س: ما هي عقيدة أهل السنة والجماعة في عذاب القبر، وهل هو على الروح فقط، أو على الروح والجسد (١)؟
ج: من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، الميت إما أن ينعم وإما أن يعذب، أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك، وقد أخبر النبي بهذا ﵊ عن ذلك: فالقبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار، فعلى المسلم أن يؤمن بهذا. وقد أطلع الله نبيه ﷺ على شخصين يعذبان، أحدهما كان يمشي بالنميمة، والآخر كان لا يتنزه من بوله.
أهل السنة والجماعة يؤمنون بعذاب القبر ونعيمه، أنه حق على الروح والجسد جميعا، ولكن نصيب الروح أكثر، كما قال الله جل وعلا في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ (٢) فهكذا الميت الصالح ينعم في قبره، وغير الصالح يعذب في قبره، ويوم القيامة العذاب أشد، والنعيم أعظم، بعد البعث والنشور.
س: هل يكفي المعتقد الصحيح عن العمل، والاستقامة على شرع الله (٣)؟
ج: لا يكفي الإيمان المعتقد عن العمل، لا بد من العمل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٤)، لا بد من العمل، يؤمن بالله ورسوله وتوحيد الله ويعمل،
стр. 37
يؤدي فرائض الله وينتهي عن محارم الله، لا بد من هذا وهذا، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ (١). لا بد من الإيمان والعمل.
س: ما مصير من لا يعلم بأن دين الإسلام هو الدين الصحيح، والمقبول عند الله، ويعتقد دينا خير الإسلام (٢)؟.
ج: إذا كان المسئول عنه عاش بين المسلمين، وقد بلغه القرآن والسنة، ومع ذلك يعتقد دينا غير دين الإسلام فحكمه حكم أهل الدين الذي اعتقده وهو الكفر، لأن الله جل وعلا يقول في القرآن الكريم عن نبيه ﵊: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (٣)، ويقول سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ (٤)، ويقول ﷺ : «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أهل النار» (٥).
أما إن كان المسئول عنه قد عاش بين الكافرين الذين لم يبلغهم القرآن، ولا خبر الرسول ﷺ ، فهذا حكمه حكم أهل الفترة، وهم يمتحنون يوم
стр. 38
القيامة، فمن نجح في الامتحان دخل الجنة ومن عصى دخل النار؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١) والله ولي التوفيق.
س: هل يشترط في إقامة الحجة على قوم أن يكون الداعية عالما مجتهدا أم يكفي أنه يعرف الحق بدليله إذا كانت المسألة من مسائل العقيدة كدعاء غير الله وعبادة القبور ونحوه (٢)؟
ج: يكفي إقامة الحجة ببيان الحق بأدلته لمن ترك الحق ونصيحته وتوجيهه للخير من أهل العلم وإن لم يكونوا مجتهدين، بل يكفي كونهم يعلمون الأدلة الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فيما يدعون إليه وفيما يأمرون به، وعلى المدعو إلى الله أن يقبل الحق، وأن يحذر التكبر والإصرار على الباطل، وإذا كانت عنده شبهة فليسأل عنها أهل العلم بأسلوب حسن وتواضع ونية صالحة، ومتى أصلح العبد النية وبذل وسعه في طلب الحق يسر الله أمره، ومنحه التوفيق كما قال الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٤)، وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ
стр. 39
سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (١) والفرقان هو النور والبصيرة والعلم النافع، وفق الله المسلمين لكل خير، وأصلح قادتهم إنه سميع قريب.
س: هل التبرك بقبر النبي ﷺ جائز (٢)؟
ج: لا يجوز، بل هو بدعة ومن وسائل الشرك، فالتبرك بزيد، أو عمرو، أو بجدران الكعبة، أو بما يشبهه، أو بالأسطوانات، هذه بدعة قد تفضي إلى الشرك إذا ظن أن البركة تحصل منها، أما إذا ظن أنها مشروعة فهذه بدعة، والواجب ترك ذلك، وإنما شرع التبرك به ﷺ في حياته، وكذلك شرع الله التبرك بماء زمزم الذي جعله الله مباركا.
لكن يجب على المؤمن التمسك بشريعة الرسول ﷺ والحذر مما خالفها، والله ولي التوفيق.
س: سائل يقول: إن والده يذبح لغير الله فيما قيل له عن ذلك، ويريد الآن أن يتصدق عنه ويحج عنه، ويعزو سبب وقوع والده في ذلك إلى عدم وجود علماء ومرشدين وناصحين له، فما الحكم في ذلك كله (٣)؟
ج: إذا كان والده معروفا بالخير والإسلام والصلاح، فلا يجوز له أن يصدق من ينقل عنه غير ذلك ممن لا تعرف عدالته، ويسن له الدعاء له والصدقة عنه حتى يعلم يقينا أنه مات على الشرك، وذلك بأن يثبت لديه بشهادة الثقات العدول اثنين أو أكثر
стр. 40
أنهم رأوه يذبح لغير الله من أصحاب القبور أو غيرهم، أو سمعوه يدعو غير الله، فعند ذلك يمسك عن الدعاء له، وأمره إلى الله ؛ لأن النبي ﷺ استأذن ربه أن يستغفر لأمه فلم يأذن الله له، مع أنها ماتت في الجاهلية على دين الكفار، ثم استأذن ربه أن يزورها فأذن له، فدل ذلك على أن من مات على الشرك ولو جاهلا لا يدعى له، ولا يستغفر له، ولا يتصدق عنه، ولا يحج عنه، أما من مات في محل لم تبلغه دعوة الله، فهذا أمره إلى الله سبحانه، والصحيح من أقوال أهل العلم أنه يمتحن يوم القيامة، فإن أطاع دخل الجنة، وإن عصى دخل النار؛ لأحاديث صحيحه وردت في ذلك.
س: يقولون: إن الذين يذهبون للقبور ويدعون أصحابها فعلهم فعل شرك وهم ليسوا بمشركين، فهل هذا صحيح (١)؟
ج: ليس بصحيح، أصحاب القبور الذين يذهبون إلى القبور ويدعونها من دون الله ويستغيثون بها من دون الله هذا الشرك الأكبر، هذا عمل كفار قريش وغيرهم عند اللات والعزى وأشباههما، وهذا هو الشرك الأكبر، فالواجب تحذيرهم وإنذارهم بأن يتوبوا إلى الله من ذلك ويجددوا إسلامهم.
س: ما هو ضابط التوسل بالله جل وعلا (٢)، ولما ثبت عنه ﷺ في أحاديث كثيرة من التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته.
