← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8156

بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب

أبو الثناء الأصبهاني

Полный текст (1 729 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] ش - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا عُلِّقَ الْحُكْمُ عَلَى اسْمٍ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ - مِثْلَ قَوْلِهِ ﵇: " «لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ وَلَا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ» " إِلَى آخِرِهِ. وَذَهَبَ الدَّقَّاقُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ. قَوْلُهُ: " قَدْ تَقَدَّمَ " إِشَارَةٌ إِلَى الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ بَيْنَ مَفْهُومِ الصِّفَةِ وَبَيْنَ مَفْهُومِ اللَّقَبِ؛ وَهُوَ أَنَّ فَائِدَةَ تَخْصِيصِ الِاسْمِ حُصُولُ الْكَلَامِ؛ فَإِنَّهُ لَوِ أُسْقِطَ الِاسْمُ لَاخْتَلَّ الْكَلَامُ، فَلَا يَتَحَقَّقُ الْمُقْتَضَى لِلْمَفْهُومِ فِيهِ؛ فَإِنَّ الْمُقْتَضَى لِلْمَفْهُومِ هُوَ انْتِفَاءُ فَائِدَةِ التَّخْصِيصِ، بِخِلَافِ مَفْهُومِ الصِّفَةِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ أُسْقِطَ الصِّفَةُ لَمْ يَخْتَلَّ الْكَلَامُ فَيَتَحَقَّقُ الْمُقْتَضَى لِلْمَفْهُومِ، وَهُوَ انْتِفَاءُ فَائِدَةِ التَّخْصِيصِ. وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ دَالًّا عَلَى نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ لَلَزِمَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: " مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ " وَ " زَيْدٌ مَوْجُودٌ " ظُهُورُ الْكُفْرِ.

стр. 1227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: " مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ " أَنَّ عِيسَى لَيْسَ بِرَسُولِ اللَّهِ. وَمِنْ قَوْلِهِ: " زَيْدٌ مَوْجُودٌ " أَنَّ الْإِلَهَ لَهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ؛ وَهُوَ يُوجِبُ الْكُفْرَ بِطَرِيقِ الظُّهُورِ. وَإِنَّمَا قَالَ: " ظُهُورُ الْكُفْرِ " ; لِأَنَّ دَلَالَةَ الْمَفْهُومِ بِحَسَبِ الظُّهُورِ، لَا بِحَسَبِ الْقَطْعِ. وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ دَالًّا عَلَى نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ لَزِمَ مِنْهُ إِبْطَالُ الْقِيَاسِ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ دَالًّا عَلَى نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ لَكَانَ الْأَصْلُ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ ظَاهِرًا فِي مُخَالَفَةِ الْفَرْعِ لَهُ فِي الْحُكْمِ، لِأَنَّ النَّصَّ أَوِ الْإِجْمَاعَ الدَّالَّ عَلَى الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ يَكُونُ حِينَئِذٍ دَالًّا عَلَى نَفْيِ حُكْمٍ عَنِ الْفَرْعِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ، فَلَوْ عُمِلَ بِالْقِيَاسِ يَلْزَمُ مُخَالَفَةُ ظَاهِرِ النَّصِّ أَوِ الْإِجْمَاعِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ. أَجَابَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ الصِّفَةِ، يَسْتَلْزِمُ التَّسَاوِيَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلْحُكَمِ، وَشَرْطُ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ عَدَمُ مُسَاوَاةِ الْمَنْطُوقِ لِلْمَسْكُوتِ عَنْهُ فِي الْمَعْنَى

стр. 1228

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الْمُوجِبِ لِلْحُكْمِ، فَلَا مَفْهُومَ مَعَ التَّسَاوِي فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، بَلْ يُحْمَلُ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ عَلَى الْمَنْطُوقِ بِالْقِيَاسِ، فَكَيْفَ بِالْقِيَاسِ هَا هُنَا؛ أَيْ فِي مَفْهُومِ اللَّقَبِ الَّذِي هُوَ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ، لَا يُحْمَلُ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ عَلَى الْمَنْطُوقِ إِذَا وُجِدَ الْمَعْنَى الْمُوجِبُ لِلْحُكْمِ. ش - الْقَائِلُونَ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ قَالُوا: لَوْ قَالَ قَائِلٌ لِمَنْ يُخَاصِمُهُ: لَيْسَتْ أُمِّي بِزَانِيَةٍ وَلَا أُخْتِي - تَبَادَرَ إِلَى الْفَهْمِ نِسْبَةُ الزِّنَا إِلَى أُمِّ خَصْمِهِ وَأُخْتِهِ، فَلِهَذَا يَجِبُ عَلَى الْقَائِلِ حَدُّ الْقَذْفِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ. فَلَوْ لَمْ يَكُنْ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ دَالًّا عَلَى نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ لَمَا تَبَادَرَ إِلَى الْفَهْمِ نِسْبَةُ الزِّنَا إِلَى أُمِّ خَصْمِهِ وَأُخْتِهِ. أَجَابَ بِأَنَّ تَبَادُرَ نِسْبَةِ الزِّنَا إِلَى أُمِّ خَصْمِهِ وَأُخْتِهِ إِلَى الْفَهْمِ مِنَ الْقَرَائِنِ، لَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، وَهُوَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ. ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ تَقْيِيدَ الْحُكْمِ بِـ " إِنَّمَا ". مِثْلَ إِنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ، هَلْ يُفِيدُ إِثْبَاتَ الْقِيَامِ لِزَيْدٍ وَنَفْيَ سَائِرِ الصِّفَاتِ عَنْهُ أَمْ لَا ; فَقِيلَ: إِنَّهُ لَا يُفِيدُ الْحَصْرَ. وَقِيلَ: يُفِيدُ بِحَسَبِ الْمَنْطُوقِ. وَقِيلَ: يُفِيدُ بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ. احْتَجَّ الْقَائِلُ بِالْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: إِنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ بِمَعْنَى قَوْلِهِ: إِنَّ زَيْدًا قَائِمٌ " وَمَا " زَائِدٌ، وَالزَّائِدُ كَالْعَدَمِ، فَكَمَا أَنَّ قَوْلَهُ: إِنَّ زَيْدًا قَائِمٌ، لَا يُفِيدُ الْحَصْرَ، لَا بِحَسَبِ الْمَنْطُوقِ، وَلَا بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ؛ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: إِنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَاهُ. وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْحُجَّةَ عَيْنُ الدَّعْوَى. وَاحْتَجَّ الْقَائِلُ بِالْمَذْهَبِ الثَّانِي بِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨] بِمَعْنَى: مَا إِلَهُكُمْ إِلَّا اللَّهُ، وَكَمَا أَنَّ الثَّانِيَ يُفِيدُ الْحَصْرَ بِالْمَنْطُوقِ، فَكَذَلِكَ الْأَوَّلُ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَاهُ.

стр. 1229

الْأَوَّلُ - إِنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ، بِمَعْنَى إِنَّ زَيْدًا، وَالزَّائِدُ كَالْعَدَمِ. الثَّانِي - ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨] بِمَعْنَى مَا إِلَهُكُمْ إِلَّا اللَّهُ، وَهُوَ الْمُدَّعَى. وَأَمَّا مِثْلُ " «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» " وَ " «إِنَّمَا الْوَلَاءُ» " - فَضَعِيفٌ لِأَنَّ الْعُمُومَ فِيهِ لِغَيْرِهِ؛ فَلَا يَسْتَقِيمُ لِغَيْرِ الْمُعْتِقِ وَلَا ظَاهِرًا. ص - وَأَمَّا مَفْهُومُ الْحَصْرِ فَمِثْلُ صَدِيقِي زَيْدٌ، وَالْعَالِمُ زَيْدٌ، وَلَا قَرِينَةَ عَهْدٍ ; فَقِيلَ: لَا يُفِيدُ، وَقِيلَ: مَنْطُوقٌ، وَقِيلَ: مَفْهُومٌ. الْأَوَّلُ - لَوْ أَفَادَ لَأَفَادَهُ الْعَكْسُ؛ لِأَنَّهُ فِيهِمَا لَا يَصْلُحُ لِلْجِنْسِ وَلَا لِمَعْهُودٍ مُعَيَّنٍ لِعَدَمِ الْقَرِينَةِ، وَهُوَ دَلِيلُهُمْ. وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ لَكَانَ التَّقْدِيمُ يُغَيِّرُ مَدْلُولَ الْكَلِمَةِ. ص - الْقَائِلُ بِهِ: لَوْ لَمْ يُفِدْهُ لَأَخْبَرَ عَنِ الْأَعَمِّ بِالْأَخَصِّ؛ لِتَعَذُّرِ الْجِنْسِ وَالْعَهْدِ، فَوَجَبَ جَعْلُهُ لِمَعْهُودٍ ذِهْنِيٍّ بِمَعْنَى الْكَامِلِ وَالْمُنْتَهِي. قُلْنَا: صَحِيحٌ، وَاللَّامُ لِلْمُبَالَغَةِ. فَأَيْنَ الْحَصْرُ؟ . (وَأُجِيبُ: بَلْ جَعْلُهُ لِمَعْهُودٍ ذِهْنِيٍّ، مِثْلَ أَكَلْتُ الْخُبْزَ، وَمِثْلَ زَيْدٌ الْعَالِمُ هُوَ الْمَعْرُوفُ) . وَ (أَيْضًا) يَلْزَمُهُ زَيْدٌ الْعَالِمُ، بِعَيْنِ مَا ذَكَرَ، وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ فِي " زَيْدٌ الرَّجُلُ ". فَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُخْبِرُ بِالْأَعَمِّ - فَغَلَطٌ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ التَّنْكِيرُ. وَإِنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّامَ لِزَيْدٍ - فَغَلَطٌ ; لِوُجُوبِ اسْتِقْلَالِهِ ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] قِيلَ: لَوْ كَانَ لَفْظُ " إِنَّمَا " مُفِيدًا لِلْحَصْرِ لَمَا صَحَّ عَمَلٌ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، وَلَمَا ثَبَتَ وَلَاءٌ لِغَيْرِ الْمُعْتِقِ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: " «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» " وَقَوْلِهِ: " «إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» ". وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِعُمُومِ صِحَّةِ الْعَمَلِ بِالنِّيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَعُمُومِ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ، وَغَيْرِهِ، (كَمَنْ بَاعَ الْعَبْدَ مِنْ نَفْسِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: هَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ عُمُومَ صِحَّةِ الْعَمَلِ بِالنِّيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَكَذَا عُمُومُ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ وَغَيْرِهِ) إِنَّمَا ثَبَتَ بِغَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ، كَالْإِجْمَاعِ. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ الْوَلَاءُ لِغَيْرِ

