← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فَأَمَّا الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ ﵀ كَانَ يَقُولُ: يَنْوِي جَمِيعُ الرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ مَنْ يُشَارِكُهُ أَوْ لَا يُشَارِكُهُ، وَنِيَّةُ جَمِيعِ الرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ؛ عِنْدَنَا فِي سَلَامِ التَّشَهُّدِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا قَالَ لِعَبْدٍ؛ السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ (١) وَالْأَرْضِ» (٢) فَأَمَّا فِي سَلَامِ التَّحَلُّلِ، فَيُخَاطِبُ مَنْ بِحَضْرَتِهِ (٣) فَيَخُصُّهُ بِالنِّيَّةِ) (٤) قُلْتُ: وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْكِتَابِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الْحَاكِمِ الشَّهِيدِ، وَذَكَرَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " وَهَذَا شَيْءٌ تَرَكَهُ جَمِيعُ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ قَلَّ مَا يَنْوِي أَحَدٌ شَيْئاً. قَوْلُهُ ﵀: (وَلَا بُدَّ لِلْمُقْتَدِي مِنْ نِيَّةِ إِمَامِهِ) وَتَخْصِيصُ الْإِمَامِ بِالذِّكْرِ يُؤَيِّدُ (٥) قَوْلَ مَنْ يَقُولُ أَنَّهُ يَنْوِي مَنْ يُشَارِكُهُ فِي الصَّلَاةِ دُونَ غَيْرِهِ، كَذَا فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ "لِقَاضِي خَانَ (٦). وَفِي " الْمَبْسُوطِ ": (وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَقُولُ: الْمُقْتَدِي يُسَلِّمُ ثَلَاثَ تَسْلِيمَاتٍ إحداهن لِرَدِّ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ فَإِنَّ مَقْصُودَ الرَّدِّ حَاصِلٌ بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ؛ إِذْ لَا فَرْقَ فِي الْجَوَابِ بَيْنَ (٧) أَنْ يَقُولَ عَلَيْكُمُ السَّلَامُ، وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ؛ (قُلْتُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ مِمَّا يُحْفَظُ بِأَنَّ/ جَوَابَ السَّلَامِ، لَا يَتَفَاوَتُ بَيْنَ تَقْدِيمِ السَّلَامِ عَلَى عَلَيْكُمْ) (٨) وَبَيْنَ تَأْخِيرِهِ عَنْهُ.

стр. 667

[الحكمة من التسليمتين] قَوْلُهُ: (وَالْإِمَامُ ينويَ بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ)، (هُوَ الصَّحِيحُ) هَذَا احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ؛ فِإِنَّهُمْ قَالُوا يَنْوِي الْإِمَامُ فِي التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَنْوِي فِي التَّسْلِيمَتَيْنِ كَذَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانَ (١). وَقَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ: وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الْإِمَامَ هَلْ يَنْوِي أَمْ لَا؟ وَيَجِبُ أَنْ لَا يَنْوِي؛ لِأَنَّهُ يَجْهَرُ بِالسَّلَامِ وَيُشِيرُ إِلَيْهِمْ، وَهُوَ فَوْقَ النِّيَّةِ؛ فَلَا حَاجَةَ إِلَى النِّيَّةِ وَلَا يَنْوِي فِي الْمَلَائِكَةِ عَدَداً مَحْصُوراً. وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ يَنْوِي الْحَفَظَةُ (وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ كَيْفَ يَنْوِي؟ وَاخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ قَالَ بَعْضُهُمْ يَنْوِي) (٢) بِهِ كِرَامُ الْكَاتِبِينَ، وَهُمَا اثْنَانِ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِهِ يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ؛ وَآخَرٌ عَنْ يَسَارِهِ يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَنْوي جَمِيعُ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ؛ لِأَنَّهُ اخْتَلَفَتِ الْأَخْبَارُ فِي عَدَدِهِمْ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَعَ كُلِّ مُؤْمِنٍ خَمْسٌ مِنَ الْحَفَظَةِ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِهِ يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ وَآخَرٌ عَنْ يَسَارِهِ يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ وَآخَرٌ أَمَامَهُ يَكْفِيهِ الْخَيْرَاتِ (٣) وَآخَرٌ وَرَاءَهُ يَدْفَعُ عَنْهُ الْمَكَارِهَ وَآخَرُ عِنْدَ نَاصِيَتِهِ يَكْتُبُ مَا يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيُبَلِّغُهُ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ » (٤). وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ مَعَ كُلِّ مُؤْمِنٍ سِتُّونَ مَلَكاً، وَفِي بَعْضِهَا مِائَةٌ وَسِتُّونَ، وَإِذَا اخْتَلَفَتِ الْأَخْبَارُ فِي عَدَدِهِمْ، فَيَنْوِيهِمْ كَمْ كَانُوا وَلَا يَنْوِي عَدَداً [محصوراً] (٥).

стр. 668

قَوْلُهُ ﵀: (هُوَ يَتَمَسَّكُ) بِقَوْلِهِ ﷺ : «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» وَهُوَ مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدرِي ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» (١) وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ يَدْخُلَانِ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ، أَوْ لِتَعْرِيفِ الْمَعْهُودِ، وَلَمْ يَسْبِقْ ها هُنَا مَعْهُودٌ حَتَّى يَنْصَرِفَ إِلَيْهِ، فَكَانَ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ قَدْ جَعَلَ جَمِيعَ أَجْنَاسِ التَّحَلُّلِ، بِالسَّلَامِ فَمَنْ أَثْبَتَ بِغَيْرِهِ؛ فَقَدْ خَالَفَ النَّصَّ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ قَالَ لَهُ إِذَا فَعَلْتَ هَذَا أَوْ قُلْتَ هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ» (٢). فَالنَّبِيُّ ﷺ حَكَمَ بِتَمَامِ الصَّلَاةِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَخَيَّرَهُ بَيْنَ الْقُعُودِ وَالْقِيَامِ، وَهَذَا يَنْفِي بَقَاءَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ. وَبِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْساً»، وَلَمْ يُرْوَ أَنَّهُ أَعَادَهَا (٣) وَلَوْ كَانَ إِصَابَةُ لَفْظِةِ السَّلَامِ، رُكْناً لَكَانَ لَا تُجْزِيهِ صَلَاتُهُ؛ إِذَا قَيَّدَ الْخَامِسَةَ بِالسَّجْدَةِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَتْرُوكُ سَجْدَةً، وَالْمَعْنَى فِي الْمَسْأَلَةِ هُوَ أَنَّ هَذَا تَرَكَ تَسْلِيماً مَشْرُوعاً فِي الصَّلَاةِ؛ فَتُجْزِيهِ صَلَاتُهُ قِيَاساً عَلَى التَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا شُرِعَتْ لِلْخُرُوجِ، كَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ فِعْلُ الْخُرُوجِ وَالْخُرُوجُ كَمَا يَحْصُلُ بِالسَّلَامِ؛ يَحْصُلُ بِكَلَامٍ آخَرَ إِلَّا أَنَّ (٤) الْخُرُوجَ بِهِ يُعَبِّرُ لِلْإِكْمَالِ (٥) لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلسُّنَّةِ، كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي التَّحَرُّمِ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِلَفْظٍ آخَرَ.

стр. 669

وأمَّا تَعَلُّقُهُ بِحَدِيثِ الْخُدْرِيِّ؛ قُلْنَا لَا يَصِحُّ التَّعَلُّقُ (١) بِهِ؛ لِأَنَّ مَدَارَ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ (٢)، وَعَلَى (بْنِ) (٣) أَبِي سُفْيَانَ طُرَيْفِ (٤) ابْنِ شِهَابٍ السَّعْدِيِّ وَكِلَاهُمَا ضَعِيفُ الرِّوَايَةِ عِنْدَ نَقَلَه الْحَدِيثِ؛ وَلَئِنْ قَبِلْنَا (٥) قُلْنَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّ التَّحَلُّلَ يَقَعُ بِالتَّسْلِيمِ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِغَيْرِهِ فَهُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ فَنَقُولُ بِالتَّسْلِيمِ يَقَعُ الْخُرُوجُ بِالنَّصِّ وَبِغَيْرِهِ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ كَذَا فِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ". قُلْتُ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ﵀ يَقَعُ جَوَاباً؛ لَمَا تَعَلَّقَ بِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّ حَرْفَ الاسْتِغْرَاقِ دَخَلَ عَلَى التَّسْلِيمِ لَا عَلَى التَّحْلِيلِ؛ فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مَعْنَاهُ كُلُّ مَا يَقَعُ التَّحْلِيلُ؛ إِنَّمَا يَقَعُ بِالتَّسْلِيمِ بَلْ يَكُونُ مَعْنَاهُ أَنْ لَوْ كَانَ لِلاسْتِغْرَاقِ كُلٌّ مَا كَانَ لِلتَّسْلِيمِ، كَانَ [لِلتَّحْلِيلِ] (٦) وَهَذَا لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مُحَلَّلاً، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِيمَا قُلْنَا فِي مُدَّةِ السَّفَرِ بِقَوْلِهِ (٧) وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا.

стр. 670

قَوْلُهُ ﵀: (وَالتَّخْييرُ يُنَافِي الْفَرْضِيَّةَ) فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ يُنَافِي الْفَرْضِيَّةَ وَقَدْ تَعَلَّقَ بِأَحَدِهِمَا، وَهُوَ قِرَاءَةُ التَّشَهُّدِ، أَوِ الْقُعُودُ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ فِي قَوْلِهِ ﷺ «إِذَا قُلْتَ هَذَا أوَ فَعَلْتَ هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ» (١) وَقَدْ تَعَلَّقَتِ الْفَرْضِيَّةُ بِالْقُعُودِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ بِالْإِجْمَاعِ؟ قُلْتُ هَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ بِأَنْ يُرَادَ بِهَذَا التَّخْيِيرِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ؛ مَا قُلْتُهُ مِنَ التَّخْيِيرِ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَالْقُعُودِ بِمِقْدَارِ التَّشَهُّدِ، بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُ، هُوَ مَا ذَكَرْنَا آنِفاً أَنَّهُ مُخَيَّرٌ (٢) بَيْنَ/ الْقُعُودِ وَالْقِيَامِ، وَهُوَ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي آخَرِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ «إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ» (٣) وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ بِتَمَامِ صَلَاتِهِ قَبْلَ هَذَا التَّخْيِيرِ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْفُرُوضِ بَعْدَ التَّمَامِ. قَوْلُهُ ﵀: (وَبِمِثْلِهِ لَا تَثْبُتُ الْفَرْضِيَّةُ) إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ ﷺ : «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» (٤) وَقَدَ ذُكِرَ فِي "الأسرار» أَنْ هَذَا الْخَبَرَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ فَلَا تَثْبُتُ فِيهِ (٥) الْفَرْضِيَّةُ ثُمَّ لَمْ يَذْكُرْ ها هُنَا أَنَّ الْمُقْتَدِيَ مَتَى يُسَلِّمُ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ (٦) فِي رِوَايَةٍ: يُسَلِّمُ مَعَ الْإِمَامِ، فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالتَّكْبِيرِ. وَفِي رِوَايَةٍ يُسَلِّمُ بَعْدَ الْإِمَامِ؛ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، هُوَ أَنَّ فِي مُقَارَنَةِ التَّكْبِيرِ سُرْعَةَ الْعِبَادَةِ، وَكَانَ أَوْلَى وَفِي مُقَارَنَةِ التَّسْلِيمِ سُرْعَةٌ إِلَى الْخُرُوجِ عَنِ الْعِبَادَةِ فَأَنْ يَبْقَى فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ.