стр. 41
ويشرع التوسل أيضا إلى الله - سبحانه - بالإيمان به وبمحبته وبسائر الأعمال الصالحة، ومن ذلك محبة أنبياء الله ورسله والمؤمنين من عباده، ومن ذلك التوسل ببر الوالدين والعفة عن الزنا، وأداء الأمانة؛ للحديث الصحيح الوارد في قصة أصحاب الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة، وعجزوا عن دفعها، وكانوا ثلاثة، فدعوا الله - سبحانه - وتوسلوا إليه بأعمالهم الصالحة، فانزاحت عنهم الصخرة، وحديثهم ثابت في الصحيحين، وكان أحدهم توسل ببره لوالديه، والثاني بعفته عن الزنا بعد القدرة، والثالث بأدائه الأمانة لأصحابها، والله الموفق.
س: أسمع بعض الناس إذا سمع كلاما مستغربا أو رأى شيئا غريبا قال: (يا وجه الله) فما حكم هذا القول؟ جزاكم الله خيرا (١).
ج: لا يجوز لأحد من المسلمين أن يدعو صفات الله، عند جميع أهل العلم، كأن ي قول: يا وجه الله ، أو يا علم الله، أو يا رحمة الله أو ما أشبه ذلك. وإنما الواجب أن يدعوه سبحانه بأسمائه الحسنى؛ لقول الله : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمَائِهِ﴾ (٢) الآية، فيقول: يا الله يا رحمن يا رحيم. ونحو ذلك.
ويستحب التوسل بصفات الله فيقول: اللهم إني أسألك بأنك عظيم، أو بقدرتك العظيمة، أو بحلمك ونحو ذلك. والله ولى التوفيق.
стр. 42
س: هل رؤية الله ثابتة وما الدليل؟ وما القول الراجح في ذلك؟ وهل المنافقون يرونه في المحشر (١)؟
ج: رؤية الله في الآخرة ثابتة عند أهل السنة والجماعة من أنكرها كفر، يراه المؤمنون يوم القيامة ويرونه في الجنة كما يشاء بإجماع أهل السنة كما قال : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (٣) فسر النبي ﷺ الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله، وتواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وفي الجنة، أما في الدنيا فلا يرى في الدنيا كما قال : ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (٤). وقال لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ (٥) وثبت عنه ﷺ أنه قال: «واعلموا أنه لن يرى أحد ربه حتى يموت» (٦) فالدنيا ليست محل الرؤية؛ لأن الرؤية نعيم، رؤية الله أعلى نعيم أهل الجنة وهذه الدار ليست دار النعيم، دار الأكدار ودار الأحزان ودار التكليف فلا يرى في الدنيا لكنه يرى في الآخرة يراه المؤمنون، أما الكفار فهم عنه محجوبون كما قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٧) فالكفار محجوبون عن الله يوم القيامة
стр. 43
والمؤمنون يرونه في الآخرة، والصحيح أن الرسول ﷺ لم ير ربه، أما المنافقون فمحل نظر جاء في بعض الروايات ما يدل على أنه يأتي هذا اليوم الأمة وفيها منافقوها لكن ليس فيه الصراحة بأنهم يرونه يوم القيامة.
س: ما حكم من يحلف بالنبي؟ (١)
ج: لا يجوز الحلف بغير الله كائناً من كان - لا بالنبي ولا بغيره - يقول النبي ﷺ : «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت»، وقال: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون»، وقال ﷺ : «من حلف بشيء دون الله فقد أشرك» أخرجه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن عمر ﵁ وخرج أبو داود والترمذي بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك»، وقال ﵊: «من حلف بالأمانة فليس منا». والمقصود: أن الواجب الحلف بالله وحده، ولا يجوز الحلف بالنبي، ولا بغير النبي، ولا بالأمانة، ولا بالكعبة، ولا بغير ذلك، فالحلف بالله وحده، يقول ﷺ : «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت»، ولا يجوز الحلف بغير الله كائناً من كان. نسأل الله العافية.
س: صادفتني مشكلة فنذرت لأحد الأئمة، وقد علمت أنه لا يجوز النذر لغير الله، علماً بأن المكان الذي فيه الإمام بعيد عني. فهل يجوز لي أن أدفع هذا النذر للفقراء أو أكفر عنه؟ (٢)
стр. 44
ج: هذا النذر باطل لأنه عبادة لغير الله، وعليك التوبة إلى الله من ذلك، والرجوع إليه، والإنابة والاستغفار، والندم، فالنذر عبادة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِنْ نَّذْرٍ فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ﴾ (١)؛ يعني: فيجازيكم عليه، وقال النبي ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» (٢).
فهذا النذر نذر باطل، وشرك بالله فضلاً عن أن النذر لأحد الأئمة الأموات نذر باطل وشرك بالله.
فالنذر لا يجوز إلا لله وحده؛ لأنه عبادة، فالصلاة والذبح والنذر والصيام والدعاء، كلها لله وحده كما قال : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ (٤)؛ يعني أمر ألا تعبدوا إلا إياه، وقال : ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٥)، وقال : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٦).
فالعبادة حق لله، والنذر عبادة، والصوم عبادة، والصلاة عبادة، والدعاء عبادة، فيجب إخلاصها لله وحده.
стр. 45
فهذا النذر باطل، وليس عليك شيء، لا للفقراء، ولا لغيرهم، بل عليك التوبة، وليس عليك الوفاء بهذا النذر، لكونه باطلاً وشركاً، وعليك بالتوبة الصادقة والعمل الصالح … وفقك الله وهداك لما فيه رضاه، ومنّ عليك بالتوبة النصوح.
س: ذكر حديث أن من علق تميمة فقد أشرك، أرجو شرح هذا الحديث (١)؟
ج: هذا الحديث ورد باللفظ الآتي: عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» (٢) رواه أحمد وأبو داود، والتمائم شيء يُعلق على الأولاد عن العين وهي ما تسمى عند بعض الناس بالجوامع والحجب والحروز وقد قال رسول الله ﷺ : «من تعلق تميمة فلا أتم الله له» (٣) وفي رواية: «من تعلق تميمة فقد أشرك». والعلة في كون تعليق التمائم من الشرك هي - والله أعلم-: أن من علقها سيعتقد فيها النفع ويميل إليها وتنصرف رغبته عن الله إليها، ويضعف توكله على الله وحده وكل ذلك كافٍ في إنكاره والتحذير منها، وفي الأسباب المشروعة والمباحة ما يغني عن التمائم وانصراف الرغبة عن الله إلى غيره شرك به، أعاذنا الله وإياكم من ذلك.
وتعليق التمائم يعتبر من الشرك الأصغر ما لم يعتقد معلّقها بأنها تدفع عنه الضرر بذاتها دون الله، فإذا اعتقد هذا الاعتقاد صار تعليقها شركاً أكبر.
стр. 46
س: كيف نوفق بين الأحاديث التي وردت في زيادة العمر وذلك حين صلة الرحم وليلة القدر وغير ذلك مما ورد فيها أحاديث التي ورد أنها مما يزاد في العمر وينسأ في الأجل ومعنى الحديث الذي ورد أن الإنسان حينما يتكون أو يصير في أربعين يوماً يكتب أجله وشقي أو سعيد أفيدونا مأجورين؟ (١)
ج: ليس بين الأحاديث منافاة ولا تناقض فإن الله جل وعلا قَدَّر الأشياء؛ قدر الآجال، قدر الأرزاق، قدر الأعمال والشقاء والسعادة، وقدر أسبابها، وقدر أن هذا يبر والديه ويصل أرحامه، ويكون له بسبب ذلك زيادة في عمره، وقدر أن الآخر يكون قاطعاً وغير بار ويكون النقص في العمر وقد يكون هذا، هذا طويل العمر وهذا قصير العمر لأسباب أخرى، فالله قدر الأشياء وقدر أسبابها فلا منافاة؛ فبر الوالدين وصلة الأرحام من أسباب بركة العمر وطوله، والقطيعة والعقوق من أسباب قصره ومحق بركته ولا منافاة بين هذا وبين كون الأجل معدوداً ومحدوداً، وليس هناك زيادة ولا نقص فيما قدره الله ، لكن هذه الأقدار مقدرة بأسبابها فهذا يطول عمره إلى كذا بأسباب كذا وكذا، وهذا ينقص عمره بأسباب كذا وكذا، وهذا يقتل لسن كذا وكذا، وهذا يموت لسن كذا وكذا إلى آخره، ربنا قدر الأشياء بأسبابها .
س: ما هو الحكم في التداوي قبل وقوع الداء كالتطعيم؟ (٢)
ج: لا بأس بالتداوي إذا خشي وقوع الداء؛ لوجود وباء أو أسباب أخرى يخشى من وقوع الداء بسببها، فلا بأس بتعاطي الدواء لدفع البلاء الذي يخشى منه؛
стр. 47
لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «من تصبح بسبع تمراتٍ من تمر المدينة لم يضره سحر ولا سم» (١)، وهذا من باب دفع البلاء قبل وقوعه، فهكذا إذا خشي من مرضٍ وطعم ضد الوباء الواقع في البلد أو في أي مكانٍ لا بأس بذلك من باب الدفاع كما يعالج المرض النازل، يعالج بالدواء المرض الذي يخشى منه، لكن لا يجوز تعليق التمائم والحجب ضد المرض أو الجن أو العين؛ لنهي النبي ﷺ عن ذلك. وقد أوضح ﵊ أن ذلك من الشرك الأصغر، فالواجب الحذر من ذلك.
س: يقوم بعض الناس باستخدام بخور يباع عند العطارين يسمى (نقض) يدعون أنها تطرد الشياطين (٢).
ج: لا أعلم لهذا العمل أصلاً شرعياً. والواجب تركه؛ لكونه من الخرافات التي لا أصل لها، وإنما تطرد الشياطين بالإكثار من ذكر الله وقراءة القرآن، والتعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال:
«من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك»، وقال له رجل: يا رسول الله ماذا لقيت البارحة من لدغة عقرب، فقال له ﷺ : «أما إنك لو قلت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك»، وقال ﵊: «من قال حين يصبح: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مرات لم يضره شيء حتى يمسي، ومن قالها حين يمسي لم يضره شيء حتى يصبح».
стр. 48
فتاوى الطهارة
стр. 49
س: خرجنا مجموعة إلى البر، وجلسنا على غدير ماء، وكان الماء مكدراً بالطين وبعض الأعشاب، فهل يجوز الوضوء للصلاة من هذا الماء (١)؟
ج: يجوز الوضوء من مثل هذا الماء، والغسل به، والشرب منه؛ لأن اسم الماء باق له، وهو بذلك طهور لا يسلبه ما وقع به من التراب والأعشاب اسم الطهورية. والله ولي التوفيق.
س: إذا كان الإناء مطلياً بالذهب وليس مصنوعاً من الذهب الخالص، فهل يحرم استعماله؟ وهل ينطبق عليه الحديث الذي ينهى عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة (٢)؟
ج: نص العلماء على أن هذا ينطبق عليه النهي، والنبي ﷺ قال: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» متفق عليه، وقال ﷺ : «الذي يأكل أو يشرب في إناء الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» متفق على صحته، واللفظ لمسلم في الصحيح، وأخرجه الدارقطني، وصحح إسناده من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعاً: «من شرب في إناء ذهب أو فضة أو في إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم» فقوله ﷺ : «من شرب في إناء ذهب أو فضة .... » نهي يعم ما كان من الذهب أو الفضة، وما كان مطلياً بشيء منهما، ولأن المطلي فيه زينة الذهب وجماله، فيمنع ولا يجوز بنص الحديث، وهكذا الأواني الصغار؛ كأكواب الشاي، وأكواب القهوة،
стр. 50
والملاعق، ولا يجوز أن تكون من الذهب أو من الفضة، بل يجب البعد عن ذلك، والحذر منه.
وإذا وسع الله تعالى على العباد، فالواجب التقيد بشريعة الله تعالى، وعدم الخروج عنها، وإذا كان عنده فضل من المال فلينفق على عباد الله المحتاجين، وفي مشاريع الخير، ولا يسرف ولا يبذر.
س: ما حكم من يتوضأ داخل الحمام، وهل يجوز وضوءه (١)؟
ج: لا بأس أن يتوضأ داخل الحمام، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ويسمي عند أول الوضوء، يقول: (بسم الله)؛ لأن التسمية واجبة عند بعض أهل العلم، ومتأكدة عند الأكثر، فيأتي بها وتزول الكراهة؛ لأن الكراهة تزول عند وجود الحاجة إلى التسمية، والإنسان مأمور بالتسمية عند أول الوضوء، فيسمى ويكمل وضوءه.
وأما التشهد فيكون بعد الخروج من الحمام - وهو: محل قضاء الحاجة - فإذا فرغ من وضوئه يخرج ويتشهد في الخارج. أما إذا كان الحمام لمجرد الوضوء ليس للغائط والبول، فهذا لا بأس أن يأتي بها فيه؛ لأنه ليس محلاً لقضاء الحاجة.
س: مطلوب من الإنسان ذكر الله في كل وقت، وعلى كل حال إلا في أماكن نهي عن ذكر الله فيها، كالحمام مثلاً، فهل يقطع الإنسان ذكر الله في الحمام بتاتاً، حتى ولو في قلبه (٢)؟.
ج: الذكر بالقلب مشروع في كل زمان ومكان، في الحمام وغيره.