стр. 1231

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الْمُعْتِقِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُعْدَلَ عَنِ الظَّاهِرِ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ. ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ إِذَا جُعِلَ لَفْظٌ كُلِّيٌّ مُعَرَّفٌ بِالْإِضَافَةِ أَوْ بِاللَّامِ مُخْبَرًا عَنْهُ، وَأَحَدُ جُزْئِيَّاتِهِ مُخْبَرًا بِهِ، مِثْلَ قَوْلِنَا: صَدِيقِي زَيْدٌ وَالْعَالِمُ زَيْدٌ، وَلَا قَرِينَةَ تُفِيدُ الْعَهْدَ - هَلْ يَدُلُّ عَلَى حَصْرِ ذَلِكَ الْكُلِيِّ فِي الْجُزْئِيِّ أَمْ لَا؟ . فَقِيلَ: لَا يُفِيدُ الْحَصْرَ. وَقِيلَ: يُفِيدُ بِحَسَبِ الْمَنْطُوقِ.

стр. 1232

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَقِيلَ: يُفِيدُ بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ. احْتَجَّ الْقَائِلُ بِالْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنْ لَوْ أَفَادَ قَوْلُنَا: صَدِيقِي زَيْدٌ، وَقَوْلُنَا: الْعَالِمُ زَيْدٌ، الْحَصْرَ - لَأَفَادَ عَكْسُهُمَا أَيْضًا الْحَصْرَ، وَهُوَ قَوْلُنَا: زَيْدٌ صَدِيقِي، وَزَيْدٌ الْعَالِمُ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ دَلِيلَهُمْ (عَلَى الْحَصْرِ فِي الْأَصْلِ بِعَيْنِهِ قَائِمٌ فِي الْعَكْسِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ دَلِيلَهُمْ) أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُ فِي قَوْلِنَا: صَدِيقِي زَيْدٌ، وَالْعَالِمُ زَيْدٌ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لِلْجِنْسِ، لِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ: كُلُّ صَدِيقِي زَيْدٌ، وَكُلُّ عَالِمٍ زَيْدٌ. وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لِمَعْهُودٍ مُعَيَّنٍ؛ إِذِ التَّقْدِيرُ أَنَّهُ لَا قَرِينَةَ عَلَى الْعَهْدِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ لِلْحَصْرِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِمَعْهُودٍ ذِهْنِيٍّ مُقَيَّدٍ بِمَا يُصَيِّرُهُ مُطَابِقًا لِلْمُخْبَرِ بِهِ مُسَاوِيًا لَهُ. وَهَذَا الدَّلِيلُ بِعَيْنِهِ قَائِمٌ فِي الْعَكْسِ. الثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ أَفَادَ الْأَصْلُ الْحَصْرَ، وَلَمْ يُفِدِ الْعَكْسُ - لَكَانَ التَّقْدِيمُ يُغَيِّرُ مَدْلُولَ الْكَلِمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْعَكْسِ فَرْقٌ إِلَّا بِالتَّقْدِيمِ.

стр. 1233

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالتَّالِي بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيمَ لَا يُغَيِّرُ مَدْلُولَ الْكَلِمَةِ. قِيلَ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا امْتِنَاعَ فِي تَغْيِيرِ التَّقْدِيمِ، فَإِنَّ نِسْبَةَ الشَّيْءِ إِلَى غَيْرِهِ بِالْمَوْضُوعِيَّةِ تُغَايِرُ نِسْبَتَهُ إِلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ بِالْمَحْمُولِيَّةِ، وَلِذَلِكَ قَدْ تَصْدُقُ الْقَضِيَّةُ وَلَا يَصْدُقُ عَكْسُهَا، وَيُخَالِفُهَا بِالْجِهَةِ إِنْ صَدَقَ فِي بَعْضٍ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ التَّقْدِيمَ وَإِنْ غَيَّرَ نِسْبَةَ الْمَوْضُوعِيَّةِ وَالْمَحْمُولِيَّةِ، لَكِنْ لَمْ يُغَيِّرْ نَفْسَ مَدْلُولِ الْمَوْضُوعِ وَالْمَحْمُولِ. ش - الْقَائِلُ بِأَنَّ مِثْلَ: الْعَالِمُ زَيْدٌ، يُفِيدُ الْحَصْرَ احْتَجَّ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُفِدِ الْحَصْرَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْإِخْبَارُ عَنِ الْأَعَمِّ بِالْأَخَصِّ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّهُ يَتَعَذَّرُ أَنْ يَكُونَ اللَّامُ لِلْجِنْسِ أَوِ الْعَهْدِ. أَمَّا الْأَوَّلُ - فَلِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ كُلُّ عَالِمٍ زَيْدٌ. وَأَمَّا الثَّانِي - فَلِعَدَمِ الْقَرِينَةِ. فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ لِلْمَاهِيَّةِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ، فَيَلْزَمُ الْإِخْبَارُ عَنِ الْأَعَمِّ بِالْأَخَصِّ، فَوَجَبَ جَعْلُ اللَّامِ لِمَعْهُودٍ ذِهْنِيٍّ بِمَعْنَى الْكَامِلِ وَالْمُنْتَهِي فِي الْعِلْمِ، لِيَنْدَفِعَ الْمَحْذُورُ. أَجَابَ بِأَنَّ قَوْلَكُمْ: وَجَبَ جَعْلُهُ لِمَعْهُودٍ ذِهْنِيٍّ بِمَعْنَى الْكَامِلِ وَالْمُنْتَهِي صَحِيحٌ، وَاللَّامُ حِينَئِذٍ تَكُونُ لِلْمُبَالَغَةِ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ الْحَصْرُ. ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيَلْزَمُ الْخَصْمَ أَنَّ قَوْلَنَا: زَيْدٌ الْعَالِمُ، يُفِيدُ الْحَصْرَ بِعَيْنِ مَا ذَكَرَ، وَكَوْنُ اللَّامِ لِلْمُبَالَغَةِ هُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ

стр. 1234

بِالتَّعْرِيفِ مُنْقَطِعًا عَنْ زَيْدٍ، كَالْمَوْصُولِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1235

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] سِيبَوَيْهِ فِي " زَيْدٌ الرَّجُلُ "؛ فَإِنَّهُ قَالَ: اللَّامُ فِي " الرَّجُلِ " لِلْمُبَالَغَةِ وَبَيَانِ أَنَّهُ الْكَامِلُ فِي الرُّجُولِيَّةِ. فَإِنْ زَعَمَ الْخَصْمُ أَنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ أَنْ يَكُونَ اللَّامُ لِلْمَاهِيَّةِ فِي قَوْلِنَا: زَيْدٌ الْعَالِمُ؛ إِذْ قَدْ يُخْبَرُ بِالْأَعَمِّ عَنِ الْأَخَصِّ بِخِلَافِ قَوْلِنَا: الْعَالِمُ زَيْدٌ، فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يُخْبَرَ عَنِ الْأَعَمِّ بِالْأَخَصِّ - فَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْإِخْبَارِ عَنِ الْأَخَصِّ بِالْأَعَمِّ تَنْكِيرُ الْأَعَمِّ، فَحِينَئِذٍ يَتَعَذَّرُ أَنْ يَكُونَ اللَّامُ فِي قَوْلِنَا: زَيْدٌ الْعَالِمُ، لِلْمَاهِيَّةِ. فَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ أَنْ يَكُونَ اللَّامُ فِي قَوْلِنَا: زَيْدٌ الْعَالِمُ، لِلْعَهْدِ ; فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِزَيْدٍ بِقَرِينَةِ التَقَدُّمِ، بِخِلَافِ قَوْلِنَا: الْعَالِمُ زَيْدٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّامُ فِيهِ لِزَيْدٍ؛ إِذْ لَا قَرِينَةَ، فَهُوَ غَلَطٌ أَيْضًا ; لِوُجُوبِ اسْتِقْلَالِ الْخَبَرِ بِالتَّعْرِيفِ مُنْقَطِعًا عَنْ زَيْدٍ، كَالْمَوْصُولِ ; فَإِنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِالتَّعْرِيفِ. وَهَذَا الِاسْتِقْلَالُ يَمْنَعُ كَوْنَ اللَّامِ لِزَيْدٍ لِتَوَقُّفِ تَعْرِيفِهِ حِينَئِذٍ عَلَى تَقَدُّمِ قَرِينَةِ زَيْدٍ. [النَّسْخُ] [تعريف النسخ] ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْمُبَاحَثَاتِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ الثَّلَاثَةِ شَرَعَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَقَطْ. وَهُوَ النَّسْخُ. وَالنَّسْخُ فِي اللُّغَةِ: الْإِزَالَةُ ; يُقَالُ: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ؛ أَيْ أَزَالَتِ الظِّلَّ. وَالنَّقْلُ أَيْضًا؛ يُقَالُ: نَسَخْتُ الْكِتَابَ، أَيْ نَقَلْتُهُ، وَنَسَخْتُ النَّحْلَ، أَيْ نَقَلْتُهُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى آخَرَ. وَمِنْهُ الْمُنَاسَخَاتُ ; لِانْتِقَالِهِ مِنْ وَارِثٍ إِلَى آخَرَ. وَلَمَّا وَقَعَ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ النَّسْخِ فِي الْإِزَالَةِ وَالنَّقْلِ - قِيلَ: إِنَّهُ مُشْتَرِكٌ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاسْتِعْمَالِ: الْحَقِيقَةُ. وَقِيلَ: حَقِيقَةٌ لِلْأَوَّلِ مَجَازٌ فِي الثَّانِي. وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ. وَالْأَخِيرَانِ أَوْلَى مِنَ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ الْمَجَازَ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لَكِنَّهُ خَيْرٌ مِنَ الِاشْتِرَاكِ.

