← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

الْمُقْتَدِي إِذَا قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامُ فِي صَلَاةٍ لَا يَجْهَرُ (١) فِيهَا اخْتِلَافُ الْمَشَايِخُ؛ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُكْرَهُ، وَإِلَيْهِ مَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ؛ أَبُو حَفْصٍ ﵀ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا؛ ذَكَرُوا فِي شَرْحِ كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّ (٢) عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ؛ لَا يُكْرَهُ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا (٣) يُكْرَهُ كَذَا ذُكِرَ فِي "الذخيرة" (٤) فِي أَقْسَامِ الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْفَصْلِ الرَّابِعِ فِي مَسَائِلِ الْمُقْتَدِي مِنْهَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَالَ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُكْرَهُ. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئَمَّةِ السَّرْخَسِيُّ ﵀: (تَفْسَدُ صَلَاتُهُ فِي قَوْلِ عِدَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ) (٥) وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْبَلْخِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أُحِبُّ أَنْ لَوْ (٦) يُمْلَأُ فُوهُ مِنَ التُّرَابِ، وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ أَنْ تُكْسَرَ أَسْنَانُهُ؛ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (لِمَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ) قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَفِي فِيهِ جَمْرَةٌ» (٧) (٨) وَقَالَ ﷺ : «مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَقَدْ أَخْطَأَ الْفِطْرَةَ» (٩) أَيِ السُّنَّةَ.

стр. 702

قَوْلُهُ ﵀: (وَيَسْتَمِعُ وَيُنْصِتُ وَإِنْ قَرَأَ الْإِمَامُ آيَةَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ) فَهَا هُنَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ: مَسَأَلَةٌ فِي الْمُنْفَرِدِ؛ وَالْجَوَابُ فِيهَا أَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي التَّطَوُّعِ فَهُوَ حَسَنٌ؛ لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ اللَّيْلِ فَمَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ إِلَّا وَقَفَ وَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى الْجَنَّةَ، وَمَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ النَّارِ إِلَّا وَقَفَ وَتَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ» (١). وَإِنْ كَانَ فِي الْفَرْضِ يُكْرَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ، وَلَا عَنِ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ فَكَانَ مُحْدَثاً، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحَدَثَاتُهَا. وَمَسْأَلَةٌ فِي الْإِمَامِ، وَالْجَوَابُ فِيهَا أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي التَّطَوُّعِ وَالْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا عَنِ الْأَئَمَّةِ بَعْدَهُ (٢)؛ وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَطْوِيلِ الصَّلَاةِ، عَلَى الْقَوْمِ وانَّهُ (٣) مَكْرُوهٌ. وَمَسْأَلَةٌ فِي الْمُقْتَدِي وَالْجَوَابُ فِيهَا أَنَّهُ يَسْتَمِعُ، وَيُنْصِتُ وَلَا يَشْتَغِلْ بِالدُّعَاءِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤) أَمَرَ بِهِمَا؛ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَالدُّعَاءُ يَخِلُّ الاسْتِمَاعَ، وَ (٥) الْإِنْصَاتَ فَلَا يَجُوزُ كَذَا فِي " الْمُحِيطِ ".

стр. 703

وَقَدْ حَفِظَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لِسَانَهُ فِي هَذَا الْجَوَابِ؛ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ أَنَّهُ لَا يَسْأَلُ الْجَنَّةَ، وَلَا يَتَعَوَّذَ مِنَ النَّارِ؛ وَلَكِنَّهُ قَالَ: يَسْتَمِعُ، وَيُنْصِتُ؛ فَيَحْصُلُ بِهَذَا الْجَوَابِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الْأَحْسَنُ؛ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْقَوْمَ وُعِدُوا الرَّحْمَةَ حَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. بَعْدَ الْأَمْرِ بِالاسْتِمَاعِ (١) وَالْإِنْصَاتِ كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ ﵀. [حكم القراءة أو الحديث والإمام يخطب] قوله ﵀: (وَكَذَلِكَ فِي الْخُطْبَةِ) رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَا وَمَنْ لَغَا فَلَا صَلَاةَ لَهُ» (٢) (٣) وَكَمَا لَا يَنْبَغِي لِلْقَوْمِ أَنْ يَتَكَلَّمُوا؛ لَا يَتَكَلَّمُ الْإِمَامُ فِي خُطْبَتِهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَنْظُومٌ، فَالتَّكَلُّمُ فِي خِلَالِهِ يُذْهِبُ بَهَائَهُ؛ فَلَا يُشْغَلُ (٤) بِهِ كَمَا فِي خِلَالِ الْأَذَانِ، وَكَذَا التَّشْمِيتُ، وَرَدُّ السَّلَامِ؛ لَا يَأْتِي بِهِمَا إِلَّا رِوَايَةٌ رُوِيَتْ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ فَإِنَّهُ يَقُولُ: (رَدُّ السَّلَامِ فَرْضٌ وَالاسْتِمَاعُ سُنَّةٌ) (٥)، وَلَكِّنَّا نَقُولُ رَدُّ السَّلَامِ؛ إِنَّمَا يَكُونُ فَرْضاً إِذَا كَانَ السَّلَامُ مَشْرُوعاً، وَفِي حَالِ الْخُطْبَةِ؛ الْمُسْلِمُ مَمْنُوعٌ مِنَ السَّلَامِ، فَلَا يَكُونُ الْجَوَابُ فَرْضاً كَمَا فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ.

стр. 704

وَكَذَا لَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ؛ فَسُلِّمَ عَلَيْهِ لَا يَرُدُّ الْجَوَابَ، لِمَا مَرَّ وَعَنِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، قَالَ: (إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ وِرْدٌ مِنَ الْقُرْآنِ، وَالدَّعَوَاتِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فِي حَالِ وِرْدِهِ، لَهُ أَنْ لَا يَرُدَّ الْجَوَابَ) (١) أَيْضاً، وَكَذَا لَوْ سَلَّمَ عَلَى الْمُدَرِّسِ؛ فِي حَالِ تَدْرِيسِهِ لَهُ أَنْ لَا يَرُدَّ الْجَوَابَ أَيْضاً. وَكَذَا لَوْ سَلَّمَ الْمُكَدِّي عَلَى إِنْسَانٍ لَهُ أَنْ لَا يَرُدَّ الْجَوَابَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الْمَالُ دُونَ/ إِفْشَاءِ السَّلَامِ كَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ (٢). وَفِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ" رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ: (مَتَى تَخْرُجُ الْقَافِلَةُ؟ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: أَنْصِتْ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لِلَّذِي قَالَ أَنْصِتْ: أَمَّا أَنْتَ فَلَا صَلَاةَ لَكَ وامَّا صَاحِبُكَ فَحِمَارٌ) (٣) فَقَدْ حَرَّمَ الْكَلَامَ بِمَا هُوَ أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ فَرْضًا كَيْلا يفَوْتِهِمْ فَرْضٌ؛ فَلِأَنْ يَحْرُمَ مَا هُوَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ أَوْلَى. [حكم الصَّلاة على النبي ﷺ والإمام يخطب] قوله ﵀: (وَكَذَلِكَ إِنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (٤)

стр. 705

قَالَ: وَيَذْكُرُونَ اللَّهَ؛ إِذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ وَ (١) يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَسْتَمِعُوا، وَيُنْصِتُوا، وَلَمْ يَقُلْ لَا يَذْكُرُونَ، وَلَا يُصَلُّونَ؛ فَقَدْ أَحْسَنَ فِي الْعِبَارَةِ، وَاحْتَشَمَ مِنْ أَنْ يَقُولَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ، وَلَا يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (٢) وَإِنَّمَا كَانَ الاسْتِمَاعُ، وَالْإِنْصَاتُ أَحَبَّ (٣)؛ لِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ؛ وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (لَيْسَ بِفَرْضٍ وَاسْتِمَاعُ الْخُطْبَةِ فَرْضٌ) (٤) فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْفَرْضِ لِإِقَامَةِ مَا لَيْسَ بِفَرْضٍ (٥) (أَلَا تَرَى أَنَّهُ حَرَّمَ الْكَلَامَ، بِمَا هُوَ أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ؛ فَرْضٌ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ تَرْكُ الاسْتِمَاعِ بِمَا هُوَ فَرْضٌ؛ فَلِأَنَّ لَا يَجُوزُ التَّرْكُ لِمَا سُنَّةٌ أَوْلَى) (٦)، ثُمَّ هَذَا لَا يَشْكُلُ إِذَا كَانَ قَرِيباً مِنَ الْمِنْبَرِ بِحَيْثُ يَسْتَمِعُ (٧) الْخُطْبَةَ مِنَ الْإِمَامِ. فَأَمَّا إِذَا كَانَ بَعِيداً بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ مِنَ الْإِمَامِ، فَذِكْرُ اللَّهِ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَوْلَى أَمِ الْإِنْصَاتُ؟ فَهَذَا فَصَّلَ لَا رِوَايَةَ فِيهِ عَنْ أَصْحَابِنَا فِي " الْمَبْسُوطِ ": (فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ الْمُتَأَخِّرُونَ فَقَدْ رَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ؛ أَنَّهُ يَقُولُ الْإِنْصَاتُ أَوْلَى، وَرُوِيَ عَنْ نُصَيْرِ بْنِ يَحْيَى (٨) أَنَّهُ (مَتَى كَانَ بَعِيداً مِنَ الْإِمَامِ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعِ الْخُطْبَةَ) (٩) كَانَ يَقُولُ (١٠) يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، وَيَقَرَأُ الْقُرْآنَ) (١١).