стр. 671

وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرَ أَنَّ الْمُقْتَدِيَ يَصِيرُ خَارِجاً عَنِ الصَّلَاةِ؛ بِسَلَامِ الْإِمَامِ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يُسَلِّمَ مَعَ الْإِمَامِ؛ حَتَّى يَصِيرَ خَارِجاً بِسَلَامِ نَفْسِهِ؛ فَيَكُونُ مُقِيماً لِلسُّنَّةِ كَذَا فِي " الْمُحِيطِ " (١) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. فَصْلٌ فِي الْقِرَاءَةِ [أحكام القراءة في الصلاة] لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَكَيْفِيَّتِهَا وَبَيَانِ أَرْكَانِهَا، وَفَرَائِضِهَا، وَسُنَنِهَا؛ ذَكَرَ أَحْكَامَ الْقِرَاءَةِ؛ الَّتِي هِيَ مِنْ (٢) أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، بِفَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ، دُونَ سَائِرِ الْأَرْكَانِ لِزِيَادَةِ أَحْكَامٍ تَعَلَّقَتْ بِهَا دُونَ سَائِرِ الْأَرْكَانِ. ثُمَّ ابْتَدَأَ بِذِكْرِ الْجَهْرِ، دُونَ ذِكْرِ (٣) الْقَدْرِ؛ مَعَ أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنْ يُذْكَرَ الْقَدْرَ أَوَّلًا؛ إِذِ الْقَدْرُ مَعْنًى رَاجِعٌ إِلَى الذَّاتِ، وَالْجَهْرُ، وَالْمُخَافَتَةُ؛ مَعْنًى رَاجِعٌ إِلَى الصِّفَةِ، وَالذَّاتِ قَبْلَ الصِّفَةِ؛ عَلَى مَا عُرِفَ فِي بَابِ التَّرْجِيحِ، إِلَّا أَنَّ وُجُوبَ الْجَهْرِ؛ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، مِنْ صِفَاتِ الْأَدَاءِ الْكَامِلِ، وَالْقَدْرُ؛ يَشْمَلُ الْكَامِلَ، وَالْقَاصِرَ، وَكَانَ الابْتِدَاءُ بِذِكْرِ صِفَةٍ تَخْتَصُّ بِالْأَدَاءِ الْكَامِلِ؛ الَّذِي هُوَ الأصل فِي شَرْعِيَّةِ الصَّلَاةِ أَوْلَى. وَفِي " مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ": (إِنَّ مُرَاعَاةَ الْجَهْرِ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ، وَالْمُخَافَتَةُ فِيمَا يُخَافَتُ فِيهِ فِي الصَّلَوَاتِ؛ الَّتِي تُقَامُ بِجَمَاعَةٍ، وَاجِبٌ بِالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَنُوعٌ مِنَ الْمَعْنَى) (٤). أَمَّا السُّنَةُ فَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: (مَا أَسْمَعَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَسْمَعْنَاكُمْ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ (٥) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَكَتْنَا عَنْكُمْ) (٦) يُرِيدُ بِهِ مَا جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ (٧) جَهَرْنَا وَمَا خَافَتَ فِيهِ خَافَتْنَا.

стр. 672

وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا عَلَى الْجَهْرِ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ، وَعَلَى الْمُخَافَتَةِ فِيمَا يُخَافَتُ فيه َ، وكَذَلِكَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنْ يَجْهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ؛ فَيَجِبُ إِظْهَارُهَا فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا؛ كَسَائِرِ الْأَرْكَانِ (وَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الابْتِدَاءِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا) (١) إِلَّا أَنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا يَلْغُونَهُ فِي الْقِرَاءَةِ، وَيُغَلِّطُونَهُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؛ فَتَرَكَ الْجَهْرَ فِيهِمَا (٢) بِهَذَا الْعُذْرِ، ثُمَّ هَذَا الْعُذْرُ وَإِنْ زَالَ بِكَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ بَقِيَتْ هَذِهِ السُّنَةُ. وامَّا فِي المَغْرِب، وَالْعِشَاءِ، وَالْفَجْرِ (٣)؛ فَالْكُفَّارُ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ، وأكثرهم كَانُوا نِيَاماً (٤) فَجَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقِرَاءَةِ فِي هَذِهِ الصَّلَوَاتِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الأصل، وَبَقِيَتْ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَالُ فَرَاغِ النَّاسِ عَنِ الاشْتِغَالِ فَيُمْكِنُهُمُ (٥) اسْتِمَاعَ الْقُرْآنِ عَلَى وَجْهِهِ، وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، وَإِنْ كَانَتْ صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْماء؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتِ الْغَلَبَةُ لِلْمُسْلِمِينَ؛ فَجَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهَا (٦) بِالْقِرَاءَةِ فَبَقِيَ كَذَلِكَ سُنَّةٌ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَعْيَادِ.

стр. 673

[أحكام الجهر في القراءة] قَوْلُهُ ﵀: (إِنْ شَاءَ جَهَرَ واسَمَعَ نَفْسَهُ) (١). وَإِنَّمَا ذَكَرَ قَوْلَهُ: (واسْمَعَ نَفْسَهُ) لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِجَوَابِ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ؛ وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ: إِنْ شَاءَ؛ جَهَرَ فَوَرَدَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ يَجِبُ أَنْ لَا يَجْهَرَ؛ لِمَا أَنَّ فَائِدَةَ الْجَهْرِ؛ الْإِسْمَاعُ (٢) وَلَيْسَ أَحَدٌ مَعَهُ حَتَّى يُسْمِعَهُ إِيَّاهُ؛ فَقَالَ جَوَاباً لَهُ بِهَذَا أَيْ: فَائِدَةُ الْجَهْرِ حَاصِلُهُ ها هُنَا أَيْضاً بِقَدْرِهَا، وَهُوَ أَنَّهُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ فَيَجْهَرُ لِذَلِكَ؛ وَيَأْتِي مَا يُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ رِوَايَةِ " الْمُحِيطِ " (٣). وَالثَّانِي: لِبَيَانِ الْحُكْمِ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي " مَبْسُوطِهِ ": (وَقَالَ فَيَجْهَرُ لَكِنْ لَا يَجْهَرُ كُلَّ الْجَهْرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ يُسْمِعُهُ، بَلْ يَأْتِي بِأَدْنَى الْجَهْرِ؛ فَكَانَ مَعْنَاهُ عَلَى هَذَا إِنْ شَاءَ جَهَرَ، واسْمَعَ نَفْسَهُ، وَلَا يُسْمِعُ غَيْرَهُ؛ لِمَا أَنَّ التَّخْصِيصَ فِي الرِّوَايَةِ، يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ مَا عَدَاهُ فِي الْغَالِبِ) (٤)، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُلُ إِذَا لَمْ يَجْهَرْ كُلَّ الْجَهْرِ (٥) فَوَجْهُ التَّخْيِيرِ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُقْتَدِياً بِآخَرٍ؛ كَانَ الْإِمَامُ (٦) فَيَجْهَرُ، وَلَمَّا لَمْ يَقْتَدِ بِهِ آخَرٌ (٧) لَمْ يَكُنْ إِمَاماً فَيُخَافِتُ فَلَمَّا تَجَاذَبَ الطَّرَفَانِ بَيْنَ/ وُجُوبِ الْجَهْرِ وَعَدَمِهِ ثَبَتَ التَّخْيِيرِ.

стр. 674

وَذَكَرَ فِي " الْمُحِيطِ "بَعَدَمَا ذَكَرَ (١) التَّخْيِيرِ لِلْمُنْفَرِدِ فِي الْجَهْرِ، وَالْمُخَافَتَةِ فِيمَا يَجْهَرُ (٢) مِنَ الصَّلَاةِ: (فَإِنْ قِيلَ مَشْرُوعِيَّةُ (٣) الْجَهْرِ جَاءَتْ (٤) لِلْأَئِمَّةِ لِحَاجَتِهِمْ إِلَى إِسْمَاعِ (٥) غَيْرِهِمْ وَالْمُنْفَرِدُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِسْمَاعِ (٦) غَيْرِهِ فَلَا يُشْرَعُ الْجَهْرُ فِي حَقِّهِ، قِيلَ لَهُ: الْمُنْفَرِدُ إِمَامٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ؛ فَيَجْهَرُ لِإِسْمَاعِ نَفْسِهِ، فَإِنْ قِيلَ إِذَا اعْتُبِرَ إِمَاماً فِي حَقِّ نَفْسِهِ؛ لَمَا جَازَتِ الْمُخَافَتَةُ فِي حَقِّهِ قِيلَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ فَكَانَ الْمُخَافَتَةُ كَجَهْرِهِ) (٧). قَوْلُهُ ﵀: (صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْماءُ) (٨) (٩) أَيْ: لَيْسَتْ فِيهَا قِرَاءَةً مَسْمُوعَةً؛ إِنَّمَا فَسَّرَهُ بِهَذَا احْتِرَازاً؛ عَنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَتَفْسِيرِهِ؛ فَإِنَّهُ يَقُولُ لَا قِرَاءَةَ فِي هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْماءُ» (١٠) (١١) أَيْ لَيْسَ فِيهَا قِرَاءَةٌ وَلَنَا (١٢) قَوْلُهُ ﷺ : «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِالْقِرَاءَةِ» (١٣) وَقِيلَ لِخَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ (١٤) ﵀ «بِمَ عَرَفْتُمْ (١٥) قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الْظُهْرِ وَالْعَصْرِ؟ قَالَ: بِاضْطِّرَابِ لِحْيَيْهِ (١٦)» (١٧) وَقَالَ أَبُو (١٨) قَتَادَةَ ﵁: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسْمِعُنَا الْآيَةَ وَالْآيَتَيْنِ فِي الظُّهْرِ (١٩) أَحْيَاناً» (٢٠) وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ أَيْ: لَيْسَ فِيهَا قِرَاءَةً مَسْمُوعَةً كَذَا فِي" الْمَبْسُوطِ " (٢١).

стр. 675

قَوْلُهُ ﵀: (وَفِي اللَّيْلِ يَتَخَيَّرُ) (١) لَكِنَّ الْجَهْرَ أَفْضَلُ، كَذَا فِي " الْمَبْسُوطِ " (٢). قُلْتُ: وَهَذَا الْحُكْمُ وَهُوَ أَفْضَلِيَّةُ الْجَهْرِ يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ ﵀: (اعْتِبَاراً بِالْفَرْضِ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ) قَدْ أَثْبَتَ قَبْلَ هَذَا أَفْضَلِيَّةَ الْجَهْرِ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ فِي الْفَرْضِ، ثُمَّ اعْتَبَرَ هَذَا بِذَلِكَ فَكَانَ الْحُكْمُ هُنَا ثَابِتاً؛ بِمِثْلِ (٣) الصِّفَةِ؛ الَّتِي ثَبَتَ ذَلِكَ الْحُكْمُ هُنَاكَ، وَكَانَ الْحُكْمُ هُنَاكَ التَّخْيِيرَ مَعَ أَفْضَلِيَّةِ الْجَهْرِ (٤) فَكَذَا هُنَا، وَكَذَلِكَ التَّبَعِيَّةُ تَسْتَدْعِي هَذَا أَيْضاً لَمَّا أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمَتْبُوعِ حُكْمٌ فِي التَّبَعِ فِيمَا يَصْلُحُ تَبَعاً لَهُ كَالْجُنْدِيِّ يَصِيرُ مُقِيماً فِي الْمَفَازَةِ بِإِقَامَةِ إِمَامِهِ فِي الْمِصْرِ. وَبِقَوْلِنَا فِيمَا يَصْلُحُ تَبَعاً لَهُ وَقَعَ الاحْتِرَازُ عَنْ حُكْمِ الْجَوَازِ وَالْفَسَادِ؛ فَإِنَّهُ إِذَا صَلَّى الْأَرْبَعُ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَثُمَّ شَرَعَ فِي الظُّهْرِ، وأفسدها يَسْرِي ذَلِكَ (٥) إِلَى إِفْسَادِ السُّنَّةِ قَبْلَهَا، وَإِنْ كَانَتْ شَرْعِيَّتُهَا لِتَكْمِيلِ الْفَرْضِ أَيْضاً؛ لَمَّا أَنَّ لِكُلِّ (٦) وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَحْرِيمَةً؛ مُبْتَدَأَةً غَيْرَ مَبْنِيَّةٍ احديهما عَلَى الْأُخْرَى. (وَقَوْلُنَا: غَيْرُ مَبْنِيَّةٍ؛ احْتِرَازٌ عَنْ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي، حَيْثُ تَفْسَدُ بِفَسَادِ صَلَاةِ الْإِمَامِ، وَإِنْ كَانَتْ لِصَلَاةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا تَحْرِيمَةٌ مُبْتَدَأَةٌ) (٧). [الجهر بالقراءة في التهجد] ثُمَّ ذَكَرَ لِأَفْضَلِيَّةٍ (٨) فِي الْجَهْرِ فِي التَّطَوُّعِ بِاللَّيْلِ فِي " الْمَبْسُوطِ " حَدِيثاً وَقَالَ: (فَإِنْ شَاءَ جَهَرَ؛ وَهُوَ أَفْضَلُ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي تَهَجُّدِهِ كَانَ يُونِسُ الْيَقْظَانَ، وَلَا يُوقِظُ الْوَسْنَانَ» (٩).

стр. 676

وَمَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِأَبِي بَكْرٍ ﵁ وَهُوَ يَتَهَجَّدُ؛ وَيُخْفِي بِالْقِرَاءَةِ، وَبِعُمَرَ ﵁ وَهُوَ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ وَبِبِلَالٍ ﵁ وَهُوَ يَنْتَقِلُ مِنْ سُورَةٍ إِلَى سُورَةٍ؛ فَلَمَّا أَصْبَحُوا سَأَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَنْ حَالِهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: كُنْتُ أُسْمِعُ مَنْ أُنَاجِيهِ، وَقَالَ عُمَرُ ﵁: كُنْتُ أُوقِظُ الْوَسْنَانَ واطْرُدُ الشَّيْطَانَ، وَقَالَ بِلَالٌ ﵁: كُنْتُ أَنْتَقِلُ مِنْ بُسْتَانٍ إِلَى بُسْتَانٍ، فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: «ارْفَعْ مِنْ صَوْتِكَ قَلِيلًا» وَلِعُمَرَ ﵁: «اخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ قَلِيلاً» وَلِبِلَالٍ: «إِذَا ابْتَدَأَتَ سُورَةً فَأَتِمَّهَا عَلَى نَحْوِهَا (١)» (٢) (٣). وَلَيْسَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ قَوْلُهُ: (وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِشَاءِ) (٤). بَعْدَ قَوْلِهِ: (فَيَكُونُ تَبَعاً) إِلَى قَوْلِهِ (وَمَنْ قَرَأَ فِي الْعِشَاءِ) وَالصَّوَابُ ذِكْرُهَا لِمَا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَصْلِ مَسَائِلِ " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ "حَيْثُ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ": هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَسْأَلَةُ هَذَا الْكِتَابِ وَالْمُصَنِّفِ ﵀ الْتَزَمَ ذِكْرَ مَسَائِلِ " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ "

стр. 677

[السَّنة في الجهر من عدمه لمن كان يصلي وحده] قَوْلُهُ ﵀ (وَإِنْ كَانَ وَحْدُهُ خَافَتَ حَتْماً) (١) (هُوَ الصَّحِيحُ). فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (٢). قُلْتُ: قَوْلُهُ ﵀: (هُوَ الصَّحِيحُ) (٣). مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرْخَسِيُّ (٤)، وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ، وَقَاضِي خَانَ وَالْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ، وَالْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ ﵏ فِي شُرُوحِهِمْ "لِلْجَامِعِ الصَّغِيرِ" وَذَكَرَ الْإِمَامُ قَاضِي خَانَ: (وَإِنْ صَلَّى وَحْدَهُ خَافَتَ؛ لِأَنَّ الْجَهْرَ سُنَّةُ الْجَمَاعَةِ أَوِ الْأَدَاءُ فِي الْوَقْتِ فَلَا يَجْهَرُ بِهِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْجَهْرِ، وَالْمُخَافَتَةِ، وَالْجَهْرُ أَفْضَلُ؛ كَمَا فِي الْوَقْتِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَكُونُ عَلَى وِفْقِ الْأَدَاءِ، وَفِي الْأَدَاءِ الْمُنْفَرِدِ، يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ، وَالْجَهْرُ أَفْضَلُ؛ فَكَذَلِكَ فِي الْقَضَاءِ) (٥). وَكَذَلِكَ ذَكَرَ فَخْرُ الدِّينِ ﵀ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنْ كَانَ وَحْدُهُ خَافَتَ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَتْمٍ بَلْ لَهُ أَنْ يَجْهَرَ إِنْ شَاءَ، وَالْجَهْرُ أَفْضَلُ. قَوْلُهُ: (وَمَنْ قَرَأَ فِي الْعِشَاءِ فِي الْأُولَيَيْنِ السُّورَةَ وَلَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، لَمْ يُعِدْ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَإِنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ وَجَهَرَ). وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ: (يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ عَلَى الْعَكْسِ، إِذَا تَرَكَ الْفَاتِحَةَ يَقْضِيهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَإِنْ تَرَكَ السُّورَةَ لَا يَقْضِي، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ/ وَاجِبَةٌ وَقِرَاءَةَ السُّورَةِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ؛ وَالْوَاجِبُ أَوْلَى بِالْقَضَاءِ) (٦).

стр. 678

وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ يَقْضِيهِمَا (١) أَمَّا السُّورَةُ فَلَمَّا (٢) نَذْكُرُ وامَّا الْفَاتِحَةُ فَلَمَّا قَالَ عِيسَى، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ أَنَّهُ لَا يَقْضِي وَاحِدَةً مِنْهُمَا (٣)، أَمَّا الْفَاتِحَةُ فَلَمَّا نَذْكُرُ، وامَّا السُّورَةُ فَلِأَنَّهَا سُنَّةٌ فِي الْأُولَيَيْنِ، وَمَا كَانَ سُنَّةً فِي وَقْتِهَا كَانَتْ بِدْعَةً فِي غَيْرِ وَقْتِهَا فَلَا يَقْضِي وَجْهَ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ؛ وَاجِبَةٌ فِي الْأُولَيَيْنِ، وَكَذَا السُّورَةُ مَعَهَا حَتَّى لَوْ تَرَكَ أَحَدَهُمَا سَاهِياً كَانَ عَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ قَضَاهَا فِي الشَّفْعِ الثَّانِي، أَوْ لَمْ يَقْضِ وَسُجُودُ السَّهْوِ لَا يَجِبُ إِلَّا بِتَرْكِ الْوَاجِبِ أَوْ بِتَأْخِيرِهِ. إِلَّا أَنَّ الشَّفْعَ الثَّانِي مَحَلٌّ لِأَدَاءِ الْفَاتِحَةِ؛ فَإِنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فِيهِ مَرَّةً؛ يَكُونُ أَدَاءً، وَلَا يَكُونُ قَضَاءً، وَإِنْ قَرَأَهَا مَرَّتَيْنِ كَانَ بِدْعَةً؛ لِأَنَّ تَكْرَارَ الْفَاتِحَةِ فِي قِيَامٍ وَاحِدٍ غَيْرُ مَشْرُوعٍ؛ فَلِأَجْلِ هَذَا لَا يَقْضِي الْفَاتِحَةَ بِخِلَافِ السُّورَةِ؛ لِأَنَّ الشَّفْعَ الثَّانِي لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِأَدَاءِ السُّورَةِ (٤) فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْقَضَاءِ؛ وَلِأَنَّ الْفَاتِحَةَ وَجَبَتْ فِي الْأُولَيَيْنِ عَلَى وَجْهٍ يَفْتَتِحُ بِهَا الْقِرَاءَةَ، وَيُرَتِّبُ عَلَيْهَا السُّورَةَ، فَلَوْ قَضَى الْفَاتِحَةَ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي لَا يُرَتِّبُ عَلَيْهَا السُّورَةَ، فَلَا يَكُونُ الْقَضَاءُ عَلَى وِفْقِ الْأَدَاءِ، أَمَّا لَوْ قَضَى السُّورَةَ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي كَانَتِ السُّورَةُ مُرَتَّبَةً عَلَى الْفَاتِحَةِ فَيَكُونُ الْقَضَاءُ عَلَى وِفْقِ الْأَدَاءِ. ثُمَّ قَوْلُهُ ﵀ (وَجَهَرَ).

стр. 679

مِنْهُمْ مَنْ صَرَفَ قَوْلَهُ وَجَهَرَ إِلَى السُّورَةِ خَاصَّةً، وَهَكَذَا رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ (١) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُفَ ﵏ (٢)؛ لِأَنَّهُ فِي الْفَاتِحَةِ مُؤَدٍّ فَيُرَاعَى صِفَةُ أَدَائِهَا، وَفِي السُّورَةِ قَاضٍ فَيَجْهَرُ بِالسُّورَةِ كَمَا يَجْهَرُ فِي الْأَدَاءِ، وَلَا يَكُونُ جَمْعاً بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ، فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ تَقْدِيراً لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَلْتَحِقُ بِمَحَلِّ الْأَدَاءِ. وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ (٣) أَنَّهُ لَا يَجْهَرُ أَصْلاً [وَحَقِيقَةً] (٤) لِأَنَّهُ لَا يَجْهَرُ بِالْفَاتِحَةِ لِمَا قُلْنَا فَلَوْ جَهَرَ بِالسُّورَةِ كَانَ جَمْعاً بَيْنَ الْجَهْرِ، وَالْمُخَافَتَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، صُورَةً وَحَقِيقَةً، وَذَلِكَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ. وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَجْهَرُ بِهِمَا؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ السُّورَةِ وَاجِبَةٌ، وَقِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَكَانَ مُرَاعَاةُ صِفَةِ الْوَاجِبِ أَوْلَى؛ فَإِذَا جَهَرَ بِالسُّورَةِ، يَجْهَرُ بِالْفَاتِحَةِ كَيْلَا تَخْتَلِفُ صِفَةُ الْقِرَاءَةِ فِي قِيَامٍ وَاحِدٍ كَذَا فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " لِقَاضِي خَانَ (٥). وَلَكِنْ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ السَّهْوِ مِنَ " الْمَبْسُوطِ " فَقَالَ: (الظَّاهِرُ مِنَ الْجَوَابِ أَنْ يَجْهَرَ بِالسُّورَةِ وَيُخَافِتُ بِالْفَاتِحَةِ) (٦)؛ لِأَنَّ السُّورَةَ قَضَاءٌ، وَقَدْ فَاتَتْ بِصِفَةِ الْجَهْرِ؛ فَيَقْضِي كَذَلِكَ، وَالْفَاتِحَةُ أَدَاءٌ، وَقَدْ شُرِعَ أَدَاؤُهَا عَلَى سَبِيل ِالْمُخَافَتَةِ، وَكَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ فَقَالَ: (وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرَهُ الثَّلْجِيُّ (٧) وَهُوَ جَهْرُ السُّورَةِ دُونَ الْفَاتِحَةِ) (٨).

стр. 680

فَحِينَئِذٍ كَانَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ، (وَيَجْهَرُ بِهِمَا) (هُوَ الصَّحِيحُ) مُخَالِفاً (١) لِرِوَايَةِ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ، وَرِوَايَةِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ (٢) أَيْضاً وَمُوَافِقاً لِمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ قَاضِي خَانَ (٣) وَمَبْسُوطُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ (٤). قَوْلُهُ ﵀: (فَلَوْ قَضَاهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ لَتَرَتَّبَ الْفَاتِحَةُ عَلَى السُّورَةِ (٥) وَهَذَا خِلَافُ الْمَوْضُوعِ) (٦). فَإِنْ قُلْتَ لَا يَسْلَمُ (٧) أَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّرْتِيبِ غَيْرُ مَوْضُوعٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى مِنْ تَرْتِيبِ (٨) الْفَاتِحَةِ عَلَى السُّورَةِ ها هُنَا؛ هُوَ أَنْ تَكُونَ الْفَاتِحَةُ بَعْدَ السُّورَةِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ السُّورَةَ تَقَعُ مُقَدَّمَةً عَلَى الْفَاتِحَةِ، لِكَوْنِ السُّورَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ وَالْفَاتِحَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ قَضَاءٌ، وَمِثْلُ هَذَا مَشْرُوعُ أَدَاءٍ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعاً قَضَاءً لِمَا (٩) أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفُتْ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْأُولَيَيْنِ، كَانَ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَهُوَ تَرْتِيبُ الْفَاتِحَةِ عَلَى السُّورَةِ عَلِمَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّرْتِيبِ عَيْنُ الْمَوْضُوعِ لَا غَيْرِهِ. قُلْتُ: تَرْتِيبُ الْفَاتِحَةِ عَلَى السُّورَةِ؛ أَدَاءً فِيمَا ذَكَرْتُهُ (١٠) مِنَ الصُّورَةِ (١١) لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْقِرَاءَةِ؛ بَلْ عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ، حَتَّى يَنْوِيَ الْقَارِئُ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ (١٢) هُنَاكَ نِيَّةَ الدُّعَاءِ كَذَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ.

стр. 681

وَالْمُرَادُ مِنْ قَضَاءِ الْفَاتِحَةِ هُنَاكَ (١) قَضَاؤُهَا عَلَى وَجْهِ قِرَاءَةِ (٢) الْقُرْآنِ لَا عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ عَلَى وَجْهِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ؛ مُرَتَّبَةً عَلَى السُّورَةِ خِلَافَ الْمَوْضُوعِ وَتَغْيِيرُ النَّقْلِ (٣) وَهُوَ الْفَاتِحَةُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَالسُّورَةُ وَاجِبَةٌ؛ لِكَوْنِهَا قَضَاءً فَكَانَتِ الْفَاتِحَةُ تَبَعاً لِلسُّورَةِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ (٤) فَيَجْهَرُ تَبَعاً لِلسُّورَةِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا يَجْهَرُ مَقْصُودَةً، وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يَثْبُتُ ضِمْناً وَلَمْ (٥) يَثْبُتُ قَصْداً كَبَيْعِ الشُّرْبِ وَ (٦) الطَّرِيقِ. وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي " مَبْسُوطِهِ " لَمْ يَذْكُرْ ها هُنَا كَيْفِيَّةَ الْقَضَاءِ فِي التَّقْدِيمِ، وَالتَّأْخِيرِ قَالَ بَعْضُهُمْ: تُقَدَّمُ السُّورَةُ عَلَى الْفَاتِحَةِ؛ لِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ؛ فَكَانَ تَقْدِيمُ السُّورَةِ عَلَى الْفَاتِحَةِ أَوْلَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُؤَخِّرُ وَهُوَ الْأَشْبَهُ، وابْعَدُ/ عَنِ التَّغْيِيرِ (٧) كَذَا وُجِدَتْ بِخَطِّ الْأُسْتَاذِ. [الخلاف في حَدِّ وجودِ القراءةِ] ثُمَّ الْمُخَافَتَةُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ؛ اخْتَلَفُوا فِي حَدِّ وَجُودِ الْقِرَاءَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَالشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْبُخَارِيُّ، وَالشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَلْخِيُّ ﵀ شَرَطَا لِوُجُودِ الْقِرَاءَةِ خُرُوجَ صَوْتٍ يَصِلُ إِلَى أُذُنِهِ (٨) وَبِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ (٩) شَرَطَ لِصِحَّةِ الْقِرَاءَةِ خُرُوجَ الصَّوْتِ مِنَ الْفَمِّ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى أُذُنِهِ وَلَكِنْ يَشْتَرِطُ (١٠) أَنْ يَكُونَ مَسْمُوعًا فِي الْجُمْلَةِ حَتَّى لَوْ أَدْنَى أَحَدٌ (١١) صِمَاخَ أُذُنِهِ إِلَى فِيهِ سَمِعَ كَفَى وَإِنْ لَمْ يَسْمَعِ الْقَارِئُ (١٢).

стр. 682

وَالْإِمَامُ الْكَرْخِيُّ لَمْ يَشْتَرِطِ السَّمَاعَ أَصْلًا، وَاكْتَفَى بِتَصْحِيحِ الْحُرُوفِ (١) ثُمَّ الْمُصَلِّي لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْقِرَاءَةِ؛ فَإِذَا صَحَّحَ الْحُرُوفَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ؛ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ عِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ، وَالْإِمَامِ أَبِي جَعْفَرٍ (وَتَجُوزُ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ. وَاخْتَارَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَقَاضِي خَانَ (٢) وَصَاحِبُ "الْمُحِيطِ" (٣) قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ وأبي جَعْفَرٍ) (٤). وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحُلْوَانِيُّ: (الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ مَا لَمْ يُسْمِعْ أُذُنَاهُ (أَوْ يُسْمِعْ مَنْ يَقْرُبُهُ) (٥) (٦). وَاحْتَجَّ الْكَرْخِيُّ: (بِأَنَّ الْكَلَامَ فِعْلُ اللِّسَانِ، وَذَلِكَ بِإِقَامَةِ الْحُرُوفِ لَا بِالسَّمَاعِ، فَإِنَّ السَّمَاعَ فِعْلُ الْأُذُنَيْنِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ لِلسَّامِعِ: سَمَعَ الْكَلَامُ، وَلَا يُقَالُ تَكَلَّمَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَصَمَّ يُسَمَّى مُتَكَلِّماً، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْمَعُ؛ فَدَلَّ أَنَّ الْكَلَامَ فِعْلُ اللِّسَانِ فَكَانَ قِرَاءَةً) (٧). وَإِلَى هَذَا أَشَارَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْكِتَابِ حَيْثُ قَالَ: (وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ وَكَانَتْ صَلَاةً يَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ قَرَأَ فِي نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ وَإِنْ شَاءَ جَهَرَ واسْمَعَ نَفْسَهُ) (٨) فَلَوْ كَانَ إِسْمَاعُ نَفْسِهِ دَاخِلاً فِي الْقِرَاءَةِ لَكَانَ إِسْمَاعُ نَفْسِهِ مُسْتَفَاداً مِنْ قَوْلِهِ قَرَأَ فِي ٍنَفْسِهِ؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ واسْمَعَ نَفْسَهُ تَكْرَاراً فَدَلَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ (٩) قَرَأَ فِي نَفْسِهِ أَيْ أَقَامَ الْحُرُوفَ وَلَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ.

стр. 683

وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ ما لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ؛ بِأَنَّ الْقِرَاءَةَ لَمْ تُوجَدْ وَهِيَ رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا تَجُوزُ بِدُونِهَا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ كَلَامٌ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا يُظْهِرُ الْمَرْءُ مَا فِي الضَّمَائِرِ، وَلِهَذَا قِيلَ اللِّسَانُ تُرْجُمَانُ الْقَلْبِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ، وَحُرُوفٍ مَفْهُومَةٍ؛ فَكَمَا لَا يُوجَدُ الْكَلَامُ بِدُونِ الْحَرُوفِ (١) وَإِنْ وُجِدَ صَوْتٌ مَسْمُوعٌ؛ كَأَلْحَانِ الطُّيُورِ فَكَذَا لَا يُوجَدُ بِإِقَامَةِ الْحُرُوفِ، بِلَا صَوْتٍ كَالْكِتَابَةِ؛ فَإِنَّهُ (٢) لَا يُسَمَّى كَلَاماً وِإِنْ وُجِدَ إِقَامَةُ حُرُوفٍ مَفْهُومَةٍ (٣) مُظْهَرَةٍ لِمَا فِي الضَّمِيرِ؛ لِأَنَّ الصَّوْتَ؛ لَمْ يُوجَدْ فَهَذَا أَوْلَى. أَمَّا قَوْلُهُ ﵀: (إِنَّ الْكَلَامَ (٤) فِعْلُ اللِّسَانِ) لَا فَعْلَ الْأُذُنِ نَعَمِ (٥) الْكَلَامُ فِعْلُ اللِّسَانِ لَكِنْ مَعَ الصَّوْتِ، وَإِقَامَةُ الْحُرُوفِ، وامَّا قَوْلُهُ (فِي الْكِتَابِ) إِشَارَةً إِلَى مَا ادَّعَاهُ، قُلْنَا لَيْسَ فِيمَا قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا؛ بَلْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ وَقَرَأَ فِي نَفْسِهِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ لَا غَيْرَهُ، وَبِقَوْلِهِ: (وَإِنْ شَاءَ جَهَرَ واسْمَعَ نَفْسَهُ) أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَغَيْرَهُ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ الْمُنْفَرِدُ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ بِالْخِيَارِ؛ إِنْ شَاءَ أَسْمَعَ نَفْسَهُ لَا غَيْرَ؛ وَإِنْ شَاءَ أَسْمَعَ غَيْرَهُ واسْمَعَ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّ الْجَهْرَ عِبَارَةٌ عَنْ إِسْمَاعِ الْغَيْرِ؛ فَإِذَا مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِسْمَاعَ شَرْطٌ كَذَا فِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ "، وَ" الْمُحِيطِ " (٦). وَقَوْلُهُ ﵀ (فِي لَفْظِ الْكِتَابِ إِشَارَةً) وَهِيَ قَوْلُهُ ﵀ (إِنْ شَاءَ جَهَرَ واسْمَعَ نَفْسَهُ) وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ الْإِشَارَةِ وَجَوَابَهُ وَعَلَى هَذَا الأصل أَيْ وَعَلَى هَذَا الاخْتِلَافِ.

стр. 684

قَوْلُهُ ﵀: (وَغَيْرُ ذَلِكَ) (١) كَالتَّعْلِيقِ، وَحُكْمِ التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ وَوُجُوبِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ، وَجَوَازِ الصَّلَاةِ كَذَا فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ "لِقَاضِي خَانَ" (٢). [أدنى ما يجزئ من القراءة في الصلاة] قوله ﵀: (وأدنى مَا يُجْزِي مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ) إِلَى آخِرِهِ (٣). اعْلَمْ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الْحَضَرِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى أَقْسَامٍ؛ قِسْمٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَوَازُ؛ وَقِسْمٌ يَخْرُجُ بِهِ عَنْ حَدِّ الْكَرَاهَةِ وَقِسْمٌ يَدْخُلُ بِهِ فِي الاسْتِحْبَابِ: أَمَّا الْأَوَّلُ: لَوْ قَرَأَ آيَةً قَصِيرَةً؛ وَلَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ جَازَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ (٤) وَيُكْرَهُ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ، وَإِنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ وَمَعَهَا سُورَةً قَصِيرَةً، أَوْ ثَلَاثَ آيَاتٍ قِصَاراً، وَآيَةً طَوِيلَةً جَازَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ (٥). وَالْمُسْتَحَبُّ فِي الْفَجْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ أَرْبَعِينَ آيَةً؛ سِوَى فَاتِحَةِ الْكِتَابِ كَذَا فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ "لِقَاضِي خَانَ (٦) ثُمَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا قَرَأَ آيَةً قَصِيرَةً هِيَ كِلَمَاتٌ أَوْ كَلِمَتَانِ (٧) نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ (٨) ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ (٩) وَمَا أَشْبَهُ ذَلِكَ يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْمَشَايِخِ.

стр. 685

وامَّا إِذَا قَرَأَ آيَةً قَصِيرَةً هِيَ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ (١) أَوْ (٢) آيَةً قَصِيرَةً وَهِيَ حَرْفٌ وَاحِدٌ؛ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿ق﴾، ﴿ص﴾، ﴿ن﴾ فَإِنَّ هَذِهِ آيَاتٌ عِنْدَ بَعْضِ الْقُرَّاءِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ. [تكرار قراءة السورة في الصلاة] وَإِذَا قَرَأَ آيَةً طَوِيلَةً فِي رَكْعَتَيْنِ نَحْوَ آيَةِ/ الْكُرْسِيِّ (٣) وَآيَةِ الْمُدَايَنَةِ (٤) قَرَأَ بَعْضَهَا فِي رَكْعَةٍ وَالْبَعْضَ فِي رَكْعَةٍ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مَا قَرَأَ آيَةً تَامَّةً فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؛ وَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْآيَاتِ يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِ آيَاتٍ قِصَارٍ، أَوْ يَعْدِلُهَا (٥) فَلَا تَكُونُ قِرَاءَتُهُ أَدْنَى مِنْ قِرَاءَةِ ثَلَاثِ آيَاتٍ قِصَارٍ، كَذَا فِي … " الْمُحِيطِ " (٦). وَلَوْ قَرَأَ آيَةً قَصِيرَةً جِدًّا مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ (٧) جَازَتْ صَلَاتُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (٨) كَذَا ذُكِرَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافِ الْمَشَايِخِ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَانِيُّ (٩) فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " وَكَذَلِكَ ذَكَرَ فِي "شرح الطحاوي" وَقَالَ: مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَوَازُ مِقْدَارَ آيَةٍ طَوِيلَةٍ أَوْ قَصِيرَةٍ جِدًّا، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ جَازَتْ صَلَاتُهُ؛ وَيُكْرَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَفِي "الْخُلَاصَةِ" لَوْ قَرَأَ آيَةً قَصِيرَةً؛ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ هَلْ يَجُوزُ عِنْدَهُمَا؟ قِيلَ يَجُوزُ (١٠) قَالَ ﵀ وَسَمِعْتُ مِنْ ثِقَةٍ؛ أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ، وَذَكَرَ فِي "الأسرار" وَمَا قَالَاهُ احْتِيَاطٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يَلِدْ؛ ثُمَّ نَظَرَ لَا يَتَعَارَفُ قُرْآنًا وَهُوَ قُرْآنٌ (١١) حَقِيقَةً فَمِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةِ؛ حُرِّمَتَا عَلَى الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ، وَمِنْ حَيْثُ الْعَدَمِ لَمْ تُجَوَّزِ الصَّلَاةُ بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِمَا (١٢) يَكُونُ قُرْآنًا حَقِيقَةً، وَعُرْفاً فَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لَا يَنْصَرِفُ؛ إِلَى مَا لَا يُتَعَارَفُ قُرْآنًا، وَالاحْتِيَاطُ أَمْرٌ حَسَنٌ (١٣) فِي الْعِبَادَاتِ.

стр. 686

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١) ﵀ (٢): لَا تَقْدِيرٌ فِي الْأَوَامِرُ (٣) وَالْآيَةُ قُرْآنٌ حَقِيقَةً، وَحُكْماً أَمَّا حَقِيقَةً فَلَا شَكَّ وامَّا حُكْماً؛ فَلِأَنَّهَا تَحْرُمُ قِرَاءَتُهَا عَلَى الْحَائِضِ، وَالْجُنُبِ، وامَّا مَا دُونَ الْآيَةِ فَلَيْسَ لَهَا حُكْمُ الْقُرْآنِ، وَلِهَذَا لَا يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ، وَالْحَائِضِ قِرَاءَتُهُ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ كَذَا فِي " الْمُحِيطِ " (٤) أَيْضاً. وَحَاصِلُ هَذَا الْكَلَامِ؛ يَرْجِعُ إِلَى أَصْلٍ مَذْكُورٍ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ؛ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ (٥) الْحَقِيقَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ (٦) أَوْلَى مِنَ الْمَجَازِ الْمُتَعَارَفِ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا الْمَجَازُ الْمُتَعَارَفُ أَوْلَى وَعَلَى هَذَا أَيْضاً مَسْأَلَةِ الْخُطْبَةِ فِي الْجُمُعَةِ. قَوْلُهُ: (لَيْسَتْ فِي مَعْنَاهُ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى مَا دُونِ الْآيَةِ، أَيْ: لَيْسَتْ فِي مَعْنَى مَا (٧) دُونَ الْآيَةِ لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ كَمَا ذَكَرْنَا. قوله ﵀: (وَلِأَنَّ السَّفَرَ) (٨) إِلَى آخِرِهِ هَذَا التَّعْلِيلِ مُخَالِفٌ لِمَا ذُكِرَ فِي طَرَفِ تَعْلِيلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَسْأَلَةِ الْأَرْوَاثِ فِي بَابِ الْأَنْجَاسِ (٩) وَقَدْ ذَكَرْنَا هُنَاكَ (١٠).

стр. 687

[السُّنة في قراءة الفجر] قَوْلُهُ ﵀: (وَإِنْ كَانَ فِي أَمَنَةٍ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ نَحْوَ سُورَةِ الْبُرُوجِ وَانْشَقَّتْ). فَإِنْ قُلْتَ: لَمَّا كَانَ فِي حَالِ أَمْنٍ وَقَرَارٍ فِي السَّفَر ِ؛ كَانَ هُوَ وَالْمُقِيمُ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ (١) لَا حَرَجَ عَلَيْهِمَا فِي مُرَاعَاةِ سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ؛ بِالتَّطْوِيلِ، وَالْمُقِيمُ يَقْرَأُ مِنْ أَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فِي أَقَلِّ مَا يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ. فَلِمَ انْحَطَّ حَالُ الْمُسَافِرِ (٢) مِنْ حَالِ الْمُقِيمِ؛ فِي قَدْرِ الْقِرَاءَةِ مَعَ مُسَاوَاتِهِمَا (٣) فِي الْأَمْنِ وَالْقَرَارِ؟ قُلْتُ: مَعَ أَنَّ الْمُسَافِرَ سَاوَى (٤) الْمُقِيمَ فِي (٥) الْأَمْنِ، وَالْقَرَارِ لَكِنْ قِيَامُ السَّفَرِ (٦) مَعَهُ أَوْجَبَ التَّخْفِيفَ، وَالْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ الْعِلَّةِ لَا مَعَ الْحِكْمَةِ (٧)، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ؛ مَعَ ذَلِكَ الْأَمْنِ، وَالْقَرَارِ؛ لِوُجُودِ عِلَّةِ التَّخْفِيفِ، مَعَ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ نَحْوِ سُورَةِ الْبُرُوجِ، وَرَدَ فِي الْأَثَرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ بِمِثْلِهِ فِي الْحَضَرِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ. قَوْلُهُ ﵀: (وَيَقْرَأُ فِي الْحَضَرِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بِأَرْبَعِينَ آيَةً أَوْ خَمْسِينَ آيَةً) (٨)، فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ (٩) أَرْبَعِينَ آيَةً؛ مُنْقَسِمَةٌ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ؛ فَحِينَئِذٍ نَصِيبُ (١٠) كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ عِشْرُونَ آيَةً؛ وَهُوَ خِلَافُ مَا نُقِلَ مِنَ الآثَارِ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي " الْمَبْسُوطِ ": (وَعَنْ مُورِّقٍ الْعَجْلِيِّ ﵀ (١١) قَالَ (١٢): (تَلَقَّفْتُ سُورَةَ ق وَاقْتَرَبَتْ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِكَثْرَةِ قِرَاءَتِهِ إِيَّاهُمَا فِي صَلَاةِ الْفَجْر) (١٣) (١٤) وَلَا يُمْكِنُ حَمْلَهُ عَلَى أَنَّهُ قَرَأَ بَعْضَ سُورَةِ ﴿ق﴾، فِي (١٥) رَكْعَةٍ؛ وَالْبَعْضُ فِي رَكْعَةٍ لَمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ قِرَاءَةُ سُورَةٍ تَامَّةٍ فِي رَكْعَةٍ، وَقَدَ أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بِلَالاً ﷺ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَفِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ مَحْمُولٌ عَلَى مَا هُوَ الْأَوْلَى فِي الْبَابِ.

стр. 688

[السُّنة في القراءة في فجر يوم الجمعة] وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:» أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةَ (١) وَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾» (٢) (٣)، وَكَذَلِكَ الْمَعْهُودُ فِي زَمَانِنَا قِرَاءَةُ سُورَةٍ بِالْآيَةِ (٤) فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ؛ تَحْتَوِي عَلَى أَرْبَعِينَ، أَوْ خَمْسِينَ، أَوْ أَزْيَدَ، أَوْ أَنْقَصَ؛ لَا أَنْ يَكْتَفِيَ بِسُورَةٍ مُحْتَوِيَةٍ عَلَى عِشْرِينَ آيَةً، فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى كَسُورَةِ الْبَلَدِ، وَالْغَاشِيَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَمْرَهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى التَّوَارُثِ، كَابِراً عَنْ كَابِرٍ (٥) فَمَا وَجْهُ التَّوْفِيقِ؟. قُلْتُ كُنْتُ فِي هَذَا زَمَاناً (٦) أبدا مِنَ الْجلدون، وأحول مِنْ أَبِي قَلَمُونَ (٧) تَارَةً كُنْتُ أوؤل قَوْلَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بِمَعْنَى يَقْرَأُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ أَرْبَعِينَ (٨) آيَةً. وَطَوراً كُنْتُ أَحْمِلُ الْأَثَرَ الْوَارِدَ بِالْأَرْبَعِينَ؛ عَلَى التَّنْصِيفِ وَإِنْ كَانَتْ سُورَةً إِلَى أَنْ وَجَدْتُ رِوَايَةً مُصَرَّحَةً/ مُجْلَاةً لِلظُّلْمَةِ، وَمُسَلاةً لِلْغُمَّةِ عَلَى وَجْهِ التَّقْسِيمِ، فِي إِرَادَةِ التَّتْمِيمِ مِنْ جَانِبِ صَاحِبِ (٩) " الْمُحِيطِ ".

стр. 689

وَقَالَ ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ (بِأَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ آيَةً سِوَى فَاتِحَةِ الْكِتَابِ ثُمَّ قَالَ: وَلَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ: أَرْبَعِينَ) (١) أَوْ خَمْسِينَ أَرْبَعُونَ أَوْ خَمْسُونَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؛ بَلْ أَرَادَ بِهِ أَرْبَعِينَ فِيهِمَا، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عِشْرُونَ آيَةٍ (٢) كَذَا فِي"الْمُحِيطِ " (٣). فَحِينَئِذٍ يُحْمَلُ عَلَى (٤) مَا رَوَاهُ الْعَجْلِيُّ؛ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ فِي الْكِتَابِ، وَمِنْ سِتِّينَ إِلَى مِائَةٍ؛ فَإِنَّهُ ﷺ لَمَّا قَرَأَ سُورَةَ ﴿ق﴾ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَهِيَ خَمْسٌ وأربعون آيَةً؛ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (٥) مِمَّا يُعَادِلُهَا، أَوْ يُقَارِبُهَا فَكَانَ مَجْمُوعَهَا يَقْرُبُ إِلَى مِائَةٍ، وكَذَلِكَ ذُكِرَ فِي " مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ " مُفَسَّراً بِهَذَا، وَقَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ سُورَةَ ﴿ق﴾ فِي الْفَجْرِ، أَوِ اقْتَرَبَتْ أَيْ: فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى» (٦) وَكَذَلِكَ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ ﷺ «قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ﴿ألم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةَ، وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾»، ثُمَّ قَالَ فَإِذَا جَمَعْتَ بَيْنَهُمَا بَلَغْتَ مِائَةَ أَوْ أَكْثَرَ. وَكَذَا ذُكِرَ أَيْضاً فِي " الْمَبْسُوطِ " (٧) فَكَانَ الْمَجْمُوعُ إِحْدَى وَسِتِّينَ آيَةً؛ فَإِنَّ سُورَةَ السَّجْدَةِ ثَلَاثُونَ آيَةً، وَسُورَةَ الْإِنْسَانِ؛ إِحْدَى وَثَلَاثُونَ آيَةً؛ فَلَمَّا اخْتَلَفَتْ مَقَادِيرُ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اخْتَلَفَتْ مَقَادِيرُ مُحَمَّدٍ ﵀ (٨) أَيْضًا فِي الْقِرَاءَةِ، فَقَالَ بِأَرْبَعِينَ آيَةً، أَوْ خَمْسِينَ وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَتْ مَقَادِيرُ الْقِرَاءَةِ فِي الْآثَارِ أَيْضاً، (رَوَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَرَأَ فِي الْفَجْرِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لَهُ عُمَرُ: كَادَتِ الشَّمْسُ تَطْلُعُ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لَوْ طَلَعَتْ لَمْ تَجِدْنَا غَافِلِينَ (٩) وَعُمَرُ ﵁ قَرَأَ فِي الْفَجْرِ سُورَةَ يُوسُفَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (١٠) خَنَقَتْهُ الْعَبْرَةُ فَرَكَعَ) (١١).