стр. 1236

النَّسْخُ ص - النَّسْخُ: الْإِزَالَةُ؛ نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ. وَالنَّقْلُ، نَسَخْتُ الْكِتَابَ، وَنَسَخْتُ النَّحْلَ. وَمِنْهُ الْمُنَاسَخَاتُ. فَقِيلَ: مُشْتَرَكٌ. وَقِيلَ: لِلْأَوَّلِ. وَقِيلَ: لِلثَّانِي. وَفِي الِاصْطِلَاحِ: رَفْعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُتَأَخِّرٍ. فَيَخْرُجُ الْمُبَاحُ بِحُكْمِ الْأَصْلِ. وَالرَّفْعُ بِالنَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ. وَبِنَحْوِ: صَلِّ إِلَى آخِرِ الشَّهْرِ. وَنَعْنِي بِالْحُكْمِ: مَا يَحْصُلُ عَلَى الْمُكَلَّفِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، فَإِنَّ الْوُجُوبَ الْمَشْرُوطَ بِالْعَقْلِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ انْتِفَائِهِ قَطْعًا. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1237

فَلَا يَرِدُ: الْحُكْمُ قَدِيمٌ فَلَا يَرْتَفِعُ؛ لِأَنَّا لَمْ نُعَيِّنْهُ. وَالْقَطْعُ بِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ تَحْرِيمُ شَيْءٍ بَعْدَ وُجُوبِهِ انْتَفَى الْوُجُوبُ، وَهُوَ الْمَعْنَى الرَّفْعُ. ص - الْإِمَامُ: اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى ظُهُورِ انْتِفَاءِ شَرْطِ دَوَامِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ. فَيَرِدُ أَنَّ اللَّفْظَ دَلِيلُ النَّسْخِ (لَا نَفْسُهُ) . وَلَا يَطَّرِدُ ; فَإِنَّ لَفْظَ الْعَدْلِ نَسَخَ حُكْمَ كَذَا لَيْسَ بِنَسْخٍ. وَلَا يَنْعَكِسُ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِفِعْلِهِ ﵇. ثُمَّ حَاصِلُهُ: اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى النَّسْخِ ; لِأَنَّهُ فَسَّرَ الشَّرْطَ بِانْتِفَاءِ النَّسْخِ، وَانْتِفَاءُ انْتِفَائِهِ حُصُولُهُ. وَقَالَ الْغَزَّالِيُّ ﵀ الْخِطَابُ الدَّالُّ عَلَى ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَفِي الِاصْطِلَاحِ: رَفْعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُتَأَخِّرٍ؛ فَقَوْلُهُ: " رَفْعُ الْحُكْمِ " كَالْجِنْسِ يَشْمَلُ النَّسْخَ وَغَيْرَهُ. وَقَوْلُهُ: " الشَّرْعِيِّ " يُخْرِجُ رَفْعَ الْمُبَاحِ الَّذِي ثَبَتَ بِالْأَصْلِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ. وَقَوْلُهُ: " بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ " يُخْرِجُ رَفْعَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِالنَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ ; فَإِنَّ رَفْعَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَنِ النَّائِمِ وَالْغَافِلِ بِالنَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ. (قِيلَ: لِقَائِلٍ أَنْ يَمْنَعَ كَوْنَ الرَّفْعِ بِالنَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ) لَا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، بَلْ هُوَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» ) ". فَالْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُ: " بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ " احْتِرَازٌ عَنِ الرَّفْعِ بِالْمَوْتِ. وَهَذَا لَيْسَ بِوَارِدٍ ; إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَيِّتِ وَالنَّائِمِ وَالْغَافِلِ فِي رَفْعِ الْحُكْمِ عَنْهُمْ، لِأَنَّا عَلِمْنَا بِالْعَقْلِ أَنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ: التَّعَقُّلُ، وَكَمَا أَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَعْقِلُ التَّكْلِيفَ، فَكَذَلِكَ النَّائِمُ وَالْغَافِلُ لَا يَعْقِلَانِ

стр. 1239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] التَّكْلِيفَ. وَقَوْلُهُ ﵇ " «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّافِعَ هُوَ النَّوْمُ وَالنِّسْيَانُ، لَا أَنَّ الرَّافِعَ هُوَ هَذَا الْقَوْلُ. وَقَوْلُهُ: " مُتَأَخِّرٍ " احْتِرَازٌ عَنْ رَفْعِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ غَيْرِ مُتَأَخِّرٍ، مِثْلَ الرَّفْعِ بِالْمُتَّصِلِ مُسْتَقِلًّا؛ مِثْلَ مَا إِذَا قَالَ - عُقَيْبَ قَوْلِهِ: اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ: لَا تَقْتُلُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ، أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ؛ كَالرَّفْعِ بِالِاسْتِثْنَاءِ، كَمَا يَقُولُ: صُومُوا هَذَا الشَّهْرَ إِلَّا الْيَوْمَ الْعَاشِرَ مِنْهُ، وَكَالرَّفْعِ بِالْغَايَةِ؛ مِثْلَ: صَلِّ إِلَى آخِرِ الشَّهْرِ. وَكَالرَّفْعِ بِالشَّرْطِ مِثْلَ: صَلِّ إِنْ كُنْتَ صَحِيحًا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ يُطْلَقُ تَارَةً عَلَى الْخِطَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ تَعَلُّقًا عِلْمِيًّا، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَدِيمًا، وَيُطْلَقُ تَارَةً عَلَى الْخِطَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ تَعَلُّقًا خَارِجِيًّا. وَالْحُكْمُ بِهَذَا الْمَعْنَى يَحْصُلُ عَلَى الْمُكَلَّفِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِهَذَا الْمَعْنَى مَشْرُوطٌ بِالتَّعَقُّلِ ; لِأَنَّ التَّعَلُّقَ الْخَارِجِيَّ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ التَّعَقُّلِ، فَيَكُونُ حَادِثًا ; لِأَنَّ الْوُجُوبَ الْمَشْرُوطَ بِالْعَقْلِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْعَقْلِ قَطْعًا.

стр. 1240

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَحِينَئِذٍ لَا يَرِدُ قَوْلُهُمْ: الْحُكْمُ قَدِيمٌ، وَالْقَدِيمُ لَا يُرْفَعُ، فَلَا يَنْعَكِسُ التَّعْرِيفُ؛ لِصِدْقِ الْمَحْدُودِ بِدُونِ الْحَدِّ ; لِأَنَّا لَمْ نَعْنِ بِالْحُكْمِ الْحُكْمَ الْقَدِيمَ الَّذِي لَا يَرْتَفِعُ؛ بَلْ نَعْنِ بِهِ الْحُكْمَ الْحَادِثَ الَّذِي يُمْكِنُ رَفْعُهُ، لِأَنَّا نَقْطَعُ أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ تَحْرِيمُ شَيْءٍ بَعْدَ وُجُوبِهِ انْتَفَى وُجُوبُهُ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَنْتَفِي التَّعَلُّقُ الْخَارِجِيُّ الَّذِي هُوَ جُزْءٌ مِنْ مَفْهُومِ الْوُجُوبِ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِالرَّفْعِ. وَهَذَا التَّعْرِيفُ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ ; لِأَنَّهُ دَخَلَ فِيهِ الْبَيَانُ بِالتَّخْصِيصِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ رُفِعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ. ش - عَرَّفَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ النَّسْخَ بِأَنَّهُ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى ظُهُورِ انْتِفَاءِ شَرْطِ دَوَامِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ اللَّفْظَ دَلِيلُ النَّسْخِ، لَا نَفْسُهُ. وَبِأَنَّهُ لَا يَطَّرِدُ الْحَدَّ، فَإِنَّ لَفْظَ الْعَدْلِ نَسَخَ حُكْمَ كَذَا، يَصْدُقُ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدُّ ; لِأَنَّهُ لَفْظٌ دَالٌّ عَلَى ظُهُورِ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ لِكَوْنِهِ لَفْظَ عَدْلٍ وَظُهُورِ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ. وَلَفْظُ الْعَدْلِ لَيْسَ بِنَسْخٍ بِالِاتِّفَاقِ. وَبِأَنَّهُ لَا يَنْعَكِسُ ; لِأَنَّ النَّسْخَ قَدْ يَكُونُ بِفِعْلِ الرَّسُولِ ﵇ فَيُوجَدُ الْحَدُّ بِدُونِ الْمَحْدُودِ. وَبِأَنَّ حَاصِلَ الْحَدِّ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ النَّسْخَ هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى النَّسْخِ، فَيَكُونُ تَعْرِيفَ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ. وَهُوَ بَاطِلٌ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ حَاصِلَهُ يَرْجِعُ إِلَى هَذَا، لِأَنَّ الْإِمَامَ فَسَّرَ شَرْطَ دَوَامِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ بِانْتِفَاءِ النَّسْخِ، فَانْتِفَاءُ شَرْطِ الدَّوَامِ انْتِفَاءُ انْتِفَاءِ النَّسْخِ، وَانْتِفَاءُ انْتِفَاءِ النَّسْخِ حُصُولُ النَّسْخِ، فَيَكُونُ مَعْنَى ظُهُورِ انْتِفَاءِ شَرْطِ دَوَامِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ: ظُهُورَ النَّسْخِ، وَيَلْزَمُ مَا ذَكَرْنَا.