стр. 706

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يُسْتَحَبُّ لِلْقَوْمِ أَنْ يَسْتَمِعُوا وَيُنْصِتُوا فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى وَكَذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ إِلَى قَوْلِهِ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) فَإِنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يُصَلُّوا وَيُسَلِّمُوا (٢) عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِأَنْفُسِهِمْ وَ (٣) ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخَطِيبَ حَكَى عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ يُصَلِّي، وَعَنِ الْمَلَائِكَةِ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ وَحَكَى أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ. وَهُوَ قَدِ اسْتَعْمَلَ (٤) (بِذَلِكَ فَكَانَ عَلَى الْقَوْمِ أَنْ يَشْتَغِلُوا) (٥) أَيْضاً بِالصَّلَاةِ تَحْقِيقاً لِمَا طُلِبَ مِنْهُمْ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا (٦) عَنْ أَبِي يُوسُفَ (٧) (هَذَا) (٨) وَكَان الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ يُعْجِبُهُ هَذَا كَذَا فِي (مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ) ﵀ - (وَاللَّهُ أَعْلَمُ) (٩).

стр. 707

باب الإمامة (١) [حكم صلاة الجماعة]: لما ذكر أَفْعَال الْإِمَام مِنْ بَيَان وُجُوبِ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَة (٢) وَمِنْ تَقْدِير الْقِرَاءَة بِمَا هُوَ سُنَّةُ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ وَذَكَرَ أَفْعَالَ الْمُقْتَدِي (٣) مِنْ وُجُوبِ الِاسْتِمَاعِ وَالْإِنْصَاتِ أَتْبَعَهُ بذكر صِفَةِ شَرْعِيَّةِ الْإِمَامَةِ بِأَنَّهَا عَلَى أَيِّ صِفَةٍ هِيَ مِنْ الْمَشْرُوعَاتِ فَذَكَرَ مَنْ يَصْلُحُ لَهَا وَمَا يَتْلُوهَا مِنْ خَوَاصِّ الْإِمَامَةِ فقال (٤): الجماعة سنة مؤكدة (٥) أي: سنة قوية تشبه الواجب (٦) في القوة حتى استدل بمعاهدتها (٧) على وجود الإيمان بخلاف سائر المشروعات (٨)، حتى قال بعض الناس: بأن الصلاة بالجماعة فريضة إلا أن منهم من يقول: بأنها من فروض الكفاية حتى إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ومنهم من يقول: بأنها من فروض الأعيان حتى لو صلى وحده، وأمكنه الأداء بجماعة، فإنه لا يجوز (٩)، واحتجوا بما روي عن رسول الله عليه [السلام] (١٠) أنه قال: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) (١١)، وقد روي عن رسول الله ﵇ أنه قال: «لقد هممت أن آمر رجلًا أن يصلي بالناس بالجماعة، ثم أعمد إلى قوم تخلفوا عن الصلاة فأحرق بيوتهم) (١٢)، ولو كان سنة ما استحق تاركه هذا الوعيد، ولعامة العلماء ظاهر (١٣) قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (١٤) أمر بإقامة الصلاة، ومن صلى وحده فقد أقام الصلاة فيجزئه عملًا بهذا الظاهر، والدليل على أن الجماعة سنة ما روي عن رسول الله ﵇ أنه قال: (صلاة الرجل بجماعة تفضل على صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين درجة) (١٥)، وفي رواية: (بسبع وعشرين درجة» (١٦)، ولم يقل: صلاة الرجل وحده فاسدة، فالنبي ﵇ اعتبر الجماعة للفضيلة لا للجواز دل أنها سنة إلا أنها مؤكدة؛ لأنها من شعائر الإسلام، ومن خصائص هذا الدين (١٧)، فإنها لم تكن مشروعة في دين من الأديان، وما كان من شعار الإسلام، فالسبيل فيه الإظهار (١٨).

стр. 708

وأما تعلقهم بقوله: «لا صلاة لجار المسجد» (١) قلنا: هذا إنما ورد لنفي (٢) الفضيلة والكمال لا لنفي الجواز ألا ترى/ أنه كما قال: «لا صلاة لجار المسجد» (٣) فقد قال: «لا صلاة للعبد الآبق، ولا للمرأة الناشزة» (٤)، وإجماع (٥) أن المراد في حق المرأة والعبد نفي الفضيلة لا نفي الجواز (٦). وأما تعلقهم بالحديث الآخر (٧) (٨) قلنا: في الحديث: إنهم تخلفوا عن الصلاة، ولم يقل: تخلفوا عن الجماعة، والصلاة فريضة، وتارك الفرض (٩) (١٠) يستحق الوعيد (١١) كذا في مبسوط شيخ الإسلام في باب القيام في الفريضة (١٢). قلت: ولو نقل الحديث (١٣) عن الجماعة لا يدل على الفرضية أيضًا؛ لأنه من أخبار الآحاد (١٤)، فلا يزاد به على كتاب الله تعالى؛ لأن الزيادة نسخ (١٥) لما عرف، وبمثله لا يثبت نسخ الكتاب، والكتاب يقتضي الجواز بدون الجماعة لما مر.

стр. 709

[من أولى الناس بالإمامة] قوله (١): وأولى الناس بالإمامة أعلمهم بالسنة قال شيخ الإسلام (٢) في/ «المبسوط» (٣) قال: أيّ القوم أحب إليك؟ قال: أقرأهم لكتابه تعالى (٤)، فقال: ثم أعلمهم بالسنة، فإن كانوا سواء فأكبرهم سنًّا إلى آخره، ثم قال: فقد جمع محمد ﵀ بين العلم والقراءة، وذكر في الخبر: أقرأهم ثم أعلمهم بالسنة. قال بعض مشايخنا: الأمر على ظاهر الحديث حتى إذا كان إتيان أحدهما أقرأ لكتاب الله تعالى، والآخر أعلم بالسنة وليس في القراءة كصاحبه، فإن الأقرأ لكتاب الله تعالى أولى بالإمامة لظاهر الحديث، ولأن القراءة ركن في الصلاة يحتاج إليها لا محالة في الصلاة، والعلم بالسنة يحتاج إليه لما يبدو له من العوارض ليمكنه (٥) إصلاح صلاته، وربما تعرض، وربما لا تعرض فيكون الأقرأ أولى من العالم بالسنة، وبهذا التفسير روي عن أبي يوسف ﵀ (٦)، وقال بعضهم: لا بل العالم بالسنة أولى من الأقرأ إذا أمكن للعالم (٧) قراءة ما يحتاج إليه في الصلاة؛ لأنه قدر على القراءة قدر ما يحتاج إليه في الصلاة، فإذا عرض له عارض أمكنه إصلاح صلاته، ومن (٨) قال: الأقرأ أولى كان ذلك في زمن النبي ﵇ (٩). هكذا قال محمد ﵀ في آثار أبي حنيفة (١٠) ﵀ (١١)، وفي «المبسوط» (١٢) (١٣): القراءة يحتاج إليها في ركن واحد، والعلم يحتاج إليه في جميع الصلاة، والخطأ المفسد للصلاة لا يعرف إلا بالعلم، وإنما قدم الأقرأ في الحديث؛ لأنهم كانوا في ذلك (١٤) الوقت يتعلمون القرآن بأحكامه على ما روي أن عمر ﵁ (١٥) حفظ سورة البقرة في ثنتي عشرة سنة (١٦)، فالأقرأ فيهم يكون أعلم، وأما في زماننا فقد يكون الرجل ماهرًا في القراءة ولا حظ له في العلم، فالأعلم بالسنة أولى إلا أن يكون ممن يطعن عليه في دينه فحينئذ لا يقدم؛ لأن الناس لا يرغبون في الاقتداء به؛ لقوله ﵇: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى، فإن كانوا سواء فأعلمهم بالسنة» (١٧) وأقرأهم كان أعلمهم إلى آخره.