стр. 51
وإنما المكروه في الحمام ونحوه: ذكر الله باللسان؛ تعظيماً لله سبحانه، إلا التسمية عند الوضوء، فإنه يأتي بها إذا لم يتيسر الوضوء خارج الحمام؛ لأنها واجبة عند بعض أهل العلم، وسنة مؤكدة عند الجمهور.
س: هل يشترط الاستنجاء لكل وضوء (١)؟
ج: لا يشترط الاستنجاء لكل وضوء، وإنما يجب الاستنجاء من البول والغائط وما يلحق بهما، أما غيرهما من النواقض؛ كالريح، ومس الفرج، وأكل لحم الإبل، والنوم، فلا يشرع له الاستنجاء، بل يكفي في ذلك الوضوء الشرعي: وهو غسل الوجه، ويدخل فيه المضمضة والاستنشاق، وغسل اليدين مع المرفقين، ومسح الرأس مع الأذنين، وغسل الرجلين مع الكعبين، كما في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٢).
س: هل يجوز استعمال الروائح العطرية المسماة بـ: (الكولونيا) المشتملة على مادة الكحول (٣)؟
ج: استعمال الروائح العطرية المسماة بـ: (الكولونيا)، المشتملة على مادة الكحول لا يجوز؛ لأنه ثبت لدينا بقول أهل الخبرة من الأطباء: أنها مسكرة؛ لما فيها من مادة السبيرتو المعروفة، وبذلك يحرم استعمالها على الرجال والنساء.
стр. 52
أما الوضوء فلا ينتقض بها. وأما الصلاة ففي صحتها نظر؛ لأن الجمهور يرون نجاسة المسكر، ويرون أن من صلى متلبساً بالنجاسة ذاكراً عامداً لم تصح صلاته.
وذهب بعض أهل العلم إلى عدم تنجيس المسكر. وبذلك يعلم أن من صلى وهي في ثيابه أو بعض بدنه ناسياً، أو جاهلاً حكمها، أو معتقداً طهارتها، فصلاته صحيحة.
والأحوط: غسل ما أصاب البدن والثوب منها؛ خروجاً من خلاف العلماء، فإن وجد من الكولونيا نوع لا يسكر لم يحرم استعماله؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. والله ولي التوفيق.
س: ما حكم تطويل الأظافر ووضع (مناكير) عليها، مع العلم أنني أتوضأ قبل وضعه، ويجلس ٢٤ ساعة ثم أزيله (١)؟
ج: تطويل الأظافر خلاف السنة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «الفطرة خمس الختان والاستحداد وقص الشارب ونتف الإبط وقلم الأظفار» ولا يجوز أن تترك أكثر من أربعين ليلة؛ لما ثبت عن أنس ﵁ قال: (وقت لنا رسول الله ﷺ في قص الشارب، وقلم الظفر، ونتف الإبط، وحلق العانة: ألا نترك شيئاً من ذلك أكثر من أربعين ليلة)، ولأن تطويلها فيه تشبه بالبهائم وبعض الكفرة. أما (المناكير) فتركها أولى، وتجب إزالتها عند الوضوء؛ لأنها تمنع وصول الماء إلى الظفر.
стр. 53
س: ما حكم إزالة الشعر الذي ينبت في وجه المرأة (١)؟
ج: هذا فيه تفصيل: إن كان شعراً عادياً فلا يجوز أخذه؛ لحديث (لعن رسول الله ﷺ النامصة والمتنمصة) الحديث.
والنمص: هو أخذ الشعر من الوجه والحاجبين.
أما إن كان شيئاً زائداً يعتبر مثله تشويها للخلقة؛ كالشارب، واللحية، فلا بأس بأخذه ولا حرج؛ لأنه يشوه خلقتها ويضرها، ولا يدخل في النمص المنهي عنه.
س: أرجو بيان كيفية الوضوء والصلاة على ضوء ما ثبت عن النبي ﷺ ؛ لشدة الحاجة إلى ذلك جزاكم الله خيرا (٢)؟
ج: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، أما بعد: فقد ثبت عن النبي ﷺ ما يدل على أنه كان في أول الوضوء يغسل كفيه ثلاثا مع نية الوضوء، ويسمي؛ لأنه المشروع، وروي عنه ﷺ من طرق كثيرة أنه قال: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه».
فيشرع للمتوضئ أن يسمي الله في أول الوضوء، وقد أوجب ذلك بعض أهل العلم مع الذكر، فإن نسي أو جهل فلا حرج، ثم يتمضمض ويستنشق ثلاث مرات، ويغسل وجهه ثلاثا، ثم يغسل يديه مع المرفقين ثلاثا، يبدأ باليمنى ثم اليسرى، ثم يمسح رأسه وأذنيه مرة واحدة، ثم يغسل رجليه مع الكعبين ثلاث مرات، يبدأ باليمين، وإن اقتصر على مرة أو مرتين فلا بأس؛ لأن النبي صلى الله عليه
стр. 54
وسلم توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا، وربما غسل بعض أعضائه مرتين وبعضها ثلاثا، وذلك يدل على أن الأمر فيه سعة، والحمد لله، لكن التثليث أفضل، وهذا إذا لم يحصل بول أو غائط، فإن حصل شيء من ذلك فإنه يبدأ بالاستنجاء ثم يتوضأ الوضوء المذكور.
أما الريح، والنوم، ومس الفرج، وأكل لحم الإبل، فكل ذلك لا يشرع منه الاستنجاء، بل يكفي الوضوء الشرعي الذي ذكرناه، وبعد الوضوء يشرع للمؤمن والمؤمنة أن يقولا: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين» لثبوت ذلك عن النبي ﷺ .
ويشرع لمن توضأ أن يصلي ركعتين، وتسمى: سنة الوضوء، وإن صلى بعد الوضوء السنة الراتبة كفت عن سنة الوضوء.
س: أثناء وضوئي نسيت أن أمسح رأسي وغسلت رجلي، فهل علي أنا أعيد الوضوء كاملا أو أعيد مسح الرأس ثم أغسل الرجلين بعد ذلك (١)؟
ج: عليك أن تمسح رأسك وأذنيك، ثم تعيد غسل الرجلين إذا ذكرت ذلك قبل طول الفصل، فإن طال الفصل فعليك أن تعيد الوضوء من أوله؛ لأن الموالاة بين الأعضاء فرض من فروض الوضوء. والله ولي التوفيق.
س: توضأت للفجر وصليت، ونسيت لبس الجوارب (الشراب)، ونمت بعد الصلاة ثم استيقظت للذهاب لعملي، ولبست الشراب على غير طهارة، وعندما جاء
стр. 55
وقت الظهر توضأت ومسحت على الشراب وصليت، وهكذا العصر والمغرب والعشاء، اعتقادا مني أنني لبستهما على طهارة. ولم أتذكر أنني لم ألبسهما على طهارة إلا بعد العشاء بحوالي ساعتين، فما حكم صلاتي في الأوقات الأربعة هل هي صحيحة أم لا؟ علما أنني لم أتعمد ذلك (١).
