Полный текст (1 729 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
بِنَفْسِهِ. فَلَا نَسْخَ.
وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ عَصَى بِتَرْكِهِ، فَلَا نَسْخَ أَيْضًا.
وَأَمَّا الثَّانِي - فَلِامْتِنَاعِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ.
ش - وَاسْتَدَلَّ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ قَبْلَ الْوَقْتِ بِقِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ.
стр. 1262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فَإِنَّهُ ﵇ أُمِرَ بِذَبْحِ وَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ وَنُسِخَ عَنْهُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الذَّبْحِ، أَيْ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَبِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى - حِكَايَةً عَنْ إِسْمَاعِيلَ - ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] وَهُوَ الذَّبْحُ، لِأَنَّهُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] .
وَبِدَلِيلِ إِقْدَامِ إِبْرَاهِيمَ عَلَى الذَّبْحِ.
وَبِدَلِيلِ تَرْوِيعِهِ إِسْمَاعِيلَ، أَيْ تَخْوِيفِهِ.
فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الذَّبْحُ مَأْمُورًا بِهِ لَمْ يُقْدِمْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُخَوِّفْ وَلَدَهُ.
وَأَمَّا أَنَّهُ نُسِخَ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] وَأَمَّا أَنَّهُ نُسِخَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ، أَيْ قَبْلَ وَقْتِهِ، فَلِأَنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِنَ الذَّبْحِ لَكَانَ عَاصِيًا بِتَأْخِيرِهِ.
وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُ الذَّبْحِ مُوَسَّعًا، وَنُسِخَ بَعْدَ مُضِيِّ وَقْتٍ يَسَعُ الذَّبْحَ فِيهِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ النَّسْخُ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ.
أَجَابَ عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ - أَنَّ ذَلِكَ، أَيِ الْوَقْتَ الْمُوَسَّعَ لَا يَمْنَعُ رَفْعَ تَعَلُّقِ
стр. 1263
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْوُجُوبِ بِالْمُسْتَقْبَلِ، أَيْ لَا يَمْنَعُ رَفْعَ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ ; لِأَنَّ وُجُوبَ الْفِعْلِ بَاقٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ إِذَا لَمْ يَأْتِ بِالْفِعْلِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ الْمُوَسَّعِ، وَبَقَاءُ الْوُجُوبِ عَلَى الْمُكَلَّفِ هُوَ الْمَانِعُ عِنْدَ الْخُصُومِ عَنِ النَّسْخِ.
فَيَمْتَنِعُ النَّسْخُ فِي بَاقِي الْوَقْتِ الْمُوَسَّعِ.
وَيَمْتَنِعُ أَيْضًا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْوَقْتِ الْمُوَسَّعِ؛ لِانْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ بِنَفْسِهِ.
وَيَمْتَنِعُ أَيْضًا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ الْمُوَسَّعِ لِتَحَقُّقِ الْوُجُوبِ فِيهِ.
فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ قَبْلَ الْوَقْتِ الْمُوَسَّعِ.
الثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ كَانَ وُجُوبُ الذَّبْحِ مُوَسَّعًا لَأَخَّرَهُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَقْضِي بِتَأْخِيرِ مِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ رَجَاءً لِنَسْخِهِ أَوْ مَوْتِ أَحَدِهِمَا، لِعِظَمِ مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ.
وَقَدْ دَفَعَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يُؤْمَرْ بِالذَّبْحِ، وَإِنَّمَا تَوَهَّمَ الْأَمْرَ بِهِ.
أَوْ أُمِرَ بِمُقَدِّمَاتِ الذَّبْحِ لَا بِنَفْسِهِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ هَذَا الدَّفْعَ لَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُؤْمَرْ بِالذَّبْحِ لَمَا احْتَاجَ إِلَى الْفِدَاءِ.
стр. 1264
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَدَفَعُوا أَيْضًا بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهُ ذَبَحَ وَالْتَحَمَ عُقَيْبَةً، أَيْ صَارَ صَحِيحًا؛ يُقَالُ: الْتَحَمَ الْجُرْحُ لِلْبُرْءِ.
وَبِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهُ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى حَلْقِهِ صَفِيحَةَ نُحَاسٍ أَوْ حَدِيدٍ، فَيَمْتَنِعُ الذَّبْحُ، لَا أَنَّهُ نَسْخٌ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يُسْمَعُ هَذَا الدَّفْعُ.
أَمَّا الْأَوَّلُ - فَلِأَنَّهُ لَوْ ذَبَحَ وَالْتَحَمَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى الْفِدَاءِ.
وَأَمَّا الثَّانِي - فَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْأَمْرُ بِالذَّبْحِ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ، وَهُوَ مُحَالٌ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَمَعَ هَذَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ نَسْخًا قَبْلَ التَّمَكُّنِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الذَّبْحِ عِنْدَ وُجُودِ الصَّفِيحَةِ.
وَالصَّفِيحَةُ: السَّيْفُ الْعَرِيضُ، وَوَجْهُ كُلِّ شَيْءٍ عَرِيضٍ.
ش - الْمَانِعُونَ مِنْ جَوَازِ النَّسْخِ قَبْلَ الْفِعْلِ قَالُوا: لَا يَجُوزُ النَّسْخُ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ إِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِالْفِعْلِ فِي وَقْتِهِ، فَلَوْ نُسِخَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَأْمُورًا بِالْفِعْلِ، غَيْرَ مَأْمُورٍ بِهِ، فَيَلْزَمُ تَوَارُدُ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مُحَالٌ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَلَا نَسْخَ.
أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِوُجُودِ النَّاسِخِ فِيهِ، بَلْ يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ قَبْلَهُ، وَانْقَطَعَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ بِالنَّاسِخِ، كَمَا يَنْقَطِعُ التَّكْلِيفُ عَنْهُ بِالْمَوْتِ.
[مَسْأَلَةٌ: الْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ مِثْلَ: صُومُوا أَبَدًا]
ش - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ نَسْخِ الْأَمْرِ الْمُقَيَّدِ بِالتَّأْبِيدِ مِثْلَ: صُومُوا أَبَدًا.
خِلَافًا لِبَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ.
بِخِلَافِ الْخَبَرِ الْمُقَيَّدِ بِالتَّأْبِيدِ، مِثْلَ: الصَّوْمُ وَاجِبٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا، فَإِنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُهُ؛ لِلُزُومِ التَّنَاقُضِ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَوَّلِ جَوَازُ النَّسْخِ.
وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ قَوْلَهُ: صُومُوا أَبَدًا، لَا يَزِيدُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى تَعْيِينِ الْوَقْتِ وَالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ عَلَى قَوْلِهِ: صُمْ غَدًا، ثُمَّ يُنْسَخُ قَبْلَ دُخُولِ الْغَدِ، لِمَا ذَكَرْنَا.
فَكَمَا جَازَ نَسْخُ قَوْلِهِ: صُمْ غَدًا قَبْلَ دُخُولِ الْغَدِ، فَكَذَلِكَ جَازَ نَسْخُ: صُومُوا أَبَدًا.