стр. 710

فإن قلت: في هذا المجموع شبهتان (١) قابلتان (٢) إحداهما هي أن الكلام في الأفضلية على معنى أن الأقرأ أفضل من الأعلم، أو على العكس مع اتفاقهم في الجواز على أي وجه كان، وهذا الحديث بصيغته يدل على عدم جواز إمامة الثاني عند وجود الأول لدليلين، أحدهما: أن الصيغة صيغة إخبار، والإخبار في اقتضاء الوجوب (٣)، والفرض آكد من الأمر لما عرف كما في (٤) قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ (٥) (٦)، ألا ترى إلى قول المصنف (٧) في إعادة الفاتحة في الأخريين بقوله: ثم ذكر هاهنا ما يدل على الوجوب استدلالًا بلفظ الإخبار لقوله (٨): قرأ في الأخريين، والإخبار الصادر من النبي ﵇ لا يكون أدنى درجة من الإخبار الصادر من محمد بن الحسن، والثاني ذكره بالشرط (٩) والجزاء (١٠) على طريق الترتيب، فكان اعتبار الثاني إنما كان بعد وجود التساوي لا قبله، والشبهة الثانية هي أنه لو كان المراد من الأقرأ مجرد الأعلم على ما ذكر بقوله: وأقرأهم كان أعلمهم يلزم تكرار الأعلم فحينئذ يؤول تقديره (١١) إلى القول يؤم القوم (١٢) أعلمهم فإن (١٣) تساووا، فأعلمهم وهو لا يصح، وهذا ظاهر (١٤).

стр. 711

قلت: أما الجواب عن الأولى فإنه صيغة إخبار لبيان الشرعية لا أنه لا يجوز غيره كقوله ﵇: «يمسح المقيم يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها» (١) (٢)، ولئن كانت صيغة الإخبار محمولة على معنى الآمر (٣)، وهو الظاهر بدليل رواية مبسوط شيخ الإسلام (٤)، فإنه روى لفظ الحديث عن عقبة بن عامر الجهني (٥)، عن رسول الله ﵇ أنه قال: «ليؤم القوم أقرؤهم» (٦) بصيغة الأمر، وكذلك ذكر في الكتاب (٧) بعد هذا بصيغة الأمر بقوله: «وليؤمكما أكبركما» (٨) وهو أمر استحباب (٩)؛ لوجود الجواز بدون الأقرأ بالإجماع لأن الكلام فيما إذا كان كل واحد منهما يقرأ ما تجوز به/ الصلاة، ولكن أحدهما أقرأ من الآخر؛ لأن أحدهما لو لم يقرأ مقدار ما يجوز به الصلاة كان أُميًّا، فحينئذ لا يكون الآخر أقرأ، بل كان قارئًا فلا يكون من مسألتنا، ثم لما كان الأمر محمولاً على الاستحباب كان الترتيب الثابت فيه أيضًا للاستحباب؛ لأنه مبني عليه (١٠).

стр. 712

وأما الجواب عن الشبهة الثانية (١) قال شيخي ﵀ (٢): المراد من قول أقرأهم لكتاب الله تعالى، أي: أعلمهم بأحكام كتاب الله تعالى دون السنة، وقوله ﵇: «أعلمهم بالسنة» أي: أعلمهم بأحكام كتاب الله تعالى والسنة؛ لأنه قال: «فإن تساووا» أي: فإن تساووا في العلم بأحكام كتاب الله تعالى فأعلمهم بالسنة، فعلم أن قوله: «أعلمهم بالسنة» (٣) هو أعلمهم بكتاب الله تعالى وبالسنة، فكان الأعلم الثاني غير الأعلم الأول فيصح؛ لأنهم يتلقونه التلقي خيري ازكسي كروتن (٤)، (فإن تساووا فأورعهم)، وهذا ليس في لفظ الحديث في ترتيب الإمامة إنما في الحديث بعد ما ذكر الأعلم ذكر أقدمهم هجرة، لكن أصحابنا جعلوا مكان الهجرة الورع والصلاح؛ لأن الهجرة كانت منقطعة في زمانهم، فجعلوا الهجرة عن المعاصي مكان تلك الهجرة، ولأن أقدمهم هجرة يكون أعلمهم بالسنة؛ لأنهم كانوا يهاجرون لتعلم الأحكام، فعند ذلك يزداد الورع، وقال ﷺ : «ملاك دينكم الورع» (٥)، فإن تساووا فأسنهم لقوله ﵇: «الكبر الكبر» (٦) ولأن أكبرهم سنًّا يكون أعظمهم حرمة عادة، ورغبة الناس في الاقتداء به أكثر (٧) وروى أوس (٨) عن أبي مسعود الأنصاري البدري ﵀ (٩)، عن النبي ﵇ أنه قال: «ليؤم القوم أقرأهم لكتاب الله تعالى، فإنه كانوا سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا سواء فأكبرهم سنًّا، فإن كانوا سواء فأحسبهم (١٠)، فإن كانوا سواء فأحسنهم خلقًا (١١)، فإن كانوا سواء فأصبحهم وجهًا» (١٢).

стр. 713

وجملة الجواب: أن المستحب بالتقدم أن يكون أفضل القوم قراءة وعلمًا وصلاحًا ونسبًا وخَلقًا وخُلقًا اقتداء برسول الله ﵇، فإنه كان هو الإمام ما دام حيًّا لسبقه سائر البشر في هذه الأوصاف، ثم أمهم الأفضل فالأفضل (١). ولأن (٢) الإمامة العظمى (٣) وهي الخلافة استنبطت من الإمامة الصغرى، وهي الإمامة في الصلاة؛ وذلك لأن أصحاب رسول الله عليه [السلام] (٤) حين بايعوا أبا بكر الصديق (٥) ﵁ بعد رسول الله ﵇ قالوا: اختاره رسول الله ﵇ لأمر دينه أولا نرضاه لأمر دنيانا. فقد استنبطوا الخلافة من الإمامة (٦) في الصلاة، ثم المستحب في الخلافة أن يقدم العالم الورع التقي، وهي لأمر الدنيا فلأن يستحب في التقدمة (٧) في باب الصلاة، وهي لأمر الدين العالم الورع التقي أولى وأحرى، كذا في المبسوطين (٨). [امامة العبد] ويكره (٩) تقديم العبد إلى آخره (١٠). أما الكراهة فلما/ ذكر في الكتاب، وأما الجواز فلما روي عن أبي سعيد ﵁ مولى أبي أسيد (١١) قال: أعرست (١٢) وأنا عبد، فدعوت رهطًا (١٣) من أصحاب رسول الله ﵇ وفيهم أبو ذر (١٤)، فحضرت الصلاة، فأراد أبو ذر أن يؤم بالقوم، فقالوا له: أتؤم وأنت في بيت غيرك، فقدموني وصليت بهم (١٥).

стр. 714

وفي هذا خلاف الشافعي (١) (٢) فإنه يقول: لا يترجح الحر على العبد إذا استويا في العلم والقراءة والورع (٣)؛ لقوله ﵇: «اسمعوا وأطيعوا ولو ولي عليكم عبد حبشي أجدع» (٤)، ولأن إمامة الصلاة أمر من أمور الدين فيستوي فيه الحر والعبد إذا استويا في الشرائط التي يحتاج فيها للإمامة قياسًا (٥) على رواية الأخبار، والشهادة برؤية الهلال، واحتج أصحابنا بأن تقديم العبد يؤدي إلى تقليل الجماعة، وتقديم الحر يؤدي إلى تكثيرها فكان تقديم الحر أولى كما قلنا في تقديم الأكبر على الأصغر، والعالم على الجاهل، وذلك لأن الناس يستنكفون متابعة العبد، فيؤدي إلى تقليل الجماعة، وأما الجواب عن الحديث قلنا: المراد له ولاية الأمر والحث على الطاعة دون التقديم في الصلاة على أن الصلاة خلفه جائزة (٦) عندنا. ولكن الكلام في الأفضل (٧) عند وجود غيره، وليس في الحديث بيان ذلك، ولا شك أن الحر أفضل؛ لأنه يصلح لكثير من أمور الدين فلا (٨) يصلح العبد لذلك (٩) ألا ترى أن الشرع اعتبر الترجيح (١٠) بكبر السن إذا استويا في القراءة والعلم والورع (١١)،

стр. 715

فلأن يعتبر الترجيح بالحرية أولى، وكذلك إمامة الفاسق (١) جائزة عندنا، وقال مالك (٢) (٣): لا يجوز الصلاة خلفه؛ لأنه لما ظهرت منه الخيانة في الأمور الدينية فلا يؤتمن في أهم الأمور، ولكنا نقول (٤): إن عبد الله بن عمر (٥)، وأنس بن مالك (٦) وغيرهما من الصحابة ﵏، وكذلك التابعون (٧) كانوا يصلون خلف الحجاج صلاة الجمعة وغيرها مع أنه كان أفسق أهل زمانه حتى قال الحسن (٨) لو جاءت كل أمة بخبيثاتها وجئنا بأبي محمد لغلبناهم (٩).

стр. 716

[امامة الفاسق] وفي رواية مبسوط شيخ الإسلام (١): قال عمر بن عبد العزيز (٢): لو جاءت كل أمة بجناياتها وجئنا بأبي محمد لغلبناهم، يعني: الحجاج (٣). وروي أن الحجاج كان يخطب يوم الجمعة فأطال الخطبة حتى كاد يدخل وقت العصر فقام ابن عمر رضي الله [عنه] (٤) فقال: أقصر يا مكثار ألزمك الله المأثم كما ألزمتني، فلما فرغ الحجاج من صلاته دعا ابن عمر ليقتله، فقال: أما تخشى أن الله تعالى يسلطني على مالك فآخذه، أو على دمك فأهريقه، أو على نفسك فأضربها، فقال ابن عمر ﵁: أما يكفيني أني صليت خلف رسول الله ﵇، وخلف أبي بكر وعمر، والآن أصلي خلفك وأنت من أفسق الناس (٥)، فثبت أن إمامة الفاسق جائزة، ولأن الفاسق يصلح شاهدًا وقاضيًا (٦)، فيصلح إمامًا في الصلاة بالطريق الأولى (٧).

стр. 717

[امامة الاعمى] وأما (١) الأعمى فالكراهة لما ذكر في الكتاب (٢)، وأما الجواز (٣) (٤) فإن النبي ﵇ استخلف ابن أم مكتوم (٥) على المدينة مرة، وعتبان بن مالك (٦) مرة، وكانا أعميين والبصير أولى؛ لأنه قيل لابن عباس ﵁ (٧) بعد ما كف بصره: ألا تؤمّهم؟ قال: وكيف أؤمهم وهم يسوونني إلى القبلة (٨). وفي مبسوط شيخ الإسلام (٩): وهذا إذا كان من البصراء (١٠) من هو أفضل منه، فأما إذا لم يكن غيره أفضل منه فإنه يؤم، ويكون أولى (١١)، ألا ترى أن رسول الله ﵇ استخلف ابن أم مكتوم بالمدينة حين خرج في غزوة تبوك (١٢)؛ لأنه لم يكن أحد أفضل منه، وكذلك جابر (١٣) وعتبان بن مالك يؤمان بعدما كف بصرهما.

стр. 718

[إمامة الاعرابي] وأما جواز إمامة الأعرابي (١)، فإن الله تعالى أثنى على بعض الأعراب بقوله: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٢) وغيره أولى؛ لأن الجهل فيهم غالب، وقد ذم الله تعالى بعض الأعراب بقوله: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ (٣) وكذلك ولد الزنا فالجهل عليه (٤) غالب لانعدام الأب المشفق، والذي روي أن النبي ﵇ قال: «ولد الزنا شر الثلاثة» (٥)،. [إمامة الفاسق والمبتدع] فقد روت عائشة ﵂ (٦) هذا الحديث، وقالت: كيف يصح هذا وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٧)، ثم المراد شر الثلاثة نسبًا أو قال: في ولد الزنا بعينه نشأ مرتدًا، فأما من كان منهم مؤمنًا، فالاقتداء به صحيح كذا في المبسوطين (٨). (٩)

стр. 719

ومن صلى خلف فاسق أو مبتدع (١) يكون محرزا ثواب الجماعة قال النبي ﷺ : «صلوا خلف كل بر وفاجر» (٢)، أما لا ينال ثواب من يصلي خلف التقي ثم الفاسق إذا كان يؤم وعجز القوم عن منعه تكلموا، قال بعضهم (٣) في صلاة الجمعة: يقتدي به ولا يترك الجمعة بإقامته (٤) أما في غير الجمعة من المكتوبات فلا بأس بأن يتحول إلى مسجد آخر ولا يصلي خلفه ولا يأثم بذلك كذا في «المحيط» (٥). قوله: لقوله ﵇: «صلوا خلف كل بر وفاجر» (٦)، فإن قلت: كيف صح (٧) الاستدلال بهذا الحديث على جواز إمامة العبد والأعمى والأعرابي، ومثل هذا إنما يذكر في حق الفاسق. قلت: الاستدلال به ظاهر؛ لأن كل واحد من هؤلاء المذكورين بعد كونه مسلمًا لا يخلو إما أن يكون برًّا أو فاجرًا فصح الاستدلال به (٨)؛ لأن النبي ﵇ جوز الاقتداء بكل واحد من الفريقين، وقال شيخي ﵀: دلالة هذا الحديث على جواز الاقتداء بغير الفاسق بمفهوم النص (٩)؛ لأنه جوز الاقتداء بالفاسق مع الموجب للتنفير وموجب التنفير موجود في غيره فيثبت الحكم في حق الفاسق (١٠) بالعبارة (١١)

стр. 720

وفي غيره بالدلالة (١) (٢). قوله ﵇ (٣): «من أم قومًا … » (٤) الحديث. هذا حديث بدأ به محمد ﵀ باب (٥) القيام في الفريضة من «المبسوط» (٦)، ثم قال: وفي هذا دليل على أنه لا ينبغي للإمام أن يطول القراءة على وجه يمل القوم لقوله ﵇: «إن من الأئمة الطرادين» (٧) ولما شكا قوم معاذ (٨) إلى رسول الله ﵇ تطويل القراءة دعاه قال الراوي: فما رأيته في موعظة (٩) أشد منه في تلك الموعظة قال: «أفتان أنت يا معاذ؟ -قالها ثلاثا- أين أنت من ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ (١٠) ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ (١١) (١٢). وقال أنس ﵁: ما صليت خلف أحد أتم وأخف مما صليت خلف رسول الله ﵇ (١٣). وروي أنه ﷺ قرأ بالمعوذتين في صلاة الفجر يومًا فلما فرغ قالوا: أوجزت، قال: «سمعت بكاء صبي، فخشيت على أمه أن تفتن» (١٤)، فدل أن الإمام ينبغي له أن يراعي حال قومه (١٥).

стр. 721

[حكم الجماعة للنساء] قوله (١): ويكره للنساء وحدهن الجماعة. في اللفظ صورة المناقضة (٢) حيث ذكر الوحدة (٣) مع كونهن جماعة، ولكن المراد من الوحدة توحدهن عن الرجال، وهن في أنفسهن جماعة النساء فكان هذا نظير (٤) قوله في الرضاع (٥): ولا تقبل (٦) في الرضاع شهادة النساء منفردات (٧)، أي: منفردات عن الرجال (٨) (٩). قوله (١٠): لأنها لا تخلو عن ارتكاب محرم.

стр. 722

أي: لأن جماعتهن لاتجوز عنه لما أن إمامهن إما (١) تقدمت عليهن أو توسطت، ففي زيادة (٢) التقدم زيادة الكشف، وفي التوسط ترك مقام الإمام الذي هو التقدم، وكل واحد منهما حرام، أما حرمة زيادة كشف العورة (٣) فظاهر لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٤)، وأما ترك مقام الإمام للإمام فحرام أيضًا؛ لأنه ترك السنة من كل وجه (٥). قال شيخ الإسلام ﵀ في آخر باب الافتتاح من «المبسوط» (٦): لأن ذلك ترك السنة من كل وجه، فإنه لم يعمل به رسول الله ﵇ ولا واحد من أصحابه. [كيفية صلاة العراة] قوله: فيكره كالعراة (٧)، وفي العراة الأفضل عندنا أن يصلوا وحدانا قعوداً بإيماء، وإنما أمرناهم بترك الجماعة ليتباعد بعضهم من بعض فلا يقع بصر بعضهم على عورة البعض؛ لأن الستر يحصل به، ولكن الأولى لإمامهم أن يصلوا بجماعة أن يقوم (٨) وسطهم لكيلا يقع بصرهم على عورته، وإن تقدمهم جاز أيضًا، وحالهم في هذا الموضع كحال النساء في الصلاة، فالأولى أن يصلين وحدهن، وإن صلين بالجماعة قامت إمامهن وسطهن، وإن تقدمتهنّ جاز، فكذلك حال العراة، كذا في «المبسوط (٩)» (١٠)، وذكر شيخ الإسلام: العراة (١١) إذا كانوا جماعة يصلون وحدانًا قعودًا (١٢) يؤمون إيماءً (١٣) فلا يصلون بجماعة؛ لأنهم لا يتوصلون إلى إقامة الجماعة إلا بعد ارتكاب أمر مكروه؛ لأن الإمام منهم يحتاج إلى أن يقوم وسطهم متى صلوا بجماعة؛ كيلا يقع بصرهم على عورته، وهذا أمر مكروه، والجماعة سنة، وترك ما هو سنة أولى من ارتكاب ما هو مكروه، وهذا عندنا (١٤)، وقال الحسن البصري ﵀ (١٥): بأنهم يصلون جماعة؛ لأنهم يتوصلون إلى إقامة الجماعة من غير ارتكاب مكروه بأن يقدموا إمامهم ويغضوا أبصارهم عن عورة الإمام إلا أنا نقول: إنهم محتاجون في ذلك إلى أن يغضوا أبصارهم (١٦) حتى يقدمون إمامهم، وأنه مكروه حالة الاختيار كقيام (١٧) الإمام وسط الصف، فصح أنهم لا يتوصلون إلى إقامة الجماعة إلا بعد ارتكاب أمر مكروه، وإقامة الجماعة سنة، فترك السنة أولى من ارتكاب المكروه (١٨).

стр. 723

قلت: فعلم بهذا كله أن التشبيه (١) بالعراة ليس من كل وجه بل في أفضلية (٢) الانفراد، وفي أفضلية قيام الإمام وسطهن، وأما العراة فيصلون قعودًا بإيماء، وهو أفضل، ولا كذلك النساء، بل يصلين قائمات فإن فعلن قامت الإمام وسطهن أنّث الإمام لكون المرأة مراداً منه، فإن قلت: تعارضت هاهنا حرمتان، وهما زيادة الكشف في التقدم، وترك مقام الإمام بالتوسط فلم رجحت رعاية جانب الكشف على جانب ترك المقام. قلت: لأن الاحتراز عن الكشف أقوى الفرائض والاحتراز عن ترك مقام الإمام الذي هو التقدم سنة ونفس الفرض أقوى من السنة فكيف إذا كانت موصوفة بالقوة (٣). وإنما قلنا ذلك؛ لأن النجاسة التي تمنع جواز الصلاة إذا كانت في بدن المصلي ولا يمكنه غسلها إلا بإظهار عورته يصلي مع النجاسة احترازا عن كشف العورة كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ (٤) في باب المريض من الجامع الصغير (٥) (٦). فلأن يترجح على السُّنة أولى، فقال: وحمل فعلها الجماعة على ابتداء الإسلام، أي: كانت جماعة النساء وحدهن في ابتداء الإسلام، ثم نسخت فكانت الإمام تقدم وسطهن وقت شرعيتها. فإن قلت: كيف يجوز التمسك (حينئذ) (٧) على ما ادعاه بالمنسوخ، قلت: فهو منسوخ سنة لا جوازًا، فإن النسخ كما يجري في الفرائض يجري في الواجبات، والسنن كالجهر في الظهر والعصر والتطبيق في الركوع، ثم إنهن لو صلين جماعة يجوز صلواتهن بالإجماع سواء تقدمت الإمام أو توسطت لاستجماع شرائط الجواز، ولكن اختيار توسط إمامهن على التقدم لما ذكرنا من رجحان معنى رعاية جانب الستر على معنى سنية (٨) مقام الإمام من حيث التقدم، وفعل (٩) عائشة ﵂ وقع مصاحبًا للتعليل حين وقع، فيجوز التمسك به (١٠).

стр. 724

قوله: (١) ولأن في التقدم زيادة الكشف، فإن قلت: لو فرضنا تقدم المرأة على جماعة النساء حين أمت لبست الثوب المحشو من فرقها (٢) إلى قدمها (٣)، وليس بينهن أحد من الرجال يكره تقدمها على النساء في الصلاة بالجماعة (٤) أيضًا بدليل إطلاق إيجاب التوسط مع أنه لا كشف فيه أصلًا، وعورة المرأة في حق المرأة مثل عورة الرجل للرجل، وفي تقدم الرجل على الرجل لم يقل أحد بزيادة الكشف، فيجب أن يكون هاهنا كذلك، فلو كانت كراهة تقدمها دائرة مع هذه العلة لجازت هناك لانعدام هذه العلة (٥). قلت: يجب على المرأة أن تكون على أستر الأحوال خصوصًا في حق الصلاة، ولا شك أن الستر في التوسط أكثر من التقدم، وما تركت عائشة ﵂ سُنة التقدم حين أمّت على ما ذكر في الكتاب إلا لأمر أوجب منها، وهو رعاية جانب الستر، وعن علي ﵁ (٦) أنه قال في المرأة إذا صلت: فلتحتفز (٧) (٨)، يعني: فلتضم، فكان أصل ترك التقدم ثابتًا بالسُّنة، وهذا التعليل لزيادة إيضاح تلك السنة، وفي الموضع الذي لا يوجد هذا التعليل (٩).

стр. 725

[إمامة الرجل للمرأة] قلنا: وجوب التوسط بالسنة لا بالتعليل ذكر (١) في «شرح الطحاوي» (٢): إمامة الرجل للمرأة جائزة إذا نوى (٣) الإمام إمامتها إذا لم يكن في الخلوة (٤)، فأما إذا كان في الخلوة، فإن كان الإمام لهن أو لبعضهن محرمًا فإنه يجوز ويكره. فإن قلت: من أين وقعت المفارقة بين جنس الصلوات وبين صلاة الجنازة حيث يكره إمامة المرأة للنساء في الصلوات كلها من الفرائض والنوافل، وفي صلاة الجنازة لا يكره (٥) (٦). قلت: لأن الجماعة في المكتوبة، وفي التراويح (٧) سنة ولا يتوصل الإنسان إلى إقامة هذه السنة إلا بارتكاب مكروه وهو قيام الإمام وسطهن، ومتى لم يتوصل الإنسان إلى إقامة (٨) السنة إلا بارتكاب المكروه كان ترك السنة أولى من ارتكاب المكروه والبدعة، فأما صلاة الجنازة مفروضة، وقيام الإمام وسطهن مكروه، وقد ابتلين بين ترك الفرض تحرزًا عن ارتكاب المكروه وبين إقامة الفرض مع ارتكاب المكروه فكان إقامة الفرض مع ارتكاب المكروه أولى، وإنما قلنا ذلك؛ لأنهن إن صلين بجماعة وقامت الإمام وسطهن كان في ذلك ارتكاب مكروه مع إقامة الفرض؛ لأن الصلاة من الكل تقع فرضًا، وإن صلين فرادى حتى لا يؤدي إلى ارتكاب المكروه أدى ذلك إلى فوات الصلاة عن البعض؛ لأن الفرض يسقط بأداء الواحدة، وقد يتفق فراغ الواحدة قبل فراغ الباقيات، فتكون الصلاة من الباقيات نفلا (٩) والتنفل بصلاة الجنازة غير مشروع، فعلم أنهن أبتلين بين ترك الفرض وبين ارتكاب المكروه كذا ذكره شيخ الإسلام ﵀ في باب غسل الميت من «المبسوط» (١٠).

стр. 726

قوله: لحديث ابن عباس ﵁ وحديثه هو: أن ابن عباس يقول: بت عند خالتي ميمونة رض (١) لأراقب صلاة النبي ﷺ بالليل فانتبه فقال: نامت العيون وغارت النجوم، وبقي الحي القيوم، ثم قرأ آخر سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ﴾ (٢) إلى آخرها، ثم قام إلى شن معلق فتوضأ وافتتح الصلاة، فقمت وتوضأت، ووقفت على يساره، فأخذ بأذني وأدارني خلفه حتى أقامني عن يمينه. وفي رواية مبسوط شيخ الإسلام: وقمت خلفه فأخذ ذؤابتي وأقامني عن يمينه، فعدت إلى مكاني، فأعادني ثانيًا وثالثًا، فلما فرغ قال: «ما منعك يا غلام أن تثبت في الموضع الذي أوقفتك؟»، قلت: أنت رسول الله ولا ينبغي لأحد أن يساويك في الموقف، فقال ﷺ : «اللهم (٣) فقهه في الدين وعلمه التأويل» (٤)، فإعادة رسول الله ﵇ إياه إلى الجانب الأيمن دليل على أنه هو المختار إذا كان مع (٥) الإمام رجل واحد (٦). وفي ظاهر الرواية (٧): لا يتأخر المقتدي عن الإمام (٨)، وعن محمد ﵀ قال: ينبغي أن يكون أصابعه عند عقب الإمام، وهو الذي وقع عند العوام، وإن كان المقتدي أطول فكان سجوده قدام الإمام لم يضره؛ لأن العبرة لموضع الوقوف لا لموضع السجود كما لو وقف في الصف ووقع سجوده أمام الإمام لطوله. كذا في «المبسوط» (٩)؛ لأنه خالف السنة، السنة هي ما ذكرنا (١٠) من حديث ابن عباس آنفًا، وذكر شيخ الإسلام من (١١) مشايخنا من قال: بأن الجواب في الفصلين (١٢) واحد.

стр. 727

[مكان وقوف المأموم مع الامام] أي: فيما إذا كان خلف الإمام أو يساره يعتبره مسيئًا في الحالين؛ لأنه ترك السنة في المقام، ومنهم من فرق، وقال: لا يكون مسيئًا إذا قام خلف الإمام، ويكون مسيئًا إذا قام على يساره، وذلك لأنه إذا قام خلف الإمام (١) وحده فقد عمل بما عمل به واحد من أصحاب رسول الله ﵇، ولم يتصل بفعله رد من جهة النبي ﵇ وهو ابن عباس ﵁، فإنه كان وحده وقد قام خلف رسول الله ﵇، ورسول الله ﵇ دعا له بالعلم والفقه، فلم يصر تاركًا للسنة من كل وجه، ومتى قام على يساره فقد عمل (٢) ما فعله واحد من أصحاب رسول الله ﵇، وهو حذيفة ﵁ إلا أنه اتصل بفعله رد من جهة النبي ﵇، فصار تاركًا للسنة من كل وجه فكان مسيئًا، ونقل ذلك عن عبد الله بن مسعود ﵁ (٣)، وهو ما روي أن ابن مسعود ﵁ صلى بعلقمة والأسود، فقام وسطهما (٤)، والمعنى أن الاصطفاف خلف الإمام من سنة إقامة الصلاة بجماعة، والاثنان ليسا بجماعة حقيقة وحكما أما الحقيقة فلا ينطلق عليهما اسم الجماعة وهو الرجال، بل يقال: رجلان، وأما حكمًا فإن الجمعة لا ينعقد بهما (٥) (٦).

стр. 728

وأما وجه ظاهر الرواية، فما روى أبو موسى الأشعري ﵁ (١)، عن النبي ﵇ أنه قال: «الاثنان فما فوقهما جماعة» (٢)، ولم يرد به الحقيقة، فدل أن المراد به الحكم، وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ مثل قولهما، والمعنى: أن الاصطفاف من حكم أداء الصلاة بجماعة، وقد وجدت الجماعة حقيقة وحكمًا فيجب مراعاته، أما الحقيقة فلأنهم ثلاثة مع الإمام، وأما حكمًا فلأن الإمام من القوم؛ لأن أداء هذه الصلاة يجوز بدون الإمام، فلذلك أمكننا أن نعد الإمام في حق الاصطفاف من القوم، فإذا عد منهم، فقد حصل أداء الصلاة بجماعة بخلاف الجمعة؛ لأن الإمام هناك شرط على حده، والجماعة شرط على حده، وما روي عن (٣) ابن مسعود ﵁ أنه قام وسطهما (٤)، قال إبراهيم النخعي (٥): كان ذلك لضيق البيت، والأصح: أن هذا كان مذهب ابن مسعود، ولهذا قال في الكتاب: وإن لم يتقدم الإمام، وصلى بهما فصلاتهم تامة؛ لأن فعلهم حصل في موضع الاجتهاد (٦) قال: فإن كان القوم كثيرًا، وقام الإمام وسط الصف أو قام في ميمنة الصف أو ميسرته فصلاتهم تامة، وقد أساؤوا أما صلاة الإمام جائزة؛ لأنه كالمنفرد فيما يصلي، وصلاة المؤتمين أيضًا جائزة؛ لأنهم لم يتقدموا إمامهم إلا أن الإمام يكون مسيئًا؛ لأنه ترك السنة من كل وجه بغير عذر، وكذلك إذا كان إمام القوم، ولكن في ميمنة الصف أو ميسرته فصلاتهم تامة لما بينا، ولكن يكون مسيئًا؛ لأنه خالف السنة من كل وجه، فإن السنة أن يقوم الإمام إزاء وسط الصف ألا ترى أن المحاريب (٧) ما نصبت إلا في وسط المساجد، وهي قد عينت لمقام الإمام، كذا في المبسوطين (٨). (٩) اليتيم أخو أنس لأبيه اسمه عمير فهذا للأفضلية، والأثر (١٠) دليل الإباحة (١١)، أي: تقدم النبي ﵇ على أنس ويتيم دليل الأفضلية، وتوسط ابن مسعود على علقمة والأسود دليل الإباحة، فإن قلت: لِمَ لم يعكس الدليلان حتى تثبت الأفضلية بالأثر والإباحة بفعل النبي ﵇ كما هو مزعوم أبي يوسف، فإن النبي ﵇ كما كان يفعل الأفضل كان يفعل المباح أيضًا لتعليم الجواز والإباحة (١٢).

стр. 729

قلت: إنما لم يعكس، أما الترجيح فعل النبي على فعل غيره إذ هو ﵇ مقتدًى من كل وجه قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١) فيجعل الأفضل فعل من هو المقتدى/ من كل وجه، وإما لأن الفعلين لما تعارضا رجحنا جانب التقدم بحديث عبد الله بن عوف ﵀ (٢) أورده شيخ الإسلام ﵀ في «المبسوط» عن النبي ﵇ أنه قال: «إذا كان ثلاثة في سفر، فتقدم أحدهم ليؤمهم، فإذا أمهم فذاك أميرهم أمره رسول الله ﵇ أمروه أم لم يؤمروه» (٣) فقد أخبر أنهم إذا كانوا ثلاثة يتقدم الإمام. [إمامة الصبي] قوله ﵇: «أخروهن من حيث أخرهن الله» (٤). وفي الأسرار: وحيث عبارة عن المكان ولا مكان يجب تأخيرهن إلا مكان الصلاة، وقيل: يجوز أن يكون للتعليل (٥)، يعني كما أخرهن الله في الشهادات والإرث والسلطنة وجميع الولايات كذا وجدت بخط الأستاذ ﵀ (٦). وأما عدم جواز إمامة الصبي (٧) فمذهبنا، وعلى قول الشافعي ﵀: يجوز إمامة الصبي بناء على أن اقتداء المفترض بالمتنفل يجوز عنده (٨)، والفعل (٩) يصح من الصبي (١٠) نفلًا لا فرضًا، كذا في «المحيط» (١١).

стр. 730

والسنن المطلقة وهي السنن الرواتب المشروعة قبل الفرائض وبعدها وصلاة العيد على إحدى الروايتين (١) والوتر عندهما (٢)، وصلاة الكسوف والخسوف والاستسقاء عندهما كذا في الفوائد الظهيرية (٣) جوزه مشايخ بلخ (٤)، فإنهم قاسوا هذه المسألة بمسألة المظنون بعلة (٥) أن الفعل (٦) في حق الصبي غير مضمون، فصار كنفل البالغ إذا كان غير مضمون، وهي في مسألة المظنون؛ لأنهما سواء في هذا الوصف، ومنهم من حقق الخلاف في النفل المطلق، أي: لم يجوز أبو يوسف ﵀ اقتداء البالغ بالصبي في النفل المطلق أيضًا وجوزه محمد ﵀ (٧). (٨)

стр. 731

وقال فخر الإسلام ﵀ (١): إنما تركنا قول محمد؛ لأن ابتداء (٢) النفل غير مضمون قصدًا غير مشروع، وإنما شرع في حق الصبي والمعتوه (٣) لقصور عمدهما، ونقصان عزيمتهما، فإذا انتقص من عزيمة البالغ فيه بأن (٤) شرع فيه على نية أداء الواجب صار ملحقًا بهما حينئذ (٥). قوله ﵀: لأنه مجتهد فيه؛ لأن عند زفر ﵀ (٦) (٧) يجب القضاء على الظان (٨). قوله: فاعتبر العارض عدمًا، أي: يجعل الظن عدمًا في حق المقتدي؛ لأنه عارض غير ممتد عرض بعد أن لم يكن بخلاف الصبي (٩). وقال الإمام التمرتاشي: وذلك لأن سقوط الضمان عن الإمام بظن عارض، فجعل كأن الضمان غير ساقط في حق المقتدي، فبقي اقتداء ضامن بضامن، أما الصبي فليس من أهل الضمان، فلا يمكن أن يجعل ضامنًا في حق المقتدي، فبقي اقتداء ضامن بغير ضامن، فكان فيه بناء القوى على الضعيف قال الحسن ﵀ (١٠): وحقيقة اختلافهم راجعة في إمامة الصبي إلى أن صلاته صلاة أم ليست بصلاة؟ قيل: ليست هي بصلاة، وإنما يؤمر بها تخلفًا دل عليه لو صلت المراهقة (١١) بغير قناع جازت، وقيل: هي صلاة دل عليه لو قهقهت فيها أمرت (١٢) بالوضوء (١٣). (١٤)

стр. 732

قوله: ليلني منكم أولو الأحكام (١) والنهى من الولي، وهو (٢) القرب من باب حسب، وعن علي بن عيسى ﵀ (٣): الولي حصول الثاني بعد الأول من غير فصل، والثاني يلي الأول، والثالث يلي الثاني، ولذلك يقال: ولي الشيء يليه وليًا، والأمر وليالو ألين، وباللام ليل، وإذا وصلت به ضمير المفعول. قلت: ليله وليلك وليليني وليلنا؛ لأن الياء التي هي لام الفعل قد أسقطها الجازم، فلا يعود (٤) إلا في الاثنين، والاثنتين (٥) وجماعة المؤنث، وهذا ظاهر، كذا في «المغرب» (٦)، المهملة العين، وروي ليليني، والنون المشددة جاز أن يكون النون الخفيفة للتأكيد اجتمعت مع نون العماد (٧) فأدغمت فيها أوهي النون الثقيلة مع حذف نون العماد كما فعل ذلك في نون الجمع مع نون العماد (٨) في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي﴾ (٩) على القراءتين (١٠) (١١).

стр. 733

الأحلام جمع الحلم بالضم، وهو ما يراه النائم يقول: منه حلم بالفتح، واحتلم ويقول: حلمت بكذا، وحلمته أيضًا كذا في «الصحاح» (١)، ولكن غالب استعماله (٢) فيما يراه النائم من دلالة البلوغ (٣)، فكان المراد هاهنا ليليني البالغون، وذكر في «الفائق» (٤): أمر معاذًا أن يأخذ من كل حالم دينارًا (٥)، قيل: المراد كل من بلغ وقت الحلم حلم أو لم يحلم. قلت: فتفسير الحلم بالعقل كان غلطًا من وجهين، أحدهما: أن الثقات لم يفسروه به، والثاني: إثبات التكرار في الحديث لمعنى الفضل من غير فائدة؛ لأن النهي جمع نهية، وهي العقل، ثم وجه القياس في مسألة المحاذاة ظاهر، فإن المحاذاة لما لم توجب فساد صلاة/ المرأة (٦) لم توجب فساد صلاة الرجل؛ لأن المحاذاة فعل مشترك بينهما كما إذا وجدت المحاذاة في الصلاة، ولكنهما ليسا بمشتركين فيها، وكما في صلاة الجنازة، فأما وجه الاستحسان (٧)، وهو الذي ذهب إليه علماؤنا أن هذا ترك فرض ترتيب المقام، فيفسد صلاته كما إذا تقدم المقتدي إمامه، وإنما قلنا ذلك؛ لأن تأخير المرأة فرض على الرجل في الصلاة يشتركان فيها كما يفترض عليه أن يتأخر عن إمامه لما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن رسول الله أنه قال: «أخروهن من حيث أخرهن الله» (٨)، فقد أمر الرجل بتأخيرها، والأمر يدل على الوجوب، ولا مكان يجب تأخيرها إلا في الصلاة، فإن قيل: هذا الخبر من أخبار الآحاد فكيف أثبتم به فرض ترتيب المقام، والفرض لا يثبت بخبر الواحد (٩).

стр. 734

قلت: (١) أما دعوى أنها من أخبار الآحاد مطلقًا، فلا نسلم، بل إنه من المشاهير كما ذكر في الكتاب فيزداد بالخبر المشهور (٢) على الكتاب كما زيد حكم قوله ﵇: «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا على بنت أخيها (٣)، ولا على بنت أختها» (٤) على عموم (٥) قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٦) (٧). وكما زيد حكم مسح الخف على غسل الرجل الثابت بالكتاب بالخبر المشهور على المذهب الأصح، ولئن سلمنا أنه من أخبار الآحاد، فالجواب عنه من وجهين، أحدهما: ما ذكره (٨) صاحب «المحيط» (٩)، فقال: إن وجوب التأخير على الرجل ليس بمقصور على الخبر، بل بالكتاب، وذلك لأن تأخير النساء إنما وجب، إما (١٠) تفضيلًا للرجال على النساء، وتفضيل الرجال عليهن ثابت بنص مقطوع، وهو قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (١١) (١٢)، أو وجب تأخيرهن صيانة لصلاة الرجل عن الفساد، فإن المرأة من قرنها إلى قدمها عورة (١٣)، فربما تشوش (١٤) الأمر على الرجل، فيكون ذلك سببًا لفساد صلاة الرجل، وصيانة (١٥) الصلاة عن الفساد واجبة بالنص المقطوع به، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (١٦)، وجاء الخبر مبنيًا لما ثبت بالنص المقطوع به لا أن يكون الحكم مقصورًا على الخبر الواحد، والثاني: هو ما ذكره صاحب الأسرار (١٧)، وهو أن فروض الصلاة لا تثبت بخبر الواحد، وأما فروض الجماعة فيثبت بخبر الواحد؛ لأن أصل الجماعة ثبت بالسنة، ففروضها وشروطها أيضًا يثبت بالسنة والقاطع للشغب هو أن تأخير المرأة في صلاة يشتركان فيها فرض ثابت بدلالة الإجماع، وذلك لأنا أجمعنا على عدم جواز اقتداء الرجل بالمرأة مع اتحاد فرضهما وهو لا يخلو من أوجه، أما إن كان ذلك لنقصان حالها كما في إمامة الصبي أو لعدم صلاحيتها كما في الأمي أو لفوت شرطٍ من شروط الصلاة كما في العاري أو لفوت فرض ترتيب المقام كما في إمامة المتأخر فوجه الانحصار على هذه الأربعة ظاهر لانعدام مجاوزة (١٨) عدم جواز الاقتداء عنها شرعًا، أما نقصان الحال مطلقًا فغير مانع لصحة الاقتداء لجواز إمامة العبد والفاسق والأعمى مع نقصان أحوالهم بالرق والفسق والعمى، وإنما لا يصح إمامة الصبي لا لسبب نقصان حاله مطلقًا، بل لأنه غير مكلف بالفرض، وما أتى به يقع نفلًا فلو قلنا: بجواز الاقتداء يلزم اقتداء، يلزم اقتداء (١٩) المفترض بالمتنفل بخلاف المرأة فإن عليها فرض الصلاة كالرجل، وأما عدم الصلاحية فغير مسلم، بل لها صلاحية بدليل جواز إمامتها للنساء متقدمة ومتوسطة، وأما شروط الصلاة من الطهارة واستقبال القبلة وستر العورة وغيرها، فغير ثابت والكلام فيه متعين لعدم جواز الاقتداء بها فوت فرض ترتيب المقام الثابت بقوله ﵇: «أخروهن من حيث أخرهن الله» (٢٠) فلما عمل هذا الحديث هناك في حق الاقتداء حتى أفاد عدم الجواز فيه لانعدام التأخر (٢١) بالإجماع، فيفيد عند المحاذاة لانعدام التأخير فإن بناءك لا يجوز صلاة الرجل (٢٢).

стр. 735

قلنا أيضًا: عدم جواز صلاة الرجل، ويجوز صلاة المرأة فكذلك هاهنا يجب أن لا يجوز صلاة الرجل، فيجوز صلاة المرأة؛ لأن الخطاب للرجال دون النساء، وهذا الخطاب هناك معمول بالإجماع، فيجب أن يكون معمولًا هنا أيضًا، وهذا معنى يلزم المخالف لا محالة ولا مخلص له عنه، واستخلصت هذه الزبد (١) من إشارات شيخ الإسلام (٢)، وصاحب الأسرار ﵀. فإن قلت: لا يلزم من عدم جواز/ صلاة الرجل عند الاقتداء بها عدم جواز صلاته عند محاذاتها ألا ترى أن اقتداء الرجل بالمرأة في صلاة الجنازة لا يجوز (٣) ولا تفسد صلاته عند المحاذاة بها فيها (٤). قلت: جوابه يأتي في بيان حد المحاذاة (٥)، فإن قلت: لما كان ورود الحديث في حق الصلاة وجب أن يكون المحاذاة مفسدة لصلاة الرجل عند قيامها للصلاة من غير اشتراك فيها؛ لأن الحديث لم يفصل (٦). قلت: نعم كذلك إلا أن مراعاة الترتيب في المقام إنما يجب (٧) في صلاة تؤدى بالجماعة ولا يجب في صلاة تؤدى بالانفراد، والحديث يؤذن لترتيب المقام، فإن التقدم على الإمام أو التأخر عنه إنما يتحقق في صلاة تؤدي بجماعة لا في صلاة تؤدى منفردًا كذا هنا، فإن قيل: لما كان هو مأمور بالتأخير (٨) كانت هي مأمورة بالتأخر ضرورة فيجب أن تفسد صلاتها أيضًا، قلنا: الضرورة غير مسلمة لما أنه يمكن للرجل تأخيرها بدون تأخرها بأن يتقدم عليها خطوة أو خطوتين، فلما لم تثبت الضرورة في تأخرها لم يتناولها مقتضى خطاب الرجال؛ لأن حكم المقتضي إنما يثبت إذا كان من ضرورات المقتضى أو نقول: هي مأمورة بالتأخير ضمنًا لا قصدًا غير أن الثابت بالضرورة ينحط رتبته عن الثابت مقصودًا، فأظهرنا (٩) الأمر بالتأخر في حقها في حق لحوق الإثم، ففي حقه بالفساد إظهارا للتفرقة بين الثابت ضمنًا وبين الثابت مقصودًا لما عرف أن حكم الأمر الثابت في ضمن النهي دون حكم الأمر الثابت مقصودًا (١٠)، ولأن تأخرها لما يثبت في ضمن التأخر لا يكون هي مأمورة بالتأخر إذا لم يوجد منه التأخر؛ لأن المتضمن إنما يوجد عند وجود (١١) المتضمن لا غير هذا محصول ما ذكر في «المحيط» (١٢) (١٣).