стр. 1241

الثَّابِتِ بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى وَجْهٍ لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ. وَأَوْرَدَ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ. وَأَنَّ قَوْلَهُ: عَلَى وَجْهٍ إِلَى آخِرِهِ، زِيَادَةٌ. وَقَالَتِ الْفُقَهَاءُ: النَّصُّ الدَّالُّ عَلَى انْتِهَاءِ أَمَدِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مَعَ التَّأْخِيرِ عَنْ مَوْرِدِهِ. وَأَوْرَدَ الثَّلَاثَةَ. فَإِنْ فَرُّوا مِنَ الرَّفْعِ لِكَوْنِ الْحُكْمِ قَدِيمًا، وَالتَّعَلُّقِ قَدِيمًا - فَانْتِهَاءُ أَمَدِ الْوُجُوبِ يُنَافِي بَقَاءَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَعْنَى الرَّفْعِ. وَإِنْ فَرُّوا لِأَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ تَعَلُّقٌ بِمُسْتَقْبَلٍ لَزِمَ مَنْعُ النَّسْخِ قَبْلَ الْفِعْلِ، كَالْمُعْتَزِلَةِ. وَإِنْ كَانَ لِأَنَّهُ بَيَانُ أَمَدِ التَّعَلُّقِ بِالْمُسْتَقْبَلِ الْمَظْنُونِ اسْتِمْرَارُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ زَوَالِهِ. الْمُعْتَزِلَةُ: اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى أَنَّ مِثْلَ الْحُكْمِ الثَّابِتِ (بِالنَّصِّ ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1242

الْمُتَقَدِّمِ) زَائِلٌ عَلَى وَجْهٍ لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا. فَيُرَدُّ مَا عَلَى الْغَزَّالِيِّ. وَالْمُقَيَّدُ بِالْمَرَّةِ بِفِعْلٍ. ص - وَالْإِجْمَاعُ عَلَى الْجَوَازِ وَالْوُقُوعِ. وَخَالَفَتِ الْيَهُودُ فِي الْجَوَازِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَرَامَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ إِصْلَاحَ هَذَا التَّعْرِيفِ وَدَفْعَ الِاعْتِرَاضَاتِ وَقَالَ: الْمُرَادُ بِاللَّفْظِ: التَّلَفُّظُ، وَاللَّامُ فِيهِ عِوَضُ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ تَلَفُّظُ الشَّرْعِ. وَالْمُرَادُ بِانْتِفَاءِ شَرْطِ دَوَامِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ: حُصُولُ حُكْمٍ لَا يُجَامِعُ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ، فَحِينَئِذٍ لَا يَرِدُ أَنَّ اللَّفْظَ دَلِيلُ النَّسْخِ ; لِأَنَّ الْمَلْفُوظَ دَلِيلُ النَّسْخِ، لَا اللَّفْظَ، وَاللَّفْظُ: بَيَانُ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ، وَهُوَ النَّسْخُ. وَيَطَّرِدُ ; لِأَنَّ قَوْلَ الْعَدْلِ لَيْسَ لَفْظَ الشَّرْعِ. وَيَكُونُ حَاصِلُ التَّعْرِيفِ أَنَّهُ لَفْظٌ دَالٌّ عَلَى ظُهُورِ حُكْمٍ لَا يُجَامِعُ الْأَوَّلَ، فَلَا دَوْرَ. وَالْفِعْلُ يَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ لَا أَنَّهُ نَسْخٌ، بِخِلَافِ اللَّفْظِ فَإِنَّهُ الْإِتْيَانُ بِالْمَلْفُوظِ الَّذِي هُوَ الدَّلِيلُ، فَيَكُونُ نَسْخًا. هَذَا مَا قَالَهُ. وَفِيهِ نَظَرٌ. لِأَنَّ اللَّفْظَ هُوَ الْمَلْفُوظُ لَا التَّلَفُّظُ ; لِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ دَالًّا، وَالدَّالُّ هُوَ الْمَلْفُوظُ، لَا التَّلَفُّظُ، فَحِينَئِذٍ يُرَدُّ الِاعْتِرَاضُ الْأَوَّلُ وَالثَّالِثُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: الْمُرَادُ مِنَ انْتِفَاءِ شَرْطِ دَوَامِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ: حُصُولُ حُكْمٍ لَا يُجَامِعُ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ - فَبَاطِلٌ؛ إِذْ لَا دَلَالَةَ لِانْتِفَاءِ شَرْطِ دَوَامِ

стр. 1244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الْحُكْمِ الْأَوَّلِ عَلَى حُصُولِ حُكْمٍ لَا يُجَامِعُ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ بِالْمُطَابَقَةِ وَلَا بِالتَّضَمُّنِ وَلَا بِالِالْتِزَامِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِاللَّفْظِ مَا لَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ. وَالْمُصَنِّفُ أَوْرَدَ الِاعْتِرَاضَ الرَّابِعَ بِنَاءً عَلَى تَفْسِيرِ الْإِمَامِ الشَّرْطَ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ وَارِدٌ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: اللَّامُ فِي اللَّفْظِ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَهُوَ الشَّرْعُ، قُلْنَا: لَمْ يَتَحَقَّقْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ الْغَزَّالِيُّ فِي تَعْرِيفِ النَّسْخِ: إِنَّهُ الْخِطَابُ الدَّالُّ عَلَى ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى وَجْهٍ لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ. فَقَوْلُهُ: الْخِطَابُ الدَّالُّ، كَالْجِنْسِ يَشْمَلُ النَّسْخَ وَغَيْرَهُ، وَإِنَّمَا قَالَ: الْخِطَابُ، وَلَمْ يَقُلِ النَّصُّ ; لِيَكُونَ شَامِلًا لِلَّفْظِ وَالْفَحْوَى وَالْمَفْهُومِ إِذْ يَجُوزُ النَّسْخُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: الدَّالُّ عَلَى ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ (يُخْرِجُ الْخِطَابَ الْمُقَرِّرَ لِلْحُكْمِ) . وَإِنَّمَا قَالَ: ارْتِفَاعُ الْحُكْمِ، وَلَمْ يَقُلِ ارْتِفَاعُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ; لِيَعُمَّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْحُكْمِ مِنَ النَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ، فَإِنَّ جَمِيعَ

стр. 1245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] ذَلِكَ قَدْ يُنْسَخُ. وَقَوْلُهُ: الثَّابِتُ بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ، يُخْرِجُ الْخِطَابَ الدَّالَّ عَلَى ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْأَصْلِ. وَقَوْلُهُ: عَلَى وَجْهٍ لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا. احْتِرَازٌ عَنِ الْخِطَابِ الدَّالِّ عَلَى ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ الَّذِي لَهُ وَقْتٌ مَحْدُودٌ، مِثْلَ: لَا تَصُومُوا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، بَعْدَ مَا إِذَا قَالَ: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ; فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ نَسْخًا؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ دَالًّا عَلَى ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ، لَكِنْ لَا يَكُونُ عَلَى وَجْهٍ لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا. وَقَوْلُهُ: مَعَ تَرَاخِيهِ؛ احْتِرَازٌ عَنِ الْخِطَابِ الدَّالِّ عَلَى ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ، إِذَا كَانَ مُتَّصِلًا بِهِ، كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالصِّفَةِ وَالْغَايَةِ وَالشَّرْطِ؛ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ نَسْخًا، بَلْ بَيَانًا وَإِتْمَامًا لِمَعْنَى الْكَلَامِ. ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيَرُدُّ عَلَى هَذَا الْحَدِّ الثَّلَاثُ الْأُوَلُ الْوَارِدَةُ عَلَى الْحَدِّ الْمُتَقَدِّمِ. فَإِنَّ الْخِطَابَ دَلِيلُ النَّسْخِ، لَا نَفْسُهُ.

