← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8156

بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب

أبو الثناء الأصبهاني

Полный текст (1 729 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[مقدمة الكتاب] [ مقدمة الشارح] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رَبِّ أَعِنْ بِلُطْفِكَ يَا كَرِيمُ. الْحَمْدُ لِلَّهِ (الَّذِي أَظْهَرَ) بَدَائِعَ مَصْنُوعَاتِهِ عَلَى أَحْسَنِ النِّظَامِ، وَخَصَّصَ مِنْ بَيْنِهَا نَوْعَ الْإِنْسَانِ (بِمَزِيدِ) الطَّوْلِ وَالْإِنْعَامِ، وَهَدَى أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، وَأَرْشَدَهُمْ (طَرِيقَ) مَعْرِفَةِ اسْتِنْبَاطِ قَوَاعِدِ الْأَحْكَامِ، لِيُبَاشِرُوا الْحَلَالَ مِنْهَا [وَيُجَانِبُوا (الْحَرَامَ) ] . وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا (عَبْدُهُ) وَرَسُولُهُ الَّذِي فَضَّلَهُ عَلَى جَمِيعِ الْأَنَامِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْغُرِّ (الْكِرَامِ) - مَا مَطَرَ غَمَامٌ، وَعَطِرَ كِمَامٌ.

стр. 2

أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ تَطَابَقَ قَاضِي الْعَقْلِ، وَهُوَ لَا يُبْذَلُ وَلَا يُعْزَلُ، وَشَاهِدُ الشَّرْعِ، وَهُوَ الْمُزَكِّي الْمُعَدِّلُ، عَلَى أَنَّ أَرْجَحَ الْمَطَالِبِ وَأَرْبَحَ الْمَكَاسِبِ، وَأَعْظَمَ الْمَوَاهِبِ، وَأَكْرَمَ الرَّغَائِبِ هُوَ الْعِلْمُ ; لِأَنَّهُ عَمَلُ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ، وَسَعْيُ الْعَقْلِ الَّذِي هُوَ أَعَزُّ الْأَشْيَاءِ. وَنَاهِيكَ كَمَالًا وَمَرْتَبَةً، وَجَلَالًا وَمَنْقَبَةً بِقَوْلِهِ عَزَّ وَعَلَا: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] . فَإِنَّهُ بَدَأَ بِنَفْسِهِ، وَثَنَّى بِمَلَائِكَتِهِ، وَثَلَّثَ بِأُولِي الْعِلْمِ. وَأَشْرَفُ الْعُلُومِ وَأَكْمَلُهَا، وَأَنْفَعُ الْمَعَارِفِ وَأَجَلُّهَا: هُوَ الْعُلُومُ الشَّرْعِيَّةُ، وَالْمَعَارِفُ الدِّينِيَّةُ، إِذْ بِهَا يَكْمُلُ انْتِظَامُ الْمَعَاشِ فِي الدُّنْيَا، وَيَحْصُلُ اغْتِنَامُ الِارْتِيَاشِ فِي الْعُقْبَى. وَكَانَ عِلْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ جُمْلَتِهَا فِي الرُّتْبَةِ الْعُظْمَى، وَالدَّرَجَةِ الْعُلْيَا ; إِذْ جُمِعَ فِيهِ الرَّأْيُ وَالشَّرْعُ، وَاصْطُحِبَ فِيهِ الْعَقْلُ وَالسَّمْعُ. وَمِمَّا صُنِّفَ فِيهِ مِنَ الْكُتُبِ الشَّرِيفَةِ وَالزُّبُرِ اللَّطِيفَةِ: (مُخْتَصَرُ [مُنْتَهَى الْوُصُولِ] وَالْأَمَلِ فِي عِلْمَيِ الْأُصُولِ وَالْجَدَلِ) . مِنْ مُصَنَّفَاتِ

стр. 3

الْإِمَامِ الْفَاضِلِ الْمُحَقِّقِ الْعَلَّامَةِ: جَمَالِ الدِّينِ أَبِي عَمْرٍو عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ الْمَالِكِيِّ، الْمَعْرُوفِ بِـ " ابْنِ الْحَاجِبِ " (تَغَمَّدَهُ) اللَّهُ - تَعَالَى - بِغُفْرَانِهِ، وَكَسَاهُ حُلَلَ رِضْوَانِهِ، كِتَابٌ صَغِيرُ الْحَجْمِ، وَجِيزُ النَّظْمِ، (غَزِيرُ الْعِلْمِ) ، كَبِيرُ الِاسْمِ، مُشْتَمِلٌ عَلَى مَحْضِ الْمُهِمِّ. فَتَصَدَّيْتُ لِأَنْ أَشْرَحَهُ شَرْحًا يُبَيِّنُ حَقَائِقَهُ، وَيُوَضِّحُ دَقَائِقَهُ، وَيُذَلِّلُ مِنَ اللَّفْظِ صِعَابَهُ، وَيَكْشِفُ عَنْ وَجْهِ الْمَعَانِي نِقَابَهُ، مُقْتَصِدًا، غَيْرَ مُخْتَصِرٍ اخْتِصَارًا يُؤَدِّي إِلَى الْإِخْلَالِ، وَلَا مُطْنِبًا إِطْنَابًا يُفْضِي إِلَى الْإِمْلَالِ،

стр. 4

سَاعِيًا فِي حَلِّ مُشْكِلَاتِهِ، وَفَتْحِ مُعْضِلَاتِهِ، وَتَقْرِيرِ مَعَاقِدِهِ، وَتَحْرِيرِ قَوَاعِدِهِ، وَدَفْعِ الشُّبَهَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَى مَقَاصِدِهِ. وَ (أَسْمَيْتُهُ) بَيَانَ الْمُخْتَصَرِ ". وَالْمَأْمُولُ مِنْ حُسْنِ أَخْلَاقِ مَنْ هُوَ مُنْصِفٌ، وَعَنْ مَشْرَبِ الْحَقِّ مُغْتَرِفٌ، أَنَّهُ إِذَا اطَّلَعَ عَلَى خَطَأٍ وَسَهْوٍ، أَنْ يُصَحِّحَهُ مُصْلِحًا لَا مُفْسِدًا، وَمُعَاوِنًا لَا مُعَانِدًا، وَمُعَاضِدًا لَا مُحَاسِدًا. اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا سَبِيلَ الرَّشَادِ، (وَطَرِيقَ) السَّدَادِ. وَهَا أَنَا أَشْرَعُ فِي الْمَقْصُودِ بِعَوْنِ اللَّهِ وَحُسْنِ تَوْفِيقِهِ.

стр. 5

[مقدمة الماتن] [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي لَمَّا رَأَيْتُ قُصُورَ الْهِمَمِ عَنِ الْإِكْثَارِ، وَمَيْلَهَا إِلَى الْإِيجَازِ وَالِاخْتِصَارِ - صَنَّفْتُ مُخْتَصَرًا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، ثُمَّ اخْتَصَرْتُهُ عَلَى وَجْهٍ بَدِيعٍ، وَسَبِيلٍ مَنِيعٍ، لَا يَصُدُّ اللَّبِيبَ عَنْ تَعَلُّمِهِ صَادٌّ، وَلَا يَرُدُّ الْأَرِيبَ عَنْ تَفَهُّمِهِ رَادٌّ. وَاللَّهَ تَعَالَى أَسْأَلُ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) . [المبادئ] [المبادئ الأصولية] [ص - وَيَنْحَصِرُ] . ص - فِي الْمَبَادِئِ وَالْأَدِلَّةِ (السَّمْعِيَّةِ) وَالِاجْتِهَادِ (وَالتَّرْجِيحِ) . ص - فَالْمَبَادِئُ: حَدُّهُ، وَفَائِدَتُهُ، وَاسْتِمْدَادُهُ. ــ [الشرح] ش - قَوْلُهُ: " وَيَنْحَصِرُ " أَيِ الْمُخْتَصَرُ لَا الْأُصُولُ

стр. 6

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] (لِأَنَّ) هَذِهِ الْقِسْمَةَ قِسْمَةُ الْكُلِّ إِلَى أَجْزَائِهِ. وَالْمَبَادِئُ عَلَى (الْوَجْهِ) الَّذِي أَخَذَهُ لَا تَكُونُ بِأَقْسَامِهَا مِنْ أَجْزَاءِ الْأُصُولِ لِمَا سَنَذْكُرُهُ. ش - (قِيلَ فِي بَيَانِ انْحِصَارِهِ) فِيهَا: إِنَّ لِكُلِّ عِلْمٍ مَبَادِئَ وَمَسَائِلَ وَمَوْضُوعَاتٍ. فَالْمَبَادِئُ فِي قَوْلِهِ - (هِيَ مَبَادِئُ) أُصُولِ الْفِقْهِ. وَالْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ وَالِاجْتِهَادُ وَالتَّرْجِيحُ - مَوْضُوعُهُ ; لِأَنَّ الْأُصُولِيَّ يَبْحَثُ فِيهِ عَنْ أَحْوَالِهَا الْمُوَصِّلَةِ إِلَى الْأَحْكَامِ، (وَكَيْفِيَّةِ اسْتِثْمَارِهَا عَنْهَا) عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ.

стр. 7

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَسَائِلَهُ تِلْكَ الْأَحْوَالُ الْمَبْحُوثُ فِيهِ عَنْهَا. وَفِيهِ نَظَرٌ; لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يُفِيدُ، (إِلَّا أَنَّ) الْمَذْكُورَ فِيهِ عَائِدٌ إِلَى الْمَبَادِئِ وَالْمَوْضُوعِ وَالْمَسَائِلِ. وَالْغَرَضُ لَيْسَ هَذَا، (بَلِ) الْحَصْرُ فِي الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ، عَلَى مَا لَا يَخْفَى. وَقِيلَ: إِنَّ الْمَقْصُودَ، بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ، مِنْ تَأْلِيفِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ: الْعَمَلُ (بِالْأَحْكَامِ) وَلَا يُمْكِنُ إِلَّا بِمَعْرِفَتِهَا. وَلَهَا طُرُقٌ، وَلِلطُّرُقِ أُمُورٌ تَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ جِهَةِ إِفْضَائِهَا إِلَى التَّمَكُّنِ مِنَ الْعَمَلِ فَإِذًا لَا يَكُونُ الْمَذْكُورُ إِلَّا أَمْرًا لَهُ مُدْخَلٌ فِي الْمَعْرِفَةِ، وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعَرَّفَ نَفْسَهُ، أَوْ لَا. وَالْأَوَّلُ: الْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ. وَالثَّانِي: إِمَّا أَنْ يَتَوَقَّفَ الْمُعَرَّفُ عَلَيْهِ، أَوْ لَا. وَالْأَوَّلُ: الْمَبَادِئُ. وَالثَّانِي: إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا بِهِ تَحْصُلُ غَلَبَةُ طَرِيقٍ عَلَى آخَرَ عِنْدَ التَّعَارُضِ، أَوْ لَا.

стр. 8

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالْأَوَّلُ: التَّرْجِيحُ. وَالثَّانِي: الِاجْتِهَادُ ; إِذْ لَيْسَ لِغَيْرِ الِاجْتِهَادِ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ تَعَلُّقٌ بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الْعَمَلِ أَصْلًا ; لِأَنَّهُ بَعْدَ تَحَقُّقِ الثَّلَاثَةِ إِذَا بَذَلَ الْمُكَلَّفُ جُهْدَهُ وَعَرَفَهَا، حَصَلَتْ مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ، وَتَمَكَّنَ مِنَ الْعَمَلِ الْمَقْصُودِ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ [إِلَى] الصَّوَابِ، لَكِنْ فِيهِ خَلَلٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الِاجْتِهَادِ إِمَّا مَعْرِفَتُهُ، أَوْ نَفْسُهُ. فَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَبَاطِلٌ ; لِأَنَّ نَفْسَ الِاجْتِهَادِ لَا يَكُونُ مِنْ أَجْزَاءِ الْمُخْتَصَرِ. وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَلَا نُسَلِّمُ، أَنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ لِغَيْرِ الِاجْتِهَادِ تَعَلُّقٌ بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الْعَمَلِ ; لِأَنَّ الْفِقْهَ غَيْرُ الثَّلَاثَةِ، وَلَهُ تَعَلُّقٌ بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الْعَمَلِ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الْمَقْصُودُ مِنْ تَأْلِيفِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ: هُوَ: [مَعْرِفَةُ] كَيْفِيَّةِ اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنَ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ. فَمَا يُذْكَرُ فِيهِ إِلَّا أَمْرٌ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الْمَعْرِفَةِ. فَالْمَذْكُورُ فِيهِ إِمَّا أَنْ يَتَوَقَّفَ الْبَحْثُ وَالشُّرُوعُ عَلَيْهِ، أَوْ لَا. وَالْأَوَّلُ: الْمَبَادِئُ. وَالثَّانِي: إِمَّا الْأَدِلَّةَ الَّتِي تُسْتَنْبَطُ مِنْهَا الْأَحْكَامُ، أَوْ لَا. وَالْأَوَّلُ: الْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ، إِذْ لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ عِنْدَنَا.

стр. 9

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالثَّانِي، إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَرْجِيحَ الدَّلَائِلِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، عِنْدَ التَّعَارُضِ - لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ لِكَوْنِهَا ظَنِّيَّةً يَقَعُ فِيهَا التَّعَارُضُ - أَوْ لَا. وَالْأَوَّلُ: التَّرْجِيحُ. وَالثَّانِي: الِاجْتِهَادُ ; إِذْ لَيْسَ بِغَيْرِ الِاجْتِهَادِ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ تَعَلُّقٌ بِمَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ الِاسْتِنْبَاطِ بِالضَّرُورَةِ. وَالْبَيَانُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُنَاقَشَ فِيهِ، لَكِنِ انْدَفَعَ بِهِ النَّقْضُ الْوَارِدُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ. ش - الْمَبَادِئُ - بِاصْطِلَاحِ الْمَنْطِقِيِّينَ - هِيَ: مَا يُبْدَأُ بِهِ قَبْلَ الْمَقْصُودِ لِذَاتِهِ، لِتَوَقُّفِ ذَاتِ الْمَقْصُودِ عَلَيْهِ فَقَطْ. وَهِيَ إِمَّا تَصَوُّرَاتٍ، وَهِيَ: تَصَوُّرُ الْمَوْضُوعِ، وَأَجْزَائِهِ، وَجُزْئِيَّاتِهِ، وَأَعْرَاضِهِ الذَّاتِيَّةِ، وَتُسَمَّى: الْحُدُودَ. وَإِمَّا تَصْدِيقَاتٍ. وَهِيَ: الْمُقَدِّمَاتُ الَّتِي تُؤَلَّفُ مِنْهَا قِيَاسَاتُ الْعِلْمِ. وَتُسَمَّى: الْقَضَايَا الْمُتَعَارَفَةُ، إِنْ كَانَتْ بَيِّنَةً. وَهِيَ الْمَبَادِئُ عَلَى الْإِطْلَاقِ.

стр. 10

ص - أَمَّا حَدُّهُ لَقَبًا ص - فَالْعِلْمُ بِالْقَوَاعِدِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ. ص - وَأَمَّا حَدُّهُ مُضَافًا: ــ [الشرح] وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ تَسْلِيمُهَا مَعَ مُسَامَحَةٍ وَحُسْنِ ظَنٍّ بِالْمُعَلِّمِ، تُسَمَّى: أُصُولًا مَوْضُوعَةً. وَإِنْ كَانَتْ مَعَ اسْتِنْكَارٍ وَتَشَكُّكٍ، سُمِّيَتْ: مُصَادَرَاتٍ. وَالْمَبَادِئُ بِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ أَجْزَاءِ الْعِلْمِ. وَقَدْ تُطْلَقُ (عَلَى) مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ: مَا يُبْدَأُ بِهِ قَبْلَ الْمَقْصُودِ؛ لِتَوَقُّفِ ذَاتِهِ عَلَيْهِ، أَوْ تَصَوُّرِهِ، أَوِ الشُّرُوعِ فِيهِ. وَبِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَكُونُ مِنْ أَجْزَاءِ الْعِلْمِ (بِتَمَامِهَا) ; ضَرُورَةً دُخُولُ الْحَدِّ، وَتَصَوُّرُ الْغَايَةِ، وَبَيَانُ الِاسْتِمْدَادِ فِيهَا، مَعَ أَنَّهَا لَا تَكُونُ مِنْ أَجْزَاءِ الْعِلْمِ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " فَالْمَبَادِئُ ": هُوَ الثَّانِي، لَا الْأَوَّلُ. لِأَنَّ تَصَوُّرَ الْعِلْمِ، وَتَصَوُّرَ غَايَتِهِ، وَبَيَانَ أَنَّهُ يُسْتَمَدُّ مِنْ أَيِّ الْعُلُومِ، لَا يَكُونُ [مَبَادِئَ] بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَيَكُونُ [مَبَادِئَ] بِالْمَعْنَى الثَّانِي; لِأَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْعِلْمِ وَتَصَوَّرَهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَجْزَائِهِ فَلَا يَكُونُ جُزْءًا مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْمُخْتَصَرِ. [حد أصول الفقه لقبا] ش - أَيْ حَدُّ أُصُولِ الْفِقْهِ. وَاللَّقَبُ عِلْمٌ يَتَضَمَّنُ مَدْحًا أَوْ ذَمًّا. وَ " أُصُولُ الْفِقْهِ " لَقَبٌ مَنْقُولٌ عَنِ الْمُرَكَّبِ الْإِضَافِيِّ، مَفْهُومُهُ الْإِضَافِيُّ غَيْرُ صَادِقٍ عَلَى مَفْهُومِهِ اللَّقَبِيِّ. أَمَّا أَنَّهُ لَقَبٌ ; فَلِأَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ وَسِيلَةٌ إِلَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي بِهَا نِظَامُ الْمَعَاشِ فِي الدُّنْيَا وَاغْتِنَامُ الِارْتِيَاشِ فِي الْعُقْبَى. وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَدَائِحِ. وَأَمَّا أَنَّ مَفْهُومَهُ الْإِضَافِيَّ غَيْرُ صَادِقٍ عَلَى مَفْهُومِهِ اللَّقَبِيِّ ; فَلِأَنَّ مَفْهُومَهُ اللَّقَبِيَّ هُوَ: الْعِلْمُ. وَمَفْهُومَهُ الْإِضَافِيَّ: مُتَعَلِّقُ الْعِلْمِ. فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ. ش - لَا يُمْكِنُ حَدُّ نَوْعٍ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا بِذِكْرِ مُتَعَلِّقِهِ ; لِأَنَّ إِضَافَةَ الْعِلْمِ إِلَى مُتَعَلِّقِهِ إِمَّا دَاخِلَةً فِيهِ أَوْ عَارِضَةً لَازِمَةً لَهُ عَلَى اخْتِلَافِ الرَّأْيَيْنِ فَلِذَلِكَ قُيِّدَ الْعِلْمُ بِـ " الْقَوَاعِدِ ". وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ هَهُنَا: الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ الثَّابِتُ لِمُوجِبٍ قَطْعِيٍّ. وَالْقَوَاعِدُ: هِيَ الْأُمُورُ الْكُلِّيَّةُ الْمُنْطَبِقَةُ عَلَى الْجُزْئِيَّاتِ لِيُتَعَرَّفَ أَحْكَامُهَا مِنْهَا. وَهِيَ عَامٌّ ; لِأَنَّهَا جَمْعٌ مُعَرَّفٌ بِاللَّامِ.

стр. 11

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَاحْتُرِزَ بِهَا، عَنِ الْعِلْمِ بِالْأُمُورِ الْجُزْئِيَّةِ. وَعَنِ الْعِلْمِ بِبَعْضِ مَسَائِلِ الْأُصُولِ ; لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مِنَ الْأُصُولِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ نَفْسَهُ ; لِأَنَّ بَعْضَ الشَّيْءِ غَيْرُهُ. وَقَوْلُهُ: " يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ " احْتَرَزَ بِهِ عَنِ الْعِلْمِ بِالْقَوَاعِدِ الَّتِي تُسْتَنْبَطُ مِنْهَا الصَّنَائِعُ، وَالْعِلْمِ بِالْمَاهِيَّاتِ وَالصِّفَاتِ. وَفِي ذِكْرِ التَّوَصُّلِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ طَرِيقٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالذَّاتِ، بَلْ بِالْعَرَضِ. وَقِيلَ: خَرَجَ بِ " الْأَحْكَامِ " - أَيْ جَمِيعِهَا - عَلِمُ الْخِلَافِ ; لِأَنَّهُ عِلْمٌ بِقَوَاعِدَ يُسْتَنْبَطُ مِنْهَا بَعْضُ الْأَحْكَامِ، لَا كُلُّهَا. وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عِلْمُ الْخِلَافِ جُزْءًا مِنَ الْأُصُولِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: " الشَّرْعِيَّةِ " احْتَرَزَ بِهِ عَنِ الْأَحْكَامِ الِاصْطِلَاحِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ. وَقَوْلُهُ: " الْفَرْعِيَّةِ " احْتَرَزَ بِهِ عَنِ الْأُصُولِيَّةِ. وَقَوْلُهُ: " عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ " لَا يُحْتَرَزُ بِهِ عَنْ شَيْءٍ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةَ، وَهِيَ لَا تَكُونُ إِلَّا كَذَلِكَ. هَذَا تَحْرِيرُ الْحَدِّ. وَأَمَّا الشُّبَهَاتُ الْوَارِدَةُ عَلَيْهِ: فَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَطَّرِدُ ; لِانْطِبَاقِهِ عَلَى الْخِلَافِ.

стр. 12

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْخِلَافَ عِلْمٌ بِالْقَوَاعِدِ الَّتِي يُسْتَنْبَطُ بِهَا بَعْضُ الْأَحْكَامِ. وَهَذَا الْجَوَابُ ضَعِيفٌ، لِمَا ذَكَرْنَا. بَلِ الْحَقُّ أَنْ يُقَالَ: خَرَجَ بِقَيْدِ " الِاسْتِنْبَاطِ " عِلْمُ الْخِلَافِ ; لِأَنَّهُ عِلْمٌ بِقَوَاعِدَ يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى حِفْظِ الْأَحْكَامِ الْمُسْتَنْبَطَةِ أَوْ رَدِّهَا، وَلَا يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى الِاسْتِنْبَاطِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ قَدِ اعْتَبَرَ فِي الْحَدِّ إِضَافَةَ الْعِلْمِ إِلَى الْمَعْلُومِ، وَالْإِضَافَةُ إِلَى الْمَعْلُومِ خَارِجَةٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ ; لِأَنَّهُ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ يَلْزَمُهَا الْإِضَافَةُ. وَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْعِلْمَ الْمُطْلَقَ اخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ صِفَةً حَقِيقِيَّةً أَوْ إِضَافِيَّةً. وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا تَرِدُ الشُّبْهَةُ. أَمَّا عَلَى الثَّانِي فَظَاهِرٌ. وَأَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ ; فَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عِلْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ صِفَةً حَقِيقِيَّةً ; إِذِ الْقَوْمُ سَمَّوْا - فِي اصْطِلَاحِهِمْ - الْعِلْمَ الْمُضَافَ إِلَى الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ: أُصُولَ الْفِقْهِ. فَلَا يَكُونُ الْمَعْلُومُ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْعِلْمِ خَارِجًا. وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْمَعْلُومَ خَارِجٌ عَنِ الْعِلْمِ، سَوَاءٌ كَانَ الْعِلْمُ الْمُضَافُ إِلَى الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ حَقِيقِيَّةً أَوْ إِضَافِيَّةً.

стр. 13

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِضَافَةَ إِلَى الْمَعْلُومِ الْمُتَعَلِّقِ خَارِجَةٌ عَنِ الْعِلْمِ الْمُضَافِ إِلَى الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ عِلْمِ الْأُصُولِ هُوَ الْعِلْمُ الْمُضَافُ، لَا الْعِلْمُ الْمُطْلَقُ. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا خُرُوجَهَا، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّعْرِيفَ بِالْأَمْرِ الْخَارِجِيِّ لَيْسَ بِحَدٍّ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِّ: الْمُعَرِّفُ الْجَامِعُ الْمَانِعُ، لَا الْحَدَّ الْحَقِيقِيَّ الْمُرَكَّبَ مِنَ الذَّاتِيَّاتِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْقَوَاعِدَ تَنَاوَلَتْ خَبَرَ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَاعِدَةٌ ظَنِّيَّةٌ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا؟ وَأُجِيبَ عَنْهُ لِاخْتِلَافِ الْجِهَتَيْنِ صَحَّ ذَلِكَ ; إِذْ كُلُّ وَاحِدٍ يُفِيدُ الظَّنَّ. وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ يُسَمَّى مَظْنُونًا. وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ دَلَّ الْقَاطِعَ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعَ الظَّنِّ، يَكُونُ مَعْلُومًا. وَفِيهِ نَظَرٌ; لِأَنَّ الْقَاطِعَ دَلَّ عَلَى الْعِلْمِ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْعِلْمِ بِنَفْسِهِ. فَلَا يَكُونُ مَعْلُومًا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ. بَلِ الْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْقِيَاسِ، وَخَبَرِ الْوَاحِدِ قَاعِدَةٌ. بَلْ كَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُفِيدًا لِلظَّنِّ قَاعِدَةٌ. فَالظَّنُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَا أَفَادَهُ، وَالْعِلْمُ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِهِ. وَلَا امْتِنَاعَ فِي تَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِشَيْءٍ يَكُونُ مَا أَفَادَهُ مَظْنُونًا. [حد أصول الفقه مضافا] ش - حَدُّ أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُضَافٌ - لَا مِنْ حَيْثُ هُوَ لَقَبٌ - إِنَّمَا يُعْرَفُ إِذَا عُرِفَ مُفْرَدَاتُهُ. ش - الْأُصُولُ جَمْعُ الْأَصْلِ، وَهُوَ: مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الشَّيْءُ. وَقِيلَ: مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ الشَّيْءُ. وَفَسَّرَهَا هَهُنَا بِالْأَدِلَّةِ. وَاللَّامُ فِي " الْأُصُولِ " وَ " الْأَدِلَّةِ " لِلْعَهْدِ. وَالْمَعْهُودُ: الْأُصُولُ الْمُضَافُ، وَالْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ. وَهَذَا التَّعْرِيفُ لَفْظِيٌّ مُنَاسِبٌ لِمَا فِي اللُّغَةِ ; لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا الشَّيْءُ وَيُبْتَنَى عَلَيْهَا. ش - الْفِقْهُ لُغَةً: الْفَهْمُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] أَيْ لَا تَفْهَمُونَ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ مَا ذَكَرَهُ. وَالْعِلْمُ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ. وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الظَّنِّ وَالتَّقْلِيدِ وَالْيَقِينِ، وَهُوَ الِاعْتِقَادُ الرَّاجِحُ.

стр. 14

ص - فَالْأُصُولُ: الْأَدِلَّةُ. ص - وَالْفِقْهُ: الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ بِالِاسْتِدْلَالِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 15

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالْأَحْكَامُ سَيَأْتِي تَفْسِيرُهَا. وَالْجِهَةُ الْمُوجِبَةُ لِلنِّسْبَةِ إِلَى الشَّرْعِ: كَوْنُ تَعَلُّقَاتِهَا، أَوْ كَوْنُ الْعِلْمِ بِتَعَلُّقَاتِهَا مُسْتَفَادًا مِنْهُ، لَا كَوْنُ وُجُودَاتِهَا مِنْهُ، كَمَا قِيلَ، فَإِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ وُجُودَ الْحُكْمِ مُتَحَقِّقٌ قَبْلَ الشَّرْعِ لِكَوْنِهِ قَدِيمًا. وَالْجِهَةُ الْمُوجِبَةُ لِلنِّسْبَةِ إِلَى الْفَرْعِ: كَوْنُ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ مُتَفَرِّعَةً عَلَى الْأَدِلَّةِ الْأُصُولِيَّةِ، أَوْ كَوْنُهَا مُتَعَلِّقَةً بِالْعَمَلِ الَّذِي هُوَ فَرْعُ الْعِلْمِ. وَالْأَدِلَّةُ التَّفْصِيلِيَّةُ: هِيَ الْأَمَارَاتُ. وَمُتَعَلِّقُ الْعِلْمِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَائِمًا بِذَاتِهِ، أَوْ لَا. وَالْأَوَّلُ: الذَّاتُ، كَالْجَوَاهِرِ. وَالثَّانِي، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً لِلتَّغَيُّرِ، أَوْ لَا. وَالْأَوَّلُ: الْأَفْعَالُ. وَالثَّانِي - إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُقْتَضِيًا لِنِسْبَةٍ مُفِيدَةٍ، أَوْ لَا. وَالْأَوَّلُ: الْأَحْكَامُ. وَالثَّانِي: الصِّفَاتُ الْحَقِيقِيَّةُ. فَخَرَجَ بِالْأَحْكَامِ: الْعِلْمُ بِالذَّوَاتِ وَالصِّفَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ وَالْأَفْعَالِ. وَبِالشَّرْعِيَّةِ: الْأَحْكَامُ الْعَقْلِيَّةُ. وَبِالْفَرْعِيَّةِ: الْأُصُولِيَّةُ. وَبِقَوْلِهِ: عَنْ أَدِلَّتِهَا

стр. 16

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] التَّفْصِيلِيَّةِ: عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ، وَعِلْمُنَا بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ ; لِأَنَّ عِلْمَنَا بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ ضَرُورِيٌّ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى دَلِيلٍ. وَبِالِاسْتِدْلَالِ: اعْتِقَادُ الْمُسْتَفْتِي. وَالْبَاقِي قَوْلُهُ: " بِالْأَحْكَامِ " مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: الْعِلْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْأَحْكَامِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْعِلْمِ بِهَا تَصَوُّرَهَا ; لِأَنَّهُ مِنْ مَبَادِئِ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَلَا التَّصْدِيقَ بِثُبُوتِهَا فِي أَنْفُسِهَا ; فَإِنَّهُ مِنْ مَسَائِلِ الْكَلَامِ بَلِ التَّصْدِيقُ بِكَوْنِهَا مُتَعَلِّقَةً بِالْأَفْعَالِ. كَقَوْلِنَا: شُرْبُ النَّبِيذِ حَرَامٌ، وَالْبَيْعُ حَلَالٌ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. بَقِيَ هَهُنَا بَحْثٌ: وَهُوَ أَنَّ التَّصْدِيقَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ بِمَعْنَى الْيَقِينِ، أَوْ بِمَعْنَى الِاعْتِقَادِ الرَّاجِحِ الْمُتَنَاوِلِ لِلْيَقِينِ وَالظَّنِّ وَالتَّقْلِيدِ. قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: لَوْ كَانَ بِمَعْنَى الْيَقِينِ - أَيِ الِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ الْمُطَابِقِ، لَا لِمَحْضِ التَّقْلِيدِ، وَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: " عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ " بِالْفَرْعِيَّةِ - لَمْ يَدْخُلِ التَّقْلِيدُ ; لِأَنَّ اعْتِقَادَ الْمُقَلِّدِ غَيْرُ يَقِينِيٍّ. وَيَخْرُجُ عِلْمُ الْبَارِي بِـ " الِاسْتِدْلَالِ " لَا بِقَيْدِ " عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ " عَلَى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهَا بِالْفَرْعِيَّةِ ; لِأَنَّ تَفَرُّعَ الْأَحْكَامِ عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ لَا يُوجِبُ تَفَرُّعَ الْعِلْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِهَا. وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ فَرْعِيَّةَ الْأَحْكَامِ عَنْهَا، إِمَّا مِنْ حَيْثُ الْوُجُودِ، أَوْ مِنْ حَيْثُ الْعِلْمِ.

стр. 17

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ; ضَرُورَةَ كَوْنِ الْحُكْمِ قَدِيمًا، وَالثَّانِي يُلْزِمُ تَفَرُّعَ الْعِلْمِ. وَالْعَجَبُ أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا فِي شَرْحِهِ أَنَّ الْفَرْعِيَّةَ صِفَةٌ لِلْأَحْكَامِ وَهِيَ بِاعْتِبَارِ التَّصَوُّرِ، لَا بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ ; إِذْ عَدَمُ الْأَدِلَّةِ لَا يُوجِبُ عَدَمَهَا، وَعَدَمُ الْفَرْعِ مُرَتَّبٌ عَلَى عَدَمِ الْأَصْلِ، فَهِيَ فَرْعٌ بِاعْتِبَارِ الْعِلْمِ بِحُصُولِهَا لِلْأَفْعَالِ. وَأَيْضًا - الْأَحْكَامُ لَيْسَتْ هِيَ فَرْعًا، بَلْ مَنْسُوبَةٌ إِلَى الْفَرْعِ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ. وَقَوْلُهُ: " عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ " مُتَعَلِّقٌ بِالْعِلْمِ. وَبِهِ خَرَجَ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ، وَعَلْمُنَا بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنَ الْأَدِلَّةِ. وَمَا قِيلَ: إِنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْأَحْكَامِ عَنِ " الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ " ; لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْعِلَّةِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْعِلْمِ بِالْمَعْلُولِ، فَبَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ لَا تَكُونُ عِلَّةً لِلْأَحْكَامِ، بَلْ تَكُونُ أَمَارَاتٍ لَهَا، لِمَا قِيلَ: إِنَّ الدَّلِيلَ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ - وَهُوَ: مَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ - يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ عِلْمُهُ تَعَالَى عَنِ الْأَدِلَّةِ ; ضَرُورَةَ امْتِنَاعِ حُصُولِ الْعِلْمِ لَهُ بِالنَّظَرِ ; لِأَنَّ مَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ جَازَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَلْزِمًا لِلْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْظَرَ فِيهِ. فَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ عِلْمِهِ تَعَالَى عَنِ الْأَدِلَّةِ، حُصُولُهُ بِالنَّظَرِ.

стр. 18

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا قَيْدُ " الِاسْتِدْلَالِ " ضَائِعٌ ; لِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِقَيْدِ " عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ " عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ، وَعِلْمُنَا بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ، وَاعْتِقَادُ الْمُسْتَفْتِي، لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا حَاصِلًا عَنِ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ! أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اعْتِقَادَ الْمُسْتَفْتِي لَيْسَ بِحَاصِلٍ عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ اعْتِقَادَ الْمُسْتَفْتِي مُسْتَنِدٌ إِلَى عِلْمِ الْمُفْتِي الْمُسْتَنِدِ إِلَى الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ. فَاعْتِقَادُ الْمُسْتَفْتِي مُسْتَنِدٌ إِلَى الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ. وَقَوْلُنَا: الْعِلْمُ الْحَاصِلُ عَنِ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ حَاصِلًا عَنْهَا بِلَا وَاسِطَةٍ. فَقَوْلُهُ: " بِالِاسْتِدْلَالِ " يُخْرِجُ اعْتِقَادَ الْمُسْتَفْتِي ; لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ حَاصِلًا عَنْهَا، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِالِاسْتِدْلَالِ.

стр. 19

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] فَإِنْ قِيلَ: مَا قِيلَ فِي عَدَمِ خُرُوجِهِ بِقَوْلِهِ: " عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ " يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي عَدَمِ خُرُوجِهِ بِـ " الِاسْتِدْلَالِ ". أُجِيبَ بِأَنَّ تَقْدِيرَهُ بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ، أَيْ عَلَى الْعِلْمِ، وَاعْتِقَادُ الْمُسْتَفْتِي لَمْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ. هَذَا إِذَا أُرِيدَ بِالْعِلْمِ الْمَعْنَى الْأَعَمُّ. وَأَمَّا إِذَا أُرِيدَ بِالْعِلْمِ: الْيَقِينُ، يَلْزَمُ بُطْلَانُ التَّعْرِيفِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلِ الْعِلْمُ حِينَئِذٍ اعْتِقَادَ الْمُسْتَفْتِي، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى قَيْدٍ يُخْرِجُهُ، فَيَكُونُ قَيْدُ " الِاسْتِدْلَالِ " ضَائِعًا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَرِدُ الشُّبْهَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَهِيَ: أَنَّ الْفِقْهَ مِنْ بَابِ الظُّنُونِ ; لِأَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ. وَالْمُسْتَفَادُ مِنَ الظَّنِّيِّ ظَنِّيٌّ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عِلْمًا. وَمَا ذَكَرُوهُ فِي جَوَابِهِ ضَعِيفٌ. أَمَّا تَقْرِيرُ الْجَوَابِ، فَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْفِقْهَ مِنْ بَابِ الظُّنُونِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ بِالْأَحْكَامِ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْأَحْكَامِ، وَهُوَ قَطْعِيٌّ ; لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ إِذَا ظَنَّ الْحُكْمَ، حَصَلَ عِنْدَهُ مُقُدِّمَتَانِ قَطْعِيَّتَانِ. إِحْدَاهَا: أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَظْنُونٌ. وَهِيَ ضَرُورِيَّةٌ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ مَظْنُونٌ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ لِلْإِجْمَاعِ وَلِأَنَّ الظَّنَّ هُوَ الْحُكْمُ بِالطَّرَفِ الرَّاجِحِ. فَإِمَّا أَنْ يُعْمَلَ بِهِ وَبِالطَّرَفِ الْآخَرِ فَيَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ.

стр. 20

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] أَوْ لَا بِهَذَا وَلَا بِذَاكَ. فَيَلْزَمُ ارْتِفَاعُ النَّقِيضَيْنِ. أَوْ بِالْمَرْجُوحِ فَقَطْ، فَيَلْزَمُ تَرْجِيحُ الْمَرْجُوحِ، وَهُوَ خِلَافُ الْعَقْلِ. فَتَعَيَّنَ الْعَمَلُ بِالطَّرَفِ الرَّاجِحِ قَطْعًا. وَيَلْزَمُ مِنْ هَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ قَوْلُنَا: هَذَا الْحُكْمُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ قَطْعًا، إِلَّا أَنَّهُ وَقَعَ الظَّنُّ فِي طَرِيقِهِ ; لِأَنَّهُ وَقَعَ مَحْمُولًا فِي الصُّغْرَى، مَوْضُوعًا فِي الْكُبْرَى. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمَحْمُولِ ظَنًّا، كَوْنُ الْقَضِيَّةِ ظَنِّيَّةً. أَمَّا بَيَانُ ضَعْفِهِ فَمِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا: أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهَا إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، وَالْأَلْفَاظُ الْمَجَازِيَّةُ لَا تُعْتَبَرُ فِي [التَّعْرِيفَاتِ] . فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَلْفَاظَ الْمَجَازِيَّةَ لَا تُعْتَبَرُ فِي [التَّعْرِيفَاتِ] فَإِنَّ الْحُدُودَ النَّاقِصَةَ وَالرُّسُومَ التَّامَّةَ وَالنَّاقِصَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى مَاهِيَّةِ الْمَحْدُودِ وَالْمَرْسُومِ إِلَّا بِالْمَجَازِ. أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ لَفْظَ الْحَدِّ النَّاقِصِ وَالرَّسْمَ، لَمْ يَرِدْ بِهِمَا الْمَحْدُودُ وَالْمَرْسُومُ، وَإِلَّا لَكَانَ تَعْرِيفًا لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، بَلْ أُرِيدَ مِنْهُمَا الْمَفْهُومُ الْمُطَابَقِيُّ وَدَلَالَتُهُمَا عَلَى مَفْهُومِهِمَا الْمُطَابَقِيِّ بِالْحَقِيقَةِ، لَا بِالْمَجَازِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْعِلْمَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهَا مُسْتَفَادٌ مِنَ الدَّلِيلِ الْإِجْمَالِيِّ، وَالْفِقْهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ.

стр. 21

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مِنَ الدَّلِيلِ الْإِجْمَالِيِّ ; لِأَنَّ الصُّغْرَى فِي كُلِّ قِيَاسٍ مُغَايِرَةٌ لِلصُّغْرَى فِي الْآخَرِ ; لِأَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ - وَهُوَ قَوْلُنَا " مَظْنُونٌ " - فِي كُلٍّ مِنْهَا يُغَايِرُ الْمَحْكُومَ بِهِ فِي الْآخَرِ ; لِأَنَّ ظَنَّ كُلِّ حُكْمٍ مُسْتَفَادٌ عَنْ دَلِيلٍ خَاصٍّ بِهِ، فَيَكُونُ مُغَايِرًا لِلظَّنِّ الْحَاصِلِ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ. وَتَغَايُرُ الظَّنِّ يُوجِبُ تَغَايُرَ الْمَظْنُونِ مِنْ حَيْثُ مَظْنُونٌ. أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ التَّغَايُرَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ غَيْرُ كَافٍ فِي كَوْنِ الدَّلِيلِ تَفْصِيلِيًّا. وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْلَنَا: " كُلُّ مَا هُوَ مَظْنُونٌ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ " قَطْعِيٌّ. قَوْلُهُ: لِلْإِجْمَاعِ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ يُفِيدُ الْقَطْعُ ; لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ، وَالْمَبْنِيُّ عَلَى الظَّنِّيِّ ظَنِّيٌّ. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ أَدِلَّةَ الْإِجْمَاعِ قَطْعِيَّةٌ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا الْإِجْمَاعَ بَلَغَ إِلَيْنَا بِالتَّوَاتُرِ، حَتَّى يُفِيدَ الْقَطْعَ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي فِي بَيَانِ قَطْعِيَّتِهِ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُعْمَلْ بِوَاحِدٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، يَلْزَمُ رَفْعُ النَّقِيضَيْنِ فِي الْوَاقِعِ ; لِجَوَازِ أَنْ لَا يُعْمَلَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِهِ، مَعَ أَنَّ الْوَاقِعَ لَا يَخْلُو عَنْ أَحَدِهِمَا.

стр. 22

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَأَيْضًا - لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا عُمِلَ بِالْمَرْجُوحِ، يَلْزَمُ خِلَافُ الْعَقْلِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ الْمَرْجُوحُ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ، مَرْجُوحًا فِي الْوَاقِعِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ. لَا يُقَالُ: إِنَّ الظَّنَّ هُوَ الْحُكْمُ بِالطَّرَفِ الرَّاجِحِ فِي الْوَاقِعِ ; لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُرَادُ بِالرَّاجِحِ فِي الْوَاقِعِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الثَّابِتَ فِيهِ أَوْ غَيْرَهُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الظَّنَّ هُوَ الْحُكْمُ بِالطَّرَفِ الرَّاجِحِ ; لِجَوَازِ كَذِبِهِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَبَيِّنُوهُ حَتَّى يُتَصَوَّرَ أَوَّلًا ثُمَّ يُتَكَلَّمَ عَلَيْهِ ثَانِيًا. وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَلْزَمُ انْحِصَارُ جَمِيعِ الْفِقْهِ فِي الْوُجُوبِ، فَيَخْرُجُ عَنْهُ الْعِلْمُ بِالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْحُرْمَةِ وَالْإِبَاحَةِ، مَعَ أَنَّهُ مِنَ الْفِقْهِ بِالِاتِّفَاقِ. فَإِنْ قِيلَ: التَّعَرُّضُ لِلْوُجُوبِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْعِلْمُ بِمُقْتَضَى الظَّنِّ بِالْأَحْكَامِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَظْنُونِ. فَإِنْ ظُنَّ وَجُوبُهُ عُلِمَ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ، وَإِنْ ظُنَّ حُرْمَتُهُ عُلِمَ حُرْمَةُ الْعَمَلِ بِهَا وَكَذَا الْبَاقِي. أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْقِيَاسَ الْمَذْكُورَ لَا يُفِيدُ إِلَّا وُجُوبَ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى الظَّنِّ. فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ وُجُوبُ اعْتِقَادِ الْحُكْمِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَظْنُونِ; فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ النَّدْبُ مَظْنُونًا وَجَبَ اعْتِقَادُ نَدْبِيَّتِهِ. أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لِقَوْلِهِ: " الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ " عَلَى ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّعْرِيفُ فَاسِدًا. ش - الْحَدُّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِلْمَحْدُودِ ; لِأَنَّ الْأَخَصَّ أَخْفَى، وَالْأَعَمَّ لَا يَدُلُّ عَلَى الْأَخَصِّ أَصْلًا. فَحِينَئِذٍ يَجِبُ تَحَقُّقُ الْمَحْدُودِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْحَدِّ، وَهُوَ الِاطِّرَادُ، وَانْتِفَاؤُهُ عِنْدَ انْتِفَائِهِ، وَهُوَ الْعَكْسُ. فَالسُّؤَالُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْحَدَّ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّهُ إِمَّا غَيْرَ مُطَّرِدٍ وَإِمَّا غَيْرَ مُنْعَكِسٍ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْكَامِ بَعْضُهَا أَوْ جَمِيعُهَا. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ يَلْزَمُ عَدَمُ اطِّرَادِ الْحَدِّ; ضَرُورَةَ تَحَقُّقِهِ بِدُونِ تَحَقُّقِ الْمَحْدُودِ ; لِأَنَّ الْمُقَلِّدَ عَالِمٌ بِبَعْضِ الْأَحْكَامِ، فَيَصْدُقُ عَلَى عِلْمِهِ حَدُّ الْفِقْهِ، وَلَا يَكُونُ عِلْمُهُ فِقْهًا ; لِأَنَّ الْمُقَلِّدَ لَا يُسَمَّى فَقِيهًا. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، يَلْزَمُ عَدَمُ الِانْعِكَاسِ; ضَرُورَةَ تَحَقُّقِ الْمَحْدُودِ بِدُونِ الْحَدِّ ; لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ الْمُجْتَهِدِينَ فُقَهَاءُ، وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ جَمِيعَ الْأَحْكَامِ; ضَرُورَةَ ثُبُوتِ " لَا أَدْرِي " بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ. لِأَنَّهُ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً، فَقَالَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا: " لَا أَدْرِي ". ش - أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شِقَّيِ التَّرْدِيدِ. أَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَلَا نُسَلِّمُ عَدَمَ الِاطِّرَادِ. قَوْلُهُ: ضَرُورَةُ دُخُولِ الْمُقَلِّدِ فِيهِ.

стр. 23

ص - وَأَوْرَدَ: إِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْبَعْضَ - لَمْ يَطَّرِدْ ; لِدُخُولِ الْمُقَلِّدِ. وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعَ - لَمْ يَنْعَكِسْ ; لِثُبُوتِ " لَا أَدْرِي ". ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 24

ص - وَأُجِيبَ: بِالْبَعْضِ، وَيَطَّرِدُ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَدِلَّةِ: الْأَمَارَاتُ، وَبِالْجَمِيعِ، وَيَنْعَكِسُ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ تَهَيُّؤُهُ لِلْعِلْمِ بِالْجَمِيعِ. ص - وَأَمَّا فَائِدَتُهُ - فَالْعِلْمُ بِأَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 25

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] قُلْنَا: الْمُرَادُ مِنَ الْأَدِلَّةِ: الْأَمَارَاتُ، وَهِيَ الَّتِي تُفِيدُ الظَّنَّ، وَيُحْتَاجُ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَا إِلَى مَعْرِفَةِ التَّعَارُضِ. وَحِينَئِذٍ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمُقَلِّدِ: مَنْ كَانَ عِلْمُهُ بِالْأَحْكَامِ عَنِ الْأَمَارَاتِ الْمَذْكُورَةِ بِالِاسْتِدْلَالِ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ فَقِيهًا، حَتَّى يَلْزَمَ عَدَمُ الِاطِّرَادِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، فَلَا نُسَلِّمُ صِدْقَ الْحَدِّ عَلَيْهِ، حَتَّى يَلْزَمَ أَيْضًا عَدَمُ الِاطِّرَادِ. وَإِمَّا عَلَى الثَّانِي فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ الِانْعِكَاسِ. قَوْلُهُ: لِثُبُوتِ " لَا أَدْرِي ". قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ " لَا أَدْرِي " بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكُلِّ، يَلْزَمُ عَدَمُ الِانْعِكَاسِ. وَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْعِلْمِ بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ: الْعِلْمُ بِهَا بِالْفِعْلِ. بَلِ الْمُرَادُ: تَهَيُّؤُ الْعَالِمِ لِلْعِلْمِ بِجَمِيعِهَا. فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِهَذَا الْمَعْنَى مُتَحَقِّقًا مَعَ ثُبُوتِ " لَا أَدْرِي ". وَالْمُرَادُ بِالتَّهَيُّؤِ: الِاسْتِعْدَادُ الْقَرِيبُ إِلَى الْفِعْلِ عِنْدَ حُصُولِ الطُّرُقِ، وَالتَّمَكُّنِ مِنَ الِاسْتِنْبَاطِ. [فَائِدَةَ أُصُولِ الْفِقْهِ] ش - اعْلَمْ أَنَّ فَائِدَةَ أُصُولِ الْفِقْهِ مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى السَّعَادَاتِ فِي الْأُولَى وَالدَّرَجَاتِ فِي الْأُخْرَى. [استمداد أُصُولِ الْفِقْهِ] ش - هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنَ الْمَبَادِئِ، وَقَدْ جَمَعَ فِيهِ فَائِدَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا - بَيَانُ أَنَّهُ مِنْ أَيِّ عِلْمٍ يُسْتَمَدُّ. وَالثَّانِيَةُ - بَيَانُ بَعْضِ مَا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ. وَالْأُولَى لَيْسَتْ مِنَ الْمَبَادِئِ الْمُصْطَلَحَةِ عِنْدَ الْمَنْطِقِيِّينَ، بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ. ش - الْأَدِلَّةُ الْكُلِّيَّةُ - الَّتِي هِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ، مِنْ حَيْثُ هِيَ أَدِلَّةٌ - تَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْبَارِي وَصِدْقِ الْمُبَلِّغِ وَهُوَ الرَّسُولُ ﷺ . وَصِدْقُهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى دَلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى صِدْقِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ. وَقَوْلُهُ: " الْأَدِلَّةُ الْكُلِّيَّةُ " يَتَنَاوَلُ الْأَدِلَّةَ الْإِجْمَالِيَّةَ الَّتِي يُسْتَفَادُ مِنْهَا الْأَدِلَّةُ التَّفْصِيلِيَّةُ، وَالْأَدِلَّةُ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا مَسَائِلُ الْأُصُولِ. ش - الْأَدِلَّةُ الَّتِي تُسْتَفَادُ مِنْهَا الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ

стр. 26

ص - وَأَمَّا اسْتِمْدَادُهُ - فَمِنَ الْكَلَامِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ. ص - أَمَّا الْكَلَامُ - فَلِتَوَقُّفِ الْأَدِلَّةِ الْكُلِّيَّةِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْبَارِي - تَعَالَى - وَصِدْقِ الْمُبَلِّغِ، [هُوَ] يَتَوَقَّفُ عَلَى دَلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ. ص - وَأَمَّا الْعَرَبِيَّةُ - فَلِأَنَّ الْأَدِلَّةَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَرَبِيَّةٌ. ص - وَأَمَّا الْأَحْكَامُ - فَالْمُرَادُ [تَصَوُّرُهَا، لِيُمْكِنَ] إِثْبَاتُهَا وَنَفْيُهَا، وَإِلَّا جَاءَ الدَّوْرُ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 27

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُمَا عَرَبِيَّا الدَّلَالَةِ، فَيَتَوَقَّفُ دَلَالَتُهُمَا عَلَى مَعْرِفَةِ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ مِنْ جِهَةِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَالْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ، وَالْإِفْرَادِ وَالتَّرْكِيبِ، وَالِاشْتِرَاكِ وَالتَّرَادُفِ، وَالنَّقْلِ وَالْإِضْمَارِ وَغَيْرِهَا. ش - أَمَّا اسْتِمْدَادُ الْأُصُولِ مِنَ الْأَحْكَامِ فَمِنْ جِهَةِ التَّصَوُّرِ; لِأَنَّ قَصْدَ الْأُصُولِيِّ يَتَوَجَّهُ إِلَى مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنَ الْأَدِلَّةِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ مَعْرِفَةَ كَيْفِيَّةِ اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ تَتَوَقَّفُ عَلَى تَصَوُّرِ الْأَحْكَامِ. وَلِأَنَّ الْأَحْكَامَ إِمَّا مَحْمُولَاتِ الْمَسَائِلِ، كَقَوْلِنَا: مُقْتَضَى الْأَمْرِ: الْوُجُوبُ، وَمُقْتَضَى النَّهْيِ: التَّحْرِيمُ. أَوْ مُتَعَلِّقَاتُهَا. كَقَوْلِنَا: الْعَامُّ إِذَا خُصِّصَ يَكُونُ حُجَّةً فِي الْبَاقِي فَلَا بُدَّ مِنْ تَصَوُّرِهَا لِيُمْكِنَ إِثْبَاتُهَا أَوْ نَفْيُهَا. وَأَمَّا التَّصْدِيقُ بِالْأَحْكَامِ مِنْ حَيْثُ هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، فَلَا يَكُونُ اسْتِمْدَادُ الْأُصُولِ مِنْهُ ; لِأَنَّ التَّصْدِيقَ بِهَا مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ، وَهُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْأُصُولِ. فَلَوِ اسْتَمَدَّ الْأُصُولَ مِنْهُ لَزِمَ الدَّوْرُ.

стр. 28

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَكَذَا التَّصْدِيقُ بِهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ مَحْمُولَاتُ مَسَائِلِ الْأُصُولِ أَوْ مُتَعَلِّقَاتُهَا، لَا يَكُونُ مِنَ الْمَبَادِئِ ; لِأَنَّ الْمَسَائِلَ تَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَبَادِئِ. فَلَوِ اسْتَمَدَّ الْأُصُولَ مِنْهُ لِتَوَقَّفَ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ التَّصْدِيقَ بِوُجُودِ الْأَحْكَامِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، مِنْ مَسَائِلِ الْكَلَامِ، فَيَكُونُ مِنْ مَبَادِئِ الْأُصُولِ. وَالتَّصْدِيقُ بِالْأَحْكَامِ مِنْ حَيْثُ تُعَلُّقُهَا بِالْأَفْعَالِ لَا يَكُونُ مِنَ الْمَبَادِئِ لِمَا ذَكَرْنَا. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: " وَإِلَّا جَاءَ الدَّوْرُ " إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ، لَوْ حُمِلَ التَّصْدِيقُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. [الْمَبَادِئُ الْكَلَامِيَّةُ] [الدليل] ش - قِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ: " الدَّلِيلُ " إِلَى قَوْلِهِ: " مَبَادِئُ اللُّغَةِ " مِنَ الْمَبَادِئِ الْكَلَامِيَّةِ. وَإِنَّمَا ابْتَدَأَ بِهَا ; لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ اسْتِمْدَادَهُ مِنَ الْكَلَامِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ، أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ مَا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ عَلَى التَّرْتِيبِ. فَبَدَأَ بِالْكَلَامِ. وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ بَحْثَ الدَّلِيلِ وَالْقَوَاعِدِ الْمَنْطِقِيَّةِ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِالْكَلَامِ. وَنِسْبَتَهُ إِلَى الْكَلَامِ كَنِسْبَتِهِ إِلَى الْأُصُولِ ; لِأَنَّ الْمَنْطِقَ آلَةٌ لِجَمِيعِ الْعُلُومِ الْكَسْبِيَّةِ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: لَمَّا ذُكِرَ الدَّلِيلُ فِي حَدَّيِ الْأُصُولِ وَالْفِقْهِ، وَلَمْ يَسْبِقْ شَيْءٌ يُعْرَفُ مِنْهُ الدَّلِيلُ، أَرَادَ أَنْ يُشِيرَ إِلَى مَعْنَاهُ. وَالدَّلِيلُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ الْمُرْشِدُ، وَمَا بِهِ الْإِرْشَادُ. وَالْمُرْشِدُ: هُوَ النَّاصِبُ لِلْعَلَامَةِ، أَوِ الذَّاكِرُ لَهَا.

стр. 29

الْمَبَادِئُ الْكَلَامِيَّةُ. ص - الدَّلِيلُ لُغَةً: الْمُرْشِدُ. وَالْمُرْشِدُ: النَّاصِبُ، وَالذَّاكِرُ، وَمَا بِهِ الْإِرْشَادُ. ص - وَفِي الِاصْطِلَاحِ: [مَا] يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ. ص - وَقِيلَ: إِلَى الْعِلْمِ بِهِ فَتَخْرُجُ الْأَمَارَةُ. ص - وَقِيلَ: قَوْلَانِ فَصَاعِدًا يَكُونُ [عَنْهُ] قَوْلٌ آخَرُ. ص - وَقِيلَ: يَسْتَلْزِمُ لِنَفْسِهِ، فَتَخْرُجُ الْأَمَارَةُ. ص - وَلَا بُدَّ مِنْ مُسْتَلْزِمٍ لِلْمَطْلُوبِ حَاصِلٍ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ. فَمِنْ ثَمَّ وَجَبَتِ الْمُقَدِّمَتَانِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 30

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَمَا بِهِ الْإِرْشَادُ: الْعَلَامَةُ الَّتِي نُصِبَتْ لِلتَّعْرِيفِ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ " مَا بِهِ الْإِرْشَادُ " مَعْطُوفًا عَلَى " الْمُرْشِدِ " لَا عَلَى " الذَّاكِرِ ". وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى " الذَّاكِرِ " ; لِأَنَّ الْمُرْشِدَ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى النَّاصِبِ لِلْعَلَامَةِ، يُطْلَقُ عَلَى الْعَلَامَةِ الْمَنْصُوبَةِ ; إِذِ الْفِعْلُ قَدْ يُنْسَبُ إِلَى الْآلَةِ، كَمَا يُقَالُ: السِّكِّينُ قَاطِعٌ. ش - فَمَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصَّلَ، وَمَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصَّلَ، لَا بِالنَّظَرِ، وَمَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصَّلَ بِالنَّظَرِ، لَا بِصَحِيحِهِ، وَمَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصَّلَ بِصَحِيحِهِ، لَا إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ، لَا يُسَمَّى شَيْءٌ مِنْهَا دَلِيلًا. فَخَرَجَ عَنْهُ الْمُقَدَّمَاتُ الْكَاذِبَةُ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصَّلَ بِالنَّظَرِ الْفَاسِدِ فِيهَا إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ ; ضَرُورَةَ امْتِنَاعِ التَّوَصُّلِ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهَا إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ ; لِأَنَّ النَّظَرَ إِنَّمَا يَكُونُ صَحِيحًا إِذَا كَانَ مَادَّتُهُ صَادِقَةً. وَدَخَلَ فِيهِ الْمُقَدِّمَاتُ الصَّادِقَةُ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ [يُتَوَصَّلَ] بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ فِيهَا إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ.

стр. 31

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَإِمْكَانُ التَّوَصُّلِ بِالنَّظَرِ الْفَاسِدِ فِيهَا إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ، لَا يُنَافَى إِمْكَانُهُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهَا إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ. وَخَرَجَ عَنْهُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصَّلَ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إِلَى مَطْلُوبٍ تَصَوُّرِيٍّ، أَعْنِي: الْأَقْوَالَ الشَّارِحَةَ. وَإِنَّمَا قَالَ: " يُمْكِنُ " وَلَمْ يَقُلْ: يُتَوَصَّلُ بِالْفِعْلِ، لِيَتَنَاوَلَ الدَّلِيلَ الَّذِي لَمْ يُنْظَرْ فِيهِ. وَخَرَجَ عَنْهُ: الْقَضَايَا الْمُرَتَّبَةُ تَرْتِيبًا صَحِيحًا ; إِذِ الْمَرْتَبَةُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصَّلَ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيهَا. وَدَخَلَ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ الْأَمَارَةُ; لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ الْخَبَرِيَّ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عِلْمِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا. ش - وَقِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ: إِنَّ الدَّلِيلَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصَّلَ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إِلَى الْعِلْمِ بِالْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ، فَتَخْرُجُ عَنْهُ الْأَمَارَةُ ; لِأَنَّهَا لَا يُتَوَصَّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهَا إِلَى الْعِلْمِ بِالْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ، بَلْ إِلَى الظَّنِّ بِهِ. فَالدَّلِيلُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي أَخَصُّ مُطْلَقًا مِنَ الدَّلِيلِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ. ش - أَيْ وَقِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ: إِنَّهُ قَوْلَانِ، أَيْ قَضِيَّتَانِ.

стр. 32

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] قَوْلُهُ: " فَصَاعِدًا " يَتَنَاوَلُ: الْقِيَاسَ الْبَسِيطَ وَالْمُرَكَّبَ. وَقَوْلُهُ: " يَكُونُ عَنْهُ " أَيْ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا أَوْ غَيْرَهُ، لِيَتَنَاوَلَ الْأَمَارَةَ. وَخَرَجَ عَنْهُ قَضِيَّتَانِ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمَا شَيْءٌ آخَرُ. وَقَوْلُهُ: " قَوْلٌ آخَرُ " أَيْ يَكُونُ مُغَايِرًا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْقَضِيَّتَيْنِ، لِيَخْرُجَ عَنْهُ مَجْمُوعُ أَيَّةِ قَضِيَّتَيْنِ اتَّفَقَتَا ; فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ إِحْدَاهُمَا. ش - أَيْ وَقِيلَ فِي تَعْرِيفِ الدَّلِيلِ: إِنَّهُ قَوْلَانِ فَصَاعِدًا يَسْتَلْزِمُ لِنَفْسِهِ قَوْلًا آخَرَ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِلْزَامُ بَيِّنًا أَوْ غَيْرَهُ. فَيَتَنَاوَلُ الْأَشْكَالَ الْأَرْبَعَةَ، وَالْقِيَاسَ الِاسْتِثْنَائِيَّ. وَيَخْرُجُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ " لِنَفْسِهِ " قِيَاسُ الْمُسَاوَاةِ، كَقَوْلِنَا: (أ) مُسَاوٍ لِـ (ب) ، وَ (ب) مُسَاوٍ لِـ (ج) ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ (أ) مُسَاوٍ لِـ (ج) ، وَلَكِنْ لَا لِنَفْسِهِ، بَلْ بِوَاسِطَةِ مُقَدِّمَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، أَيْ مُقَدِّمَةٍ غَيْرِ لَازِمَةٍ لِإِحْدَى مُقَدِّمَتِي الْقِيَاسِ، وَهُوَ قَوْلُنَا: كُلُّ مَا هُوَ مُسَاوٍ لِـ (ب) مُسَاوٍ لِـ (ج) . وَكَذَا خَرَجَ عَنْهُ الْقَوْلُ الْمُؤَلَّفُ مِنْ قَوْلَيْنِ الْمُسْتَلْزِمُ لِقَوْلٍ آخَرَ بِوَاسِطَةِ عَكْسِ نَقِيضِ إِحْدَى مُقَدِّمَتَيْهِ.

стр. 33

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] كَقَوْلِنَا: جُزْءُ الْجَوْهَرِ يُوجِبُ ارْتِفَاعُهُ ارْتِفَاعَ الْجَوْهَرِ، وَمَا لَيْسَ بِجَوْهَرٍ لَا يُوجِبُ ارْتِفَاعُهُ ارْتِفَاعَ الْجَوْهَرِ. فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ قَوْلَنَا: الْجَوْهَرُ جَوْهَرٌ، وَلَكِنْ لَا لِنَفْسِهِ، بَلْ بِوَاسِطَةِ عَكْسِ نَقِيضِ الْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ، وَهُوَ قَوْلُنَا: مَا يُوجِبُ ارْتِفَاعُهُ ارْتِفَاعَ الْجَوْهَرِ فَهُوَ جَوْهَرٌ. وَكَذَا خَرَجَ عَنْهُ: الْأَمَارَةُ ; فَإِنَّهَا لَا تَسْتَلْزِمُ لِنَفْسِهَا قَوْلًا آخَرَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْأَمَارَةِ وَمَا تُفِيدُهُ رَبْطٌ عَقْلِيٌّ يَقْتَضِي لُزُومَ الْقَوْلِ الْآخَرِ عَنْهَا. وَالدَّلِيلُ بِالْمَعْنَى الثَّالِثِ أَخَصُّ مِنْهُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ مِنْ وَجْهٍ؛ ضَرُورَةَ صِدْقِ الْأَوَّلِ بِدُونِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَوْلِ، وَصِدْقِ الثَّالِثِ بِدُونِهِ عَلَى الْقَضَايَا الْمُرَتَّبَةِ تَرْتِيبًا صَحِيحًا، وَصِدْقِهِمَا مَعًا عَلَى الْأَقْوَالِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصَّلَ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهَا إِلَى الْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ. وَكَذَا بَيْنَ الثَّانِي وَالثَّالِثِ عُمُومٌ مِنْ وَجْهٍ، وَكَذَا بَيْنَ الرَّابِعِ وَبَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي. وَالرَّابِعُ أَخَصُّ مِنَ الثَّالِثِ مُطْلَقًا ; ضَرُورَةَ خُرُوجِ الْأَمَارَةِ عَنْهُ. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ ذِكْرَ خُصُوصِيَّةِ الْقَوْلِ ; إِذِ اسْتِحْضَارُ الْمَعْنَى عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ مَلْزُومًا، وَلَوْ مَا يَتَخَيَّلُ الْقَوْلَ، وَلَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ، يَكُونُ دَلِيلًا، إِلَّا إِذَا كَانَ فِي الِاصْطِلَاحِ مَخْصُوصًا بِالْقَوْلِ. وَحِينَئِذٍ يَجِبُ تَخْصِيصُ مَا فِي قَوْلِهِ " مَا يُمْكِنُ " أَيْضًا لِقَوْلِ: فِيهِ مَا فِيهِ ; لِجَوَازِ أَنْ يَصْطَلِحَ قَوْمٌ عَلَى تَخْصِيصِ الدَّلِيلِ بِالْقَوْلِ، وَقَوْمٌ عَلَى عَدَمِ تَخْصِيصِهِ بِهِ. ش - أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الدَّلِيلَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا مِنْ مُقَدَّمَتَيْنِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ الْخَبَرِيَّ إِذَا كَانَ مَجْهُولًا فَلَابُدَّ وَأَنْ يَكُونَ فِي الدَّلِيلِ أَمْرٌ يُوجِبُ الْعِلْمَ أَوِ الظَّنَّ بِهِ. وَذَلِكَ الْأَمْرُ يُسَمَّى " الْوَسَطَ ". وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ " وَلَا بُدَّ مِنْ مُسْتَلْزِمٍ لِلْمَطْلُوبِ ". وَالْوَسَطُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ حَاصِلًا لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، فَيَحْصُلُ الصُّغْرَى، وَالْمَحْكُومُ بِهِ حَاصِلًا لَهُ أَوْ مَسْلُوبًا (عَنْهُ، أَوِ الْوَسَطُ) مَسْلُوبًا عَنِ (الْمَحْكُومِ بِهِ) فَيَحْصُلُ الْكُبْرَى. فَمِنْ ثَمَّ وَجَبَتِ الْمُقَدِّمَتَانِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مَخْصُوصٌ بِالشَّكْلِ الْأَوَّلِ، وَبِضُرُوبِ الشَّكْلِ الثَّانِي الَّتِي صُغْرَاهَا مُوجَبَةٌ. وَلَا يَخْتَصُّ بِالِاقْتِرَانِيِّ الْحَمْلِيِّ كَمَا ظَنَّ بَعْضٌ، بَلْ يَتَنَاوَلُ الشُّرْطِيَّ أَيْضًا. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بَيَانَ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ فَقَطْ، لِأَنَّ بَاقِيَ الْأَشْكَالِ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ. فَيَكُونُ تَقْدِيرُ كَلَامِهِ " وَلَا بُدَّ مِنْ مُسْتَلْزِمٍ حَاصِلٍ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَالْمَحْكُومِ بِهِ حَاصِلٌ لَهُ أَوْ مَسْلُوبٌ عَنْهُ ". [النظر] ش - لَمَّا ذَكَرَ النَّظَرَ فِي تَعْرِيفِ الدَّلِيلِ أَرَادَ أَنْ يُشِيرَ إِلَى مَعْنَاهُ. وَالنَّظَرُ يُطْلَقُ عَلَى الْبَصَرِيِّ وَعَلَى الْفِكْرِيِّ وَالْمُرَادُ هَهُنَا هُوَ الثَّانِي. فَلِذَلِكَ قَالَ: النَّظَرُ: الْفِكْرُ. وَالْفِكْرُ يُطْلَقُ عَلَى حَرَكَةِ النَّفْسِ بِالْقُوَّةِ الَّتِي آلَتُهَا مُقَدَّمُ الْبَطْنِ الْأَوْسَطِ مِنَ الدِّمَاغِ الْمُسَمَّى بِالدُّودَةِ، أَيَّةُ حَرَكَةٍ كَانَتْ (أَعَمُّ مِنْ) أَنْ تَكُونَ فِي الْمَحْسُوسَاتِ أَوْ فِي الْمَعْقُولَاتِ. وَعَلَى حَرَكَتِهَا إِذَا كَانَتْ مِنَ الْمَطَالِبِ إِلَى الْمَبَادِئِ وَرُجُوعِهَا عَنْهَا إِلَى الْمَطَالِبِ. (وَقَدْ يُرْسَمُ) الْفِكْرُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي بِأَنَّهُ: تَرْتِيبُ أُمُورٍ حَاصِلَةٍ فِي الذِّهْنِ ; لِيُتَوَصَّلَ بِهَا إِلَى أُمُورٍ مُسْتَحْصِلَةٍ. وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى حَرَكَةِ النَّفْسِ مِنَ الْمَطَالِبِ إِلَى الْمَبَادِئِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْعَلَ الرُّجُوعُ مِنْهَا إِلَى الْمَطَالِبِ جُزْءًا مِنْهُ. وَلَمَّا كَانَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ هُوَ الْفِكْرَ بِالْمَعْنَى الثَّانِي - قَالَ: " الَّذِي (يُطْلَبُ مِنْهُ) عِلْمٌ أَوْ ظَنٌّ " تَصَوُّرًا أَوْ تَصْدِيقًا. [العلم] ش - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حَقِيقَةِ الْعِلْمِ وَفِي تَحْدِيدِهِ، لَا لِخَفَائِهَا بَلْ لِغَايَةِ وُضُوحِهَا.

стр. 34

ص - وَالنَّظَرُ: الْفِكْرُ الَّذِي يُطْلَبُ بِهِ عِلْمٌ أَوْ ظَنٌّ. ص - وَالْعِلْمُ، قِيلَ: لَا يُحَدُّ. فَقَالَ الْإِمَامُ: لِعُسْرِهِ. ص - وَقِيلَ: لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ، مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ غَيْرَ الْعِلْمِ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالْعِلْمِ فَلَوْ عُلِمَ الْعِلْمُ بِغَيْرِهِ، كَانَ دَوْرًا. ص - وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَوَقُّفَ تَصَوُّرِ غَيْرِ الْعِلْمِ عَلَى حُصُولِ الْعِلْمِ بِغَيْرِهِ، لَا عَلَى تَصَوُّرِهِ، فَلَا دَوْرَ. ص - وَثَانِيهُمَا أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ وُجُودَهُ ضَرُورَةً. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 35

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَحْدِيدُهُ. فَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لِعُسْرِهِ. وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى أَنَّهُ يَعْسُرُ تَحْدِيدُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْحَقِيقِيِّ بِعِبَارَةٍ مُحَرَّرَةٍ لِلْجِنْسِ الذَّاتِيِّ وَالْفَصْلِ ; فَإِنَّ أَكْثَرَ الْمُدْرَكَاتِ الْحِسِّيَّةَ مِثْلِ الرَّوَائِحِ وَالطَّعُومِ مِمَّا يَعْسُرُ حَدُّهُ لِصُعُوبَةِ الِاطِّلَاعِ عَلَى ذَاتِيَّاتِهَا الْمُشْتَرَكَةِ وَالْمُخْتَصَّةِ. وَإِذَا كَانَ حَالُ الْمُدْرَكَاتِ كَذَلِكَ، فَمَا قَوْلُكَ فِي الْإِدْرَاكَاتِ. وَلَكِنْ يُمْكِنُنَا أَنْ نَشْرَحَ مَعْنَاهُ بِتَقْسِيمٍ وَمِثَالٍ.

стр. 36

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِتَحْدِيدِهِ: التَّحْدِيدَ بِالْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ، لَا تَعْرِيفَهُ مُطْلَقًا. فَسَقَطَ سُؤَالُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمِثَالَ وَالتَّقْسِيمَ إِنْ أَفَادَ التَّمْيِيزَ صَلُحَا لِلتَّعْرِيفِ الرَّسْمِيِّ، وَإِلَّا لَمْ يَصْلُحَا لِلتَّعْرِيفِ. وَقِيلَ اكْتِسَابُهُ بِالتَّعْرِيفِ عَسِيرٌ; إِذْ فِيهِ إِضَافَةٌ اشْتَبَهَتْ أَنَّهُ مِنْ عَوَارِضِهِ أَوْ مِنْ ذَاتِيَّاتِهِ. وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ هَذَا الِاشْتِبَاهَ لَا يَمْنَعُ التَّعْرِيفَ. غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ يُمْنَعُ تَحْدِيدُهُ بِالْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ، لَا مُطْلَقًا، بَلْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ. ش - قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ: إِنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَحْدِيدُهُ

стр. 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] لِكَوْنِهِ ضَرُورِيًّا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ضَرُورِيًّا - لَامْتَنَعَ تَصَوُّرُهُ. وَالثَّانِي ظَاهِرُ الْفَسَادِ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. وَبَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ضَرُورِيًّا - لَكَانَ كَسْبِيًّا ; إِذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا. وَحِينَئِذٍ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِغَيْرِهِ ; لِامْتِنَاعِ كَوْنِ الشَّيْءِ مُعَرِّفًا لِنَفْسِهِ. وَغَيْرُ الْعِلْمِ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالْعِلْمِ فَيَتَوَقَّفُ مَعْرِفَةُ الْعِلْمِ عَلَى غَيْرِهِ وَمَعْرِفَةُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ فَيَلْزَمُ امْتِنَاعُ تَصَوُّرِهِ. ش - تَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: تَوَقَّفَ تَصَوُّرُ غَيْرِ الْعِلْمِ عَلَى

стр. 38

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] حُصُولِ نَفْسِ الْعِلْمِ بِغَيْرِهِ لَا عَلَى تَصَوُّرِ الْعِلْمِ بِغَيْرِهِ، وَحُصُولُ نَفْسِ الْعِلْمِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِغَيْرِهِ، بَلْ تَصَوُّرُ الْعِلْمِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِغَيْرِهِ، فَلَا دَوْرَ. فَإِنْ قِيلَ: تَصَوُّرُ غَيْرِ الْعِلْمِ هُوَ حُصُولُ الْعِلْمِ بِغَيْرِهِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُ: تَوَقَّفَ تَصَوُّرُ غَيْرِ الْعِلْمِ عَلَى حُصُولِ الْعِلْمِ بِغَيْرِهِ. أُجِيبَ بِأَنَّ تَوَقُّفَ تَصَوُّرِ غَيْرِ الْعِلْمِ أَخَصُّ مِنْ حُصُولِ الْعِلْمِ بِغَيْرِهِ ; لِأَنَّ الْعِلْمَ يَنْقَسِمُ إِلَى التَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ، وَلَا امْتِنَاعَ فِي تَوَقُّفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ. قِيلَ فِي تَقْرِيرِ الْجَوَابِ: إِنَّ غَيْرَ الْعِلْمِ يَتَوَقَّفُ تَصَوُّرُهُ عَلَى حُصُولِ الْعِلْمِ بِالْغَيْرِ لَا عَلَى تَصَوُّرِهِ، وَتَصَوُّرُ الْعِلْمِ يَتَوَقَّفُ عَلَى حُصُولِ الْغَيْرِ لَا عَلَى تَصَوُّرِهِ. وَهُوَ بَاطِلٌ ; فَإِنَّ تَصَوُّرَ الْعِلْمِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُصُولِ الْغَيْرِ، بَلْ عَلَى تَصَوُّرِهِ ; لِأَنَّ تَصَوَّرَ الْمَحْدُودِ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَصَوُّرِ الْحَدِّ. ش - الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ وُجُودَهُ ضَرُورَةً، وَهُوَ عِلْمٌ خَاصٌّ. وَإِذَا كَانَ الْعِلْمُ الْخَاصُّ ضَرُورِيًّا، كَانَ مُطْلَقُ الْعَلَمِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا. ش - تَقْرِيرُهُ أَنَّ الْعِلْمَ الْخَاصَّ يَسْتَلْزِمُ حُصُولَ الْعِلْمِ الْمُطْلَقِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ أَمْرٍ تُصَوُّرُهُ أَوْ تُقَدُّمُ تَصَوُّرِهِ. وَإِنَّمَا أَكَّدَ بِقَوْلِهِ: " أَوْ تَقَدُّمُ تَصَوُّرِهِ " دَفْعًا لِوَهْمٍ: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ حُصُولَ الْعِلْمِ يَسْتَلْزِمُ تَصَوُّرَهُ حَالَ حُصُولِهِ أَوْ قَبْلَهُ. وَقَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ فِي تَقْرِيرِ الْوَجْهِ الثَّانِي: إِنَّ مُطْلَقَ الْعِلْمِ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَدِيهِيًّا - لَمَا كَانَ تَصْدِيقٌ بَدِيهِيٌّ. وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ مُطْلَقَ الْعِلْمِ لَوْ تَوَقَّفَ عَلَى الْكَسْبِ - وَالتَّصْدِيقُ أَحَدُ قِسْمَيِ الْعِلْمِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَى مُطْلَقِ الْعِلْمِ - لَتَوَقَّفَ التَّصْدِيقُ عَلَى الْكَسْبِ ; لِأَنَّ الْمُتَوَقِّفَ عَلَى التَّوَقُّفِ عَلَى الشَّيْءِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ. وَقَرَّرَ جَوَابَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. وَهُوَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ اعْتَرَضَ عَلَى الْمُلَازَمَةِ، وَعَلَى أَنَّ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ يُنْتِجَ الْمُلَازَمَةَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ أَمْرٍ تَصَوُّرُهُ، وَلَا تَقَدُّمُ تَصَوُّرِهِ، أَيْ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الْعِلْمِ بِبَدَاهَةِ التَّصْدِيقِ تَصَوُّرُ الْعِلْمِ وَلَا تَقَدُّمُ تَصَوُّرِهِ ; إِذِ الْمُرَادُ بِبَدَاهَةِ التَّصْدِيقِ أَنَّ الْعِلْمَ بِانْتِسَابِ طَرَفَيْهِ حَصَلَ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ. وَحُصُولُ الْعِلْمِ بِالِانْتِسَابِ وَبِطَرَفَيْهِ لَا يَسْتَدْعِي تَصَوُّرَهُ.

стр. 39

ص - وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ أَمْرٍ تُصَوُّرُهُ أَوْ تُقَدُّمُ تَصَوُّرِهِ. ص - ثُمَّ نَقُولُ: لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا - لَكَانَ بَسِيطًا ; إِذْ هُوَ مَعْنَاهُ. وَيَلْزَمُ [مِنْهُ] أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَعْنًى عِلْمًا. ص - وَأَصَحُّ الْحُدُودِ: صِفَةٌ تُوجِبُ تَمْيِيزًا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ. ص - فَيَدْخُلُ إِدْرَاكُ الْحَوَاسِّ، كَالْأَشْعَرِيِّ. ص - وَإِلَّا زِيدَ: " فِي الْأُمُورِ الْمَعْنَوِيَّةِ ". ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 40

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَلَعَلَّ هَذَا الشَّارِحَ إِذَا لَاحَظَ قَوْلَهُ: " إِذِ الْمُرَادُ بِبَدَاهَةِ التَّصْدِيقِ أَنَّ الْعِلْمَ بِانْتِسَابِ طَرَفَيْهِ حَصَلَ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ " وَتَفَكَّرَ فِي تَفْسِيرِهِ الْبَدَاهَةَ، لَمْ يَجِدْ هَذَا الْجَوَابَ كَمَا يَنْبَغِي ; لِأَنَّ الْعِلْمَ بِبَدَاهَةِ التَّصْدِيقِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرَهُ عِلْمٌ بِعِلْمٍ خَاصٍّ، وَالْعِلْمُ بِالْعِلْمِ الْخَاصِّ مُسْتَلْزِمٌ لِلْعِلْمِ بِالْعِلْمِ الْمُطْلَقِ. فَحُصُولُ الْعِلْمِ بِبَدَاهَةِ التَّصْدِيقِ يَسْتَدْعِي تَصَوُّرَ الْعِلْمِ. بَلِ الْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَصَوُّرَ مُطْلَقِ الْعِلْمِ لَوْ كَانَ بِالْكَسْبِ، يَلْزَمُ كَسَبِيَّةَ التَّصْدِيقِ. قَوْلُهُ: لِأَنَّ التَّصْدِيقَ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُطْلَقِ الْعِلْمِ، وَمُطْلَقُ الْعِلْمِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْكَسْبِ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُطْلَقَ الْعِلْمِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْكَسْبِ، بَلْ تَصَوُّرُ مُطْلَقِ الْعِلْمِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْكَسْبِ، وَالتَّصْدِيقُ الْبَدِيهِيُّ يَتَوَقَّفُ عَلَى حُصُولِ الْعِلْمِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الْعِلْمِ تَصَوُّرُهُ أَوْ تَقَدُّمُ تَصَوُّرِهِ. ش - لَمَّا أَبْطَلَ الدَّلِيلَيْنِ اسْتَدَلَّ عَلَى امْتِنَاعِ كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا، وَبَنَى عَلَى تَعْرِيفِهِ التَّصَوُّرَ الضَّرُورِيَّ بِأَنَّهُ لَا يَتَقَدَّمُهُ تَصَوُّرٌ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ لِانْتِفَاءِ التَّرْكِيبِ فِي مُتَعَلِّقِهِ. فَقَالَ: " لَوْ كَانَ الْعِلْمُ ضَرُورِيًّا، لَكَانَ بَسِيطًا " وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
следующие страницы →