стр. 736

قوله: وهو المخاطب به دونها فيكون هو التارك لفرض المقام، فيفسد صلاته لذلك دون صلاتها لما أنها وإن خوطبت بالتأخر، لكن إنما خوطبت به في ضمن وجود التأخير حتى لو خوطب بالتأخير (١) نصًّا ولم تتأخر تفسد صلاتها دون صلاته لتركها الخطاب المنصوص (٢). [التقدم والتأخر عن الامام] وقد ذكر في «المحيط» (٣)، و «الذخيرة» (٤): أن المرأة إذا جاءت بعدما شرع الرجل في الصلاة، ونوى إمامتها، واقتدت به فلم يمكنه التأخير بالتقدم عليها خطوة أو خطوتين؛ لأن ذلك مكروه في الصلاة، وإنما تأخيرها بالإشارة باليد، أو ما أشبه ذلك، فإذا فعل ذلك فقد وجد منه التأخير فيلزمها التأخر فإذا لم تتأخر فقد تركت فرضًا من فروض المقام فتفسد صلاتها لا صلاته، ثم قال: وهذه مسألة عجيبة، كالمأموم، أي: كالمقتدي، فإن هناك لما خوطب المقتدي برعاية ترتيب المقام دون الإمام، فلذلك فسدت صلاة المقتدي إذا ترك الترتيب بأن يتقدم على الإمام، ولا تفسد صلاة الإمام سواء تقدم أو تأخر؛ لأنه غير مخاطب بترتيب المقام بخلاف المقتدي لا يثبت دونها أي: دون النية (٥) ألا ترى أنه يلزمه الترتيب، أي: يلزم الإمام رعاية ترتيب مقامه بأن يؤخرها أو يتقدم هو عليها لوجود الفساد (٦) من محاذاتها، فكذلك يلزم الإمام نية إمامتها لصحة اقتدائها به؛ ليكون الضرر لو وجد وهو فساد صلاته عند محاذاتها بالتزامه لا بدون الالتزام (٧)، وقال شمس الأئمة السرخسي ﵀: وهذا لأنا لو صححنا اقتداءها به بغير النية قدرت على إفساد صلاة الرجل كل امرأة متى شاءت بأن تقتدي به فتقف إلى جنبه وفيه من الضرر ما لا يخفى (٨). وفي صلاة الجمعة والعيدين أكثر مشايخنا (٩) قالوا: لا يصح اقتداؤها به ما لم ينو إمامتها وإن كان الجواب مطلقا في الكتاب. يعني: بجواز اقتداء المرأة بالرجل في الجمعة والعيدين، ولكن هو محمول عند أكثر المشايخ على وجود النية من الإمام، ومنهم من سلم، ولكن يفرق بينها وبين سائر الصلوات، فنقول: الضرورة هاهنا في جانبها؛ لأنها لا تقدر على أداء صلاة العيد والجمعة وحدها، ولا تجد إمامًا آخر يقتدي به مع أن الظاهر لا يتمكن من الوقوف بجنب الإمام في هذه الصلوات؛ لكثرة الازدحام فصححنا اقتداؤها لدفع الضرر عنها بخلاف سائر الصلوات كالاقتداء (١٠).

стр. 737

[اقتداء القارئ بالأمي] يعني: أن فساد صلاة المقتدي لما جاء من قبل إمامه (١) لم يصح اقتداؤه به إلا بالنية حتى لو جاء الفساد صلاته (٢) من قبل إمامه كان ضررًا مرضيًا بسبب التزامه بالاقتداء فلا يثبت ذلك بدون الاقتداء، فكذا هنا لما كان/ وهم فساد صلاة الإمام من جانب المرأة بسبب المحاذاة لم يصح اشتراكها في صلاة الإمام بدون التزامه بالنية، فإن قيل: يشكل على هذا التعليل قول أبي حنيفة (٣) ﵀ في اقتداء القارئ بالأمي، فإن صلاة الأمي تفسد بسبب اقتداء القارئ به، ومع ذلك لا يشترط للأمي نية إمامة (٤) القارئ مع أنه يلحق صلاته فساد من جهة عنده (٥).

стр. 738

قلنا: يمنع عدم (١) اشتراطه النية على قول الكرخي (٢) (٣)، فإن عنده لا يصح هو (٤) أيضًا بدون النية، ولئن سلمنا فنقول ثمة لا يلحقه الفساد بسبب الاقتداء، فإن القارئ لو صلى وحده والأمي وحده وأمكن الأمي الاقتداء به يفسد صلاته دل أن الفساد ليس بسبب اقتداء به حتى يدفع الفساد عن نفسه بترك النية، وأما هنا (٥) فساد صلاة الإمام بسبب اقتدائها لا غير فيوقف (٦) على التزامه، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٧)، والمحيط (٨). ولكن ذكر في الكتاب الصحيح أنه يجوز صلاة الأمي فيما إذا صلى القارئ منفردًا على ما يأتي (٩)، وقد ذكرنا قبل هذا ما ذكره الإمام المحبوبي (١٠) أن محاذاة الأمرد (١١) أيضًا تفسد صلاة الرجل عند البعض (١٢) (١٣).

стр. 739

[محاذاة الامام للمأموم] قوله ﵀: إذا ائتمت محاذاته (١)، أي: اقتدت بالإمام محاذية للإمام أو للمقتدي (٢). وذكر فخر الإسلام: ومسألة كتاب الصلاة في امرأة (٣) وقفت إلى جنب الإمام، ولم ينو الإمام إمامتها فكانت صلاتها فاسدة (٤)، وصلاة الرجل تامة (٥). ومسألة هذا الكتاب فيما إذا وقفت خلفه، وذلك على وجهين، إما أن يكون بجنبها خلفه رجل، أو لا يكون، فإن لم يكن بجنبها رجل، ففي رواية (٦) لا تصح اقتداؤها أصلا؛ لأنه لما وقع احتمال الفساد من جهتها (٧) توقف ذلك على اختياره من غير أن يقال: إذا حاذت الإمام لا تصح، وإن لم تحاذ تصح، وفي رواية: صح اقتداءها؛ لأن ذلك لا تفسد صلاته، لكن يشترط (٨) أن لا تلزمه فسادًا، فإذا حاذته فات الشرط فبطل الاقتداء، فأما إذا كان بجنبها رجل فالصواب (٩): أن لا يصح اقتداءها إلا بالنية من جهة الإمام؛ لأن الإمام إن لم يلزمه فسادها هنا لكن يلزم الفساد على الذي بجنبها، ولا يجوز أن يلزم عليه أيضًا من غير رضاه إلا أنه مولّى عليه من جهة إمامته، فيوقف (١٠) ما يلزم على هذا الرجل إلى التزام إمامه (١١).

стр. 740

وذكر في «المبسوط» (١): وروى الحسن بن زياد أنها إذا وقفت خلف الإمام جاز اقتداؤها به وإن لم ينو إمامتها، ثم (٢) إذا وقفت إلى جنبه فسدت صلاتها لا صلاة الرجل، وإن كان نوى إمامتها فسدت صلاة الرجل، وهذا قول أبي حنيفة الأول، ووجهه أنها إذا وقفت خلفه فقصدها أداء الصلاة لا فساد صلاة الرجل فلا يشترط نية الإمامة، فإذا وقفت إلى جنبه فقد قصدت إفساد صلاته فيرد قصدها عليها بإفساد صلاتها إلا أن يكون الرجل قد نوى إمامتها، فحينئذ هو ملتزم (٣) بهذا الضرر، وإن لم يكن بجنبها رجل، أي: إمام أو مقتدي والفرق على إحديهما أي: على الرواية التي لا تشترط نية الإمام لصحة اقتدائها إذا لم يكن بجنبها رجل أن الفساد في الأول (٤)، أي: فيما إذا كانت محاذيه، وفي (٥) الثاني أي: فيما إذا لم يكن بجنبها رجل، فإنها إذا لم تكن بجنب رجل يحتمل أن تمشي وتحاذي الرجل فيفسد، ولكن الظاهر أن لا تمشي في الصلاة، ولا تحاذي، فلذلك لم يشترط النية في هذه الصورة في إحدى الروايتين و (٦) لصحة اقتدائها بخلاف الأول، فإن المحاذاة فيه ثابتة، فيلزم الفساد من غير احتمال، فيشترط النية، ومن شرائط المحاذاة إلى آخره (٧). قيل في حد المحاذاة: المفسدة هي محاذاة المرأة المشتهاة حالًا أو ماضيًا الرجل في صلاة مطلقة منوية إمامتها مشتركة تحريمة وأداء، وقد استويا في المكان، وليس بينهما حائل فشرطنا المحاذاة مطلقًا ليتناول كل الأعضاء أو بعضها، فإنه ذكر في «الخلاصة» (٨) محالًا على فوائد القاضي أبي علي النسفي ﵀ (٩) حد المحاذاة أن يحاذي عضو منها عضوًا من الرجل حتى لو كانت المرأة على الظلة ورجل بحذائها أسفل منها إن كان يحاذي الرجل شيئًا منها تفسد صلاته إنما عين هذه الصورة؛ ليكون قدم المرأة محاذته للرجل لأن المراد بقوله: إن يحاذي عضو منها هو قدم المرأة لا غيرها، فإن محاذاة غير قدمها لشيء من الرجل لا يوجب فساد صلاة الرجل (١٠)، نص على هذا في فتاوى قاضي خان (١١) في أواسط فصل من تصح الاقتداء به ومن لا تصح، وقال: المرأة إذا صلت مع زوجها في البيت إن كان قدمها بحذاء قدم الزوج لا يجوز صلاتهما بالإجماع (١٢)، وإن كان قدمها خلف قدم الزوج إلا أنها طويلة يقع رأس المرأة في السجود قبل رأس الزوج جازت صلاتها؛ لأن العبرة للقدم.
следующие страницы →