الْمَانِعُونَ مِنْ جَوَازِ نَسْخِ الْأَمْرِ الْمُقَيَّدِ بِالتَّأْبِيدِ (قَالُوا: نَسْخُ الْأَمْرِ الْمُقَيَّدِ بِالتَّأْبِيدِ يُوجِبُ التَّنَاقُضَ ; لِأَنَّ صِيغَةَ التَّأْبِيدِ) تَقْتَضِي الْإِيجَابَ أَبَدًا، وَنَسْخَهُ يَقْتَضِي عَدَمَ الْإِيجَابِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، فَيَلْزَمُ التَّنَاقُضُ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ إِيجَابِ صَوْمِ غَدٍ، وَبَيْنَ انْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ قَبْلَ الْغَدِ بِالنَّاسِخِ، كَانْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ قَبْلَ الْغَدِ بِالْمَوْتِ.
стр. 1265
كَالْمَوْتِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْجُمْهُورُ: عَلَى جَوَازِ نَسْخِ مِثْلَ: صُومُوا أَبَدًا، بِخِلَافِ: الصَّوْمُ وَاجِبٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا.
لَنَا: لَا يَزِيدُ عَلَى: صُمْ غَدًا، ثُمَّ يُنْسَخُ قَبْلَهُ.
قَالُوا: مُتَنَاقِضٌ.
قُلْنَا: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ إِيجَابِ صَوْمِ غَدٍ وَانْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1266
قَبْلَهُ، كَالْمَوْتِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْجُمْهُورُ: جَوَازُ النَّسْخِ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ.
لَنَا: أَنَّ مَصْلَحَةَ الْمُكَلَّفِ قَدْ تَكُونُ فِي ذَلِكَ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ وَقَعَ كَنَسْخِ وُجُوبِ الْإِمْسَاكِ بَعْدَ الْفِطْرِ، وَتَحْرِيمِ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ.
قَالُوا: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) .
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْخِلَافَ فِي الْحُكْمِ لَا فِي اللَّفْظِ.
سَلَّمْنَا، لَكِنْ خُصِّصَ.
سَلَّمْنَا وَيَكُونُ نَسْخُهُ بِغَيْرِ بَدَلٍ خَيْرٌ لِمَصْلَحَةٍ عُلِمَتْ.
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ، فَمِنْ أَيْنَ: لَمْ يَجُزْ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْجُمْهُورُ: جَوَازُ النَّسْخِ بِأَثْقَلَ.
لَنَا: مَا تَقَدَّمَ.
وَبِأَنَّهُ نَسَخَ التَّخْيِيرَ فِي الصَّوْمِ وَالْفِدْيَةَ.
وَصَوْمَ عَاشُورَاءَ بِرَمَضَانَ.
وَالْحَبْسَ فِي الْبُيُوتِ بِالْحَدِّ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1267
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
[مَسْأَلَةٌ: الْجُمْهُورُ على جَوَازُ النَّسْخِ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ نَسْخِ الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ.
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِهِ.
وَذَهَبَ بَعْضٌ إِلَى عَدَمِ جَوَازِهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى الْجَوَازِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
- الْأَوَّلُ - أَنَّ الْحُكْمَ إِنْ تَبِعَ الْمَصْلَحَةَ، فَيَجُوزُ نَسْخُهُ بِلَا بَدَلٍ ; لِأَنَّ مَصْلَحَةَ الْمُكَلَّفِ قَدْ يَكُونُ فِي رَفْعِ التَّكْلِيفِ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ.
стр. 1268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَإِنْ لَمْ يَتْبَعِ الْمَصْلَحَةَ، فَجَوَازُهُ أَظْهَرُ ; لِأَنَّهُ " يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ " وَ " يُحْكِمُ مَا يُرِيدُ ".
الثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ نَسْخُ الْحُكْمِ بِلَا بَدَلٍ لَمْ يَقَعْ؛ لِأَنَّ الْوُقُوعَ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْجَوَازِ.
وَالثَّانِي بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ وَقَعَ، كَنَسْخِ وُجُوبِ الْإِمْسَاكِ بَعْدَ الْفِطْرِ بِلَا بَدَلٍ، وَنَسْخِ تَحْرِيمِ ادِّخَارِ لُحُومِ
стр. 1269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْأَضَاحِي (أَيْضًا) بِلَا بَدَلٍ.
الْمَانِعُونَ مِنْ جَوَازِ النَّسْخِ بِلَا بَدَلٍ قَالُوا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ النَّسْخِ بِلَا بَدَلٍ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ؛ فَإِنَّ الْخِلَافَ فِي جَوَازِ نَسْخِ الْحُكْمِ بِلَا بَدَلٍ، لَا فِي اللَّفْظِ، وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالْبَدَلِ فِي نَسْخِ اللَّفْظِ لِأَنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إِلَى الْآيَةِ، وَالْآيَةُ لَفْظٌ.
стр. 1270
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
سَلَّمْنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَتَنَاوَلُ نَسْخَ الْحُكْمِ أَيْضًا، لَكِنْ خُصِّصَ الْحُكْمُ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الصُّوَرِ.
سَلَّمْنَا أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى عُمُومِهَا لَكِنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ النَّسْخِ بِدُونِ الْإِتْيَانِ بِمَا هُوَ خَيْرٌ، وَالنَّسْخُ بِلَا بَدَلٍ خَيْرٌ مِنْ إِبْقَاءِ الْحُكْمِ لِمَصْلَحَةٍ يَعْلَمُهَا اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّسْخَ لَا يَقَعُ بِدُونِ بَدَلٍ، فَمِنْ أَيْنَ ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ؛ فَإِنَّ عَدَمَ الْوُقُوعِ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ الْجَوَازِ.
[مَسْأَلَةٌ: الْجُمْهُورُ جَوَازُ النَّسْخِ بِأَثْقَلَ]
ش - الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ النَّسْخِ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ بِبَدَلٍ أَخَفَّ، مِثْلَ نَسْخِ تَحْرِيمِ الْأَكْلِ بَعْدَ النَّوْمِ فِي لَيْلَةِ رَمَضَانَ بِبَدَلِ حِلِّهِ، وَهُوَ الْأَخَفُّ.
وَبِبَدَلٍ مُسَاوٍ مِثْلَ نَسْخِ وُجُوبِ التَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِوُجُوبِ التَّوَجُّهِ إِلَى الْكَعْبَةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ النَّسْخِ بِبَدَلٍ أَثْقَلَ.
стр. 1271
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِهِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى الْجَوَازِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ - الْجَوَازُ الْعَقْلِيُّ، وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ إِنْ تَبِعَ الْمَصْلَحَةَ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْلَحَةٌ فِي نَسْخِ الْحُكْمِ بِبَدَلٍ أَثْقَلَ، وَإِنْ لَمْ يَتْبَعْ فَجَوَازُهُ أَظْهَرُ.
الثَّانِي - الْوُقُوعُ، فَمِنْ ذَلِكَ نَسْخُ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْفِدْيَةِ بِوُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَى التَّعْيِينِ، وَهُوَ أَثْقَلُ مِنَ التَّخْيِيرِ.
وَمِنْهُ وُجُوبُ صَوْمِ عَاشُورَاءَ بِوُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ وَهُوَ أَشَقُّ وَأَثْقَلُ.
وَمِنْهُ نَسْخُ الْحَبْسِ فِي الْبُيُوتِ الَّذِي كَانَ حَدًّا لِلزِّنَا بِالْحَدِّ وَهُوَ الضَّرْبُ بِالسِّيَاطِ وَالتَّغْرِيبُ سَنَةً فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُحْصَنِ، وَالرَّجْمِ بِالْحِجَارَةِ
стр. 1272
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
حَقَّ الْمُحْصَنِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَثْقَلُ.
стр. 1273
ص - قَالُوا: أَبْعَدُ فِي الْمَصْلَحَةِ.
قُلْنَا: يَلْزَمُكُمْ فِي ابْتِدَاءِ التَّكْلِيفِ.
وَأَيْضًا: فَقَدْ يَكُونُ عَلِمَ الْأَصْلَحَ فِي الْأَثْقَلِ، كَمَا يُسْقِمُهُمْ بَعْدَ الصِّحَّةِ وَيُضْعِفُهُمْ بَعْدَ الْقُوَّةِ.
قَالُوا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
قُلْنَا: إِنْ سُلِّمَ عُمُومٌ فَسِيَاقُهَا لِلْمَآلِ فِي تَخْفِيفِ الْحِسَابِ وَتَكْثِيرِ الثَّوَابِ، أَوْ تَسْمِيَةٍ لِلشَّيْءِ بِعَاقِبَتِهِ؛ مِثْلَ: (لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ) .
وَإِنْ سُلِّمَ الْفَوْرُ فَمَخْصُوصٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، كَمَا خُصَّتْ ثِقَالُ التَّكَالِيفِ وَالِابْتِلَاءِ بِاتِّفَاقٍ.
قَالُوا: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] وَالْأَشَقُّ لَيْسَ بِخَيْرٍ لِلْمُكَلَّفِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ خَيْرٌ بِاعْتِبَارِ الثَّوَابِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ التِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ، وَبِالْعَكْسِ وَنَسْخِهِمَا مَعًا.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1274
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
ش - الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ جَوَازِ النَّسْخِ بِأَثْقَلَ احْتَجُّوا بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ - أَنَّ النَّسْخَ بِبَدَلٍ أَثْقَلَ أَبْعَدُ عَنْ مَصْلَحَةِ الْمُكَلَّفِينَ ; لِأَنَّهُمْ إِنِ امْتَثَلُوا الْتَزَمُوا زِيَادَةَ الْمَشَقَّةِ، وَإِنْ تَرَكُوا يَلْزَمُهُمُ الْعُقُوبَةُ.
أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا يَلْزَمُكُمْ فِي ابْتِدَاءِ التَّكْلِيفِ ; لِأَنَّ النَّاسَ فِي سَعَةِ الْإِبَاحَةِ، فَنَقْلُهُمْ إِلَى التَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ أَبْعَدُ عَنِ الْمَصْلَحَةِ.
وَأَيْضًا: قَدْ يَكُونُ الْبَارِي - تَعَالَى - عَلِمَ أَنَّ الْأَصْلَحَ هُوَ الْأَثْقَلُ، كَمَا يُسْقِمُهُمْ بَعْدَ الصِّحَّةِ، وَيُضْعِفُهُمْ بَعْدَ الْقُوَّةِ ; لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ السَّقَمَ وَالضَّعْفَ أَصْلَحُ.
الثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ جَازَ النَّسْخُ بِبَدَلٍ أَثْقَلَ لَزِمَ كَذِبُ قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨] وَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْآيَتَيْنِ تَدُلَّانِ عَلَى إِرَادَةِ التَّخْفِيفِ وَالْيُسْرِ، وَالنَّسْخُ بِبَدَلٍ أَثْقَلُ يَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ التَّثْقِيلِ وَالْعُسْرِ، فَيَلْزَمُ كَذِبُ الْآيَتَيْنِ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ عُمُومَ الْآيَةِ فِي إِرَادَةِ التَّخْفِيفِ وَالْيُسْرِ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
стр. 1275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَلَئِنْ سُلِّمَ عُمُومُ الْآيَةِ فِي التَّخْفِيفِ وَالْيُسْرِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَسِيَاقُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى التَّخْفِيفِ وَالْيُسْرِ لِلْمَآلِ فِي تَخْفِيفِ الْحِسَابِ وَتَكْثِيرِ الثَّوَابِ.
أَوْ تَسْمِيَةِ التَّثْقِيلِ وَالْعُسْرِ بِالتَّخْفِيفِ وَالْيُسْرِ تَسْمِيَةَ الشَّيْءِ بِاسْمِ عَاقِبَتِهِ (فَإِنَّ عَاقِبَتَهُ) يَرْجِعُ إِلَى التَّخْفِيفِ بِسَبَبِ نَيْلِ الثَّوَابِ وَدَفْعِ الْعِقَابِ مِثْلَ: لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ.
فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ عَاقِبَةَ الْوِلَادَةِ: الْمَوْتُ، وَعَاقِبَةَ الْبِنَاءِ: الْخَرَابُ، جَعَلَهُمَا غَايَةَ الْوِلَادَةِ وَالْبِنَاءِ، تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِعَاقِبَتِهِ.
وَلَئِنْ سُلِّمَ إِرَادَةُ التَّخْفِيفِ وَالْيُسْرِ فِي كُلِّ شَيْءٍ عَلَى الْفَوْرِ لَكِنْ مَخْصُوصٌ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الصُّوَرِ، كَمَا خُصَّتْ ثِقَالُ التَّكَالِيفِ وَالِابْتِلَاءِ بِاتِّفَاقٍ.
الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى -: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَدَلَ يَكُونُ خَيْرًا مِنَ الْمَنْسُوخِ أَوْ مِثْلَهُ، وَالْأَثْقَلُ الْأَشَقُّ لَا يَكُونُ خَيْرًا لِلْمُكَلَّفِ وَلَا مِثْلًا.
أَجَابَ بِأَنَّهُ خَيْرٌ لِلْمُكَلَّفِ بِاعْتِبَارِ عِظَمِ الثَّوَابِ.
[مَسْأَلَةٌ: الْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ التِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ وَبِالْعَكْسِ وَنَسْخِهِمَا مَعًا]
ش - الْجُمْهُورُ ذَهَبُوا إِلَى جَوَازِ نَسْخِ التِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ، وَبِالْعَكْسِ، أَيْ جَوَازِ نَسْخِ الْحُكْمِ دُونَ التِّلَاوَةِ، وَجَوَازِ نَسْخِ التِّلَاوَةِ وَالْحُكْمِ مَعًا.
وَخَالَفَهُمْ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ كُلٍّ مِنَ الثَّلَاثَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ ; الْأَوَّلُ - الْجَوَازُ الْعَقْلِيُّ؛ فَإِنَّا نَقْطَعُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا لِمَصْلَحَةٍ يَعْلَمُهَا اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 1276
وَخَالَفَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ.
لَنَا: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ.
وَأَيْضًا: الْوُقُوعُ.
عَنْ عُمَرَ ﵁: - " كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ: " الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ ".
وَنُسِخَ الِاعْتِدَادُ بِالْحَوْلِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: " كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مُحَرِّمَاتٌ ".
وَالْأَشْبَهُ: جَوَازُ مَسِّ الْمُحْدِثِ لِلْمَنْسُوخِ لَفْظُهُ.
ص - قَالُوا: التِّلَاوَةُ مَعَ حُكْمِهَا، كَالْعِلْمِ مَعَ الْعَالَمِيَّةِ، وَالْمَنْطُوقِ مَعَ الْمَفْهُومِ؛ فَلَا يَنْفَكَّانِ.
وَأُجِيبُ بِمَنْعِ الْعَالَمِيَّةِ وَالْمَفْهُومِ.
وَلَوْ سُلِّمَ فَالتِّلَاوَةُ أَمَارَةُ الْحُكْمِ ابْتِدَاءً لَا دَوَامًا، فَإِذَا نُسِخَ لَمْ يَنْتَفِ الْمَدْلُولُ.
وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ.
قَالُوا: بَقَاءُ التِّلَاوَةِ يُوهِمُ بَقَاءَ الْحُكْمِ، فَيُوقِعُ فِي الْجَهْلِ، وَأَيْضًا: فَتَزُولُ فَائِدَةُ الْقُرْآنِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالثَّانِي - الْوُقُوعُ.
أَمَّا وُقُوعُ التِّلَاوَةِ فَقَطْ فَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ: الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا " وَقَدْ نُسِخَ تِلَاوَتُهُ وَلَمْ يُنْسَخْ حُكْمُهُ.
وَأَمَّا وُقُوعُ نَسْخِ الْحُكْمِ فَقَطْ، فَلِأَنَّ حُكْمَ آيَةِ الِاعْتِدَادِ بِالْحَوْلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠] قَدْ نُسِخَ بِدُونِ تِلَاوَتِهِ، وَأَمَّا وُقُوعُ نَسْخِهِمَا مَعًا فَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ:
стр. 1278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
" كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مُحَرِّمَاتٌ، فَنُسِخْنَ بِخَمْسٍ ". وَقَدْ كَانَ مَنْسُوخَ التِّلَاوَةِ أَيْضًا.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ مَنْسُوخَ اللَّفْظِ هَلْ يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ مَسُّهُ أَمْ لَا؟ وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ يَجُوزُ مَسُّهُ لِلْمُحْدِثِ.
ش - الْمَانِعُونَ مِنْ جَوَازِ نَسْخِ أَحَدِهِمَا بِدُونِ الْآخَرِ قَالُوا: التِّلَاوَةُ مَعَ حُكْمِهَا كَالْعَالَمِيَّةِ مَعَ الْعِلْمِ، وَالْمَنْطُوقِ مَعَ الْمَفْهُومِ؛ فَكَمَا لَا انْفِكَاكَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَالَمِيَّةِ وَبَيْنَ الْمَنْطُوقِ وَالْمَفْهُومِ، فَكَذَلِكَ لَا انْفِكَاكَ بَيْنَ التِّلَاوَةِ وَحُكْمِهَا فَلَا يُتَصَوَّرُ نَسْخُ أَحَدِهِمَا بِدُونِ الْآخَرِ.
أَجَابَ بِمَنْعِ الْعَالَمِيَّةِ وَالْمَفْهُومِ؛ أَيْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَالَمِيَّةَ مُغَايِرَةٌ لِلْعِلْمِ، بَلِ الْعِلْمُ هُوَ الْعَالَمِيَّةُ.
وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَفْهُومَ ثَابِتٌ.
وَبِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ انْفِكَاكِهِ عَنِ الْمَفْهُومِ.
وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّ الْعَالَمِيَّةَ مُغَايِرَةٌ لِلْعِلْمِ وَالْمَنْطُوقَ لَا يَنْفَكُّ عَنِ الْمَفْهُومِ - فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ التِّلَاوَةَ لَا تَنْفَكُّ عَنِ الْحُكْمِ ; فَإِنَّ التِّلَاوَةَ أَمَارَةُ الْحُكْمِ ابْتِدَاءً، لَا دَوَامًا، فَإِذَا نُسِخَتْ لَمْ يَنْتَفِ الْحُكْمُ ; إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَاءِ الْأَمَارَةِ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ.
وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ، أَيْ لَا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ انْتِفَاءُ الْأَمَارَةِ.
وَقَالُوا أَيْضًا ; لَا يَجُوزُ نَسْخُ الْحُكْمِ بِدُونِ التِّلَاوَةِ ; لِأَنَّ بَقَاءَ
стр. 1279
قُلْنَا: مَبْنِيٌّ عَلَى التَّحْسِينِ.
وَلَوْ سُلِّمَ فَلَا جَهْلَ مَعَ الدَّلِيلِ ; لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ يَعْلَمُ، وَالْمُقَلِّدَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ.
وَفَائِدَتُهُ كَوْنُهُ مُعْجِزًا وَقُرْآنًا يُتْلَى.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْمُخْتَارُ جَوَازُ نَسْخِ التَّكْلِيفِ بِالْإِخْبَارِ بِالْإِخْبَارِ بِنَقِيضِهِ.
خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1280
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
التِّلَاوَةِ يُوهِمُ بَقَاءَ الْحُكْمِ ; لِكَوْنِ التِّلَاوَةِ أَمَارَةً لِلْحُكْمِ، فَيَلْزَمُ وُقُوعُ الْمُكَلَّفِ فِي الْجَهْلِ، وَتَزُولُ فَائِدَةُ الْقُرْآنِ؛ إِذِ الْفَائِدَةُ بَيَانُ الْأَحْكَامِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْهَا الْأَلْفَاظُ، فَإِذَا انْتَفَتْ تِلْكَ الْأَحْكَامُ زَالَ فَائِدَةُ اللَّفْظِ.
أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّحْسِينِ الْعَقْلِيِّ، وَهُوَ مَرْدُودٌ.
وَبِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ فَلَا نُسَلِّمُ وُقُوعَ الْمُكَلَّفِ فِي الْجَهْلِ ; إِذْ لَا جَهْلَ مَعَ قِيَامِ الدَّلِيلِ النَّاسِخِ، لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ إِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا يَعْلَمُ الدَّلِيلَ النَّاسِخَ، فَلَا يَقَعُ فِي الْجَهْلِ. وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا يَرْجِعُ إِلَى الْمُجْتَهِدِ وَيَقْبَلُ مِنْهُ وَلَا نُسَلِّمُ أَيْضًا أَنَّهُ يَزُولُ فَائِدَةُ الْقُرْآنِ ; فَإِنَّ فَائِدَةَ التِّلَاوَةِ لَا يَنْحَصِرُ فِي الْحُكْمِ، بَلْ يَكُونُ فَائِدَتُهُ كَوْنُهُ مُعْجِزًا وَكَوْنُهُ يُتْلَى، فَيَحْصُلُ الثَّوَابُ بِتِلَاوَتِهِ.
[مَسْأَلَة: الْمُخْتَارُ جَوَازُ نَسْخِ التَّكْلِيفِ بِالْإِخْبَارِ بِالْإِخْبَارِ بِنَقِيضِهِ]
ش - الْمُخْتَارُ جَوَازُ نَسْخِ تَكْلِيفِنَا بِالْإِخْبَارِ عَنْ شَيْءٍ بِتَكْلِيفِنَا بِالْإِخْبَارِ (عَنْ نَقِيضِهِ.
خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ.
مِثْلَ أَنَّ تَكْلِيفَنَا بِالْإِخْبَارِ) عَنْ وُجُودِ زَيْدٍ، ثُمَّ تَكْلِيفَنَا بِالْإِخْبَارِ عَنْ عَدَمِهِ.
وَأَمَّا مَدْلُولُ الْخَبَرِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَغَيَّرُ، مِثْلَ: الْإِلَهُ مَوْجُودٌ، وَالْعَالَمُ حَادِثٌ - فَنَسْخُهُ بَاطِلٌ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَغَيَّرُ، كَإِيمَانِ زَيْدٍ وَكُفْرِهِ - مِثْلُهُ، أَيْ نَسْخُهُ بَاطِلٌ عَلَى الْمُخْتَارِ.
خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَاسْتِدْلَالُ الْمُجَوَّزِينَ بِجَوَازِ نَسْخِ مَدْلُولِ الْخَبَرِ إِذَا كَانَ حُكْمًا، مِثْلَ: أَنْتُمْ مَأْمُورُونَ بِصَوْمِ كَذَا، ثُمَّ يُنْسَخُ، يَرْفَعُ الْخِلَافَ بَيْنَ
стр. 1281
وَأَمَّا نَسْخُ مَدْلُولِ خَبَرٍ لَا يَتَغَيَّرُ فَبَاطِلٌ.
وَالْمُتَغَيِّرُ كَإِيمَانِ زَيْدٍ وَكُفْرِهِ - مِثْلُهُ.
خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِمِثْلِ: أَنْتُمْ مَأْمُورُونَ بِصَوْمِ كَذَا، ثُمَّ يُنْسَخُ - يَرْفَعُ الْخِلَافَ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ، كَالْعِدَّتَيْنِ وَالْمُتَوَاتِرِ بِالْمُتَوَاتِرِ، وَالْآحَادِ بِالْآحَادِ، وَالْآحَادِ بِالْمُتَوَاتِرِ.
وَأَمَّا نَسْخُ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ فَنَفَاهُ الْأَكْثَرُونَ.
بِخِلَافِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ، كَمَا تَقَدَّمَ.
لَنَا: قَاطِعٌ فَلَا يُقَابِلُهُ الْمَظْنُونُ.
ص - قَالُوا: وَقَعَ، فَإِنَّ أَهْلَ قُبَاءَ سَمِعُوا مُنَادِيَهُ ﷺ أَلَا إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ فَاسْتَدَارُوا وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِمْ.
أُجِيبُ: عَلِمُوا بِالْقَرَائِنِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْمُجَوِّزِينَ وَالْمَانِعِينَ ; لِأَنَّ هَذَا الْخَبَرَ بِمَعْنَى الْأَمْرِ؛ نَحْوَ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَيَجُوزُ نَسْخُهُ عِنْدَ الْمَانِعِينَ أَيْضًا، وَلَا يَكُونُ نَسْخًا لِمَدْلُولِ الْخَبَرِ، بَلْ لِمَدْلُولِ الْأَمْرِ فَارْتَفَعَ الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ.
[مَسْأَلَةٌ: يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ]
ش - يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ، كَنَسْخِ الْعِدَّةِ بِالْحَوْلِ بِالْعِدَّةِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ.
وَيَجُوزُ نَسْخُ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، وَنَسْخُ الْآحَادِ بِالْآحَادِ، وَالْآحَادِ بِالْمُتَوَاتِرِ.
стр. 1283
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَأَمَّا نَسْخُ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ فَنَفَاهُ الْأَكْثَرُونَ.
بِخِلَافِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ الْمُتَوَاتِرِ بِالْخَاصِّ الْآحَادِ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَالْفَرْقُ أَنَّ النَّسْخَ يَرْفَعُ مَا ثَبَتَ بِالْمَنْسُوخِ بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ فَإِنَّهُ لَا يَرْفَعُ مَا ثَبَتَ بِالْعَامِّ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ نَسْخِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ بِأَنَّ الْخَبَرَ الْمُتَوَاتِرَ مَقْطُوعٌ، وَالْآحَادَ مَظْنُونٌ؛ وَالْمَظْنُونُ لَا يُقَابِلُ الْمَقْطُوعَ، بَلْ يُطْرَحُ الْمَظْنُونُ وَيُعْمَلُ بِالْمَقْطُوعِ.
قِيلَ: وَفِيهِ نَظَرٌ ; إِذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُتَوَاتِرُ مَظْنُونًا بِحَسَبِ الدَّلَالَةِ، وَالْآحَادُ مَقْطُوعًا بِحَسَبِ الْمَتْنِ، فَحِينَئِذٍ يُقَابَلُ الْمُتَوَاتِرُ بِالْآحَادِ وَيُنْسَخُ.
أُجِيبُ بِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْآحَادُ مُخَصِّصًا لِلْمُتَوَاتِرِ، وَلَا نِزَاعَ فِيهِ.
وَرُدَّ بِأَنَّ الْآحَادَ إِنَّمَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مُخَصِّصًا إِذَا وَرَدَ قَبْلَ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ الْمُتَوَاتِرِ أَمَّا إِذَا وَرَدَ بَعْدَ الْعَمَلِ بِهِ يَكُونُ نَاسِخًا لَهُ.
ش - الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ نَسْخِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ - الْوُقُوعُ؛ فَإِنَّ أَهْلَ قُبَاءَ سَمِعُوا مُنَادِيَ الرَّسُولِ ﵇ يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَاسْتَدَارُوا فِي الصَّلَاةِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَلَمْ
стр. 1284
قَالُوا: كَانَ يُرْسِلُ الْآحَادَ بِتَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ مُبْتَدَأَةً وَنَاسِخَةً.
وَأُجِيبُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فَيُعْلَمُ بِالْقَرَائِنِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
قَالُوا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] نُسِخَ بِنَهْيِهِ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، فَالْخَبَرُ أَجْدَرُ.
أُجِيبُ إِمَّا بِمَنْعِهِ، وَإِمَّا بِأَنَّ الْمَعْنَى: لَا أَجِدُ الْآنَ.
وَتَحْرِيمُ حَلَالِ الْأَصْلِ لَيْسَ بِنَسْخٍ.
ص - وَيَتَعَيَّنُ النَّاسِخُ بِعِلْمِ تَأَخُّرِهِ.
أَوْ بِقَوْلِهِ ﵇: هَذَا نَاسِخٌ، أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مِثْلَ: " كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ ".
أَوْ بِالْإِجْمَاعِ.
وَلَا يَثْبُتُ بِتَعْيِينِ الصَّحَابِيِّ؛ إِذْ قَدْ يَكُونُ عَنِ اجْتِهَادٍ.
وَفِي تَعْيِينِ أَحَدِ الْمُتَوَاتِرَيْنِ نَظَرٌ.
وَلَا يَثْبُتُ بِقَبِيلِهِ فِي الصُّحُفِ، وَلَا بِحَدَاثَةِ الصَّحَابِيِّ، وَلَا بِتَأَخُّرِ إِسْلَامِهِ، وَلَا بِمُوَافَقَةِ الْأَصْلِ.
وَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ فَالْوَجْهُ: الْوَقْفُ، لَا التَّخْيِيرُ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ ﵀ قَوْلَانِ.
لَنَا: لَوِ امْتَنَعَ لَكَانَ غَيْرُهُ: وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
وَأَيْضًا: التَّوَجُّهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالسُّنَّةِ، وَنُسِخَ بِالْقُرْآنِ. وَالْمُبَاشَرَةُ بِاللَّيْلِ كَذَلِكَ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
يُنْكِرِ الرَّسُولُ ﵇ عَلَيْهِمْ، مَعَ أَنَّ وُجُوبَ التَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثَبَتَ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، وَخَبَرُ الْمُنَادِي الْآحَادُ، فَلَوْ لَمْ يَجُزْ نَسْخُ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ لَمَا جَازَ لَهُمُ التَّحَوُّلُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِ الْمُنَادِي، وَلَأَنْكَرَ الرَّسُولُ ﵇ عَلَيْهِمْ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ تَحَوَّلُوا بِمُجَرَّدِ إِخْبَارِ الْمُنَادِي، بَلْ تَحَوَّلُوا لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا بِالْقَرَائِنِ الْمُنْضَمَّةِ إِلَى خَبَرِ الْمُنَادِي كَإِعْلَانِ النَّاسِ بِذَلِكَ، أَوْ قُرْبِهِمْ مِنْ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﵇.
وَإِنَّمَا حُمِلَ عَلَى هَذَا لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ نَسْخِ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ.
الثَّانِي - أَنَّهُ ﵇ كَانَ يُرْسِلُ آحَادَ الصَّحَابَةِ إِلَى الْأَقْطَارِ بِتَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ مُبْتَدَأَةً وَنَاسِخَةً، مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَهُمَا.
فَلَوْ لَمْ يُقْبَلِ الْآحَادُ فِي نَسْخِ الْمُتَوَاتِرِ لَمَا وَجَبَ الْقَبُولُ، وَلَمَا جَازَ لِلرَّسُولِ ﵇ أَنْ لَا يُفَرِّقَ.
أَجَابَ بِأَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الْإِرْسَالِ وَوُجُوبِ الْقَبُولِ صَحِيحٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ خَبَرُ الْوَاحِدِ مِمَّا ذَكَرَنَا، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لِلْمُتَوَاتِرِ.
стр. 1286
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُحْمَلُ عَلَى كَوْنِهِ مَعْلُومًا بِالْقَرَائِنِ لِمَا ذَكَرْنَا. الثَّالِثُ - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] نُسِخَ بِنَهْيِهِ ﵇ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ.
وَالنَّهْيُ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ بَابِ الْآحَادِ.
وَإِذَا جَازَ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالْآحَادِ فَنَسْخُ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ بِهِ أَجْدَرُ.
أَجَابَ: إِمَّا بِمَنْعِهِ بِأَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ الْجَمِيعِ، حَتَّى يَكُونَ تَحْرِيمُ كُلِّ ذِي نَابٍ نَاسِخًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وِجْدَانِ الْمُحَرَّمِ، وَعَدَمُ وِجْدَانِ الْمُحَرَّمِ بِالْوَحْيِ، لَا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ الْجَمِيعِ.
وَإِمَّا بِأَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: لَا أَجِدُ الْآنَ مُحَرَّمًا فَيَكُونُ مُؤَقَّتًا، وَإِذَا
стр. 1287
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
كَانَ مُؤَقَّتًا لَا يَكُونُ مَنْسُوخًا.
وَنَهْيُهُ ﵇ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ رَافِعٌ لِلْحَلَالِ الثَّابِتِ بِالْأَصْلِ. وَرَفْعُ الْحَلَالِ الثَّابِتِ بِالْأَصْلِ لَيْسَ بِنَسْخٍ ; لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَحَلَالُ الْأَصْلِ لَا يَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا.
[يَتَعَيَّنُ النَّاسِخُ بِعِلْمِ تَأَخُّرِهِ]
ش - إِذَا وَقَعَ حُكْمَانِ مُتَنَافِيَانِ، فَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ النَّاسِخُ مِنْهُمَا بِأَنَّ
стр. 1288
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
يُعْلَمَ تَأَخُّرُهُ عَنِ الْآخَرِ.
أَوْ بِأَنْ يَقُولَ الرَّسُولُ ﵇: هَذَا نَاسِخٌ.
أَوْ بِأَنْ يَقُولَ مَا فِي مَعْنَاهُ، مِثْلَ: كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، أَلَا فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّ هَذَا دَالٌّ عَلَى نَسْخِ النَّهْيِ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ.
وَأَيْضًا: بِتَعَيُّنِ النَّاسِخِ مِنْهُمَا بِالْإِجْمَاعِ بِأَنْ تُجْمِعَ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ هَذَا نَاسِخٌ.
وَلَا يَثْبُتُ النَّسْخُ بِتَعْيِينِ الصَّحَابِيِّ النَّاسِخِ، إِذْ قَدْ يَكُونُ تَعْيِينُهُ النَّاسِخَ عَنِ اجْتِهَادٍ.
وَفِي تَعْيِينِ الصَّحَابِيِّ تَأَخُّرَ أَحَدِ الْمُتَوَاتِرَيْنِ نَظَرٌ، لِتَعَارُضِ دَلِيلِ قَبُولِ قَوْلِهِ وَالْمَنْعِ.
أَمَّا دَلِيلُ الْمَنْعِ فَهُوَ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ نَسْخَ الْمُتَوَاتِرِ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَأَمَّا دَلِيلُ الْقَبُولِ - فَهُوَ أَنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، بَلْ بِالْمُتَوَاتِرِ
стр. 1289
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَخَبَرُ الْوَاحِدِ مُعَيِّنٌ لِلنَّاسِخِ، لَا نَاسِخٌ ; لِأَنَّهُ عُلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا نَاسِخٌ وَالْآخَرَ مَنْسُوخٌ بِدُونِ خَبَرِ الْوَاحِدِ.
وَلَا يَثْبُتُ كَوْنُ الْحُكْمِ مَنْسُوخًا بِقَبْلِيَّتِهِ فِي الْمُصْحَفِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُتَقَدِّمُ فِي الْمُصْحَفِ مُتَأَخِّرًا فِي النُّزُولِ ; لِأَنَّ تَرْتِيبَ الْمُصْحَفِ لَيْسَ عَلَى تَرْتِيبِ النُّزُولِ.
وَلَا يَثْبُتُ كَوْنُ الْحُكْمِ نَاسِخًا بِحَدَاثَةِ الصَّحَابِيِّ الَّذِي يَرْوِيهِ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَنْ تَأَخَّرَ صُحْبَتُهُ يَكُونُ رِوَايَتُهُ مُتَقَدِّمَةً.
وَلَا يَثْبُتُ أَيْضًا كَوْنُ الْحُكْمِ نَاسِخًا بِتَأَخُّرِ إِسْلَامِ الصَّحَابِيِّ الَّذِي يَرْوِيهِ؛ فَإِنَّ تَأَخُّرَ الْإِسْلَامِ لَا يَقْتَضِي تَأَخُّرَ رِوَايَتِهِ.
وَلَا يَثْبُتُ أَيْضًا كَوْنُ الْحُكْمِ نَاسِخًا بِكَوْنِهِ مُوَافِقًا لِلْأَصْلِ ; فَإِنَّ مُوَافَقَةَ الْأَصْلِ لَا تَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ أَصْلًا.
وَإِذَا لَمْ يُعْلَمِ النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ فَالْوَجْهُ: الْوَقْفُ، لَا التَّخْيِيرُ.
[مَسْأَلَةٌ: الْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ]
ش - اتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ، وَلِلشَّافِعِيِّ ﵀ فِيهِ قَوْلَانِ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ بِأَنَّهُ لَوِ امْتَنَعَ لَكَانَ امْتِنَاعُهُ لِغَيْرِهِ؛ إِذْ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُمْتَنِعًا لِذَاتِهِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْغَيْرِ.
وَأَيْضًا نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ وَاقِعٌ ; فَإِنَّ وُجُوبَ التَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَانَ ثَابِتًا بِالسُّنَّةِ، وَنُسِخَ بِالْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] .
وَتَحْرِيمُ مُبَاشَرَةِ الصَّائِمِ بِاللَّيْلِ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ، وَقَدْ نُسِخَ بِالْقُرْآنِ
стр. 1290
وَصَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ.
وَأُجِيبُ بِجَوَازِ نَسْخِهِ بِالسُّنَّةِ وَوَافَقَ الْقُرْآنُ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ تَعْيِينَ نَاسِخٍ أَبَدًا.
ص - قَالُوا: " لِتُبَيِّنَ " وَالنَّسْخُ رَفْعٌ لَا بَيَانٌ.
قُلْنَا: الْمَعْنَى: لِتُبَلِّغَ.
وَلَوْ سُلِّمَ فَالنَّسْخُ أَيْضًا بَيَانٌ.
وَلَوْ سُلِّمَ فَأَيْنَ نَفْيُ النَّسْخِ؟
قَالُوا: مُنَفِّرٌ.
قُلْنَا: إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ مُبَلِّغٌ فَلَا نَفْرَةَ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ.
وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ، ﵁.
لَنَا: مَا تَقَدَّمَ.
وَاسْتَدَلَّ بِأَنْ " لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ " نَسْخٌ ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] وَالرَّجْمُ لِلْمُحْصَنِ نَسَخَ الْجَلْدَ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ نَسْخُ الْمَعْلُومِ بِالْمَظْنُونِ، وَهُوَ خِلَافُ الْفَرْضِ.
ص - قَالُوا: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] وَالسُّنَّةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1291
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] .
وَوُجُوبُ صَوْمِ عَاشُورَاءَ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ، وَقَدْ نُسِخَ بِالْقُرْآنِ.
وَأَوْرَدَ عَلَى هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ بِالسُّنَّةِ وَوَافَقَ الْقُرْآنُ، فَاسْتُغْنِيَ بِالْقُرْآنِ عَنْ نَقْلِ السُّنَّةِ النَّاسِخَةِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ هَذَا التَّجْوِيزَ يَمْنَعُ تَعْيِينَ النَّاسِخِ أَبَدًا، فَإِنَّ أَيَّ
стр. 1292
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
نَاسِخٍ فَرْضٌ. كَانَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: النَّاسِخُ غَيْرُهُ، إِلَّا أَنَّهُ وَافَقَ ذَلِكَ الْغَيْرُ.
ش - الْمَانِعُونَ مِنْ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ احْتَجُّوا بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ أَنَّ السُّنَّةِ بَيَانٌ لِلْقُرْآنِ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ السُّنَّةِ بَيَانًا لِلْقُرْآنِ، وَالْمَنْسُوخُ لَا يَكُونُ بَيَانًا لِلنَّاسِخِ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ الْمَنْسُوخِ بِالنَّاسِخِ، لَا بَيَانُ النَّاسِخِ بِالْمَنْسُوخِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: " لِتُبَيِّنَ ": لِتُبَلِّغَ، وَحَمْلُ الْبَيَانِ عَلَى هَذَا أَوْلَى ; لِأَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ.
أَمَّا حَمْلُهُ عَلَى بَيَانِ الْمُرَادِ فَهُوَ تَخْصِيصٌ بِبَعْضِ مَا أُنْزِلَ.
стр. 1293
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَحَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى مَا يُطَابِقُ الظَّاهِرَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى مَا يُوجِبُ تَرْكَ الظَّاهِرِ.
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْمُرَادَ الْبَيَانُ، فَالنَّسْخُ أَيْضًا بَيَانٌ.
قِيلَ: هَذِهِ مُغَالَطَةٌ ; لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ نَفَى كَوْنَ الْمَنْسُوخِ بَيَانًا لِلنَّاسِخِ، وَالْمُعْتَرِضَ أَجَابَ بِكَوْنِ النَّاسِخِ بَيَانَ الْمَنْسُوخِ.
أُجِيبُ بِأَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: الْمُسْتَدِلُّ أَبْطَلَ أَنْ تَكُونَ السُّنَّةُ مَنْسُوخَةً بِالْقُرْآنِ ; لِأَنَّ الْآيَةَ اقْتَضَتْ أَنْ تَكُونَ السُّنَّةُ بَيَانًا، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْبَيَانِ وَالْمُبَيِّنِ.
وَلَوْ كَانَ نَسْخُهَا بِالْقُرْآنِ لَكَانَا مُتَنَافِيَيْنِ.
أَجَابَ الْمُعْتَرِضُ بِأَنَّ النَّسْخَ أَيْضًا بَيَانٌ، فَلَا مُنَافَاةَ.
وَفِيهِ نَظَرٌ ; إِذْ كَلَامُ الْمُسْتَدِلِّ لَمْ يُورَدْ فِي الْمَتْنِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ حَتَّى يَسْتَقِيمَ جَوَابُ الْمُعْتَرِضِ، بَلْ أُورِدَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَا، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ جَوَابُ الْمُعْتَرِضِ غَيْرَ مُسْتَقِيمٍ.
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ النَّسْخَ لَيْسَ بِبَيَانٍ فَمِنْ أَيْنَ ثَبَتَ نَفْيُ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ، فَإِنَّ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ سُنَّةٍ بَيَانٌ لِلْقُرْآنِ، فَغَايَتُهُ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَنْسَخُ بَعْضَ السُّنَّةِ، وَهُوَ مَا يَكُونُ بَيَانًا لِلْقُرْآنِ.
الثَّانِي - أَنَّ نَسْخَ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ مُنَفِّرٌ لِلنَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ وَعَنْ
стр. 1294
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
طَاعَتِهِ ; لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَ بِمَا سَنَّهُ الرَّسُولُ، فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ الْبَعْثَةِ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ إِذَا عُلِمَ أَنَّ الرَّسُولَ ﵇ مُبَلِّغٌ لِلْأَحْكَامِ، لَا وَاضِعٌ لَهَا فَلَا نَفْرَةَ.
[مَسْأَلَةٌ: الْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ]
ش - اتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ لَا بِالْآحَادِ.
وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ جَوَازَ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ.
حُجَّةُ الْجُمْهُورِ مَا تَقَدَّمَ؛ وَهُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ وَالْخَبَرَ الْمُتَوَاتِرَ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنَ اللَّهِ، فَلَا يَمْتَنِعُ لِذَاتِهِ نَسْخُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ.
стр. 1295
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَلَا لِغَيْرِهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
وَاسْتَدَلَّ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ بِالْوُقُوعِ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ ﵇: " «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» " نَسَخَ قَوْلَهُ: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] .
وَرَجْمُ الْمُحْصَنِ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ وَقَدْ نَسَخَ الْجَلْدَ، وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] .
стр. 1296
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَأُجِيبُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ نَسْخَ الصُّورَتَيْنِ بِالسُّنَّةِ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ نَسْخُ الْمَعْلُومِ بِالْمَظْنُونِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵇: " «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» " وَرَجْمَ الْمُحْصَنِ، مِنْ قَبِيلِ الْآحَادِ، وَنَسْخُ الْمَعْلُومِ بِالْمَظْنُونِ خِلَافُ الْمَفْرُوضِ؛ لِأَنَّ الْمَفْرُوضَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الَّذِي هُوَ الْمَظْنُونُ لَا يَنْسَخُ الْقُرْآنَ الَّذِي هُوَ الْمَقْطُوعُ.
وَهَذَا الْفَرْضُ إِنَّمَا لَزِمَ مِنَ الْمُدَّعِي بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ ; لِأَنَّ تَقْيِيدَ الْخَبَرِ بِالْمُتَوَاتِرِ فِي الْمُدَّعِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.
ش - الْمَانِعُونَ مِنْ جَوَازِ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ قَالُوا: النَّاسِخُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ خَيْرًا مِنَ الْمَنْسُوخِ أَوْ مِثْلَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] وَالسُّنَّةُ لَيْسَتْ بِخَيْرٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَلَا بِمِثْلٍ لَهُ. فَلَا يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ، وَأَيْضًا: قَالَ تَعَالَى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] . وَالضَّمِيرُ فِي " نَأْتِ " لِلَّهِ فَيَكُونُ الْآتِي بِالنَّسْخِ هُوَ اللَّهُ، وَجَوَازُ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ يُنَافِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْآتِيَ بِالسُّنَّةِ لَيْسَ هُوَ اللَّهُ، بَلِ الرَّسُولُ.
أَجَابَ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ النَّسْخِ فِي الْآيَةِ هُوَ نَسْخُ الْحُكْمِ، لَا اللَّفْظِ ; لِأَنَّ الْقُرْآنَ لَا تَفَاضُلَ فِيهِ بِحَسَبِ اللَّفْظِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ السُّنَّةِ خَيْرًا مِنْ حُكْمِ الْقُرْآنِ أَوْ مِثْلًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ السُّنَّةِ أَصْلَحَ لِلْمُكَلَّفِ مِنْ حُكْمِ الْقُرْآنِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ.
стр. 1297
وَلِأَنَّهُ قَالَ: " نَأْتِ " وَالضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ: الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ لَا تَفَاضُلَ فِيهِ، أَصْلَحَ لِلْمُكَلَّفِ أَوْ مُسَاوِيًا.
وَصَحَّ " نَأْتِ " لِأَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ عِنْدِهِ.
قَالُوا: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ﴾ [يونس: ١٥] . قُلْنَا: ظَاهِرٌ فِي الْوَحْيِ.
وَلَوْ سُلِّمَ فَالسُّنَّةُ بِالْوَحْيِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1298
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَعَنِ الثَّانِي أَنَّهُ يَصِحُّ إِطْلَاقُ " نَأْتِ " عَلَى مَا أَتَى بِهِ الرَّسُولُ؛ لِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ الرَّسُولُ ﵇ أَيْضًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ; لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣] .
الثَّانِي - أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَدِّلَ الْقُرْآنَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَكَوْنُ السُّنَّةِ نَاسِخَةً لِلْقُرْآنِ يُنَافِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ ظَاهِرٌ مِنْ قَرِينَةِ الْحَالِ أَنَّهُ أَرَادَ تَبْدِيلَ الْوَحْيِ؛ أَيْ لَيْسَ لِي أَنْ أُبَدِّلَ مَا يُوحَى إِلَيَّ بَعْضَهُ بِالْبَعْضِ.
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مَنْعُ التَّبْدِيلِ مُطْلَقًا فَالسُّنَّةُ بِالْوَحْيِ أَيْضًا، فَالنَّسْخُ بِهَا لَا يَكُونُ تَبْدِيلًا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، بَلْ بِالْوَحْيِ.
[مَسْأَلَةٌ: الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُنْسَخُ]
ش - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ الْقَطْعِيَّ لَا يَكُونُ مَنْسُوخًا.
وَخَالَفَهُمْ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ.
حُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ الْقَطْعِيَّ لَوْ كَانَ مَنْسُوخًا لَكَانَ نَسْخُهُ بِنَصٍّ قَاطِعٍ أَوْ بِإِجْمَاعٍ قَاطِعٍ أَوْ بِغَيْرِهِمَا.
فَإِنْ كَانَ بِنَصٍّ قَاطِعٍ أَوْ إِجْمَاعٍ قَاطِعٍ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ، أَيِ الْمَنْسُوخُ خَطَأً ; لِأَنَّ الْقَطْعِيَّ يُعَارِضُهُ.
قِيلَ: وَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ: يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَحَدَهُمَا ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَطْعِيٌّ فَتَعْيِينُ أَحَدِهِمَا بِالْخَطَأِ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْأَوَّلَ لَمَّا فُرِضَ كَوْنُهُ مَنْسُوخًا لَمْ يَلْزَمْ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ عِنْدَ تَعْيِينِهِ بِالْخَطَأِ.
стр. 1299
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُنْسَخُ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1300
لَنَا: لَوْ نُسِخَ بِنَصٍّ قَاطِعٍ أَوْ بِإِجْمَاعٍ قَاطِعٍ كَانَ الْأَوَّلُ خَطَأً وَهُوَ بَاطِلٌ.
وَلَوْ نُسِخَ بِغَيْرِهِمَا فَأَبْعَدُ؛ لِلْعِلْمِ بِتَقْدِيمِ الْقَاطِعِ.
ص - قَالُوا: لَوْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى قَوْلَيْنِ فَإِجْمَاعٌ عَلَى أَنَّهَا اجْتِهَادِيَّةٌ.
فَلَوِ اتُّفِقَ عَلَى أَحَدِهِمَا كَانَ نَسْخًا.
قُلْنَا: لَا نَسْخَ بَعْدَ تَسْلِيمِ جَوَازِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُنْسَخُ بِهِ ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ عَنْ نَصٍّ فَالنَّصُّ نَاسِخٌ.
وَإِنْ كَانَ عَنْ غَيْرِ نَصٍّ، وَالْأَوَّلُ قَطْعِيٌّ فَالْإِجْمَاعُ خَطَأٌ.
أَوْ ظَنِّيٌّ فَقَدْ زَالَ شَرْطُ الْعَمَلِ بِهِ، وَهُوَ رُجْحَانُهُ.
ص - قَالُوا: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِعُثْمَانَ ﵄ كَيْفَ تَحْجُبُ الْأُمَّ بِالْأَخَوَيْنِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] " وَالْأَخَوَانِ لَيْسَا إِخْوَةً، فَقَالَ حَجَبَهَا قَوْمُكَ يَا غُلَامُ.
قُلْنَا: إِنَّمَا يَكُونُ نَسْخًا بِثُبُوتِ الْمَفْهُومِ قَطْعًا، وَأَنَّ الْأَخَوَيْنِ لَيْسَا إِخْوَةً قَطْعًا، فَيَجِبُ تَقْدِيرُ النَّصِّ، وَإِلَّا كَانَ الْإِجْمَاعُ خَطَأً.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْمُخْتَارُ أَنَّ الْقِيَاسَ الْمَظْنُونَ لَا يَكُونُ نَاسِخًا وَلَا مَنْسُوخًا.
أَمَّا الْأَوَّلُ - فَلِأَنَّ مَا قَبْلَهُ إِنْ كَانَ قَطْعِيًّا، لَمْ يُنْسَخْ بِالْمَظْنُونِ.
وَإِنْ كَانَ ظَنِّيًّا تَبَيَّنَ زَوَالُ شَرْطِ الْعَمَلِ بِهِ، وَهُوَ رُجْحَانُهُ ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ مُقَيَّدًا، كَانَ الْمُصِيبُ وَاحِدًا أَوْ لَا.
وَأَمَّا الثَّانِي - فَلِأَنَّ مَا بَعْدَهُ - قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا - تَبَيَّنَ زَوَالُ شَرْطِ الْعَمَلِ بِهِ.
وَأَمَّا الْمَقْطُوعُ - فَيُنْسَخُ بِالْمَقْطُوعِ فِي حَيَاتِهِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ - فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مَنْسُوخًا.
قَالُوا: صَحَّ التَّخْصِيصُ فَيَصِحُّ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →