← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

[من كان خائفاً يصلي إلى أي جهة قدر] وَمَنْ كَانَ خَائِفاً يُصَلِّي إِلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرَ، بِأَن اخْتَفَى مِنَ الْعَدُوِّ، أَوْ غَيْرِهِ وَيَخَافُ أَنٍّهُ إِذَا تَحَرَّكَ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ (١) أَنْ يَشْعُرَ بِهِ الْعَدُوُّ، جَازَ (٢) لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِداً، أَوْ قَائِماً، بِالْإِيمَاءِ، أَوْ مُضْطَّجِعاً، حَيْثُ مَا كَانَ وَجْهُهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مَرِيضاً، لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُحَوِّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَلَيْسَ بِحَضْرَتِهِ أَحَدٌ يُوَجِّهَهُ، وَكَذَا إِذَا انْكَسَرَتِ السَّفِينَةُ، وَبَقِيَ عَلَى لَوْحٍ وَخَافَ أَنَّهُ لَوْ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، يَسْقُطُ فِي الْمَاءِ؛ يُبَاحُ لَهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، أَنْ يُصَلِّيَ، حَيْثُ مَا كَانَ وَجْهُهُ)، كَذَا فِي "الْمُحِيطِ" (٣) [من جهل جهة القبلة ولم يجد من يسأله فإنه يجتهد] وَلَيْسَ بِحَضْرَتِهِ، مَنْ يَسْأَلُهُ عَنْهَا اجْتَهَدَ، وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ يُخْبِرُهُ، أَنَّ الْقِبْلَةَ هَكَذَا؛ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَعْمَلُ بِاجْتِهَادِهِ، عَلَى خِلَافِ (٤) خَبَرِهِ، لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الاسْتِخْبَارَ (٥) فَوْقَ التَّحَرِّي، عَلَى مَا ذَكَرَهَا ها هُنَا، وَلَكِنَّ هَذَا إِذَا كَانَ الْمُخْبِرُ، مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ؛ وَهُوَ يَعْلَمُ جِهَةَ الْقِبْلَةِ، وامَّا إِذَا كَانَ لَا يَعْلَمُ، فَهُوَ وَالْمُتَحَرِّي (٦) سَوَاءٌ، فَلَا يَتْرُكُ تَحَرِّيهِ بِخَبَرِهِ، وَفِي "التَّجْنِيسِ": (رَجُلٌ كَانَ بِالْمَفَازَةِ (٧) فَاشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فَأَخْبَرَهُ رَجُلَانِ؛ أَنَّ الْقِبْلَةَ إِلَى هَذَا الْجَانِبِ، وَوَقَعَ اجْتِهَادُهُ إِلَى جَانِبٍ آخَرَ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَهُمَا مُسَافِرَانِ مِثْلُهُ، لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَقُولَانِ بِالاجْتِهَادِ فَلَا يَتْرُكَ اجْتِهَادَهُ بِاجْتِهَادِ غَيْرِهِ) (٨).

стр. 562

قَوْلُهُ ﵀: (وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ إِلَّا التَّوَجُّهُ إِلَى جِهَةِ التَّحَرّي) فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا التَّعْلِيلُ؛ لَا يَكُونُ جَوَاباً، لِمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ (١) فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ سَلَّمْنَا أَنَّ التَّكْلِيفَ مُقَيَّدٌ بِالْوُسْعِ، لَكِنَّ هَذَا حَالُ الْعَمَلِ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ حَالَ تَوَجُّهِ الْخِطَابِ بِالْفِعْلِ بِمَا فِي وُسْعِهِ، وَلَا يَأْثَمُ بِمَا فَعَلَ عِنْدَ ظُهُورِ الْخَطَأِ، فَأَمَّا إِذَا ظَهَرَ خَطَؤُهُ، يَقِيناً، فَكَانَ فِعْلُهُ كَلَا فِعْلٍ فِي حَقِّ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ، كَمَا إِذَا صَلَّى فِي ثَوْبٍ بِاجْتِهَادِهِ، عَلَى أَنَّهُ طَاهِرٌ؛ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ نَجِسٌ، وَكَمَا إِذَا تَوَضَّأَ بِمَاءٍ، فِي الْأَوَانِي، بِالتَّحَرِّي؛ بِأَنَّهُ طَاهِرٌ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ نَجِسٌ، وَكَمَا إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِاجْتِهَادِهِ، فِي حُكْمٍ، ثُمَّ وَجَدَ نَصّاً، بِخِلَافِهِ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ، لِظُهُورِ خَطَؤُهُ بِيَقِينٍ مَعَ جَوَازِ الْعَمَلِ، (بِمَا فِي وُسْعِهِ عِنْدَ تَوَجُّهِ الْخِطَابِ بِالْعَمَلِ بِذَلِكَ) (٢). وَالَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنْ قَبِيلِ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُسْتَدْبِراً لِلْقِبْلَةِ فِي صَلَاتِهِ؛ ظَهَرَ خَطَؤُهُ بِيَقِينٍ، فَكَانَ مِنْ جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ؛ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى يَمِينِ الْقِبْلَةِ، أَوْ عَنْ (٣) يَسَارِهَا، فَأَنَا أُسَاعِدُكُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ خَطَؤُهُ بِيَقِينٍ. قُلْتُ: فِي هَذَا التَّعْلِيلِ؛ جَوَابٌ لَهُ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِالشَّيْءِ، الَّذِي غَابَ عَنْهُ عِلْمُهُ حَقِيقَةً عَلَى نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا (٤) غَابَ عَنْهُ عِلْمُهُ حَقِيقَةً، وَلَكِنْ لَوِ اسْتَقْصَى فِي طَلَبِهِ، يُمْكِنُ دَرْكُ حَقِيقَتِهِ، أَوْ يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْقَى فَيُشْبِهُهُ. وَالثَّانِي: هُوَ مَا انْقَطَعَ [عَنْهُ] (٥) عِلْمُهُ حَقِيقَةً عَنْ جِنْسِ (٦) الْإِنْسِ، وَلَا يُدْرِكُ حَقِيقَتَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَإِنِ اسْتَقْصَاهُ، فَمِن الْأَوَّلِ [هُوَ] (٧) مَا ذَكَرْتُهُ مِنَ الْمَسَائِلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَمَّا قَضَى بِاجْتِهَادِهِ، ثُمَّ رُوِيَ لَهُ نَصٌّ بِخِلَافِهِ كَانَ (٨) الْجَهْلُ بِهِ، جَاءَ مِنْ تَقْصِيرِهِ فِي الطَّلَبِ؛ فَإِنَّهُ (٩) لَوْ طَلَبَ [حَقَّ الطَّلَبِ] (١٠) لَأَصَابَهُ فَصَارَ كَالَّذِي اجْتَهَدَ فِي الْمِصْرِ، وَ (١١) أَخْطَأَ الْمِحْرَابَ، وَكَذَلِكَ الْمُصَلِّي فِي ثَوْبٍ أُمِرَ بِإِصَابَةِ الطَّاهِرِ حَقِيقَةً، لِأَنَّ فِي وُسْعِهِ غَسْلَ ذَلِكَ بِمَاءٍ، ثُمَّ اسْتِصْحَابُهُ (١٢) مَعَ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا خَفِيَ عَلَيْهِ، لِنِسْيَانِهِ الطَّاهِرِ مِنْهُمَا، وَكَذَلِكَ فِي مَاءِ الْوُضُوءِ، كَانَ فِي وُسْعِهِ اسْتِخْبَارِهِ، مِمَّنْ لَهُ الْعِلْمُ بِحَقِيقَةِ نَجَاسَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فِي وُسْعِهِ، كَانَ فِي وُسْعِهِ إِرَاقَتِهِ، وَالتَّيَمُّمُ الَّذِي يَخْلُفُهُ، لَا شُبْهَةَ فِيهِ وامَّا (١٣) عِلْمُ جِهَةِ الْكَعْبَةِ، فَمِنَ الْنَوْعِ الثَّانِي، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَبْنَى عِلْمِ جِهَةِ الْكَعْبَةِ لِلْغَائِبِ عَنِ الْكَعْبَةِ، عَلَى النَّجْمِ لَا عَلَى خَبَرِ النَّاسِ، فَإِنَّ الْمُخْبِرَ، لَوْ أَخْبَرَ؛ إِنَّمَا يُخْبِرُهُ (١٤) عَنِ النَّجْمِ أَيْضاً، ثُمَّ كُلٌّ مِنْهُمَا عَجَزَ عَنِ الاسْتِدْلَالِ، بِالنَّجْمِ لِعَارِضِ الْغَيْمِ، وَذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَسَقَطَ بِهِ، خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى، لِمَا لَمْ يُعْطَ قُدْرَةُ إِزَالَتِهِ إِيَّاهُ، فَلْمَ يَعْمَلْ فِيمَا مَضَى، وَإِنْ ظَهَرَ خَطَؤُهُ يَقِيناً، كَنَصٍّ نَزَلَ بَعْدَ الْعَمَلِ، بِخِلَافِهِ، أَوْ نَزَلَ وَلَمْ يُبْلِغْهُ، لَا بِتَقْصِيرٍ مِنْهُ، كَمَا فِي ابْتِدَاءِ حُرْمَةِ الْخَمْرِ، وَفِيهِ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (١٥).

стр. 563

وَمِنْ نَظِيرِ النَّوْعَيْنِ، جَهْلُ الذِّمِّيِّ بِالشَّرَائِعِ، بَعْدَ الْإِسْلَامِ، زَمَانًا وَجَهْلُ الْحَرْبِيِّ بِهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، حَيْثُ يَجِبُ عَلَى الذِّمِّيِّ، قَضَاءُ مَا مَضَى/ لِأَنَّ الْجَهْلَ، كَانَ لِسَبَبِ (١) تَقْصِيرِهِ فِي الطَّلَبِ؛ لِأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ دَارُ الْعِلْمِ بِالشَّرَائِعِ، فَلَمْ يُعْذَرْ فِي الْقَضَاءِ بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ الَّذِي أَسْلَمَ حَيْثُ (٢) لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى؛ لِأَنَّ الْوِلَايَاتِ مُنْقَطِعَةٌ، فَلَمْ يَكُنْ جَهْلُهُ بِهَا، بِسَبَبِ تَقْصِيرِهِ، فَعُذِرَ فِي (٣) الْقَضَاءِ بَعْدَ الْعِلْمِ، هَذَا حَاصِلُ مَا ذُكَرَ فِي "الأسرار". فَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، كَانَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ ﵀: (وَالتَّكْلِيفُ مُقَيَّدٌ بِالْوُسْعِ) رَاجِعاً إِلَى الْوُسْعِ؛ الَّذِي لَوْ بَالَغَ فِي الْجُهْدِ؛ لَأَصَابَهُ؛ لِأَنَّهُ مُحَلَّى بِالْأَلَفِ، وَاللَّامِ، فَكَانَ مُسْتَغْرِقاً لِجَمِيعِ (٤) مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْوُسْعِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ وُسْعُ مَا فِي الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ، صَارَ كَنَصٍّ نَزَلَ بَعْدَ الْفِعْلِ، وَكَإِسْلَامِ الْحَرْبِيِّ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الْإِعَادَةَ، فَكَذَا هَذَا. أَوْ نَقُولُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، إِنَّ النَّجَاسَةَ، وأمثالها، مِنْ قَبِيلِ مَا لَا يُحْتَمَلُ الانْتِقَالُ مِنْ مَحَلٍّ إِلَى مَحَلٍّ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْعَمَلُ، إِلَّا بِظَاهِرِ مَا أَدّى إِلَيْهِ تَحَرِّيهِ، (٥) فَإِذَا ظَهَرَ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ أَبْطَلَهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلانْتِقَالِ؛ حَتَّى يُقَالَ أَنَّهُ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، [طَاهِراً] (٦) ثُمَّ تَنَجَّسَ بَعْدَهُ (٧) بِالْيَقِينِ، بَلْ هُوَ حِينَ صَلَّى، كَانَ ذَلِكَ الثَّوْبُ، مَوْصُوفاً بِالنَّجَاسَةِ. وَكَذَلِكَ فِي حُكْمِ الْقَاضِي بِالاجْتِهَادِ، وَفِيهِ نَصٌّ بِخِلَافِهِ، وامَّا الْقِبْلَةُ، فَهِيَ مِنْ قَبِيلِ مَا يَحْتَمِلُ الانْتِقَالَ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا انْتَقَلَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، إِلَى الْكَعْبَةِ، وَمِنْ عَيْنِ (٨) الْكَعْبَةِ، إِلَى الْجِهَةِ، إِذَا بَعُدَ مِنْ مَكَّةَ، وَمِنْ جِهَةِ الْكَعْبَةِ، إِلَى سَائِرِ الْجِهَاتِ، إِذَا كَانَ رَاكِباً؛ فَإِنَّهُ يُصَلِّي حَيْثُ مَا تَوَجَّهَتْ إِلَيْهِ رَاحِلَتُهُ، فَبَعْدَمَا صَلَّى إِلَى جِهَةِ (٩) التَّحَرِّي، إِذَا تَحَوَّلَ رَأْيُهُ، يَنْتَقِلُ فَرْضُ التَّوَجُّهِ (١٠) إِلَى تِلْكَ الْجِهَةِ أَيْضاً، فَكَانَ تَبَدُّلُ (١١) الرَّأْيِ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ النَّسْخِ، فَيُعْمَلُ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَا يَظْهَرُ بِهِ بُطْلَانُ مَا مَضَى، كَمَا فِي النَّسْخِ الْحَقِيقِيِّ، لِأَنَّ الشَّرْطَ [بِمَنْزِلَةِ] (١٢) أَنْ يَكُونَ مُبْتَلًى، فِي التَّوَجُّهِ عِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ؛ وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ (١٣) الْأَمْرِ، بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الْكَعْبَةِ (١٤).

стр. 564

لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا جِهَةَ لَهُ حَتَّى يُتَوَجَّهُ إِلَيْهِ) (١) وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ هَذَا إِذَا صَلَّى إِلَى الْجِهَةِ؛ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهِ تَحَرِّيهِ (٢). [أحوال المأمومين مع الإمام] قَوْلُهُ ﵀: (وَمَنْ عَلِمَ مِنْهُمْ) (٣). أَيْ: مِنَ الْقَوْمِ الْمُقْتَدِينَ، بِهَذَا الْإِمَامِ، وَهَذَا الْقَيْدُ؛ وَهُوَ عِلْمُ الْمُقْتَدِينَ حَالَ كَوْنِهِمْ مَأْمُومِينَ لَيْسَ بِلَازِمٍ، فِي حَقِّ فَسَادِ صَلَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ لَوْ عَلِمَ حَالَ الْإِمَامِ (٤) قَبْلَ الاقْتِدَاءِ، فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ حَالُ الْإِمَامِ، فِي وَقْتِ الاقْتِدَاءِ، عَلَى حَالِ الصِّحَّة؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْمُصنِّفُ ﵀ فِي "التَّجْنِيسِ" (رَجُلٌ تَحَرَّى الْقِبْلَةَ، فَأَخْطَأَ، فَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ؛ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ثُمَّ عَلِمَ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، إِلَى الْقِبْلَةِ، ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ فِي صَلَاتِهِ وَقَدْ عَلِمَ حَالَهُ، الْأَوْلَى لَا يَجُوزُ صَلَاةُ الدَّاخِلِ، لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي صلَاتِهِ، وَعَلِمَ أَنَّ الْإِمَامَ كَانَ عَلَى الْخَطَأِ فِي أَوَّلِ صَلَاتِهِ وَلَوْ عَلِمَ مِنْ أَوَّلِ صَلَاتِهِ أَنَّ الْإِمَامَ عَلَى الْخَطَأِ، وَدَخَلَ فِي صَلَاتِهِ لَمْ يَجُزْ فَكَذَا هَذَا) (٥)، وَفِيهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ (٦).

стр. 565

وَذَكَرَ فِي "الْإِيضَاحِ" (١): قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ -رحمهما الله-: إِذَا أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى جِهَةٍ، فَصَلَّى إِلَى غَيْرِهَا؛ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ أَصَابَ الْقِبْلَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجُوزُ إِذَا أَصَابَ (٢)؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ قَدْ حَصَلَ، كَمَا فِي الْأَوَانِي، إِذَا تَحَرَّى، فَتَوَضَّأَ بِغَيْرِ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ (٣) أَنَّهُ كَانَ مُصِيباً، وَهُمَا يَقُولَانِ: بِأَنَّ الْجِهَةَ؛ الَّتِي أَدَّى إِلَيْهَا اجْتِهَادُهُ، هِيَ الْقِبْلَةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا وُسْعَ لَهُ، إِلَّا هَذَا، فَكَانَ التَّكْلِيفُ [بِهِ] (٤) لَا غَيْرَ، وَبِتَرْكِهِ صَارَ إِعْرَاضاً عَنِ الْقِبْلَةِ، بِخِلَافِ الْأَوَانِي، لِأَنَّ مَا (٥) اسْتُعْمِلَ لَمْ يَنْزِلْ مَنْزِلَةَ الطَّاهِرِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ، وَإِنْ تَوَضَّأَ، بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، إِذَا ظَهَرَ خَطَؤُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .. … كِتَابُ الصَّلاة بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ التَّوَابِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ، الَّتِي هِيَ مُقَدِّمَةٌ عَلَى الصَّلَاةِ، وُجُوداً، لِكَوْنِهَا شُرُوطاً وأسْبَاباً، وَمُقَدِّمَة ٌعَلَيْهَا أَيْضاً؛ ذِكْراً لِيَكُونَ الذِّكْرُ، عَلَى وِفَاقِ الْوُجُودِ؛ شَرَعَ بِبَيَانِ الْمَتْبُوعِ وَكَيْفِيَّتِهِ؛ وَهُوَ الصَّلَاةُ، وَصِفَاتُهَا فَقَالَ: (بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ) هَذَا مِنْ قَبِيلِ إِضَافَةِ الْجُزْءِ إِلَى الْكُلِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ صِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ؛ جُزْءُ الصَّلَاةِ، إِذْ هَذِهِ (٦) الْأَوْصَافِ، أَوْصَافٌ ذَاتِيَّةٌ، لِمَا أَنَّ عِنْدَ تَمَامِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ، تَتَمُّ الصَّلَاةُ، فَجَازَ أَنْ يُوصَفَ الْعَرْضُ؛ بِالصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ، كَاللَّوْنِيَّةِ، وَالْعَرَضَيَّةِ، وَاسْتِحَالَةُ الْبَقَاءِ، فَيُقَالُ: السَّوَادُ عَرَضٌ، وَلَوْنٌ، وَمُسْتَحِيلُ الْبَقَاءِ (٧) وَإِنَّمَا لَا يُوصَفُ بِصِفَاتٍ زَائِدَةٍ عَلَى الذَّاتِ، كَالْبَقَاءِ، وَالْحَيَاةِ، وَالْقُدْرَةِ مَعَ أَنَّ الْأَفْعَالَ الشَّرْعِيَّةَ لَهَا حُكْمُ الْجَوَاهِرِ؛ فَلِذَلِكَ (٨) تُوصَفُ بِالصِّحَّةِ، وَالْفَسَادِ، وَالْجَوَازِ وَالْبُطْلَانِ، وَالْفَسْخِ، وَالْإِقَالَةِ، وَالانْتِقَالِ، وَالْبَقَاءِ، وَالْجُزْءِ وَالْكُلِّ.

стр. 566

وَلِذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْأَفْعَالَ الشَّرْعِيَّةَ، بِفَضْلِهِ، سَبَبَ اسْتِحْبَابِ/ جِنَانٍ (١) لَا تَفْنَى وَاسْتِحْقَاقِ حِسَانٍ لَا تَضْنَى، وَاسْتِصْحَابِ جِيرَانٍ لَا تَحْنَى. وَفِي "الصِّحَاحِ": وَصَفْتُ الشَّيْءَ وَصْفاً وَصِفَةً، فَالْهَاءُ (٢) عِوَضٌ مِنَ الْوَاوِ، كَالْوَعْظِ وَالْعِظَةِ، وَالْوَعْدِ، وَالْعِدَةِ (٣) وَلَكِنْ هُمَا يَتَفَاوَتَانِ فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْكَلَامِ، فَقَالَ الْإِمَامُ سَيْفُ الْحَقِّ أَبُو الْمُعِينِ ﵀ (٤) فِي "الاسْمِ وَالْمُسَمَّى" (٥): وَزَعَمَتِ الْمُعْتَزَلَةُ، وَالْأَشْعَرِيَّةُ بِأَنَّ الْوَصْفَ وَالصِّفَةَ لَفْظَانِ، يُنْبِئَانِ عَنْ مَعْنىً وَاحِدٍ، وَهُمَا مِنْ قَبِيلِ الْأَسْمَاءِ الْمُتَرَادِفَةِ، كَلَفْظِ الْأَسَدِ، وَاللَّيْثِ، وأصْحَابُنَا يَقُولُونَ، إِنَّ الْوَصْفَ: هُوَ كَلَامُ الْوَاصِفِ، وَالصِّفَةُ: هِيَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِذَاتِ الْمَوْصُوفِ، فَقَوْلُ الْقَائِلِ: زَيْدٌ عَالِمٌ؛ وَصْفٌ لِزَيْدٍ لَا صِفَةَ لَهُ، وَعِلْمُهُ الْقَائِمُ بِهِ صِفَتُهُ، لَا وَصْفَهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ قِيَامَ الْوَصْفِ بِالْوَاصِفِ، وَقِيَامَ الصِّفَةِ بِالْمَوْصُوفِ. [فَرَائِضُ الصَّلَاةِ] قَوْلُهُ ﵀: (فَرَائِضُ الصَّلَاةِ سِتَّةٌ)، وَالْقِيَاسُ أَنْ يُقَالَ: سِتٌّ (٦)؛ لِأَنَّ الْفَرَائِضَ جَمْعُ فَرِيضَةٍ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ، لَكِنَّهُ قَالَ: عَلَى تَأْوِيلِ الْفُرُوضِ، كَقَوْلِهِ: وَلَا أَرْضَ أَبْقَلَ (٧) إِبْقَالَهَا عَلَى تَأْوِيلِ الْمَكَانِ ثُمَّ ذَكَرَهَا (٨) بِلَفْظِ الْفَرَائِضِ دُونَ غَيْرِهَا، لِمَا أَّنَهَا أَعَمُّ مِنْ لَفْظِ الْأَرْكَانِ، وَالشُّرُوطِ؛ إِذْ لَفْظُ الْفَرَائِضِ، يَتَنَاوَلُهَا فَإِنَّ الَأَرْبَعَةَ مِنْهَا، وَهِيَ: الْقِيَامُ، وَالْقِرَاءَةُ، وَالرُّكُوعُ، وَالسُّجُودُ، أَرْكَانٌ أَصْلِيَّةٌ، وَالتَّحْرِيمَةُ شَرْطُ جَوَازِ الصَّلَاةِ، وَالْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ، فَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ فَرْضًا، إِلَّا أَنَّهَا لَيْسَتْ رُكْنًا أَصْلِيًّا فِي الصَّلَاةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَمْ تُشْرَعْ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَإِنَّمَا شُرِعَتْ هِيَ شَرْطًا لِلتَّحْلِيلِ كَذَا فِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ".

стр. 567

وَذَكَرَ فِي "التُّحْفَةِ": (لِلصَّلَاةِ فَرَائِضٌ، وَوَاجِبَاتٌ، وَسُنَنٌ، وَآدَابٌ، أَمَّا الْفَرَائِضُ فَثِنْتَا عَشَرَةَ، سِتَّةٌ مِنَ الشَّرَائِطِ، وَسِتَّةٌ مِنْ نَفْسِ الصَّلَاةِ، فَأَمَّا السِّتَّةُ؛ الَّتِي مِنَ الشَّرَائِطِ: فَالطَّهَارَةُ وَسَتْرُ الَعَوْرَةِ، واسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ، وَالْوَقْتُ، وَالنِّيَّةُ، وَالتَّحْرِيمَةُ؛ وَهِيَ تَكْبِيرَةُ الافْتِتَاحِ وامَّا (١) السِّتَّةُ، الَّتِي هِيَ مِنْ نَفْسِ الصَّلَاةِ: فَالْقِيَامُ، وَالْقِرَاءَةُ، وَالرُّكُوعُ، وَالسُّجُودُ وَالانْتِقَالُ مِنْ رُكْنٍ إِلَى رُكْنٍ، وَالْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ، إِلَّا أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأُولَى مِنَ الْأَرْكَانِ، دُونَ الاثْنَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ؛ حَتَّى أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُصَلِّي، فَقَيَّدَ الرَّكْعَةَ بِالسَّجْدَةِ، يَحْنَثُ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدِ الْقَعْدَةُ، وَلَوْ أَتَى بِمَا دُونَ الرَّكْعَةِ لَا يَحْنَثُ) (٢). وَالْحَاصِلُ أَنَّ ثُبُوتَ الشَّيْءِ يَفْتَقِرُ (٣) إِلَى سِتَّةِ أَشْيَاءَ؛ الْعَيْنُ؛ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ وَالرُّكْنُ (٤)؛ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ جُزْءِ الْمَاهِيَّةِ (٥)، وَالْحُكْمُ؛ وَهُوَ الْأَثَرُ الثَّابِتُ بِالشَّيْءِ، وَالْمَحَلِّ، وَالشَّرْطِ وَالسَّبَبِ.

стр. 568

فَالْعَيْنُ هُنَا؛ الصَّلَاةُ، وَالْأَرْكَانُ؛ الْقِيَامُ، وَالْقِرَاءَةُ، وَالرُّكُوعُ، وَالسُّجُودُ، وَالْمَحَلُّ؛ الْآدَمِيُّ الْمُكَلَّفُ، وَالشَّرْطُ؛ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْحُكْمُ؛ الْجَوَازُ فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَابُ فِي الْآخِرَةِ (١) فَالسَّبَبُ؛ الْأَوْقَاتُ، وَالْكَلَامُ فِي التَّحْرِيمَةِ بِأَنَّهَا رُكْنٌ أَوْ شَرْطٌ يَأْتِي بُعَيْدَ هَذَا. قَوْلُهُ: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (٢) أَيْ: وَاخْتَصِّ (٣) رَبَّكَ بِالتَّكْبِيرِ؛ وَهُوَ الْوَصْفُ بِالْكِبْرِيَاءِ، وانْ يُقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَيُرْوَى أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُ أَكْبَرُ» فَكَبَّرَتْ خَدِيجَةُ ﵂ وَفَرِحَتْ وأيقنت أَنَّهُ الْوَحْيُ، فَإِنَّ سُورَةَ الْمُدَّثِّرِ أَوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ (٤)، وَدَخَلَتِ الْفَاءُ لِمَعْنَى الشَّرْطِ أَيْ: أَيَّ شَرْطٍ كَانَ (٥) كَأَنَّهُ قِيلَ: وأيًّا مَا كَانَ (٦) فَلَا تَدَعْ تَكْبِيرَهُ. كَذَا فِي "الْكَشَّافِ" (٧). [حُكم تكبيرة الإحرام] وَالتَّكْبِيرُ لِلشُّرُوعِ (٨) لَا بُدَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ الشُّرُوعَ فِي الصَّلَاةِ، وَالشُّرُوعُ فِي الصَّلَاةِ (٩) جُعِلَ بِالتَّكْبِيرِ عُرِفَ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ. أَمَّا الْكِتَابُ؛ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (١٠) نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (١١) وَالْمُرَادُ بِهِ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ.

стр. 569

وامَّا السُّنَةُ؛ فَلِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وأبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مُفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» (١) وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَقْبَلِ اللَّهُ صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعِهِ» (٢) وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَيَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ. وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ (٣)؛ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ الْأَصَمَّ، وَسُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ، وَالْحَسَنَ، وَكَثِيراً مِنْ أَصْحَابِهِمْ إِنْ خَالَفُونَا فِي الْقِرَاءَةِ، أَنَّهَا رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ سُنَّةٌ، فَقَدْ وَافَقُونَا فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى؛ أَنَّهَا فَرْضٌ، لَا بُدَّ مِنْهُ لِأَنَّهُ جُعِلَ شَرْطاً لِلشُّرُوعِ شَرْعا كَالطَّهَارَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْهُ كَذَا فِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ".

стр. 570

وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرْخَسِيُّ ﵀: (وامَّا التَّكْبِيرُ فَلَا بُدَّ مِنْهُ لِلشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ، إِلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الْأَصَمِّ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنَ عُلَيَّةَ، فَإِنَّهُمَا يَقُولَانِ يَصِيرُ شَارِعًا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَالْأَذْكَارُ عِنْدَهُمَا كَالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةِ، زِينَةُ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَتْ مِنَ الْوَاجِبَاتِ، قَالَا لِأَنَّ مَبْنِيَّ الصَّلَاةِ عَلَى الْأَفْعَالِ، لَا عَلَى الْأَذْكَارِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَاجِزَ عَنِ الْأَذْكَارِ [كَانَ] (١) الْقَادِرَ عَلَى الْأَفْعَالِ يَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ/ وَلَنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (٢) أَيْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، وَظَاهِرُ (٣) قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٤) تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَقْصُودَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ، فَيَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ لَا يَكُونُ وَاجِباً؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى بِجَمِيعِ الْأَعْضَاءِ، واشْرَفُ الْأَعْضَاءِ اللِّسَانِ؛ [لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَّ عَلَيْهِ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (٥)؛ وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِنَّمَا بَايَنَ سَائِرَ الْحَيَوَانَاتِ، بِالْبَيَانِ بِاللِّسَانِ] (٦) فَلَا بُدَّ مِنْ (٧) أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَقَالَ ﷺ : «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» (٨) فَدَلَّ أَنَّ بِدُونِهِ لَا يَصِيرُ شَارِعاً، وَتَحْرِيمَةُ الصَّلَاةِ، تَتَنَاوَلُ اللِّسَانَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ مُفْسِدٌ لِلصَّلَاةِ، فَلَوْ لَمْ تَتَنَاوَلْهُ التَّحْرِيمَةُ، لَمْ يَكُنْ مُفْسِداً كَالنَّظَرِ بِالْعَيْنِ، وَمَبْنَى الصَّلَاةِ عَلَى الْأَفْعَالِ دُونَ الْكَفِّ، فَكُلُّ مَا تَتَنَاوَلُهُ التَّحْرِيمَةُ، يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ). (٩)

стр. 571

[القراءة في الصلاة] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (١) قَالَ عُلَمَاؤُنَا (٢) ﵏ الْقِرَاءَةُ رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ أَصْلِيٌّ (٣) وَقَالَ بَعْضُهُمْ مِمَّنْ لَا (٤) تَبَعَ لَهُ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ؛ لِأَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْفِعْلِ، دُونَ الْقَوْلِ يُخَاطِبُ (بِالصَّلَاةِ دُونَ الْقَادِرِ عَلَى الْقَوْلِ بِلَا فِعْلٍ؛ وَلِأَنَّهُ يَسْقُطُ عَنِ الْمُقْتَدِي إِذَا أَدْرَكَ الْإِمَامُ فِي الرُّكُوعِ) (٥) بِالْإِجْمَاعِ وَرُكْنُ الصَّلَاةِ لَا يَسْقُطُ بِالاقْتِدَاءِ. وَلَنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٦) وَهُوَ إِنَّمَا نَزَلَ فِي شَأْنِ الصَّلَاةِ بِدَلِيلِ صَدْرِ الْآيَةِ وَسِيَاقُهَا؛ وَلِأَنَّهَا لَا تَجِبُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَثَبَتَ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ وانَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾﴾ (٧). فَأَرْكَانُ (٨) الصَّلَاةِ شُرِعَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مُتَفَرِّقَةً، وَجَمَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَضَرْبٌ مِنَ الْفِقْهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْكَلَامَ قَاطِعٌ لِلصَّلَاةِ، فَلَوْلَا أَنَّ اللِّسَانَ يَتَنَاوَلُهُ عَقْدُ الصَّلَاةِ، وَاسْتَحَقَّ عَلَيْهِ [أَدَاءَ] (٩) رُكْنٍ مِنْهَا، وَإِلَّا لَمَا تُصُوِّرَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا لَمْ (١٠) يَتَعَلَّقْ بِالْعَيْنِ، لَمْ يَكُنِ النَّظَرُ قَاطِعاً، وَكَذَلِكَ الْآذَانُ (١١) وَلَمَّا تَعَلَّقَ بِالْبَدَنِ جُمْلَةٌ مِنْ قِيَامٍ وَقُعُودٍ وَرُكُوعٍ، وَسُجُودٍ، وَاسْتِقْبَالٍ كَانَ عَمَلُ الْبَدَنِ، بِخِلَافِ هَذَا قَاطِعاً، وَالصَّوْمُ لَمَا تَأَدَّى بِالْكَفِّ عَنْ شَهْوَةِ الْبَطْنِ، وَالْفَرْجِ (١٢) لَمْ يَتَعَلَّقِ النَّقْضُ (١٣) إِلَّا بِاقْتِضَائِهِمَا عَلَى سَبِيلِ الْمُضَادَّةِ وَبِحَيْضِ الْمَرْأَةِ إِنَّمَا يَفْسَدُ الصَّوْمِ بِزَوَالِ شَرْطِهِ كَمَا يَفْسَدُ (١٤) هُنَا بِالْحَدَثِ وَإِصَابَةِ النَّجَاسَةِ الْمَانِعَةِ وَلَا مَعَنى أَنْ يُقَالَ قَدْ تَعَلَّقَ بِاللِّسَانِ التَّعْظِيمُ بِالتَّكْبِيرِ لِأَنَّا نَقُولُ إِنَّهُ شَرْطٌ وَعَقْدٌ عَلَى الْأَدَاءِ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ وَالْجَوَابُ عَمَّا قَالُوهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ عَلَى الْأَدَاءِ (١٥) دُونَ الْفِعْلِ فِي دِيَّتِهِ (١٦) الْوُجُوبُ فَلَا يَدُلُّ عَلَى السُّقُوطِ أَصْلًا كَذَا فِي "الأسرار" (١٧).

стр. 572

وَذَكَرَ فِي " الْمَبْسُوطِ ": ثُمَّ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ فَرْض الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَقُولُ فِي [كُلِّ] (١) رَكْعَةٍ (٢) وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ (٣) فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ (٤) وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ (٥) وَاسْتَدَلَّ الْحَسَنُ بِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِالْقِرَاءَةِ» (٦) وَهَذَا يَقْتَضِي فَرْضِيَّةُ الْقِرَاءَةِ لَا تَكْرَارُهَا فَإِنَّ الْكُلَّ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الاكْتِفَاءُ بِالْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَفَعَلَهُ تَعْلِيماً لِلْجَوَازِ. وَالْفَاتِحَةِ سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي كُلِّ صَلَاةٍ أَيْ تُقْرَأُ مَرَّتَيْنِ وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَجْمَعْنَا عَلَى فَرْضِيَّةِ الْقِرَاءَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنَ التَّطَوُّعِ وَالْفَرْضِ أَقْوَى مِنَ التَّطَوُّعِ (٧). فَثَبَتَتِ الْفَرْضِيَّةُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِالطَّرِيقِ الْأُولَى وَهَكَذَا قَالَ مَالِكٌ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ (٨) أُقِيمُ الْقِرَاءَةَ فِي أَكْثَرِ الرَّكَعَاتِ مَقَامَهَا فِي الْجَمِيعِ تَيْسِيراً. وَلَنَا إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ (٩) فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى جِهَةِ الثَّنَاءِ، وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ كَانَ [يُسَبِّحَانِ] (١٠) فِي الْأُخْرَيَيْنِ (١١) وَكَذَا عَنْ غَيْرِهِمَا وَكَفَى بِإِجْمَاعِهِمْ حُجَّةً؛ وَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ ذِكْرٌ يُخَافَتُ بِهَا فِي كُلِّ حَالٍ فَلَا يَكُونُ رُكْناً كَثَنَاءِ الافْتِتَاحِ وَتَأْثِيرِهِ أَنَّ مَبْنِيَّ الْأَرْكَانِ (١٢) عَلَى الشُّهْرَةِ وَالظُّهُورِ وَلَوْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ رُكْنًا لِمَ خَالَفَتِ الْأُولَيَيْنِ فِي الصِّفَةِ كَسَائِرِ الْأَرْكَانِ وَكُلُّ (١٣) شَفْعٍ مِنَ التَّطَوُّعِ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ بِخِلَافِ الْفَرْضِ حَتَّى أَنَّ فَسَادَ الشَّفْعِ الثَّانِي فِي التَّطَوُّعِ لَا يُفْسِدُ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ) (١٤) وَبَاقِي الْأَحْكَامِ (١٥) يَأْتِي فِي الْقِرَاءَةِ وَلَا خِلَافَ لِأَحَدٍ فِي (١٦) فَرْضِيَّةِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِأَنَّ مَبْنَى الصَّلَاةِ (١٧) عَلَى الْأَفْعَالِ؛ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى التَّعْظِيمِ.

стр. 573

[الْقَعْدَةُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ] قَوْلُهُ ﵀: (وَالْقَعْدَةُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ) (١) وَذُكِرَ فِي "الْإِيضَاحِ" فَأَمَّا الْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ، فَمِنْ جُمْلَةِ الْفُرُوضِ، وَلَيْسَتْ مِنَ الْأَرْكَانِ [وَالْفَرْقُ] (٢) بَيْنَ الرُّكْنِ، وَالْفَرْضِ، فَرُكْنُ الشَّيْءِ؛ مَا يُفَسَّرُ بِه ذَلِكَ الشَّيْءُ، وَتَفْسِيرُ (٣) الصَّلَاةِ لَا يَقَعُ بِالْقَعْدَةِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ بِالْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ/ وَالرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ (٤) وَدَرَجَةُ الْقِرَاءَةِ فِي الرُّكْنِيَّةِ أَحَطُّ مِنْ غَيْرِهَا، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي، فَقَامَ وَقَرَأَ، وَرَكَعَ، وَسَجَدَ؛ يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، وَلَوْ كَانَتِ الْقَعْدَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَرْكَانِ لَتَوَقَّفَ الْحَنْثُ عَلَيْهَا، فَإِنَّ الْحِنْثَ فِي الْيَمِينِ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا (٥) بَعْدَ وُجُودِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَكَانَ الْفِقْهُ (٦) فِي انْعِدَامِ الرُّكْنِيَّةِ فِي الْقَعْدَةِ؛ أَنَّ الصَّلَاةَ فِعْلٌ هُوَ تَعْظِيمٌ، واصْلُ التَّعْظِيمِ؛ فِي الْقِيَامِ، وَيَزْدَادُ بِالرُّكُوعِ، وَيَتَنَاهَى بِالسُّجُودِ؛ فَأَمَّا الْقَعْدَةُ فَلِلْخُرُوجِ مِنَ الصَّلَاةِ فَكَانَتْ مُعْتَبَرَةٌ لِغَيْرِهَا (٧) لَا لِعَيْنِهَا فَلَمْ يَكُنْ مِنْ جُمْلَةِ الْأَرْكَانِ، وَإِنَّمَا فَصَلْنَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقَعْدَةِ الْأُولَى لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَصَلَ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّهُ ﷺ [رَوَي] «أَنَّهُ قَامَ إِلَى الثَّالِثَةِ فَسَبَّحَ بِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ» (٨) «وَقَامَ إِلَى الْخَامِسَةِ فَسَبَّحَ بِهِ فَرَجَعَ» فَدَّلَ عَلَى اخْتِلَافِ حُكْمَيْهَا (٩).

стр. 574

وَذَكَرَ فِي "الأسرار" (١) فِي حَقِّ فَرْضِيَّةِ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ، (فَقَالَ قَدْ ثَبَتَ بِاتِّفَاقِ الْأَخْبَارِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا سَلَّمَ إِلَّا بَعْدَ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ) (٢) وَالْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، مُجْمَلٌ فَيَكُونُ فِعْلُهُ بَيَاناً لِمَا لَمْ (٣) يَثْبُتْ بِالْكِتَابِ؛ بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ، يَعْنِي لَمْ يَجْعَلْ مُوَاظَبَةَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، (بَيَانًا لِمُجْمَلِ الْكِتَابِ، لِمَا أَنَّ الْآيَةَ ظَاهِرَةٌ فِي حَقِّ الْقِرَاءَةِ، مُسْتَغْنِيَةٌ عَنْ بَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ فِعْلُهُ، وَمُوَاظَبَتُهُ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ) (٤) زِيَادَةً عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، لَوِ اقْتَضَى الْفَرْضِيَّةُ، وانَّهُ نَسْخٌ، وَلَيْسَ بِبَيَانٍ؛ فَلِذَلِكَ حُمِلَ فِعْلُهُ هُنَاكَ عَلَى بَيَانِ الْكَمَالِ، لِأَنَّ الْآيَةَ لَمْ تَتَعَرَّضْ لَهُ قَوْلُهُ ﷺ : «إِذَا قُلْتَ هَذَا أَوْ فَعَلْتَ هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ» (٥) قَالَ ﵀: (عَلَّقَ التَّمَامَ بِالْفِعْلِ قَرَأَ أَوْ لَمْ يَقْرَأْ). لِأَنَّ مَعْنَاهُ إِذَا قُلْتَ وأنت قَاعِداً، أَوْ قَعَدْتَ (٦) وَلَمْ تَقُلْ شَيْئاً؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ التَّشَهُّدِ بِدُونِ فِعْلِ الْقُعُودِ لَا يُتَصَوَّر، فَصَارَ الْفِعْلُ أَصْلاً دُونَ الْقَوْلِ، كَذَا وَجَدْتُ بِخَطِّ الْأُسْتَاذِ مَوْلَانَا … فَخْرِ الدِّينِ ﵀ يَعْنِي أَنَّ تَمَامَ (٧) الصَّلَاةِ فَرْضٌ بِالدَّلِيلِ الَّذِي يُوجِبُ فَرْضِيَّةَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ … لَا تَكُونُ بِدُونِ التَّمَامِ، وَتَرْكُ الْإِتْمَامِ بَعْدَ الشُّرُوعِ إِبْطَالٌ لِلْعَمَلِ وَهُوَ مَزْجُورٌ (٨) عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٩)، وَالتَّمَامُ مُعَلَّقٌ بِفِعْلِ الْقَعْدَةِ، فَكَانَتِ الْقَعْدَةُ فَرْضاً لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الَّذِي لَا يَتِمُّ إِلَّا بِشَيْءٍ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ وَاجِباً.

