الدرر الثرية من الفتاوى البازية
منتقاة من: (مجموع فتاوى ومقالات متنوعة)
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀
تقديم
اللجنة العلمية في مؤسسة الشيخ عبد العزيز بن باز الخيرية
стр. 2
ح … عبد الرحمن بن محمد الحميزي، ١٤٣٢ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الحميزي، عبد الرحمن بن محمد
الدرر الثرية من الفتاوى البازية./ عبد الرحمن بن محمد الحميزي. -
الرياض، ١٤٣٢ هـ
٤٨٠ ص، ١٧ × ٢٤ سم
ردمك: ٢ - ٨٧٣٧ - ٠٠ - ٦٠٣ - ٩٧٨
١ - الفتاوى الشرعية … ٢ - الفقه الحنبلي.
أ- العنوان
ديوي ٢٥٨. ٤ … ١٠٤٥٥/ ١٤٣٢
رقم الإيداع: ١٠٤٥٥/ ١٤٣٢
ردمك: ٢ - ٨٧٣٧ - ٠٠ - ٦٠٣ - ٩٧٨
стр. 3
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين … وبعد
فإن هذا الكتاب الذي بين يديك هو عبارة عن مختارات من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ مفتي عام المملكة العربية السعودية قد استخرجتها من (٣٠) مجلد من فتاوى سماحة الشيخ.
وسوف أذكر بعض التنبيهات في مقدمة هذا الكتاب منها:
١ - أن جميع ما ذكر في هذا الكتاب مأخوذ من كتاب: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة تأليف سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، الطبعة الرابعة عام ١٤٢٧ هـ.
٢ - الفتاوى التي ذكرتها مأخوذة بنصها من كتاب الشيخ بدون زيادة أو نقص أو تصرف في كلام سماحة الشيخ ﵀
٣ - قمت بتوثيق كل فتوى في الهامش، وذلك حسب المجلد والصفحة، وقد رمزت للمجلد بـ ج، وللصفحة بـ ص.
٤ - قمت بوضع فهرس في نهاية الكتاب لكل الفتاوى الموجودة.
وإني أقترح على القارئ الكريم أن يقرأ مع عائلته في بيته وفي أي وقت يختارونه وبشكل يومي فتوى من هذه الفتاوى أو اثنتين أو ثلاث ويتدارسونها فيما بينهم، ليستفيدوا منها الفوائد العظيمة في الدنيا والآخرة،
стр. 4
مثل تعلم العلم وتنزل السكينة والطمأنينة على البيت وتأليف قلوب البيت الواحد ونشر المحبة بينهم … إلخ.
كما أقترح على إمام المسجد أن يقرأ على جماعة مسجده من هذه الفتاوى وِفْقَ الآتي:
١ - أن تكون قراءة الفتوى بعد صلاة العشاء لكي يحضرها أكبر عدد من المصلين، لأنه كما هو مشاهد أن قرابة نصف المصلين تقريبًا في كل مسجد يأتون بعد إقامة الصلاة؛ وأيضًا يكون المصلي له الحرية إن أحب الاستماع جلس وأن أحب الانصراف انصرف.
٢ - أن تكون القراءة بشكل يومي وأن لا تزيد عن فتوى واحدة لكي لا تأخذ وقتًا طويلاً فتسبب الملل للمصلين، ولكي يستمع لها أكبر عدد ممكن من المصلين في المسجد، بل وحتى النساء في البيوت.
٣ - أن يقرأ الإمام فتاوى الصيام والحج عند قرب موسم الصيام ووقت الحج.
٤ - كما أقترح على الإمام في حالة الانتهاء من قراءة هذا الكتاب بأن يقوم بإعادته من جديد كما يصنع مع كتاب رياض الصالحين، لأن هذا الكتاب قد يستغرق قرابة السنتين للانتهاء منه، والناس قد ينسون السؤال والإجابة في هذه المدة الطويلة، وقد يسمعها من لم يسمعها أول مرة.
وإن في إصدار هذا الكتاب فوائد كثيرة منها:
١ - ربط الناس عامة والشباب خاصة بعلمائهم الكبار الموثوقين.
стр. 5
٢ - إقامة مجالس ذكر حتى وإن كان وقتها قصيرًا عبارة عن دقيقتين أو ثلاث - يحضرها الكثير من الناس لتغشاهم الرحمة وتتنزل عليهم السكينة وتحفهم الملائكة ويذكرهم الله فيمن عنده.
٣ - تعليم الناس وإبعادهم عن الجهل الذي هو سبب كل شر وفتنه وبلية.
٤ - في ذلك حفظ للعباد من العقوبات العامة والخاصة، لأن الطاعات والأعمال الصالحة سبب الخيرات والبركات والأمن والأمان ورغد العيش وضدها الغفلة والجهل والمعاصي فهي سبب كل شر وابتلاء وعقوبة إلى غير ذلك من الفوائد والمصالح الكثيرة جدًا.
سائلاً المولى أن يكون هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم نافعًا لعباده، والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 6
مقدمة اللجنة العلمية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فيطيب «للجنة العلمية في مؤسسة عبد العزيز بن باز الخيرية» أن تضع بين يدي القارئ الكريم هذا الجمع الموسوم بـ «الدرر الثرية من الفتاوى البازية».
وهو منتقى من مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، تضمن فتاوى وتوجيهات عامة يكثر السؤال عنها في شؤون الدين والدُّنيا، مما له تعلق بالعقيدة، والعبادات والمعاملات والأخلاق.
نسأل الله أن ينفع بهذا الجمع مُعده وقارئه، وكل من سعى لإخراجه، وأن يجعله من العلم النافع الَّذي يجري أجره على سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ وأسكنه فسيح جناته، وجمعنا به والقارئ في دار الكرامة مع الأحبة محمد وصحبه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللجنة العلمية
بمؤسسة عبد العزيز بن باز الخيرية
стр. 7
ترجمة سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز ﵀
ولد الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمة الله في ذي الحجة سنة ١٣٣٠ هـ بمدينة الرياض وكان بصيرا ثم أصابه مرض في عينيه عام ١٣٤٦ هـ وضعف بصره ثم فقده عام ١٣٥٠ هـ وحفظ القرآن الكريم قبل سن البلوغ ثم جدّ في طلب العلم على العلماء في الرياض ولما برز في العلوم الشرعية واللغة تم تعيينه في القضاء عام ١٣٥٧ هـ ولم ينقطع عن طلب العلم حتى وفاته ﵀ حيث لازم البحث والتدريس ليل نهار ولم تشغله المناصب عن ذلك، وقد عنى عناية خاصة بالحديث وعلومه حتى أصبح حكمه على الحديث من حيث الصحة والضعف محل اعتبار وهي درجة قل أن يبلغها أحد خاصة في هذا العصر.
مشايخه
تلقى العلم على أيدي كثير من العلماء ومن أبرزهم: الشيخ محمد بن عبداللطيف قاضي الرياض، الشيخ صالح بن عبدالعزيز، الشيخ سعد بن حمد بن عتيق قاضي الرياض، الشيخ حمد بن فارس وكيل بيت المال في الرياض، سماحة الشيخ محمد بن ابراهيم بن عبداللطيف آل الشيخ مفتي المملكة العربية السعودية وقد لازم حلقاته نحوا من عشر سنوات وتلقى عنه جميع العلوم الشرعية ابتداء من سنة ١٣٤٧ هـ إلى سنة ١٣٥٧ هـ، الشيخ سعد وقاص البخاري من علماء مكة المكرمة أخذ عنه علم التجويد في عام ١٣٥٥ هـ.
стр. 8
أعماله وماصبه
تولى الشيخ العديد من المناصب منها على سبيل المثال:
١ - رئاسة هيئة كبار العلماء في المملكة.
٢ - رئاسة اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في الهيئة المذكورة.
٣ - عضوية ورئاسة المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي.
٤ - رئاسة المجلس الأعلى العالمي للمساجد.
٥ - رئاسة المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة التابع لرابطة العالم الإسلامي.
٦ - عضوية المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
٧ - عضوية الهيئة العليا للدعوة الإسلامية في المملكة. ولم يقتصر نشاطه على ما ذكر فقط فقد كان يلقي المحاضرات ويحضر الندوات العلمية ويعلق عليها ويعمر المجالس الخاصة والعامة التي يحضرها بالقراءة والتعليق بالإضافة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي اصبح صفة ملازمة له.
مؤلفاته كثيرة جدا نذكر منها
١ - مجموع فتاوى ومقالات متنوعة.
٢ - الفوائد الجلية في المباحث الفرضية.
٣ - التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة (توضيح المناسك).
стр. 9
٤ - التحذير من البدع ويشتمل على أربع مقالات مفيدة (حكم الاحتفال بالمولد النبوي وليلة الإسراء والمعراج وليلة النصف من شعبان وتكذيب الرؤيا المزعومة من خادم الحجرة النبوية المسمى الشيخ احمد).
٥ - رسالتان موجزتان في الزكاة والصيام.
٦ - العقيدة الصحيحة وما يضادها،، وغيرها كثير من مؤلفاته.
وفاته
توفّي الشيخ ﵀ يوم الخميس ٢٧/ ١/ ١٤٢٠ هـ عن عمر يناهز ٨٩ سنة قضاها ﵀ في الجد والاجتهاد والعمل الصالح وطلب العلم وتعلمه وبذله والدعوة إلى الله والجهاد في سبيله وقضاء حوائج المسلمين ومساعدتهم والوقوف معهم ﵀ وغفر له واسكنه فسيح جناته ونور ضريحه وأنزله منازل الأبرار وجمعنا به في دار كرامته ومستقر رحمته.
ولقد صلى على جثمانه بعد صلاة الجمعة خلق كثير وجموع غفيرة لا يحصيهم إلا الله ، وهذا برهان ودليل محبة الناس له، ﵀ واسكنه فسيح جناته.
стр. 10
فتاوى العقيدة
стр. 11
س: ما حكم التميمة من القرآن ومن غيره (١)؟.
ج: أما التميمة من غير القرآن كالعظام والطلاسم والودع وشعر الذئب وما أشبه ذلك فهذه منكرة محرمة بالنص، لا يجوز تعليقها على الطفل ولا على غير الطفل؛ لقوله ﷺ : «من تعلق تميمة فلا أتم الله له ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له» وفي رواية «من تعلق تميمة فقد أشرك».
أما إذا كانت من القرآن أو من دعوات معروفة طيبة، فهذه اختلف فيها العلماء، فقال بعضهم: يجوز تعليقها، ويروى هذا عن جماعة من السلف جعلوها كالقراءة على المريض.
والقول الثاني: أنها لا تجوز وهذا هو المعروف عن عبد الله بن مسعود وحذيفة ﵄ وجماعة من السلف والخلف قالوا: لا يجوز تعليقها ولو كانت من القرآن سداً للذريعة وحسما لمادة الشرك وعملا بالعموم؛ لأن الأحاديث المانعة من التمائم أحاديث عامة، لم تستثن شيئاً. والواجب: الأخذ بالعموم فلا يجوز شيء من التمائم أصلا؛ لأن ذلك يفضي إلى تعليق غيرها والتباس الأمر.
فوجب منع الجميع، وهذا هو الصواب لظهور دليله، فلو أجزنا التميمة من القرآن ومن الدعوات الطيبة لانفتح الباب وصار كل واحد يعلق ما شاء، فإذا أنكر عليه، قال: هذا من القرآن، أو هذه من الدعوات الطيبة، فينفتح الباب، ويتسع الخرق وتلبس التمائم كلها.
стр. 12
وهناك علة ثالثة وهي: أنها قد يدخل بها الخلاء ومواضع القذر، ومعلوم أن كلام الله ينزه عن ذلك، ولا يليق أن يدخل به الخلاء.
س: جرت العادة عند بعض القبائل أن ينحروا الإبل عند المناسبات، هل يعتبر هذا قدحاً في العقيدة (١)؟.
ج: هذا فيه تفصيل، فإن كان نحرها للضيفان وإطعام الناس فهذا لا بأس به، وهو عمل مشروع، أما إن كان نحرها عند لقاء الملوك أو عند لقاء المعظمين تعظيماً لهم فهذا شرك؛ لأنه ذبح لغير الله، فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (٢) وهكذا نحرها عند القبور تذكيراً بجود أهلها وكرمهم، فهذا من عمل الجاهلية، وهو منكر لا يجوز؛ لأن رسول الله ﷺ قال: «لا عقر في الإسلام» فإن قصد به التقرب إلى أهل القبور فهذا شرك أكبر وهكذا الذبح للجن والأصنام كله من الشرك الأكبر، نسأل الله السلامة من ذلك.
س: هل يخرج الشرك الأصغر صاحبه من الملة (٣)؟
ج: الشرك الأصغر لا يخرج من الملة، بل ينقص الإيمان وينافي كمال التوحيد الواجب، فإذا قرأ الإنسان يرائي أو تصدق يرائي، أو نحو ذلك نقص إيمانه وضعف وأثم على هذا العمل، لكن لا يكفر كفراً أكبر.