стр. 1246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَإِنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْعَدْلِ نَسَخَ حُكْمَ كَذَا - نَسْخًا. وَأَنَّ النَّسْخَ قَدْ يَكُونُ بِفِعْلِ الرَّسُولِ، ﵇، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِخِطَابٍ. وَيَرِدُ أَيْضًا: أَنَّ قَوْلَهُ: عَلَى وَجْهٍ لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا مَعَ تَرَاخِيهِ، زِيَادَةٌ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ فِي التَّعْرِيفِ. وَلَا يَرِدُ الثَّانِي ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْخِطَابِ خِطَابُ الشَّارِعِ ; لِأَنَّهُ السَّابِقُ إِلَى الْفَهْمِ عِنْدَ إِطْلَاقِ الْخِطَابِ، بِخِلَافِ اللَّفْظِ فَإِنَّهُ لَا يَسْبِقُ مِنْ إِطْلَاقِهِ لَفْظَ الشَّارِعِ. وَالْفُقَهَاءُ لَمَّا لَمْ يَعْقِلُوا الرَّفْعَ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَرَّفُوا النَّسْخَ بِأَنَّهُ: النَّصُّ الدَّالُّ عَلَى انْتِهَاءِ أَمَدِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مَعَ التَّأْخِيرِ عَنْ مَوْرِدِهِ، أَيْ عَنْ زَمَانِ وُرُودِهِ. وَالْمُرَادُ بِالنَّصِّ: مَا يُقَابِلُ الْإِجْمَاعَ وَالْقِيَاسَ. وَأَوْرَدَ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ الثَّلَاثَةَ الْأُولَى الْوَارِدَةَ عَلَى الْحَدَّيْنِ الْأَوَّلَيْنِ؛ يَعْنِي كَوْنَ النَّصِّ دَلِيلَ النَّسْخِ، لَا نَفْسَهُ، وَعَدَمَ الِاطِّرَادِ، وَعَدَمَ الِانْعِكَاسِ. وَالْحَقُّ أَنَّ عَدَمَ الِاطِّرَادِ غَيْرُ وَارِدٍ ; لِأَنَّ النَّصَّ لَا يُطْلَقُ عَلَى لَفْظِ الْعَدْلِ. وَكَذَا عَدَمُ الِانْعِكَاسِ، غَيْرُ وَارِدٍ ; لِأَنَّ النَّصَّ يَتَنَاوَلُ فِعْلَ الرَّسُولِ، ﵇.

стр. 1247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالْمُصَنِّفُ بَيَّنَ أَنَّ فِرَارَهُمْ عَنْ إِطْلَاقِ الرَّفْعِ عَلَى النَّسْخِ لَا وَجْهَ لَهُ ; لِأَنَّهُمْ إِنْ فَرُّوا مِنَ الرَّفْعِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدِيمٌ، وَالتَّعَلُّقَ الْمَعْنَوِيَّ أَيْضًا قَدِيمٌ، وَالْقَدِيمُ لَا يُرْفَعُ، فَانْتِهَاءُ أَمَدِ الْوُجُوبِ يُنَافِي بَقَاءَ الْوُجُوبِ عَلَى الْمُكَلَّفِ ; لِأَنَّهُ إِذَا انْتَهَى أَمَدُ الْوُجُوبِ لَمْ يَبْقَ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ. وَلَا نَعْنِي بِالرَّفْعِ إِلَّا عَدَمَ بَقَاءِ الْحُكْمِ عَلَى الْمُكَلَّفِ، فَيَلْزَمُ وُقُوعُهُمْ فِيمَا فَرُّوا عَنْهُ. وَإِنْ فَرُّوا عَنْ إِطْلَاقِ النَّسْخِ، لِأَنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا كَانَ لِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالْفِعْلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَتَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِالْفِعْلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا يُرْفَعُ؛ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَمْ يُوجَدْ، وَمَا لَمْ يُوجَدْ، لَا يَرْتَفِعُ - لَزِمَهُمْ مَنْعُ نَسْخِ الْحُكْمِ قَبْلَ الْوَقْتِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ. وَالْفُقَهَاءُ يُجَوِّزُونَ نَسْخَ الْحُكْمِ قَبْلَ الْوَقْتِ. وَإِنْ فَرُّوا عَنِ الرَّفْعِ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِالْمُسْتَقْبَلِ يُظَنُّ دَوَامُهُ وَاسْتِمْرَارُهُ، وَالنَّسْخُ بَيَانُ أَمَدِ التَّعَلُّقِ بِالْمُسْتَقْبَلِ الْمَظْنُونِ اسْتِمْرَارُهُ - فَلَا بُدَّ مِنْ زَوَالِ التَّعَلُّقِ الْمَذْكُورِ ; لِأَنَّ بَعْدَ بَيَانِ الْأَمَدِ لَا يَبْقَى ظَنُّ الِاسْتِمْرَارِ، فَصَحَّ إِطْلَاقُ الرَّفْعِ حِينَئِذٍ عَلَيْهِ. قِيلَ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: زَوَالُهُ جَازَ أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ

стр. 1248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الْمُقْتَضَى، فَصَحَّ مَا قَالَ الْفُقَهَاءُ، وَلَا يَصِحُّ مَا قُلْتُمْ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ رَفْعًا بِدَلِيلٍ آخَرَ. وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْمُقْتَضَى لَا يَخْلُوا إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَحَقِّقًا، أَوْ لَا. وَالثَّانِي بَاطِلٌ وَإِلَّا لَمْ يَتَحَقَّقِ الْحُكْمُ. وَالْأَوَّلُ لَا يَخْلُوا إِمَّا أَنْ يَنْعَدِمَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ. وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ. وَالثَّانِي يَلْزِمُ مِنْهُ رَفْعُ الْحُكْمِ بِدَلِيلٍ مُتَأَخِّرٍ. وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: النَّسْخُ: اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى أَنَّ مِثْلَ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ الْمُتَقَدِّمِ زَائِلٌ عَلَى وَجْهٍ لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا. وَهَذَا التَّعْرِيفُ قَرِيبٌ مِمَّا ذَكَرَهُ الْغَزَّالِيُّ، فَلِهَذَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا يَرُدُّ عَلَى تَعْرِيفِ الْغَزَّالِيِّ. وَيَرُدُّ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ خَاصَّةً الْأَمْرُ الْمُقَيَّدُ بِمَرَّةٍ إِذَا وَرَدَ بَعْدَهُ نَصٌّ دَالٌّ عَلَى زَوَالِ حُكْمِهِ؛ فَإِنَّهُ نَسْخٌ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَى زَوَالِ مِثْلِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ، بَلْ عَلَى زَوَالِ ذَلِكَ الْحُكْمِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا غَيْرُ وَارِدٍ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ ; لِأَنَّهُمْ لَا يُجَوِّزُونَ نَسْخَ الْحُكْمِ قَبْلَ الْفِعْلِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ الْأَمْرُ الْمُقَيَّدُ بِالْمَرَّةِ عِنْدَهُمْ. [الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ وُقُوعِ النسخ] ش - أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ وَعَلَى الْوُقُوعِ أَيْضًا. وَخَالَفَتِ الْيَهُودُ فِي الْجَوَازِ وَأَبُو مُسْلِمٍ

стр. 1249

وَأَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي الْوُقُوعِ. لَنَا: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ. وَإِنِ اعْتُبِرَتِ الْمَصَالِحُ فَالْقَطْعُ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ (قَدْ) تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ. وَفِي التَّوْرَاةِ أَنَّهُ أَمَرَ آدَمَ ﵇ بِتَزْوِيجِ بَنَاتِهِ مِنْ بَنِيهِ. وَقَدْ حُرِّمَ ذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ. وَاسْتَدَلَّ بِإِبَاحَةِ السَّبْتِ ثُمَّ تَحْرِيمِهِ، وَبِجَوَازِ الْخِتَانِ ثُمَّ إِيجَابِهِ يَوْمَ الْوِلَادَةِ عِنْدَهُمْ. وَبِجَوَازِ الْأُخْتَيْنِ، ثُمَّ التَّحْرِيمِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ رَفْعَ مُبَاحِ الْأَصْلِ لَيْسَ بِنَسْخٍ. ص - قَالُوا: لَوْ نُسِخَتْ شَرِيعَةُ مُوسَى ﵇ لَبَطَلَ قَوْلُ مُوسَى الْمُتَوَاتِرِ: هَذِهِ شَرِيعَةٌ مُؤَبَّدَةٌ. قُلْنَا: مُخْتَلَقٌ. قِيلَ: مِنَ ابْنِ الرَّاوَنْدِيِّ. وَالْقَطْعُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَهُمْ صَحِيحًا - لَقَضَتِ الْعَادَةُ بِقَوْلِهِ ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الْأَصْفَهَانِيُّ فِي الْوُقُوعِ. وَانْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْوُقُوعِ مَعَ مُخَالَفَةِ أَبِي مُسْلِمٍ، مَحْمُولٌ إِمَّا عَلَى إِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ، وَإِمَّا عَلَى مَذْهَبِ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ أَنَّ مُخَالَفَةَ الْوَاحِدِ لَا يُخِلُّ بِالْإِجْمَاعِ. وَاحْتَجَّ عَلَى الْجَوَازِ بِالْقَطْعِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِيلُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَأْمُرَ عِبَادَهُ بِفِعْلٍ فِي وَقْتٍ ثُمَّ يَرْفَعُهُ عَنْهُمْ. وَإِنِ اعْتُبِرَتِ الْمَصَالِحُ - كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ؛ وَهُوَ أَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى تَابِعَةٌ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ - فَالْجَوَازُ أَيْضًا ثَابِتٌ؛ إِذْ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ

стр. 1251

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] يَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى اسْتِلْزَامَ الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ فِي وَقْتٍ لِمَصْلَحَةٍ وَاسْتِلْزَامَ رَفْعِهِ فِي وَقْتٍ آخَرَ لِمَصْلَحَةٍ ; لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ قَدْ تَخْتَلِفُ بِالْأَوْقَاتِ كَمَا تَخْتَلِفُ بِالْأَشْخَاصِ. وَأَيْضًا: قَدْ وَرَدَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَمَرَ بِتَزْوِيجِ بَنَاتِهِ مِنْ بَنِيهِ، وَقَدْ حُرِّمَ ذَلِكَ، يَعْنِي تَزْوِيجَ الْبَنَاتِ مِنَ الْبَنِينَ بِالِاتِّفَاقِ، فَيَكُونُ النَّسْخُ وَاقِعًا، وَالْوُقُوعُ دَلِيلُ الْجَوَازِ. وَاسْتُدِلَّ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ بِأَنَّ إِبَاحَةَ الْعَمَلِ يَوْمَ السَّبْتِ كَانَتْ ثَابِتَةً، ثُمَّ نُسِخَتِ الْإِبَاحَةُ وَحُرِّمَ الْعَمَلُ يَوْمَ السَّبْتِ. وَبِأَنَّ جَوَازَ الْخِتَانِ كَانَ حَاصِلًا، ثُمَّ صَارَ وَاجِبًا يَوْمَ الْوِلَادَةِ عِنْدَهُمْ. وَبِأَنَّ جَوَازَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ كَانَ ثَابِتًا، ثُمَّ نُسِخَ الْجَوَازُ وَثَبَتَ التَّحْرِيمُ، فَيَكُونُ النَّسْخُ وَاقِعًا. وَالْوُقُوعُ دَلِيلُ الْجَوَازِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ هَذِهِ الصُّوَرَ كَانَتْ مُبَاحَةً بِدَلِيلِ الْأَصْلِ؛ وَرَفْعُ مُبَاحِ الْأَصْلِ لَيْسَ بِنَسْخٍ. [الشبه التى تمسك بها اليهود في عدم جواز النسخ] ش - تَمَسَّكَ الْيَهُودُ فِي عَدَمِ جَوَازِ النَّسْخِ بِخَمْسِ شُبَهٍ. الشُّبْهَةُ الْأُولَى - تَقْرِيرُهَا أَنْ يُقَالَ: لَوْ نُسِخَتْ شَرِيعَةُ مُوسَى لَبَطَلَ قَوْلُ مُوسَى: هَذِهِ شَرِيعَةٌ مُؤَبَّدَةٌ عَلَيْكُمْ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ، لِأَنَّ مُوسَى ﵇ رَسُولٌ صَادِقٌ بِاتِّفَاقٍ فَلَا يَبْطُلُ قَوْلُهُ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ قَوْلَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ شَرِيعَتَهُ مُؤَبَّدَةٌ، فَلَوْ نُسِخَتْ يَلْزَمُ بُطْلَانُ قَوْلِهِ. أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُخْتَلَقٌ أَيْ مُفْتَرًى. قِيلَ: إِنَّ هَذَا الْكَذِبَ إِنَّمَا وَقَعَ مِنَ ابْنِ الرَّوَانْدِيِّ لِيُعَارِضَ

стр. 1252

لَهُ ﵇. ص - قَالُوا: إِنْ نَسَخَ لِحِكْمَةٍ ظَهَرَتْ لَهُ، لَمْ تَكُنْ ظَاهِرَةً لَهُ - فَهُوَ الْبَدَاءُ، وَإِلَّا فَعَبَثٌ. وَأُجِيبُ - بَعْدَ اعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ -: أَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ وَالْأَحْوَالِ، كَمَنْفَعَةِ شُرْبِ دَوَاءٍ فِي وَقْتٍ أَوْ حَالٍ وَضَرَرِهِ فِي آخَرَ، فَلَمْ يَتَجَدَّدْ ظُهُورُ مَا لَمْ يَكُنْ. ص - قَالُوا: إِنْ كَانَ مُقَيَّدًا فَلَيْسَ بِنَسْخٍ. وَإِنْ دَلَّ عَلَى التَّأْبِيدِ لَمْ يُقْبَلْ لِلتَّنَاقُضِ بِأَنَّهُ مُؤَبَّدٌ لَيْسَ بِمُؤَبَّدٍ. وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَعَذُّرِ الْإِخْبَارِ بِالتَّأْبِيدِ، وَإِلَى نَفْيِ الْوُثُوقِ بِتَأْبِيدِ حُكْمٍ مَا. وَإِلَى جَوَازِ نَسْخِ شَرِيعَتِكُمْ. أُجِيبُ بِأَنَّ تَقْيِيدَ الْفِعْلِ الْوَاجِبِ بِالتَّأْبِيدِ، لَا يَمْنَعُ النَّسْخَ، كَمَا ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] بِهِ دَعْوَى الرِّسَالَةِ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَالْقَطْعُ حَاصِلٌ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحًا عِنْدَهُمْ لَذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ; إِذِ الْعَادَةُ تَقْضِي بِقَوْلِهِ لِلنَّبِيِّ، ﵇، وَلَمَّا لَمْ يَذْكُرُوا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَهُمْ. ش - الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ - لَوْ جَازَ النَّسْخُ - لَجَازَ الْبَدَاءُ أَوِ الْعَبَثُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَالتَّالِي بَاطِلٌ لِاسْتِحَالَةِ الْبَدَاءِ الَّذِي هُوَ الظُّهُورُ بَعْدَ الْخَفَاءِ عَلَى اللَّهِ الَّذِي ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٣] وَلِاسْتِحَالَةِ الْعَبَثِ.

стр. 1254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ النَّسْخَ إِنْ كَانَ لِحِكْمَةٍ ظَهَرَتْ لِلَّهِ تَعَالَى لَمْ تَكُنْ ظَاهِرَةً لَهُ قَبْلَ النَّسْخِ - يَلْزَمُ الْبَدَاءُ، لِأَنَّ الْبَدَاءَ: ظُهُورُ مَا لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا. وَإِلَّا - أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِحِكْمَةٍ ظَهَرَتْ لَهُ لَمْ تَكُنْ ظَاهِرَةً لَهُ قَبْلَ النَّسْخِ يَلْزَمُ الْعَبَثُ. أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى تَابِعَةٌ لِلْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ، وَهُوَ قَاعِدَةُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ، وَقَدْ أَبْطَلْنَاهَا. وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى تَابِعَةٌ لِلْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ فَالْمَصَالِحُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ وَالْأَحْوَالِ، كَمَنْفَعَةِ شُرْبِ دَوَاءٍ فِي وَقْتٍ وَحَالٍ وَضَرَرِهِ فِي آخَرَ، فَيَجُوزُ أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى اسْتِلْزَامَ الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ فِي وَقْتٍ لِمَصْلَحَةٍ، وَاسْتِلْزَامَ نَسْخِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ لِمَصْلَحَةٍ أُخْرَى، فَلَمْ يَتَجَدَّدْ ظُهُورُ مَا لَمْ يَكُنْ. ش - الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ - الْخِطَابُ الْوَارِدُ عَلَيْهِ النَّسْخُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا أَيْ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، وَانْتِهَاءُ الْحُكْمِ بِنَفْسِهِ لَا يَكُونُ نَسْخًا. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ دَالًّا عَلَى التَّأْبِيدِ، فَلَا يَقْبَلُ النَّسْخَ؛ لِأَرْبَعَةِ وُجَوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ قَبِلَ النَّسْخَ لَلَزِمَ التَّنَاقُضُ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ الْمُقَيَّدَ بِالتَّأْبِيدِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ مُؤَبَّدٌ. وَالنَّسْخُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُؤَبَّدٍ، لَيْسَ بِمُؤَبَّدٍ، وَهُوَ التَّنَاقُضُ. الثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ قُبِلَ النَّسْخُ لَأَدَّى إِلَى تَعَذُّرِ الْإِخْبَارِ بِالتَّأْبِيدِ ; لِأَنَّ الْإِخْبَارَ بِالتَّأْبِيدِ إِنَّمَا هُوَ لِتَعْرِيفِ الْمُخَاطَبِ التَّأْبِيدَ، وَلَا طَرِيقَ لِلْمُخَاطَبِ إِلَى مَعْرِفَةِ التَّأْبِيدِ، لِجَوَازِ طَرَيَانِ النَّسْخِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَى التَّأْبِيدِ. الثَّالِثُ - أَنَّهُ لَوْ قُبِلَ النَّسْخُ لَأَدَّى إِلَى نَفْيِ الْوُثُوقِ بِتَأْبِيدِ

стр. 1255

لَوْ كَانَ مُعَيَّنًا مِثْلَ: صُمْ رَمَضَانَ، ثُمَّ يُنْسَخُ قَبْلَهُ، فَهَذَا أَجْدَرُ. وَقَوْلُهُ: صُمْ رَمَضَانَ أَبَدًا بِالنَّصِّ يُوجِبُ أَنَّ الْجَمِيعَ مُتَعَلِّقٌ بِالْوُجُوبِ. وَلَا يَلْزَمُ الِاسْتِمْرَارُ، فَلَا تَنَاقُضَ. كَالْمَوْتِ. وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ أَنْ يُخْبِرَ بِأَنَّ الْوُجُوبَ بَاقٍ أَبَدًا، ثُمَّ يُنْسَخَ. ص - قَالُوا: لَوْ جَازَ لَكَانَ قَبْلَ وُجُودِهِ، أَوْ بَعْدَهُ أَوْ مَعَهُ. وَارْتِفَاعُهُ قَبْلَ وُجُودِهِ أَوْ بَعْدَهُ بَاطِلٌ، وَمَعَهُ أَجْدَرُ؛ لِاسْتِحَالَةِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ. قُلْنَا: الْمُرَادُ أَنَّ التَّكْلِيفَ الَّذِي كَانَ زَالَ، كَالْمَوْتِ ; لَا أَنَّ الْفِعْلَ يَرْتَفِعُ. ص - قَالُوا: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْبَارِي عَلِمَ اسْتِمْرَارَهُ أَبَدًا فَلَا نَسْخَ، أَوْ إِلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ فَلَيْسَ بِنَسْخٍ، قُلْنَا: إِلَى الْوَقْتِ (الْمُعَيَّنِ) الَّذِي عَلِمَ أَنَّهُ يَنْسَخُهُ فِيهِ. وَعِلْمُهُ بِارْتِفَاعِهِ بِالنَّسْخِ لَا يَمْنَعُ النَّسْخَ. ص - وَعَلَى الْأَصْفَهَانِيِّ: الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ شَرِيعَتَنَا نَاسِخَةٌ لِمَا يُخَالِفُهَا. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] حُكْمٍ مَا لِجَوَازِ طَرَيَانِ النَّسْخِ عَلَيْهِ. الرَّابِعُ - أَنَّهُ لَوْ قُبِلَ النَّسْخُ لَأَدَّى إِلَى جَوَازِ نَسْخِ شَرِيعَتِكُمْ؛ لِأَنَّ النَّصَّ الدَّالَّ عَلَى التَّأْبِيدِ لَا يَمْنَعُ النَّسْخَ. أَجَابَ بِأَنَّ تَقْيِيدَ انْفَعَلَ الْوَاجِبَ بِالتَّأْبِيدِ كَقَوْلِهِ: صُمْ رَمَضَانَ أَبَدًا، لَا يَمْنَعُ النَّسْخَ ; فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ الْوَقْتُ مُعَيَّنًا، مِثْلَ: صُمْ رَمَضَانَ، ثُمَّ يُنْسَخُ قَبْلَهُ - لَمْ يَمْتَنِعِ النَّسْخُ. وَإِذَا كَانَ تَعْيِينُ الْوَقْتِ لَا يَمْنَعُ النَّسْخَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَالتَّأْيِيدُ أَجْدَرُ أَنْ لَا يَمْنَعَ النَّسْخَ. وَقَوْلُهُمْ: صُمْ رَمَضَانَ أَبَدًا، يُوجِبُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ أَنَّ الرَّمَضَانَاتِ كُلَّهَا مُتَعَلِّقَةُ الْوُجُوبِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اسْتِمْرَارُ الْوُجُوبِ فِي الرَّمَضَانَاتِ كُلِّهَا. فَلَا يَلْزَمُ التَّنَاقُضُ. كَالْمَوْتِ، فَإِنَّ تَعَلُّقَ خِطَابَ الْوُجُوبِ بِالْمُكَلَّفِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ عُمْرِهِ - وَلَوْ كَانَ مِائَةَ سَنَةٍ - مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ، لَا أَنَّهُ يَسْتَمِرُّ الْوُجُوبُ مِائَةَ سَنَةٍ. وَالْمُمْتَنِعُ أَنْ يُخْبَرَ بِأَنَّ الْوُجُوبَ بَاقٍ أَبَدًا، ثُمَّ يُنْسَخُ، مِثْلَ أَنْ يُقَالَ: وُجُوبُ صَوْمِ عَاشُورَاءَ بَاقٍ أَبَدًا، فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يُنْسَخَ، وَإِلَّا يَلْزَمُ الْكَذِبُ فِي خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى. قِيلَ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ اسْتِغْرَاقِ

стр. 1257

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الرَّمَضَانَاتِ كُلِّهَا لِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ وَعَدَمِ لُزُومِ الِاسْتِمْرَارِ، فَإِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِ النَّسْخِ وَعَدَمِ الِاسْتِمْرَارِ، يَبْطُلُ الِاسْتِغْرَاقُ. وَعَدَمُ التَّنَاقُضِ فِي تَأْبِيدِ الْحُكْمِ عَلَى الْمُكَلَّفِ وَعَدَمُ تَأْبِيدِهِ بِالْمَوْتِ لِأَجْلِ أَنَّهُ عَرَفَ بِالْقَرِينَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّأْبِيدِ مُدَّةُ بَقَاءِ التَّكْلِيفِ. ش - الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ - أَنَّهُ لَوْ جَازَ نَسْخُ وُجُوبِ الْفِعْلِ لَكَانَ إِمَّا قَبْلَ وُجُودِ الْفِعْلِ، أَوْ بَعْدَهُ أَوْ مَعَهُ. وَالْأَوَّلُ وَالثَّانِي بَاطِلٌ؛ لِكَوْنِهِ مَعْدُومًا فِي الْحَالَيْنِ، وَرَفْعُ الْمَعْدُومِ مُمْتَنِعٌ. وَأَمَّا ارْتِفَاعُهُ مَعَهُ فَهُوَ أَجْدَرُ بِالْبُطْلَانِ ; لِاسْتِحَالَةِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ. أَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِنَسْخِ الْحُكْمِ أَنَّ التَّكْلِيفَ الَّذِي كَانَ عَلَى

стр. 1258

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الْمُكَلَّفِ زَالَ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ. كَزَوَالِ التَّكْلِيفِ بِالْمَوْتِ، لَا أَنَّ الْفِعْلَ يَرْتَفِعُ. ش - الشُّبْهَةُ الْخَامِسَةُ - أَنْ يُقَالَ: لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْبَارِي عَلِمَ اسْتِمْرَارَ الْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ أَبَدًا، فَحِينَئِذٍ لَا نَسْخَ لَهُ، وَإِلَّا يَلْزَمُ وُقُوعُ خِلَافِ مَا فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مُحَالٌ. أَوْ عَلِمَ اسْتِمْرَارَهُ إِلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، فَحِينَئِذٍ لَيْسَ بِنَسْخٍ؛ لِانْتِهَاءِ الْحُكْمِ بِنَفْسِهِ. أَجَابَ بِأَنَّا نَخْتَارُ الشِّقَّ الثَّانِيَ، وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى اسْتِمْرَارَهُ إِلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يَنْسَخُ ذَلِكَ الْحُكْمَ فِيهِ. وَعِلْمُ اللَّهِ بِارْتِفَاعِ الْحُكْمِ بِالنَّسْخِ لَا يَمْنَحُ النَّسْخَ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ انْتِهَاؤُهُ بِالنَّسْخِ لَا بِنَفْسِهِ. ش - هَذِهِ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيِّ، وَتَقْرِيرُهَا أَنْ يُقَالَ: النَّسْخُ وَاقِعٌ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّ شَرِيعَتَنَا نَاسِخَةٌ لِكُلِّ شَرِيعَةٍ تُخَالِفُ شَرِيعَتَنَا. وَعَلَى أَنَّ وُجُوبَ التَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَنْسُوخٌ بِوُجُوبِ التَّوَجُّهِ إِلَى الْكَعْبَةِ. وَعَلَى أَنَّ وَصِيَّةَ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ، وَذَلِكَ كَثِيرٌ. كَنَسْخِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّسُولِ عَلَى مُنَاجَاتِهِ. وَكَنَسْخِ صَوْمِ عَاشُورَاءَ. [مَسْأَلَةٌ: الْمُخْتَارُ جَوَازُ النَّسْخِ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ] ش - اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ النَّسْخِ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ. وَالْمُخْتَارُ: جَوَازُهُ، خِلَافًا لِلصَّيْرَفِيِّ وَالْمُعْتَزِلَةِ. مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: حُجُّوا هَذِهِ السَّنَةَ، ثُمَّ يَقُولَ - قَبْلَ الْحَجِّ -: لَا تَحُجُّوا. وَاحْتَجَّ عَلَى الْمُخْتَارِ بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ - أَنَّهُ ثَبَتَ فِي مَبَادِئِ الْأَحْكَامِ أَنَّ التَّكْلِيفَ يَتَوَجَّهُ قَبْلَ (وَقْتِ) مُبَاشَرَةِ الْفِعْلِ، فَوَجَبَ جَوَازُ رَفْعِ التَّكْلِيفِ الثَّابِتِ قَبْلَ الْفِعْلِ بِالنَّاسِخِ، كَمَا جَازَ رَفْعُهُ بِالْمَوْتِ. وَالثَّانِي - أَنَّ كُلَّ نَسْخٍ كَذَلِكَ، أَيْ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ ; لِأَنَّ النَّسْخَ رَفَعُ التَّكْلِيفَ، وَرَفْعُ التَّكْلِيفِ بَعْدَ وَقْتِ الْفِعْلِ وَمَعَهُ مُمْتَنِعٌ ; أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ إِنْ أَتَى الْمُكَلَّفُ بِالْفِعْلِ انْقَطَعَ التَّكْلِيفُ عَنْهُ

стр. 1259

وَنُسِخَ التَّوَجُّهُ ; وَالْوَصِيَّةُ لِلْأَقْرَبِينَ بِالْمَوَارِيثِ. وَذَلِكَ كَثِيرٌ. ص - (مَسْأَلَةٌ) الْمُخْتَارُ: جَوَازُ النَّسْخِ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ: ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1260

مِثْلَ: حُجُّوا هَذِهِ السَّنَةَ، ثُمَّ يَقُولُ قَبْلَهُ: لَا تَحُجُّوا. وَمَنَعَ الْمُعْتَزِلَةُ وَالصَّيْرَفِيُّ. لَنَا: ثَبَتَ التَّكْلِيفُ، قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ، فَوَجَبَ جَوَازُ رَفْعِهِ كَالْمَوْتِ. وَأَيْضًا: فَكُلُّ نَسْخٍ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ بَعْدَ الْوَقْتِ وَمَعَهُ يَمْتَنِعُ نَسْخُهُ. ص - وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ أُمِرَ بِالذَّبْحِ بِدَلِيلِ: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] وَبِالْإِقْدَامِ، وَبِتَرْوِيعِ الْوَلَدِ، وَنُسِخَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ. وَاعْتَرَضَ بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مُوَسَّعًا. وَأُجِيبُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ رَفْعَ تَعَلَّقِ الْوُجُوبِ بِالْمُسْتَقْبَلِ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ بَاقٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَانِعُ عِنْدَهُمْ. وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُوَسَّعًا لَقَضَتِ الْعَادَةُ بِتَأْخِيرِهِ، رَجَاءَ نَسْخِهِ أَوْ مَوْتِهِ لِعِظَمِهِ. وَأَمَّا دَفْعُهُمْ بِمِثْلِ: لَمْ يُؤْمَرْ، وَإِنَّمَا تَوَهَّمَ، أَوْ أُمِرَ بِمُقَدِّمَاتِ الذَّبْحِ - فَلَيْسَ بِشَيْءٍ. أَوْ ذَبَحَ وَكَانَ يَلْتَحِمُ عُقَيْبَةً، أَوْ جَعَلَ صَفِيحَةَ نُحَاسٍ، أَوْ حَدِيدٍ - فَلَا يُسْمَعُ، وَيَكُونُ نَسْخًا قَبْلَ التَّمَكُّنِ. ص - قَالُوا: إِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ ذَلِكَ الْوَقْتَ تَوَارَدَ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَلَا نَسْخَ. وَأُجِيبُ: لَمْ يَكُنْ، بَلْ قَبْلَهُ، وَانْقَطَعَ التَّكْلِيفُ عِنْدَهُ، ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] بِنَفْسِهِ. فَلَا نَسْخَ. وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ عَصَى بِتَرْكِهِ، فَلَا نَسْخَ أَيْضًا. وَأَمَّا الثَّانِي - فَلِامْتِنَاعِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ. ش - وَاسْتَدَلَّ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ قَبْلَ الْوَقْتِ بِقِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ.

стр. 1262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] فَإِنَّهُ ﵇ أُمِرَ بِذَبْحِ وَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ وَنُسِخَ عَنْهُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الذَّبْحِ، أَيْ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَبِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى - حِكَايَةً عَنْ إِسْمَاعِيلَ - ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] وَهُوَ الذَّبْحُ، لِأَنَّهُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] . وَبِدَلِيلِ إِقْدَامِ إِبْرَاهِيمَ عَلَى الذَّبْحِ. وَبِدَلِيلِ تَرْوِيعِهِ إِسْمَاعِيلَ، أَيْ تَخْوِيفِهِ. فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الذَّبْحُ مَأْمُورًا بِهِ لَمْ يُقْدِمْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُخَوِّفْ وَلَدَهُ. وَأَمَّا أَنَّهُ نُسِخَ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] وَأَمَّا أَنَّهُ نُسِخَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ، أَيْ قَبْلَ وَقْتِهِ، فَلِأَنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِنَ الذَّبْحِ لَكَانَ عَاصِيًا بِتَأْخِيرِهِ. وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُ الذَّبْحِ مُوَسَّعًا، وَنُسِخَ بَعْدَ مُضِيِّ وَقْتٍ يَسَعُ الذَّبْحَ فِيهِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ النَّسْخُ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ. أَجَابَ عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ - أَنَّ ذَلِكَ، أَيِ الْوَقْتَ الْمُوَسَّعَ لَا يَمْنَعُ رَفْعَ تَعَلُّقِ

стр. 1263

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الْوُجُوبِ بِالْمُسْتَقْبَلِ، أَيْ لَا يَمْنَعُ رَفْعَ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ ; لِأَنَّ وُجُوبَ الْفِعْلِ بَاقٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ إِذَا لَمْ يَأْتِ بِالْفِعْلِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ الْمُوَسَّعِ، وَبَقَاءُ الْوُجُوبِ عَلَى الْمُكَلَّفِ هُوَ الْمَانِعُ عِنْدَ الْخُصُومِ عَنِ النَّسْخِ. فَيَمْتَنِعُ النَّسْخُ فِي بَاقِي الْوَقْتِ الْمُوَسَّعِ. وَيَمْتَنِعُ أَيْضًا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْوَقْتِ الْمُوَسَّعِ؛ لِانْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ بِنَفْسِهِ. وَيَمْتَنِعُ أَيْضًا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ الْمُوَسَّعِ لِتَحَقُّقِ الْوُجُوبِ فِيهِ. فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ قَبْلَ الْوَقْتِ الْمُوَسَّعِ. الثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ كَانَ وُجُوبُ الذَّبْحِ مُوَسَّعًا لَأَخَّرَهُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَقْضِي بِتَأْخِيرِ مِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ رَجَاءً لِنَسْخِهِ أَوْ مَوْتِ أَحَدِهِمَا، لِعِظَمِ مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ. وَقَدْ دَفَعَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يُؤْمَرْ بِالذَّبْحِ، وَإِنَّمَا تَوَهَّمَ الْأَمْرَ بِهِ. أَوْ أُمِرَ بِمُقَدِّمَاتِ الذَّبْحِ لَا بِنَفْسِهِ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ هَذَا الدَّفْعَ لَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُؤْمَرْ بِالذَّبْحِ لَمَا احْتَاجَ إِلَى الْفِدَاءِ.

стр. 1264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَدَفَعُوا أَيْضًا بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهُ ذَبَحَ وَالْتَحَمَ عُقَيْبَةً، أَيْ صَارَ صَحِيحًا؛ يُقَالُ: الْتَحَمَ الْجُرْحُ لِلْبُرْءِ. وَبِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهُ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى حَلْقِهِ صَفِيحَةَ نُحَاسٍ أَوْ حَدِيدٍ، فَيَمْتَنِعُ الذَّبْحُ، لَا أَنَّهُ نَسْخٌ. أَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يُسْمَعُ هَذَا الدَّفْعُ. أَمَّا الْأَوَّلُ - فَلِأَنَّهُ لَوْ ذَبَحَ وَالْتَحَمَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى الْفِدَاءِ. وَأَمَّا الثَّانِي - فَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْأَمْرُ بِالذَّبْحِ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ، وَهُوَ مُحَالٌ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ. وَمَعَ هَذَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ نَسْخًا قَبْلَ التَّمَكُّنِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الذَّبْحِ عِنْدَ وُجُودِ الصَّفِيحَةِ. وَالصَّفِيحَةُ: السَّيْفُ الْعَرِيضُ، وَوَجْهُ كُلِّ شَيْءٍ عَرِيضٍ. ش - الْمَانِعُونَ مِنْ جَوَازِ النَّسْخِ قَبْلَ الْفِعْلِ قَالُوا: لَا يَجُوزُ النَّسْخُ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ إِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِالْفِعْلِ فِي وَقْتِهِ، فَلَوْ نُسِخَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَأْمُورًا بِالْفِعْلِ، غَيْرَ مَأْمُورٍ بِهِ، فَيَلْزَمُ تَوَارُدُ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَلَا نَسْخَ. أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِوُجُودِ النَّاسِخِ فِيهِ، بَلْ يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ قَبْلَهُ، وَانْقَطَعَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ بِالنَّاسِخِ، كَمَا يَنْقَطِعُ التَّكْلِيفُ عَنْهُ بِالْمَوْتِ. [مَسْأَلَةٌ: الْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ مِثْلَ: صُومُوا أَبَدًا] ش - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ نَسْخِ الْأَمْرِ الْمُقَيَّدِ بِالتَّأْبِيدِ مِثْلَ: صُومُوا أَبَدًا. خِلَافًا لِبَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ. بِخِلَافِ الْخَبَرِ الْمُقَيَّدِ بِالتَّأْبِيدِ، مِثْلَ: الصَّوْمُ وَاجِبٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا، فَإِنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُهُ؛ لِلُزُومِ التَّنَاقُضِ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَوَّلِ جَوَازُ النَّسْخِ. وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ قَوْلَهُ: صُومُوا أَبَدًا، لَا يَزِيدُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى تَعْيِينِ الْوَقْتِ وَالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ عَلَى قَوْلِهِ: صُمْ غَدًا، ثُمَّ يُنْسَخُ قَبْلَ دُخُولِ الْغَدِ، لِمَا ذَكَرْنَا. فَكَمَا جَازَ نَسْخُ قَوْلِهِ: صُمْ غَدًا قَبْلَ دُخُولِ الْغَدِ، فَكَذَلِكَ جَازَ نَسْخُ: صُومُوا أَبَدًا. الْمَانِعُونَ مِنْ جَوَازِ نَسْخِ الْأَمْرِ الْمُقَيَّدِ بِالتَّأْبِيدِ (قَالُوا: نَسْخُ الْأَمْرِ الْمُقَيَّدِ بِالتَّأْبِيدِ يُوجِبُ التَّنَاقُضَ ; لِأَنَّ صِيغَةَ التَّأْبِيدِ) تَقْتَضِي الْإِيجَابَ أَبَدًا، وَنَسْخَهُ يَقْتَضِي عَدَمَ الْإِيجَابِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، فَيَلْزَمُ التَّنَاقُضُ. أَجَابَ بِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ إِيجَابِ صَوْمِ غَدٍ، وَبَيْنَ انْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ قَبْلَ الْغَدِ بِالنَّاسِخِ، كَانْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ قَبْلَ الْغَدِ بِالْمَوْتِ.

стр. 1265

كَالْمَوْتِ. ص - (مَسْأَلَةٌ) الْجُمْهُورُ: عَلَى جَوَازِ نَسْخِ مِثْلَ: صُومُوا أَبَدًا، بِخِلَافِ: الصَّوْمُ وَاجِبٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا. لَنَا: لَا يَزِيدُ عَلَى: صُمْ غَدًا، ثُمَّ يُنْسَخُ قَبْلَهُ. قَالُوا: مُتَنَاقِضٌ. قُلْنَا: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ إِيجَابِ صَوْمِ غَدٍ وَانْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →