← Фатава

Фатава · id 815

الدرر الثرية من الفتاوى البازية

ابن باز

Полный текст (419 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وإذا كان مع الغناء آلة لهو، كالربابة والعود والكمان والطبل، صار التحريم أشد. وذكر بعض العلماء أن الغناء بآلة لهو محرم إجماعاً. فالواجب الحذر من ذلك، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف» (١) والحر: هو الفرج الحرام - يعني الزنا - والمعازف: هي الأغاني وآلات الطرب. وأوصيك وغيرك بسماع إذاعة القرآن الكريم، وبرنامج نور على الدرب، ففيهما فوائد عظيمة، وشغل شاغل عن سماع الأغاني وآلات الطرب. أما الزواج، فيشرع فيه ضرب الدف مع الغناء المعتاد، الذي ليس فيه دعوة إلى محرم، ولا مدح لمحرم، في وقت من الليل، للنساء خاصة، لإعلان النكاح، والفرق بينه وبين السفاح كما صحت السنة بذلك عن النبي ﷺ . أما الطبل فلا يجوز ضربه في العرس، بل يكتفى بالدف خاصة. ولا يجوز استعمال مكبرات الصوت في إعلان النكاح، وما يقال فيه من الأغاني المعتادة، لما في ذلك من الفتنة العظيمة والعواقب الوخيمة، وإيذاء المسلمين. ولا يجوز أيضا إطالة الوقت في ذلك، بل يكتفي بالوقت القليل الذي يحصل به إعلان النكاح، لأن إطالة الوقت تفضي إلى إضاعة صلاة الفجر، والنوم عن أدائها في وقتها، وذلك من أكبر المحرمات ومن أعمال المنافقين. س: ماذا تأمرون الشاب إذا لم يستطيع الزواج وإذا لم يتزوج (٢)؟ ج: عليه أولاً، أن يتقي الله وأن يحذر شر النفس، من الوقوع في الفواحش المحرمة، وأن يستعين بالله على حفظ عفته، وحفظ فرجه، ومن ذلك الاستعانة

стр. 282

بالصيام، يصوم كما أمره النبي ﷺ ، والنبي ﵊ قال: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» (١) من استطاع الباءة وهو الزواج فليبادر بالزواج، وليبادر أبوه وإخوانه على معاونته، وهكذا غيرهم، وإذا لم يستطع الزواج، ولم يتيسر الزواج، فليتق الله، وليسأل ربه العون، وليحذر من نزغات الشيطان، في قضاء الوطر فيما حرم الله ، وليستعين بالصوم، فإن الصوم يعين، كما أمر النبي ﵊، فيصوم ويجتهد في أسباب العفة والعافية، من غض البصر عن النظر إلى النساء، والعناية بأسباب حفظ الفرج، والله يعينه ويوفقه، إذا صدق وأخلص يسر الله أمره ويسر له النكاح. س: ما رأي سماحتكم في زواج الطالب القادر على الزواج، والذي يدرس في الجامعة هل في ذلك تأثير على دروسه (٢)؟ ج: الذي أنصح به هو الزواج المبكر؛ لأنه لا يؤثر على الدروس، وقد كان السلف الصالح من عهد النبي ﷺ إلى يومنا هذا، يدرسون ويتعلمون ويتزوجون، فالزواج يعينه على الخير، إذا كان عنده قدرة، يعينه على الخير ولا يصده عن الدراسة، ولا يعطله عن الدراسة، بل يسبب غض بصره، وطمأنينة نفسه، وراحة ضميره، وكفه عما حرم الله عليه، فإذا تيسر له الزواج، فالنصيحة له أن يتزوج، وأن

стр. 283

يتقي الله في ذلك، وأن يعمل بقول النبي ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج» الحديث. س: أرجو من فضيلتكم توجيه نصيحة لمن ابتلي بالبنات وفضل تربيتهن وحسن معاملتهن؟ (١) ج: الواجب لمن رزق بالبنات أن يحسن إليهن ويحسن تربيتهن. وقد قال النبي ﷺ : «من ابتلي بشيء من هذه البنات فأحسن إليهن كن له حجاباً من النار» (٢). والسنة أن يحسن تربيتهن ويدعو لهن بالصلاح. ويرفق بهن وله البشرى في إحسانه للبنات أو الأخوات. ويدعوا الله لهن بالأزواج الصالحين، الذين يحسنون رعايتهن ويأتمرون بأمر الله فيهن. س: ما حكم من يطيل السفر حتى يغيب عن زوجته وأولاده لمدة سنة أو سنتين بسبب البحث عن الرزق وأيضا ارتباطات العمل وبعض الديون؟ (٣) ج: لا حرج إذا سافر لطلب الرزق أو طلب العلم، لا حرج في ذلك ولو طالت مدته، لكن إذا تيسر أن يأتي بين وقت وآخر إلى أهله، حرصا على السلامة والعفة،

стр. 284

هذا ينبغي له مهما أمكن، ولو في كل ستة أشهر مرة أو أربعة أشهر، إذا استطاع ذلك يجمع بين المصالح، يأتي إليهم بعد ستة أشهر أو أربعة أشهر، يقيم عندهم بعض الأيام ثم يرجع وإن شق عليه ذلك فهو معذور. س: إذا غضبت الزوجة من زوجها لسبب دنيوي، وقاطعته في الحديث والمجالسة لفترة معينة تمتد لأيام، ما حكم ذلك؟ وهل من كلمة عن حقوق الزوج على زوجته؟ (١) ج: الواجب على الزوجة السمع والطاعة لزوجها في المعروف، ولا يجوز لها هجره إلا لموجب شرعي، وعليه هو أيضا معاشرتها بالمعروف، وعدم هجرها إلا لأمر شرعي؛ لقول الله عزوجل: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (٣) الآية. ولقول النبي ﷺ : «استوصوا بالنساء خيراً» (٤). والله ولي التوفيق. س: يكثر بين الناس عندنا الحلف بالطلاق والحرام، فما حكم ذلك؟ (٥) ج: أما الحلف بالطلاق فهو مكروه، ولا ينبغي فعله؛ لأنه وسيلة إلى فراق الأهل - عند بعض أهل العلم - ولأن الطلاق أبغض الحلال إلى الله، فينبغي للمسلم حفظ لسانه من ذلك - إلا عند الحاجة إلى الطلاق - والعزم عليه في غير حال الغضب.

стр. 285

والأولى الاكتفاء باليمين بالله سبحانه إذا أحب الإنسان أن يؤكد على أحد من أصحابه أو ضيوفه للنزول عنده للضيافة أو غيرها، أما في حالة الغضب، فينبغي له أن يتعوذ بالله من الشيطان، وأن يحفظ لسانه وجوارحه عما لا ينبغي، أما التحريم فلا يجوز سواء كان بصيغة اليمين أو غيرها؛ لقول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (١) الآية. ولأدلة أخرى معروفة، ولأنه ليس للمسلم أن يحرم ما أحل الله له. أعاذ الله الجميع من نزغات الشيطان. س: هل يجوز للمحادة أن تخرج إلى السوق لقضاء حاجاتها؟ (٢) ج: يجوز للمحادة أن تخرج إلى السوق لقضاء حاجتها، وإلى المستشفى للعلاج، وهكذا يجوز لها الخروج للتدريس وطلب العلم؛ لأن ذلك من أهم الحاجات، مع تجنب الزينة والطيب والحلي من الذهب والفضة والماس، ونحو ذلك. وعلى المحادة أن تراعي خمسة أمور: الأول: بقاؤها في البيت الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه -إذا تيسر ذلك -. الثاني: اجتناب الملابس الجميلة. الثالث: اجتناب الطيب، إلا إذا كانت تحيض، فلها استعمال البخور عند طهرها من الحيض. الرابع: عدم لبس الحلي من الذهب والفضة والماس، ونحو ذلك. الخامس: عدم الكحل والحناء؛ لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ ما يدل على ما ذكرنا. والله ولي التوفيق.

стр. 286

س: امرأة فقد زوجها وبعد أسبوع وجد ميتا، واعتقد أنه توفي قبل ثلاثة أيام، فمتى تبدأ عدتها؟ هل من تاريخ فقده، أم من التاريخ الذي يظن أنه مات فيه، أم من تاريخ العثور عليه؟ نرجو التكرم بالإجابة (١). ج: عليها أن تبدأ العدة من حين وجد ميتاً؛ لأن هذا هو المتيقن، وهي - أربعة أشهر وعشر -، وعليها الإحداد أيضاً إلا أن تكون حاملاً، فمدتها تنتهي بوضع الحمل؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٢) الآية، وقوله : ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٣)؛ ولما ثبت عن النبي ﷺ «أنه أفتى سبيعة الأسلمية بخروجها من العدة بوضع الحمل» (٤) متفق على صحته. والله ولي التوفيق. س: لقد رضعت من امرأة ثلاثة رضعات؛ كل يوم رضعة واحدة، وفي مجالس مختلفة، هل أكون أخاً لمن رضعت من أمه أم لا؟ أفيدونا أثابكم الله (٥). ج: هذه الرضعات الثلاث لا يحصل بها تحريم الرضاع، وإنما يحصل التحريم بخمس رضعات أو أكثر؛ لقول النبي ﷺ : «لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان» (٦)،

стр. 287

ولما ثبت عن عائشة ﵂ قالت: «كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي النبي ﷺ والأمر على ذلك». خرجه الإمام مسلم في صحيحة، والإمام الترمذي في جامعه، وهذا لفظه. والرضعة هي: إمساك الثدي وابتلاع اللبن - ولو لم يشبع، ولو طالت - فإذا أطلقه فهذه رضعة، فإن عاد وأمسك الثدي وامتص منه اللبن، فهذه رضعة ثانية، وهكذا، بشرط: أن يكون الطفل في الحولين؛ لقول النبي ﷺ : «لا رضاع إلا في الحولين» (١)، وقوله ﷺ : «إنما الرضاعة من المجاعة» (٢) وبالله التوفيق. س: الرضاع يحرم الزواج من المرتضعين، لكن هل يمنع الزواج من جميع الإخوة من الجهتين؟ نرجو الإيضاح جزاكم الله خيراً. (٣) ج: إذا ارتضع إنسان من امرأة رضاعاً شرعياً يحصل به التحريم - وهو أن يكون خمس رضعات أو أكثر، حال كون الرضيع في الحولين - فإنها تحرم عليه المرضعة وأمهاتها وأخواتها وعماتها وخالتها وبناتها وبنات بنيها وبنات بناتها وإن نزلن - سواء كن من زوج أو أزواج -؛ لقول النبي ﷺ : «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب».

стр. 288

لكن لا يحرم على إخوته الذين لم يرتضعوا من المرأة التي أرضعته نكاح بناتها؛ لأنها ليست أماً لهم؛ لكونها لم ترضعهم وإنما أرضعت أخاهم، ولا يحرم على أبنائها نكاح أخوات المرتضع منها؛ لأنهن لسن بنات لها، ولسن أخوات لأبنائها لعدم الرضاعة، وجميع ما ذكرنا يتضح من قول النبي ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». متفق على صحته. والله ولي التوفيق. س: إذا كان عند رجل يتيم، وله مال، والرجل قائم بمصالح اليتيم، فهل يجوز له التصرف في ماله، مع العلم أن رأس مال اليتيم محفوظ، وسيرجع إليه؟ (١). ج: قد أمر الله بالإصلاح لليتامى، ونهى عن قربان أموالهم إلا بالتي هي أحسن، فقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (٣). فالواجب على ولي اليتيم أن يعمل بمقتضى هاتين الآيتين، وذلك هو الإصلاح في أموال اليتامى، وبذل الجهد في تنميتها، وتكثيرها، وحفظها؛ إما بالتجارة فيها، أو بدفعها إلى ثقة يتجر فيها بجزء مشاع من الربح؛ كالنصف ونحوه، حسب المتعارف عليه في بلد المعاملة، وإذا تبرع بجميع الربح لليتيم فذلك خير وأفضل، أما تصرف ولي اليتيم في أموال اليتيم في مصلحة الولي، وقضاء حاجاته، وتنمية تجارته، ونحو ذلك، فالظاهر أن ذلك لا يجوز، لأن ذلك ليس من الإصلاح لليتيم، وليس من قربانها بالتي هي أحسن.

стр. 289

أما إذا أنفقها ليحفظها لليتيم، بنية القرض؛ لكونه يخاف عليها إذا بقيت من التلف، أو السرقة، ونحو ذلك، ولم يجد ثقة يعمل في مال اليتيم، فهذا - والحالة هذه - يعتبر من الإصلاح، والحفظ لمال اليتيم، إذا كان الولي مليئاً، ليس على مال اليتيم خطر في بقائه في ذمته. والخلاصة: أن الواجب على ولي اليتيم هو عمل الصالح لليتيم، والله سبحانه هو الذي يعلم المفسد من المصلح، يجازي كل عامل بعمله؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. ونسأله أن يوفقنا وإياكم لما يرضيه. س: هل حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله خاص بالذكور أم أن من عملت عمل هؤلاء من النساء تحصل على الأجر المذكور في الحديث؟ (١) ج: ليس هذا الفضل المذكور في هذا الحديث خاصاً بالرجال بل يعم الرجال والنساء، فالشابة التي نشأت في عبادة الله داخلة في ذلك، وهكذا المتحابات في الله من النساء داخلات في ذلك، وهكذا كل امرأة دعاها ذو منصب وجمال إلى الفاحشة فقالت: إني أخاف الله، داخلة في ذلك، وهكذا من تصدقت بصدقة من كسب طيب لا تعلم شمالها ما تنفق يمينها داخلة في ذلك، وهكذا من ذكر الله خاليا من النساء داخل في ذلك كالرجال، أما الإمامة فهي من خصائص الرجال وهكذا صلاة الجماعة في المساجد تختص بالرجال، وصلاة المرأة في بيتها أفضل لها كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ . والله ولي التوفيق

стр. 290

س: قال رسول الله ﷺ : «من كانت له ثلاث بنات فصبر عليهن وسقاهن وكساهن كن له حجاباً من النار»، هل يكن حجاباً من النار لوالدهم فقط أم معه الأم وعندي ولله الحمد ثلاث بنات (١)؟ ج: هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن وأطعمهن وسقاهن وكساهن من جِدَتِه كن له حجاباً من النار يوم القيامة» (٢) وهذا يدل على فضل الإحسان إلى البنات والقيام بشئونهن؛ رغبةً فيما عند الله فإن ذلك من أسباب دخول الجنة والسلامة من النار. ويرجى لمن عال غير البنات من الأخوات والعمات والخالات وغيرهن من ذوي الحاجة فأحسن إليهن وأطعمهن وسقاهن وكساهن أن يحصل له من الأجر مثل ما ذكر النبي ﷺ في حق من عال ثلاث بنات وفضل الله واسع ورحمته عظيمة، وهكذا من عال واحدة أو اثنتين من البنات أو غيرهن فأحسن إليهن يرجى له الأجر العظيم والثواب الجزيل، كما يدل على ذلك عموم الآيات والأحاديث في الإحسان إلى الفقير والمساكين من الأقارب وغيرهم، وإذا كان هذا الفضل في الإحسان إلى البنات فالإحسان إلى الأبوين أو أحدهما أو الأجداد أو الجدات أعظم وأكثر أجراً؛ لعظم حق الوالدين ووجوب برهما والإحسان إليهما، ولا فرق في ذلك بين كون المحسن أباً أو أُمًّا أو غيرهما؛ لأن الحكم مناط بالعمل. والله ولي التوفيق.

стр. 291

س: ما صحة هذا الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن العبد ليموت والداه أو أحدهما وإنه لهما لعاق فلا يزال يدعو لهما ويستغفر لهما حتى يكتب عند الله باراً»؟ (١) ج: لا أعرف حال هذا الحديث، ولا أدري عن صحته ولكن المعنى صحيح، فإن الدعاء للوالدين والاستغفار لهما والصدقة عنهما من جملة البر بعد الموت، ولعل الله يخفف عنه بذلك ما سبق منه من عقوق مع التوبة الصادقة، وعليه أن يتوب إلى الله ويندم على ما فعل ويكثر من الاستغفار والدعاء لهما بالرحمة والعفو والمغفرة مع الإكثار من الصدقة عنهما، فإن هذا كله مما شرعه الله تعالى في حق الولد لوالديه؛ فقد ثبت عنه ﷺ أنه سأله سائل فقال: يا رسول الله هل بقي لوالدي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال ﵊: «نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما» (٢). والصلاة عليهما: يعني الدعاء لهما؛ ومن ذلك صلاة الجنازة، والاستغفار لهما: أي طلب المغفرة من الله لهما، وإنفاذ عهدهما: يعني وصاياهما إذا أوصيا بشيء لا يخالف الشرع، فمن برهما تنفيذ الوصية الموافقة للشرع، وإكرام صديقهما: أي أصدقاء والديه يكرمهم ويحسن إليهم ويراعي حقوق الصداقة بينهم وبين والديه،

стр. 292

وإن كان الصديق فقيراً واساه، وإن كان غير فقير اتصل به للسلام عليه وسؤاله عن حاله استصحاباً للصداقة التي بينهم وبين والديه إذا كان ذلك الصديق ليس ممن يستحق الهجر، كذلك صلة الرحم التي لا توصل إلا بهما كالإحسان إلى أخواله وأعمامه وأقاربه من جهة أبيه وأمه، فكل هذا من بر الوالدين. س: بعض الجارات من غير المسلمات وجارات مسلمات لي عليهن بعض الملاحظات فما حكم تبادل الزيارات فيما بينهن (١)؟ ج: تبادل الزيارات في مثل هذا إذا كان للنصح والتوجيه والتعاون على البر والتقوى طيب ومأمور به، يقول الله : ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٢)، ولقول النبي ﵊ عن الله أنه قال: «وجبت محبتي للمتحابين فّي والمتزاورين فّي والمتجالسين فّي والمتباذلين فيّ» (٣) أخرجه الإمام مالك ﵀ بإسناد صحيح، ولقوله ﵊: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه» (٤). ولقول الرسول- ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم

стр. 293

الآخر فليكرم جاره» (١). وهذا يعم الرجال والنساء، ويقول ﷺ أيضاً: «يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة» (٢) متفق على صحته. ولا شك أن النصيحة والتوجيه إلى الخير أعظم وأنفع من إهداء فرسن الشاة وهو من أعظم الإكرام للجيران من النساء والرجال، فإن لم ينفع هذا التزاور ولم يحصل به الإصلاح للأوضاع وزوال المنكر شرع تركه لعدم الفائدة، والله ولي التوفيق. س: لي أخت في العقد الخامس من عمرها ولها ابن من شدة حبها له تتغاضى كثيراً عن مخالفته لأمر دينه ولأمور تتعلق بالأخلاق، وتقول إن هذا شأن كثير من الوالدات وبعض الآباء. أرجو التوجيه في هذا لو تكرمتم وجزاكم الله خيراً؟ (٣) ج: الواجب على المسلم أن يتقي الله في نفسه وفي أهل بيته وفي جيرانه وفي كل شؤونه ومع كل المسلمين؛ وذلك بدعوتهم إلى الله وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وألا تأخذه في الله لومة لائم، هذا هو الواجب على كل مسلم، فلا يدع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أجل قرابة قريب أو محبة شخص، بل من حبه لقريبه ومن صلته له الصلة الحقيقية التي يؤجر عليها أن يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر كما قال : ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (٤). فالواجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يتقي الله وأن يؤدي الحق الذي عليه مع القريب والبعيد يقول سبحانه:

стр. 294

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (١) الآية، ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٢). فالواجب على المؤمن والمؤمنة أن ينصح كل منهما قريبه وغيره، وأن ينكر المنكر، وأن يأمر بالمعروف مع الأقرباء وغيرهم، فإن من أهم المهمات أن ينصح قريبه وأن يوجهه إلى الخير وهذا أعظم من صلته بالمال إن كان يصله بالمال ويؤجر على صلة الرحم، فكونه يصله بتوجيهه للخير أو تعليمه الخير وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أهم من صلته بالمال، لأن توجيهه إلى الخير ينفعه في الدنيا والآخرة، فليس لأختك ولا لغيرها أن تدع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لحبها لولدها، أو لأخيها، أو لأختها أو غيرهم، بل يجب عليها أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بالطرق التي تراها مفيدة مجدية، وبالأساليب الحسنة حتى تنجح إن شاء الله في عملها وتبرأ ذمتها. س: كيف يكون التعاون على البر والتقوى في البيت إذا كان الأب والأخ الأكبر لا يصلون في المسجد (٣)؟ ج: هذا من أهم التناصح ومن أوجب التعاون، إذا كان الوالد أو الأخ أو غيرهما من أهل البيت يتعاطى شيئاً من المنكر فإنه يجب التناصح والتعاون والتواصي بالحق على قدر المستطاع بالأسلوب الحسن وتحري الوقت المناسب حتى يزول المنكر، كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا

стр. 295

اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١)، وقال النبي ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٢)، فالوالد له شأن، والوالدة لها شأن، والأخ سواء كان كبيراً أو صغيراً له شأن، وكل يعامل بالأسلوب الحسن واللين والرفق بقدر المستطاع حتى يحصل المقصود ويزول المحذور. وعلى الناصح والداعي إلى الله أن يتحرى الأوقات المناسبة والأسلوب المناسب لاسيما مع الوالدين؛ لأنهما ليسا مثل بقية الأقارب، فلهما شأن عظيم وبرهما متعين حسب الطاقة قال الله جل وعلا: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٣) الآية، هذا وهما كافران، فكيف بالوالدين المسلمين، فإذا كان الوالدان الكافران يصحبهما الولد بالمعروف ويحسن إليهما؛ لعله يهديهما بأسبابه. فالمسلمان أولى وأحق بذلك. فإذا كان الوالد يتكاسل عن الصلاة في المسجد، أو يتعاطى شيئا من المعاصي الأخرى كالتدخين أو حلق اللحية أو الإسبال أو غير ذلك من المعاصي التي يقع فيها فإن الواجب على الولد أن ينصح بالحسنى، ويستعين على ذلك بمن يرى من خيار أهل البيت، وهكذا مع الوالدة والأخ الكبير وغيرهما من أهل البيت يحصل المطلوب.

стр. 296

فتاوى الأطعمة والأيمان

стр. 297

س: من كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين، فهل يجوز إطعام واحد منهم الآن والآخر بعد أسبوع؛ لأنه قد لا يوجد عشرة مساكين دفعة واحدة، وهل إذا أطعمت واحدا عشر مرات أكون أطعمت عشرة مساكين (١)؟ ج: يجب التماس العشرة، فإذا أطعمت واحدا وكررت ذلك لا يكفي، فلا بد من عشرة كما قال الله في كتابه الكريم في سورة المائدة: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٢) الآية. فلا بد من التماس العشرة ولو تعددت الأيام، لكن تجب المبادرة حسب الإمكان، ولو كان إطعامهم متفرقا في أيام فلا بأس، ولكن عليك أن تجتهد وتلتمس عشرة وتبادر بإخراج الكفارة أو تكسوهم كسوة تجزئهم في الصلاة، تغديهم أو تعشيهم، فإن هذا يكفي للآية السابقة. س: هل يجوز أكل اللحوم المستوردة من الدول التي لا تدين غالبيتها بالإسلام، أو النصرانية أو اليهودية؛ كالهند واليابان والصين، أو غيرها؟ (٣) ج: إذا كانت اللحوم واردة من بلاد وثنية أو شيوعية، فإنها لا يحل أكلها؛ لأن ذبائحهم محرمة، وإنما أباح الله للمسلمين طعام أهل الكتاب - وهم: اليهود والنصارى - في قوله : ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ﴾ (٤) الآية.

стр. 298

وهذا ما لم يعلم المسلم أنها ذبحت على غير الوجه الشرعي؛ كالخنق والصعق ونحوهما، فإن علم ذلك لم تحل له ذبيحتهم؛ لقول الله سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (١) الآية. س: هل يجوز استخدام الجرائد كسفر للأكل عليها؟ وإذا كان لا يجوز، فما العمل فيها بعد قراءتها؟ (٢) ج: لا يجوز استعمال الجرائد سفرة للأكل عليها، ولا جعلها ملفاً للحوائج، ولا امتهانها بسائر أنواع الامتهان، إذا كان فيها شيء من الآيات القرآنية أو من ذكر الله . والواجب إذا كان الحال ما ذكرنا حفظها في محل مناسب، أو إحراقها، أو دفنها في أرض طيبة. س: بالنسبة لبقايا الطعام، يضعه بعض الناس في كرتون ونحوه، ويوضع في الشارع لتأكله البهائم، ولكن يأتي عمال النظافة ويضعونه مع بقية النفايات. هل يجوز وضع الطعام مع النفايات الأخرى (٣)؟ ج: الواجب تسليمه لمن يأكله من الفقراء - إن وجد - فإن لم يوجد من يأكله من الفقراء، وجب جعله في مكان بعيد عن الامتهان؛ حتى تأكله البهائم، فإن لم

стр. 299

يتيسر ذلك، وجب حفظه في كراتين أو أكياس باغة أو غيرها، وعلى البلديات في كل بلد أن تعمِّد المسؤولين لديها أن يضعوه في أماكن نظيفة؛ حتى تأكله البهائم، أو يأخذه بعض الناس لبهائمه؛ صيانة للطعام عن الإهانة والإضاعة. س: ما وجهة من يقول بأن الدخان محرم في شرع الله تعالى؟ (١) ج: وجهته أنه مضر، ومخدر في بعض الأحيان، ومسكر في بعض الأحيان، والأصل فيه عموم الضرر، والنبي ﷺ قال: «لا ضرر ولا ضرار» (٢)، فالمعنى: كل شيء يضر بالشخص في دينه ودنياه، محرم عليه تعاطيه؛ من سم أو دخان أو غيرهما مما يضره؛ لقول الله : ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٣)، وقوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار». فمن أجل هذا حرم أهل التحقيق من أهل العلم التدخين؛ لما فيه من المضار العظيمة التي يعرفها المدخن نفسه، ويعرفها الأطباء، ويعرفها كل من خالط المدخنين، وقد يسبب موت الفجاءة وأمراضاً أخرى، ويسبب السعال الكثير، والمرض الدائم اللازم، كل هذا قد عرفناه، وأخبرنا به جم غفير لا نحصيه ممن قد تعاطى شرب الدخان أو الشيشة، أو غير ذلك من أنواع التدخين، فكله مضر، وكله يجب منعه. ويجب على الأطباء النصيحة لمن يتعاطاه، ويجب على الطبيب والمدرس أن يحذرا ذلك؛ لأنه يُقتدى بهما.

стр. 300

س: الكثير من مدمني أكل القات، عند حضور الصلاة يخرجه من فمه في كيس بلاستيك ثم يصلي، وبعد الصلاة يضعه مرة أخرى في فمه، فهل القات نجس؟ وما حكم من صلى به وهو في فيه؟ وهل يجوز لمن هو في فمه تأخير الصلاة حتى يفرغ، ويجمع الفوائت من الصلاة؟ (١) ج: لا أعلم ما يدل على نجاسته؛ لكونه شجرة معروفة، والأصل في الشجر وأنواع النبات الطهارة، ولكن استعماله محرم في أصح قولي العلماء لما فيه من المضار الكثيرة. وينبغي لمتعاطيه ألا يستعمله وقت الصلاة، ولا يجوز تأخير الصلاة من أجله، بل يجب على المسلم أداء الصلاة في وقتها في الجماعة مع إخوانه المسلمين في المساجد؛ لقول النبي ﷺ : «من سمع النداء فلم يأت، فلا صلاة له إلا من عذر» (٢). خرجه ابن ماجة والدار قطني والحاكم بإسناد صحيح. وقد سئل ابن عباس ﵄ عن العذر فقال: (خوف أو مرض)، وليس استعمال القات عذراً شرعياً، بل هو منكر، وإذا أخر مستعمله عن الصلاة في وقتها أو في المسجد مع الجماعة، كان ذلك أشد في الإثم. وليس لمستعمله الجمع بين الصلاتين؛ لأن استعماله ليس من الأعذار الشرعية التي تسوغ الجمع بين الصلاتين، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه لما علّم أصحابه أوقات الصلاة وأوضح لهم أولها وآخرها قال: «الصلاة بين هذين الوقتين» (٣)، وثبت في صحيح مسلم (٤)، أن رجلاً أعمى قال: يا رسول الله: ليس لي

стр. 301

قائد يلائمني إلى المسجد، فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال النبي ﷺ : «هل تسمع النداء بالصلاة؟» قال: نعم. قال: «فأجب»، وفي رواية لغير مسلم سندها صحيح، قال له ﷺ : «لا أجد لك رخصة» (١). فهذه الأحاديث الصحيحة وما جاء في معناها، كلها تدل على وجوب أداء الصلاة في الجماعة في بيوت الله وتحريم التأخر عنها، أو الجمع بين الصلاتين بغير عذر شرعي. ونصيحتي لأصحاب القات والتدخين وسائر المسكرات والمخدرات، أن يحذروها غاية الحذر، وأن يتقوا الله في ذلك؛ لما في استعمالها من المعصية لله سبحانه ولرسوله ﷺ ولما فيها من الأضرار العظيمة والعواقب الوخيمة، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة. فنسأل الله أن يهدي المسلمين لكل ما فيه رضاه، وأن يصلح قلوبهم وأعمالهم، ويعيذهم من جلساء السوء الذين يصدونهم عن الخير؛ إنه جواد كريم. والله ولي التوفيق. س: هل تؤكل ذبيحة من لا تعرف عقيدته ، ومن يستحل المعاصي وهو يعلم أنها حرام، ومن يُعرف عنه دعاء الجن بدون قصد؟ (٢) ج: إذا كان لا يُعْرف بالشرك فذبيحته حلال، إذا كان مسلماً يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولا يعرف عنه ما يقتضي كفره، فإن ذبيحته تكون حلالاً.

стр. 302

إلا إذا عُرف عنه أنه قد أتى بشيء من الشرك؛ كدعاء الجن أو دعاء الأموات أو الاستغاثة بهم، فهذا نوع من الشرك الأكبر، ومثل هذا لا تؤكل ذبيحته. ومن أمثلة دعاء الجن أن يقول: افعلوا كذا أو افعلوا كذا، أو أعطوني كذا، أو افعلوا بفلان كذا، وهكذا من يدعو أصحاب القبور، أو يدعو الملائكة ويستغيث بهم، أو ينذر لهم، فهذا كله من الشرك الأكبر. نسأل الله السلامة والعافية. أما المعاصي فهي لا تمنع من أكل ذبيحة من يتعاطى شيئاً منها - إذا لم يستحلها - بل هي حلال إذا ذبحها على الوجه الشرعي، أما من يستحل المعاصي فهذا يعتبر كافراً؛ كأن يستحل الزنا أو الخمر أو الربا أو عقوق الوالدين أو شهادة الزور، ونحو ذلك من المحرمات المجمع عليها بين المسلمين. نسأل الله العافية من كل ما يغضبه. س: ما هي التذكية الشرعية؟ وطريقة ذبح الإبل خاصة؟ (١) ج: التذكية الشرعية للإبل والغنم والبقر، أن يقطع الذابح الحلقوم والمريء والودجين (وهما العرقان المحيطان بالعنق). وهذا هو أكمل الذبح وأحسنه؛ فالحلقوم مجرى النفس، والمريء مجرى الطعام والشراب، والودجان عرقان يحيطان بالعنق، إذا قطعهما الذابح صار الدم أكثر خروجاً، فإذا قطعت هذه الأربعة، فالذبح حلال عند جميع العلماء. الحالة الثانية: أن يقطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين، وهذا أيضاً حلال صحيح، وطيب، وإن كان دون الأول.

стр. 303

والحالة الثالثة: أن يقطع الحلقوم والمريء فقط دون الودجين، وهو أيضاً صحيح، وقال به جمع من أهل العلم، ودليلهم: قوله ﵊: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا، ليس السن والظفر» (١). وهذا هو المختار في هذه المسألة. والسنة: نحر الإبل قائمة على ثلاث، معقولة يدها اليسرى، وذلك بطعنها في اللبة التي بين العنق والصدر. أما البقر والغنم، فالسنة أن تذبح وهي على جنبها الأيسر، كما أن السنة عند الذبح والنحر توجيه الحيوان إلى القبلة، وليس ذلك واجباً بل هو سنة فقط، فلو ذبح أو نحر لغير القبلة حلت الذبيحة، وهكذا لو نحر ما يذبح، أو ذبح ما ينحر، حلت، لكن ذلك خلاف السنة. وبالله التوفيق. س: اختلفت أنا وزميلي في العمل؛ فحلفت أن لا آكل ولا أشرب في بيته، وفي مرة ذهبت معه إلى منزله، وأكلت بعض الفواكه ناسياً، وبعد ما ذهبت تذكرت بأنني حلفت، فأرجو الإفادة، وبعد الكفارة هل آكل وأشرب في بيته أم لا؟ (٢) ج: إذا كنت ناسياً فما عليك شيء أي ما عليك كفارة، لكن الأحسن أن تأكل مع أخيك إذا كان طيباً وتكفر - إذا كان هذا الصديق طيباً في دينه - فالأحسن أن تكفر وتعود إلى الأكل في بيته، أما إن كان ليس بطيب، فاحمد الله على هذا اليمين، ولا تأكل معه ولا تأتيه، وابتعد عنه، إذا كان ممن يظهر المعاصي، ويدعو إلى المعاصي،

стр. 304

فاحمد الله على البعد عنه، أما إذا كان طيباً فإنك تكفر عن يمينك؛ تطعم عشرة مساكين، أو تكسوهم - والحمد لله -، وأت أخاك، وكل في بيته. يقول النبي ﷺ : «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها، فكفر عن يمينك، وأت الذي هو خير»، ويقول ﷺ : «والله إني - إن شاء الله - لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها، إلاَّ كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير». س: من عليه أيمان كثيرة، فهل تجزئها كفارة واحدة؟ (١) ج: إن كانت الأيمان على فعل واحد أجزأته كفارة واحدة، كما لو قال: والله لا أكلم فلاناً، والله لا أكلم فلاناً، وكرر ذلك كثيراً، ثم كلمه، فإنه تكفيه كفارة واحدة، أما إذا كانت يمينه على أفعال، فإنه يلزمه لكل يمين كفارة؛ كما لو قال: والله لا أكلم فلاناً، والله لا أزور فلاناً، والله لا أسافر إلى بلد كذا، ثم فعل ذلك، فإنه تلزمه كفارات بعدد الأيمان. وفق الله الجميع. س: هل هناك حديث صحيح عن فائدة ماء زمزم؟ (٢) ج: ماء زمزم قد دلت الأحاديث الصحيحة على أنه ماء شريف وماء مبارك، وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال في زمزم: «إنها مباركة، إنها طعام طعم» (٣) وزاد في رواية عند أبي داود بسند جيد: «وشفاء سقم» (٤) فهذا الحديث الصحيح يدل على فضلها وأنها طعام طعم وشفاء سقم وأنها مباركة.

стр. 305

والسنة الشرب منها كما شرب منها النبي ﷺ ولما فيها من البركة، وهي طعام طيب طعام مبارك، طعام يُشرع التناول منه إذا تيسر، كما فعله النبي ﷺ ، وهذا الحديث الصحيح يدلنا على ما تقدم من فضلها وأنها مباركة وأنها طعام طعم وشفاء سقم، وأنه يستحب للمؤمن أن يشرب منها إذا تيسر له ذلك، ويجوز له الوضوء منها، ويجوز أيضاً الاستنجاء منها والغسل من الجنابة إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وقد ثبت عنه ﷺ أنه نبع الماء من بين أصابعه ثم أخذ الناس حاجتهم من هذا الماء ليشربوا وليتوضؤوا وليغسلوا ثيابهم وليستنجوا، كل هذا واقع، وما زمزم إن لم يكن مثل الذي نبع من بين أصابع النبي ﷺ لم يكن فوق ذلك فكلاهما ماء شريف، فإذا جاز الوضوء والاغتسال والاستنجاء وغسل الثياب من الماء الذي نبع من بين أصابعه ﷺ فهكذا يجوز من ماء زمزم. وبكل حال فهو ماء طهور طيب يُستحب الشرب منه، ولا حرج في الوضوء منه، ولا حرج في غسل الثياب منه، ولا حرج في الاستنجاء منه إذا دعت الحاجة إلى ذلك كما تقدم، والحمد لله.

стр. 306

فتاوى القرآن والتفسير

стр. 307

س: هل ثبت التكبير من سورة الضحى إلى آخر القرآن (١)؟ ج: لم يثبت ذلك عن النبي ﷺ كما صرح بذلك الحافظ ابن كثير ﵀ في أول تفسير سورة الضحى، ولكن ذلك عادة جرى عليها بعض القرَّاء لحديث ضعيف ورد في ذلك، فالأولى ترك ذلك؛ لأن العبادات لا تثبت بالأحاديث الضعيفة. والله الموفق. س: كم يوماً يحتاج الإنسان إلى ختم القرآن بالفهم والتدبر؟ وهل إذا ختم القرآن في شهرين يكون قد تأخر في قراءته؟ أفيدونا - أفادكم الله -. (٢) ج: النبي ﷺ قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: «اقرأ القرآن في شهر»، فلم يزل يقول: زدني يا رسول الله، حتى قال: «اقرأه في أسبوع» (٣) ثم طلب الزيادة إلى ثلاث. وكان الصحابة يقرأون في أسبوع، فالأفضل في أسبوع، وإذا تيسر في الثلاثة أيام فلا بأس، لكن مع العناية بالتدبر والتعقل والخشوع. وإذا قرأ الإنسان القرآن في شهر أو شهرين فلا حرج، لكن مع التدبر، وإذا رتب الإنسان القراءة كل شهر؛ يقرأ كل يوم جزءاً فهذا حسن، فقد قال النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص: اقرأه في شهر، فالحسنة بعشر أمثالها فالمقصود: أن يتحرى في قراءته الخشوع والتدبر والتعقل والاستفادة، فمن قرأه في شهر أو شهرين أو

стр. 308

أقل أو أكثر فلا حرج، لكن يكره أن يكون ذلك في أقل من ثلاث، فأقل شيء ثلاثة أيام يقرأ في ثلاثة أيام ولياليها؛ في كل يوم وليلة عشرة أجزاء، هذا أقل ما ورد. س: كيف نجمع بين هاتين الآيتين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٢) وهل بينهما تعارض (٣)؟ ج: ليس بينهما تعارض، فالآية الأولى في حق من مات على الشرك ولم يتب فإنه لا يغفر له ومأواه النار كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٤) وقال : ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥) والآيات في هذا المعنى كثيرة. أما الآية الثانية وهي قوله سبحانه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٦) فهي في حق التائبين وهكذا قوله سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٧) أجمع العلماء على أن هذه الآية في التائبين. والله ولي التوفيق.

стр. 309

س: نرجو تفسير قوله تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١) (٢) ج: هذه الآية آية عظيمة وهي تدل على أن العلماء بالله وبدينه وبكتابه العظيم وسنة رسوله الكريم هم أشد الناس خشية لله وأكملهم خوفا منه سبحانه، فالمعنى: إنما يخشى الله الخشية الكاملة هم العلماء بالله الذين عرفوا ربهم بأسمائه وصفاته وعظيم حقه وتبصروا في شريعته وعرفوا ما عنده من النعيم لمن اتقاه والعذاب لمن خالفه وعصاه، فهم لكمال علمهم بالله هم أشد الناس خشية لله وأكمل الناس خوفا من الله وعلى رأسهم الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهم أكمل الناس خشية لله سبحانه وتعظيما له ثم خلفاؤهم العلماء بالله وبدينه. وهم على مراتب في ذلك متفاوتة، وليس معنى الآية أن غيرهم لا يخشى الله فكل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة يخشى الله لكن خشية الله فيهم متفاوتة فكلما كان المؤمن أبصر بالله وأعلم به وبدينه كان خوفه لله أكثر وكلما قل العلم وقلت البصيرة قل الخوف من الله وقلت الخشية منه سبحانه، فالناس متفاوتون في هذا الباب تفاوتا عظيما حتى العلماء متفاوتون في خشيتهم لله كما تقدم، فكلما زاد العلم زادت الخشية لله وكلما نقص العلم نقصت الخشية لله ولهذا يقول : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٤) والآيات في هذا المعنى كثيرة وبالله التوفيق.

стр. 310

س: دائما يرد ذكر المال مقدم على الأولاد في القرآن الكريم رغم أن الأولاد أغلى لدى الأب من ماله. فما هي الحكمة من ذلك (١)؟ ج: الفتنة بالمال أكثر لأنه يعين على تحصيل الشهوات المحرمة بخلاف الأولاد، فإن الإنسان قد يفتن بهم ويعصي الله من أجلهم، ولكن الفتنة بالمال أكثر وأشد ولهذا بدأ سبحانه بالأموال قبل الأولاد كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ (٢) الآية، وقوله سبحانه ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٣) الآية، وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٤). س: أريد من سماحتكم تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٥) ج: معنى الآية الكريمة عند العلماء أن الله سبحانه منورها فجميع النور الذي في السموات والأرض ويوم القيامة كل من نوره سبحانه. والنور نوران: نور مخلوق وهو ما يوجد في الدنيا والآخرة وفي الجنة وبين الناس الآن من نور القمر والشمس والنجوم. وهكذا نور الكهرباء والنار كله مخلوق وهو من خلقه . أما النور الثاني: فهو غير مخلوق بل هو من صفاته . والله سبحانه وبحمده بجميع صفاته هو الخالق وما سواه

стр. 311

مخلوق فنور وجهه ونور ذاته كلاهما غير مخلوق بل هما صفة من صفاته جل وعلا. وهذا النور العظيم وصف له سبحانه وليس مخلوقا بل هو صفة من صفاته كسمعه وبصره ويده وقدمه وغير ذلك من صفاته العظيمة . وهذا هو الحق الذي درج عليه أهل السنة والجماعة. س: أرشدوني إلى الطريقة التي تعينني على حفظ كتاب الله (١). ج: نوصيك بالعناية بالحفظ والإقبال على ذلك واختيار الأوقات المناسبة للحفظ كآخر الليل أو بعد صلاة الفجر أو في أثناء الليل أو في بقية الأوقات التي تكون فيها مرتاح النفس حتى تستطيع الحفظ، ونوصيك باختيار الزميل الطيب الذي يساعدك ويعينك على الحفظ والمذاكرة، مع سؤال الله التوفيق والإعانة والتضرع إليه أن يعينك، وأن يوفقك، وأن يعيذك من أسباب التعويق ومن استعان با لله صادقا أعانه الله ويسر أمره. س: يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) ويقول أيضا: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٣) هل بين هاتين الآيتين تعارض وما المراد بقوله: ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٤) (٥)؟

стр. 312

ج: ليس بينهما تعارض، فالآية الأولى في حق من مات على الشرك ولم يتب، فإنه لا يغفر له ومأواه النار، كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (١) وقال : ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة. أما الآية الثانية وهي قوله سبحانه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ - فهي في حق التائبين، وهكذا قوله سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣) أجمع العلماء على أن هذه الآية في التائبين، وأما قوله سبحانه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٤) فهي في حق من مات على ما دون الشرك من المعاصي غير تائب، فإن أمره إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، وإن عذبه فإنه لا يخلد في النار خلود الكفار، كما تقول الخوارج والمعتزلة ومن سلك سبيلهما، بل لا بد أن يخرج من النار بعد التطهير والتمحيص كما دلت على ذلك الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ وأجمع عليه سلف الأمة. والله ولي التوفيق. س: ما حكم من يقرأ القرآن وهو يخطئ في التشكيل؟ هل يؤجر على ذلك (٥)؟ ج: يشرع للمؤمن أن يجتهد في القراءة، ويتحرى الصواب، ويقرأ على من هو أعلم منه حتى يستفيد ويستدرك أخطاءه. وهو مأجور ومثاب وله أجره مرتين إذا اجتهد

стр. 313

وتحرى الحق؛ لقول النبي ﷺ : «الماهر في القرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجره مرتين» (١) متفق على صحته عن عائشة ﵂، وهذا لفظ مسلم. س: هل يجوز أن تكرر سورة من القرآن في الأسبوع مرتين أو ثلاثا أو أكثر (٢)؟ ج: يجوز تكرار السورة في الأسبوع وفي اليوم وليس لذلك حد محدود، بل يجوز أن يكررها في الركعتين بعد الفاتحة في صلاة واحدة وقد صح عن النبي ﷺ أنه قرأ سورة: (إِذَا زُلْزِلَتِ) في الركعتين الأولى والثانية. س: هل تجوز قراءة القرآن في الجمعة بصوت مرتفع في المسجد (٣)؟ ج: لا يجوز للمسلم أن يرفع صوته بالقراءة في المسجد أو غيره إذا كان يشوش على من حوله من المصلين أو القراء، بل السنة أن يقرأ قراءة لا يؤذي بها غيره؛ لما ثبت عن النبي ﷺ أنه خرج على الناس ذات يوم في المسجد وهم يرفع بعضهم الصوت على بعض بالقراءة فقال: «أيها الناس كلكم يناجي الله فلا يرفع بعضكم صوته على بعض أو قال: فلا يجهر بعضكم على بعض» (٤).

стр. 314

س: ما حكم قراءة سورة الكهف في ليلة الجمعة ويومها ؟ (١) ج: جاء في قراءة سورة الكهف يوم الجمعة أحاديث لا تخلو من ضعف، لكن ذكر بعض أهل العلم أنه يشد بعضها بعضا وتصلح للاحتجاج، وثبت عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه كان يفعل ذلك. فالعمل بذلك حسن؛ تأسيا بالصحابي الجليل ﵁. وعملا بالأحاديث المشار إليها. لأنه يشد بعضها بعضا ويؤيدها عمل الصحابي المذكور، أما قراءتها في ليلة الجمعة فلا أعلم له دليلا وبذلك يتضح أنه لا يشرع ذلك. والله ولي التوفيق. س: هذا يسأل عن تفسير قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، ويقول: ذلك بأننا سمعنا أناساً في الحرم يفسرون (لا جناح عليه)؛ بأنه ليس من الضروري في الحج والعمرة؟ (٢) ج: هذا غلط. النبي ﷺ أمر بالسعي وسعى. وكان المسلمون يتحرجون أولاً من السعي؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يسعون بينهما بصنمين على الصفا والمروة، فلما جاء الله بالإسلام تحرجوا، قيل لهم: لا حرج، والسعي بينهما لله لا للأصنام، لله وحده كل شعائر الله إعلانه وأحكامه - جل وعلا -؛ ولهذا طاف النبي ﷺ بينهما وقال: «خذوا عني مناسككم» (٣)، في عمرته وفي حجه ﵊. فليس هناك جناح في

стр. 315

الطواف بهما كما طاف النبي ﷺ ، هذا رد على من تحرج في السعي بينهما، وأنهما كانا بين صنمين الصفا والمروة: إساف ونائلة، كان المشركون يسعون للصنمين فأبطل الله عبادة الأصنام، وأقر السعي لله وحده لا شريك له. س: يقول - تعالى-: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (١) الآية. سماحة الشيخ: ما المقصود بالرفث والفسوق والجدال الممنوع؟ وهل من جادل أو بالغ بالعبث أثناء الحج يبطل حجه؟ (٢) ج: فسر أهل العلم ﵏ الرفث: بالجماع وما يدعو إلى ذلك، والفسوق: بالمعاصي، أما الجدال ففسروه: بالنزاع والمخاصمة في غير فائدة، أو فيما أوضحه الله وبينه لعباده فلا وجه للجدال فيه. ويدخل في الجدال المنهي عنه: جميع المنازعات التي تؤذي الحجيج وتضرهم، أو تخل بالأمن، أو يراد منها الدعوة إلى الباطل أو التثبيط عن الحق، أما الجدال بالتي هي أحسن لإيضاح الحق وإبطال الباطل فهو مشروع، وليس داخلاً في الجدال المنهي عنه، وجميع الأشياء الثلاثة لا تبطل الحج، إلا الجماع فقط إذا وقع قبل التحلل الأول، لكنها تنقص الحج والأجر، كما أنها تنقص الإيمان وتضعفه. فالواجب على الحاج والمعتمر تجنب ذلك؛ طاعة لله سبحانه ورغبة في إكمال حجه وعمرته.

стр. 316

س: قال الله - تعالى -: ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (١) ما معنى اللغو بالأيمان في هذه الآية؟ (٢) ج: الآية واضحة، يقول الله : ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ الآية، وفي الآية الآخرى قال سبحانه: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ (٣). وكسب القلوب: نيتها وقصدها؛ الإيمان بالله والمحبة لله، والخوف من الله والرجاء لله كل هذا من كسب القلوب، وهكذا نية الحالف وقصده لليمين وإقباله عليها، هذا من كسب القلوب. أما عند عدم اليمين؛ لكونه يتكلم باليمين من غير قصد، بل جرت على لسانه من غير قصد، مثل: والله ما أقوم، والله ما أتكلم، والله ما أذهب لكذا .. إلى آخره، ولم يتعمدها، بل جرت على لسانه لكن من غير قصد؛ أي عقد اليمين على هذا الشيء من غير قصد القلب على فعل هذا الشيء، هذا هو لغو اليمين؛ قول الرجل: لا والله، كما جاء في هذا المعنى عن عائشة ﵂ وغيرها في اللغو باليمين. أما إذا نوى اليمين بقلبه أنه لا يكلمه، أو: لا والله لا أزوره، أو: لا والله لا أفعل كذا، أو: لا أشرب الدخان، أو: والله لا أشرب الخمر، فهذا عليه كفارة يمين إذا نقض يمينه، وهي: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو أن يعتق رقبة، فإن عجز عن الثلاثة صام ثلاثة أيام؛ لقوله - جل وعلا -: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ

стр. 317

فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ﴾. والمقصود: أن الأَيمان اللاغية هي التي لا تتعمد، بل تجري على اللسان بغير قصد، هذه هي لغو اليمين، وليست يميناً منعقدة، وليست من كسب القلوب، أما إذا عقدها قاصداً لها بقلبه فهذا من كسب القلوب، وهذا من تعقيد الأيمان، فعلى صاحب هذه اليمين إذا خالفها أن يكفر كفارة اليمين - كما تقدم -. فإذا قال: والله لا أكلم فلاناً، قاصداً بقلبه ثم كلمه، فعليه كفارة يمين، أو قال: والله لا أزوره ثم زاره، فعليه كفارة يمين، بخلاف إذا مرّ على لسانه اليمين بغير قصد لم يتعمدها، فليس عليه شيء. س: قال الله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ (١). الآية. ما المقصود بـ (النور) في الآية؟ (٢) ج: إن الله ولي الذين آمنوا، وناصرهم ومعينهم وموفقهم؛ يخرجهم من الظلمات؛ ظلمات الشرك وظلمات المعاصي والبدع، إلى نور التوحيد والحق والإيمان؛ يعني بواسطة الرسل، وبواسطة كتبه المنزلة. فكفار قريش، وكفار بني إسرائيل وغيرهم أولياؤهم الطاغوت، والطاغوت: الشيطان من الإنس والجن، فالشياطين من الإنس والجن هم أولياء الكفرة؛ يخرجونهم من نور التوحيد إلى ظلمات الشرك والجهل والمعاصي والبدع.

стр. 318

فالنور في هذه الآية المقصود به: التوحيد والإيمان والهدى، والظلمات: الشرك والمعاصي والبدع - نسأل الله العافية -. س: تحدثني نفسي أحياناً بفعل منكر أو قول سوء، ولكني في أحيان كثيرة لا أظهر القول أو الفعل، فهل عليَّ إثم في ذلك، وما المقصود بقوله : ﴿لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ﴾ (١) الآية؟ ج: هذه الآية الكريمة نسخها الله سبحانه بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٢) الآية. وصح عن رسول الله ﷺ أن الله قال: «قد فعلت» خرجه مسلم في صحيحه، وقال النبي ﷺ : «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» (٣) متفق على صحته. وبذلك يعلم أن ما يقع في النفس من الوساوس والهم ببعض السيئات معفو عنه، ما لم يتكلم به صاحبه أو يعمل به. ومتى ترك ذلك خوفاً من الله سبحانه كتب الله له بذلك حسنة؛ لأنه قد صح عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك. والله ولي التوفيق.

стр. 319

س: لقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. ما المقصود بالمنافقين والنفاق في هذه الآية الكريمة، وأرجو أن تتفضلوا بإيضاح المعنى (١)؟ ج: المراد بالمنافقين هم: الذين يتظاهرون بالإسلام وهم على غير الإسلام، يدعون أنهم مسلمون، وهم في الباطن يكفرون بالله ويكذبون الرسول ﵊ هؤلاء هم المنافقون. سموا منافقين؛ لأنهم أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، كما في قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ. يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ. فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾ أي: شك وريب- ﴿فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٢). والآيات بعدها في سورة (البقرة). هؤلاء هم المنافقون، وهم يكفرون بالله ويكذبون رسله في قوله - جل وعلا -: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً. مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلاء وَلَا إِلَى هَؤُلاء﴾ (٣). والمعنى: أنهم مترددون بين الكفار والمسلمين؛ تارة مع الكفار إذا ظهر الكفر وانتصروا، وتارة مع المؤمنين إن ظهروا وانتصروا، فليس عندهم ثبات ولا دين مستقيم ولا إيمان ثابت، بل هم مذبذبون بين الكفر والإيمان، وبين الكفار والمسلمين.

стр. 320

وقد صرح الله بكفرهم في قوله - تعالى-: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ. فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (١). هؤلاء هم المنافقون - نسأل الله العافية والسلامة -. س: ما معنى قول الحق ﵎: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٢) (٣). ج: هذه الآية العظيمة يحذر الله فيها سبحانه عباده من الأمن من مكره، فيقول سبحانه: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾. المقصود من هذا: تحذير العباد من الأمن من مكره؛ بالإقامة على معاصيه، والتهاون بحقه، والمراد من مكر الله به: كونه يملي لهم، ويزيدهم من النعم والخيرات وهم مقيمون على معاصيه وخلاف أمره، فهم جديرون بأن يؤخذوا على غفلتهم ويعاقبوا على غرتهم؛ بسبب إقامتهم على معاصيه، وأمنهم من عقابه وغضبه، كما قال سبحانه: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ. وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (٤)، وقال : ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ
следующие страницы →