س: قال الله - تعالى -: ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (١) ما معنى اللغو بالأيمان في هذه الآية؟ (٢)
ج: الآية واضحة، يقول الله : ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ الآية، وفي الآية الآخرى قال سبحانه: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ (٣). وكسب القلوب: نيتها وقصدها؛ الإيمان بالله والمحبة لله، والخوف من الله والرجاء لله كل هذا من كسب القلوب، وهكذا نية الحالف وقصده لليمين وإقباله عليها، هذا من كسب القلوب. أما عند عدم اليمين؛ لكونه يتكلم باليمين من غير قصد، بل جرت على لسانه من غير قصد، مثل: والله ما أقوم، والله ما أتكلم، والله ما أذهب لكذا .. إلى آخره، ولم يتعمدها، بل جرت على لسانه لكن من غير قصد؛ أي عقد اليمين على هذا الشيء من غير قصد القلب على فعل هذا الشيء، هذا هو لغو اليمين؛ قول الرجل: لا والله، كما جاء في هذا المعنى عن عائشة ﵂ وغيرها في اللغو باليمين.
أما إذا نوى اليمين بقلبه أنه لا يكلمه، أو: لا والله لا أزوره، أو: لا والله لا أفعل كذا، أو: لا أشرب الدخان، أو: والله لا أشرب الخمر، فهذا عليه كفارة يمين إذا نقض يمينه، وهي: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو أن يعتق رقبة، فإن عجز عن الثلاثة صام ثلاثة أيام؛ لقوله - جل وعلا -: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ
стр. 317
فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ﴾. والمقصود: أن الأَيمان اللاغية هي التي لا تتعمد، بل تجري على اللسان بغير قصد، هذه هي لغو اليمين، وليست يميناً منعقدة، وليست من كسب القلوب، أما إذا عقدها قاصداً لها بقلبه فهذا من كسب القلوب، وهذا من تعقيد الأيمان، فعلى صاحب هذه اليمين إذا خالفها أن يكفر كفارة اليمين - كما تقدم -.
فإذا قال: والله لا أكلم فلاناً، قاصداً بقلبه ثم كلمه، فعليه كفارة يمين، أو قال: والله لا أزوره ثم زاره، فعليه كفارة يمين، بخلاف إذا مرّ على لسانه اليمين بغير قصد لم يتعمدها، فليس عليه شيء.
س: قال الله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ (١). الآية. ما المقصود بـ (النور) في الآية؟ (٢)
ج: إن الله ولي الذين آمنوا، وناصرهم ومعينهم وموفقهم؛ يخرجهم من الظلمات؛ ظلمات الشرك وظلمات المعاصي والبدع، إلى نور التوحيد والحق والإيمان؛ يعني بواسطة الرسل، وبواسطة كتبه المنزلة. فكفار قريش، وكفار بني إسرائيل وغيرهم أولياؤهم الطاغوت، والطاغوت: الشيطان من الإنس والجن، فالشياطين من الإنس والجن هم أولياء الكفرة؛ يخرجونهم من نور التوحيد إلى ظلمات الشرك والجهل والمعاصي والبدع.
стр. 318
فالنور في هذه الآية المقصود به: التوحيد والإيمان والهدى، والظلمات: الشرك والمعاصي والبدع - نسأل الله العافية -.
س: تحدثني نفسي أحياناً بفعل منكر أو قول سوء، ولكني في أحيان كثيرة لا أظهر القول أو الفعل، فهل عليَّ إثم في ذلك، وما المقصود بقوله : ﴿لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ﴾ (١) الآية؟
ج: هذه الآية الكريمة نسخها الله سبحانه بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٢) الآية. وصح عن رسول الله ﷺ أن الله قال: «قد فعلت» خرجه مسلم في صحيحه، وقال النبي ﷺ : «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» (٣) متفق على صحته.
وبذلك يعلم أن ما يقع في النفس من الوساوس والهم ببعض السيئات معفو عنه، ما لم يتكلم به صاحبه أو يعمل به.
ومتى ترك ذلك خوفاً من الله سبحانه كتب الله له بذلك حسنة؛ لأنه قد صح عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك. والله ولي التوفيق.
стр. 319
س: لقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. ما المقصود بالمنافقين والنفاق في هذه الآية الكريمة، وأرجو أن تتفضلوا بإيضاح المعنى (١)؟
ج: المراد بالمنافقين هم: الذين يتظاهرون بالإسلام وهم على غير الإسلام، يدعون أنهم مسلمون، وهم في الباطن يكفرون بالله ويكذبون الرسول ﵊ هؤلاء هم المنافقون.
سموا منافقين؛ لأنهم أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، كما في قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ. يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ. فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾ أي: شك وريب- ﴿فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٢). والآيات بعدها في سورة (البقرة).
هؤلاء هم المنافقون، وهم يكفرون بالله ويكذبون رسله في قوله - جل وعلا -: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً. مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلاء وَلَا إِلَى هَؤُلاء﴾ (٣).
والمعنى: أنهم مترددون بين الكفار والمسلمين؛ تارة مع الكفار إذا ظهر الكفر وانتصروا، وتارة مع المؤمنين إن ظهروا وانتصروا، فليس عندهم ثبات ولا دين مستقيم ولا إيمان ثابت، بل هم مذبذبون بين الكفر والإيمان، وبين الكفار والمسلمين.
стр. 320
وقد صرح الله بكفرهم في قوله - تعالى-: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ. فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (١).
هؤلاء هم المنافقون - نسأل الله العافية والسلامة -.
س: ما معنى قول الحق ﵎: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٢)(٣).
ج: هذه الآية العظيمة يحذر الله فيها سبحانه عباده من الأمن من مكره، فيقول سبحانه: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
المقصود من هذا: تحذير العباد من الأمن من مكره؛ بالإقامة على معاصيه، والتهاون بحقه، والمراد من مكر الله به: كونه يملي لهم، ويزيدهم من النعم والخيرات وهم مقيمون على معاصيه وخلاف أمره، فهم جديرون بأن يؤخذوا على غفلتهم ويعاقبوا على غرتهم؛ بسبب إقامتهم على معاصيه، وأمنهم من عقابه وغضبه، كما قال سبحانه: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ. وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (٤)، وقال : ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ
стр. 321
وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا
عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ﴾ (٢)؛ أي: آيسون من كل خير.
فالواجب على المسلمين ألا يقنطوا من رحمة الله، ولا يأمنوا من مكره وعقوبته، بل يجب على كل مسلم أن يسير إلى الله سبحانه في هذه الدنيا - الدار الفانية - بين الخوف والرجاء، فيذكر عظمته وشدة عقابه إذا خالف أمره، فيخافه ويخشى عقابه، ويذكر رحمته وعفوه ومغفرته وجوده وكرمه، فيحسن به الظن، ويرجو كرمه وعفوه. والله الموفق سبحانه لا إله غيره، ولا رب سواه.
س: ما تفسير قول الحق ﵎ في سورة (الرعد): ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٣)؟
ج: الآية الكريمة آية عظيمة، تدل على أن الله ﵎ بكمال عدله وكمال حكمته، لا يُغير ما بقوم - من خير إلى شر ومن شر إلى خير، ومن رخاء إلى شدة ومن شدة إلى رخاء - حتى يغيروا ما بأنفسهم.
فإذا كانوا في صلاح واستقامة وغيروا، غير الله عليهم بالعقوبات والنكبات والشدائد والجدب والقحط والتفرق، وغير هذا من أنواع العقوبات جزاءً وفاقاً، قال سبحانه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (٤).
стр. 322
وقد يمهلهم سبحانه ويملي لهم، ويستدرجهم لعلهم يرجعون، ثم يؤخذون على غرة؛ كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ﴾ (١)؛ يعني: آيسون من كل خير - نعوذ بالله من عذاب الله ونقمته. وقد يؤجلون إلى يوم القيامة فيكون عذابهم أشد، كما قال سبحانه ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ (٢)، والمعنى: أنهم يؤجلون ويمهلون إلى ما بعد الموت، فيكون ذلك أعظم في العقوبة وأشد نقمة.
وقد يكونون في شر وبلاء ومعاصٍ، ثم يتوبون إلى الله ويرجعون إليه ويندمون ويستقيمون على الطاعة فيغير الله مابهم؛ من بؤس وفرقة ومن شدة وفقر، إلى رخاء ونعمة واجتماع كلمة وصلاح حال؛ بأسباب أعمالهم الطيبة، وتوبتهم إلى الله .
وقد جاء في الآية الأخرى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (٣). فهذه الآية تبين لنا أنهم إذا كانوا في نعمة ورخاء وخير ثم غيروا بالمعاصي، غير عليهم - ولا حول ولا قوة إلا بالله - وقد يمهلون - كما تقدم -.
والعكس كذلك؛ إذا كانوا في سوء ومعاص أو كفر وضلال، ثم تابوا وندموا واستقاموا على طاعة الله، غير الله حالهم من الحالة السيئة إلى الحالة الحسنة، وغير تفرقهم إلى اجتماع ووئام، وغير شدتهم إلى نعمة وعافية ورخاء، وغير حالهم من جدب وقحط وقلة مياه ونحو ذلك، إلى إنزال الغيث ونبات الأرض، وغير ذلك من أنواع الخير.
стр. 323
س: أرجو تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ (١)(٢).
ج: هذه الآية عظيمة، وهي تدل على أن العلماء - وهم العلماء بالله وبدينه، وبكتابه العظيم، وسنة رسوله الكريم - هؤلاء هم أكمل الناس خشية لله، وأكملهم تقوى لله وطاعة له سبحانه وعلى رأسهم الرسل والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -.
فمعنى: (إنما يخشى الله)؛ أي الخشية الكاملة من عباده (العلماء)، وهم الذين عرفوا ربهم بأسمائه وصفاته وعظيم حقه وتبصروا في شريعته، وآمنوا بما عنده من النعيم لمن اتقاه، وما عنده من العذاب لمن عصاه وخالف أمره.
فهم لكمال علمهم بالله، وكمال معرفتهم بالحق، كانوا أشد الناس خشية لله، وأكثر الناس خوفاً من الله؛ وتعظيماً له .
وليس معنى الآية: أنه لا يخشى الله إلا العلماء، فإن كل مسلم ومسلمة وكل مؤمن ومؤمنة يخشى الله ويخافه سبحانه لكن الخوف متفاوت، ليسوا على حدٍ سواء. فكلما كان المؤمن أعلم بالله وأفقه في دينه، كان خوفه من الله أكثر، وخشيته أكمل، وهكذا المؤمنة؛ كلما كانت أعلم بالله وأعلم بصفاته وعظيم حقه، كان خوفها من الله أعظم، وكانت خشيتها لله أكمل من غيرها، وكلما قلَّ العلم وقلّت البصيرة قلّ الخوف من الله، وقلّت الخشية له سبحانه.
فالناس متفاوتون في هذا، حتى العلماء متفاوتون، فكلما كان العالم أعلم بالله، وكلما كان العالم أقوم بحقه وبدينه، وأعلم بأسمائه وصفاته، كانت خشيته لله أكمل ممن دونه في هذه الصفات، وكلما نقص العلم نقصت الخشية لله.
стр. 324
ولكن جميع المؤمنين والمؤمنات كلهم يخشون الله على حسب علمهم ودرجاتهم في الإيمان؛ ولهذا يقول - جل وعلا -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ. جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (٣). فهم مأجورون على خشيتهم لله، وإن كانوا غير علماء وكانوا من العامة، لكن كمال الخشية يكون للعلماء؛ لكمال بصيرتهم وكمال علمهم بالله، فتكون خشيتهم لله أعظم. وبهذا يتضح معنى الآية، ويزول ما يتوهم بعض الناس من الإشكال في معناها. والله ولي التوفيق.
س: قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٤)، فإذا كان الإنسان لديه القدرة على العيش في رغد، فهل تنطبق عليه هذه الآية الكريمة؟ وما معنى ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾؟ (٥)
ج: معنى الآية: أن الله أمر النبي ﷺ أن يتحدث بنعم الله؛ فيشكر الله قولاً كما يشكره عملاً.
стр. 325
فالتحدث بالنعم كأن يقول المسلم: إننا بخير والحمد لله، وعندنا خير كثير، وعندنا نعم كثيرة، نشكر الله على ذلك؛ لا يقول: نحن ضعفاء، وليس عندنا شيء .. لا، بل يشكر الله ويتحدث بنعمه، ويقر بالخير الذي أعطاه الله، لا يتحدث بالتقتير؛ كأن يقول: ليس عندنا مال ولا لباس … ولا كذا ولا كذا، لكن يتحدث بنعم الله، ويشكر ربه .
والله سبحانه إذا أنعم على عبده نعمة، يحب أن يرى أثرها على ملابسه وفي أكله وفي شربه، فلا يكون في مظهر الفقراء، والله قد أعطاه المال ووسع عليه، لا تكون ملابسه ولا مأكله كالفقراء، بل يظهر نعم الله في مأكله ومشربه وملبسه.
ولكن لا يفهم من هذا: الزيادة التي فيها الغلو، وفيها الإسراف والتبذير.
س: هل المدرس الذي يدرس تلاميذه القرآن من المصحف الشريف يجب عليه أن يكون طاهراً أم لا يشترط طهارته؟ (١)
ج: المدرس وغيره في هذا الباب سواء، ليس له أن يمس المصحف وهو على غير طهارة عند جمهور أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة - رحمة الله عليهم -؛ لقول النبي ﷺ في حديث عمرو بن حزم: «لا يمس القرآن إلا طاهر» (٢)، وهو حديث جيد الإسناد، رواه أبو داود وغيره متصلاً ومرسلاً، وله طرق تدل على صحته واتصاله، وبذلك أفتى أصحاب النبي ﷺ ، - ورضي الله عنهم - والله ولي التوفيق.
стр. 326
س: ما رأي سماحتكم في رجل يقرأ القرآن الكريم وهو لا يحسن القراءة؛ بسبب أنه لم يحصل على قسط وافر من التعليم، وهو في قراءته يلحن لحناً جلياً؛ بحيث يتغير مع قراءته المعنى، ويحتج بحديث عائشة ﵂: «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به … ». الحديث؟ (١)
ج: عليه أن يجتهد ويحرص على أن يقرأه على من هو أعلم منه، ولا يدع القراءة؛ لأن التعلم يزيده خيراً، والحديث المذكور حجة له، وهو قول النبي ﷺ : «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن وهو عليه شاق ويتتعتع فيه له أجران» (٢) رواه مسلم، ومعنى يتتعتع: قلة العلم بالقراءة، وهكذا قوله: «وهو عليه شاق»؛ معناه: قلة علمه بالقراءة.
فعليه أن يجتهد ويحرص على تعلم القراءة على من هو أعلم منه، وفي ذلك فضل عظيم؛ لقول النبي ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» خرجه البخاري في صحيحه، فخيار المسلمين هم أهل القرآن؛ تعلُّماً وتعليماً وعملاً ودعوةً وتوجيهاً.
والمقصود من العلم والتعلم هو العمل، وخير الناس من تعلم القرآن وعمل به وعلَّمه الناس، ويقول ﵊: «اقرأوا هذا القرآن فإنه يأتي شفيعاً لأصحابه يوم القيامة» رواه مسلم في صحيحه، ويقول ﵊: «القرآن حجة لك أو عليك» (٣). خرجه مسلم أيضاً في صحيحه، والمعنى: أنه حجة لك إن عملت به، أو حجة عليك إن لم تعمل به. والله أعلم.
стр. 327
س: ما حكم قراءة القرآن للناس بأجرة؟ أفيدونا - جزاكم الله خيراً -؟ (١)
ج: إن كان المقصود تعليم القرآن للناس وتحفيظهم إياه، فلا حرج في أخذ الأجرة على ذلك - في أصح قولي العلماء -؛ للحديث الصحيح في القراءة على اللديغ بشرط أجرة معلومة، ولقوله ﷺ في الحديث نفسه: «إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله» أخرجه البخاري ﵀ في صحيحه، أما إذا كان المراد أخذ الأجرة على مجرد التلاوة في أي مناسبة، فهذا لا يجوز أخذ الأجرة عليه.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه لا يعلم نزاعاً بين أهل العلم في تحريم ذلك.
س: هل تجوز تلاوة القرآن بصوت مرتفع بالمسجد، علماً بوجود من يتنفل في تلك اللحظات بالمسجد من المصلين؟ (٢)
ج: لا ينبغي رفع الصوت بالقراءة في المسجد، إذا كان حوله من يتشوش بذلك من المصلين بالقراءة، وهكذا إذا كان القارئ في أي مكان حوله مصلون أو قراء، فإن السنة أن لا يرفع صوته عليهم؛ لما ثبت عنه ﷺ أنه خرج ذات يوم على الناس يصلون في المسجد ويجهرون بالقراءة فقال ﵊: «كلكم يناجي الله فلا يؤذ بعضكم بعضاً» (٣).
س: ما حكم وضع المصاحف على الحامل بين الصفوف خلف ظهور المصلين؟ (٤)
ج: لا نعلم بأساً في ذلك للضرورة.
стр. 328
س: ما جزاء من قام بحرق القرآن الكريم سهواً، ولم يعرف إلا بعد ما مضى هذا الفعل؟ (١)
ج: ليس عليه شيء ما دام سهواً، مثل أن حرقه وهو لا يدري أنه قرآن، وكذلك إذا حرقه عمداً لكونه متقطعاً لا ينتفع به؛ حتى لا يمتهن، فلا بأس عليه؛ لأن القرآن إذا تقطع وتمزق ولم ينتفع به يحرق أو يدفن في محل طيب حتى لا يمتهن.
أما إذا حرقه كارهاً له، ساباً له مبغضاً له، فهذا منكر عظيم وردة عن الإسلام، وهكذا لو قعد عليه أو وطأ عليه برجله إهانة له، أو لطخه بالنجاسة، أو سبه، أو سب من تكلم به، فهذا كفر أكبر وردة عن الإسلام - والعياذ بالله -.
س ٢: هل يجب عليّ أن أتوضأ قبل كل حصة من حصص القرآن الكريم وأنا في المدرسة (٢)؟
ج: ليس عليك الوضوء إذا كنت على طهارة، وكذلك إذا كانت القراءة عن ظهر قلب؛ أي من غير المصحف، فليس عليك أن تتطهر.
أما إذا كانت القراءة من المصحف وقد أحدثت بعد الحصة الأولى، فعليك أن تتطهر للحصة الثانية، وهكذا الثالثة؛ فكلما أردت أن تقرأ من المصحف وأنت على غير وضوء فعليك أن تتطهر؛ لما جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يمس القرآن إلا طاهر» (٣).
стр. 329
وهكذا أفتى أصحاب النبي ﷺ بأن المحدث لا يمس القرآن، وهو الذي عليه جمهور أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم.
فالواجب عليك - يا أخي - إذا أردت القراءة من المصحف وأنت على غير طهارة، أن تتوضأ الوضوء الشرعي، أما إذا كنت على جنابة، فليس لك أن تقرأ لا عن ظهر قلب، ولا من المصحف حتى تغتسل.
س: ما حكم تقبيل المصحف بعد سقوطه من مكان مرتفع؟ (١)
ج: لا نعلم دليلاً على شرعية تقبيله، ولكن لو قبله الإنسان فلا بأس؛ لأنه يروى عن عكرمة بن أبي جهل - الصحابي الجليل - رضي الله تعالى عنه - أنه كان يقبل المصحف ويقول: هذا كلام ربي. وبكل حال التقبيل لا حرج فيه، ولكن ليس بمشروع وليس هناك دليل على شرعيته، ولكن لو قبله الإنسان تعظيماً واحتراماً عند سقوطه من يده أو من مكان مرتفع، فلا حرج في ذلك ولا بأس - إن شاء الله -.
س: هل تقبيل المصحف جائز أم لا؟ (٢)
ج: هذا العمل ليس له أصل، وتركه أحسن لأنه ليس عليه دليل.
لكن يروى عن بعض الصحابة أنه قبل المصحف، وقال: هذا كلام ربي، ولا يضر من فعله، لكن ليس عليه دليل وتركه أولى.
ولم يفعله النبي ﷺ ولم يثبت عن الصحابة، إنما يروى عن عكرمة، قد يصح أو لا يصح؛ فالترك أولى لعدم الدليل.
стр. 330
المهم العمل به، والتلاوة، والإكثار من القراءة والعمل، هذا المهم وهذا الواجب، فالإنسان عليه أن يكثر من قراءة القرآن ويتدبر ويعمل، هذا هو المطلوب منه.
س: هل التداوي والعلاج بالقرآن يشفي من الأمراض العضوية كالسرطان كما هو يشفي من الأمراض الروحية كالعين والمس وغيرهما؟ وهل لذلك دليل؟ جزاكم الله خيراً. (١)
ج: القرآن والدعاء فيهما شفاء من كل سوء بإذن الله، والله سبحانه هو الشافي، والأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء﴾ (٢)، وقوله سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).
وكان النبي ﷺ إذا اشتكى شيئاً قرأ في كفيه عند النوم سورة ﴿قل هو الله أحد﴾ و (المعوذتين) ثلاث مرات، ثم يمسح في كل مرة على ما استطاع من جسده، فيبدأ برأسه ووجهه وصدره في كل مرة عند النوم، كما صح الحديث بذلك عن عائشة ﵂.
س: يقول السائل: سمعت من بعض الناس أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ، فقال له: يا رسول الله إن القرآن ليتفلت مني، فأوصاه ﵇ بقراءة بعض السور القرآنية كل سورة لعدة مرات، ففعل فلم يتفلّت منه القرآن فهل هذا صحيح؟
стр. 331
ما هي هذه السور إذا كان الأمر كذلك؛ لأنني أعاني من هذه المشكلة وهي تفلت القرآن مني عندما أنتقل بالحفظ من سورة إلى أخرى وجهوني جزاكم الله خيراً؟ (١)
ج: ليس ذلك بصحيح ولا بمحفوظ عن النبي ﷺ فيما نعلم، ولكن يستحب للمؤمن أن يجتهد في تلاوة القرآن وتكراره حتى يستقر، ويسأل ربه أن يعينه على ذلك، فيقول اللهم أعني على حفظ كتابك، اللهم يسر لي حفظ كتابك، يرجع إلى الله ويسأله العون ويجتهد في الإكثار من التلاوة في الأوقات المناسبة التي فيها راحته، في أول النهار أو في الليل أو في غير ذلك من الأوقات التي يرى أنه مستريح فيها؛ وبذلك يعينه الله، والله يقول جل وعلا: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٢)، ويقول سبحانه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٣)، فاستعن بربك وأسأله العون والتوفيق وأبشر بالخير.
стр. 332
فتاوى العلم والدعوة إلى الله
стр. 333
س: ما حكم استماع أشرطة الأناشيد الإسلامية (١)؟
ج-الأناشيد تختلف فإذا كانت سليمة ليس فيها إلا الدعوة إلى الخير والتذكير بالخير وطاعة الله ورسوله والدعوة إلى حماية الأوطان من كيد الأعداء والاستعداد للأعداء، ونحو ذلك، فليس فيها شيء. أما إذا كان فيها غير ذلك من دعوة إلى المعاصي واختلاط النساء بالرجال أو تكشفهن عندهم أو أي فساد كان فلا يجوز استماعها.
س: إذا رأت المؤمنة أحدا من أقاربها يرتكب بعض المنكرات كيف يكون موقفها (٢)؟.
ج: عليها أن تنكر المنكر بالأسلوب الحسن، والكلام الطيب والرفق والعطف على صاحب المنكر؛ لأنه قد يكون جاهلا، وقد يكون شرس الأخلاق، فعند الإنكار عليه بشدة يزداد شره فعليها أن تنكر المنكر بالأسلوب الحسن والكلام الطيب، والدليل الواضح مما قاله الله وقاله رسوله مع الدعاء له بالتوفيق حتى لا تحصل النفرة، هكذا يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، عنده من العلم والبصيرة والرفق والتحمل ما يجعل من ينكر عليه يتقبل فلا ينفر ولا يعاند، فيجتهد الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في استعمال الألفاظ التي يرجى بسببها قبول الحق.
س: إذا كان المنكر الذي تراه الأخت المؤمنة: الاختلاط وعدم الحجاب، فكيف تنصحهم (٣)؟
ج: تنصحهم، تقول لأختها في الله الواجب عليك عدم الاختلاط، وعدم السفور والاهتمام بأمر التحجب عن الرجال الذين ليسوا محارم لك، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا
стр. 334
سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ (٢) الآية. فتأتي بالآيات والأحاديث التي في المقام، وفيها إيضاح المطلوب والتحذير مما يخالف الشرع المطهر، وتوضح لأخواتها في الله أن الواجب علينا جميعا أن نحذر مما حرم الله، ونتعاون على البر والتقوى، ونتواصى بالحق والصبر عليه.
س: أرجو أن تدلوني على الكتب المفيدة النافعة في الدنيا والدين (٣)؟.
ج: الكتب النافعة كثيرة، أعظمها وأهمها كتاب الله فيه الهدى والنور وفيه الدعوة إلى كل خير وبيان مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال وبيان ما أوجب الله وما أعد لأهل طاعته من الخير وبيان ما حرم الله وما أعد لأهل معصيته في العقوبة. فأعظم كتاب وأشرف كتاب وأنفع كتاب هو كتاب الله العظيم القرآن، ثم كتب السنة الصحيحة، كالبخاري ومسلم وغيرهما من كتب السنة المعروفة كأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وسنن الدارمي ومسند أحمد بن حنبل وموطأ مالك رحمة الله على الجميع، وهذه من أنفع الكتب.
لكن بالنسبة إلى الطلبة الذين لم يتمكنوا من العلم وهكذا الطالبات اللاتي لم يتمكن من العلم فهؤلاء ننصحهم جميعا بحفظ كتاب الله الكريم، مع حفظ المؤلفات المختصرة في العقيدة والحديث الشريف. مثل: كتاب (التوحيد) للإمام
стр. 335
الشيخ محمد بن عبد الوهاب، و (ثلاثة الأصول) له أيضا، و (كشف الشبهات) له أيضا، و (العقيدة الواسطية) لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، و (بلوغ المرام) للحافظ ابن حجر، (وعمدة الحديث) للحافظ عبد الغني المقدسي، و (الأربعين النووية) وتكملتها للحافظ ابن رجب، و (آداب المشي إلى الصلاة) للشيخ محمد ابن عبد الوهاب ﵀، ومطالعة الكتب الآتية: (فتح المجيد) و (رياض الصالحين) و (الوابل الصيب) و (زاد المعاد) و (جامع العلوم والحكم) للحافظ ابن رجب … وأشباهها من الكتب المفيدة المختصرة.
س: ما حكم من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو يستطيع ذلك (١)؟
ج: حكمه أنه عاص لله ولرسوله ضعيف الإيمان وعليه خطر عظيم من أمراض القلوب وعقوبتها العاجلة والآجلة كما قال الله سبحانه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٢) وصح عن النبي ﷺ أنه قال: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) وقال ﵊: (إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه) رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي بكر الصديق ﵁، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة نسأل الله أن يوفق المسلمين جميعا للقيام بهذا الواجب العظيم على الوجه الذي يرضيه.
стр. 336
س: نود منكم نصيحة حول قضاء الإجازة وبماذا تنصحون الإخوة (١)؟
ج: أنصح إخواني في الإجازة أن يستغلوها في كل ما يرضي الله: في حفظ القرآن الكريم والإكثار من تلاوته، وفي عمارة المكتبات للمطالعة والاستفادة بحضور المحاضرات العلمية والندوات المفيدة، وفي التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق، والصبر عليه، وفي النصائح إلى غير هذا من وجوه الخير كالتزاور في الله فيما بينهم في أنحاء هذه البلاد، لأنها فرصة ينبغي أن تستغل في الخير.
ومن أحسن ما تستغل فيه العناية بالقرآن الكريم حفظا وتلاوة وتدبرا. والعناية بالكتب النافعة ومطالعتها، وحفظ الكتب المهمة والمقررات المفيدة كـ: [كتاب التوحيد]، و [بلوغ المرام]، و [عمدة الحديث]، و [العقيدة الواسطية]، و [الأربعين النووية] وتتمتها لابن رجب، وبذلك صارت خمسين حديثا من جوامع الكلم، وهذه الخمسون ينبغي أن تحفظ مع مراجعة شرحها للحافظ ابن رجب ﵀، ومما يحسن الاهتمام به في الإجازة زيارة العلماء وسؤالهم عما أشكل على الطالب في وجوه العلم، ونسأل الله للجميع التوفيق والهداية وصلاح النية والعمل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
س: ما رأيكم في المرأة والدعوة إلى الله (٢)؟
ج: المرأة كالرجل عليها واجبها في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأدلة من القرآن والسنة تعم الجميع إلا ما خصه الدليل، وكلام أهل العلم
стр. 337
واضح في ذلك. ومن أدلة القرآن في ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) وقوله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٢)، فعليها أن تدعو إلى الله بالآداب الشرعية التي تطلب من الرجل، وعليها مع ذلك الصبر والاحتساب لقول الله سبحانه: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٣) وقوله تعالى عن لقمان الحكيم أنه قال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٤)، ثم عليها أيضا أن تراعي أمرا آخر وهو: أن تكون مثالا في العفة والحجاب والعمل الصالح، وأن تبتعد عن التبرج والاختلاط بالرجال المنهي عنه- حتى تكون دعوتها بالقول والعمل عن كل ما حرم الله عليها.
س: ما هو أفضل العلوم لزكاة النفوس في الدنيا والآخرة الواجب على المسلم الالتزام به (٥)؟
ج: أفضل العلوم لزكاة النفوس: توحيد الله سبحانه، وطاعته، وطاعة رسوله ﷺ ، وأصلها: توحيد الله، والإخلاص له، وتحقيق معنى لا إله إلا الله بإخلاص العبادة لله وحده، وترك عبادة ما سواه، والإخلاص له في كل الأعمال،
стр. 338
ثم بقية الأوامر من الصلاة والزكاة وغير هذا، وترك ما حرم الله، مع مخالقة الناس بالخلق الحسن والحلم والصبر والجود والكرم وكف الأذى، هكذا يكون المؤمن، يقول النبي ﷺ : «البر حسن الخلق» ويقول ﷺ : «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة - يعني في ضواحي الجنة- لمن ترك المراء وإن كان محقا وأنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا وأنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه» فالحلم، والجود، والكرم، وحسن الخلق، والمبادرة إلى الخيرات، والبعد عن السيئات، والحرص على نفع الناس، كل هذا من الأخلاق العظيمة التي تزكي النفوس، كما قال : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (١) أي: بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ واتباع شريعته، ونفع الناس ورحمتهم، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (٢) أي: بالمعاصي والمخالفات والله ولي التوفيق.
س: ما حكم التعاون والتآزر والتعاضد في أمر الدعوة إلى الله ، خاصة وأن البعض يقول: إنه من البدع المحدثة (٣)؟
ج: التعاون مطلوب في الدعوة إلى الله، وفي كل خير، كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٤) وقال النبي ﷺ : «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته» والله سبحانه يقول: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسر * إِلا
стр. 339
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (١) فإذا ذهب جماعة للدعوة إلى الله تعالى فعليهم أن يتعاونوا - في أي بلد أو في أي مكان - على البر والتقوى، هذا من أحسن الأشياء. والنبي ﷺ بعث سبعين من القراء إلى بعض القبائل؛ للدعوة إلى الله، والتعليم ﵊، وكان يبعث الدعاة إلى الله - أفرادا وجماعات - إلى القبائل لتعليمهم؛ وتفقيههم في الدين، وبعث مصعب بن عمير ﵁ إلى المدينة قبل الهجرة؛ لتعليم من أسلم من الأنصار، وتفقيههم في الدين.
المقصود: أن التعاون على الدعوة وإرشاد الناس من اثنين أو ثلاثة أو أكثر. ليتعاونوا، ويشجع بعضهم بعضا، وليتذاكروا فيما يجب من العلم والعمل، ويتبصروا. هذا فيه خير كثير، لكن عليهم أن يتحروا الحق بأدلته، ويحذروا الأساليب المنفرة عن الحق، وعليهم أن يتحروا الأساليب المفيدة النافعة، التي توضح الحق وتبينه وترغب فيه، وتحذر من الباطل، فهذا التعاون أمر مطلوب بشرط الإخلاص لله، وعدم قصد الرياء والسمعة، وأن يكونوا على علم وبصيرة.
س: ما الصفات التي ينبغي أن تتوفر فيمن يريد أن يقوم بإصلاح ذات البين (٢)؟
ج: ينبغي أن يكون ذا حلم وتقوى لله وعمل صالح وإنصاف للنفس من النفس حتى يتوسط بين الناس بما أعطاه الله من العلم والبصيرة والإنصاف والتواضع حتى يتوسط بين من زين لهم الشيطان الاختلاف والفرقة.
стр. 340
ومن صفاته أن يكون جوادا كريما سخيا يستطيع أن يبذل المال في الإصلاح بين الناس، فالمصلح من صفاته الخلق الحسن والتواضع والجود والكرم وطيب الكلام وحسن الكلام وعدم سوء الكلام.
يتوسط بكلام طيب وأسلوب حسن ورفق وجود وكرم، إذا دعت الحاجة إلى وليمة أو مساعدة بذل حتى يتمكن من الصلح، ومما يتعلق بالصلح أيضا بذل المال ولو بطريق السلفة والقرض، يتحمل حمالة يقترض من بعض إخوانه ليصلح بين المتنازعين والمختلفين من قبيلتين أو قرابتين أو أخوين أو ما أشبه ذلك، قد يحتاج إلى بذل المال ولو بالاقتراض ويعطى من الزكاة إذا تحمل للإصلاح، فالمصلح بين الناس جدير بأن يساعد ويعان حتى ولو من الزكاة، في الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ قال: «إن المسألة لا تحل لأحد إلا لأحد ثلاثة - وذكر منهم - رجلا تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك» (١) رواه مسلم في صحيحه.
س: ما هي كتب العقيدة الصحيحة التي تنصحون طلبة العلم باقتنائها وقراءتها، وكيف توجهون الداعية الذي يدعو الناس، من أهل البادية من العامة، الذين يحتاجون إلى تعلم أصول العقيدة (٢)؟
ج: أعظم كتب العقيدة وأنفعها: كتاب الله القرآن، فيه الهدى والنور، فنوصي الجميع رجالا ونساء كبارا وصغارا، أن يعتنوا بالقرآن وأن يجتهدوا في حفظه، والإكثار من تلاوته، فهو كتاب العقيدة، وهو كتاب الهدى وهو الشافي المفيد النافع،
стр. 341
كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (١)، ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٢).
وهو الصراط المستقيم، فنوصي جميع المسلمين في كل مكان، جميع الرجال والنساء العرب والعجم، نوصي الجميع بأن يلزموا هذا القرآن، وأن يعظموه ويعملوا به، ويكثروا من تلاوته، أينما كانوا، من المصحف وعن ظهر قلب، وأن ينفذوا أوامره وينتهوا عن نواهيه، هو كتاب العقيدة، هو كتاب العمل، هو كتاب الهدى، هو كتاب السعادة، فيه كل خير، وفيه الدعوة إلى كل خير، وفيه الدعوة إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، وفيه القصص عن الماضين: عن الخير والشر، أخبر عن الماضين من أهل الخير، وعن الماضين من أهل الشر، فعلى المؤمن والمؤمنة، أن يأخذوا منه ما دل عليه من الخير، وأن يحذروا ما حذر منه من الشر، ثم حديث النبي ﷺ : كتب الحديث كالصحيحين والسنن، ومسانيده المعتمدة، فأهل العلم يخرجون الأحاديث، يعلمون الناس وينشرونها بين الناس، وكل كتب العقيدة المعروفة لأئمة أهل السنة والجماعة، الكتب الطيبة المعروفة يستعان بها، وينتفع بها، في تعليم الناس الخير، كتب السلف الصالح المعروفة، ومثل كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله وغيرهم من أهل العلم المعروفين، بحسن العقيدة، ومثل كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وأئمة الدعوة الإسلامية في نجد، لما يسر الله هذه الدعوة في القرن الثاني عشر، وكتبوا وجمعوا فيها ما ينفع الله به الناس في مثل كتاب التوحيد، والثلاثة الأصول، وكشف الشبهات، وآداب المشي إلى
стр. 342
الصلاة، ورسائل المشايخ في الدرر السنية، وتيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد للشيخ سليمان، هذه الكتب العظيمة، والعقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، والتدمرية، ومنهاج السنة والحموية، والعقيدة الطحاوية وشرحها لابن أبي العز، ولمعة الاعتقاد لصاحب المغني إلى غيرها من الكتب الطيبة، كتب السلف الصالح التي تعين على الخير، وتنشر الحق وتعلم الناس الخير.
س: هناك بعض الشباب الصالحين يصطحبون معهم بعض الغافلين لزيارة القبور وتخويفهم من الله فما رأيكم في ذلك (١)؟
ج: ليس فيه مانع وذلك حسن، وجزاهم الله خيرا، وهو من التعاون على البر والتقوى.
س: يقول السائل: إنه خجول جدا ولا يستطيع أن يؤم الناس، رغم أنه في بعض الحالات يكون أقرأ في فريضة من الفرائض وإذا وجه إليه سؤال يرتعش كما يقول ويرجو من سماحتكم التوجيه والنصح. (٢)
ج: الواجب على المؤمن وعلى طالب العالم أن تكون عنده الهمة العالية، والقوة والنشاط في إبلاغ الخير، والدعوة إلى الخير وتعليم الجاهل وإرشاد الضال، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا هو الواجب، وهذا هو الذي ينبغي للمؤمن، يقول النبي ﷺ : «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير» (٣).
стр. 343
فالمؤمن القوي هو الذي يعلم الناس ويصلي بهم إذا احتاجوا ويقرأ عليهم العلم ويرشدهم ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهو أفضل من المؤمن الضعيف العاجز الذي لا يستطيع أن يبذل ما ينفعهم.
ووصيتي لهذا السائل أن يتقي الله وأن تكون همته عالية وأن يؤم إذا كان أفضل الموجودين، فإنه يؤم الناس ويبادر بذلك، وأن يظهر علمه إن كان عنده علم، وأن يفتي السائل بما عنده من العلم عن الله أو عن رسوله ﷺ ، وأن لا يخجل فإن هذا ليس محل خجل، الخجل لجاهل أو لفاعل المعصية، أما من يعلم الناس الخير ويفتيهم في العلم الشرعي ويسعى في مصالحهم فلا يليق به أن يخجل، ولا ينبغي له أن يجبن، ولا ينبغي له أن يتأخر بل ينبغي أن يتقدم وأن يكون في المقدمة في كل شيء حتى ينفع الناس ويرشدهم ويكون إماما في الخير، والله المستعان.
س: ما هي الطريقة الصحيحة التي يجب أن يتبعها طالب العلم الشرعي حتى يصل إلى ما يريده من إرضاء الله ، وكسب العلم المفيد والنافع له وللمسلمين، وما هي العوامل التي تساعد الطالب على الحفظ ورسوخ المسائل في ذهنه وعدم النسيان (١)؟
ج: أعظم الأسباب، أن تتقي ربك بطاعته وترك معصيته، والإخلاص له وسؤاله التوبة والعون والتوفيق، ثم العناية بالدروس والمذاكرة، وحفظ الوقت؛ فإن هذا من أعظم الأسباب.
стр. 344
ومن أسباب ذلك أيضاً: المذاكرة مع الزملاء، والحرص على الفائدة؛ حتى يستقر العلم، فلا تكتف بمطالعتك والدرس مع الأستاذ، بل مع هذا المذاكرة مع الزملاء الطيبين فيما أشكل عليك حتى يستقر في ذهنك العلم.
س ٣: يلاحظ على بعض الطلبة أنهم يغلبون جانب العلم على جانب الدعوة إلى الله. نرجو توجيه الإخوان في ذلك (١)؟
ج: طالب العلم يجمع بين الأمرين؛ بين العلم وبين الدعوة، وبين العمل وبين الإصلاح بين الناس وبين النصيحة، لا يقف عند حد، لكن على قدر طاقته على وجه لا يشغله عن الواجب، فهو طالب علم وهو داعية إلى الله، وهو ناصح، وهو معلم أيضا، ومصلح بين الناس يكون له آثار صالحة. طالب العلم - خصوصا الطالب في كلية الشريعة، وكلية أصول الدين، أو في حلقات المشايخ، يجب أن تكون عنده همة عالية، فلا يقتصر على شيء دون شيء، بل يجتهد في كل خير حسب علمه وقدرته؛ فهو مع المصلحين ومع الدعاة، ومع المعلمين ومع الناصحين، ومع الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.
وهكذا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان، يدخلون في كل شيء مما ينفع الناس، ولا يتأخرون عن شيء فيه خير للناس، حتى فيما يتعلق بالأمور الأخرى الدنيوية؛ كالطب والهندسة وغير ذلك مما ينفع الناس - إذا أمكنهم أن يكون لهم نصيب فيها، بحسب الطاقة والعلم - فلا يشغله عن الأمر الأهم ما دونه، بل يبدأ بالأهم فالأهم حسب الطاقة، مع إخلاص النية والصبر. والله ولي التوفيق.
стр. 345
س: فضيلة الشيخ: يقول البعض: إن من أسباب ضعف مستوى الطالب الديني والعلمي: إهمال الآباء لأبنائهم، واهتمامهم بمشاريعهم الخاصة وعدم متابعتهم، فهل من نصيحة من فضيلتكم لهؤلاء الأولياء؟ (١)
ج: لا شك أن إهمال الآباء والأمهات لأولادهم وعدم تشجيعهم على طلب العلم، من الأسباب المؤدية إلى ضعفهم.
والواجب على الآباء والأمهات والإخوة الكبار، أن يكونوا عوناً لأولادهم على التفقه في الدين، والتعلم والعناية بطلب العلم، والمحافظة على أوقات الدراسة، هذا هو الواجب عليهم.
وأما إهمالهم والتساهل معهم فهو من أسباب فشلهم، ومن أسباب قلة علمهم، ومن أسباب تكاسلهم.
فالواجب على الآباء والأمهات والإخوة الكبار أن يؤدبوا من يتخلف ويتساهل، وأن يعتنوا بهذا الأمر، وأن يشجعوا الأولاد على الجد والنشاط والمواظبة على الدروس، والمحافظة على أوقات الدراسة، والمحافظة على الصلاة في الجماعة؛ صلاة الفجر وغيرها، هذا هو الواجب على الجميع.
نسأل الله أن يوفق المسلمين لأداء ما يجب عليهم لأولادهم وغيرهم. إنه خير مسئول وأقرب مجيب، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 346
س: ما حكم الغش في أوقات الامتحان، علماً بأني أرى كثيراً من الطلبة يغشون، وأنصح لهم، لكنهم يقولون: ليس في ذلك شيء؟ أفيدوني - جزاكم الله خيراً -. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (١).
ج: الغش في الامتحان وفي العبادات وفي المعاملات محرم؛ لقول النبي ﷺ : «من غشنا فليس منا»، ولما يترتب عليه من الأضرار الكثيرة في الدنيا والآخرة؛ فالواجب الحذر منه والتواصي بتركه.
س: نحن شباب نحاول أن نجتهد ونتفقه في أمور الدين، ونسأل الله أن يعيننا على ذلك، ولقد قمنا بقراءة بعض الكتب الدينية التي تختص بالأحكام والعبادات الموجودة في المكتبات، ولكن صادفتنا مشكلة؛ أنه في بعض الكتب هناك اختلاف بينها وبين بعض؛ مما سبب لنا بعض الاضطراب، ما هي نصيحتكم لنا جزاكم الله خيراً؟ (٢)
ج: الكتب من قديم الزمان لابد أن يكون فيها تخالف؛ لأن الآراء والاجتهادات تختلف في الفروع والأحكام؛ فليس هذا ببدع، بل هو معروف. فالمؤمن وطالب العلم يتحرى الدليل، فما قام عليه الدليل فهو الواجب الاتباع في مسائل الخلاف، أما ما أجمع العلماء، فإجماعهم حجة.
أما إذا وجدت مسألة اختلفوا فيها؛ في الحج أو في الصلاة أو في المعاملات أو في الصيام أو في غير ذلك، فإن طالب العلم ينظر في أدلة الفريقين أو الفرق، فإن وجد أقوالاً عدة، فينظر ويتأمل ولا يعجل؛ ينظر إلى أدلتهم، فمن كان معه الدليل
стр. 347
فهو المتبع، ولا يتعصب لأحد، بل ينظر إلى الدليل، فمن كان معه ظاهر القرآن أو ظاهر السنة، أو قواعد الشريعة معه، قدمه على غيره. والله أعلم.
س: سماحة الشيخ: هل هناك قدر من العلم يقف عنده المسلم حتى يتعرف على دينه؟ (١)
ج: نعم. يلزمه أن يتعلم ما يجب عليه وما يحرم عليه، والبقية سنة؛ يلزمه أن يتعلم ما لا يسعه جهله؛ يعني ما أوجب الله عليه وما حرم الله عليه؛ حتى يعبد ربه على بصيرة؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢). وهذه العبادة التي خلقوا لها لابد أن يعرفوها حتى يؤدوها، ولا طريق إلى معرفتها إلا بالله ثم بالعلم النافع؛ بالنظر في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسؤال أهل العلم، كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣). فليعرف، الواجب على كل مسلم وعلى كل مسلمة أن يتعلم ما لا يسعه جهله، ويتفقه في الدين؛ حتى يعلم ما أوجب الله عليه وما حرم الله عليه، وحتى يعبد الله على بصيرة؛ فهو مخلوق للعبادة، مأمور بها، فلابد أن يتعلم هذه العبادة التي هو مخلوق لها؛ وذلك بمراجعة القرآن العظيم والسنة المطهرة، وسؤال أهل العلم عما أشكل عليه.
س: سماحة الشيخ: يكثر في بعض مجالس الناس الجدال العقيم، والكلام في قضايا لا تعنيهم. ما الذي ينبغي عمله في مثل هذه المناسبات وهذه الاجتماعات - جزاكم الله خيراً - (٤)؟
стр. 348
ج: المشروع للمؤمن الحذر من المجالس التي فيها الجدل والخصام والمراء بدون فائدة، لا يحضرها ولا يشارك فيها؛ لأنها تفضي إلى الباطل أو إلى الكذب، وإلى القول بغير علم.
أما المجالس التي فيها ذكر الله، وفيها التعاون على الخير، وفيها البحث العلمي والتفقه في الدين، هذه مجالس طيبة، أما مجالس الجدل والنزاع والخصومات والمراء، فينبغي الحذر منها وعدم المشاركة فيها.
س: سماحة الشيخ: حلق جماعات تحفيظ القرآن في هذا البلد المبارك نفع الله بها نفعاً عظيماً. بماذا توجهون معلمي هذه الحلق وطلابها (١)؟
ج: نوجههم ونوصيهم بتقوى الله، والاستمرار في هذا الخير، والصبر على هذا الخير، والإخلاص لوجه الله - جل وعلا - في التعلم والتعليم؛ لأن تعلم القرآن وحفظ القرآن من أهم القربات ومن أفضل القربات. فنوصي الجميع - المعلم والمتعلم - نوصيهم بتقوى الله، والعمل بما علموا، والإخلاص لله في العمل؛ حتى يبارك الله في أعمالهم، حتى يوفقوا في أعمالهم.
ألا وهي أن الطالب يتعلم لكي يستفيد ويعمل، والمعلم يقصد وجه الله في تعليم الطالب وتوجيهه إلى الخير، يرجو من عند الله المثوبة - وإن أخذ أجرة - يرجو ما عند الله ويحتسب الأجر، وينصح في تعليمه، ويجتهد في الأسباب التي توصل المعلومات إلى الطالب وتستقر في ذهنه.
فهذا يتقي الله، وهذا يتقي الله، يكون عند كل واحد إخلاص ورغبة في الخير، وأن يتعلم ما يرضي الله ويتقرب لديه، وأن يستعين بما أعطاه الله من علم على طاعة الله.
стр. 349
س: الدعوة إلى الله من أَجَلِّ الأعمال ومن أفضلها. بماذا تنصحون الدعاة إلى الله ؟ وهل الدعوة واجبة على كل مسلم (١)؟
ج: نعم. الدعوة واجبة على كل مسلم حسب طاقته؛ على أهل العلم طاقتهم، وعلى الآخرين طاقتهم. الواجب على أهل العلم أن يبلغوا دعوة الله ويرشدوا، كل مسلم عليه نصيبه حسب علمه.
المسلم الذي يرى أن جاره أو قريبه مقصر في الصلاة أو لا يصلي في المسجد ينصحه؛ لأن هذا أمر عام، يعلمه العامي وطالب العلم، يقول: يا أخي اتق الله، أنا ما أشوفك تصلي في الجماعة. اتق الله. بادر إلى الصلاة في جماعة. أو يراه عاقاً لوالديه أو لأحدهما ينصحه؛ هذا شيء يعلمه الخاص والعام، ما يختص بأهل العلم، أو يعرف أنه يشرب الخمر ينصحه، أو يتعاطى التدخين ينصحه، وهكذا، أو يعرف منه الغيبة والنميمة؛ ينصحه ويقول له: اتق الله. دع هذه المعاصي وراقب الله - جل وعلا - واحذر غضبه عليك. المقصود: أن كل إنسان حسب طاقته ينصح ويوجه إلى الخير.
س: أريد أن تدلوني على بعض أسماء الكتب في التفسير والحديث والفقه للإفادة منها - وجزاكم الله خيراً - (٢).
ج: من الكتب المفيدة في التفسير: تفسير ابن جرير، وتفسير ابن كثير، والبغوي، وابن سعدي، والشنقيطي.
ومن كتب الحديث المفيدة: الصحيحان، والسنن الأربع، و (منتقى الأخبار)، و (عمدة الحديث)، و (بلوغ المرام)، و (الأربعون النووية)، وتتمتها للحافظ ابن رجب:
стр. 350
الجميع خمسون حديثاً عن النبي ﷺ من جوامع الكلم. ومن كتب الفقه المفيدة: (المغني) للإمام العلامة أبي محمد عبد الله بن قدامة ﵀ و (المقنع) له أيضاً، و (الروض المربع شرح زاد المستقنع) بحاشية العلامة الشيخ: عبد الرحمن بن قاسم ﵀، و (شرح المهذب) للنووي ﵀. والله الموفق.
سائل يقول: ما صحة هذا الحديث: «التمس لأخيك سبعين عذراً»؟ (١)
ج: لا أعلم له أصلاً، والمشروع للمؤمن أن يحترم أخاه إذا اعتذر إليه ويقبل عذره إذا أمكن ذلك ويحسن به الظن حيث أمكن ذلك حرصاً على سلامة القلوب من البغضاء ورغبة في جمع الكلمة والتعاون على الخير، وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال: (لا تظن بكلمة صدرت من أخيك شراً وأنت تجد لها فيه الخير محملاً).
س: ما هو العلم الذي يحتاجه الداعي إلى الله، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر؟ (٢)
ج: لا بد في حق الداعي إلى الله والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من العلم لقوله سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٣)، والعلم هو ما قاله الله في كتابه الكريم، أو قاله الرسول ﷺ في سنته الصحيحة، وذلك بأن يعتني كل منهما بالقرآن الكريم والسنة المطهرة؛ ليعرف ما
стр. 351
أمر الله به وما نهى الله عنه، ويعرف طريقة الرسول ﷺ في دعوته إلى الله وإنكاره المنكر، وطريقة أصحابه ﵃، ويتبصر في هذا بمراجعة كتب الحديث، مع العناية بالقرآن الكريم، ومراجعة أقوال العلماء في هذا الباب، فقد توسعوا في الكلام على هذا وبينوا ما يجب.
والذي ينتصب لهذا الأمر يجب عليه أن يعنى بهذا الأمر حتى يكون على بصيرة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ليضع الأمور في مواضعها؛ فيضع الدعوة إلى الخير في موضعها، والأمر بالمعروف في موضعه، على بصيرةٍ وعلم حتى لا يقع منه إنكار المنكر، بما هو أنكر منه، وحتى لا يقع منه الأمر بالمعروف على وجهٍ يوجب حدوث منكر أخطر من ترك ذلك المعروف الذي يدعو إليه. والمقصود أنه لا بد أن يكون لديه علم حتى يضع الأمور في مواضعها.
س: كيف ترون سماحتكم المدخل لكي يتجنب الشباب الوقوع تحت وطأة مغريات هذا العصر ويتجه الوجهة الصحيحة (١)؟
ج: بسم الله، والحمد لله: إن الطريق الأمثل ليسلك الشباب الطريق الصحيح في التفقه في الدين والدعوة إليه هو أن يستقيم على النهج القويم بالتفقه في الدين ودراسته، وأن يعنى بالقرآن الكريم والسنة المطهرة، وأنصحه بصحبة الأخيار والزملاء الطيبين، وملازمة العلماء المعروفين بالاستقامة حتى يستفيد من علمهم ومن أخلاقهم، كما أنصحه بالمبادرة بالزواج، وأن يحرص على الزوجة الصالحة؛ لقوله ﷺ : «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج،
стр. 352
فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (١) متفق على صحته من حديث ابن مسعود ﵁.
س ٢: ما كيفية النهي عن المنكر بالقلب (٢)؟
ج: هو أن يكره المنكر، ولا يجلس مع أهله؛ لأن جلوسه معهم بغير إنكار يشبه فعل بني إسرائيل، الذي لعنهم الله عليه، في قوله سبحانه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٣).
стр. 353
فتاوى المناهي الشرعية
стр. 354
س: ما حكم الاستماع إلى الأغاني (١)؟
ج-الاستماع إلى الأغاني لا شك في حرمته وما ذاك إلا لأنه يجر إلى معاص كثيرة وإلى فتن متعددة، ويجر إلى العشق والوقوع في الزنا والفواحش واللواط ويجر إلى معاص أخرى كشرب المسكرات ولعب القمار وصحبة الأشرار، وربما أوقع في الشرك والكفر بالله على حسب أحوال الغناء واختلاف أنواعه، والله جل وعلا يقول في كتابه العظيم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢).
فأخبر سبحانه أن بعض الناس يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله قرئ ليضل بضم الياء وقرئ ليضل بفتح الياء مع كسر الضاد فيهما، واللام للتعليل والمعنى أنه بتعاطيه واستعاضته لهو الحديث وهو الغناء يجره ذلك إلى أن يضل في نفسه ويضل غيره يضل بسبب ما يقع في قلبه من القسوة والمرض فيضل عن الحق لتساهله بمعاصي الله ومباشرته لها، وتركه بعض ما أوجب الله عليه مثل ترك الصلاة في الجماعة وترك بر الوالدين ومثل لعب القمار والميل إلى الزنا والفواحش واللواط إلى غير ذلك مما قد يقع بسبب الأغاني. قال أكثر المفسرين: (معنى لهو الحديث في الآية الغناء) وقال جماعة آخرون: (كل صوت منكر من أصوات الملاهي فهو داخل في ذلك كالمزمار والربابة والعود والكمان وأشباه ذلك وهذا كله يصد
стр. 355
عن سبيل الله ويسبب الضلال والإضلال). وثبت عن عبد الله بن مسعود ﵁ الصحابي الجليل أحد علماء الصحابة ﵃ أنه قال في تفسير الآية إنه والله الغناء وقال إنه ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل والآية تدل على هذا المعنى فإن الله قال: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١) يعني: يعمي عليه الطريق كالسكران. لأن الغناء يسكر القلوب ويوقع في الهوى والباطل فيعمى عن الصواب إذا اعتاد ذلك حتى يقع في الباطل من غير شعور بسبب شغله بالغناء وامتلاء قلبه به وميله إلى الباطل وإلى عشق فلانة وفلان وإلى صحبة فلانة وفلان، وصداقة فلانة وفلان ﴿ويتخذها هزواً﴾ معناه: هو اتخاذ سبيل الله هزواً، وسبيل الله هي دينه، والسبيل تذكر وتؤنث فالغناء واللهو يفضي إلى اتخاذ طريق الله لهواً ولعباً وعدم المبالاة في ذلك وإذا تلي عليه القرآن تولى واستكبر وثقل عليه سماعه لأنه اعتاد سماع الغناء وآلات الملاهي فيثقل عليه سماع القرآن ولا يستريح لسماعه وهذا من العقوبات العاجلة.
فالواجب على المؤمن أن يحذر ذلك وهكذا على كل مؤمنة الحذر من ذلك، وجاء في المعنى أحاديث كثيرة كلها تدل على تحريم الغناء وآلات اللهو والطرب وأنها وسيلة إلى شر كثير وعواقب وخيمة وقد بسط العلامة ابن القيم ﵀ في كتابه [إغاثة اللهفان] الكلام في حكم الأغاني وآلات اللهو فمن أراد المزيد من الفائدة فليراجعه فهو مفيد جدا والله المستعان وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.