стр. 690

[السُّنة في القراءة في صلاة الظهر] وَفِي الظُّهْرِ يَقْرَأُ بِنَحْوٍ مِنْ ذَلِكَ أَوْ دُونِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ قَدْ رَوَى إِمَّا يَقْرَأُ نَحْواً مِنْ ذَلِكَ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ ﴿ألم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةَ» حَتَّى رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَنَهُ قَالَ: «سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ فِي الظُّهْرِ فَظَنَّنَا أَنَّهُ قَرَأَ ﴿ألم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةَ» (١) وَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّهُ «كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ ﴿ألم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةَ وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾» فَدَلَّ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيِ الظُّهْرِ مِثْلَ مَا يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وامَّا دُونَهُ؛ فَإِنَّهُ رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: «أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً» (٢) وَهُوَ نَحْوَ سُورَةِ الْمُلْكِ كَذَا فِي … " الْمَبْسُوطَيْنِ " (٣). قَوْلُهُ ﵀: (ويقرأ فِيهِمَا بِأَوْسَاطِ الْمُفَصَّلِ) رَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ (٤): «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، مِنَ الْعَصْرِ [وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ]، [وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ]» (٥). وَرُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : قَرَأَ فِي صَلَاةِ المغرب بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَفِي الْعِشَاءِ يَقْرَأُ بِمِثْلِ مَا يَقْرَأُ فِي الْعَصْرِ» لِحَدِيثِ (٦) مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أَنَّ قَوْمَهُ شَكُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَطْوِيلَ قِرَاءَتِهِ فِي الْعِشَاءِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ أَيْنَ أَنْتَ مِنْ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا» (٧).

стр. 691

كَذَا فِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ "، وَ" الْمُحِيطِ " (١) فَذُكِرَتْ (٢) لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ آثارً لتقتفى آثار السنن، مَنِ اسْتَنَّ بِهَا لِيَكُونَ عَمَلُهُ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ؛ وَمُجَانِباً عَنِ الْبِدْعَةِ (٣) قَوْلُهُ ﵀: (وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ) إِلَى آخِرِهِ (٤). وَمِنَ التَّوْفِيقِ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ فِي " الْمُحِيطِ ": (الْمُرَادُ مِنَ الْأَرْبَعِينَ إِذَا كَانَ الْآيُ طُوَالاً كَسُورَةِ الْمُلْكِ؛ فَإِنَّهَا مَعَ طُولِهَا ثَلَاثُونَ آيَةً، وَالْمُرَادُ مِنَ الْخَمْسِينَ وَالسِّتِّينَ إِذَا كَانَتِ الْآيُ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ الطُّولِ وَالْقِصَرِ) (٥)، وَقِيلَ يَبْنِي عَلَى حَالَةِ نَفْسِهِ فِي الْخِفَّةِ، وَالثِّقَلِ، وَحُسْنِ الصَّوْتِ. [المقصود بطوال المفصل وأوسطه] وَقَوْلُهُ: (أَنْ اقْرَأَ فِي الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ بِطُوَالِ الْمُفَصَّلِ) إِلَى آخِرِهِ (٦). قَالَ: طُوَالُ الْمُفَصَّلِ مِنْ سُورَةِ الْحُجُرَاتِ إِلَى سُورَةِ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ (٧) وَالْأَوْسَاطُ مِنْ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ إِلَى سُورَةِ ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ (٨)، وَقِصَارُ الْمُفَصَّلِ مِنْ سُورَةِ ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ إِلَى الْآخِرِ.

стр. 692

وَقِيلَ: طُوَالُ الْمُفَصَّلِ مِنْ سُورَةِ ﴿الْحُجُرَاتِ﴾ إِلَى سُورَةِ ﴿عَبَسَ﴾، وَالْأَوْسَاطُ مِنْ [سُورَةِ] (١) ﴿كُوِّرَتْ﴾ إِلَى سُورَةِ ﴿وَالضُّحَى﴾، ثُمَّ الْقِصَارُ مِنْهُ إِلَى آخِرِ الْمُصْحَفِ كَذَا فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ "لِلْإِمَامِ الْمَحْبُوبِيِّ. قوله ﵀: (وَيُطِيلُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى مِنَ الْفَجْرِ) (٢) بِهِ (٣) جَرَى التَّوَارُثُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا حَتَّى (٤) رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَالَ يَقْرَأُ الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سُورَةَ ﴿ق﴾ أَوْ ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ ﴿هَلْ أَتَى﴾ وَالْمُرْسَلَاتِ وَاحْتَجَّ مُحَمَّدٌ (٥) فِي تَطْوِيلِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا بِحَدِيثِ أَبِي/ قَتَادَةَ: ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا» (٦)؛ وَلِأَنَّ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا خرجا ولا خرج (٧) فِي التَّرْجِيحِ؛ وَلِأَنَّ (مَعْنَى تَفَضُّلِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ، مَوْجُودٌ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ إِلَّا أَنَّ) (٨) الْغَفْلَةَ فِي وَقْتِ الْفَجْرِ؛ بِسَبَبِ النَّوْمِ وَفِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ؛ بِاشْتِغَالِ النَّاسِ بِالْكَسْبِ،

стр. 693

[السنة في قراءة الإمام يوم الجمعة] وَهُمَا احْتَجَّا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّهُ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سُورَةَ الْجُمُعَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ الْمُنَافِقُونَ» (١) كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إِحْدَى عَشْرَةَ آيَةً، وَالْقِيَاسُ فِي الْفَجْرِ هَكَذَا وَإِنَّمَا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ لِعُذْرٍ (٢)؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ نَوْمٍ، وَغَفْلَةٍ، وَلِهَذَا خَصَّ الْفَجْرَ بِالتَّثْوِيبِ؛ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَوْقَاتِ، فَإِنَّهَا وَقْتُ عِلْمٍ (٣) وَيَقَظَةٍ، فَلَوْ تَغَافَلُوا؛ إِنَّمَا تَغَافَلُوا بِسَبَبِ اشْتِغَالِهِمْ بِأُمُورِ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ مُضَافٌ إِلَى تَقْصِيرِهِمْ، وَاخْتِيَارِهِمْ، وَالنَّوْمُ لَيْسَ بِاخْتِيَارِهِمْ (وَالتَّفْصِيلُ هُنَاكَ؛ لَا يَكُونُ تَفْصِيلاً ها هُنَا) (٤). ثُمَّ يَعْتَبِرُ (٥) التَّطْوِيلَ مِنْ حَيْثُ الْآيَاتِ؛ إِذَا كَانَ بَيْنَ مَا يَقْرَأُ فِي الْأُولَى، وَبَيْنَ مَا يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ مُقَابَلَةٌ (٦) مِنْ حَيْثُ الْآيِ؛ أَمَّا إِذَا كَانَ بَيْنَ الْآيَاتِ تَفَاوُتٌ، مِنْ حَيْثُ الطُّولِ، وَالْقِصَرِ تُعْتَبَرُ الْكَلِمَاتُ، وَالْحُرُوفُ، بَعْدَ هَذَا اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ؛ بَعْضُهُمْ قَالُوا: (يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا بِقَدْرِ الثُّلُثِ، وَالثُّلُثَيْنِ، وَالثُّلُثَانِ فِي الْأُولَى، وَالثُّلُثُ فِي الثَّانِيَةِ) (٧). وَفِي "شرح الطحاوي" (٨) قَالَ: (يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَى بِثُلُثَيْنِ (٩) وَفِي الثَّانِيَةِ بِقَدْرِ عَشْرِ آيَاتٍ، أَوْ عِشْرِينَ هَذَا هُوَ بَيَانُ الْأَوْلَوِيَّةِ) (١٠) وامَّا بَيَانُ الْحُكْمِ فَنَقُولُ التَّفَاوُتُ وَإِنْ كَانَ فَاحِشًا بِأَنْ قَرَأَ فِي الْأُولَى بِأَرْبَعِينَ آيَةً، وَفِي الثَّانِيَةِ بِثَلَاثِ آيَاتٍ؛ لَا بَأْسَ بِهِ، وَرَدَّ الْأَثَرَ، وامَّا إِطَالَةُ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَمَكْرُوهٌ بِالْإِجَمَاعِ كَذَا فِي " الْمُحِيطِ " (١١).

стр. 694

وَذَكَرَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ هَذَا كُلَّهُ إِذَا كَانَ إِمَاماً، وامَّا إِذَا كَانَ مُنْفَرِداً قَرَأَ مَا شَاءَ؛ لِأَنَّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُرَاعِيَ حَقَّ الْقَوْمِ؛ ذَكَرَ بَكْرٌ ﵀ الْأَفْضَلُ أَنْ يُطَوِّلَ الْقِرَاءَةَ؛ إِذَا كَانَ يُصَلِّي وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ بِجَمَاعَةٍ لَا تَيْسِيراً عَلَى النَّاسِ. قَوْلُهُ ﵀: (وَلَا مُعْتَبَرٌ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ بِمَا دُونَ ثَلَاثِ آيَاتٍ) (١) نَحْوَ آيَةٍ (٢) أَوْ آيَتَيْنِ فَلَا بَأْسَ بِهِ فَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ الْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ (٣)، وَفِي صَلَاةِ المغرب فِي الرَّكْعَتَيْنِ، وَالثَّانِيَةِ أَطْوَلُ مِنَ الْأُولَى؛ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي الْفَرَائِضِ دُونَ السُّنَنِ، وَالنَّوَافِلِ؛ لِأَنَّ أَمْرَ التَّطَوُّعِ أَسْهَلُ؛ حَتَّى جَازَ التَّطَوُّعُ قَاعِداً مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ، وَرَاكِباً (٤) مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّزُولِ كَذَا فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ "لِلْمَحْبُوبِيِّ. وَفِي "الْبَرَامِكَةِ": عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَكْرَهُ أَنْ يُطَوِّلَ رَكْعَةً مِنَ التَّطَوُّعِ وَيُنْقِصَ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ وَعَلَى اخْتِيَارِ أَبِي الْيُسْرِ لَا يُكْرَهُ، كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ. قَوْلُهُ ﵀: (وَيُكْرَهُ أَنْ يُوَقَّتَ شَيْءٌ (٥) مِنَ الْقُرْآنِ لِشَيْءٍ (٦) مِنَ الصَّلَوَاتِ).

стр. 695

وَالْمُرَادُ بِالتَّوْقِيتِ تَعْيِينُ بَعْضِ الْقُرْآنِ؛ لِيَقْرَأَ فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ عَيْنًا، وَفِي "شرح الطحاوي" الْمُلَازَمَةُ؛ إِنَّمَا تُكْرَهُ إِذَا لَمْ يَعْتَقِدِ الْجَوَازَ بِغَيْرِهِ؛ فَأَمَّا إِذَا اعْتَقَدَ الْجَوَازَ لَكِنْ يَقْرَأُ هَذَا؛ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ عَلَيْهِ لَا يُكْرَهُ (١). [تعيين بعض القرآن ليقرأ في بعض الصلوات] فَإِنْ قُلْتَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَبَيْنَ مَسْأَلَةٍ قَبْلَهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ ﵀: (وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ قِرَاءَةُ سُورَةٍ بِعَيْنِهَا) فَيَتَرَاءَى أَنَّهُمَا (٢) فِي بَيَانِ حُكْمٍ وَاحِدٍ فَحِينَئِذٍ لَا تَبْقَى الْفَائِدَةُ فِي التَّكْرَارِ؟. قُلْتُ: لَا بَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ؛ مِنْ حَيْثُ الْوَضْعِ، وَمِنْ حَيْثُ الْبَيَانِ، أَمَّا الْوَضْعُ فَإِنَّ الْأُولَى مِنْ مَسَائِلِ (٣) الْقُدُورِي (٤)، وَالثَّانِيَةَ مِنْ مَسَائِلِ " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " (٥) (وَالْمُصَنِّفُ ﵀ الْتَزَمَ ذِكْرَ مَسَائِلِهِمَا؛ ذَكَرَ فِي خُطْبَةِ الْبِدَايَةِ) (٦) وَهَذَا الْكِتَابُ شَرَحَ ذَلِكَ؛ فَلَزَمَ عَلَيْهِ إِيرَادُهُمَا؛ بِنَاءً عَلَى الْوَعْدِ، وامَّا الْبَيَانُ فَإِنَّ الْأَوْلَى فِي تَعْيِينِ السُّورَةِ مَعَ إِطْلَاقِ الصَّلَوَاتِ بِأَنْ يُعَيِّنَ سُورَةً فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا، وَلَا يَقْرَأُ غَيْرَهَا فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ، وَالثَّانِيَةِ فِي تَعْيِينِهِمَا كَمَا فِي تَعْيِينِ سُورَةِ السَّجْدَةِ، وَهَلْ أَتَى فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ؛ مِنْ كُلِّ جُمُعَةٍ فَظَهَرَ الْفَرْقُ. فَإِنْ قُلْتَ: لَمَّا عَلِمَ كَرَاهَةَ هَذَا (٧) التَّعْيِينِ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ؛ يُعْلَمُ كَرَاهَةُ التَّعْيِينِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ؛ إِنَّمَا جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ التَّعْيِينِ؛ فَازْدَادَتِ الْكَرَاهَةُ (٨) لِزِيَادَةِ التَّعْيِينِ؛ فَحِينَئِذٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ الثَّانِيَةِ لِعِرْفَانِهَا (٩) بِالْأُولَى.

стр. 696

قُلْتُ: لَا نُسَلِّمُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّعْيِينِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فَائِدَةٌ؛ لِاخْتِصَاصِهِ بِزِيَادَةِ التَّبَرُّكِ بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ ذَلِكَ؛ دُونَ الْآخَرِ، حَتَّى أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ (١) يَرَى اسْتِحْبَابَ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ فِيهِ هَجْراً لِلْبَاقِي، مِنْ غَيْرِ تَضَمُّنِ مَعْنَى التَّبَرُّكِ؛ فَيُكْرَهُ (٢) الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي؛ فَلَا بُدَّ مِنَ الْبَيَانِ. وَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فخر الدين قاضي خان فيِ " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ": (أَرَادَ بِذَلِكَ/ أَنْ لَا يَقْرَأَ غَيْرَهَا فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ وَهْمِ التَّفْضِيلِ، وَهِجْرَانِ غَيْرِهِ، وانَّهُ خَطَأٌ فَاحِشٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (٣)؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ وَاظَبَ عَلَى ذَلِكَ؛ رُبَّمَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا تَجُوزُ بِدُونِهَا؛ فَكَانَ مُغَيِّراً لِلْمَشْرُوعِ (٤) فَإِنْ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَادُ قِرَاءَةَ سُورَةٍ (٥) فِي الصَّلَاةِ؛ فَيَتَبَرَّكُ بِذَلِكَ نَحْوَ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْوِتْرِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وَ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَقِدَ زِيَادَةَ فَضِيلَةٍ (٦) لَا بَأْسَ بِهِ؛ لَكِنْ لَا يُوَاظِبُ عَلَى ذَلِكَ فِي جَمِيعِ عُمْرِهِ؛ كَيْلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ بِدُونِهَا؛ فَلِذَلِكَ يُكْرَهُ أَنْ يَتَّخِذَ سُورَةَ ﴿السَّجْدَةِ﴾، وَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ.

стр. 697

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ (١): يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِحَدِيثِ (٢) ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقْرَأُهُمَا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» (٣) وَإِنَّا نَقُولُ إِنْ تَبَرَّكَ بِذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ؛ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا يُوَاظِبُ عَلَيْهِ كَيْلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِدُونِهَا) (٤). ذَكَرَ الْحلوَانِيُّ ﵀ فِي الصَّوْمِ عَنْ أَصْحَابِنَا يُكْرَهُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَخُصَّ لِنَفْسِهِ مَكَاناً فِي الْمَسْجِدِ يُصَلِّي فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ تَصِيرُ الصَّلَاةُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ طَبْعاً، وَالْعِبَادَةُ مَتَى صَارَتْ طَبْعاً كَانَ سَبِيلَهَا التَّرْكُ، وَلِهَذَا كُرِهَ صَوْمُ الْأَبَدِ كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ فِي" الْجَامِعِ الصَّغِيرِ". [قراءة المأموم خلف الأمام] وَلَا يَقْرَأُ الْمُؤْتَمُّ خَلْفَ الْإِمَامِ؛ فَالْمَذْهَبُ عِنْدَ أَهْلِ الْكُوفَةِ أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ، وَعِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْهُمْ مَالِكٍ ﵀ (٥) يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ، وَلَا يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ (٦) يَقْرَأُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ؛ إِلَّا أَنَّ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِ (٧) أَوْ (٨) إِنَّ قِرَاءَةَ (٩) الْفَاتِحَةِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْهَا؛ فَإِنَّ الْإِمَامَ يُنْصِتُ حَتَّى يَقْرَأَ الْمُقْتَدِي الْفَاتِحَةَ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةِ» (١٠).

стр. 698

وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ؛ فَلَا تَسْقُطُ بِسَبَبِ الاقْتِدَاءِ عِنْدَ الاخْتِيَارِ كَالرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ؛ بِخِلَافِ مَا إِذَا أَدْرَكَ الْإِمَامُ فِي الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْحَالَةَ حَالَةُ الضَّرُورَةِ فَإِنَّهُ يَخَافُ فَوْتَ الرَّكْعَةِ، وَبِسَبَبِ الضَّرُورَةِ قَدْ تَسْقُطُ بَعْضُ الْأَرْكَانِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقِيَامَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ رُكْنٌ، وَقَدْ سَقَطَ ها هُنَا لِلضَّرُورَةِ كَذَا فِي " الْمَبْسُوطِ " (١). وَذُكِرَ فِي "الأسرار " وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ (٢) هَذَا فِي الصَّلَاةِ؛ الَّتِي يُخَافِتُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ وَفِي الَّتِي يَجْهَرُ فِيهَا لَهُ قَوْلَانِ (٣) وَفِي "الْخُلَاصَةِ الْغَزَالِيَّةِ" (٤): (وَيَقْرَأُ الْمَأْمُومُ (٥) فِي الْجَهْرِيَّةِ عِنْدَ سَكْتَةِ الْإِمَامِ مِنَ الْفَاتِحَةِ؛ كَيْلَا يَفُوتُهُ سَمَاعُ الْقُرْآنِ، وَلَا يَقْرَأُ الْمَأْمُومُ السُّورَةَ فِي الْجَهْرِيَّةِ) (٦). وَلَنَا (٧) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٨) وأكثر أَهْلُ التَّفْسِيرِ (٩) عَلَى أَنَّ هَذَا خِطَاباً لِلْمُقْتَدِي، وَلَا يُقَالُ إِنَّ الْإِمَامَ يَسْكُتُ لِيَقْرَأَ الْمُقْتَدِي؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْخِلَافُ ثَابِتٌ فِي إِمَامٍ لَمْ (١٠) يَسْكُتْ؛ وَلِأَنَّ السُّكُوتَ بِغَيْرِ قِرَاءَةِ حَالَةِ الْقِيَامِ، مَكْرُوهٌ وَلَوْ سَكَتَ طَوِيلاً سَاهِياً لَزِمَهُ سَجْدَتَا السَّهْوِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الْآيَةَ عَلَى حَالِ الْخُطْبَةِ، وَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا فَفِيهِ بَيَانُ الْأَمْرِ بِالاسْتِمَاعُ، وَالْإِنْصَاتِ فِي حَالَةِ الْخُطْبَةِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَمَنْعِ الْمُقْتَدِي عَنِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ؛ مَرْوِيٌّ (١١) عَنْ ثَمَانِينَ نَفَراً مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ ﵏ وَقَدْ جَمَعَ أَسَامِيهِمْ أَهْلُ الْحَدِيثِ.

стр. 699

قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁: (مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ) (١) وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ لِعَيْنِهَا؛ بَلْ لِلتَّدَبُّرِ، وَالتَّفَكُّرِ، وَالْعَمَل بِهِ، وَحُصُولِ هَذَا الْمَقْصُودِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ، وَسَمَاعُ الْقَوْمِ فَإِذَا (٢) اشْتَغَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْقِرَاءَةِ لَا يَتِمُّ هَذَا الْمَقْصُودُ. وَهُوَ نَظِيرُ الْخُطْبَةِ فَالْمَقْصُودُ مِنْهَا؛ الْوَعْظُ، وَالتَّدَبُّرُ (٣) وَذَلِكَ يَحْصُلُ (٤) بِأَنْ يَخْطُبَ الْإِمَامُ وَيَسْتَمِعُ الْقَوْمُ، لَا أَنْ يَخْطُبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (٥) لِنَفْسِهِ دَلَّ عَلَيْهِ أَنَّهُ إِذَا أَدْرَكَ فِي حَالَةِ الرُّكُوعِ فَإِنْ خَافَ فَوْتَ الرَّكْعَةِ؛ سَقَطَ عَنْهُ فَرْضُ الْقِرَاءَةِ، وَلَوْ كَانَتْ مِنَ الْأَرْكَانِ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي؛ لَمَا سَقَطَتْ بِهَذَا الْعُذْرِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَلَا نَقُولُ إِنَّ رُكْنَ الْقِيَامِ يَسْقُطُ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُكَبِّرَ قَائِماً، وَفَرْضُ الْقِيَامِ، يَتَأَدَّى بِأَدْنَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الاسْمُ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي الْحَدِيثِ؛ فَإِنَّهُ بِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ تَصِيرُ صَلَاةُ الْقَوْمِ بِالْقِرَاءَةِ؛ كَمَا أَنَّ بِخُطْبَةِ الْإِمَامِ، تَصِيرُ صَلَاتُهُمْ جَمِيعاً بِالْخُطْبَةِ. وَمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ (٦) مِنْ قِرَاءَةِ الْمُقْتَدِي خَلْفَ الْإِمَامِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ رُكْناً فِي الابْتِدَاءِ، ثُمَّ مَنَعَهُمْ عَنِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ (٧) لَمَّا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ خَلْفَهُ قَالَ: «مَالِي أُنَازِعُ الْقُرْآنَ» (٨).

стр. 700

وَالْقِرَاءَةُ مُخَالِفَةٌ لِسَائِرِ الْأَرْكَانِ، فَمَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِسَائِرِ الْأَرْكَانِ؛ لَا يَحْصُلُ بِفِعْلِ الْإِمَامِ بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ، عَلَى مَا مَرَّ/ كَذَا فِي " الْمَبْسُوطِ " (١)، وَ"الأسرار". فَإِنْ قُلْتَ: التَّعْلِيلُ بِمَعْنَى التَّدْبِيرِ، وَالتَّفَكُّرِ؛ إِنَّمَا يَصِحُّ فِي صَلَاةٍ يَجْهَرُ فِيهَا، وَالْخِلَافُ ثَابِتٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ؛ فِي صَلَاةٍ يُخَافِتُ فِيهَا فَكَيْفَ تُوَحَّدُ (٢) هَذِهِ الْفَائِدَةُ؟ قُلْتُ: أَصْلُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرُ (٣) غَيْرُ غَالٍ عَلَى مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (٤) فَالاسْتِمَاعُ وَاجِبٌ عَلَى ذَلِكَ؛ ثُمَّ أَمَرَ بِالْمُخَافَتَةِ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ قَطْعاً لِمُحَادَّاةِ (٥) الْمُنَافِقِينَ؛ فَبَقِيَ الْحُكْمُ عَلَى الأصل؛ وَلِأَنَّ الْإِنْصَاتَ يَجِبُ (٦) وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ لَهُ (٧) الاسْتِمَاعُ؛ إِذِ الْمَأْمُورُ بِهِ شَيْئَانِ؛ فَالْإِنْصَاتُ لَهُ مُمْكِنٌ بِدُونِ الاسْتِمَاعِ فَيَجِبُ مَا يُمْكِنُ (٨) كَذَا ذُكِرَ الْجَوَابُ فِي "الأسرار ". وَذَكَرَ فِي " الْمُحِيطِ ": (الْقِرَاءَةُ مَا سَقَطَتْ عَنِ الْمُقْتَدِي؛ لِمَكَانِ الْإِنْصَاتِ لَكِنْ إِنَّمَا سَقَطَتْ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ جُعِلَتْ قِرَاءَةً لَهُ مَتَى شَارَكَ الْإِمَامُ فِي الْقِيَامِ؛ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ) (٩). قَوْلُهُ ﵀: (وَيُسْتَحْسَنُ عَلَى سَبِيلِ الاحْتِيَاطِ فِيمَا يُرْوَى عَنْ مُحَمَّدٍ (١٠) (١١).

стр. 701

الْمُقْتَدِي إِذَا قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامُ فِي صَلَاةٍ لَا يَجْهَرُ (١) فِيهَا اخْتِلَافُ الْمَشَايِخُ؛ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُكْرَهُ، وَإِلَيْهِ مَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ؛ أَبُو حَفْصٍ ﵀ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا؛ ذَكَرُوا فِي شَرْحِ كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّ (٢) عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ؛ لَا يُكْرَهُ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا (٣) يُكْرَهُ كَذَا ذُكِرَ فِي "الذخيرة" (٤) فِي أَقْسَامِ الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْفَصْلِ الرَّابِعِ فِي مَسَائِلِ الْمُقْتَدِي مِنْهَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَالَ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُكْرَهُ. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئَمَّةِ السَّرْخَسِيُّ ﵀: (تَفْسَدُ صَلَاتُهُ فِي قَوْلِ عِدَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ) (٥) وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْبَلْخِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أُحِبُّ أَنْ لَوْ (٦) يُمْلَأُ فُوهُ مِنَ التُّرَابِ، وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ أَنْ تُكْسَرَ أَسْنَانُهُ؛ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (لِمَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ) قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَفِي فِيهِ جَمْرَةٌ» (٧) (٨) وَقَالَ ﷺ : «مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَقَدْ أَخْطَأَ الْفِطْرَةَ» (٩) أَيِ السُّنَّةَ.

стр. 702

قَوْلُهُ ﵀: (وَيَسْتَمِعُ وَيُنْصِتُ وَإِنْ قَرَأَ الْإِمَامُ آيَةَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ) فَهَا هُنَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ: مَسَأَلَةٌ فِي الْمُنْفَرِدِ؛ وَالْجَوَابُ فِيهَا أَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي التَّطَوُّعِ فَهُوَ حَسَنٌ؛ لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ اللَّيْلِ فَمَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ إِلَّا وَقَفَ وَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى الْجَنَّةَ، وَمَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ النَّارِ إِلَّا وَقَفَ وَتَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ» (١). وَإِنْ كَانَ فِي الْفَرْضِ يُكْرَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ، وَلَا عَنِ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ فَكَانَ مُحْدَثاً، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحَدَثَاتُهَا. وَمَسْأَلَةٌ فِي الْإِمَامِ، وَالْجَوَابُ فِيهَا أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي التَّطَوُّعِ وَالْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا عَنِ الْأَئَمَّةِ بَعْدَهُ (٢)؛ وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَطْوِيلِ الصَّلَاةِ، عَلَى الْقَوْمِ وانَّهُ (٣) مَكْرُوهٌ. وَمَسْأَلَةٌ فِي الْمُقْتَدِي وَالْجَوَابُ فِيهَا أَنَّهُ يَسْتَمِعُ، وَيُنْصِتُ وَلَا يَشْتَغِلْ بِالدُّعَاءِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤) أَمَرَ بِهِمَا؛ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَالدُّعَاءُ يَخِلُّ الاسْتِمَاعَ، وَ (٥) الْإِنْصَاتَ فَلَا يَجُوزُ كَذَا فِي " الْمُحِيطِ ".

стр. 703

وَقَدْ حَفِظَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لِسَانَهُ فِي هَذَا الْجَوَابِ؛ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ أَنَّهُ لَا يَسْأَلُ الْجَنَّةَ، وَلَا يَتَعَوَّذَ مِنَ النَّارِ؛ وَلَكِنَّهُ قَالَ: يَسْتَمِعُ، وَيُنْصِتُ؛ فَيَحْصُلُ بِهَذَا الْجَوَابِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الْأَحْسَنُ؛ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْقَوْمَ وُعِدُوا الرَّحْمَةَ حَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. بَعْدَ الْأَمْرِ بِالاسْتِمَاعِ (١) وَالْإِنْصَاتِ كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ ﵀. [حكم القراءة أو الحديث والإمام يخطب] قوله ﵀: (وَكَذَلِكَ فِي الْخُطْبَةِ) رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَا وَمَنْ لَغَا فَلَا صَلَاةَ لَهُ» (٢) (٣) وَكَمَا لَا يَنْبَغِي لِلْقَوْمِ أَنْ يَتَكَلَّمُوا؛ لَا يَتَكَلَّمُ الْإِمَامُ فِي خُطْبَتِهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَنْظُومٌ، فَالتَّكَلُّمُ فِي خِلَالِهِ يُذْهِبُ بَهَائَهُ؛ فَلَا يُشْغَلُ (٤) بِهِ كَمَا فِي خِلَالِ الْأَذَانِ، وَكَذَا التَّشْمِيتُ، وَرَدُّ السَّلَامِ؛ لَا يَأْتِي بِهِمَا إِلَّا رِوَايَةٌ رُوِيَتْ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ فَإِنَّهُ يَقُولُ: (رَدُّ السَّلَامِ فَرْضٌ وَالاسْتِمَاعُ سُنَّةٌ) (٥)، وَلَكِّنَّا نَقُولُ رَدُّ السَّلَامِ؛ إِنَّمَا يَكُونُ فَرْضاً إِذَا كَانَ السَّلَامُ مَشْرُوعاً، وَفِي حَالِ الْخُطْبَةِ؛ الْمُسْلِمُ مَمْنُوعٌ مِنَ السَّلَامِ، فَلَا يَكُونُ الْجَوَابُ فَرْضاً كَمَا فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ.

стр. 704

وَكَذَا لَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ؛ فَسُلِّمَ عَلَيْهِ لَا يَرُدُّ الْجَوَابَ، لِمَا مَرَّ وَعَنِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، قَالَ: (إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ وِرْدٌ مِنَ الْقُرْآنِ، وَالدَّعَوَاتِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فِي حَالِ وِرْدِهِ، لَهُ أَنْ لَا يَرُدَّ الْجَوَابَ) (١) أَيْضاً، وَكَذَا لَوْ سَلَّمَ عَلَى الْمُدَرِّسِ؛ فِي حَالِ تَدْرِيسِهِ لَهُ أَنْ لَا يَرُدَّ الْجَوَابَ أَيْضاً. وَكَذَا لَوْ سَلَّمَ الْمُكَدِّي عَلَى إِنْسَانٍ لَهُ أَنْ لَا يَرُدَّ الْجَوَابَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الْمَالُ دُونَ/ إِفْشَاءِ السَّلَامِ كَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ (٢). وَفِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ" رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ: (مَتَى تَخْرُجُ الْقَافِلَةُ؟ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: أَنْصِتْ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لِلَّذِي قَالَ أَنْصِتْ: أَمَّا أَنْتَ فَلَا صَلَاةَ لَكَ وامَّا صَاحِبُكَ فَحِمَارٌ) (٣) فَقَدْ حَرَّمَ الْكَلَامَ بِمَا هُوَ أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ فَرْضًا كَيْلا يفَوْتِهِمْ فَرْضٌ؛ فَلِأَنْ يَحْرُمَ مَا هُوَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ أَوْلَى. [حكم الصَّلاة على النبي ﷺ والإمام يخطب] قوله ﵀: (وَكَذَلِكَ إِنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (٤)

стр. 705

قَالَ: وَيَذْكُرُونَ اللَّهَ؛ إِذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ وَ (١) يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَسْتَمِعُوا، وَيُنْصِتُوا، وَلَمْ يَقُلْ لَا يَذْكُرُونَ، وَلَا يُصَلُّونَ؛ فَقَدْ أَحْسَنَ فِي الْعِبَارَةِ، وَاحْتَشَمَ مِنْ أَنْ يَقُولَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ، وَلَا يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (٢) وَإِنَّمَا كَانَ الاسْتِمَاعُ، وَالْإِنْصَاتُ أَحَبَّ (٣)؛ لِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ؛ وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (لَيْسَ بِفَرْضٍ وَاسْتِمَاعُ الْخُطْبَةِ فَرْضٌ) (٤) فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْفَرْضِ لِإِقَامَةِ مَا لَيْسَ بِفَرْضٍ (٥) (أَلَا تَرَى أَنَّهُ حَرَّمَ الْكَلَامَ، بِمَا هُوَ أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ؛ فَرْضٌ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ تَرْكُ الاسْتِمَاعِ بِمَا هُوَ فَرْضٌ؛ فَلِأَنَّ لَا يَجُوزُ التَّرْكُ لِمَا سُنَّةٌ أَوْلَى) (٦)، ثُمَّ هَذَا لَا يَشْكُلُ إِذَا كَانَ قَرِيباً مِنَ الْمِنْبَرِ بِحَيْثُ يَسْتَمِعُ (٧) الْخُطْبَةَ مِنَ الْإِمَامِ. فَأَمَّا إِذَا كَانَ بَعِيداً بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ مِنَ الْإِمَامِ، فَذِكْرُ اللَّهِ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَوْلَى أَمِ الْإِنْصَاتُ؟ فَهَذَا فَصَّلَ لَا رِوَايَةَ فِيهِ عَنْ أَصْحَابِنَا فِي " الْمَبْسُوطِ ": (فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ الْمُتَأَخِّرُونَ فَقَدْ رَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ؛ أَنَّهُ يَقُولُ الْإِنْصَاتُ أَوْلَى، وَرُوِيَ عَنْ نُصَيْرِ بْنِ يَحْيَى (٨) أَنَّهُ (مَتَى كَانَ بَعِيداً مِنَ الْإِمَامِ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعِ الْخُطْبَةَ) (٩) كَانَ يَقُولُ (١٠) يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، وَيَقَرَأُ الْقُرْآنَ) (١١).
следующие страницы →