стр. 13
س: قولكم ما هي الوهابية وهل هي مذهب خامس أم تتبع بعض المذاهب الأربعة (١)؟
ج: هذه الكلمة يطلقها الكثير من الناس على دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي الحنبلي ﵀، ويسمونه وأتباعه الوهابيين، وقد علم كل من له أدنى بصيرة بحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ودعوته أنه قام بنشر دعوة التوحيد الخالص، والتحذير من الشرك بسائر أنواعه كالتعلق بالأموات وغيرهم كالأشجار والأحجار ونحو ذلك، وهو ﵀ في العقيدة على مذهب السلف الصالح، وفي الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل الشيباني ﵀ كما تدل على ذلك كتبه وفتاواه وكتب أتباعه من أبنائه وأحفاده وغيرهم، وقد طبعت كلها وانتشرت بين الناس، وقد قام الإمام محمد ﵀ في وقت استحكمت فيه غربة الإسلام، وخيم على الجزيرة العربية وغيرها إلا ما شاء الله سحب الجهالة، وانتشرت بها عبادة الأنداد والأوثان فما كان من أمر الشيخ ﵀ إلا أن شمر عن ساعد الجد، وناضل وكافح، وكرس جهوده في القضاء على طرق الغواية مستعملا في ذلك شتى الوسائل الموصلة إلى نشر التوحيد النقي من الخرافات بين الناس، وكان من نعم الله سبحانه أن وفق الله الإمام محمد بن سعود أمير الدرعية في ذلك الوقت لقبول هذه الدعوة فقام معه في هذا السبيل هو وأولاده ومن تحت إمرته ومن تابعه في هذا الخير جزاهم الله كل خير وغفر لهم ووفق ذريتهم جميعاً لكل ما فيه رضاه وصلاح عباده، وما زالت أصقاع الجزيرة العربية تعيش في ظل هذه الدعوة الخيرة إلى يومنا هذا، وكانت دعوته ﵀ وفق كتاب الله وسنة رسوله ﵊، وليست الوهابية مذهبا خامسا كما يزعمه الجاهلون
стр. 14
والمغرضون، وإنما هي دعوة إلى العقيدة السلفية وتجديد لما درس من معالم الإسلام والتوحيد في الجزيرة العربية كما سلف.
س: إذا تخاصم قبيلتان أو شخصان وحكم شيخ القبيلة على المدعى عليه بعقائر من الإبل أو الغنم تعقر وتذبح عند من له الحق، إلى آخره (١).
ج: الذي يظهر لنا من الشرع المطهر أن هذه العقائر لا تجوز؛ لوجوه:
أولها: أن هذا من سنة الجاهلية، وقد قال النبي ﷺ : «لا عقر في الإسلام».
والثاني: أن هذا العمل يقصد منه تعظيم صاحب الحق، والتقرب إليه بالعقيرة، وهذا من جنس ما يفعله المشركون من الذبح لغير الله، ومن جنس ما يفعله بعض الناس من الذبح عند قدوم بعض العظماء، وقد قال جماعة من العلماء: إن هذا يعتبر من الذبح لغير الله، وذلك لا يجوز، بل هو في الجملة من الشرك، كما قال الله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢).
والنسك هو الذبح، قرنه الله بالصلاة لعظم شأنه، فدل ذلك على أن الذبح يجب أن يكون لله وحده، كما أن الصلاة لله وحده، وقال تعالى ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٣) وقال النبي ﷺ : «لعن الله من ذبح لغير الله».
стр. 15
الوجه الثالث: أن هذا العمل من حكم الجاهلية، وقد قال الله سبحانه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١) وفيه مشابهة لأعمال عباد الأموات، والأشجار والأحجار كما تقدم. فالواجب: تركه، وفيما شرع الله من الأحكام ووجوه الإصلاح ما يغني ويكفي عن هذا الحكم، والله ولي التوفيق.
س: يقول السائل: إنكم تدعون إلى التوحيد فما دليلكم على كلمة التوحيد، من أين اشتقت (٢)؟
فالجواب: أن يقال على ذلك أدلة كثيرة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . والتوحيد معناه توحيد الله يعني الاعتقاد أنه واحد لا شريك له. ومن الآيات الدالة على ذلك قوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٣) وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٤) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وأما الأحاديث فمنها: ما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال لمعاذ ﵁ لما بعثه إلى اليمن: «ادعهم إلى أن يوحدوا الله» بهذا اللفظ رواه البخاري في الصحيح، وفي صحيح مسلم عن طارق ابن أشيم الأشجعي ﵁ عن النبي ﷺ
стр. 16
أنه قال: «من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله» فصرح بقوله: «وحد الله» فدل ذلك على أن هذا هو معنى لا إله إلا الله.
ومن ذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «بني الإسلام على خمس، على أن يوحد الله» الحديث، وذلك تفسير لقوله ﷺ في الرواية الأخرى: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله» الحديث. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة .. والله الموفق.
س: اعتاد بعض الناس الحلف بالنبي ﷺ وأصبح الأمر عادياً عندهم ولا يعتقدون ذلك اعتقاداً فما حكم ذلك (١)؟
ج: الحلف بالنبي ﷺ أو غيره من المخلوقات منكر عظيم ومن المحرمات الشركية ولا يجوز لأحد الحلف إلا بالله وحده، وقد حكى الإمام ابن عبد البر ﵀ الإجماع على أنه لا يجوز الحلف بغير الله وقد صحت الأحاديث عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك وأنه من الشرك كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت».
وفي لفظ آخر: «فمن كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله أو ليسكت».
وخرج أبو داود والترمذي بإسناد صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك»، وصح عنه ﷺ أنه
стр. 17
قال: «من حلف بالأمانة فليس منا»، والأحاديث في هذا الباب كثيرة معلومة، والواجب على جميع المسلمين ألا يحلفوا إلا بالله وحده ولا يجوز لأحد أن يحلف بغير الله كائناً من كان للأحاديث المذكورة وغيرها. ويجب على من اعتاد ذلك أن يحذره وأن ينهى أهله وجلساءه وغيرهم عن ذلك، لقول النبي ﷺ : «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» خرجه مسلم في صحيحه.
والحلف بغير الله من الشرك الأصغر للحديث السابق، وقد يكون شركاً أكبر إذا قام بقلب الحالف أن هذا المحلوف به يستحق التعظيم كما يستحقه الله، أو أنه يجوز أن يعبد مع الله ونحو ذلك من المقاصد الكفرية .. نسأل الله أن يمن على المسلمين جميعاً بالعافية من ذلك، وأن يمنحهم الفقه في دينه والسلامة من أسباب غضبه إنه سميع قريب.
س: الطفل الذي ولد من أبوين كافرين ومات قبل بلوغه سن التكليف هل هو مسلم عند الله أم لا؟ علماً أن رسول الله ﷺ قال: (كل مولود يولد على الفطرة … ) الحديث. وإذا كان مسلماً فهل يجب على المسلمين أن يغسلوا جنازته ويصلوا عليه؟ أفيدونا مأجورين (١).
ج: إذا مات غير المكلف بين والدين كافرين فحكمه حكمهما في أحكام الدنيا فلا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، أما في الآخرة فأمره إلى الله سبحانه، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه لما سئل عن أولاد المشركين قال: «الله
стр. 18
أعلم بما كانوا عاملين» وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن علم الله سبحانه فيهم يظهر يوم القيامة وأنهم يمتحنون كما يمتحن أهل الفترة ونحوهم فإن أجابوا إلى ما يطلب منهم دخلوا الجنة وإن عصوا دخلوا النار، وقد صحت الأحاديث عن النبي ﷺ في امتحان أهل الفترة يوم القيامة، وهم الذين لم تبلغهم دعوة الرسل ومن كان في حكمهم كأطفال المشركين لقول الله : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١) وهذا القول هو أصح الأقوال في أهل الفترة ونحوهم ممن لم تبلغهم الدعوة الإلهية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم وجماعة من السلف والخلف رحمة الله عليهم جميعاً. وقد بسط العلامة ابن القيم ﵀ الكلام في حكم أولاد المشركين وأهل الفترة في آخر كتابه: (طريق الهجرتين) تحت عنوان (طبقات المكلفين) فمن أحب أن يطلع عليه فليفعل فإنه مفيد جداً وبالله التوفيق.
س: ما هو تعريف الغزو الفكري في رأيكم (٢)؟
ج: الغزو الفكري هو مصطلح حديث يعني مجموعة الجهود التي تقوم بها أمة من الأمم للاستيلاء على أمة أخرى أو التأثير عليها حتى تتجه وجهة معينة وهو أخطر من الغزو العسكري، لأن الغزو الفكري ينحو إلى السرية، وسلوك المآرب الخفية في بادئ الأمر، فلا تحس به الأمة المغزوة ولا تستعد لصده والوقوف في وجهه حتى تقع فريسة له وتكون نتيجته أن هذه الأمة تصبح مريضة الفكر والإحساس تحب ما يريده لها عدوها أن تحبه وتكره ما يريد منها أن تكرهه.
стр. 19
وهو داء عضال يفتك بالأمم، ويذهب شخصيتها، ويزيل معاني الأصالة والقوة فيها والأمة التي تبتلى به لا تحس بما أصابها، ولا تدري عنه ولذلك يصبح علاجها أمراً صعباً وإفهامها سبيل الرشد شيئاً عسيراً.
وهذا الغزو يقع بواسطة المناهج الدراسية والثقافية العامة ووسائل الإعلام والمؤلفات الصغيرة والكبيرة وغير ذلك من الشئون التي تتصل بالأمم، ويرجو العدو من ورائها صرفها عن عقيدتها والتعلق بما يلقيه إليها، نسأل الله السلامة والعافية.
س: أنا مريضة وأحيانا أبكي لما صارت إليه حالتي بعد مرضي فهل هذا البكاء معناه اعتراض على الله وعدم الرضا بقضائه وهذا الفعل خارج عن إرادتي وكذلك هل التحدث مع المقربين عن المرض يدخل في ذلك (١)؟
ج: لا حرج عليك في البكاء إذا كان بدمع العين فقط لا بصوت لقول النبي ﷺ لما مات ابنه إبراهيم: (العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي الرب وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون) والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ولا حرج عليك أيضا في إخبار الأقارب والأصدقاء بمرضك مع حمد الله وشكره والثناء عليه وسؤاله العافية وتعاطي الأسباب المباحة. نوصيك بالصبر والاحتساب وأبشري بالخير لقول الله سبحانه وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا
стр. 20
إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (١) ولقول النبي ﷺ : (لا يصيب المسلم هم ولا غم ولا نصب ولا وصب وهو المرض ولا أذى حتى الشوكة إلا كفر الله بها من خطاياه) وقوله ﵊: (من يرد الله به خيرا يصب منه) نسأل الله أن يمن عليك بالشفاء والعافية وصلاح القلب والعمل إنه سميع مجيب.
س: ما حكم الحلف بالكعبة ونحوها وما هي صيغة الحلف الجائز (٢)؟
ج: لا يجوز الحلف بالكعبة ولا بغيرها من المخلوقات لقول النبي ﷺ : (من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت) متفق على صحته.
وقوله ﷺ : (من حلف بشيء دون الله فقد أشرك) رواه الإمام أحمد من حديث عمر بن الخطاب ﵁ بإسناد صحيح وقوله ﷺ : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) أخرجه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄.
والأحاديث في ذلك كثيرة وفيها يعلم تحريم الحلف بالكعبة والأمانة والأنبياء وغيرهم من سائر الخلق.
واليمين الشرعية هي اليمين بالله وحده وصفتها أن يقول: والله أو بالله أو تالله لأفعلن كذا أو لا أفعل كذا وهكذا لو حلف بغير اسم الجلالة من أسماء الله وصفاته كالرحمن والرحيم ومالك الملك وحياة الله وعلم الله ونحو ذلك.
стр. 21
وكان النبي ﷺ يحلف كثيرا بقوله: «والذي نفسي بيده» والله ولي التوفيق.
س: هل يصح أن أصلي خلف من يستغيث بغير الله ويتلفظ بمثل هذه الكلمات «أغثنا يا غوث مدد يا جيلاني» وإذا لم أجد غيره فهل لي أن أصلي في بيتي (١)؟
ج: لا تجوز الصلاة خلف جميع المشركين ومنهم من يستغيث بغير الله ويطلب منه المدد. لأن الاستغاثة بغير الله من الأموات والأصنام والجن وغير ذلك من الشرك بالله سبحانه، أما الاستغاثة بالمخلوق الحي الحاضر الذي يقدر على إغاثتك فلا بأس بها، لقول الله في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (٢) وإذا لم تجد إماما مسلما تصلي خلفه جاز لك أن تصلي في بيتك، وإن وجدت جماعة مسلمين يستطيعون الصلاة في المسجد قبل الإمام المشرك أو بعده فصل معهم، وإن استطاع المسلمون عزل الإمام المشرك وتعيين إمام مسلم يصلي بالناس وجب عليهم ذلك لأن ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة شرع الله في أرضه إذا أمكن ذلك بدون فتنة. لقول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣) الآية، وقوله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤) وقول النبي ﷺ ﷺ «من
стр. 22
رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم في صحيحه.
س: ما حكم الدين الإسلامي في زيارة القبور والتوسل بالأضرحة وأخذ خروف وأموال للتوسل بها كزيارة السيد البدوي والحسين والسيدة زينب أفيدونا أفادكم الله (١).
ج: زيارة القبور نوعان:
أحدهما: مشروع ومطلوب لأجل الدعاء للأموات والترحم عليهم ولأجل تذكر الموت والإعداد للآخرة. لقول النبي ﷺ «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» وكان يزورها ﷺ ، وهكذا أصحابه ﵃، وهذا الفرع للرجال خاصة لا للنساء، أما النساء فلا يشرع لهن زيارة القبور بل يجب نهيهن عن ذلك؛ لأنه قد ثبت عن رسول الله ﷺ لعن زائرات القبور من النساء، ولأن زيارتهن للقبور قد يحصل بها فتنة لهن أو بهن مع قلة الصبر وكثرة الجزع الذي يغلب عليهن، وهكذا لا يشرع لهن اتباع الجنائز إلى المقبرة. لما ثبت في الصحيح عن أم عطية ﵂ قالت: (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) فدل ذلك على أنهن ممنوعات من اتباع الجنائز إلى المقبرة لما يخشى في ذلك من الفتنة لهن وبهن، وقلة الصبر، والأصل في النهي: التحريم لقول الله سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) أما الصلاة على الميت
стр. 23
فمشروعة للرجال والنساء كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة ﵃ في ذلك، أما قول أم عطية ﵂ (لم يعزم علينا) فهذا لا يدل على جواز اتباع الجنائز للنساء. لأن صدور النهي عنه ﷺ كاف في المنع، وأما قولها: (لم يعزم علينا) فهو مبني على اجتهادها وظنها، واجتهادها لا يعارض به السنة.
النوع الثاني: بدعي وهو: زيارة القبور لدعاء أهلها والاستغاثة بهم أو للذبح لهم أو للنذر لهم، وهذا منكر وشرك أكبر نسأل الله العافية، ويلتحق بذلك أن يزوروها للدعاء عندها والصلاة عندها والقراءة عندها، وهذا بدعة غير مشروع ومن وسائل الشرك، فصارت في الحقيقة ثلاثة أنواع:
النوع الأول: مشروع، وهو أن يزوروها للدعاء لأهلها أو لتذكر الآخرة.
الثاني: أن تزار للقراءة عندها أو للصلاة عندها أو للذبح عندها فهذه بدعة ومن وسائل الشرك.
الثالث: أن يزوروها للذبح للميت والتقرب إليه بذلك، أو لدعاء الميت من دون الله أو لطلب المدد منه أو الغوث أو النصر فهذا شرك أكبر نسأل الله العافية، فيجب الحذر من هذه الزيارات المبتدعة، ولا فرق بين كون المدعو نبيا أو صالحا أو غيرهما، ويدخل في ذلك ما يفعله بعض الجهال عند قبر النبي ﷺ من دعائه والاستغاثة به، أو عند قبر الحسين أو البدوي أو الشيخ عبد القادر الجيلاني أو غيرهم، والله المستعان.
стр. 24
س: إذا ابتلي أحد بمرض أو بلاء سيئ في النفس أو المال، فكيف يعرف أن ذلك الابتلاء امتحان أو غضب من عند الله (١)؟
ج: الله يبتلي عباده بالسراء والضراء وبالشدة والرخاء، وقد يبتليهم بها لرفع درجاتهم وإعلاء ذكرهم ومضاعفة حسناتهم كما يفعل بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام والصلحاء من عباد الله، كما قال النبي ﷺ : أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل وتارة يفعل ذلك سبحانه بسبب المعاصي والذنوب، فتكون العقوبة معجلة كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٢) فالغالب على الإنسان التقصير وعدم القيام بالواجب، فما أصابه فهو بسبب ذنوبه وتقصيره بأمر الله، فإذا ابتلي أحد من عباد الله الصالحين بشيء من الأمراض أو نحوها فإن هذا يكون من جنس ابتلاء الأنبياء والرسل رفعا في الدرجات وتعظيما للأجور وليكون قدوة لغيره في الصبر والاحتساب، فالحاصل أنه قد يكون البلاء لرفع الدرجات وإعظام الأجور كما يفعل الله بالأنبياء وبعض الأخيار، وقد يكون لتكفير السيئات كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِه﴾ (٣) وقول النبي ﷺ : (ما أصاب المسلم من هم ولا غم ولا نصب ولا وصب ولا حزن ولا أذى إلا كفر الله به من خطاياه حتى الشوكة يشاكها) وقوله ﷺ (من يرد الله به خيرا يصب منه) وقد يكون ذلك
стр. 25
عقوبة معجلة بسبب المعاصي وعدم المبادرة للتوبة كما في الحديث عنه ﷺ أنه قال: (إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة) خرجه الترمذي وحسنه.
س: ما حكم التوسل بسيد الأنبياء، وهل هناك أدلة على تحريمه (١)؟
ج: التوسل بالنبي ﷺ فيه تفصيل، فإن كان ذلك باتباعه ومحبته وطاعة أوامره وترك نواهيه والإخلاص لله في العبادة فهذا هو الإسلام وهو دين الله الذي بعث به أنبياءه، وهو الواجب على كل مكلف .. وهو الوسيلة للسعادة في الدنيا والآخرة، أما التوسل بدعائه والاستغاثة به وطلبه النصر على الأعداء والشفاء للمرضى - فهذا هو الشرك الأكبر، وهو دين أبي جهل وأشباهه من عبدة الأوثان، وهكذا فُعل ذلك مع غيره من الأنبياء والأولياء أو الجن أو الملائكة أو الأشجار أو الأحجار أو الأصنام. وهناك نوع ثالث يسمى التوسل وهو التوسل بجاهه ﷺ أو بحقه أو بذاته مثل أن يقول الإنسان: أسألك يا ألله بنبيك أو جاه نبيك أو حق نبيك أو جاه الأنبياء أو حق الأنبياء أو جاه الأولياء والصالحين وأمثال ذلك فهذا بدعة ومن وسائل الشرك ولا يجوز فعله معه ﷺ ولا مع غيره؛ لأن الله لم يشرع ذلك والعبادات توقيفية لا يجوز منها إلا ما دل عليه الشرع المطهر، وأما توسل الأعمى به في حياته ﷺ فهو توسل به ﷺ ليدعو له ويشفع له إلى الله في إعادة
стр. 26
بصره إليه، وليس توسلا بالذات أو الجاه أو الحق كما يعلم ذلك من سياق الحديث وكما أوضح ذلك علماء السنة في شرح الحديث.
وقد بسط الكلام في ذلك شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀ في كتبه الكثيرة المفيدة، ومنها كتابه المسمى: القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة، وهو كتاب مفيد جدير بالاطلاع عليه والاستفادة منه.
وهذا الحكم جائز مع غيره ﷺ من الأحياء كأن تقول لأخيك أو أبيك أو من تظن فيه الخير: ادع الله لي أن يشفيني من مرضي أو يرد علي بصري أو يرزقني الذرية الصالحة أو نحو ذلك بإجماع أهل العلم. والله ولي التوفيق.
س: النطق بالشهادة لا شك أنه لا بد معه من التصديق، فما هو (١)؟
جـ: أولا لا بد من النطق بالشهادتين، فلو أمكنه النطق ولكنه امتنع من النطق لم يدخل في الإسلام حتى ينطق بالشهادتين، وهذا محل إجماع من أهل العلم، ثم مع النطق لا بد من اعتقاد معنى الشهادتين والصدق في ذلك، وذلك بأن يعتقد بأنه لا معبود حق إلا الله ولو قالها كاذبا كالمنافقين يقولونها وهم يعتقدون أن مع الله آلهة أخرى لم تنفعهم هذه الكلمة ولم يدخلوا في الإسلام باطنا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (٢) وقال : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) فلا بد من التصديق بالقلب واليقين بأنه لا معبود حق إلا الله،
стр. 27
فإن استكبر عن الانقياد لشرع الله كفر ولم ينفعه النطق بالشهادتين. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٢) وهكذا لو استكبر عن الشهادة بأن محمدا رسول الله أو قالها كاذبا فإنه يكون كافرا حتى يؤمن بأن محمدا رسول الله وينقاد لشرعه وهذا أمر مجمع عليه بين أهل العلم. والله المستعان.
س: الإيمان والتوحيد والعقيدة أسماء لمسميات هل تختلف في مدلولاتها (٣)؟.
ج: نعم، تختلف بعض الاختلاف، ولكنها ترجع إلى شيء واحد. التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، والإيمان هو الإيمان بأنه مستحق للعبادة، والإيمان بكل ما أخبر به سبحانه، فهو أشمل من كلمة التوحيد، التي هي مصدر وحد يوحد، يعني أفرد الله بالعبادة وخصه بها؛ لإيمانه بأنه سبحانه هو المستحق لها؛ لأنه الخلاق؛ لأنه الرزاق؛ ولأنه الكامل في أسمائه وصفاته وأفعاله؛ ولأنه مدبر الأمور والمتصرف فيها، فهو المستحق للعبادة، فالتوحيد هو إفراده بالعبادة ونفيها عما سواه، والإيمان أوسع من ذلك يدخل فيه توحيده والإخلاص له، ويدخل فيه تصديقه في كل ما أخبر به رسوله ﵊، والعقيدة تشمل الأمرين، فالعقيدة تشمل التوحيد، وتشمل الإيمان بالله وبما أخبر به سبحانه أو أخبر به رسوله ﷺ ،
стр. 28
والإيمان بأسمائه وصفاته، والعقيدة: هي ما يعتقده الإنسان بقلبه ويراه عقيدة يدين الله بها ويتعبده بها، فيدخل فيها كل ما يعتقده من توحيد الله والإيمان بأنه الخلاق الرزاق وبأنه له الأسماء الحسنى والصفات العلى، والإيمان بأنه لا يصلح للعبادة سواه، والإيمان بأنه حرم كذا وأوجب كذا وشرع كذا ونهى عن كذا، فهي أشمل.
س: ما الفرق بين الأسماء والصفات (١)؟
ج: كل أسماء الله سبحانه مشتملة على صفات له سبحانه تليق به وتناسب كماله، ولا يشبهه فيها شيء، فأسماؤه سبحانه أعلام عليه ونعوت له ، ومنها: الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن .. إلى غير ذلك من أسمائه سبحانه الواردة في كتابه الكريم وفي سنة رسوله الأمين، فالواجب إثباتها له سبحانه على الوجه اللائق بجلاله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وهذا هو معنى قول أئمة السلف كمالك والثوري والأوزاعي وغيرهم: أمروها كما جاءت بلا كيف.
والمعنى أن الواجب إثباتها لله سبحانه على الوجه اللائق به سبحانه.
أما كيفيتها فلا يعلمها إلا الله سبحانه، ولما سئل مالك ﵀ عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢) كيف استوى؟ أجاب ﵀ بقوله: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، يعني
стр. 29
بذلك ﵀: السؤال عن الكيفية، وقد روي هذا المعنى عن شيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وعن أم سلمة ﵂، وهو قول أئمة السلف جميعا. كما نقله عنهم غير واحد من أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في: «العقيدة الواسطية» وفي: «الحموية» و «التدمرية» وفي غيرها من كتبه ﵀. هكذا نقله عنهم العلامة ابن القيم ﵀ في كتبه المشهورة، ونقله عنهم قبل ذلك أبو الحسن الأشعري ﵀.
س: قال شيخ لمريده الذي يريد أن يدرس في أوربا وهو يودعه: يا بني إذا سولت لك نفسك بالمعصية هناك فتذكر شيخك يصرف الله عنك هذا السوء وهذه الفاحشة، فهل هذا شرك بالله (١)؟
ج: هذا منكر عظيم وشرك بالله جل وعلا؛ لأنه فزع إلى الشيخ لينقذه من هذا الشيء، والواجب أن يقول: فاذكر الله واسأل ربك العون والتوفيق واعتصم به، وأما أن يوصيه بأن يذكر شيخه فهذا من أخطاء غلاة الصوفية، يوجهون مريديهم وتلاميذهم إلى أن يعبدوهم من دون الله، ويلجئوا إليهم ويتوكلوا عليهم في قضاء الحاجات وتفريج الكروب، وهذا من الشرك الأكبر، نعوذ بالله من ذلك.
فالواجب على هذا الشخص أن يتقي الله، وأن يفزع إليه سبحانه فيما يهمه، ويسأله العون والتوفيق، لا إلى شيخه الذي علمه أن يفزع إليه، والله المستعان.
стр. 30
س: ما حكم النكت في ديننا الإسلامي، وهل هي من لهو الحديث علما بأنها ليست استهزاء بالدين أفتونا مأجورين (١)؟
ج: التفكه بالكلام والتنكيت إذا كان بحق وصدق فلا بأس به ولا سيما مع عدم الإكثار من ذلك، وقد كان النبي ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقا ﷺ ، أما ما كان بالكذب فلا يجوز لقول النبي ﷺ : (ويل للذي يحدّث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ثم ويل له) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي بإسناد جيد. والله ولي التوفيق.
س: امرأة من الطائف تسأل: هل يجوز لي أن أستعين بساحر حتى يخرج لي السحر المتواجد في زرع الحوش ولا أستعين به إلا في هذا الموضوع فقط؟ أرجو من سماحتكم الرد السريع لأنني في ضرورة قصوى وجزاكم الله خيرا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (٢).
ج: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وبعد: لا يجوز الاستعانة بالسحرة في شيء من الأمور بل الواجب قتلهم والقضاء عليهم من جهة الدولة إذا ثبت عليهم تعاطي السحر من طريق المحاكم الشرعية ونوصيك بتقوى الله سبحانه وسؤاله الشفاء والعافية من كل سوء والتعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ثلاث مرات صباحا ومساء وأن تقولي صباحا ومساء (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم) ثلاث مرات وأن تقرئي آية الكرسي عند
стр. 31
النوم، وبعد كل صلاة فريضة بعد الأذكار الشرعية، وأن تقرئي ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثلاث مرات بعد صلاة الفجر وبعد صلاة المغرب وعند النوم، وبذلك تسلمين إن شاء الله من كل سوء، لأن الرسول ﷺ أوصى بذلك شفاك الله وعافاك من كل سوء.
ونرى رفع الموضوع إلى رئيس الهيئة بالطائف وإظهاره عن محل الشخص المتهم بالسحر حتى نقيم الدعوى عليه لدى المحكمة لإجراء ما يلزم نحوه. وفق الله الجميع لما يرضيه.
س: ما هي الطريقة الشرعية للوقاية من السحر (١)؟
ج: أن يسأل الله جل وعلا: العافية، ويتعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، وأن يقول: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم (ثلاث مرات) في اليوم والليلة؛ لقول النبي ﷺ : «من قال بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات لم يضره شيء» وكذلك إذا نزل بيتا فقال: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك» ويكرر في الصباح والمساء: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» ثلاث مرات «بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم» ثلاث مرات، كذلك يقرأ آية الكرسي بعد كل صلاة وعند النوم.
стр. 32
ومن أسباب السلامة أيضا قراءة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و (المعوذتين) بعد كل صلاة، فهي من أسباب السلامة، وبعد الفجر والمغرب (ثلاث مرات): ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و (المعوذتين)، هذه من أسباب السلامة أيضا مع الإكثار من ذكر الله جل وعلا، والإكثار من قراءة كتابه العظيم، وسؤاله : أن يكفيك شر كل ذي شر.
ومن أسباب السلامة أيضا أن يقول: «أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة» «أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها ومن شر طوارق الليل والنهار ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمان» هذه من التعوذات التي يقي الله بها العبد الشر.
س: إذا مات إنسان وهو يذبح للجن، ومصر على ذلك هل يصلى عليه ويدعى له (١)؟
ج: لا يجوز أن يصلى عليه، ولا يغسل، ولا يكفن، ولا يعتبر من المسلمين، ولا يقبر معهم. لأنه مشرك. وهكذا الذي يدعو الجن أو الأولياء أو أهل القبور، وينذر لهم والعياذ بالله.
س: هل يجوز الذهاب إلى الكهان والعرافين والمشعوذين وسؤالهم والتداوي عندهم بالزيت ونحوه (٢)؟
стр. 33
ج: لا يجوز الذهاب إلى العرافين والسحرة والمنجمين والكهنة ونحوهم، ولا يجوز سؤالهم ولا تصديقهم، ولا يجوز التداوي عندهم بزيت ولا غيره؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن إتيانهم وسؤالهم وعن تصديقهم؛ لأنهم يدعون علم الغيب، ويكذبون على الناس، ويدعونهم إلى أسباب الانحراف عن العقيدة.
وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» أخرجه مسلم في صحيحه، وقال ﷺ : «من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ »، وقال ﵊: «ليس منا من سحر أو سحر له أو تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له» والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
وفيما أباح الله من التداوي بالرقية الشرعية والأدوية المباحة عند المعروفين بحسن العقيدة والسيرة ما يكفي والحمد لله. والله ولي التوفيق.
س: ما حكم من يمتنع عن الدعاء لولي الأمر - حفظك الله - (١).
ج: هذا من جهله، وعدم بصيرته؛ لأن الدعاء لولي الأمر من أعظم القربات، ومن أفضل الطاعات، ومن النصيحة لله ولعباده، والنبي ﷺ لما قيل له: إن دوسا عصت وهم كفار قال: «اللهم اهد دوسا وائت بهم» فهداهم الله وأتوه مسلمين. فالمؤمن يدعو للناس بالخير، والسلطان أولى من يدعى له؛ لأن صلاحه صلاح للأمة، فالدعاء له من أهم الدعاء، ومن أهم النصح: أن يوفق للحق وأن يعان عليه، وأن يصلح الله له البطانة، وأن يكفيه الله شر نفسه وشر جلساء السوء،
стр. 34
فالدعاء له بالتوفيق والهداية وبصلاح القلب والعمل وصلاح البطانة من أهم المهمات، ومن أفضل القربات، وقد روي عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال: (لو أعلم أن لي دعوة مستجابة لصرفتها للسلطان)، ويروى ذلك عن الفضيل بن عياض ﵀.
س: ذكر في الحديث: «أن من علق تميمة فقد أشرك» أرجو شرح هذا الحديث (١).
ج: هذا الحديث ورد باللفظ الآتي: عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» رواه أحمد وأبو داود، والتمائم: شيء يعلق على الأولاد من العين، وهي ما تسمى عند بعض الناس بالجوامع وبالحجب والحروز، وقد قال رسول الله ﷺ : «من تعلق تميمة فلا أتم الله له» وفي رواية: «من تعلق تميمة فقد أشرك».
والعلة في كون تعليق التمائم من الشرك هي والله أعلم: أن من علقها سيعتقد فيها النفع، ويميل إليها وتنصرف رغبته عن الله إليها، ويضعف توكله على الله وحده، وكل ذلك كاف في إنكارها والتحذير منها، وفي الأسباب المشروعة والمباحة ما يغني عن التمائم، وانصراف الرغبة عن الله إلى غيره شرك به، أعاذنا الله وإياكم من ذلك. وتعليق التمائم يعتبر من الشرك الأصغر ما لم يعتقد معلقها بأنها تدفع عنه الضرر بذاتها دون الله، فإذا اعتقد هذا الاعتقاد صار تعليقها شركا أكبر.
стр. 35
س: ما هي صفات السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب (١)؟
ج: بينهم النبي ﷺ ، بأنهم المستقيمون على دين الله، السبعون ألفا، ومع كل ألف سبعون ألفا. مقدم هذه الأمة المؤمنة، مقدموهم يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر. وهم الذين جاهدوا أنفسهم لله، واستقاموا على دين الله، أينما كانوا في أداء الفرائض، وترك المحارم، والمسابقة إلى الخيرات.
ومن صفاتهم: لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون:
لا يسترقون يعني ما يطلبون من يرقيهم، ولا يكتوون، وليس معناه تحريم هذا، لا بأس بالاسترقاء ولا بأس بالكي عند الحاجة إليهما، ولكن من صفاتهم ترك ذلك والاستغناء بالأسباب الأخرى، لا يطلبون من يرقيهم، ما يقول يا فلان ارقني، ولكن إذا دعت الحاجة لا بأس، لا يخرجه ذلك إذا دعت الحاجة عن السبعين، ولهذا أمر النبي ﷺ عائشة أن تسترقي في بعض مرضها، وأمر أم أيتام جعفر بن أبي طالب أن تسترقي لهم، كما في الحديث الصحيح.
