَالتَّشْدِيدُ خَطَأٌ فَاحِشٌ أَيْ إِقَامَةُ/ الْمُشَدَّدُ (١١) مَقَامَ آمِينَ الْمُخَفَّفِ خَطَأٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ (١٢) لَا فِي (١٣) نَفْسِهِ؛ فَإِنَّهُ فِي نَفْسِهِ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ، بِمَعْنَى قَاصِدِينَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ (١٤).

стр. 617

قَوْلُهُ ﵀: (كَانَ يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ) وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ (١) بِأَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ حَالَ مَا يَرْكَعُ؛ وَإِنَّمَا يُكَبِّرُ حَالَ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَهُمْ بَنُو أُمَيَّةَ، وَرَوُوا فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ (٢) هَكَذَا؛ وَلِأَنَّ التَّكْبِيرَ حَالَةَ الانْتِقَالِ؛ مَا شُرِعَ مَقْصُوداً بِنَفْسِهِ (٣)؛ وَإِنَّمَا شُرِعَ سُنَّةً لِلْإِعْلَامِ بِدَليِلِ سُنِيَّةِ الْجَهْرِ بِهِ؛ وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى الْإِعْلَامِ، حَالَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنَ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ (؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ لَا يُعَايِنُونَ رَفْعَ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ) (٤) فَيَحْتَاجُ إِلَى الْإِعْلَامِ بِالتَّكْبِيرِ؛ فَأَمَّا فِي حَالَةِ الْخَفْضِ؛ فَإِنَّهُمْ يُعَايِنُونَ خَفْضَهُ فَاسْتَغْنَى عَنِ الْإِعْلَامِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ (٥) بِأَنَّهُ يَقُولُهَا فِي نَفْسِهِ حَالَةَ الْخَفْضِ وَلَا يَجْهَرُ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ، وَالسَّبِيلُ فِي الْأَذْكَارِ الْمُخَافَتَةُ إِلَّا لِعُذْرٍ، وَالْعُذْرُ فِي تَكْبِيرَاتِ حَالَةَ الرَّفْعِ لِيَعْلَمَ الْقَوْمُ بِالانْتِقَالِ، وَلَا حَاجَةَ فِي حَالَةِ الْخَفْضِ فَيُخَافِتُ؛ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَجَمَاعَةٍ مَعَهُمَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَبَّرَ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ» (٦). وَالْمَعْنَى أَنَّ الانْتِقَالَ مِنْ رُكْنٍ إِلَى رُكْنٍ بِمَعْنَى الرُّكْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ (٧) لَا يُمْكِنُهُ تَحْصِيلَ مَا بَعْدَهُ مِنَ الرُّكْنِ، إِلَّا بِالانْتِقَالِ عَنِ الْأَوَّلِ، وَمَا لَا يُتَوَسَّلُ إِلَى الْفَرْضِ إِلَّا بِهِ كَانَ فَرْضاً، فَيَجِبُ أَنْ يَحِلَّهُ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ كَمَا حَلَّ سَائِرُ الْأَرْكَانِ؛ وامَّا مَا رَوُوا مِنَ الْحَدِيثِ فَنُوَفِّقُ (فَنَقُولُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ الرَّاوِي، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى (٨) ﵀ وَسَمِعَهُ غَيْرُهُ.

стр. 618

أَوْ نُرَجِّحُ) (١) فَنَقُولُ الْمَصِيرُ إِلَى مَا رَوِينَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتُ مَتْناً (٢) وأتْقَنُ (٣) رُوَاةً وأمَّا مَنْ قَالَ الْجَهْرُ لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي حَالَةِ الْخَفْضِ؛ قُلْنَا قَدْ (٤) يُحْتَاجُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ خَلْفَهُ أَعْمَى (٥) فَلَا يُعَايِنُ خَفْضَ الْإِمَامِ، كَمَا يُسَنُّ الْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، مَعَ رَفْعِ الْيَدَيْنِ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ كَذَا فِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ". قَوْلُهُ ﵀: (لِكَوْنِهِ اسْتِفْهَاماً). فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَثْبُتُ عِنْدَهُ كِبْرِيَاءُ اللَّهِ وَعَظَمَتُهُ، وَهُوَ كُفْرٌ (٦) قَوْلُهُ ﵀: (وَفِي آخِرِهِ لَحْنٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ). أَيْ: عُدُولٌ عَنْ سُنَنِ الصَّوَابِ فِي اللُّغَةِ؛ لِأَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ (٧) لَا يَحْتَمِلُ الْمَدَّ لُغَةً حَتَّى قَالَ مَشَايِخُنَا لَوْ أُدْخِلَ الْمَدُّ بَيْنَ الْبَاءِ وَالرَّاءِ فِي لَفْظِ "أَكْبَرُ" عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ؛ لَا يَصِيرُ شَارِعاً فِي الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ فَعَلَ الْمُؤَذِّنُ فِي أَذَانِهِ حَيْثُ لَا يَجِبُ إِعَادَةُ الْأَذَانِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً مِنْهُ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْأَذَانِ أَوْسَعُ كَذَا فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " لِلْإِمَامِ الْمَحْبُوبِيِّ. وَهَذَا (٨) يَحْتَمِلُ بِأَنَّ لَفْظَ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ رَاجِعٌ إِلَى لَفْظِ "أَكْبَرُ"؛ بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ فِي "كَشْفِ الْغَوَامِضِ" (٩) أَيْ لَا يَمُدُّ فِي كَلِمَةِ "اللَّهُ" وَلَا فِي كَلِمَةِ "أَكْبَرُ"، وَفَصَّلَ كُلَّا مِنْهُمَا فِي "الفوائد الظهيرية" (١٠) وَقَالَ وَيَحْذِفُ التَّكْبِيرَ؛ لِأَنَّ تَطْوِيلَ التَّكْبِيرِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُفْسِداً؛ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خَطَأً؛ لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ؟

стр. 619

[مواضع التكبير في الصَّلاة] بِمَدِّ الْهَمْزَةِ أَيْ: هَمْزَةُ "اللَّهُ" تَفْسَدُ صَلَاتُهُ، وَلْوَ تَعَمَّدَ يَكْفُرُ؛ لِأَنَّهُ شَكَّ وامَّا إِذَا مَدَّ آخِرَهُ بِأَنْ خَلَّلَ الْأَلِفَ بَيْنَ اللَّامِ وَالْهَاءِ فَهَذَا لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ إِشْبَاعٌ وَلَكِنَّ الْحَذْفَ أَوْلَى، وامَّا إِذَا مَدَّ الْهَمْزَةَ مِنْ "أَكْبَرُ" فَتَفْسَدُ أَيْضاً لِمَكَانِ الشَّكِّ، وامَّا إِذَا مَدَّ الْآخِرَ بِأَنَّ وَسَطَ الْأَلِفِ بَيْنَ الْبَاءِ وَالرَّاءِ، قَالَ بَعْضُهُمْ تَفْسَدُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَفْسَدُ، وَيَجْزِمُ الرَّاءَ مِنَ التَّكْبِيرِ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ الرَّفْعَ بِالْخَبَرِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخْعِيِّ مَوْقُوفاً عَلَيْهِ وَمَرْفُوعاً إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ … قَالَ " «الْأَذَانُ جَزْمٌ وَالْإِقَامَةُ جَزْمٌ وَالتَّكْبِيرُ حَزْمٌ» (١) قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ ﵀ وَإِنْ شَاءَ فَخَّمَ التَّكْبِيرَ، وَهُوَ أَنْ يُخْرِجَ اللَّامَ مِنْ أَقْصَى مَخْرَجِهِ مِمَّا يَلِي الْحَلْقَ وَيُكْرَهُ قَصْرُ اللَّامِ (٢). قَوْلُهُ ﵀: (وَلا إِلَى الضَّمِّ إِلاَّ فِي حَالَةِ السُّجُودِ). يَتَكَلَّفُ بِضَمِّ الْأَصَابِعِ فِي حَالَةِ السُّجُودِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ أَقْوَى فِي الاعْتِمَادِ عَلَيْهَا، وَيَزْدَادُ قُوَّتُهُ عِنْدَ الضَّمِّ وَلِتَقَعَ رُؤُوسُ الْأَصَابِعِ مُوَاجِهَةً إِلَى الْقِبْلَةِ، وَفِيمَا (٣) وَرَاءَ ذَلِكَ يُتْرَكُ عَلَى عَادَتِهِ، فَلَا يَتَكَلَّفُ لَا لِلضَّمِّ وَلَا لِلتَّفْرِيجِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِمَا؛ فَلِذَلِكَ يُتْرَكُ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْعَادَةُ كَذَا فِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ".

стр. 620

وَذُكِرَ فِي " الْمَبْسُوطِ ": (وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ وأصْحَابُهُ يَقُولُونَ بِالتَّطْبِيقِ وَصُورَتُهُ أَنْ يَضُمَّ إِحْدَى الْكَفَّيْنِ إِلَى الْأُخْرَى، وَيُرْسِلُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ، وَرَأَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ (١) ابْنًا لَهُ يُطْبِقُ فَنَهَاهُ (٢) فَقَالَ رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ يَفْعَلُ هَكَذَا؛ فَقَالَ رَحِمَ اللَّهُ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ كُنَّا أُمِرْنَا بِهَذَا ثُمَّ نُهِينَا عَنْهُ. وَفِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ حِينَ عَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ «ثُمَّ ارْكَعْ وَضَعْ يَدَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ» (٣) كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا رَكَعَ بَسَطَ ظَهْرَهُ وَاعْتَدَلَ؛ حَتَّى رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ «أَنَّهُ يَعْتَدِلُ بِحَيْثُ/ لَوْ وُضِعَ عَلَى ظَهْرِهِ قَدَحٌ مِنْ مَاءٍ لَاسْتَقَرَّ») (٤) (٥).

стр. 621

(نَكَّسْتَ الشَّيْءَ قَلَبْتَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَنَكَّسْتُهُ تَنْكِيساً) (١) وَالنَّاكِسُ المطأطئ رَأْسَهُ، وَصَوَّبَ رَأْسَهُ أَيْ خَفَضَهُ، أَقْنَعَ رَأْسَهُ إِذَا رَفَعَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ (٢) كَذَا فِي "الصِّحَاحِ" (٣). [صفة الركوع] قَوْلُهُ ﵀: (وَلَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَلا يُنَكِّسْهُ) مَعْنَاهُ يُسَوِّي رَأْسَهُ بِعَجُزِهِ (٤)؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالاعْتِدَالِ فِي الرُّكُوعِ، وَالاعْتِدَالِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ ظَهْرُهُ مُسْتَوِياً مِنَ الْجَانِبَيْنِ لَا يَرْفَعُ عَجُزَهُ أَعْلَى مِنْ رَأْسِهِ، وَلَا رَأْسَهُ أَعْلَى مِنْ عَجُزِهِ كَذَا فِي "الْمَبْسُوطَيْنِ" (٥) وَذَلِكَ أَدْنَاهُ أَيْ أَدْنَى كَمَالِ الْجَمْعِ؛ وَإِنَّمَا قَالَ أَدْنَاهُ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ مُسْتَحَبَّةٌ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَيْ أَدْنَى كَمَالِ السُّنَّةِ وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَوْفَقُ لِلَّفْظِ "الْمَبْسُوطَيْنِ". وَذُكِرَ فِي مَبْسُوطِ شَمْسِ الْأَئَمَّةِ السَّرْخَسِيِّ ﵀: (وَذَلِكَ أَدْنَاهُ لَمْ يَرِدْ بِهَذَا اللَّفْظِ أَدْنَى الْجَوَازِ؛ إِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ أَدْنَى الْكَمَالِ، فَإِنَّ الرُّكُوعَ، وَالسُّجُودَ يَجُوزُ بِدُونِ هَذَا الذِّكْرِ إِلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي مُطِيعٍ ﵀ (٦) (٧).

стр. 622

وَفِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ" يُرِيدُ بِهِ أَدْنَاهُ يَعْنِي أَدْنَى مِنْ حَيْثُ جَمْعِ الْعَدَدِ، فَإِنَّ أَقَلَّ جَمْعِ الْعَدَدِ ثَلَاثَةٌ، ثُمَّ انْظُرْ كَيْفَ جَمَعَ الْمُصَنِّفُ ﵀ بَيْنَ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ، حَيْثُ أَخَذَ لَفْظَ الْكَمَالِ مِنْ مَبْسُوطِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ، وَلَفْظَ الْجَمْعِ مِنْ "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ" فَقَالَ أَدْنَى كَمَالِ الْجَمْعِ وَقَدْ وُجِدَتْ بِخَطِّ الْأُسْتَاذِ مَوْلَانَا فَخْرِ الدِّينِ ﵀؛ إِنَّمَا نَحْمِلُهُ عَلَى أَدْنَى كَمَالِ الْجَمْعِ الْمَسْنُونِ، لَا بَيَانَ الْجَمْعِ الْحَقِيقِيِّ؛ لِأَنَّهُ ﷺ بُعِثَ لِبَيَانِ الشَّرَائِعِ لَا لِبَيَانِ الْحَقَائِقِ (١) وَلَمْ يَرِدْ بِهِ أَدْنَى الْجَوَازِ [لِأَنَّ الْجَوَازَ] (٢) ثَابِتٌ بِدُونِهِ؛ فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ يُصْرَفُ الضَّمِيرُ إِلَى لَفْظِ الْجَمْعِ، وَهُوَ غَيْرُ مَذْكُورٍ؟ قُلْتُ إِنْ لَمْ يُذْكَرْ لَفْظاً؛ فَقَدْ ذُكِرَ دَلَالَةٌ، وَهِيَ سَبْقُ ذِكْرِ الثَّلَاثِ، فَلَمَّا جَازَ صُرِفَ الضَّمِيرُ إِلَى مَعْلُومٍ غَيْرُ مَذْكُورٍ أَصْلاً؛ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٣) أَيِ الْقُرْآنَ؛ لِأَنَّه يَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَى مَعْلُومٍ) (٤) وَمَذْكُورٌ دَلَالَةً بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى فَكَانَ (٥) هَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِبِهَا وَنَعِمَتْ» (٦) (٧) أَيْ فَبِالسُّنَّةِ [أَخَذَ] (٨) وَنَعِمَتِ الْخِصْلَةُ (وَلَمْ يَذْكُرِ السُّنَّةَ، وَلَا (٩) الْخِصْلَةَ) (١٠) لَفْظًا وَلَكِنْ ذَكَرْنَا دَلَالَةً؛ لِأَنَّ التَّوَضُّئَ لِلصَّلَاةِ طَرِيقَةٌ مَسْلُوكَةٌ وَخِصْلَةٌ مُرْضِيَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ فَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُمَا (وَرَدَ الضَّمِيرُ إِلَيْهِمَا بِدَلَالَةِ التَّوَضُّئِ عَلَيْهِمَا فَكَذَا هَذَا وَفِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ (١١) "

стр. 623

فَإِنْ سَبَّحَ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ رَوَى عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: يُكْرَهُ ذَلِكَ (١) وَقَالَ أَبُو مُطِيعٍ الْبَلْخِيُّ تِلْمِيذُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (٢): لَوْ نَقَصَ مِنْ ثَلَاثٍ فِي تَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَمْ يُجْزِهِ صَلَاتُهُ (٣) وَذَهَبَ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ رُكْنٌ مَشْرُوعٌ، فَكَانَ نَظِيرَ الْقِيَامِ فَوَجَبَ أَنَّ مَحَلَّهُ (٤) ذِكْرٌ مَفْرُوضٌ قِيَاساً عَلَى الْقِيَامِ. وأصْحَابُنَا احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٥) فَقَدْ أَمَرَ (٦) بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالتَّسْبِيحَاتِ فِيهِمَا؛ فَمَتَى شَرَطْنَا التَّسْبِيحَ لِلْجَوَازِ؛ فَقَدْ رَفَعْنَا جَوَازاً ثَبَتَ (٧) بِالنَّصِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ؛ وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ يُخَافَتُ بِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَيَكُونُ (٨) سُنَّةً كَالتَّأْمِينِ، وَالتَّعَوُّذِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْفَرَائِضِ عَلَى الشُّهْرَةِ، وَالْإِعْلَانِ (٩) وَمَبْنَى التَّطَوُّعَاتِ عَلَى الْخِفْيَةِ وَالْكِتْمَانِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١٠) وَلَيْسَ كَالْقِرَاءَةِ لِأَنَّهُ يُجْهَرُ بِهَا، وَلَوْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فَذَاكَ أَفْضَلُ؛ إِلَّا أَنَّهُ إِذَا كَانَ إِمَاماً؛ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُطَوِّلَ عَلَى وَجْهٍ يُمِلُّ الْقَوْمَ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ سَبَباً لِلتَّنْفِيرِ، وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ فَإِنَّ مُعَاذاً ﵁ لَمَّا طَوَّلَ الْقِرَاءَةَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ» (١١).

стр. 624

وَكَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ (١) يَقُولُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُولَهَا خَمْساً، حَتَّى يَتَمَكَّنَ الْقَوْمُ مِنْ أَنْ يَقُولُوا ثَلَاثاً، وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ يَزِيدُ فِي الرُّكُوعِ مَا رَوَى عَنْ عَلِيٍّ ﵁ اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَلَكَ خَشَعْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَفِي السُّجُودِ: سَجَدَ وَجْهِيَ لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ، وَبَصَرَهُ؛ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عِنْدَنَا عَلَى التَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ كَذَا فِي " الْمَبْسُوطِ " (٢). [ما يقوله المأموم بعد الرفع من الركوع] قَوْلُهُ ﵀: (وَيَقُولُ الْمُؤْتَمُّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ). وَاخْتَلَفَتِ (٣) الْأَخْبَارُ فِي التَّحْمِيدِ فِي بَعْضِهَا رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَفِي بَعْضِهَا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ (٤) وَفِي بَعْضِهَا، اللَّهُمَّ رَبَنَّا لَكَ الْحَمْدُ؛ وَالْأَظْهَرُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. كَذَا فِي "شرح الطحاوي" أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ مَعَ أَنَّ غَالِبَ أَحْوَالِهِ الْإِمَامَةُ؛ وَلِأَنَّا لَا نَجِدُ شَيْئاً مِنْ أَذْكَارِ الصَّلَاةِ؛ يَأْتِي بِهَا الْمُقْتَدِي دُونَ الْإِمَامِ، وَقَدْ يُخْتَصُّ الْإِمَامُ بِبَعْضِ الْأَذْكَارِ؛ كَالْقِرَاءَةِ هَذِهِ قِسْمَةٌ فَإِنَّهَا تُنَافِي الشِّرْكَةَ؛ فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ» وَلَمْ يَقْتَصِرْ (٥) نَفْيُ الْمُشَارَكَةِ حَتَّى يَقُولَهَا/ الْإِمَامُ أَيْضًا؟.

стр. 625

قُلْنَا ظَاهِرُ الْقِسْمَةِ يَقْتَضِي نَفْيَ الْمُشَارَكَةِ؛ إِلَّا أَنَّ الْمُشَارَكَةَ تَثْبُتُ ثَمَّةً بِدَلِيلٍ آخَرَ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا» (١) أَوْ بِقَوْلِهِ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُهَا فَإِنْ قُلْتَ (٢) مَا جَوَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ خَمْسٌ يُخْفِيهِنَّ الْإِمَامُ وَفِي رِوَايَةٍ أَرْبَعٌ يُخْفِيهِنَّ الْإِمَامُ مِنْهَا التَّحْمِيدُ. (٣) (قُلْتُ) (٤) قَالَ فِي "الأسرار" إِنَّهُ غَرِيبٌ (٥) أَوْ نَقُولُ حَدِيثُ الْقِسْمَةِ؛ الَّتِي ذَكَرْنَا يَدَلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِي، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁[يَدُلُّ] (٦) عَلَى أَنَّهُ يَأْتِي َبَعْدَ ذَلِكَ؛ إِمَّا أَنْ يُرَجِّحَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ، أَوْ يَتْرُكَهُمَا لِعَدَمِ إِمْكَانِ التَّرْجِيحِ؛ فَيَعْمَلُ (٧) بِالْقِيَاسِ (٨)، فَقُلْنَا الرُّجْحَانُ لِحَدِيثِ الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ مَرْفُوعٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛ بِرِوَايَةِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁. وَذُكِرَ فِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ" فَإِنْ قِيلَ: قَدْ ذُكِرَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَيُخْفِي الْإِمَامُ قَرَاءَةَ التَّشُهُّدِ، وَالتَّعَوُّذَ، وَآمِينَ، وَاللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، قَالَ: نَعَمْ فَقَدْ أَجَابَ (٩) أَنَّ الْإِمَامَ يَأْتِي بِالتَّحْمِيدِ فَهَلَّا جَعَلَ (١٠) رُجُوعاً مِنْهُ عَنِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ؟

стр. 626

قُلْنَا هَذَا؛ إِنَّمَا لَمْ يَكُنْ رُجُوعاً؛ لِأَنَّهُ حَمَلَ (١) عَلَى أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ كَانَ مِنْ مُحَمَّدٍ لِأَبِي يُوسُفَ، لَا لِأَبِي حَنِيفَةَ، فَإِذْ (٢) كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْجَوَابُ جَوَابَ أَبِي يُوسُفَ، وَجَوَابُ أَبِي يُوسُفَ كَذَلِكَ وَهَذَا؛ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ قَرَأَ أَكْثَرَ الْكُتُبِ عَلَى أَبِي يُوسُفَ إِلَّا مَا كَانَ فِيهِ اسْمُ الْكَبِيرِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ تَصْنِيفِ مُحَمَّدٍ كَمُضَارَبَةِ الْكَبِيرِ، وَمُزَارَعَةِ الْكَبِيرِ، وَمَا دُونَ (٣) الْكَبِيرِ وَجَامِعِ الْكَبِيرِ، وَالسَّيْرِ الْكَبِيرِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ هَذَا سُؤَالًا لِأَبِي يُوسُفَ وَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ لِأَبِي حَنِيفَةَ، فَلَا يَثْبُتُ الرُّجُوعُ بِالشَّكِّ، هَكَذَا أَجَابَ عَنْ هَذَا بَعْضُ مَشَايِخِنَا. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يُرِيدُ (٤) بِقَوْلِهِ يُخْفِي التَّحْمِيدَ أَيْ (٥) عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إِنَّ الْإِمَامَ يَأْتِي بِالتَّحْمِيدِ كَمَا قَالَ (٦) فِي كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ هَذَا جَائِزٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ (٧) عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ مَنْ أَجَازَ الْمُزَارَعَةَ فَكَذَا هَذَا يُرِيدُ (٨) بِهِ أَيْ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ مَنْ يَأْتِي بِالتَّحْمِيدِ. وَلِهَذَا لَا يَأْتِي الْمُؤْتَمُّ بِالتَّسْمِيعِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (٩) وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَجْمَعُ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (١٠) بَلْ يَكْتَفِي بِالتَّسْمِيعِ وَعِنْدَهُمَا (١١) يَجْمَعُ الْإِمَامُ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ [وَفِي اكْتِفَاءِ الْمُقْتَدِي بِالتَّحْمِيدِ إِجْمَاعٌ بَيْنَ عُلَمَائِنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ كَلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْإِمَامِ وَالْمُقْتَدِي يَجْمَعُ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ] (١٢).

стр. 627

وَفِي " الْمَبْسُوطِ ": (وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ كُلُّ مُصَلٍّى (١) يَجْمَعُ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ، وَهَذَا بَعِيدٌ فَإِنَّ الْإِمَامُ يَحُثُّ (٢) مَنْ خَلْفَهُ عَلَى التَّحْمِيدِ، فَلَا مَعْنَى لِمُقَابَلَةِ الْقَوْمِ إِيَّاهُ بِالْحَثِّ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُشْغَلُوا (٣) بِالتَّحْمِيدِ) (٤) وَالَّذِي رَوَاهُ مَحْمُولٌ [عَلَى] (٥) هَذَا إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ (لِمَا رَوَىَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ فَكَانَ إِسْنَادُ (٦) الرِّوَايَةِ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ؛ فَلِذَلِكَ وَحَّدَ الضَّمِيرَ وَلَمْ يَقُلْ رَوَيَاهُ (٧). قَوْلُهُ ﵀: (فِي الْأَصَحِّ) احْتِرَازٌ عَنِ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ بَعْدَهُ أَحَدُهُمَا الاكْتِفَاءُ بِالتَّسْمِيعِ وَالثَّانِي الاكْتِفَاءُ بِالتَّحْمِيدِ، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (٨) أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَأْتِي بِالتَّحْمِيدِ لَا غَيْرَ ثُمَّ ذَكَرَ أَوْجُهَ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فَقَالَ وَجْهُ الرِّوَايَةِ؛ الَّتِي يَأْتِي بِالتَّسْمِيعِ وَهِيَ رِوَايَةُ بَعْضِ النَّوَادِرِ (٩) أَنَّ الْإِمَامَ يَأْتِي بِالتَّسْمِيعِ فَكَذَا الْمُنْفَرِدُ لِأَنَّهُ إِمَامٌ فِي حَقِّ (١٠) نَفْسِهِ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ (١١) كَمَا عَلَى الْإِمَامِ وَوَجْهُ مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (١٢) أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا لِمَا أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَأْتِي بِالتَّسْمَيِع ِفَلَمَّا أَتَى بِالتَّسْمِيعِ؛ لِأَنَّهُ إِمَامٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ (١٣) عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وأنَّهُ حَثٌّ عَلَى الْحَمْدِ، وَلَمْ يَمْتَثِلْ بِهِ أَحَدٌ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَ، وَمِثْلُ هَذَا مِنَ الْحَثِّ وَ (١٤) الْجَوَابِ يَسْتَقِيمُ مِنَ الْوَاحِدِ بِأَنْ يَحُثَّ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ عَلَى طَاعَتِهِ.

стр. 628

وَيَأْتِي بِهَا وَوَجْهُ مَا ذُكِرَ فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " (١) أَنَّهُ يَأْتِي بِالتَّحْمِيدِ لَا غَيْرَ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ (٢) مَتَى جَمَعَ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ يَقَعُ الذِّكْرُ الثَّانِي فِي حَالَةِ الاعْتِدَالِ، وَلَمْ يُشْرَعْ لِاعْتِدَالِ الانْتِقَالِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ؛ كَمَا فِي الْقَعْدَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَيَأْتِي بِأَحَدِهِمَا وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِالتَّحْمِيدِ (٣) وَهَذَا أَصَحُّ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيعَ حَثٌّ لِلْغَيْرِ (٤) عَلَى التَّحْمِيدِ، وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ لِيَحُثَّهُ عَلَى الْحَمْدِ فَكَانَ "رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ" الَّذِي هُوَ يَصْلُحُ لِابْتِدَاءِ الْحَمْدِ أَوْلَى فِي حَقِّهِ بِخِلَافِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ بِالتَّسْمِيعِ يَحُثُّ غَيْرَهُ عَلَى الْحَمْدِ وَإِنَّهُ صَحِيحٌ مِنْهُ (٥)؛ لِأَنَّ خَلْفَهُ الْقْوْمَ فَيَحْتَاجُ إِلَى حَثِّهِمْ. وَذُكِرَ فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " لِلْمَحْبُوبِيِّ، وأشار إِلَى مَا اخْتَارَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي هَذَا الْكِتَابِ حَيْثُ قَالَ يَعْقُوبُ (٦): سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ عَنِ الرَّجُلِ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الْفَرِيضَةِ أَيَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي؟ قَالَ يَقُولُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ وَيَسْكُتُ وَكَذَلِكَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ يَسْكُتُ ثُمَّ قَدْ أَحْسَنَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ حَيْثُ لَمْ يَنْهَ عَنِ الاسْتِغْفَارِ صَرِيحًا وَنَهَى عَنْهُ دَلَالَةً حَيْثُ أُمِرَ بِالتَّحْمِيدِ وَالسُّكُوتِ بَعْدَهُ وَذَكَرَ فَخْرُ (٧) الْإِسْلَامِ فِي "الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " وامَّا/ الْمُنْفَرِدُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْجَوَابِ فِيهِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ قَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ.

стр. 629

قَوْلُهُ ﵀: (وَالْإِمَامُ بِالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ آتٍ بِهِ مَعْنىً) لِأَنَّ الدَّالَّ (١) عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ، وَ [فِي] (٢) هَذَا جَوَابٌ عَنْ تَعْلِيلِهِمَا وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّهُ (٣) حَرَّضَ غَيْرَهُ فَلَا يَنْسَى نَفْسَهُ)؛ فَإِنْ قُلْتَ مِثْلَ هَذِهِ الدِّلَالَةُ مَوْجُودَةٌ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ أَيْضاً؛ فَإِنَّهُ يَقُولُ بِالتَّسْمِيعِ (٤) فَيَجِبُ أَنْ يَكْتَفِيَ هُوَ بِالتَّسْمِيعِ أَيْضاً، لِهَذَا الْمَعْنَى كَالْإِمَامِ (٥) قُلْتُ لَا دَلِيلَ عَلَى اكْتِفَاءِ الْمُنْفَرِدِ بِالتَّسْمِيعِ، مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ بِخِلَافِ الْإِمَامِ؛ فَإِنَّهُ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى تَرْكِ التَّحْمِيدِ فِي حَقِّهِ، وَهُوَ قِسْمَةُ الشَّارِعِ فَيَتْرُكُ التَّحْمِيدَ؛ وَلِأَنَّ الدَّلَالَةَ مِنَ الْإِمَامِ تَقَعُ فِي مَوْقِعِهَا (٦) فَيُجْعَلُ كَالْفَاعِلِ فَلَا يَكُونُ نَاسِياً نَفْسَهُ، فَإِنَّ خَلْفَهُ قَوْماً يَعْمَلُونَ (٧) بِهَا وَلَا كَذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ. [حكم الاستواء قائماً والجلسة بين السجدتين والطمأنينة في الركوع] قوله ﵀: (وامَّا الاسْتِوَاءُ قَائِماً فَلَيْسَ بِفَرْضٍ، وَكَذَلِكَ الْجِلْسَةُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَالطُّمْأَنِينَةُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ يُفْتَرَضُ (٨) ذَلِكَ (٩) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (١٠). وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِالطُّمَأْنِينَةِ وَلَكِنْ كَمَا انْحَنَى ظَهْرُهُ رَفَعَ رَأْسَهُ وَسَجَدَ؛ فَإِنَّهُ يُجْزِيهِ وَيَكُونُ مُسِيئاً، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ خِلَافاً لِأَبِي يُوسُفَ ﵀ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْخِلَافَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ (وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْمَعْلَى فِي "نَوَادِرِهِ" (١١) وَذُكِرَ فِي "شرح الطحاوي" وَالْقَوْمَةُ؛ الَّتِي بَيْنَ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) (١٢) حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا جَازَتْ صَلَاتُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ فَرْضٌ.

стр. 630

وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ لَمْ يُذْكَرِ الْخِلَافُ (١) فِي الْكِتَابِ، وَلَكِنْ تَلَقَّفْنَا (٢) مِنَ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ وَكَذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ فِي "الأسرار" خِلَافَ أَبِي يُوسُفَ؛ وَإِنَّمَا قَالَ؛ قَالَ (٣) عُلَمَاؤُنَا الطُّمَأْنِينَةُ فِي الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ وَفِي الانْتِقَالِ مِنْ رُكْنٍ إِلَى رُكْنٍ لَيْسَ بِرُكْنٍ، كَذَلِكَ (٤) الاسْتِوَاءُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَبَيْنَ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ هُوَ رُكْنٌ وَلَقْبُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ (٥) تَعْدِيلَ الْأَرْكَانِ هَلْ هُوَ (٦) رُكْنٌ أَمْ لَا؟ حَتَّى لَوْ طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَلِيلاً؛ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، إِنْ كَانَ إِلَى الرُّكُوعِ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى الْقِيَامِ جَازَ عَنْهُ (٧) الرُّكُوعُ، وَإِنْ كَانَ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى تَمَامِ الرُّكُوعِ لَمْ يُجْزِهِ. ثُمَّ الطُّمَأْنِينَةُ فِي الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ؛ سُنَّةٌ أَمْ وَاجِبٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (٨) اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ، كَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ ﵀ يَقُولُ إِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ حَتَّى لَوْ تَرَكَهُ سَاهِياً كَانَ عَلَيْهِ [سَجْدَةُ] (٩) السَّهْوِ، وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ ﵀ يَقُولُ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ حَتَّى لَوْ تَرَكَهُ سَاهِياً عَلَى قَوْلِهِ لَا سَهْوَ عَلَيْهِ كَذَا فِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ". وَفِيهِ أَيْضًا؛ وَإِنَّمَا اخْتِلَافُ الْكَرْخِيِّ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي (١٠) طُمَأْنِينَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وامَّا فِي الطُّمَأْنِينَةِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الانْتِقَالِ فَاتَّفَقَا (١١) عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ -رحمهما الله- فَوَجْهُ الْجُرْجَانِيِّ هُوَ أَنَّ هَذِهِ طُمَأْنِينَةً مَشْرُوعَةً لَا كَمَالَ رُكْنٍ فَيَكُونُ سُنَّةً لَا وَاجِباً كَالطُّمَأْنِينَةِ فِي الانْتِقَالِ، وَوَجْهُ الْكَرْخِيِّ ﵀ هَذِهِ الطُّمَأْنِينَةُ مَشْرُوعَةٌ لَا كَمَالَ رُكْنٍ مَقْصُودٍ بِنَفْسِهِ فَتَكُونُ وَاجِباً قِيَاساً عَلَى الْقِرَاءَةِ بِخِلَافِ الانْتِقَالِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ؛ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِهِ غَيْرِهِ وَهُوَ إِمْكَانُ أَدَاءِ (١٢) رُكْنٍ آخَرَ فَقُلْتُ بِالْفَرْقِ لِيَظْهَرَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الطُّمَأْنِينَتَيْنِ (١٣).

стр. 631

[كيفية السجود والقيام منه] وَذَكَرَ فِي "شرح الطحاوي" فِي كَيْفِيَّةِ السُّجُودِ وَالْقِيَامِ مِنْهُ، فَقَالَ: (يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ مَا يَقَعُ عَلَى الْأَرْضِ رُكْبَتَاهُ ثُمَّ يَدَاهُ ثُمَّ وَجْهُهُ) (١) وَقَالَ بَعْضُهُمْ، يَضَعُ أَنْفَهُ ثُمَّ جَبْهَتَهُ، وَإِذَا أَرَادَ الْقِيَامَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ أَوَّلًا ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ [ .. ] (٢) فَنَقُولُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ يَضْعُ أَوَّلًا مَا كَانَ أَقْرَبُ إِلَى السَّمَاءِ (٣) [وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ؛ يَرْفَعُ أَوَّلًا مَا كَانَ أَقْرَبُ إِلَى السَّمَاءِ] (٤) هَذَا إِذَا كَانَ الرَّجُلُ حَافِياً يُمْكِنُهُ وَلَوْ كَانَ ذَا خُفٍّ لَا يُمْكِنُهُ وَضْعَ الرُّكْبَتَيْنِ أَوَّلاً؛ فَإِنَّهُ يَضَعُ يَدَيْهِ أَوَّلًا وَيُقَدِّمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مِنْ حُجَّةِ أَبِي يُوسُفَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ مَنْ لَمْ يُقِمْ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» (٥) وَهَذَا نَصٌّ فِي الْبَابِ. وَالْمَعْنَى فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ هَذَا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَوَجَبَ أَنْ لَا (٦) يَتَأَدَّى هَذَا الرُّكْنُ بِأَدْنَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الاسْمُ، بَلْ بِزِيَادَةٍ وَطُمَأْنِينَةٍ تُوجَدُ بَعْدَهُ، قِيَاساً عَلَى الْقِيَامِ، وَالْقِرَاءَةِ، وَالْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ؛ وَلِأَنَّ الرُّكُوعَ رُكْنٌ شُرِعَ فِيهِ تَسْبِيحٌ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ رَفَعُ الرَّأْسِ عَنْهُ رُكْناً/ قِيَاساً عَلَى السَّجْدَةِ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ رُكْناً يُشْرَعُ فِيهِ تَسْبِيحٌ كَانَ رَفْعُ الرَّأْسِ عَنْهُ رُكْناً فَكَذَا هَذَا وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ -رحمهما الله- بِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي كِتَابِهِ، فَيُجْزِيهِ قِيَاساً عَلَى مَا لَوِ اطْمَأَنَّ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُ بِالرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَقَدْ أَتَى بِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَطْمَئِنَّ؛ لِأَنَّ الرُّكُوعَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَيْلِ، وَالانْحِنَاءِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: رَكَعَتِ النَّخْلَةُ إِذَا مَالَتْ إِلَى الْأَرْضِ.

стр. 632

وَالرُّكُوعُ يَحْصُلُ بِأَدْنَى مَا يَكُونُ مِنَ الانْحِنَاءِ، وَلِهَذَا يَحْنَثُ مَتَى كَانَ حَلَفَ أَنْ لَا يَرْكَعُ إِذَا انْحَنَى مَعَ عَدَمِ الطُّمَأْنِينَةِ؛ لِأَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ دَوَامٌ عَلَى الانْحِنَاءِ، وَالْأَمْرُ بِالْفِعْلِ يُوجِبُ أَصْلَ الْفِعْلِ، وَلا يُوجِبُ الدَّوَامَ عَلَيْهِ، كَمَنْ قَالَ لِآخَرَ احْنِ ظَهْرَكَ؛ فَإِنَّهُ كَمَا انْحَنَى يَصِيرُ مُمْتَثِلاً لِأَمْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَدُمْ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ السُّجُودُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ نَقُولَ (١) لِأَحَدٍ أَنَّهُ جَعَلَ الدَّوَامَ رُكْناً بِالسُّنَّةِ لَا بِالْكِتَابِ لِمَا أَنَّ السُّنَّةَ؛ الَّتِي رُوِيَتْ فِيهِ مِنْ أَخْبَارِ الآحَادِ فَلَا يَجُوزُ بِهَا نَسْخُ الْجَوَازِ الثَّابِتِ بِأَصْلِ الْفِعْلِ بِالْكِتَابِ. وامَّا حَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ فَهُوَ يَشْهَدُ لَنَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَرَكَ الْأَعْرَابِيَّ حَتَى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَلَوْ كَانَ مَا تَرَكَ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ رُكْنًا لَفَسَدَتْ صَلَاتُهُ، فَكَانَ الْمُضيُّ (٢) بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْرَابِيِّ عَبَثاً؛ فَكَانَ لَا يَحِلُّ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَتْرُكَهُ، وَكَانَ تَرْكُهُ دَلَالَةً مِنْهُ أَنَّ صَلَاتَهُ جَائِزَةٌ، إِلَّا أَنَّهُ تَرَكَ لِلْإِكْمَالِ فَأَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ، زَجْراً لَهُ عَنْ هَذِهِ الْعَادَةِ، كَمَا أَمَرَ بِكَسْرِ الدِّنَانِ زَجْرًا لَهُمْ عَنْ عَادَةٍ اعْتَادُوهَا (٣). وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ، وَمَا نَقُصَتْ مِنْ صَلَاتِكَ (٤) فَقَدْ وَصَفَ صَلَاتَهُ بِالنُّقْصَانِ، وَهُوَ يَقْتَضِي (٥) وُجُودَ أَصْلِ الْفِعْلِ، وَعَلَى أَصْلِهِ يَكُونُ مَوْصُوفاً بِالْفَسَادِ، وَهُوَ خِلَافُ الْخَبَرِ فَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ مَنْ لَمْ يُقِمْ صُلْبَهُ» فَالْمَشْهُورُ مِنَ الْحَدِيثِ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُقِمْ صُلْبَهُ» وَهُوَ لِنَفْيِ الْفَضِيلَةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ : «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ» (٦) وَلَئِنْ يَثْبُتُ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّهْدِيدِ لَا عَلَى التَّحْقِيقِ (٧) كَمَا رُوى «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ الْعَبْدِ الْآبِقِ» (٨) وامَّا اعْتِبَارُهُ بِالْقِيَامِ، وَالرُّكْنُ فِي الْقِيَامِ عِنْدَنَا بِأَدْنَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الاسْمُ.

стр. 633

إِنَّمَا التَّقْدِيرُ بِسَبَبِ (١) الْقِرَاءَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ مَتَى سَقَطَتْ كَانَ نَفْسُ الْقِيَامِ يَكْفِيهِ كَمَا فِي الثَّالِثَةِ، وَالرَّابِعَةِ، وَكَمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ فَكَبَّرَ (٢) قَائِماً وَرَكَعَ أَجْزَاهُ، وامَّا الْقِرَاءَةُ فَالرُّكْنُ عِنْدَنَا أَدْنَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْقُرْآن حَقِيقَةً، وَحُكْماً وَذَلِكَ آيَةٌ (٣) وَاحِدَةٌ، وامَّا مَا دُونَهُ [فَلَا] (٤) وَإِنْ كَانَ قُرْآنًا حَقِيقَةً فَلَيْسَ بِقُرْآنٍ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمِ حَتَّى حَلَّ قِرَاءَتَهُ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ. وامَّا الْقَعْدَةُ؛ فَإِنَّمَا (٥) لَمْ يَكْتَفِ بِأَدْنَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ (٦) الْقَعْدَةِ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ يُلَاقِي الْقَعْدَةَ، وَيَتَّصِلُ بِهَا، فَالْجُزْءُ الَّذِي يُلَاقِيهِ الْقَطْعُ، يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَلَاةً، وَالْبَاقِي بَعْدَهُ مِمَّا لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْقَعْدَةِ، وَإِذَا وَجَبَتِ الزِّيَادَةُ قُدِّرَتْ بِالتَّقْدِيرِ الَّذِي وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ، وامَّا فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَرْكَانِ، فَالْقَطْعُ لَا يَتَّصِلُ بِهِ، فَيَبْقَى الْقَدْرُ الَّذِي وُجِدَ رُكْناً رُكُوعاً وَسُجُوداً وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ (٧) بِحَقِّ الْأَمْرِ أَدْنَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وامَّا قَوْلُهُ رُكْنٌ تَضَمَّنَ تَسْبِيحًا كَانَ رَفْعُ الرَّأْسِ مِنْهُ رُكْنًا كَمَا (٨) فِي السَّجْدَةِ، قُلْنَا فِي السَّجْدَةِ رَفْعُ الرَّأْسِ لَيْسَ بِرُكْنٍ؛ وَإِنَّمَا الرُّكْنُ هُوَ الانْتِقَالُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَدَاءَ الثَّانِيَةِ إِلَّا بِهِ؛ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الانْتِقَالَ إِلَى الثَّانِيَةِ، إِلَّا بَعْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ، فَلَزِمَهُ رَفْعَ الرَّأْسِ (ضَرُورَةً إِمْكَانُ الانْتِقَالِ إِلَى غَيْرِهِ حَتَّى لَوْ أَمْكَنَهُ الانْتِقَالَ مِنْ غَيْرِ رَفْعِ الرَّأْسِ) (٩) بِأَنْ سَجَدَ عَلَى وِسَادَةٍ فَأُزِيلَتِ الْوِسَادَةُ حَتَّى وَقَعَ جَبْهَتُهُ عَلَى الْأَرْضِ أَجْزَاهُ؛ وَإِنْ لَمْ يُوجَدِ الرَّفْعُ هَكَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ الْقُدُورِي فِي التَّجْرِيدِ (١٠) وامَّا فِي الرُّكُوعِ فَالانْتِقَالُ إِلَى السُّجُودِ مُمْكِنٌ مِنْ غَيْرِ رَفْعٍ أَصْلًا فَلَا يَجْعَلُ رَفْعَ الرَّأْسِ عَنْهُ رُكْناً.

стр. 634

قَوْلُهُ ﵀: (وَادَّعَمَ عَلَى رَاحَتَيْهِ) أَيِ: اتَّكَأَ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنْ دَعَمْتُ الشَّيْءَ دَعْماً أَيْ جَعَلْتُهُ دُعَامَةً، وَوَضَعَ وَجْهَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ وَيَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ لِلْحَدِيثِ؛ وَلِأَنَّ آخِرَ الرَّكْعَةِ مُعْتَبَرٌ بِأَوَّلِهَا فَكَمَا (١) يَجْعَلُ رَأْسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ الرُّكْعَةِ عِنْدَ التَّكْبِيرِ فَكَذَلِكَ فِي آخِرِهَا كَذَا فِي " الْمَبْسُوطِ " (٢). قوله ﵀: (وَسَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ وَجَبْهَتِهِ). قُلْتُ جَازَ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيمُ الْأَنْفِ عَلَى الْجَبْهَةِ مَعَ أَنَّ وَضْعَ الْجَبْهَةِ أَقْوَى؛ لِأَدَاءِ الْفَرْضِ عِنْدَ وَضْعِهَا بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ بِخِلَافِ الْأَنْفِ لِاخْتِيَارِ (٣) مَا ذَكَرْنَا مِنْ شرح الطحاوي بِأَنَّهُ يَضَعُ أَوَّلًا عَلَى الْأَرْضِ مَا كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْأَرْضِ عِنْدَ السُّجُودِ. وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فَقَدْ أَجْمَعُوا (٤) أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ لِلْمُصَلِّي إِذَا سَجَدَ أَنْ/ يَضَعَ جَبْهَتَهُ وانْفَهُ عَلَى الْأَرْضِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَجَدَ وَضَعَ جَبْهَتَهُ وانْفَهُ عَلَى الْأَرْضِ (وَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٥) وَ لِأَنَّ السُّجُودَ إَنَّمَا يُوجَدُ بِوَضْعِ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ أَمَّا الْأَرْضُ) (٦) فَلَا بُدَّ مِنْهُ [لُغَةً] (٧)؛ لِأَنَّ السُّجُودَ لُغَةً يُنْبِئُ عَنِ الْوَضْعِ عَلَى الْأَرْضِ؛ لِقَوْلِهِمْ (٨) سَجَدَتِ النَّاقَةُ إِذَا وَضَعَتْ جِرَانَهَا (٩) عَلَى الْأَرْضِ. وأمَّا الْوَجْهُ فَثَبَتَ مَحَلًّا لِلْوَضْعِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ (١٠) جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ (١١) الْمُرَادُ بِهِ الْوَجْهُ ثُمَّ وَضْعُ جَمِيعِ الْوَجْهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّ الْأَنْفَ وَالْجَبْهَةَ عَظْمَانِ نَاتِئَانِ يَمْنَعَانِ وَضْعَ جَمِيعِ الْوَجْهِ، وَإِذْ (١٢) تَعَذَّرَ وَضْعُ الْكُلِّ كَانَ الْمَأْمُورُ بِهِ وَضْعُ الْبَعْضِ.

стр. 635

ثُمَّ وَضْعُ الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ (١) أَوْلَى مِنْ وَضْعِ الْخَدِّ لِوَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشَّرْعَ عَيَّنَ الْأَنْفَ وَالْجَبْهَةَ لِلْوَضْعِ (٢) وَالثَّانِي: أَنَّ وَضْعَ الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ مِمَّا يَتَأَتَّى مَعَ (٣) اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَوَضْعُ الْخَدِّ لَا يَتَأَتَّى إِلَّا بِالانْحِرَافِ عَنِ الْقِبْلَةِ فَتَعَيَّنَتِ الْجَبْهَةُ وَالْأَنْفُ لِلسُّجُودِ شَرْعاً. وَمَعْنَى ثُمَّ وَإِنْ كَانَ يُوجَدُ الاسْتِقْبَالُ لِلْقِبْلَةِ مَعَ وَضْعِ الذَّقْنِ لَمْ يَجْعَلْ وَضْعَهُ سَجْدَةً شَرْعاً لِأَنَّ السُّجُودَ عَلَى الذَّقْنِ لَمْ يُعْرَف تَعْظِيماً فِيمَا بَيْنَنَا (٤) وَالصَّلَاةُ؛ إِنَّمَا شُرِعَتْ بِأَفْعَالٍ ظَاهِرَةٍ تُعْرَفُ تَعْظِيماً فِيمَا بَيْنَنَا (٥)؛ فَلِذَلِكَ (٦) لَمْ يَتَأَدَّ بِالذَّقْنِ. وَفِي " الْمَبْسُوطِ ": (فَإِنْ سَجَدَ عَلَى الْجَبْهَةِ دُونَ الْأَنْفِ جَازَ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ سَجَدَ عَلَى الْأَنْفِ دُونَ الْجَبْهَةِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (٧) وَيُكْرَهُ وَلَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَهُوَ رِوَايَةُ أَسَدِ بْنِ عُمَرَو عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ) (٨) وَفِي التَّجْنِيسِ: وَلَوْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى حَجَرٍ (٩) صَغِيرٍ، إنْ وَضَعَ أَكْثَرَ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ يَجُوزُ، وَإِلَّا فَلَا وَكَانَ يَنْبَغِي أَنَّهُ إِذَا وَضَعَ مِنَ الْجَبْهَةِ بِمِقْدَارِ الْأَنْفِ أَنْ (١٠) يَجُوزَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (١١) كَمَا إِذَا وَضَعَ الْأَنْفَ، إِلَّا أَنَّا نَقُولُ فِي الْأَنْفِ إِنَّمَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ عُضْوٌ (١٢) كَامِلٌ فَصَارَ كَالْجَبْهَةِ، أَمَّا هَذَا الْقَدْرُ مِنَ الْجَبْهَةِ فَلَيْسَ بِعُضْوٍ كَامِلٍ، وَلَا بِأَكْثَرِهِ فَلَا يَجُوزُ.
следующие страницы →