ج: من لبس الخفين أو الجوربين - وهما: الشراب - على غير طهارة فمسح عليهما وصلى ناسيا فصلاته باطلة، وعليه إعادة جميع الصلوات التي صلاها بهذا المسح. لأن من شرط صحة المسح عليهما: لبسهما على طهارة بإجماع أهل العلم، ومن لبسهما على غير طهارة ومسح عليهما فحكمه حكم من صلى على غير طهارة، وقد قال النبي ﷺ : «لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول» أخرجه مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄، وفي الصحيحين، من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ».
وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه كان مع النبي ﷺ في بعض أسفاره فذهب إلى حاجته، ثم رجع فتوضأ، وجعل المغيرة يصب عليه الماء، فلما مسح ﷺ برأسه أهوى المغيرة لينزع خفيه، فقال النبي ﷺ : «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين» فمسح عليهما. والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
стр. 56
وبهذا تعلم أيها السائل أن عليك أن تعيد الصلوات الأربع، الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ولا إثم عليك من أجل النسيان. لقول الله سبحانه: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (١) وصح عن النبي ﷺ أنه قال: (قد فعلت) ومعنى ذلك: أنه سبحانه استجاب دعوة عباده في عدم مؤاخذتهم بما وقع منهم عن خطأ أو نسيان، فلله الحمد والشكر على ذلك.
س: أشعر أحيانا خلال الوضوء أن وضوئي ينتقض، وكذلك في الصلاة، ولا أدري هل هذا حقيقة أم وسواس؟ حتى أنني كثير الإعادة للصلاة والوضوء مما جعلني أحيانا لا أدرك صلاة الجماعة وأفكر كثيرا في الصلاة (٢).
ج: هذه الوساوس من الشيطان، والواجب عليك إطراحها، وعدم الالتفات إليها، وإكمال وضوئك وصلاتك؛ لما ثبت عن النبي ﷺ أنه شكي إليه الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال ﵊: «لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» متفق عليه، وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا».
بهذين الحديثين وما جاء في معناهما من الأحاديث يعلم كل مؤمن ومؤمنة: أنه لا ينبغي له الانصراف من صلاته ولا من وضوئه بما يحصل من الوساوس، بل يشرع له الإعراض عنها، حتى يعلم يقينا أنه خرج منه شيء، وحتى يعلم يقينا في موضوع الوضوء أنه قد انتقض وضوءه. والله ولي التوفيق.
стр. 57
س: إذا كان الإنسان قد توضأ أو هو على وضوء فلمس أمه أو شقيقته أو نحو ذلك، فهل يبطل وضوءه (١)؟
ج: الصواب: أن مس المرأة لا ينقض الوضوء، سواء كانت زوجته أو غيرها، هذا هو الصواب، وفيه خلاف بين أهل العلم، فللعلماء في هذا أقوال ثلاثة:
أحدها: أن مس المرأة ينقض الوضوء مطلقا.
والثاني: لا ينقضه مطلقا.
والثالث: التفصيل: إن كان عن شهوة وتلذذ نقض، وإلا فلا.
والراجح من الأقوال الثلاثة: أنه لا ينقض مطلقا؛ لما ثبت عنه ﷺ أنه قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ ﷺ ، ولأن الأصل سلامة الطهارة، فلا تنتقض إلا بدليل واضح، ولأن هذا الأمر يبتلى به الناس في بيوتهم، فلو كان مس المرأة ينقض الوضوء لبينه النبي ﷺ بيانا واضحا ولم يغفله؛ لأنه ﷺ قد بلغ البلاغ المبين.
وأما قوله في سورتي النساء والمائدة: ﴿أَو لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فالمراد بذلك: الجماع، كما قاله ابن عباس وجمع كثير من أهل العلم.
والمس والمسيس والملامسة معناها واحد، وكلها يعنى بها: الجماع في أصح قولي العلماء، لكن إن خرج من الإنسان وقت الملامسة شيء من المذي انتقض وضوءه، ووجب عليه غسل الذكر والأنثيين، ثم الوضوء للصلاة ونحوها. والله ولي التوفيق.
стр. 58
س: هل يجوز الإمساك بالمصحف المفسر بدون طهارة؟ والمقصود: هو المصحف الذي على جوانبه تفسير للقرآن الكريم، أي: أنه «قرآن وتفسير»؟ نرجو من سماحتكم إفادتنا (١).
ج: يجوز إمساك كتب التفسير من غير حائل ومن غير طهارة؛ لأنها لا تسمى مصحفا، أما المصحف المختص بالقرآن فقط فلا يجوز مسه لمن لم يكن على طهارة؛ لقول الله : ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٢) وقول النبي ﷺ : «لا يمس القرآن إلا طاهر».
والأصل في الطهارة المطلقة في العرف الشرعي: هي الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، كما فهم ذلك أصحاب النبي ﷺ ، ولم يحفظ عن أحد منهم - فيما نعلم - أنه مس المصحف وهو على غير طهارة، وهذا هو قول جمهور أهل العلم، وهو الصواب. والله الموفق.
س: ما الحكمة في أن لحم الإبل يبطل الوضوء؟ وهل حساء لحم الإبل يبطل الوضوء أيضا (٣)؟
ج: قد ثبت عن النبي ﷺ أنه أمر بالوضوء من لحم الإبل ولم يبين لنا الحكمة، ونحن نعلم أن الله سبحانه حكيم عليم، لا يشرع لعباده إلا ما فيه الخير والمصلحة لهم في الدنيا والآخرة، ولا ينهاهم إلا عما يضرهم في الدنيا والآخرة.
стр. 59
والواجب على المسلم أن يتقبل أوامر الله سبحانه ورسوله ﷺ ويعمل بها، وإن لم يعرف عين الحكمة، كما أن عليه أن ينتهي عما نهى الله عنه ورسوله، وإن لم يعرف عين الحكمة؛ لأنه عبد مأمور بطاعة الله ورسوله ﷺ ، مخلوق لذلك، فعليه الامتثال والتسليم، مع الإيمان بأن الله حكيم عليم، ومتى عرف الحكمة فذلك خير إلى خير.
أما المرق من لحم الإبل، وهكذا اللبن، فلا يبطلان الوضوء، وإنما يبطل ذلك اللحم خاصة؛ لقول النبي ﷺ : «توضؤوا من لحوم الإبل ولا توضؤوا من لحوم الغنم» وسأله رجل فقال يا رسول الله أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال «نعم» قال أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال «إن شئت» وهما حديثان صحيحان ثابتان عن النبي ﷺ .
س: هل غسل الجمعة واجب أم مستحب (١)؟
ج: الغسل يوم الجمعة سنة مؤكدة ؛ لما ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ ، منها: قوله ﷺ : «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم وأن يستاك ويتطيب» وقوله ﷺ : «من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته ثم يصلي معه غفر له ما بينه
стр. 60
وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام» رواه مسلم في صحيحه، وفي لفظ له: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصا فقد لغا» مع أحاديث كثيرة في الباب.
وقوله ﷺ : «واجب على كل محتلم» معناه عند أكثر أهل العلم: متأكد، كما تقول العرب: (العدة دين، وحقك عليَّ واجب)، ويدل على هذا المعنى: اكتفاؤه ﷺ بالوضوء في بعض الأحاديث.
وهكذا الطيب، والاستياك، ولبس الحسن من الثياب، والتبكير إلى الجمعة، كله من السنن المرغب فيها، وليس شيء منها واجباً.
س: إذا كان بالقرب مني بحر أو نهر وكنت أستحم فيه، وبعد ذلك حان وقت الصلاة وليس عندي ماء غيره أتوضأ منه، فهل يكفي استحمامي عن الوضوء أم لا (١)؟
ج: عليك أن تتوضأ مما حولك من البحر أو النهر، فقد سئل النبي ﷺ عن الوضوء من ماء البحر فقال «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» وإذا تحممت لإزالة النجاسة أو الوسخ فلا يكفي، إذ لا بد من الوضوء، أما إذا تحممت عن جنابة ونويت الحدثين: الأصغر، والأكبر بالغسل كفى، ولكن الأفضل أن تتوضأ ثم تغتسل، هكذا كان النبي ﷺ يفعل، يستنجي أولا، ثم يتوضأ وضوء الصلاة ثم يغتسل، هذا هو السنة، لكن لو نواهما جميعا بنية واحدة أجزأه عند أهل العلم، ولكن الأفضل للمسلم أن يفعل ما فعله النبي ﷺ ، وهكذا المرأة في غسل الحيض والنفاس، سواء كان الماء من ماء البحار، أو النهر، أو الآبار، أو العيون، والله يقول سبحانه:
стр. 61
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (١) الآية.
س: استيقظت في حدود شروق الشمس مجنبا فإذا دخلت في الغسل ستشرق الشمس، هل أتيمم وأصلي، أم أغتسل ثم أصلي (٢)؟
ج: عليك أن تغتسل وتكمل طهارتك ثم تصلي، وليس لك التيمم والحال ما ذكر. لأن الناسي والنائم مأموران أن يبادرا بالصلاة وما يلزم لها من حين الذكر والاستيقاظ؛ لقوله ﷺ : «من نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك» ومعلوما أنه لا صلاة إلا بطهور لقول النبي ﷺ : «لا تقبل صلاة بغير طهور».
ومن وجد الماء فطهوره الماء، فإن عدمه صلى بالتيمم؛ لقول الله : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٣) الآية من سورة المائدة.
والواجب عليك أن تهتم بصلاتك، وأن تعنى بها غاية العناية بوضع منبه عند رأسك، أو تكليف من يوقظك من أهلك عند دخول الوقت؛ حتى تؤدي ما أوجب الله عليك من الصلاة مع إخوانك المسلمين في بيوت الله ، وحتى تسلم من مشابهة المنافقين الذين يتأخرون عن الصلاة، ولا يأتونها إلا كسالى. أعاذنا الله وإياك وسائر المسلمين من صفاتهم وأخلاقهم. والله ولي التوفيق.
стр. 62
س: هل خروج المذي يوجب الغسل (١)؟
ج: خروج المذي لا يوجب الغسل ، ولكن يوجب الوضوء بعد غسل الذكر والأنثيين إذا أراد أن يصلي أو يطوف أو يمس المصحف؛ لأن النبي ﷺ لما سئل عنه قال «فيه الوضوء» وأمر من أصابه المذي أن يغسل ذكره وأنثييه.
وإنما الذي يوجب الغسل هو المني، إذا خرج دفقا بلذة، أو رأى أثره بعد اليقظة من نومه ليلا أو نهارا.
س: التيمم هل يُسْقِط عن الجنب الاغتسال بتاتا؟ وكم صلاة يمكن أن أصلي به، وما هي نواقضه (٢)؟
ج: التيمم يقوم مقام الماء، فالله جعل الأرض مسجدا وطهورا للمسلمين، فإذا فقد الماء أو عجز عنه لمرض قام التيمم مقامه، فلا يزال كافيا حتى يجد الماء، فإذا وجد الماء وجب عليه الغسل عن جنابته السابقة، وهكذا المريض إذا برئ وعافاه الله يغتسل عن جنابته السابقة التي طهرها بالتيمم؛ لقول النبي ﷺ : «الصعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين» ثم قال «فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك» رواه الترمذي، من حديث أبي ذر ﵁، ورواه البزار، وصححه ابن القطان، من حديث أبي هريرة ﵁.
فإذا وجد الماء الجنب أمسه بشرته، أي: اغتسل بعد ذلك عن ما مضى، وأما صلواته الماضية فهي صحيحة بالتيمم عند فقده الماء أو عجزه عن استعماله؛ لمرض
стр. 63
يمنعه من الماء، حتى ينتهي المرض ويشفى منه، وحتى يجد الماء إذا كان فاقدا له، ولو طالت المدة.
س: هل يجوز للمرأة النفساء أن تصوم وتصلي وتحج قبل أربعين يوما إذا طهرت (١)؟
ج: نعم، يجوز لها أن تصوم، وتصلي، وتحج وتعتمر، ويحل لزوجها وطؤها في الأربعين إذا طهرت، فلو طهرت لعشرين يوما اغتسلت، وصلت وصامت، وحلت لزوجها. وما يروى عن عثمان بن أبي العاص أنه كره ذلك فهو محمول على كراهة التنزيه، وهو اجتهاد منه ﵀ ورضي عنه، ولا دليل عليه.
والصواب: أنه لا حرج في ذلك، إذا طهرت قبل الأربعين يوما، فإن طهرها صحيح، فإن عاد عليها الدم في الأربعين، فالصحيح: أنها تعتبره نفاسا في مدة الأربعين، ولكن صومها الماضي في حال الطهارة وصلاتها وحجها كله صحيح، لا يعاد شيء من ذلك ما دام وقع في حال الطهارة.
س: ما حكم مسح أثر الغائط والبول بالورق؟ هل يكفي عن الماء (٢)؟
ج: نعم يكفي المسح بالورق وغيره من الجامدات الطاهرات كالأحجار والخشب والخرق والتراب وغير ذلك، ما عدا العظام والأرواث إذا أنقى المحل وكرر ذلك ثلاث مرات فأكثر، ويقوم ذلك مقام الماء لأحاديث كثيرة وردت في ذلك منها: قوله ﷺ : «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنهن
стр. 64
تجزي عنه» (١). رواه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث عائشة ﵂، وقال الحافظ الدارقطني: إسناده صحيح، وعن خزيمة بن ثابت الأنصاري ﵁ قال: «سئل النبي ﷺ عن الاستطابة فقال: «بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع» (٢) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وعن أبي هريرة ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن نستنجي بعظم أو روث وقال: «إنهما لا يطهران» (٣) أخرجه الدارقطني وقال: إسناده صحيح، وأخرج مسلم في صحيحه عن سلمان الفارسي ﵁ «أن النبي ﷺ نهى أن يستنجى بأقل من ثلاثة أحجار، ونهى أن يستنجى برجيع أو عظم» (٤)، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وفيما ذكرناه منها كفاية إن شاء الله.
س: ما حكم رشاش البول الذي يقع على الثياب نتيجة اصطدام الماء الخارج بجسم صلب؟ هل يلزم الغسل أم يكفي النضح (٥)؟
ج: لا بد من الغسل، ما يصيب الثياب أو الرجل من البول لا بد فيه من الغسل، ولا يكفي النضح؛ لأنه نجاسة مغلظة، الذي ينضح المذي خاصة، وبول الصبي الذي لم يأكل الطعام ينضح، أما البول للصبي الذي يأكل الطعام فيغسل.
стр. 65
س: سماحة الشيخ: عند ذهابي إلى المسجد أو أثناء الصلاة تنزل بعض قطرات البول، فما حكم صلاتي؟ علما أنه أخبرني بعض الشباب أن أزيل البقعة بالماء فقط، وهل أعيد الوضوء بعد إزالة البقع؟ وفقكم الله (١).
ج: عليك أن تعيد الوضوء والاستنجاء، وتغسل ما أصابك من البول إذا كان البول ليس بمستمر معك، أما إذا كان مستمرا فأنت صاحب سلس، توضأ لكل صلاة بعد دخول الوقت، ولا يضرك ما خرج وقت الصلاة؛ لقول النبي ﷺ : «توضئي لوقت كل صلاة» (٢).
س: ما حكم النطق بالشهادة أثناء الوضوء في داخل دورة المياه (٣)؟
ج: السنة إذا فرغ من الوضوء أن يتشهد خارج الحمام؛ لأنه ليس هناك ضرورة أن يتشهد داخل الحمام، بل إذا فرغ يخرج ثم يقول: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين» (٤)، ويكره أن يقول هذا في الداخل.
أما عند بدء الوضوء فيسمي ولو في الداخل، فيقول: بسم الله ثم يتوضأ؛ لأنه محتاج إلى التسمية، وقد أوجبها جمع من أهل العلم مع الذكر، فلا يدعها، والكراهة تزول عند الحاجة، أما الشهادة فليس هناك حاجة أن يأتي بها وهو في الحمام، بل يخرج ثم يأتي بالشهادة بعد ذلك.
стр. 66
س: ما حكم صبغ اللحية باللون الأسود؟ وما حكم من يفعل ذلك (١)؟
ج: لا يجوز صبغ الشيب - سواء كان في الرأس أو اللحية - بالصبغ الأسود؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة النهي عن ذلك، ويشرع تغييره بغير الأسود كالأحمر والأصفر، وكالحناء والكتم مخلوطين؛ لقول النبي ﷺ : «غيروا هذا الشيب، وجنبوه السواد» (٢)(٣) من حديث جابر بن عبدالله ﵄، وقوله ﷺ : «إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم» (٤) متفق على صحته من حديث أبي هريرة ﵁، والله ولي التوفيق.
س: هل إطالة الأظافر محرمة؟ وما حكم الصلاة بهذه الحالة (٥)؟
ج: الأظافر يجوز بقاؤها مدة أربعين يوما، وهكذا الشارب والإبط، وهكذا العانة؛ لما ثبت في الحديث عن أنس ﵁ قال: «وقت لنا في قص الشارب وقلم الظفر ونتف الإبط وحلق العانة، ألا يدع ذلك أكثر من أربعين ليلة» (٦)، وفي
стр. 67
لفظ: «وقت لنا رسول الله ﷺ » (١)، فإذا بلغ ذلك أربعين يوما وجب عليه قص الشارب وقلم الظفر ونتف الإبط وحلق العانة للحديث المذكور.
س: ما هي الشروط التي يجب على المسلم مراعاتها عند المسح على الجوربين (٢)؟
ج:
١ - لا بد من طهارة: فيلبسها على طهارة كما قال النبي ﷺ لما أراد المغيرة أن ينزع خفيه، قال: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين» (٣)، فإذا أراد أن يمسح فليلبسهما على طهارة رجلا كان أو امرأة، مسافرا كان أو مقيما.
٢ - لا بد من أن يكونا ساترين صفيقين، ويمسح مع الخروق اليسيرة على الصحيح.
٣ - أن يكون المسح لمدة معينة هي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، ولا يمسح أكثر من ذلك. إذا توافرت هذه الشروط فإن المؤمن يمسح على خفيه وجوربيه، والمرأة كذلك.
س: هل للإنسان أن يتوضأ داخل الحمام أثناء الاستحمام قبل أن يرتدي ملابسه (٤)؟
ج: لا نعلم بأسا في هذا إذا اغتسل من الجنابة أو يوم الجمعة، لكن الأفضل أن يبتدئ بالوضوء في غسل الجنابة، أن يتوضأ ثم يغتسل للجنابة، ويكفيه الوضوء الأول؛ لأن النبي ﵊ كان يتوضأ، يعني يستنجي ويغسل ما
стр. 68
أصاب فرجه وما حوله، ثم يتوضأ وضوء الصلاة، ثم يغتسل حتى إذا انتهى من الغسل انتهى من كل شيء، وليس عليه وضوء بعد ذلك، إلا إذا أحدث بعد الغسل بأن مس فرجه أو خرج منه ريح فإنه يعيد الوضوء، أما إذا اغتسل ولم يمس فرجه ولم يخرج منه ريح ولم يحدث فإن وضوءه الأول كاف.
أما غسل الجمعة فإن شاء توضأ قبله، وإن شاء توضأ بعده، ولا يكفي الغسل وحده، بل لا بد من وضوء قبله أو بعده، وإذا توضأ قبله أو بعده وهو عريان فلا بأس في ذلك لأنه تجرد ليغتسل.
س: سؤال عن الطريقة الصحيحة للتيمم (١)؟
ج: الطريقة الصحيحة بينها النبي ﷺ في حديث عمار بن ياسر في الصحيحين قال له: «إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بهما الأرض (ضرب بهما الأرض: أي: بكفيه)، ثم مسح بهما وجهه وكفيه» (٢)، وهذا مطابق لقوله سبحانه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٣)، فإذا كان في السفر وليس عنده ماء أو مريض لا يستطيع استعمال الماء ضرب بكفيه الأرض ضربة واحدة - ضربة خفيفة -، ثم مسح بهما
стр. 69
وجهه وكفيه، وإذا علق فيها تراب نفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه، هكذا المشروع، يكفي ضربة واحدة، هذه هي السنة.
وإذا ضرب ضربتين إحداهما لوجهه والأخرى لكفيه لا بأس، لكن الأفضل والسنة ضربة واحدة كما في حديث عمار، يضرب بهما الأرض، أو إذا كان عنده إناء فيه تراب أو ما أشبه ذلك يضرب بهما بالتراب، ثم يمسح بهما وجهه وكفيه، هذا هو التيمم الشرعي بنية الطهارة، ويسمى الله يقول: بسم الله، كما يسمي في الماء عند الوضوء، وإذا ضرب بهما التراب ومسح بهما وجهه وكفيه، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، كما يفعل في الماء؛ لأن هذا يقوم مقام الماء.
س: ما مدى صحة الأحاديث التي وردت في صبغ اللحية بالسواد ، فقد انتشر صبغ اللحية بالسواد عند كثير ممن ينتسب إلى العلم؟ (١)
ج: في هذا الباب أحاديث صحيحة كثيرة، من أشهرها حديث جاء في قصة والد الصديق ﵁. راوه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال لما رأى رأس والد الصديق ولحيته كالثغامة بياضاً: «غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد» (٢) وفي رواية: «وجنبوه
стр. 70
السواد» (١) وحديث ابن عباس رواه أحمد وأبو داود والنسائي بسند صحيح عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «سيكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة» (٢) وهذا وعيد شديد، وفي ذلك أحاديث أخرى كلها تدل على تحريم الخضاب بالسواد، وعلى شرعية الخضاب بغيره.
стр. 71
فتاوى الصلاة
стр. 72
س: عمري الآن ٢٩ سنة وقد بدأت أصلي منذ سن الرابعة والعشرين وما زلت ولله الحمد وأشكره على أن هداني. ولقد بادرت بقضاء ما علي من صلوات منذ أن كان عمري خمسة عشر عاما حسب طاقتي، ولكن اختلف رأي الناس فمنهم من يقول: لا يلزمك القضاء والتوبة كافية، ومنهم من يقول: يلزمك القضاء .. أرجو بيان الصواب (١)؟
ج: الصواب أنه لا يلزمك القضاء والتوبة النصوح كافية في ذلك وهي المشتملة على الندم على ما وقع منك والاستقامة على الصلاة والعزم الصادق ألا تعود إلى تركها لقول الله : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢) الآية، وقوله سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣) وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (٤) وقول النبي ﷺ : «الإسلام يهدم ما كان قبله والتوبة تهدم ما كان قبلها» وقوله ﵊: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
ونسأل الله أن يمنحك الفقه في الدين والثبات على الحق ونوصيك بصحبة الأخيار والحذر من صحبة الأشرار. تقبل الله توبتك وأحسن لنا ولك الختام.
стр. 73
س: ما يقول شيخنا الجليل فيمن لا يصلي ولا يصوم عمدا وبعد أن هداه الله وأناب إليه وبكى على إسرافه على نفسه، رجع يصلي ويصوم ويقوم بجميع العبادات هل يؤمر بقضاء الصلاة والصوم أم تكفيه الإنابة والتوبة (١)؟
ج: من ترك الصلاة والصيام ثم تاب إلى الله توبة نصوحا لم يلزمه قضاء ما ترك؛ لأن ترك الصلاة كفر أكبر يخرج من الملة وإن لم يجحد التارك وجوبها في أصح قولي العلماء، وقد قال الله : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢) الآية.
وقال النبي ﷺ : «الإسلام يهدم ما كان قبله، والتوبة تجب ما كان قبلها» (٣) والأدلة في هذا كثيرة؛ ومنها قوله سبحانه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٤)، وقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٥) الآية.
ومنها قوله ﷺ : «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (٦)، والمشروع للتائب أن يكثر بعد التوبة من الأعمال الصالحات، وأن يكثر من سؤال الله سبحانه الثبات على الحق وحسن الخاتمة. والله ولي التوفيق.
стр. 74
س: ما حكم من مات وهو لا يصلي، مع العلم أن أبويه مسلمان؟ وكيف تكون معاملته من ناحية التغسيل والتكفين والصلاة عليه والدفن والدعاء والترحم عليه؟ (١)
ج: من مات من المكلفين وهو لا يصلي فهو كافر، لا يغسل ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يرثه أقاربه، بل ماله لبيت مال المسلمين في أصح أقوال العلماء لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» (٢) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، ولقوله ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» (٣) أخرجه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح من حديث بريدة ﵁. وقال عبد الله بن شقيق العقيلي التابعي الجليل-رحمه الله تعالى-: (كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئا تركه كفر إلا الصلاة) (٤) والأحاديث والآثار في هذا المعنى كثيرة وهذا فيمن تركها كسلا ولم يجحد وجوبها، وأما من جحد وجوبها فهو كافر مرتد عن الإسلام عند جميع أهل العلم، نسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين ويسلك بهم صراطه المستقيم إنه سميع مجيب.
стр. 75
س: من الرياض أرسل إلينا رسالة ما حكم (ورقة توزع بين الناس)، وتتضمن حديثا منسوبا للنبي ﷺ وفيه: (من تهاون بالصلاة عاقبه الله بخمس عشرة عقوبة .. ) إلى آخر ما جاء في الورقة، ويسأل عن صحة ذلك الحديث (١).
ج: هذا الحديث مكذوب على النبي ﷺ ، لا أساس له من الصحة، كما بين ذلك الحافظ الذهبي ﵀ في (الميزان)، والحافظ ابن حجر في (لسان الميزان)، فينبغي لمن وجد هذه الورقة أن يحرقها، وينبه من وجده يوزعها؛ دفاعا عن النبي ﷺ من كذب الكذابين.
وفيما ورد في القرآن العظيم والسنة الصحيحة عن النبي ﷺ في تعظيم شأن الصلاة والتحذير من التهاون بها ووعيد من فعل ذلك ما يشفي ويكفي، ويغني عن كذب الكذابين، مثل قوله سبحانه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٣) وقوله سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٤) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وقول النبي ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» خرجه الإمام أحمد، وأهل السنن بإسناد صحيح، وقوله ﷺ : «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» أخرجه مسلم في صحيحه.