стр. 575

وَعَنْ هَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: (إِنَّ الْخُرُوجَ مِنَ الصَّلَاةِ بِصُنْعِ الْمُصَلِّي فَرْضٌ) (١)، لِأَنَّ إِتْمَامَهَا فَرْضٌ وَالْإِتْمَامُ لَا يَكُونُ إِلَّا [بِتَحْصِيلِ] (٢) مَا يُضَادُّ فِعْلَ الصَّلَاةِ، فَكَانَ الْخُرُوجُ بِصُنْعِهِ فَرْضاً أَيْضاً لِضَرُورَةِ فَرْضِيَّةِ الْإِتْمَامِ. فَإِنْ قُلْتَ: الاسْتِدْلَالُ عَلَى الْفَرْضِيَّةِ بِمِثْلِ هَذَا التَّعْلِيلِ؛ إِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ التَّعْلِيلُ مُسْتَفَاداً مِنَ النَّصِّ الَّذِي يُوجِبُ الْفَرْضِيَّةَ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ بِعِبَارَتِهِ لَا يُوجِبُ الْفَرْضِيَّةَ فَكَيْفَ الاسْتِدْلَالُ بِهِ؟ (٣) أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ ﷺ : «خَلِّلُوا أَصَابِعَكُمْ كَيْلَا تَخَلَّلُهَا نَارُ جَهَنَّمَ» (٤) الْأَمْرُ فِي نَفْسِهِ مُوجِبٌ لِلْفَرْضِيَّةِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ مَقْرُوناً بِالْوَعِيدِ عِنْدَ التَّرْكِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُوجِبْ فَرْضِيَّةَ تَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ؛ لِكَوْنِهِ خَبَرَ الْوَاحِدِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٥) فَكَيْفَ أَوْجَبَ هَذَا الْخَبَرُ الْفَرْضِيَّةَ، وَهُوَ فِي نَفْسِهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ؟

стр. 576

قُلْتُ: هَذَا الْخَبَرُ؛ لَيْسَ كَخَبَرِ تَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّ هَذَا خَبَراً تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ (١) بِالْقَبُولِ وَلَا خِلَافَ لِأَحَدٍ فِي ثُبُوتِهِ، لَكِنْ بَقِيَ الْكَلَامُ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى الْفَرْضِيَّةِ، وَالدَّلَالَةُ هِيَ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسَلَامِ ﵀ فَقَالَ: وَالْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ صَارَتْ فَرْضاً بِالْإِجْمَاعِ (٢)، لِقَوْلِهِ ﷺ : «إِذَا قُلْتَ هَذَا وَفَعَلْتَ هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ» (٣). ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى نَفْيِ، فَرْضِيَّةِ قِرَاءَةِ التَّشَهُّدِ، بِهَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: فَقَدْ عَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ التَّمَامَ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، واجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ التَّمَامَ تَعَلَّقَ بِالْقَعْدَةِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا لَمْ يُجْزِهِ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالثَّانِي، لِيَتَحَقَّقَ التَّخْيِيرُ، فَإِنَّ مُوْجِبُ التَّخْيِيرِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، الْإِتْيَانَ بِأَحَدِهِمَا (٤)؛ وَلِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ، إِذَا كَانَ متلَقى بِالْقَبُولِ، جَازَ إِثْبَاتُ الرُّكْنِيَّةِ بِهِ فَأَوْلَى أَنْ يَجُوزَ إِثْبَاتُ الْفَرْضِيَّةِ؛ لِأَنَّ دَرْجَةَ الرُّكْنِيَّةِ أَعْلَى مِنْ دَرَجَةِ الْفَرْضِيَّةِ (٥) وَهُوَ ثُبُوتُ الرُّكْنِيَّةِ، الْوُقُوفُ بِعَرَفَاتٍ فَإِنَّهَا إِنَّمَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ ﷺ : «الْحَجُّ عَرَفَةٌ» (٦) وَالْوُقُوفُ مُعْظَمُ أَرْكَانِ (٧) الْحَجِّ، كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ ﵀ فِي "مَنَاسِكِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ".

стр. 577

وَالْأَوْجَهُ فِيهِ أَنْ يَقُولَ: لَمَّا كَانَ هَذَا الْخَبَرُ وَقَعَ بَيَانًا، لِمُجْمَلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (١) عَلَى مَا ذُكِرَ فِي "الأسرار" (٢) لَمْ يَكُنْ هُوَ مُسْتَبِدًّا (٣) بِنَفْسِهِ فِي إِثْبَاتِ الْفَرْضِيَّةِ بَلِ الْفَرْضِيَّةُ تَثْبُتُ بِالْكِتَابِ وَالْخَبَرِ لِحَقِّهِ بَيَاناً لِمُجْمَلِهِ بِخِلَافِ خَبَرِ الْفَاتِحَةِ وَالتَّخْلِيلِ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْقِرَاءَةِ وأمْرَ الْوُضُوءِ غَيْرُ مُجْمَلَيْنِ فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ إِثْبَاتُ الْفَرْضِيَّةِ بِهِمَا إِلَّا عَلَى طَرِيقِ النَّسْخِ وَلَيْسَ (لْخَبَرِ) (٤) الْوَاحِد ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ الْبَيَانَ لِلْمُجْمَلِ كَمَا فِي قَدْرِ مَسْحِ الرَّأْسِ/ [وَاجِبَاتٌ وَسُنَنٌ وَآدَابٌ الصَّلاة] قَوْلُهُ ﵀: (وَفِيهَا وَاجِبَاتٌ كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ) (٥) إِلَى آخِرِهِ ذَكَرَ فِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ" ﵀، وَ"التُّحْفَةُ": (وَلِلصَّلَاةِ وَاجِبَاتٌ، وَسُنَنٌ وَآدَابٌ فَوَاجِبَاتُ الصَّلَاةِ ثَمَانِيَةٌ؛ وَالثَّمَانِيَةُ مَذْكُورَةٌ فِي الْكِتَابِ، ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ، هُوَ أَنْ يَجُوزَ الصَّلَاةُ بِدُونِهَا، وَيَجِبُ سَجْدَتَا السَّهْوِ بِتَرْكِهَا سَاهِياً، وَالسُّنَنُ هِيَ مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (عَلَى طَرِيقِ الْمُوَاظَبَةِ، وَلَمْ يَتْرُكْهَا إِلَّا بِعُذْرٍ نَحْوَ الثَّنَاءِ، وَالتَّعَوُّذِ وَتَكْبِيرَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْآدَابِ كُلُّ مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٦) مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَلَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ، كَزِيَادَةِ التَّسْبِيحَاتِ فِي الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، عَلَى الثَّلَاثَةِ، وَالزِّيَادَةِ عَلَى الْقِرَاءَةِ الْمَسْنُونَةِ، وَالْوَاجِبَاتِ شُرِعَتْ (إِكْمَالًا لِلْفَرَائِضِ فَيَكُونُ حِصْنًا لَهَا وَالسُّنَنُ شُرِعَتْ) (٧) لِإِكْمَالِ الْوَاجِبَاتِ فَيَكُونُ حِصْناً لَهَا، وَالْآدَابُ شُرِعَتْ لِإِكْمَالِ السُّنَنِ فَيَكُونُ حِصْناً لَهَا.

стр. 578

قَوْلُهُ ﵀: (وَمُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ فِيمَا شُرِعَ مُكَرَّراً مِنَ الْأَفْعَالِ) (١) وَهِيَ السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ، فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ أَيْ: مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ؛ حَتَّى أَنَّ مَنْ تَرَكَ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ مِنَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَاهِياً، وَقَامَ وَصَلَّى تَمَامَ صَلَاتِهِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ، فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ السَّجْدَةَ الْمَتْرُوكَةَ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِتَرْكِ التَّرْتِيبِ كَذَا فِي "التُّحْفَةِ" (٢). قَوْلُهُ ﵀: (فِيمَا شُرِعَ مُكَرَّراً). أَيْ: فِي رَكْعَةٍ احْتِرَازٌ عَمَّا شُرِعَ غَيْرُ مُكَرَّرٍ فِيهَا؛ كَالرُّكُوعِ فَإِنَّ الرُّكُوعَ بَعْدَ السُّجُودِ (٣) لَا يَقَعُ مُعْتَدّاً بِهِ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ لَمْ يَذْكُرْ قِرَاءَةَ التَّشَهُّدِ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى ها هُنَا، وَهِيَ وَاجِبَةٌ أيْضًا؟. كَذَا ذُكِرَ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ فِي الْكِتَابِ، وَكَذَا ذُكِرَ فِي " الْمَبْسُوطَيْنِ " (٤) أَيْضًا؟ وَلِمَ لَمْ يَذْكُرْ تَعْدِيلَ الْأَرْكَانِ أَيْضًا ها هُنَا مَعَ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ؟ كَذَا فِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ" (٥)، وَ"التُّحْفَةِ" (٦) وأي شَيْءٍ أَقَامَ مُقَامَهُ حَتَّى كَمُلَ الْعَدَدُ ثَمَانِيَةٌ؟ قُلْتُ: الْمُصَنِّفُ ﵀ لَمْ يَلْتَزِمْ ذِكْرَ جَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ بَلْ أَرَى نَظَائِرَ الْوَاجِبَاتِ بِقَوْلِهِ ﵀ (وَفِيهَا وَاجِبَاتٌ كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ) إِلَى آخِرِهِ، وَلَكِنْ كَمُلَ مَعَ ذَلِكَ عَدَدُ الثَّمَانِيَةِ فِيمَا ذُكِرَ وَإِنَّمَا لَمْ يَزِدْ عَلَى الثَّمَانِيَةِ، مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي " الْمَبْسُوطِ "مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ قِرَاءَةَ التَّشَهُّدِ، فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى، لِمَا أَنَّهُ جَعَلَ قِرَاءَةَ التَّشَهُّدِ فِي الْقَعْدَتَيْنِ وَاجِباً وَاحِداً، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي تَرْكِهِ ها هُنَا؛ لِمَا أَنَّ قِرَاءَةَ التَّشَهُّدِ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى عِنْدَ بَعْضِهِمْ سُنَّةٌ؛ لَا وَاجِبٌ مِنْهُمُ الْإِمَامُ الاستروشني (٧) وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ، أَنَّهَا وَاجِبَةٌ كَذَا ذَكَرَ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ، فَجَازَ أَنْ يَقَعَ اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ هُنَا عَلَى قَوْلِ ذَلِكَ الْبَعْضِ وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ "التُّحْفَةِ" (٨) أَيْضًا وَفِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ عَلَى قَوْلِ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ، وَمِثْلُ هَذَا يُوجَدُ مِنْ صَاحِبِ الْكَشَّافِ، وَمِنَ الْإِمَامِ السَّجَاوَنْدِيِّ فِي [قَوْلِهِ] (٩) (وامَّا تَعْدِيلُ الْأَرْكَانِ فَمُتَنَاوَلٌ لِلطُّمَأْنِينَةِ فِي الانْتِقَالِ مِنْ رُكْنٍ إِلَى رُكْنٍ، وَلِلطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وامَّا الَأُولَى فَهِيَ الطُّمَأْنِينَةُ، فِي الانْتِقَالِ فَسُنَّةٌ لَا وَاجِبَ بِالاتِّفَاقِ، وامَّا الثَّانِيَةُ وَهِيَ الطُّمَأْنِينَةُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهَا) (١٠).

стр. 579

وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ، يَقُولُ: إِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا سَاهِيًا كَانَ عَلَيْهِ السَّهْوُ (١). وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ يَقُولُ بِأَنَّهَا سُنَّةٌ؛ حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا سَاهِيًا عَلَى قَوْلِهِ، لَا سَهْوَ عَلَيْهِ كَذَا فِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ" (٢) فَعَلَى هَذَا كَانَ تَرْكُ ذِكْرِهَا لِلاخْتِلَافِ فِي ٍوُجُوبِهَا ثُمَّ غَيْرُ صَاحِبِ "الْهِدَايَةِ" جَعَلَ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَتَيْنِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَاجِباً وَاحِداً، وأوْرَدَ تَعْدِيلَ الْأَرْكَانِ مِنْ إِحْدَى الْوَاجِبَاتِ وَصَاحِبُ "الْهِدَايَةِ" قَدْ (٣) ضَمَّ السُّورَةَ وَاجِباً عَلَى حِدَةٍ مَعَ تَرْكِ ذِكْرِ تَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ فَصَارَتِ الْوَاجِبَاتُ ثَمَانِيَةً مَعَ الاخْتِلَافِ فِي الْمَعْدُودِ (٤). قَوْلُهُ ﵀: (هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ). هَذَا احْتِرَازٌ عَنْ جَوَابِ الْقِيَاسِ فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، وَقُنُوتِ الْوِترِ، فَإِنَّ فِيهِمَا الْقِيَاسَ وَالاسْتِحْسَانَ، وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ جَوَابُ الاسْتِحْسَانِ وَفِي " الْمَبْسُوطِ " فِي بَابِ السَّهْوِ: (وَإِنْ سَهَا عَنْ قِرَاءَةِ التَّشَهُّدِ، فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى، أَوْ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، أَوْ قُنُوتِ الْوِتْرِ؛ فَفِي (٥) الْقِيَاسِ لَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَذْكَارَ سُنَّةٌ، فَبِتَرْكِهَا لَا يَتَمَكَّنُ كَثِيرُ نُقْصَانٍ فِي الصَّلَاةِ، كَمَا إِذَا تَرَكَ الثَّنَاءَ وَالتَّعَوُّذَ، وَهَذَا لِأَنَّ مَبْنِيَّ الصَّلَاةِ عَلَى الْأَفْعَالِ، دُونَ الْأَذْكَارِ، وَسُجُودُ السَّهْوِ عُرِفَ بِفِعْلِ (٦) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا نُقِلَ ذَلِكَ عَنْهُ إِلَّا فِي الْأَفْعَالِ، وَوَجْهُ الاسْتِحْسَانِ أَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ تُضَافُ إِلَى جَمِيعِ الصَّلَاةِ، يُقَالُ: تَكْبِيرَاتُ الْعِيدِ (٧) وَقُنُوتُ الْوِتْرِ، وَتَشَهُّدُ الصَّلَاةِ فَبِتَرْكِهَا يَتَمَكَّنُ النُّقْصَانُ وَالتَّغَيُّرُ فِي الصَّلَاةِ، فَأَمَّا ثَنَاءُ الافْتِتَاحِ، فَغَيْرُ مُضَافٍ إِلَى الصَّلَاةِ، فَبِتَرْكِهِ لَا يَتَمَكَّنُ/ النُّقْصَانُ فِي الصَّلَاةِ) (٨).

стр. 580

قَوْلُهُ ﵀: (لِمَا أَنَّهُ ثَبَتَ وُجُوبُهَا بِالسُّنَّةِ) (١). فَكَانَ فِيهِ إِطْلَاقُ اسْمِ السَّبَبِ؛ وَهُوَ السَّنَّةُ عَلَى الْمُسَبِّبِ وَهُوَ الْوَاجِبُ قَوْلُهُ ﵀: (وَإِذَا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ). أَيْ: وَإِذَا أَرَادَ الشُّرُوعَ؛ لِأَنَّ تَكْبِيرَةَ التَّحْرِيمَةِ، لَيْسَتْ بَعْدَ الشُّرُوعِ، بَلِ الشُّرُوعُ يَتَحَقَّقُ بِهَا وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٢) وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا الْإِدْرَاجِ، مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ ﵀ بِالتَّصْرِيحِ فِي أَوَّلِ " الْمَبْسُوطِ " بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ) (٣). قَوْلُهُ ﵀: (حَتَّى أَنَّ مَنْ تَحَرَّمَ لِلْفَرْضِ كَانَ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ بِهَا التَّطَوُّعَ) (٤). فَإِنَّ التَّكْبِيرَ لِلافْتِتَاحِ؛ لَمَا صَارَ شَرْطاً عِنْدَنَا، جَازَ أَدَاءُ النَّفْلِ بِتَحْرِيمَةِ الْفَرْضِ، كَمَا لَوْ (تَطَهَّرَ) (٥) لِلْفَرْضِ فَأَدَّى بِهَا التَّطَوُّعَ؛ جَازَ كَذَا هَذَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَتَأَدَّى النَّفْلُ بِتَحْرِيمَةِ الْفَرْضِ لِأَنَّهَا رُكْنٌ عِنْدَهُ (٦)، فَإِنْ قُلْتَ: تَعْيِينُ الْمَسْأَلَةِ فِي بِنَاءِ النَّفْلِ عَلَى الْفَرْضِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ بِنَاءِ الْفَرْضِ عَلَى تَحْرِيمَةِ الْفَرْضِ، أَوِ النَّفْلِ عَلَى النَّفْلِ، أَوِ الْفَرْضِ عَلَى النَّفْلِ فِي الْكِتَابِ، وَعَامَّةُ النُّسَخِ مِنْ "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ"، وَ"فتاوى قاضي خان" (٧)، وَ"الْإِيضَاحِ"، وَ"التُّحْفَةِ" (٨)، وَ" الْمُحِيطِ " (٩) يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِ، وَكَوْنِهَا شَرْطًا يَقْتَضِي الْجَوَازَ فِي الْكُلِّ كَمَا فِي الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ فَمَا وَجْهُهُ؟

стр. 581

قُلْتُ قَدْ ذُكِرَ فِي " فَتَاوَى الْقَاضِي الْإِمَامِ ظَهِيرِ الدِّينِ" ﵀ أَمَّا بِنَاءُ الْفَرْضِ عَلَى تَكْبِيرِ (١) الْفَرْضِ قِيلَ: لَا يَجُوزُ، وَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ صَدْرُ الْإِسْلَامِ ﵀: يَجُوزُ فَإِنَّ أَبَا الْيُسْرِ قَالَ (٢) فِي "مَبْسُوطِهِ" لَوْ شُرِعَ فِي الظُّهْرِ، وأتَمَّهَا وَلَمْ يُسَلِّمْ وَبَنَى عَلَيْهِ عَصْراً فَاتَتْ عَنْهُ أَجْزَأهُ عِنْدَنَا وَلَكِنْ ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ ﵀ فِي "الأسرار"جَوَازَ بِنَاءِ النَّفْلِ عَلَى النَّفْلِ، وَعَدَمُ جَوَازِ بِنَاءِ الْفَرْضِ عَلَى فَرْضٍ آخَرَ، فَقَالَ فِي جَوَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلِفَرْضٍ وَإِنِ انْقَضَى فَهُوَ حَرَامٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَجَاءَ بِشَرْطِ (٣) الصَّلَاةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَبَتَ (٤) لِلنَّفْلِ ابْتِدَاءً كَمَا يَتَأَدَّى النَّفْلُ بِطَهَارَةِ الْفَرْضِ. وَكَذَلِكَ الْفَرْضُ إِلَّا أَنَّ فَرْضاً آخَرَ، لَا يَتَأَدَّى بِهِ ها هُنَا لِأَنَّهُ مَعَ (٥) كَوْنِهِ شَرْطاً فَهُوَ عَقْدٌ عَلَى الْأَدَاءِ كَعَقْدِ الْإِجَارَةِ عَلَى أَدَاءِ (عَمَلٍ فِي مُقَابَلَتِهِ أَجْرٌ) (٦) وَالْعَقْدُ عَلَى الْفَرْضِ يَتَضَمَّنُ النَّفْلَ؛ لِأَنَّهُ صَلَاةٌ مِثْلَ النَّفْلِ، وَزِيَادَةٌ فَمِنْ حَيْثُ أَنَّهُ صَلَاةٌ فَالْبَابُ وَاحِدٌ، فَيَجُوزُ الزِّيَادَةُ مَا شَاءَ كَمَنْ شَرَعَ فِي النَّفْلِ يَنْوِي رَكْعَتَيْنِ، فَلَهُ أَنْ يَزِيدَ مَا شَاءَ، إِلَّا أَنَّهُ يَكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، أَيْ بِنَاءُ النَّفْلِ عَلَى تَحْرِيمَةِ الْفَرْضِ، لِتَرْكِ التَّحَلُّلِ عَنِ الْفَرْضِ بِالْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ؛ وَهُوَ التَّسْلِيمُ كَمَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ إِذَا تَكَلَّمَ وَلَمْ يُسَلِّمْ. وَكَذَلِكَ ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ ﵀ فِي أَوَّلِ " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " (٧) فِي مَسْأَلَةِ السَّهْوِ أَنَّ بِنَاءَ الْفَرْضِ عَلَى فَرْضٍ آخَرَ لَا يَجُوزُ فَقَالَ وَلَوْ كَانَ عَلَى رَجُلٍ فَوَائِتٌ (٨) فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ قَامَ مِنْهُ إِلَى الْعَصْرِ مِنْ غَيْرِ تَكْبِيرَةِ الافْتِتَاحِ، لَمْ يُصِّرْ شَارِعاً فِي الْعَصْرِ لِأَنَّ إِحْرَامَ الظُّهْرِ لَا يَنْتَظِمُ الْعَصْرُ كَمَا يَنْتَظِمُ النَّفْلُ قُلْتُ بَقِيَ (٩) بِنَاءُ حُكْمِ الْفَرْضِ عَلَى النَّفْلِ، وَلَمْ أَجِدْ فِيهِ رِوَايَةً (١٠)، وَلَكِنْ يَجِبُ أَنْ لَا يَجُوزُ إِمَّا عَلَى مَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ "الأسرار" وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ فَظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَمَا لَمْ يَجُزْ بِنَاءُ الْفَرْضِ عَلَى تَحْرِيمَةِ فَرْضٍ آخَرَ؛ وَهُوَ مِثْلُهُ فَلِأَنَّ لَا يَجُوزُ بِنَاءُ الْفَرْضِ عَلَى مَا دُونِهِ أَوْلَى.

стр. 582

وامَّا عَلَى اخْتِيَارِ صَدْرِ الْإِسْلَامِ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا جَوَّزَ بِنَاءَ الْمِثْلِ عَلَى الْمِثْلِ، فَهُوَ لَا يَدُلُّ عَلَى تَجْوِيزِهِ بِنَاءُ الْأَقْوَى عَلَى الْأَدْنَى، ثُمَّ الْمَعْنَى أَيْضاً يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ لِأَنَّ الشَّيْءَ يُسْتَتْبَعُ مِثْلُهُ أَوْ دُونُهُ وَلَا مُسْتَتْبَعٌ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَفِي بِنَاءِ الْفَرْضِ عَلَى النَّفْلِ جَعَلَ النَّفْلَ مُسْتَتْبعا لِلْفَرْضِ، لِأَنَّ الْمَبْنَى تَبَعٌ لِلْمَبْنَى عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، فَإِنْ قُلْتَ إِلْحَاقُهُمْ بِالطَّهَارَةِ يَقْتَضِي أَنْ يَجُوزَ فِي الْكُلِّ، لِأَنَّ الشَّرْطَ يَشْتَرِطُ وُجُودَهُ، لَا وُجُودُهُ قَصْدًا، كَمَا فِي الطَّهَارَةِ وَلِبْسِ الثَّوْبِ. قُلْتُ: نُجِيبُ عَنْهُ (بِمَا أَجَابَ عَنْهُ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ فَإِنْ قُلْتَ إِلَى) (١) بِمَا أَجَابَ عَنْهُ صَاحِبُ "الأسرار" وَهُوَ قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ شَرْطاً فَهُوَ عَقْدٌ عَلَى الْأَدَاءِ إِلَى آخِرِهِ فَصَارَ هَذَا عَيْنُ نَظِيرِ (٢) إِلْحَاقِهِمُ الصَّوْمِ لِلاعْتِكَافِ (بِالطَّهَارَةِ فِي كَوْنِهِ شَرْطاً فَمِنْ حَيْثُ أَنَّهُ شَرْطٌ إِذَا صَادَفَ نَذَرَ الاعْتِكَافَ، شَهْرُ رَمَضَانَ يَجُوزُ بِصَوْمِهِ، وَمِنْ حَيْثُ أَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ) (٣) مَقْصُودَهٌ فِي نَفْسِهِ بِشَرْطِ (٤) وُجُودِهِ قَصْداً عِنْدَ عَدَمِ مُصَادَفَةِ (٥) نَذْرِ الاعْتِكَافِ بِشَهْرِ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِنَفْسِ الْوُجُودِ، وَإِنْ كَانَ شَرْطاً لِصِحَّةِ الاعْتِكَافِ، فَكَذَلِكَ ها هُنَا؛ لَمَا كَانَتِ التَّحْرِيمَةُ عَقْداً عَلَى الْأَدَاءِ كَعَقْدِ الْإِجَارَةِ وَالْبَيْعِ لَا يَكُونُ عَقْداً عَلَى فِعْلٍ آخَرَ، وَلَكِنْ لَمَا كَانَ الْمَبْنِيُّ أَدْنَى حَالاً مِنَ الْمُبْنَى عَلَيْهِ عَمَلْنَا بِجِهَةِ الشَّرْطِيَّةِ. وَفِي غَيْرِهِ بِمَعْنَى الْعَقْدِ بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ فَإِنَّهَا شَرْطٌ مَحْضٌ لَيْسَتْ فِيهَا شَائِبَةٌ كَوْنُهَا مَقْصُودَةٌ؛ فَلِذَلِكَ جَازَتِ الصَّلَاةُ بِأَيِّ طَهَارَةٍ كَانَتْ لِلنَّفْلِ/ أَوْ لِلْفَرْضِ أَوْ لَا لِغَرَضٍ (٦).

стр. 583

[يُشْتَرَطُ لتكبيرةِ الإحرامِ مَا يُشْتَرَطُ لِسَائِرِ الْأَرْكَانِ] قَوْلُهُ ﵀: (وَهُوَ يَقُولُ (١): وَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهَا مَا يُشْتَرَطُ لِسَائِرِ الْأَرْكَانِ) (٢). مِنَ الطَّهَارَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَالنِّيَّةِ وَالْوَقْتِ؛ وَلِأَنَّ هَذَا ذِكْرٌ مَفْرُوضٌ شُرِعَ فِي حَالَةِ الْقِيَامِ فَيَكُونُ رُكْنًا فِي الصَّلَاةِ، قِيَاسًا عَلَى الْقِرَاءَةِ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا ﵏ (٣) بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (٤) نزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي التَّكْبِيرَةِ (٥)، فَقَدْ عَطَفَ (٦) الصَّلَاةَ عَلَيْهَا، وَلَوْ كَانَتِ التَّكْبِيرَةُ، رُكْنًا فِي الصَّلَاةِ؛ كَانَتْ مِنَ الصَّلَاةِ، فَلَا يَسْتَقِيمُ عَطْفُ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ يُعْطَفُ عَلَى غَيْرِهِ، لَا عَلَى نَفْسِهِ، لَا يُقَالُ: زَيْدٌ وَزَيْدٌ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: زَيْدٌ وَعَمْرُو؛ وَلِأَنَّ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى؛ لَوْ كَانَتْ رُكْناً فِي الصَّلَاةِ، لَكَانَتْ تُكَرَّرُ فَرْضاً فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، أَوْ يَتَكَرَّرُ فِي الثَّانِيَةِ كَالْقِرَاءَةِ. فَإِنْ قِيلَ: يُشْكِلُ بِالْقِرَاءَةِ فَإِنَّهَا رُكْنٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، عَلَى مَذْهَبِكُمْ، حَيْثُ لَا يَتَكَرَّرُ فِي الثَّالِثَةِ، وَالرَّابِعَةِ فَرْضاً (٧) قُلْنَا لَمَا كَانَتِ الْقِرَاءَةُ رُكْناً؛ تَكَرَّرَتْ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَلَى أَصْلِكَ، وَالتَّكْبِيرُ لَمْ يَتَكَرَّرْ فَرْضاً فِي الثَّانِيَةِ بِالْإِجْمَاعِ، ثُمَّ إِنَّمَا لَمْ تَتَكَرَّرِ الْقِرَاءَةُ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ فَرْضاً عِنْدَنَا لِأَنَّهَا مَعَ كَوْنِهَا رُكْناً فِي الصَّلَاةِ، لَيْسَتْ بِرُكْنٍ أَصْلِيٍّ، وَإِنَّمَا هِيَ رُكْنٌ زَائِدٌ لِأَنَّهَا قَوْلٌ وَمَبْنَى الصَّلَاةِ عَلَى الْأَفْعَالِ، دُونَ الْأَقْوَالِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْعَاجِزَ عَنِ الْقَوْلِ، وَالْقَادِرُ عَلَى الْفِعْلِ يُخَاطَبُ بِالصَّلَاةِ لَا عَلَى الْعَكْسِ، وَبِدَلِيلِ أَنَّهَا تَسْقُطُ لِخَوْفِ فَوْتِ الرَّكْعَةِ، وَالْقِيَامُ لَا يَسْقُطُ، وَلَمَا انْحَطَّتْ دَرَجَتُهَا عَنْ دَرَجَةِ سَائِرِ الْأَرْكَانِ، قُلْنَا لِكَوْنِهَا رُكْناً تَكَرَّرَتْ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ كَالْقِيَامِ وَغَيْرِهِ، وَلِكَوْنِهَا لَيْسَتْ بِرُكْنٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لَمْ تَتَكَرَّرْ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ.

стр. 584

وامَّا قَوْلُهُ: بِأَنَّهَا ذِكْرٌ كَالْقِرَاءَةِ؛ َالْجَوَابُ: مَا بَيَّنَّا أَنَّهَا لَمَّا شُرِعَتْ رُكْناً فِي الْأُولَى تَكَرَّرَتْ فَرْضاً فِي الثَّانِيَةِ، وَهَذِهِ لَمْ تَتَكَرَّرْ فَرْضاً فِي الثَّانِيَةِ، وامَّا اشْتِرَاطُ سَائِرِ الْأَرْكَانِ؛ فَإِنَّهَا مَا شُرِطَتْ لِلتَّحْرِيمَةِ نَفْسِهَا، وَإِنَّمَا شُرِطَتْ لِلْقِيَامِ الَّذِي هُوَ رُكْنٌ، لَكِنَّ التَّحْرِيمَةَ مُتَّصِلَةٌ بِالْقِيَامِ فَاشْتُرِطَتْ هِيَ لِلْقِيَامِ الْمُتَّصِلِ بِالتَّحْرِيمَةِ لَا لِلتَّحْرِيمَةِ نَفْسِهَا، وَلِهَذَا لَمَّا انْفَصَلَ الْأَدَاءُ عَنِ الْإِحْرَامِ فِي بَابِ الْحَجِّ لَمْ يُشْتَرَطْ لِصِحَّةِ الْإِحْرَامِ سَائِرُ شَرَائِطِ الْأَرْكَانِ فَإِنَّ الْوَقْتَ شَرْطٌ لِأَدَاءِ سَائِرِ الْأَرْكَانِ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِلْإِحْرَامِ (١) عِنْدَنَا، وَالاخْتِلَافُ فِيهِمَا (٢) عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ كَذَا فِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ﵀ " قَوْلُهُ ﵀ (وَهُوَ سُنَّةٌ) (٣) [حُكم رفعِ اليدين لتكبيرةِ الإحرامِ] أَيْ: رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ التَّكْبِيرِ؛ سُنَّةٌ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَاظَبَ عَلَيْهِ، فَإِنْ قُلْتَ: الْمُوَاظَبَةُ دَلِيلُ الْوُجُوبِ فَكَيْفَ اسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى السُّنَّةِ؟ قُلْتُ: لَا نُسَلِّمُ؛ بَلْ مُطْلَقُ الْمُوَاظَبَةِ؛ دَلِيلٌ عَلَى السُّنَّةِ، وَلَا تَثْبُتُ السُّنَةُ بِدُونِ الْمُوَاظَبَةِ، ذُكِرَ هَذَا اللَّفْظُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي آخِرِ "بَابِ إِدْرَاكِ الْفَرِيضَةِ" (٤). وَقَالَ ﵀: (وَلَا سُنَّةٌ دُونَ الْمُوَاظَبَةِ) (٥)

стр. 585

وَالْمُوَاظَبَةُ إِنَّمَا تَكُونُ؛ دَلِيلَ الْوُجُوبِ، إِذَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ ﵀ لَمَا احْتَاجَ إِلَى إِثْبَاتِ وَاجِبِيَّةِ الْفَاتِحَةِ، وَالْقُنُوتِ وَالتَّشَهُّدِ، كَيْفَ أَكَّدَ مُوَاظَبَةَ النَّبِيِّ ﷺ بِغَيْرِ تَرْكٍ فِي "بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ"، فَقَالَ: (؛ فَإِنَّهُ ﷺ وَاظَبَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَرْكِهَا) (١) ثُمَّ ثَبَتَ التَّرْكُ ها هُنَا مَعَ الْمُوَاظَبَةِ، فَإِنَّ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ السَّرْخَسِيَّ ﵀ قَالَ فِي تَعْلِيلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: (لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَ الْأَعْرَابِيَّ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ رَفْعَ الْيَدِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْوَاجِبَاتِ، وَوَاظَبَ عَلَى رَفْعِ الْيَدِ عِنْدَ التَّكْبِيرِ فَدَلَّ أَنَّهُ سُنَّةٌ) (٢). [وقت الأفضلية في رفع اليدين عند التكبير] قَوْلُهُ ﵀: (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ أَوَّلًا ثُمَّ يُكَبِّرُ) اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي أَفْضَلِيَّةِ وَقْتِ الرَّفْعِ، فَاخْتَارَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَقَاضِي خَانَ (٣) وَصَاحِبُ "التُّحْفَةِ" (٤) الْمُقَارَنَةَ، وَاخْتَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرْخَسِيُّ (٥) وَصَاحِبُ "الْهِدَايَةِ" (٦) تَقْدِيمَ الرَّفْعِ عَلَى التَّكْبِيرِ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀ (٧) ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مُقَارِنًا لِلتَّكْبِيرَةِ، لِأَنَّهُ سُنَّةُ التَّكْبِيرَةِ؛ فَإِنَّهُ شُرِعَ فِي التَّكْبِيرَةِ لِزِيَادَةِ الْإِعْلَامِ، فَيَكُونُ تَبَعاً لَهَا كَالْجَهْرِ بِهَا، وَإِذَا كَانَ الرَّفْعُ مِنْ سُنَّةِ التَّكْبِيرِ كَانَ تَبَعاً لَهَا، وَإِنَّمَا تَتَحَقَّقُ التَّبَعِيَّةُ إِذَا وُجِدَ الرَّفْعُ مَعَ التَّكْبِيرَةِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الرَّفْعُ مُقَارِناً لَهَا كَتَكْبِيرَاتِ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَالْقِيَامِ؛ فَإِنَّ مِنْ سُنَّتِهَا الْمُقَارَنَةَ فَكَذَا هَذَا.

стр. 586

وَها هُنَا (١) حَكَايَةٌ حُكِي أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ أَبَا يُوسُفَ الْقَاضِي ﵀ فَقَالَ: بِأَيِّ شَيْءٍ تُفْتَتَحُ، بِالْفَرْضِ أَمْ بِالسُّنَّةِ؟ فَذَهَبَ قَلْبُهُ إِلَى التَّكْبِيرَةِ، فَقَالَ: بِالْفَرْضِ. فَقَالَ السَّائِلُ: أَخْطَأْتَ. فَقَالَ: بِالسُّنَّةِ، وَذَهَبَ قَلْبُهُ إِلَى رَفْعِ الْيَدِ. فَقَالَ السَّائِلُ: أَخْطَأْتَ؛ إِنَّمَا تُفْتَتَحُ الصَّلَاةُ بِهِمَا جَمِيعاً فَهُمَا (٢). عَلَى أَنَّهُ مَقْرُونٌ بِالتَّكْبِيرَةِ لَا يَتَقَدَّمُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ. وَقَالَ شَمْسُ/ الْأَئِمَّةِ السَّرْخَسِيُّ ﵀: (وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ مَشَايِخِنَا أَنَّهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ، أَوَّلًا فَإِذَا اسْتَقَرَّتَا فِي مَوْضِعِ الْمُحَاذَاةِ كَبَّرَ؛ لِأَنَّ فِي فِعْلِهِ، وَقَوْلِهِ مَعْنَى النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ؛ فَإِنَّهُ يَرْفَعُ الْيَدَ بِنَفْيِ الْكِبْرِيَاءِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَبِالتَّكْبِيرِ يُثْبِتُهَا (٣) لِلَّهِ تَعَالَى؛ فَيَكُونُ النَّفْيُ مُقَدَّماً عَلَى الْإِثْبَاتِ كَمَا فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ (٤).

стр. 587

[حُكمُ التفريقِ بين الأصابعِ عند الرَّفعِ] وَلَا يَتَكَلَّفُ لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْأَصَابِعِ عِنْدَ رَفْعِ الْيَدِ، وَالَّذِي رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَبَّرَ (١) نَاشِراً أَصَابِعَهُ» (٢) مَعْنَاهُ نَاشِراً عَنْ طَيِّهَا، بِأَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ مَثْنِيّاً بِضَمِّ الْأَصَابِعِ إِلَى الْكَفِّ) (٣) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀ (٤) فَمِنَ النَّاسِ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ أَرَادَ بِنَشْرِ الْأَصَابِعِ أَنْ يُفَرِّجَ بَيْنَ الْأَصَابِعِ تَفْرِيجاً؛ وَهُوَ غَلَطٌ، وَلَكِنْ أَرَادَ بِهِ النَّشْرَ عَنِ (٥) الطَّيِّ كَمَا يَكُونُ فِي الثَّوْبِ؛ أَيْ: لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَضْمُومَتَيْنِ بَلْ يَرْفَعُهُمَا مَنْصُوبَتَيْنِ؛ حَتَّى تَكُونَ الْأَصَابِعُ مَعَ الْكَفِّ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ (٦). وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ ﵀ (٧): (إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ لَا يَضُمُّ أَصَابِعَهُ كَلَّ الضَّمِّ، وَلَا يُفَرِّجُ كُلَّ التَّفْرِيجِ، بَلْ يَتْرُكُهُمَا عَلَى مَا عَلَيْهِ أَصَابِعُهُ بَيْنَ الضَّمِّ وَالتَّفْرِيجِ) (٨). [رفعُ اليد لإعلام الأصم] قَوْلُهُ ﵀ (وَرَفْعُ الْيَدِ لِإِعْلَامِ الْأَصَمِّ) (٩). قُلْتُ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ، وَرَفْعُ الْيَدِ لِإِعْلَامِ الْأَصَمِّ أَيْضاً، بِزِيَادَةِ قَوْلِهِ أَيْضاً لِرَفْعِ التَّنَاقُضِ صُوْرَةٌ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلاً أَنَّ مَعْنَى رَفْعِ الْيَدِ نَفْيُ الْكِبْرِيَاءِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، فَلَا يَكُونُ لِغَيْرِهِ حَتَّى يَكُونَ لِتَخْصِيصِهِ فَائِدَةٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ هُوَ (١٠) لِغَيْرِهِ مَعَهُ إِذَا كَانَ لَهُ مَعْنَيَانِ؛ وَهُوَ النَّفْيُ وَالْإِعْلَامُ؛ وَهُوَ يَحْصُلُ بِذِكْرِ قَوْلِهِ: أَيْضاً، إِلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ اتَّبَعَ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ السَّرْخَسِيَّ (وَهُوَ ﵀ كَذَلِكَ ذَكَرَهُ؛ فَإِنَّ دَأْبَهُمْ تَرْكُ التَّكَلُّفِ، وَتَفْهِيمُ الْمَعَانِي، وَالْمَعْنَيَانِ يَحْصُلَانِ بِمَا ذَكَرُوا) (١١) فَلَا حَاجَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى زِيَادَةِ التَّكَلُّفِ.

стр. 588

وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرْخَسِيُّ ﵀ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: مَذْهَبُنَا قَوْلِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ﵁ وَالْمَصِيرُ إِلَى مَا قُلْنَا أَوْلَى لِأَنَّ فِيهِ إِثْبَاتَ الزِّيَادَةِ، وَتَأْوِيلُ حَدِيثِهِمْ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ الْعُذْرِ فِي زَمَانِ الْبَرْدِ حِينَ كَانَ أَيْدِيهِمْ تَحْتَ ثِيَابِهِمْ وَكَانَ طاووس (١) ﵀ يَقُولُ: يَرْفَعُ يَدَيْهِ فَوْقَ رَأْسِهِ وَلَا يَأْخُذُ بِهَذَا كَذَا فِي " الْمَبْسُوطِ " (٢) [المرأةُ ترفعُ يديها حِذاء منكبيها] قَوْلُهُ ﵀: (وَالْمَرْأَةُ تَرْفَعُ (٣) حِذَاءَ مَنْكِبَيْهَا) (وَهُوَ الصَّحِيحُ) هَذَا احْتِرَازٌ عَنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (٤) أَنَّهَا تَرْفَعُ يَدَيْهَا حِذَاءَ أُذُنِهَا كَالرَّجُلِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَفْعَالِ، فَإِنَّهَا تَفْعَلُ فِي سَائِرِ الْأَفْعَالِ عَلَى أَسْتَرِ مَا يَكُونُ لَهَا (٥)، أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يَفْتَحُ إِبِطَيْهِ عِنْدَ السُّجُودِ، وَالْمَرْأَةُ تَضُمُّ، وَإِنَّمَا يُسَوَّى (٦) حَالُ الْمَرْأَةِ هُنَا بِحَالِ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ إِنَّمَا يَكُونُ بِكَفَّيْهَا، وَكَفُّهَا لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ، فَكَانَتْ هِيَ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ وَالرَّجُلُ سَوَاءً بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ (٧): تَرْفَعُ يَدَيْهَا حِذْوَ مِنْكَبَيْهَا.

стр. 589

وَهَكَذَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ (١) فِي إِمْلَائِهِ (٢) لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لَهَا، وَهَذَا لِأَنَّ زِيَادَةَ الرَّفْعِ فِي الرَّجُلِ إِنَّمَا سُنَّتْ (٣) لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْإِعْلَامِ فِي الْإِمَامَةِ فَالرَّفْعُ إِلَى الْأُذُنَيْنِ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ فَكَانَ أَوْلَى كَالْجَهْرِ بِالتَّكْبِيرِ. وامَّا الْمَرْأَةُ تُصَلِّي وَحْدَهَا فَلَا حَاجَةَ لَهَا إِلَى الْإِعْلَامِ، فَسَقَطَ الرَّفْعُ إِلَى الْأُذُنَيْنِ، وَوَجَبَ الرَّفْعُ إِلَى الْمِنْكَبَيْنِ، كَذَا فِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ" (٤)، وَجَعَلَ الْقَوْلَ الثَّانِي هُوَ الْأَصَحُّ صُاحِبُ " الْمُحِيطِ " (٥) كَمَا فِي "الْهِدَايَةِ" (٦). [إن قال بدل تكبيرة الإحرام الله أجل أو نحوها] قَوْلُهُ: (فَإِنْ قَالَ بَدَلَ التَّكْبِيرِ اللَّهُ أَجَلُّ) إِلَى آخِرِهِ، وَلَوِ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَوْ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ أَوْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (٧) أَوْ قَالَ تَبَارَكَ اللَّهُ؛ يَصِيرُ شَارِعاً فِي الصَّلَاةِ عِنْدَهُمَا (٨)، وَهُوَ قَوْلُ النَّخْعِيِّ وَالْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ (٩) وَيَسْتَوِي إِنْ كَانَ يُحْسِنُ التَّكْبِيرُ أَوْ لَا يُحْسِنُ، وَكَذَلِكَ يَسْتَوِي إِنْ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ الصَّلَاةَ تُفْتَتَحُ بِالتَّكْبِيرِ أَوْ لَا يَعْرِفُ.

стр. 590

وَقَالَ (١) أَبُو يُوسُفَ فِي "الْجَامِعِ الصَّغِيرِ" [قَوْلُهُ] (٢) إِذَا كَانَ يُحْسِنُ التَّكْبِيرَ لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِأَرْبَعَةِ أَلْفَاظٍ مِنْهَا اللَّهُ كَبِيرٌ، وَالْبَاقِي مَذْكُورٌ فِي الْكِتَابِ (٣) وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الصَّلَاةَ تُفْتَتَحُ بِالتَّكْبِيرِ أَوْ لَا يَعْلَمُ وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: (إِذَا كَانَ يُحْسِنُ التَّكْبِيرَ وَيَعْلَمُ أَنَّ الصَّلَاةَ تُفْتَتَحُ بِالتَّكْبِيرِ لَا يَصِيرُ شَارِعاً إِلَّا بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَلْفَاظِ فَأَمَّا إِذَا كَانَ لَا يَعْرِفُ الافْتِتَاحَ بِالتَّكْبِيرِ يُجْزِيهِ وَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ التَّكْبِيرَ) (٤) وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ ﵀ وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرَهُ ها هُنَا أَيْ فِي "الْجَامِعِ الصَّغِيرِ" لِأَنَّ الْجَهْلَ لَا يُجْعَلُ (٥) عُذْراً فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لَوْ قَالَ: اللَّهُ الْكَبَّارُ يَصِيرُ شَارِعاً لِأَنَّ الْكَبَّارَ لُغَةٌ فِي التَّكْبِيرِ، ثُمَّ أَنَّ مُحَمَّداً ذَكَرَ أَنَّهُ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ بِالتَّسْبِيحِ وَغَيْرِهِ يَصِيرُ شَارِعاً عِنْدَهُمَا، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ هَلْ يُكْرَهُ ذَلِكَ عِنْدَهُمَا؟. قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُكْرَهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُكْرَهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَذَا فِي " الْمُحِيطِ " (٦) وَاحْتَجَّ أَبُو يُوسُفَ وَمَنْ تَابَعَهُ بِقَوْلِهِ/ ﷺ : «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» (٧) فَكَانَ التَّكْبِيرُ تَفْسِيراً لِقَوْلِهِ «وَتَحْرِيمُهَا» فَعَلِمَ أَنَّهُ لَا تَحْرِيمٌ بِغَيْرِهِ وَجَائِزٌ (٨) تَعَلُّقَ الْجَوَازِ بِكَلِمَةٍ بِعَيْنِهَا (أَيْ أَنَّ) (٩) لِحُرْمَةِ تِلْكَ الْكَلِمَةِ، كَمَا تَعَلَّقَ وُجُوبُ الْحُكْمِ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، دُونَ سَائِرِ الْأَلْفَاظِ، بِخُصُوصِيَّةٍ تَثْبُتُ لِذَلِكَ اللَّفْظِ فِي الْإِيجَابِ، فَكَذَلِكَ التَّكْبِيرُ فِي الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْعِظَمِ وَالْقِدَمِ، جَمِيعاً يُقَالُ فَلُانٌ أَكْبَرُ سِنّاً مِنْ فُلَانٍ، أَيْ: أَقْدَمُ، وَلِهَذَا كَانَ الافْتِتَاحُ بِهِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ بِالاتِّفَاقِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ فِيمَا يَأْثُرُ عَنْ رَبِّهِ ﷻ : «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي» (١٠) اتَّضَحَ لَهُ مَا قُلْنَا.

стр. 591

وَلَنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (١) عَلَّقَ الصَّلَاةَ بِمُطْلَقِ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْلِيقِ إِذَا خَرَجَ جَوَاباً عَنِ الْخَبَرِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا ذِكْرُ التَّحْرِيمَةِ فَمَنْ زَادَ (٢) قَيَّدَ التَّكْبِيرَ فَقَدْ نَسَخَهُ أَوْ نَقُولُ ذَكَرَ الذِّكْرَ مُطْلَقاً فَيَجُوزُ [التَّحْرِيمُ] (٣) بِأَيِّ ذِكْرٍ كَانَ عَمَلاً بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وامَّا الشَّهَادَةُ فَإِنَّهَا خَبَرٌ [بِنَفْسِهَا] (٤) وَيَمِينٌ أَيْضاً، وَلَا يَمِينٌ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْخَبَرِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يُقِمْ قَوْلَهُ: أَعْلَمُ أَوْ أَتَيَقَّنُ مَقَامَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أُخْبِرَ وَحَلَفَ لِأَنَّ اليَّمِينَ مُمْتَازَةٌ عَنِ الْخَبَرِ فَلَمْ يَصِيرَا شَيْئاً وَاحِداً بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ؛ فَكَانَ لَهَا زِيَادَةَ مَزِيَّةٍ عَلَى غَيْرِهَا، وَعَظَمَةُ اللَّهِ تَعَالَى تُبْنَى (٥) عَنِ الْقِدَمِ (٦) وَالْقَهْرِ وَالْقُدْرَةِ وَكُلِّ صِفَةٍ مَحْمُودَةٍ، وَكَذَلِكَ الْكِبْرِيَاءُ وَالتَّكْبِيرُ كَذَا فِي "الأسرار" (٧)، وَ"الفوائد الظهيرية".

стр. 592

وَالْقَاطِعُ لِشَغَبِ (١) الْخُصُومِ، هُوَ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀ وَهُوَ قَوْلُهُ: أَنَّهُ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ بِذِكْرٍ هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ؛ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ شَارِعاً بِهِ فِي الصَّلَاةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّا نَفْرِضُ الْكَلَامَ فِيمَا إِذَا قَالَ الرَّحْمَنُ أَكْبَرُ، أَوِ الرَّحِيمُ أَكْبَرُ؛ يَصِيرُ شَارِعاً عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُمْ لَا يَصِيرُ شَارِعاً؛ فَنَقُولُ الرَّحْمَنُ، وَاللَّهُ، سَوَاءٌ؛ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٢) فَلَمَا ثَبَتَتْ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهَ﴾ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنَ﴾ بِالنَّصِّ الْقَطْعِيِّ، واكْبَرُ فِي مَوْضِعِهِ أَيْضاً، مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ، وَجَبَ أَنْ يَصِيرَ شَارِعاً؛ بِسَبَبِ أَنَّ هَذَا كَانَ (٣) عَيْنَ مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ، وَفِي غَيْرِهِ يَكُونُ شَارِعاً أَيْضاً، لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ. [إذا قال (الله) هل يصيرُ شارعاً في الصَّلاة] وَفِي " الْمَبْسُوطِ ": (إِذَا قَالَ اللَّهُ لَا يَصِيرُ شَارِعاً عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ (٤) لِأَنَّ تَمَامَ التَّعْظِيمِ بِذِكْرِ الاسْمِ، وَالصِّفَةِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (٥) يَصِيرُ شَارِعاً؛ لِأَنَّ فِي هَذَا الاسْمِ مَعْنَى التَّعْظِيمِ؛ فَإِنَّهُ مُشَتَّقٌ مِنَ التَّأَلُّهِ؛ وَهُوَ التَّحَيُّرُ، وَحَاصِلُ اخْتِلَافِهِمْ رَاجِعٌ إِلَى مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسَلَامِ (٦) وَهُوَ أَنَّ رُكْنَ التَّحْرِيمَةِ، هُوَ عَيْنُ التَّكْبِيرِ، رُكْناً أَمِ الرُّكْنُ عَمَلُ اللِّسَانِ عَمَلُ ثَنَاءٍ عَلَى (٧) اللَّهِ وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ عَيْنُ التَّكْبِيرِ؛ لَمْ يَجُزْ إِقَامَةُ غَيْرِهِ (٨) مَقَامَهُ بِالتَّعْلِيلِ؛ لِأَنَّهُ نُسِخَ كَمَا لَا (٩) يَجُوزُ إِقَامَةُ الْحَدِّ مَقَامَ الْجِهَةِ فِي السُّجُودِ، وَمَنْ كَانَ الرُّكْنُ عِنْدَهُ عَمَلَ اللِّسَانِ صَحَّ التَّعْلِيلُ وَإِقَامَةُ غَيْرِهِ مَقَامَ الْمَنْصُوصِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الرُّكْنُ فِعْلَ اللِّسَانِ، عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الصَّلَاةِ عَلَى أَفْعَالٍ تَحِلُّ عَلَى (١٠) أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ، فَلَمَّا كَانَتِ الرُّكْنِيَّةُ، فِي فِعْلِ اللِّسَانِ، لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ بِفِعْلِ عُضْوٍ آخَرَ غَيْرِهِ.

стр. 593

فَأَمَّا، ذِكْرُ اللَّهِ سَبَبٌ لِتَحْصِيلِ هَذَا الرُّكْنِ، وَمَا شُرِعَ سَبَباً لِتَحْصِيلِ الرُّكْنِ، يَجُوزُ إِقَامَةُ غَيْرِهِ مَقَامَهُ، بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى، أَلَا تَرَى أَنَّ السُّجُودَ؛ إِنَّمَا شُرِعَ بِوَضْعِ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ، عَلَى مَا قَالَ ﷺ : «مَكِّنْ جَبْهَتَكَ مِنَ (١) الْأَرْضِ» (٢) ثُمَّ إِذَا وَضَعَ الْجَبْهَةَ عَلَى السَّرِيرِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْأَرْضِ أَجْزَاهُ، لِأَنَّ الرُّكْنَ فِعْلٌ يَحِلُّ الْجَبْهَةَ لَا فِعْلٌ يَحِلُّ الْأَرْضَ، وَإِنَّمَا الْأَرْضُ سَبَبُ لِتَحْصِيلِ الْفِعْلِ مِنَ الْجَبْهَةِ، فَجَازَ إِقَامَةُ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ، مَقَامَ الْمَنْصُوصِ، بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى، وَهُنَا (٣) أَيْضاً الرُّكْنُ فِعْلٌ يَحِلُّ اللِّسَانُ لَا فِعْلٌ يَحِلُّ هَذِهِ الْكَلِمَةُ؛ إِنَّمَا ذِكْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ سَبَبٌ لِتَحْصِيلِ [الْفِعْلِ فِي] (٤) هَذَا الرُّكْنِ فَيَجُوزُ إِقَامَةَ غَيْرِهِ مَقَامَهُ (٥) بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى. قَوْلُهُ ﵀: (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ أَنَّ أَفْعَلَ وَفَعِيلَا فِي صِفَاتِ اللَّهِ سَوَاءٌ) لِأَنَّ تَفْسِيرَ اللَّهُ أَكْبَرُ: اللَّهُ كَبِيرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ بِالْكِبْرِ (٦) إِثْبَاتُ زِيَادَةٍ فِي صِفَاتِ اللَّهِ، لِأَنَّهُ لَا يُسَاوِيهِ أَحَدٌ فِي أَصْلِ الْكِبْرِيَاءِ؛ حَتَّى يَكُونَ أَفْعَلُ لِلزِّيَادَةِ، كَمَا يَكُونُ فِي أَوْصَافِ الْعِبَادِ، فَكَانَ أَفْعَلُ بِمَعْنَى فَعِيل بِهَذِهِ الدِّلَالَةِ، كَذَا فِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ" (٧).

стр. 594

وَلَكِنْ ذَكَرَ فِي "المُغرِب": (اللَّهُ أَكْبَرُ أَيْ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَتَفْسِيرُهُمْ إِيَّاهُ بِالْكَبِيرِ ضَعِيفٌ) (١). [معنى التّكبير وهل يجزيء أن يكون بغير اللغة العربية] وَلَهُمَا أَنَّ التَّكْبِيرَ هُوَ التَّعْظِيمُ لُغَةً، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ (٢) أَيْ: عَظَّمْنَهُ ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (٣) أَيْ: فَعَظِّمْ، وَالتَّعْظِيمُ حَصَلَ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ أَعْظَمُ، وَقَالَا: لَا يُجْزِيهِ إِلَّا فِي الذَّبِيحَةِ، فَلَوْ آمَنَ بِالْفَارِسِيَّةِ [أَوْ بِأَيِّ لِسَانٍ] (٤) كَانَ مُؤْمِناً، وَكَذَلِكَ لَوْ سَمَّى عِنْدَ الذَّبْحِ، بِالْفَارِسِيَّةِ أَوْ لَبَّى (٥) عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْفَارِسِيَّةِ/ أَوْ بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ جَازَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعاً، سَوَاءً كَانَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ؛ أَوْ لَا يُحْسِنُ (٦) كَذَا فِي "شرح الطحاوي" (٧)، وَ" الْمَبْسُوطِ " (٨). وَزَادَ عَلَى هَذَا الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ بِقَوْلِهِ: وَكَذَا إِلَّا الشَّهَادَةُ عِنْدَ الْحُكَّامِ، وَاللِّعَانِ وَالْعُقُودِ (٩) يَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ، لَا يَدْعُو فُلَاناً؛ فَدَعَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ؛ يَحْنَثُ (١٠) وَحَاصِلُ الْخِلَافِ؛ أَنَّ (١١) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (١٢) يَجُوزُ وَيُكْرَهُ، وَعِنْدَهُمَا (١٣) لَا يَجُوزُ إِلَّا إِذَا كَانَ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ (فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ عِنْدَهُمَا أَيْضاً.

стр. 595

وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ (١) لَا يَجُوزُ الْقِرَاءَةَ بِالْفَارِسِيَّةِ أَصْلًا، لَكِنَّهُ إِنْ كَانَ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ) (٢) فَهُوَ أُمِيٌّ، يُصَلِّي بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ، فَلَوْ قَرَأَ بِالْفَارِسِيَّةِ يَفْسَدُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ كَلَامِ النَّاسِ كَذَا فِي " الْمَبْسُوطِ " (٣). وَقَالَ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ (٤) ﵀: الْخِلَافُ فِيمَنْ لَا يُتَّهَمُ بِشَيْءٍ مِنْهُ وَقَدْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ كَلِمَةً بِالْفَارِسِيَّةِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا أَمَّا لَوِ اعْتَادَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ أَوْ كِتَابَةَ] الْمُصْحَفِ بِالْفَارِسِيَّةِ (٥) (يُتَّهَمُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَقَدْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ إِلَى الْمُصْحَفِ بِالْفَارِسِيَّةِ) (٦) يُمْنَعُ مِنْهُ أَشَدَّ الْمَنْعِ. [قصة محمد بن الفضل مع المستفتي الذي سأله عن التعلم بالفارسية] حَتَّى إِنَّ وَاحِداً مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، فِي زَمَانِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْجَلِيلِ (٧) أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ ﵀ كَتَبَ فَتْوَى وَبَعَثَهَا إِلَيْهِ، أَنَّ الصِّبْيَانَ فِي زَمَانِنَا، شَقَّ عَلَيْهِمُ التَّعَلُّمُ بِلُغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، هَلْ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُعَلِّمَهُمْ بِالْفَارِسِيَّةِ؟ فَقَالَ لِلْمُسْتَفْتِي: ارْجِعْ حَتَّى تَتَأَمَّلَ، ثُمَّ انْتَخِبْ (٨) (٩) مِنْ حَالِهِ، فَإِذَا هُوَ كَانَ مَعْرُوفاً بِفَسَادِ مَذْهَبِهِ، فَأَعَطَى لِوَاحِدٍ مِنْ خُدَّامِهِ سِكِّيناً، فَقَالَ لَهُ: اقْتُلْهُ بِهَذَا، وَمَنْ أَخَذَكَ بِهِ فَقُلْ: إِنَّ فُلَانًا أَمَرَنِي بِهِ؛ فَفَعَلَ فَجَاءَ شُرْطِيٌّ إِلَيْهِ، وَقَالَ إِنَّ الْأَمِيرَ يَدْعُوكَ، فَذَهَبَ الشَّيْخُ إِلَيْهِ فَقَصَّ الْقِصَّةَ؛ وَقَالَ: إِنَّ هَذَا كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُبْطِلَ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَخَلَعَ عَلَيْهِ (١٠) الْأَمِيرُ، وَجَازَاهُ بِالْخَيْرِ (١١).

стр. 596

وَمَشَايِخُ بلخ ﵏ أَخَذُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِمَا؛ وَهُوَ مُخْتَارُ الْفَقِيهِ أَبِي … اللَّيْثِ ﵀ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فَخْرُ الدِّينِ خَانَ ﵀ فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " (١). وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ يَقُولُ: الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا (٢) جَرَى عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَمَّا مَنْ (٣) تَعَمَّدَ ذَلِكَ؛ يَكُونُ زِنْدِيقاً (٤) أَوْ مَجْنُوناً، فَالْمَجْنُونُ يُدَاوَى؛ وَالزِّنْدِيقُ يُقْتَلُ (٥). [حكم قراءة القرآن بالفارسية] قَوْلُهُ ﵀: (فَمُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْعَرَبِيَّةِ). حَتَّى جَوَّزَ الافْتِتَاحَ (بِثَنَاءٍ عَرَبِيٍّ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ، بَعْدَ أَنْ كَانَ عَرَبِيّاً، (وَمَعَ أَبِي يُوسُفَ فِي الْفَارِسِيَّةِ) فَلَمْ يُجَوِّزْ الافْتِتَاحَ بِالْفَارِسِيَّةِ؛ لِأَنَّ لُغَةَ الْعَرَبِ لَهَا مِنَ الْمَزِيَّةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا، لِقَوْلِهِ ﷺ : «أَنَا عَرَبِيٌّ وَالْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ وَلِسَانُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ» (٦) ذَكَرَهُ ﷺ فِي مَعْرِضِ الْأَثْرَةِ وَتَفْصِيلُ (٧) لِسَانِ الْعَرَب ِ، عَلَى سَائِرِ الْأَلْسِنَةِ، كَذَا فِي "الفوائد الظهيرية".

стр. 597

وَقَالَا الْقُرْآنُ مُعْجِزٌ، وَالْإِعْجَازُ فِي النَّظْمِ، وَالْمَعْنَى فَإِذَا قُدِرَ عَلَيْهِمَا؛ لَا يَتَأَدَّى الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِمَا فَإِذَا عَجَزَ عَنِ النَّظْمِ؛ أَتَى بِمَا قُدِرَ عَلَيْهِ، كَمَنْ عَجَزَ عْنِ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ؛ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ وأبو حَنِيفَةَ ﵀ (١) اسْتَدَلَّ بِمَا رُوِيَ أَنَّ الفُرسَ كَتَبُوا إِلَى سَلَمَانَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمُ الْفَاتِحَةَ بِالْفَارِسِيَّةِ، فَكَتَبَ [بِالْفَارِسِيَّةِ] (٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (بنام يزدان بخشا وندي نجشا وندكر) (٣) فَكَانُوا يَقْرَؤُوا (٤) ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ؛ حَتَّى لَانَتْ أَلْسِنَتُهُمْ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَبَعْدَمَا كَتَبَ عَرَضَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ بَعَثَهُ إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ كَذَا فِي " الْمَبْسُوطِ " (٥).

стр. 598

[من لم يحسن العربية هل له أن يقرأ بأي لغة غيرها] وَيَجُوزُ بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ سِوَى الْفَارِسِيَّةِ؛ هُوَ الصَّحِيحُ، هَذَا احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ الْبَرَدْعِيِّ ﵀ (١)؛ فَإِنَّهُ قَالَ إِنَّمَا جَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ الْقِرَاءَةَ بِالْفَارِسِيَّةِ؛ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَلْسِنَةِ، لِقُرْبِ الْفَارِسِيَّةِ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ ﵀ وَالصَّحِيحُ النَّقْلُ إِلَى أَيِّ لُغَةٍ كَانَتْ، كَذَا فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ" لِلْإِمَامِ الْمَحْبُوبِيِّ وَالتُّمُرْتَاشِيِّ (٢) -رحمهما الله-. [الآذان بالفارسية] وَالْخِلَافُ فِي (٣) الاعْتِدَادِ؛ أَيْ: فِي أَنَّهُ هَلْ يَقَعُ مَحْسُوساً (٤) عَنْ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ أَمْ لَا؟ وَقَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْإِمَامِ (٥) التُّمُرْتَاشِيِّ: وَلَوْ لَمْ يُحْسِنِ الْعَرَبِيَّةَ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ، قَالَ أَبُو الْيُسْرِ وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ مَنْ قَرَأَ بِالْفَارِسِيَّةِ؛ لَا تَفْسَدُ صَلَاتُهُ (٦) إِنَّمَا الشَّأْنُ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ بِهَا وَكَذَا فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " لِقَاضِي خَانَ (٧) ﵀ وَهَذَا إِذَا قَرَأَ بِالْفَارِسِيَّةِ كُلَّ لَفْظٍ بِمَا هُوَ مَعْنَاهُ (٨)، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ (٩) شَيْئاً؛ أَمَّا إِذَا قَرَأَ عَلَى طَرِيقِ التَّفْسِيرِ، يَفْسَدُ بِالْإِجْمَاعِ كَذَا فِي " الْمَبْسُوطِ " (١٠) وَغَيْرِهِ.

стр. 599

قَوْلُهُ ﵀: (وَفِي الْأَذَانِ يُعْتَبَرُ التَّعَارَفُ) هَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا: تَقْدِيراً فَإِنَّ لَهُمَا أَنْ يَقُولَا: لَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِالْفَارِسِيَّةِ، كَمَا لَا يَجُوزُ الْأَذَانُ بِالْفَارِسِيَّةِ، فَقَالَ: عَدَمُ الْجَوَازِ فِي الْأَذَانِ؛ لِعَدَمِ التَّعَارُفِ فِيهِ بِالْفَارِسِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لِلْإِعْلَامِ، وَالْإِعْلَامُ؛ لَا يَقَعُ بِهَا، حَتَّى لَوْ وَقَعَ الْعُرْفُ فِيهِ بِالْفَارِسِيَّةِ يَجُوزُ أَيْضاً. وَذَكَرَ فِي " الْمَبْسُوطِ ": (وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَوْ أَذَّنَ بِالْفَارِسِيَّةِ وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَذَانٌ جَازَ وَإِنْ كَانُوا لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ الْإِعْلَامُ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ) (١). وَفِي "الأسرار" (٢) وَلَا يَلْزَمُ الْأَذَانُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَتَأَدَّى بِلُغَةٍ أُخْرَى لِأَنَّ الرُّكْنَ لَيْسَ عَمَلَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ/ لَوْ تَكَلَّمَ بِهِ، وأخفاه (٣) لَمْ يَجُزْ، وَالثَّنَاءُ حَاصِلٌ بِعَيْنِ (٤) الْكَلِمَةِ وَلَكِنَّ الْوَاجِبَ؛ إِعْلَامُ النَّاسِ لِحُضُورِ الصَّلَاةِ؛ وَهُوَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِكَلِمَاتٍ مَعْرُوفَةٍ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ يَا اللَّهُ (٥) فَتَمَحَّضَ ذِكْراً، فَيَجُوزُ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ، لَا يَصِحُّ لِأَنَّ مَعْنَاهُ يَا اللَّهُ (٦) أُمَنَّا؛ أَيْ: اقْصُدْنَا بِالْخَيْرِ؛ فَكَانَ مَشُوباً بِالدُّعَاءِ، لَا ثَنَاءً خَالِصاً (كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ) (٧).

стр. 600

[وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة] قَوْلُهُ ﵀: (وَيَعْتَمِدُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى) (١). فِي الدِّيوَانِ اعْتَمَدَهُ؛ أَيْ: قَصَدَ لَهُ الْبَاءَ زَائِدَةً هُنَا فِي الْمَفْعُولِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾﴾ (٢) أَيْ: وَيَقْصِدُ؛ وَضْعَ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀: يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ؛ بِأَنَّ فِي الاعْتِمَادِ أَرْبَعَ مَسَائِلَ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ هَلْ يَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ أَمْ لَا؟ وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ كَيْفَ يَضَعُ؟ وَالثَّالِثَةُ: أَنَّهُ أَيْنَ يَضَعُ؟ وَالرَّابِعَةُ: أَنَّهُ مَتَى يَضَعُ؟ أَمَّا الْأُولَى: فَعَلَى قَوْلِ عُلَمَائِنَا؛ السُّنَّة أَنْ يَعْتَمِدَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى. وَقَالَ مَالِكٌ (٣) بِأَنَّهُ يُرْسِلُ إِرْسَالاً، وَإِنْ شَاءَ اعْتَمَدَ، فَالْإِرْسَالُ عِنْدَ مَالِكٍ عَزِيمَةٌ وَالاعْتِمَادُ رُخْصَةٌ. وَفِي " الْمَبْسُوطِ ": (وأصْلُ الاعْتِمَادِ سُنَّةٌ، إِلَّا عَلَى قَوْلِ الْأَوْزَاعِيِّ (٤)؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: يِتَخْيِرِ الْمُصَلِّي بَيْنَ الاعْتِمَادِ وَالْإِرْسَالِ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا أُمِرُوا بِالاعْتِمَادِ؛ إِشْفَاقاً عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُطَوِّلُونَ الْقِيَامَ؛ فَكَانَ يَنْزِلُ الدَّمُ (٥) إِلَى رُؤُوسِ أَنَامِلِهِمْ، إِذَا أَرْسَلُوا فَقِيلَ لَهُمْ؛ لَوِ أعْتَمَدْتُمْ، لَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ، وَالْمَذْهَبُ (٦) عِنْدَ عُلَمَائِنَا؛ أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَاظَبَ عَلَيْهِ (٧) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «إِنَّا مَعَاشِرُ الْأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا بِأَنْ نَأْخُذَ شَمَائِلَنَا بِأَيْمَانِنَا فِي الصَّلَاةِ» (٨).
следующие страницы →