وهكذا الكي، كوى بعض أصحابه ﵊، وقال: «الشفاء في ثلاث، كية نار، أو شرطة محجم أو شربة عسل، وما أحب أن أكتوي، وقال: وأنا أنهى أمتي عن الكي»، فالكي آخر الطب، إذا تيسر الطب الآخر فهو أولى، وإذا دعت الحاجة إليه فلا بأس.
стр. 36
س: ما هي عقيدة أهل السنة والجماعة في عذاب القبر، وهل هو على الروح فقط، أو على الروح والجسد (١)؟
ج: من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، الميت إما أن ينعم وإما أن يعذب، أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك، وقد أخبر النبي بهذا ﵊ عن ذلك: فالقبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار، فعلى المسلم أن يؤمن بهذا. وقد أطلع الله نبيه ﷺ على شخصين يعذبان، أحدهما كان يمشي بالنميمة، والآخر كان لا يتنزه من بوله.
أهل السنة والجماعة يؤمنون بعذاب القبر ونعيمه، أنه حق على الروح والجسد جميعا، ولكن نصيب الروح أكثر، كما قال الله جل وعلا في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ (٢) فهكذا الميت الصالح ينعم في قبره، وغير الصالح يعذب في قبره، ويوم القيامة العذاب أشد، والنعيم أعظم، بعد البعث والنشور.
س: هل يكفي المعتقد الصحيح عن العمل، والاستقامة على شرع الله (٣)؟
ج: لا يكفي الإيمان المعتقد عن العمل، لا بد من العمل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٤)، لا بد من العمل، يؤمن بالله ورسوله وتوحيد الله ويعمل،
стр. 37
يؤدي فرائض الله وينتهي عن محارم الله، لا بد من هذا وهذا، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ (١). لا بد من الإيمان والعمل.
س: ما مصير من لا يعلم بأن دين الإسلام هو الدين الصحيح، والمقبول عند الله، ويعتقد دينا خير الإسلام (٢)؟.
ج: إذا كان المسئول عنه عاش بين المسلمين، وقد بلغه القرآن والسنة، ومع ذلك يعتقد دينا غير دين الإسلام فحكمه حكم أهل الدين الذي اعتقده وهو الكفر، لأن الله جل وعلا يقول في القرآن الكريم عن نبيه ﵊: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (٣)، ويقول سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ (٤)، ويقول ﷺ : «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أهل النار» (٥).
أما إن كان المسئول عنه قد عاش بين الكافرين الذين لم يبلغهم القرآن، ولا خبر الرسول ﷺ ، فهذا حكمه حكم أهل الفترة، وهم يمتحنون يوم
стр. 38
القيامة، فمن نجح في الامتحان دخل الجنة ومن عصى دخل النار؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١) والله ولي التوفيق.
س: هل يشترط في إقامة الحجة على قوم أن يكون الداعية عالما مجتهدا أم يكفي أنه يعرف الحق بدليله إذا كانت المسألة من مسائل العقيدة كدعاء غير الله وعبادة القبور ونحوه (٢)؟
ج: يكفي إقامة الحجة ببيان الحق بأدلته لمن ترك الحق ونصيحته وتوجيهه للخير من أهل العلم وإن لم يكونوا مجتهدين، بل يكفي كونهم يعلمون الأدلة الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فيما يدعون إليه وفيما يأمرون به، وعلى المدعو إلى الله أن يقبل الحق، وأن يحذر التكبر والإصرار على الباطل، وإذا كانت عنده شبهة فليسأل عنها أهل العلم بأسلوب حسن وتواضع ونية صالحة، ومتى أصلح العبد النية وبذل وسعه في طلب الحق يسر الله أمره، ومنحه التوفيق كما قال الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٤)، وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ
стр. 39
سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (١) والفرقان هو النور والبصيرة والعلم النافع، وفق الله المسلمين لكل خير، وأصلح قادتهم إنه سميع قريب.
س: هل التبرك بقبر النبي ﷺ جائز (٢)؟
ج: لا يجوز، بل هو بدعة ومن وسائل الشرك، فالتبرك بزيد، أو عمرو، أو بجدران الكعبة، أو بما يشبهه، أو بالأسطوانات، هذه بدعة قد تفضي إلى الشرك إذا ظن أن البركة تحصل منها، أما إذا ظن أنها مشروعة فهذه بدعة، والواجب ترك ذلك، وإنما شرع التبرك به ﷺ في حياته، وكذلك شرع الله التبرك بماء زمزم الذي جعله الله مباركا.
لكن يجب على المؤمن التمسك بشريعة الرسول ﷺ والحذر مما خالفها، والله ولي التوفيق.
س: سائل يقول: إن والده يذبح لغير الله فيما قيل له عن ذلك، ويريد الآن أن يتصدق عنه ويحج عنه، ويعزو سبب وقوع والده في ذلك إلى عدم وجود علماء ومرشدين وناصحين له، فما الحكم في ذلك كله (٣)؟
ج: إذا كان والده معروفا بالخير والإسلام والصلاح، فلا يجوز له أن يصدق من ينقل عنه غير ذلك ممن لا تعرف عدالته، ويسن له الدعاء له والصدقة عنه حتى يعلم يقينا أنه مات على الشرك، وذلك بأن يثبت لديه بشهادة الثقات العدول اثنين أو أكثر
стр. 40
أنهم رأوه يذبح لغير الله من أصحاب القبور أو غيرهم، أو سمعوه يدعو غير الله، فعند ذلك يمسك عن الدعاء له، وأمره إلى الله ؛ لأن النبي ﷺ استأذن ربه أن يستغفر لأمه فلم يأذن الله له، مع أنها ماتت في الجاهلية على دين الكفار، ثم استأذن ربه أن يزورها فأذن له، فدل ذلك على أن من مات على الشرك ولو جاهلا لا يدعى له، ولا يستغفر له، ولا يتصدق عنه، ولا يحج عنه، أما من مات في محل لم تبلغه دعوة الله، فهذا أمره إلى الله سبحانه، والصحيح من أقوال أهل العلم أنه يمتحن يوم القيامة، فإن أطاع دخل الجنة، وإن عصى دخل النار؛ لأحاديث صحيحه وردت في ذلك.
س: يقولون: إن الذين يذهبون للقبور ويدعون أصحابها فعلهم فعل شرك وهم ليسوا بمشركين، فهل هذا صحيح (١)؟
ج: ليس بصحيح، أصحاب القبور الذين يذهبون إلى القبور ويدعونها من دون الله ويستغيثون بها من دون الله هذا الشرك الأكبر، هذا عمل كفار قريش وغيرهم عند اللات والعزى وأشباههما، وهذا هو الشرك الأكبر، فالواجب تحذيرهم وإنذارهم بأن يتوبوا إلى الله من ذلك ويجددوا إسلامهم.
س: ما هو ضابط التوسل بالله جل وعلا (٢)، ولما ثبت عنه ﷺ في أحاديث كثيرة من التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته.