Полный текст (140 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فِي جلاب يُغير بِهِ المَاء فَوضع بَين يَدَيْهِ وَدخل إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم المصعبي وَجَاء وصيف فَاسْتَأْذن لجَماعَة من الْقُضَاة لأمر احْتِيجَ إِلَى حضورهم فِيهِ فَأذن المعتصم فِي دُخُولهمْ فَقَالَ لَهُ إِسْحَاق: لَا تَأذن لَهُم ثمَّ قَالَ لمارد الْخَادِم: أرفع هَذَا الشَّرَاب من بَين يَدي أَمِير الْمُؤمنِينَ فرفعه وَقَالَ لايتاخ: ايذن لَهُم الْآن فَدخل الْقَوْم ثمَّ خَرجُوا وَقَالَ إِسْحَاق لَا يتاخ ارْدُدْ شراب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَرده وَأنكر المعتصم فعله وَقَالَ لَهُ: مَا حملك على خلافي وَإِنَّمَا هُوَ جلاب أردْت تَغْيِير المَاء بِهِ فَقَالَ: مَا أردْت خِلافك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَكِنَّك الإِمَام الَّذِي يُقيم الْحُدُود ويغير الْمُنكر وَشَهَادَة هَؤُلَاءِ الْقُضَاة تضرب الْأَعْنَاق وبمشورتهم تعقد الْأُمُور وَلَو رَأَوْا الشَّرَاب بَين يَديك لم يقدم أحد على ان يَسْأَلك عَنهُ أَو يستشتك فِيهِ ولقال وَاحِد: جلاب وَقَالَ آخر: خمر فعدو يُحَقّق الظنة وَولي يدْفع ذَلِك وَقد قيل: ادْفَعْ مَا يريب إِلَى مَا لَا يريب قَالَ: أصبت يَا أَبَا الْحسن ووفقت
وَكَانَ مُحَمَّد بن عمر بن يحيى الْعلوِي حضر دَار الْمُطِيع رحمت الله عَلَيْهِ فِي أَيَّام شرف الدولة وَمَعَهُ نحرير الْخَادِم وَمُحَمّد بن الْحسن بن صالحان الْوَزير إِذْ ذَاك وَابْن الْخياط صَاحب
стр. 72
ديوَان الرسائل وَالْحسن بن مُحَمَّد بن نصر صَاحب ديوَان الْخَبَر والبريد وَكلهمْ بِالسَّوَادِ سوى مُحَمَّد بن عمر فَإِنَّهُ كَانَ ببياض فَخرج إِلَيْهِم مؤنس الفضلي الْحَاجِب وَقَالَ لمُحَمد بن عمر لَيْسَ هَذَا اللبَاس أَيهَا الشريف لِبَاس الدَّار وَلَا حضورك حُضُور من يُرِيد الْوُصُول فَقَالَ لَهُ: كَأَنَّك أنْكرت الْبيَاض قَالَ: نعم قَالَ: هَذَا زيي وزي آبَائِي قَالَ: مَا الْأَمر على هَذَا وَلَا رَأَيْت أحدا من أسلافك دخل هَذِه الدَّار إِلَّا بِالسَّوَادِ وَلَقَد حضر عمر بن يحيى
стр. 73
أَبوك عندنَا فِي أَيَّام الْمُطِيع لله رحمت الله عَلَيْهِ لتقرير أَمر الْحَاج وَمن يخرج مَعَه وَهُوَ بسواد اسود فَقَالَ: مَا معنى سَواد أسود قَالَ لَهُ: سَواد مصبوغ وإنني لأذكره وَقد عرق والسواد يجْرِي على جَبينه وَهُوَ يمسحه بشستجه فِي يَده قَالَ لَهُ مُحَمَّد بن عمر: فَمَا الَّذِي تريده أَيهَا الْحَاجِب قَالَ: ان تغير هَذِه اللبسة وَتفعل مَا جرت بِهِ الْعَادة قَالَ: أَو انْصَرف قَالَ: الِاخْتِيَار إِلَيْك وَقَامَ مُحَمَّد بن عمر وَنزل إِلَى زبزبة وَانْصَرف إِلَى دَاره ووجمت الْجَمَاعَة مِمَّا جرى وَعَجِبت مِنْهُ حَدثنِي بذلك عَليّ بن عبد الْعَزِيز بن حَاجِب النُّعْمَان.
وَمِمَّا يُنكر دُخُول الدَّاخِل إِلَى دَار الْخلَافَة بنعل أَو خف أَحْمَر ولالكة حَمْرَاء لِأَن الْأَحْمَر لِبَاس الْخَلِيفَة وَبعده الْخَوَارِج عَن الطَّاعَة وَاتفقَ ان دخل ابْن أبي الشَّوَارِب القَاضِي وَكَانَ من جلة الْقُضَاة وَمِمَّنْ يرجع بنسبه إِلَى بني أُميَّة دَار الْمُطِيع لله رحمت الله عَلَيْهِ بخف أَحْمَر وَرَآهُ المكني أَبَا الْحسن بن أبي عَمْرو الشرابي الْحَاجِب وَكَانَت بَينهمَا عَدَاوَة فَقَالَ لَهُ: تَأتي أَيهَا القَاضِي إِلَى خَليفَة آبَائِك فِي العناد والمباينة يَا غُلَام انْزعْ خفه وأعل بِهِ
стр. 74
رَأسه وتناوله من الْمَكْرُوه قولا وفعلا بِمَا اسرف فِيهِ وَعرف الْمُطِيع لله ذَلِك فَلم يُنكره وَانْصَرف ابْن أبي الشَّوَارِب إِلَى دَاره فاحتجب فِيهَا وَلم يخرج مِنْهَا حَيَاء وكمدا وَكَانَت وَفَاته عقيب هَذِه الْقِصَّة
وحَدثني إِبْرَاهِيم بن هِلَال جدي قَالَ حَدثنِي المكني أَبَا عَليّ الْحسن بن مُحَمَّد الانباري قَالَ: كنت أخط بَين يَدي دلوية الْكَاتِب وَهُوَ يتَوَلَّى كِتَابَة سَلامَة أخي نجح الملقب فِي أَيَّام القاهر بِاللَّه بالمؤتمن وسلامة إِذْ ذَاك حَاجِب القاهر بِاللَّه وَكنت أَجْلِس فِي دهليز بَاب الْخَاصَّة الَّذِي يَلِي دجلة من دَار السُّلْطَان فأخدم صَاحِبي فِيمَا يستخدمني فِيهِ فَإِنِّي لجالس مُتَعَلق على دكة هُنَاكَ إِذْ جعلت إِحْدَى رجْلي على الْأُخْرَى وَكَانَ بإزائي صديق لي من خلفاء الْحجاب يودني ودا شَدِيدا فَوَثَبَ إِلَى وَضرب رجْلي ضَرْبَة مؤلمة بعصا كَانَت فِي يَده فَقُمْت مذعورا فَقَالَ: يَا أَبَا عَليّ اعرف لي مَوضِع مسامحتي اياك وَوَاللَّه لَو ان هَاهُنَا من أَتَخَوَّف ان يرفع الْخَبَر لما قدرت على مسامحتك فَقلت: وَأي شَيْء انكرت مني وَبِأَيِّ شَيْء سامحتني فَقَالَ: نَحن مأمورون إِذا رَأينَا أحدا من النَّاس كلهم قد جلس فِي دَار السُّلْطَان هَذِه الجلسة الَّتِي جلستها وَوضع إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى بِأَن تجر رجله من مَوْضِعه حَتَّى
стр. 75
نخرجهُ من حَرِيم الدَّار ونهاني عَن المعاودة إِلَى ذَلِك وَعَن ان أكشف رَأْسِي أَو أتبذل أَو أمزح أَو أرفث فِي شَيْء من تِلْكَ الْمَوَاضِع فشكرته على مَا عاملني بِهِ وأرشدني إِلَيْهِ.
وحَدثني جدي: ان المكني أَبَا الْهَيْثَم حضر يَوْمًا فِي دَار عضد الدولة وَأخذ عمَامَته من رَأسه ووضعها بَين يَدَيْهِ وَرَآهُ بعض أَصْحَاب الْإِخْبَار فَكتب بِمَا كَانَ مِنْهُ وَخرج استاذ دَار فحزق بِهِ وَشَتمه وَأخذ الْعِمَامَة وَضرب بهَا رَأسه حَتَّى تقطعت قطعا ووكل بِهِ واعتقله فَسئلَ فِيهِ عضد الدولة وَقيل: هَذَا رجل محرور الرَّأْس وَلَا يَسْتَطِيع ترك الْعِمَامَة على رَأسه وانما فعل هَذَا لذاك لَا لجهل بأدب الْخدمَة فَبعد مراجعات مَا أَمر بِإِطْلَاقِهِ.
وَلَيْسَ للحاجب ان يقبل على أحد مِمَّن يكون السُّلْطَان معرضًا عَنهُ وَلَا ان يرضى عَمَّن يكون السُّلْطَان ساخطا عَلَيْهِ وَلَا ان يوليه من الْبر وَالْإِكْرَام مَا كَانَ يوليه من قبل وَلذَلِك فعل نصر القشوري الْحَاجِب بحامد بن الْعَبَّاس مَا فعل وَقد كَانَ وزر وَذَاكَ
стр. 76
ان حامدا لما خَافَ من عَليّ بن مُحَمَّد بن الْفُرَات فِي وزارته الثَّالِثَة أصعد من وَاسِط إِلَى بَغْدَاد مستترا وَدخل دَار السُّلْطَان بزِي الرهبان متنكرا وَاسْتَأْذَنَ على نصر القشوري فَلَمَّا أوصله إِلَيْهِ وَرَآهُ نصر لم يقم إِلَيْهِ وَلَا وفاه من الْحق مَا كَانَ يُوفيه أَيَّاهُ، لكنه قَالَ: إِلَى أَيْن جِئْت قَالَ: جِئْت بكتابك قَالَ: إِلَى هَذَا الْموضع كاتبتك بِأَن تَجِيء وَاعْتذر إِلَيْهِ من تَقْصِيره بِهِ، وَقَالَ لَا يمكنني مَعَ مَا أعرفهُ من تنكر الْخَلِيفَة عَلَيْك ان أتجاوز مَا وقفت عِنْده.
وَإِذا اتّفق يَوْم الموكب حضر حَاجِب الْحجاب بأكمل لِبَاسه من القباء الْأسود المولد والعمامة السَّوْدَاء وَالسيف والمنطقة وقدامه الْحجاب وخلفاؤهم وَجلسَ فِي الدهليز من وَرَاء السّتْر وَحضر الْوَزير وأمير الْجَيْش وَمن لَهُ رسم فِي حُضُور الموكب فَإِذا تَكَامل النَّاس راسل الْخَلِيفَة بِذَاكَ فَإِن أَرَادَ ان يَأْذَن الْإِذْن الْعَام خرج الْخَادِم الحرمي الرسائلي فاستدعى حَاجِب الْحجاب وَدخل وَحده حَتَّى يقف فِي الصحن وَيقبل الأَرْض ثمَّ يرسم لَهُ إِيصَال الْقَوْم على مَنَازِلهمْ فَيخرج وَيَدْعُو ولي الْعَهْد ان كَانَ فِي الْوَقْت ولي عهد وَأَوْلَاد الْخَلِيفَة ان كَانَ لَهُ ولد ثمَّ يدْخل الْوَزير
стр. 77
وَيَمْشي الْحجاب بَين يَدَيْهِ إِلَى ان يقرب من السرير فَإِذا قرب تَأَخَّرُوا عَنهُ وَيقدم الْوَزير بعد تَقْبِيل الأَرْض إِلَى ان يدنو من الْخَلِيفَة فَإِن شرفه بِمد يَده إِلَيْهِ، أَخذهَا وَقبلهَا وتراجع حَتَّى يقف عَن يمنه السرير على خمس أَذْرع مِنْهُ وَأدْخل بعده أَمِير الْجَيْش فَقبل الأَرْض ووقف يسرة السرير ثمَّ أَصْحَاب الدَّوَاوِين وَالْكتاب وأوصل القواد يقدمهم خلفاء الْحجاب على مَرَاتِبهمْ ودعوهم ووقفوا يَمِينا وشمالإ على رسومهم وَنُودِيَ ببني هَاشم وَمن يلبس الدنيات ويتقلد الصَّلَوَات فيقدمون إِلَى أول الْبسَاط ويسلمون ويقفون مفردين. ثمَّ يدعى الْقُضَاة فَيقدم مِنْهُم من يَلِي قَضَاء الْقُضَاة أَو قَضَاء الحضرة وَيَقَع الْإِذْن الْعَام حِينَئِذٍ فَيدْخل الْجند ويقومون صفّين بَين حبلين ممدودين فِي صحن السَّلَام جعل الْغَرَض مِنْهُمَا ان يمنعا من الازدحام والتضايق والاختلاط والتضاغط وان يُشَاهد الْخَلِيفَة من يدْخل بَينهمَا على بعد فَيعلم من هُوَ وَيكون ذَاك أروع وأهيب.
стр. 78
وَمن الرَّسْم ان يزم النَّاس فَلَا يسمع لَهُم صَوت وَلَا لغط
وحَدثني عَليّ بن عبد الْعَزِيز بن حَاجِب النُّعْمَان: ان عضد الدولة راسل الطائع لله عِنْد اسْتِقْرَار مَا اسْتَقر من الْخلْع عَلَيْهِ وتلقيبه تَاج الْملَّة والعهد إِلَيْهِ بِولَايَة الْأُمُور وَذَلِكَ فِي سنة سبع وَسِتِّينَ وثلثمائة وَقَالَ: أسأَل ان يكون دخولي دَار السَّلَام رَاكِبًا لأتميز تميزا يعرف بِهِ موضعي من زِيَادَة التكرمة وان يمد فِي وَجه الْخَلِيفَة ستارة لِئَلَّا يرَاهُ أحد قبل مثولي بَين يَدَيْهِ وَأَرَادَ بِهَذَا أَلا يرَاهُ النَّاس وَهُوَ يقبل الأَرْض فوعد بِمَا سَأَلَهُ وَعمل دون الْبَاب الَّذِي يدْخل مِنْهُ قطع بِأَجْر وطين فَلَمَّا دخل رَاكِبًا لم يُمكنهُ تجاوزه وَكَانَ تَرْتِيب الْأَمر ان جلس الطائع لله رحمت الله عَلَيْهِ على السرير فِي صدر السدلى من دَار السَّلَام فِي دست خَز أسود نَسِيج بِالذَّهَب وَحَوله من خدمَة الْخَواص نَحْو مائَة خَادِم بالزينة الْحَسَنَة والأقبية الملونة والمناطق وسيوف الحمائل المحلاة وبأيديهم الدبابيس والطبرزينات وَمن جَانِبي السرير الخدم الشُّيُوخ الصقالبة المطيعية وَمِنْهُم: خَالص وطريف وَبدر وأهيف وسابور
стр. 79
ورياض ومواهب وصلف إِلَى من دونهم وَفِي أَيْديهم الْمُذَاب وَبَين يَدَيْهِ مصحف عُثْمَان رحمت الله عَلَيْهِ وعَلى كَتفيهِ الْبردَة وَبِيَدِهِ الْقَضِيب وَهُوَ متقلد لسيف رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَعَلِيهِ ثِيَاب سود وعَلى رَأسه رصافية وَضربت على الأساطين الْوُسْطَى ستارة ديباج أنفذها عضد الدولة لتَكون حِجَابا للطائع لله حَتَّى لَا تقع عَلَيْهِ عين لأحد من الْجند قبله ومدت الحبال فِي صحن السَّلَام على أعمدتها وَسبق الديلم والأتراك إِلَى الدُّخُول من غير ان يكون مَعَ أحد مِنْهُم حَدِيدَة فضلا عَن غَيرهَا ووقف الديلم من الْجَانِب الْأَيْسَر والأتراك من الْجَانِب الْأَيْمن، والأشراف والقضاة وَأَصْحَاب الْمَرَاتِب فِي الصحن دون الأساطين من الْجَانِبَيْنِ على مَرَاتِبهمْ وحجاب الْخَلِيفَة إِذْ ذَاك مؤنس الفضلي ووصيف وَأحمد بن نصر العباسي وخلفاؤهم ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ وجميعهم بالأقبية السود
стр. 80
المولدة وَالسُّيُوف والمناطق المشمرة وحجاب عضد الدولة قيام فِي مقدم الحبال من الْجَانِبَيْنِ ثمَّ أُوذِنَ الطائع لله لعضد الدولة فَأذن لَهُ فحين أحسن بِدُخُولِهِ الصحن أَمر بِرَفْع الستارة فَرفعت وَوَقع طرفه على عضد الدولة فَقَالَ لَهُ مؤنس ووصيف وَقد تلقياه ومشيا بَين يَدَيْهِ: قد رآك أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقبل الأَرْض فَفعل وأخذا بعضديه وَكرر ذَلِك مرَارًا إِلَى ان قرب مِنْهُ وَمن جانبيه المطهر بن عبد الله وَعبد الْعَزِيز بن يُوسُف ووراءه جِبْرِيل بن مُحَمَّد ومُوسَى ودرنتا شيري وَالْحسن بن إِبْرَاهِيم وأسفار بن كردويه وزيار بن شهراكويه وَمُحَمّد بن الْعَبَّاس ووكيد بن سُلَيْمَان فَقيل ان زيار بن شهراكويه أكبر تَقْبِيل عضد الدولة الأَرْض وَقَالَ: هَذَا هُوَ الله وسَمعه عضد الدولة فَقَالَ لعبد الْعَزِيز بن يُوسُف: عرفه انه خَليفَة الله فِي أرضه وَوصل عضد الدولة إِلَى بَاب السدلي بَين السماطين وَمَا يَتَحَرَّك أحد مِمَّن وَرَاء الحبلين وَكَانَ مرجان الْخَادِم وَاقِفًا فِي الصحن وَبِيَدِهِ قَوس جلاهق حَتَّى إِذا طَار غراب أَو نعب رَمَاه وَمنعه وَلما انْتهى عضد الدولة إِلَى بَاب السدلى الْتفت الطائع لله إِلَى خَالص وَقَالَ لَهُ: استدنه فصد عضد الدولة العتبة وَقبل الأَرْض دفعتين فِي عرض السدلى وَقَالَ لَهُ الطائع: أدن
стр. 81
إِلَيّ فَدَنَا وأكب على تَقْبِيل يَده وَرجله فَثنى الطائع عَلَيْهِ يَمِينه وَكَانَ بَين يَدي سَرِيره مِمَّا يَلِي الْجَانِب الْأَيْمن الْكُرْسِيّ المربع المغشى بالأرمني برسم جُلُوس الْأُمَرَاء فَقَالَ لَهُ: أَجْلِس فَأَوْمأ وَلم يفعل حَتَّى قَالَ لَهُ: أَقْسَمت عَلَيْك لتجلسن فَقبل الْكُرْسِيّ وَجلسَ وَقَالَ لَهُ الطائع: مَا كَانَ أشوقنا إِلَيْك وأتوقنا إِلَى مفاوضتك فَقَالَ: عُذْري ظَاهر بِحَضْرَة مَوْلَانَا فَقَالَ نيتك موثوق بهَا وعقيدتك مسكون إِلَيْهَا فأموأ بِرَأْسِهِ وَقَالَ الطائع لله: قد رَأَيْت ان أفوض إِلَيْك مَا وَكله الله ﵎ إِلَيّ من أُمُور الرّعية فِي شَرق الأَرْض وغربها وتدبيرها فِي جَمِيع جهاتها سوى خاصتي واسبابي وَمَا تحويه دَاري فتول ذَلِك مستخيرا لله فِيهِ فَقَالَ عضد الدولة: يُعِيننِي الله على طَاعَة مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وخدمته ثمَّ قَالَ عضد الدولة: أُرِيد المطهر وَعبد الْعَزِيز بن يُوسُف ووجوه القواد الَّذين دخلُوا معي ليسمعوا لفظ أَمِير الْمُؤمنِينَ بِمَا شرفني بِهِ وَكَانُوا قد وقفُوا صفا وَاحِدًا دون العتبة بَين سماطي أَصْحَاب الْمَرَاتِب فأدنوا وَقَالَ الطائع: وهاتوا الْحُسَيْن بن مُوسَى وَمُحَمّد بن عمر وَابْن مَعْرُوف وَابْن أم شَيبَان والزينبي فقربوا وتكللوا وَرَاء عضد الدولة وَأعَاد الطائع لله
стр. 82
القَوْل فِي التَّفْوِيض إِلَيْهِ والتعويل عَلَيْهِ ثمَّ الْتفت إِلَى طريف الْخَادِم فَقَالَ: يَا طريف: تفاض عَلَيْهِ الْخلْع ويتوج فَنَهَضَ عضد الدولة وَحمل إِلَى الرواق الَّذِي يَلِي السدلي وَدخل مَعَه عبد الْعَزِيز بن يُوسُف وخرشيد بن زيار بن مافنة الخازن وَأَرْبَعَة نفر من الثيابيين وألبس الْخلْع وَعصب عَلَيْهِ التَّاج وأرخيت إِحْدَى ذؤابتيه الْمَنْظُومَة بالجوهر الْجَلِيل الفاخر وَعَاد يتهادى من ثقل مَا عَلَيْهِ من الْخلْع والحلى فَأَوْمأ ليقبل الأَرْض وَلم يسْتَطع فَقَالَ لَهُ الطائع لله: حَسبك حَسبك وَأمره بِالْجُلُوسِ على الْكُرْسِيّ وَجلسَ ثمَّ استدعى الطائع لله من مؤنس الفضلي تَقْدِيم ألويته وَكَانَ ذَلِك إِلَيْهِ فَقدم اللواءين أَحدهمَا على الْمشرق وَالْآخر على الْمغرب فاستخار الطائع لله الله ﵎ وَصلى على رَسُوله وعقدهما وأعادهما إِلَى يَد مؤنس ثمَّ قَالَ: يقْرَأ كِتَابه فقرأه عبد الْعَزِيز بن يُوسُف فَلَمَّا فرغ مِنْهُ قَالَ لَهُ الطائع لله: خار الله لنا وَلَك وللمسلمين آمُرك بِمَا أَمرك الله بِهِ وانهاك عَمَّا نهاك عَنهُ وَأَبْرَأ إِلَى الله مِمَّا سوى ذَلِك انهض على اسْم الله وادن إِلَيّ فَدَنَا إِلَيْهِ وَأخذ الذؤابة المرخاة فعقدها على التَّاج فِي مَوضِع كَانَ قد أعد لعقدها وَذَلِكَ لمسألة تقدّمت من عضد الدولة وموافقة ثمَّ أَخذ الطائع لله سَيْفا كَانَ بَين المخدتين اللَّتَيْنِ تليانه بجفن أسود وَحلية فضَّة فقلده اياه مُضَافا إِلَى السَّيْف الَّذِي قَلّدهُ مَعَ الخلعة فَلَمَّا أَرَادَ عضد الدولة ان ينْصَرف راسل الطائع لله وَقَالَ: إِنِّي اتطير ان أرجع على عَقبي وأسأل ان يتَقَدَّم بِفَتْح هَذَا الْبَاب لي وَأَوْمَأَ إِلَى الْبَاب الدواري المنفتح من السدلي إِلَى الحدائق وَكَانَ للحدائق بَاب ينفتح إِلَى دجلة فَأذن فِي ذَلِك قَالَ ابْن حَاجِب النُّعْمَان: وشوهد فِي الْحَال نَحْو
стр. 83
ثلثمِائة صانع قد أعدُّوا حَتَّى هيئ للْفرس مسقال قدم عَلَيْهِ إِلَيْهِ والطائع لله يرَاهُ وَركب وَسَار وَحده رَاكِبًا وَسَائِر الْجَيْش يَمْشُونَ فِي طول الرقة بَين الشوك والدغل إِلَى ان خرج من بَاب الْخَاصَّة ثمَّ ركب القواد والجند من هُنَاكَ وَسَار فِي الْبَلَد.
فَأَما مَرَاتِب النُّزُول وَالرُّكُوب من الدّور والأبواب فلهَا حُدُود يعرفهَا البوابون وَيَأْخُذُونَ النَّاس بِالْوُقُوفِ عِنْدهَا وَترك تجاوزها وعَلى خلفاء الْحجاب والبوابين ان يمنعوا الْجند من دُخُول الدَّار بسلاح إِلَّا من كَانَ برسمها من الخدم والغلمان الدارية وَمن أذن لَهُ فِي ذَاك وَأُرِيد مِنْهُ وَلَيْسَ لأحد ان يجلس فِي دَار الْخلَافَة على كرْسِي إِلَّا حَاجِب الْحجاب وأمير الْجَيْش.
стр. 84
ولمسايرة الْخُلَفَاء فِي المواكب أدب
حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن هِلَال جدي فِيهِ بِمَا قَالَ: حَدثنِي سِنَان بن ثَابت جدي قَالَ: كَانَ وَالِدي ثَابت من أعرف النَّاس برسوم خدمَة الْخُلَفَاء فَكنت أرَاهُ فِي أَسْفَاره مَعَ المعتضد بِاللَّه صلوَات الله عَلَيْهِ إِذا استدعاه إِلَى مسايرته وَأمره بمحادثته يخرج عَلَيْهِ فِي المسايرة حَتَّى يكون كالسابق لَهُ قَلِيلا فَظَنَنْت أَولا انه فعل ذَلِك سَهوا إِلَى ان كثر كَثْرَة علمت بهَا انه متعمد لَهُ فَسَأَلته عَن السَّبَب فِيهِ فَقَالَ لي: يَا بني ان من الإدب الْمَأْخُوذ على من أَهله الْخَلِيفَة لمسايرته ومطاولته فِي مواكبه ان يكون مركوبه مُخْتَارًا سليما من المعايب الَّتِي تعرض فِي المسايرة فَإِنَّهُ ان كَانَ كثير اللعاب أَو كثير الْعَبَث بِرَأْسِهِ أَو مداوما للصهيل والشغب أَو مُعْتَادا للحران والتحصن لم يصلح ان يُسَايِر الْخَلِيفَة على مثله وَلأَجل ذَاك يخْتَار الإتباع مسايرة رُؤَسَائِهِمْ على البغلات الطاهرات الْأَخْلَاق نعم وَمن أدب المسايرة للخلفاء والكبراء ان يكون التَّابِع سائرا من تَحت الرّيح ليَكُون الرئيس فِي أَعْلَاهُ فَلَا يتَأَذَّى بالغبار الَّذِي يثيره الْحَافِر وَلَا بروائح الروث وان يَأْخُذ أَيْضا الْجَانِب الَّذِي يُقَابل الشَّمْس ليَكُون الْخَلِيفَة والرئيس الَّذِي يسايره مستدبرا لَهَا وان يخرج عَلَيْهِ فِي المسايرة شَيْئا يَسِيرا كَمَا تراني أفعل ليَكُون هُوَ الملتفت إِلَيْهِ وَلَا يكلفه الِالْتِفَات حَتَّى إِذا انْقَضى مَا يُخَاطب فِيهِ وَأَرَادَ التباعد عَنهُ تقدم وَكَانَ فِي أَوَائِل موكبه مَتى احْتَاجَ إِلَيْهِ استدعاه من أَمَامه وَلم يتجشم التَّوَقُّف على انْتِظَاره.
стр. 85
وَكَانَ عضد الدولة عِنْد قدومه إِلَى الحضرة فِي سنة أَربع وَسِتِّينَ وثلثمائة وانهزام الأتراك المعزية وَخُرُوج الطائع رحمت الله عَلَيْهِ مَعَهم وخلو دَار الْخلَافَة أحب ان يشاهدها ويستقرئ أبنيتها ومجالسها ودورها وصحونها ودواخلها وغوامضها فَصَارَ إِلَيْهَا وطافها موضعا موضعا وَبَين يَدَيْهِ مؤنس الفضلي الْحَاجِب يرِيه شَيْئا شَيْئا ويعرفه مَكَانا مَكَانا حَتَّى إِذا انتهي إِلَى دَار السِّرّ المرسومة بِالْحرم وقف مؤنس وَقَالَ هَذَا أَيهَا الْملك مَوضِع مَا طرقه فَحل غير الْخُلَفَاء وَالْأَمر أَمرك فِي دُخُوله أَو تَركه على مَا جرى بِهِ رسمه فَقَالَ: ارْجع بِنَا عَنهُ وتجاوزه وَلم يدْخلهُ فَكَانَ أدب مؤنس فِي الْوُقُوف الَّذِي وَقفه أفضل أدب وَفعل عضد الدولة فِي الْعُدُول عَنهُ أحسن فعل.
وأياك مُرَاجعَة السُّلْطَان قولا عِنْد التغضب واستكراهه على اللين اثر التصعب فَإِن المحاجة دَاعِيَة اللجاجة والحرص على الصّلاح فِي غير أَوَانه باعث على قُوَّة الْفساد وتطاول زَمَانه وَعَلَيْك بِالصَّمْتِ عِنْد الفورة والحصر عِنْد النعرة واجتهد فِي الْبعد عَن عيانه عِنْد بَوَادِر لَفظه وشوارق غيظه وانتظر فِي ايراد عذرك وان كنت واثقا بِهِ سُكُون صَدره من توهجه وخلو قلبه من توقده ثمَّ أت بِهِ لطيفا يكون غرضك فِيهِ زَوَال الشُّبْهَة لَا الإدلال بِبَرَاءَة الساحة فَإِن الْعذر الْخَالِي من اللطف شَرّ من الذَّنب الْخَالِي من الْعذر واسلك فِي الاستعطاف سَبِيل الرِّفْق من غير إكثار فِي المعاودة وَلَا كد بالشفاعة فالعود على مَحْمُود الْعَاقِبَة مَا كَانَ عَن نِيَّة طَائِعَة وأرادة صَادِقَة وَأحذر زلات قَوْلك وفلتاته وعاص مَا يتملكك من شهواته ولذاته وَاجعَل جوابك عَمَّا تراعى عواقبه وَتخَاف بوائقه إِشَارَة لَا إفصاحا
стр. 86
وتعليلا لَا إغراقا فَإنَّك على قَول لم تقله أقدر مِنْك على رد مَا قلته وَاحْتمل هجنة العي فِي هَذَا الْمقَام فانها هجنة مَأْمُونَة وان لم تكن على الْحلم مَحْمُولَة لم تكن إِلَى الْعَجز معدولة وَقيل لأرسطاطاليس: مَا أصعب شَيْء على الانسان قَالَ: الصمت وَاحْذَرْ عِنْد لِقَاء سلطانك انبساط الدَّالَّة أَو انقباض الهيبة فَإِن ذَاك يَدْعُو إِلَى الاسترسال فِيمَا يجب التَّحَرُّز مِنْهُ وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى الْإِخْلَال بِمَا يجب الْقيام بِهِ وَكن فِي الْأَمريْنِ متوسطا وَمن عَثْرَة الهجوم وغفلة الإحجام متحفظا وَلَا تعول لصاحبك وكفايتك على الِاعْتِذَار فَقل عَاجز إِلَّا وَله عذر يصوغه وَقل كَاف إِلَّا وَله عائق يعوقه وَإِنَّمَا تتبين الكفاة فِي مغالبة الْعَوَائِق ومعاصاة الْمَوَانِع وَاحْذَرْ ان يوردك موارد المزح إِلَى مَا يغِيظ السُّلْطَان مِنْك وَاجعَل حِكَايَة مَا تحكيه لَهُ وَإِشَارَة مَا تضحكه بِهِ عائدتين عَلَيْك دونه وَلَا يحملك مَا ترَاهُ من ضحكة على الإستمرار فِيمَا حذرك مِنْهُ فَرُبمَا أظهر قبولا من وَرَاء تكره ورضى من أثْنَاء تسخط
وَمَتى أَعْطَاك برا فَلَا تستقصره أَو أولاك فضلا فَلَا تستصغره ودع الشكوى فَإِنَّهَا ثَقيلَة على السُّلْطَان والإلحاح فانه من اكبر دواعي الحرمان وَعَلَيْك بالشكر فَإِنَّهُ مَادَّة للإحسان وَالصَّبْر فَإِنَّهُ عدَّة للانسان وَكن أَصمّ عَمَّا تسمعه وأعمى عَمَّا تلحظه وكتوما لما تستحفظه وأمينا على مَا تحضره وَلَا تدخل فِي سر كَانَ مطويا عَنْك وَلَا تنصت إِلَى قَول كَانَ مَسْتُورا مِنْك.
وحَدثني إِبْرَاهِيم بن هِلَال جدي قَالَ: حَدثنِي هِلَال أبي قَالَ: حَدثنِي إِبْرَاهِيم ابي قَالَ: كنت وَاقِفًا بَين يَدي المكتفي بِاللَّه صلوَات الله عَلَيْهِ وَهُوَ يفاوضني فِي بعض الْأُمُور إِذْ جرى ذكر ثَابت بن قُرَّة وسلامة طرائقه وَمَا كَانَ فِيهِ من أدب النَّفس فحدثنا خَادِم رومي كَانَ وَاقِفًا بَين يَدَيْهِ وأسماه وانسيت اسْمه قَالَ: دخلت إِلَى
стр. 87
المعتضد بِاللَّه صلوَات الله عَلَيْهِ لأخاطبه بسر كَانَ يراعيه من أَمر حرمه وَهُوَ يحادث ثَابتا ويشاوره فَبَدَأت أخاطبه بالرومية وَكَانَ المعتضد عَارِفًا بهَا فَخرج ثَابت مبادرا ورده المعتضد بِاللَّه وَقَالَ لَهُ: لم خرجت قبل ان يَنْقَطِع الْكَلَام بيني وَبَيْنك فَقَالَ: لانني أحسن الْكَلَام بالرومية وكرهت ان اسْمَع من سر أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا اعْتمد الْمُتَكَلّم بِهِ كِتْمَانه عني فَاسْتحْسن هَذَا الْفِعْل مِنْهُ وَزَاد استرجاحه إِيَّاه.
стр. 88
جُلُوس الْخُلَفَاء وَمَا يلبسونه فِي المواكب ويلبسه الداخلون عَلَيْهِم من الْخَواص وَجَمِيع الطوائف
الَّذِي جرت بِهِ الْعَادة ان يكون جُلُوس الْخَلِيفَة على كرْسِي مُرْتَفع فِي دست كَامِل أرمني أَو خَز وان يكون فرش جَمِيع الْمجَالِس أرمنيا فِي صيف وشتاء وَيكون لِبَاسه قبَاء مولدا اسود أما مصمتا أَو ملحما أَو خَزًّا فَأَما الديباج والسقلاطون أَو المنقوش فَلَا وَيجْعَل على رَأسه معممة سَوْدَاء رصافية ويتقلد سيف النَّبِي (صلى الله عَلَيْهِ) وَيجْعَل بَين مخدتي الدست عَن يسَاره سَيْفا آخر ويلبس خفا أَحْمَر وَيَضَع بَين يَدَيْهِ مصحف عُثْمَان رحمت الله عَلَيْهِ الْمَوْجُود إِذْ ذَاك فِي الخزائن
стр. 89
وعَلى كَتفيهِ بردة النَّبِي ويمسك بِقَضِيبِهِ وَيقف الغلمان الدارية والخدم الْخَاصَّة والبرانية من خلف السرير وحواليه متقلدين بِالسُّيُوفِ وَفِي أَيْديهم الطبرزينات والدبابيس وَيقوم من وَرَاء السرير وجانبيه خدم صقالبة يَذبُّونَ عَنهُ بالمذاب المقمعة بِالذَّهَب وَالْفِضَّة ويمد فِي وَجهه ستارة ديباج إِذا دخل النَّاس رفعت وَإِذا أُرِيد صرفهم مدت ورتب فِي الدَّار وبحيث يقرب من الْمجْلس خدم بِأَيْدِيهِم قسي البندق يرْمونَ بهَا الْغرْبَان والطيور لِئَلَّا ينعب ناعب أَو يصوت مصوت.
فَأَما العباسيون من أَرْبَاب الْمَرَاتِب فزيهم السوَاد بالأقبية المولدة والخفاف وَلَهُم منَازِل فِي شدّ المناطق وَالسُّيُوف وتقلدها اللَّهُمَّ إِلَّا ان يكون مِنْهُم من قد ارتسم بِالْقضَاءِ فَلهُ ان يلبس الطيلسان وَأما قُضَاة الحضرة وَمن أهل للسواد من قُضَاة الْأَمْصَار والبلاد فبالقمص والطيالسة والدنيات والقراقفات وَقد تركت الدنيات والقراقفات فِي زَمَاننَا وَعدل إِلَى العمائم السود المصقولة وتطرف قوم فلبسوا الْقصب والخز الْأسود وَلَا أرى الْقصب إِلَّا ان يكون بِغَيْر طرز وَأما أَوْلَاد الانصار فبالثياب والعمائم الصفر وَلم يبْق مِنْهُم فِي هَذَا الْعَصْر كَبِير أحد.
стр. 90
وَأما الْأُمَرَاء والقواد فبالأقبية السود من كل صنف والعمائم على هَذَا الْوَصْف وَفِي أَرجُلهم الجوارب واللالكات السود مشدودة بالزنانير هَذَا حكمهم يُرَاعى أمره فَأَما من سواهُ فممنوعون من السوَاد محمولون على اختيارهم فِي الإلوان مَا خلا الإسترسال والتبذل وَترك القانون الأول.
стр. 91
خلع التَّقْلِيد وَالْولَايَة والتشريف والمنادمة
الَّذِي جرت بِهِ الْعَادة فِي خلع أَصْحَاب الجيوش وولاة الحروب: عِمَامَة مصمتة سَوْدَاء وَسَوَاد مصمت بجربان مبطن الْأَسْفَل مِنْهُ وَسَوَاد آخر مصمت بِغَيْر جربان وخز سوسي أَحْمَر ووشي مَذْهَب وملحم أَو مصمت خجي وقباء دبيقي وَسيف احتباء أَحْمَر حليته فضه بَيْضَاء وقبيعته على الْقَائِم طبرزينته وعَلى جفْنه فلك فضَّة وعَلى حمائله مثلهَا وحف أَبُو الْعَبَّاس وَرَاءه والحملان دَابَّة بسرج عَرَبِيّ رَكبه مربعة
стр. 92
ومركبه على الإختيار وَزيد أَصْحَاب الْفتُوح والآ ثار الطوق والسوارين وَالسيف والمنطقة وَصَارَ ذَلِك رسما لأمراء الحضرة فَلَمَّا ورد عضد الدولة وَملك الْعرَاق خلعت عَلَيْهِ الْخلْع الْمَذْكُورَة ورصع السواران والطوق بالجوهر وَترك على رَأسه التَّاج المرصع بالذوائب الْمَنْظُومَة بالجواهر وَقد كَانَ فعل ذَلِك بالافشين فِي أَيَّام المعتضد بِاللَّه وببدر المعتضدي فِي أَيَّام المكتفي بِاللَّه ومؤنس فِي أَيَّام المقتدر بِاللَّه وبابن يلبق فِي أَيَّام القاهر بِاللَّه وببجكم فِي أَيَّام الراضي بِاللَّه وبتوزون فِي أَيَّام المسكتفي بِاللَّه رحمت لله على الْخُلَفَاء الرَّاشِدين.
وأضيف لعضد الدولة إِلَى اللِّوَاء الْأَبْيَض الَّذِي جرت بِهِ الْعَادة لأمراء الجيوش اللِّوَاء الْمَذْهَب الْمَخْصُوص كَانَ بولاة العهود وَقيل إِن أَحدهمَا
стр. 93
على الْمشرق وَالْآخر على الْمغرب وَحمل على فرس بمركب ذهب وجنب بَين يَدَيْهِ مثله ولقب تَاج الْملَّة مُضَافا إِلَى عضد الدولة فَكَانَ أول من تلقب بلقبين من الْأُمَرَاء وَقُرِئَ عَهده على الْمَلأ بِحَضْرَة الطائع لله وَكَانَت العهود من قبل تسلم إِلَى أَصْحَابهَا بِحَضْرَة الْخَلِيفَة وَيَقُول لَهُ: هَذَا عهدي إِلَيْك فاعمل بِهِ فَأَما اللِّوَاء فَيكون من حَرِير أَبيض وَيكْتب على أحد جانبيه بالحبر (لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ خَالق كل شَيْء وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير) ويبيض مَوضِع العقد فِي الْوسط وَفِي الْجَانِب الآخر: (مُحَمَّد رَسُول الله أرْسلهُ بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الَّذين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ) الْقَائِم بِأَمْر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ.
وَأما حَدِيدَة اللِّوَاء فَيكْتب عَلَيْهَا من جَانب: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم لعبد الله عبد الله ابْن جَعْفَر الإِمَام الْقَائِم بِأَمْر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ أيده الله (فَسَيَكْفِيكَهُم الله وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم) وَمن الْجَانِب الآخر (ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوي عَزِيز الَّذين إِن مكناهم فِي الأَرْض أَقَامُوا الصَّلَاة وَأتوا الزَّكَاة وَأمرُوا بِالْمَعْرُوفِ ونهوا عَن الْمُنكر وَللَّه عَاقِبَة
стр. 94
الْأُمُور) .
وَأما خلع الْوَزير فَمثل الثِّيَاب الْمَذْكُورَة من غير صياغة والحملان شَهْري بمركب مَذْهَب.
وَأما خلع المنادمة فَكَانَت عِمَامَة وشي مذْهبه وغلالة ومبطنة ودراعة دبيقية وَتحمل مَعَ المخلوع عَلَيْهِ التحايا وَالطّيب.
وحَدثني عَليّ بن عبد الْعَزِيز بن حَاجِب النُّعْمَان قَالَ: لما خلع الطائع رحمت الله عَلَيْهِ على عضد الدولة ولقبه تَاج الْملَّة حمل إِلَيْهِ فِي الْيَوْم الثَّالِث قلنسوة وشي مَذْهَب مجالسية وفرجية
стр. 95
وشي كوفية مثقلة وغلالة قصب فِي منديل دبيقي وصينية ذهب وَزنهَا ثَمَانِي مائَة مِثْقَال ومغسل ذهب وَزنه مِائَتَا مِثْقَال وخرداذيا بلورا فِيهِ شراب تفاح نَاقص عَن ملئة كَأَنَّهُ مشروب مِنْهُ وعَلى فَم الخرداذي خرقَة حَرِير مشدودة بشرابة مختومة وكأسا وكوزا بسلسلة فِي صَدره بلورا وصينية أُخْرَى وَزنهَا خمس مائَة مِثْقَال فِيهَا خمس بنفسجيات ذَهَبا مشبكا مبطنة بِالْفِضَّةِ وَبَين الذَّهَب المشبك والبطانة الْفضة ند وفيهَا خمس شمامات مبخرة وصينية ذهب ثَالِثَة وَزنهَا خمس مائَة مِثْقَال فِيهَا خمس قطع بلورا فِي غلف خيزران من قحف وكوب
стр. 96
ونصفية وثلثية ونافج ودستا ديباجا حموليا منسوجا بِالذَّهَب كَامِلا بمساورة وَعَلِيهِ اسْم الْمُطِيع لله رحمت الله عَلَيْهِ غير محشو وسبذة فقاع فِيهَا عشرُون كوزا بلورا مَمْلُوءَة مَاء ورد وعَلى رؤوسها الْحَرِير الملون والطارمة الساج الْكُبْرَى المعتضدية فَمَا وصل ذَلِك إِلَى عضد الدولة سر بِهِ سُرُورًا شَدِيدا وَقَالَ: كنت أوثر ان يكون الدست محشوا ومحمولا فِي الْأَسْوَاق لتتبين فخامته وموقع التشريف بِهِ.
وَقد كَانَ الطائع لله أحضر مُحَمَّد بن بَقِيَّة دَاره وَأَجْلسهُ على طعامة وخلع عَلَيْهِ ازار قصب ودراعة دبيقية وسراويلا دبيقيا بتكة ابريسم وَحمل مَعَه عِنْد انْصِرَافه صينية فضَّة فِيهَا طيب.
وَكَانَ لخلع الولايات من قبل مَرَاتِب ثَلَاث فأعلاها: قِيمَته ثلثمِائة
стр. 97
دِينَار وأوسطها مائَة دِينَار وأقلها ثَلَاثُونَ دِينَارا وَقد تجاوزت الْحَال الْآن ذَاك بِمَا أضيف من الصياغات وَلم تجر الْعَادة فِي حملان السُّلْطَان ان يكون بغالا وَلَا بجناغ وَلَا بكنبوش بل تكون الدَّوَابّ مكشوفة إلاكفال وَلَا ان تخلع على أحد من حَوَاشِي المخلوع عَلَيْهِ مَعَه.
стр. 98
مَا يخْدم بِهِ الْخَلِيفَة عِنْد التَّقْلِيد والتشريف بالتكنية واللقب
لم يكن ذَاك من قبل وَإِنَّمَا كَانَت التَّفْرِقَة تقع على حَوَاشِي الدَّار فَلَمَّا تَغَيَّرت الْأَحْوَال وَضَاقَتْ الْموَاد وَقصرت الإموال جعل من الرَّسْم ان يخْدم الْمولى أَو الملقب الخزائن بِمَا تمكنه الْخدمَة بِهِ على التجمل وَالزِّيَادَة فِيهِ من مَال وَثيَاب وَطيب وآلات وَيُعْطى مَعَ ذَاك الْكتاب والحواشي مَا يسْلك فِيهِ هَذِه السَّبِيل.
فَأَما من تقدم من أُمَرَاء بني بويه ﵃ فَلَا أعلم تَفْصِيل مَا حملوه لَكِن عَليّ بن عبد الْعَزِيز بن حَاجِب النُّعْمَان حَدثنِي: ان عضد الدولة حمل إِلَى الطائع عقيب الْخلْع عَلَيْهِ فِي سنة سبع وَسِتِّينَ وثلثمائة وتلقيبه اياه بتاج الْملَّة وَبعد انفاذ الطائع لله إِلَيْهِ مَا انفذه من الخلعة المجالسية وَمَا اقْترن بهَا من الألطاف والتحايا والصواني والدست والطارمة على يَد خرشيد بن زيار بن مافنة الخازن وَمَا حمل على خمس مائَة حمال وَكَانَ خمسين ألف دِينَار عمانية فِي عشرَة أكياس ديباجا ألوانا مختومة على الاشريجات الْفضة وَألف ألف دِرْهَم فِي مِائَتي كيس وَخمْس مائَة ثوب اصنافا بَين ثوب ديباج
стр. 99
ملكي قِيمَته مِائَتَا دِينَار وَإِلَى ثوب أَبيض صبغ أرضه قِيمَته نصف دِينَار وَثَلَاثِينَ صينية فضَّة مذهبَة وَغير مذهبَة فِيهَا العنبر والمسك الفتيق والنوافج والكافور والند وتحايا العجن وَالْعود الْهِنْدِيّ والمغلي وَالْقطع وَعشْرين صينية مدهونة فِي عشر مِنْهَا الْعود الصنفي وَفِي عشر السك الاقراص وَالْمذهب من التماثيل والبنك الْمُخَير والصندل النفاح
стр. 100
والاترج ونصلين هنديين ودستين ديباجا تستريا أَحدهمَا أَزْرَق وَالْآخر ممزج وَعشرَة أَفْرَاس شهاري مِنْهَا شهريان بمركبين ذَهَبا وَثَلَاثَة بمراكب فضَّة مذهبَة وَخَمْسَة بِجلَال قرمز وَعشر بغلات مِنْهَا اثْنَتَانِ للسرج وثمان للعمارية والآكف بالآتها وَعشرَة أرؤس جمالا مكسوة.
وَحمل صمصام الدولة وشرفها وبهاؤها عِنْد إفضاء الْأَمر إِلَيْهِم وَوُقُوع الْخلْع عَلَيْهِم مَا لَا احصر أصنافه ومقاديره لكنه جملَة كَبِيرَة فَإِنَّهُ كَانَ وَالْأَمْوَال موفورة والخزائن مَمْلُوءَة وَآخر ذَاك مَا حمله
стр. 101
سُلْطَان الدولة من فَارس بوساطة مُحَمَّد بن عَليّ بن خلف وعَلى يَد عَليّ بن مُحَمَّد الزَّيْنَبِي فانه انفذ عشرَة آلَاف دِينَار بدرية وَألف دِرْهَم خماسية وصندوقين مملوءين ثيابًا وطيبا وَثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم لِابْنِ حَاجِب النُّعْمَان وَأعْطى الزَّيْنَبِي وَكَانَ مُحَمَّد بن عَليّ بن خلف انفذه من الأهواز لاستدعاء ذَاك ألف دِينَار بدرية وَعشْرين قِطْعَة ثيابًا وَحمله على فرس بمركب ذهب وَلما أَرَادَ أَمِير الْمُؤمنِينَ الْقَادِر بِاللَّه صلوَات الله عَلَيْهِ الْجُلُوس لقِرَاءَة الْكتاب بالعهد والألقاب أنفذ ابْن خلف إِلَى الدَّار العزيزة فروشا وستورا كَثِيرَة جليلة ورد ذَاك عِنْد انْقِضَاء الْمجْلس فَأَعَادَهُ ابْن خلف وَقَالَ: إِنَّمَا حَملته خدمَة لَا عَارِية.
стр. 102
رسوم المكاتبات عَن الْخُلَفَاء فِي صدورها وعنواناتها والأدعية فِيهَا وَمَا يُعَاد مِنْهَا فِي أواخرها
من رسوم الْكتب عَن الْخُلَفَاء وإليهم ان تكون بأوضح خطّ وأفصح لفظ وَتَكون السطور من أول القرطاس وَمن غير تَفْصِيل فِي أحد جَانِبي السطر وَيكون بَين كل سطر وسطر سَعَة.
وسبيل الْكَاتِب ان يقل الْمشق وَالْمدّ ويتجنب الْإِرْسَال والإدغام وَيمْتَنع من النقط والشكل فَإِن فيهمَا تقصيرا بِمن يُكَاتب لِأَنَّهُ يتَصَوَّر بِصُورَة من تنقص مَعْرفَته فَيحْتَاج إِلَيْهِمَا فِي مُكَاتبَته.
فَأَما العنوان فَالَّذِي جرت الْعَادة بِهِ فِيهِ ان يكْتب فِي جَانِبه الْأَيْمن بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم لعبد الله عبد الله أبي جَعْفَر الإِمَام الْقَائِم بِأَمْر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ بِغَيْر دُعَاء وَلَا ذكر اسْم أَب وان كَانَ خَليفَة ملقبا لَان اللقب بإمرة الْمُؤمنِينَ قد قَامَ مقَام النّسَب الَّذِي يعْتَمد فِيهِ التَّعْرِيف.
وَمن الْجَانِب الآخر: من عَبده أَو عَبده وصنيعته وعَلى مَا يخْتَار الْمكَاتب فلَان بن فلَان باسمه وَاسم أَبِيه وان كَانَ مكني من حَضْرَة الْخَلِيفَة لم يذكر عَلَيْهِ أَو ملقبا مكني اقْتصر على اللقب والأسم وَاسم الْأَب وان كَانَ الْأَب ملقبا مكنى ذكره باللقب وَالِاسْم وَقَالَ بعد ذَلِك: مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ ان كَانَ من الْأَعَاجِم والموالي وَيكون جَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ فِي سطر وَاحِد وَقد كَانَت العنوانات الْعَامَّة قَدِيما على مثل هَذِه الصّفة من تَقْدِيم اسْم الْكَاتِب وَتَأْخِير اسْم الْمَكْتُوب
стр. 103
إِلَيْهِ إِلَّا فِيمَا كَانَ إِلَى أَمَام أَو وَالِد على مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله من قَوْله: إِذا كتب أحدكُم فليبدأ بِنَفسِهِ إِلَّا إِلَى وَالِد أَو أَمَام وَكتب زيد بن ثَابت إِلَى مُعَاوِيَة فَبَدَأَ باسم مُعَاوِيَة اتبَاعا لهَذِهِ الوصاة والطريقة.
وَكَانَ مِمَّا نقمه الْمَنْصُور صلوَات الله عَلَيْهِ على أبي مُسلم ان كتب أَبُو مُسلم إِلَيْهِ: من أبي مُسلم إِلَى أبي جَعْفَر عُدُولًا بِهِ عَن هَذِه الرُّتْبَة وتوقفا عَن الْإِقْرَار لَهُ بِالْإِمَامَةِ ثمَّ تسمح النَّاس فقدموا اسْم الْمَكْتُوب إِلَيْهِ وأخروا اسْم الْكَاتِب وَجعلُوا ذَاك بِغَيْر دُعَاء للْمكَاتب إِلَى ان كتب الْفضل بن سهل إِلَى إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي
لأبي إِسْحَاق ابقاه الله من أبي الْعَبَّاس فأنفذ الْكتاب إِلَى سُلَيْمَان عَمه مطرفا لَهُ بِهِ فَمَا وصل إِلَيْهِ حَتَّى وافاه صَاحبه بِكِتَاب من الْفضل إِلَيْهِ بِمثل مَا كَاتب إِبْرَاهِيم بِهِ وَاسْتعْمل الدُّعَاء على العنوانات من بعد ذَاك إِلَّا مَا كَانَ إِلَى الْخَلِيفَة وَعنهُ فَإِنَّهُ بَقِي على قديم رسمه فَأَما الْيَوْم فقد اسقط الملقبون ذكر ألقابهم على عنوانات كتبهمْ إِلَى الْخُلَفَاء واقتصروا على اسمهم وَاسم أَبِيهِم وظنوا ان ذَلِك إعظام للخليفة واخبات وَلَيْسَ كَذَاك فَإِن اللقب تشريف من السُّلْطَان وَكَأن التارك لَهُ تَارِك لما شرف بِهِ وَمن الْأَوَامِر فِي الْكتب بِالْأَلْقَابِ: يُكَاتب أَمِير الْمُؤمنِينَ متلقبا متسميا وَمن سواهُ متلقبا متكنيا وعَلى هَذَا فإنني أرى إِسْقَاط اللقب الْآن جميلا لآن الألقاب قد زَادَت على حُدُودهَا وتجاوزت مَا كَانَ عهد قَدِيما مِنْهَا فَأَما صدر الْكتاب بعد بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَيكون
стр. 104
لعبد الله أبي جَعْفَر عبد الله الإِمَام الْقَائِم بِأَمْر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ بِغَيْر دُعَاء من عَبده فلَان سَلام على أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِنِّي احْمَد إِلَيْهِ الله الَّذِي لَا اله إِلَّا هُوَ وأسأله ان يُصَلِّي على عَبده وَرَسُوله وَقد كَانَ مَا يكْتب بِهِ قَدِيما فِي الصُّدُور لأبي فلَان فلَان سَلام عَلَيْك أما بعد حَتَّى كَانَت أَيَّام الْمَأْمُون صلوَات الله عَلَيْهِ فَإِنَّهُ زيد بعد سَلام عَلَيْك: فَإِنِّي احْمَد إِلَيْك الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وأسأله ان يُصَلِّي على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله وَيكون الصَّدْر الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي سطرين وَيُقَال بعده: أما بعد أَطَالَ الله بَقَاء سيدنَا ومولانا أَمِير الْمُؤمنِينَ وأدام عزه وتأييده وكرامته وسعادته وحراسته وَأتم نعْمَته عَلَيْهِ وَزَاد فِي إحسانه وفضله عِنْده وَجَمِيل بلائه وجزيل عطائه لَهُ فَالْحَمْد لله ويوصف الله بصفاته ان كَانَ الْكتاب ابْتَدَأَ فِي أَخْبَار بِفَتْح أَو مطالعة بأثر وان كَانَ جَوَابا قيل أما بعد فَإِن كتاب سيدنَا ومولانا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ الله بَقَاءَهُ ويستتم الدُّعَاء ورد على عَبده بِكَذَا وبقبض الْكتاب وفهمه وَفعل وصنع وتشرح الصُّورَة فِيمَا يُرَاد ذكره وَأول من تكلم بأما بعد: قس بن سَاعِدَة فِي موقفه بعكاظ وخطبته واستحسنها رَسُول الله فاستعملها وَاتبع رَأْيه وَفعله فِيهَا وَالْمعْنَى فِي ذَلِك: أما بعد ذكر الله فالحال كَذَا وَإِذا فرغ من الْكتاب وَختم بإن شَاءَ الله قيل أتم الله على أَمِير الْمُؤمنِينَ نعْمَته وهنأه كرامته وَألبسهُ عَفوه وعافيته وأمنه وسلامته وَالسَّلَام على أَمِير الْمُؤمنِينَ ورحمت
стр. 105
الله وَبَرَكَاته وَكتب يَوْم كَذَا من شهر كَذَا من سنة كَذَا وَلَا يذكر اسْم كَاتب لِأَن ذَاك يفعل فِيمَا يكْتب بِهِ عَن الْخُلَفَاء لَا إِلَيْهِم وَأما قَوْلهم فِي صدر الْكتاب سَلام على أَمِير الْمُؤمنِينَ وَفِي آخِره السَّلَام على أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن الأول ابْتِدَاء ونكرة وَالثَّانِي إِشَارَة إِلَى الأول وَمَعْرِفَة وَكَأَنَّهُ قَالَ: وَالسَّلَام الْمُبْتَدَأ بِهِ مَرْدُود على أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأما الْكتب إِلَى وُلَاة العهود فعلى مثل هَذَا التَّرْتِيب وَيُقَال للأمير واللقب ان كَانَ ملقبا: إِلَى فلَان ولي عهد الْمُسلمين وَابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ ان كَانَ ولد الْخَلِيفَة وَأما المكاتبات الْخَاصَّة بَين الْخَلِيفَة ووزيره وَصَاحب جَيْشه الْمُقِيم على بَابه فَإِنَّهَا تفتتح بِذكر الإغراض من مطالعة واستئمار وَمَسْأَلَة والتماس وكذاك يكون مَا يرفع من قصَص المتظلمين إِذْ لَيْسَ تكون تِلْكَ السَّبِيل الأولى إِلَّا فِي الْكتب الْوَارِدَة من الْبِلَاد والصادرة إِلَيْهَا وَمن الْمَأْخُوذ على كاتبي الرّقاع ورافعي الْقَصَص إِذا تجاوزوا الْوَزير وَصَاحب الْجَيْش وَأهل الرتب ان يذكرُوا أَسْمَاءَهُم وَأَسْمَاء آبَائِهِم على الرّقاع من غير ان يَقُولُوا الْخَادِم وَلَا العَبْد إِذْ كَانَ هَذَا من الرتب الَّتِي لَا يؤهل لَهَا كل أحد وَمِمَّا كَانَ الرَّسْم جَارِيا بِهِ ان يقْتَصر فِي الْكتاب إِلَى الْخَلِيفَة أَو مِنْهُ أَو من الْوَزير إِلَى عماله وَمن عمالة إِلَيْهِ على معنى وَاحِد وَتَكون الْمعَانِي إِذا كثرت فِي عدَّة كتب.
стр. 106
خطاب الْخُلَفَاء فِي الْكتب والأدعية لَهُم
كَانَ الرَّسْم الْقَدِيم ان يُقَال بعد التصدير الْمَذْكُور: أما بعد: أَطَالَ الله بَقَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ وأعزه ويدعى لَهُ فِي الْفُصُول وَعند الذّكر بأبقاه الله وأعزه الله وأيده الله وأكرمه الله فَافْتتحَ سُلَيْمَان بن وهب الزِّيَادَة بَان جعل مَكَان وأعزه: وأدام عزه وتعددت الْحَال إِلَى ان ذكر بالسيادة وانتقلت من سَيِّدي أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى سيدنَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وتقررت من بعد على سيدنَا ومولانا أَمِير الْمُؤمنِينَ ويستوفى الدُّعَاء فِي أول الْكتاب وَآخره على مَا قدمنَا ذكره فيدعى لَهُ فِي الْفُصُول وَعند الذّكر بأدام الله عزه وأدام تأييده وأدام تَمْكِينه وَكَانَ ذَلِك جَارِيا إِلَى أَيَّام الطائع لله رحمت الله عَلَيْهِ فَأَما الْآن فقد فَارَقت الْحَال المستأنفة تِلْكَ الرسوم السالفة وَصَارَ ذكر الْخَلِيفَة فِيمَا يُكَاتب بِهِ: سيدنَا ومولانا الإِمَام أَمِير الْمُؤمنِينَ وَالدُّعَاء لَهُ بأطال الله بَقَاءَهُ وأدام لَهُ الْعِزّ والتأييد والنصر والتمكين والرفعة وَالْقُدْرَة وَالسُّلْطَان والبسطة وَأَعْلَى كَلمته وَثَبت وطأته وحرس دولته وَأظْهر ألويته وعَلى مَا يختاره الانسان من زِيَادَة على ذَاك ومبالغة فِيهِ.
وَوجدت يَمِين الدولة أَبَا الْقَاسِم مَحْمُود بن سبكتكين قد كَانَ
стр. 107
يكْتب إِلَى الْقَادِر بِاللَّه صلوَات الله عَلَيْهِ فِي العنوان: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم لحضرة سيدنَا ومولانا عبد الله أبي الْعَبَّاس أَحْمد الإِمَام الْقَادِر بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ من عَبده وخادمه وصنيعته وغرسه مَحْمُود بن سبكتكين وَذَلِكَ فِي سطر وَاحِد وَفِي الصَّدْر: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم لحضرة سيدنَا ومولانا عبد الله أبي الْعَبَّاس أَحْمد الإِمَام الْقَادِر بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ عَبده وخادمه وصنيعته وغرسه مَحْمُود بن سبكتكين سَلام على سيدنَا ومولانا الإِمَام الْقَادِر بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ ورحمت الله وَبَرَكَاته فَإِن العَبْد يحمد إِلَيْهِ الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ويسأله أَن يُصَلِّي على مُحَمَّد عَبده وَنبيه صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله الْكِرَام وَخص سيدنَا ومولانا الإِمَام الْقَادِر بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ بِأَفْضَل التَّحِيَّة وَأطيب السَّلَام أما بعد أَطَالَ الله بَقَاء سيدنَا ومولانا الإِمَام الْقَادِر بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ وأدام لَهُ الْعِزّ والتأييد وَالْقُدْرَة والتحميد والعلو والبسطة والسمو وَالْغِبْطَة وأمضى شرقا وغربا أَحْكَامه وَنصر برا وبحرا أَعْلَامه وَلَا أخلى من الدولة مَكَانَهُ وَمن النضارة زَمَانه وَفِي آخر الْكتاب بعد ان شَاءَ الله: وَالسَّلَام على سيدنَا ومولانا الإِمَام الْقَادِر بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ ورحمت الله وَبَرَكَاته ويعاد الدُّعَاء الأول إِلَى أَخّرهُ.
وَرَأَيْت لَهُ كتبا أخر على عنواناتها من الْجَانِب الْأَيْسَر: عبد سيدنَا ومولانا الإِمَام الْقَادِر بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ وصنيعته مَحْمُود بن سبكتكين وَفِي صدر الْكتاب: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم سَلام على سيدنَا ومولانا الإِمَام الْقَادِر بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن العَبْد يحمد إِلَيْهِ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ويسأله ان يُصَلِّي على رَسُوله مُحَمَّد وَآله وَفِي الدُّعَاء بِزِيَادَة ونقصان عَمَّا أوردناه وَرَأَيْت لَهُ كتبا تخَالف هَذَا فَدلَّ ذَلِك على ان
стр. 108
الْقَوْم غير معتمدين لنظام وَاحِد فِي المكاتبات وَإِنَّمَا يَكْتُبُونَ على مَا يعن لَهُم من هَذِه الترتيبات وَمَا كَانَ الْأَمر على مثل ذَلِك فِيمَا مضى من الْأَوْقَات نعم وَلم أَجِدهُ ذكر ألقابه عِنْد إِيرَاد اسْمه وَلَا لقب أَبِيه وَلَا مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَا ولي أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن ظن الْفَاعِل لذاك ان إِسْقَاط مَا أسْقطه تَعْظِيم وإجلال فَلَيْسَ كَذَاك وانه لتقصير وإخلال وَقد قدمنَا فِي أَمر الألقاب مَا قدمْنَاهُ وإيراد مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ وَولي أَمِير الْمُؤمنِينَ تعبد.
стр. 109
رسوم الْكتب عَن الْخُلَفَاء
الَّذِي جرت الْعَادة بِهِ فِيمَا يصدر من حَضْرَة الْخلَافَة ان يكون عنوانه بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من عبد الله عبد الله أبي جَعْفَر الإِمَام الْقَائِم بِأَمْر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى فلَان بن فلَان وَيذكر اسْمه وَاسم أَبِيه فَإِن كَانَ مكنى قيل: إِلَى أبي فلَان، بِغَيْر اسْم، وَلَا اسْم أَب، أَو ملقبا مكنى، قيل: إِلَى كَذَا من الدولة أبي فلَان فان كَانَ من الْأَعَاجِم والموالي قيل: مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ وَإِن كَانَ أَب الْمكَاتب ملقبا ذكر فَقيل: إِلَى كَذَا من الدولة أبي فلَان بن كَذَا من الدولة مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ وكل ذَلِك فِي سطر وَاحِد وَفِي الصَّدْر: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من عبد الله عبد الله أبي جَعْفَر الإِمَام الْقَائِم بِأَمْر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى كَذَا من الدولة أَبى فلَان مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ سَلام عَلَيْك فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يحمد إِلَيْك الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ويسأله ان يُصَلِّي على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله أما بعد أحسن الله حفظك وحياطتك وأمتع أَمِير الْمُؤمنِينَ بك فقد وصل كتابك إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ يذكر كَذَا وتقنص مضمونه وفهمه ويورد فِي الْجَواب مَا يُرَاد إِيرَاده هَذَا ان كَانَ جَوَابا وان كَانَ ابْتِدَاء فعلى حسب الْغَرَض فِيهِ وَتجْعَل الْإِشَارَة من الْخَلِيفَة إِلَى نَفسه بأمير الْمُؤمنِينَ فَيُقَال: قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ ورأي أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأمر أَمِير الْمُؤمنِينَ كَمَا يُقَال عَن الْمُلُوك والأمراء: فعلنَا وصنعنا ورأينا وأمرنا وَقد يَقُول الْخَلِيفَة هَذَا أَيْضا فِي الْكتب والتوقيعات الْخَاصَّة فَأَما الْكتب الصادرة إِلَى الْبِلَاد فَلَا تكون الْإِشَارَة مِنْهُ إِلَى نَفسه إِلَّا بأمير الْمُؤمنِينَ وَإِذا انْتهى القَوْل فِي معنى
стр. 110
الْكتاب إِلَى أَخّرهُ قيل: فَاعْلَم ذَلِك من رَأْي أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأمره واعمل بِهِ وَافْعل واصنع وَلَا يجوز ان يُقَال عَن خَليفَة: فاعمل بذلك وَلَا: وانت تفعل ذَلِك وَلَا: فرأيك فِي الْعَمَل بذلك وَإِذا استتم الْكتاب بَان شَاءَ الله قيل: وَالسَّلَام عَلَيْك ورحمت الله وأسقطت بركاته ليَكُون بَين السَّلَام على الْخُلَفَاء وَالسَّلَام مِنْهُم فرق ثمَّ يكْتب بعد ورحمت الله: وَكتب فلَان بن فلَان لوزير الْوَقْت الَّذِي يَلِي الْأُمُور وان لم يكن مكنى وَلَا ملقبا فَإِن كَانَ مكنى قيل: وَكتب أَبُو فلَان أَو مكنى ملقبا قيل: وَكتب كَذَا من الدولة أبي فلَان وَمن الرسوم أَيْضا ان يُقَال على عنوان الْكتاب فِي جَانِبه الْأَيْسَر بِذكر كَذَا إِشَارَة إِلَى الْأَمر الَّذِي أصدر الْكتاب فِيهِ فان كَانَ الْكتاب بتكنية أَو بلقب لم تذكر الكنية وَلَا اللقب فِي صدر الْكتاب وَذكر بعد ان يُقَال: وَقد كناك أَمِير الْمُؤمنِينَ أَو لقبك بِكَذَا وعَلى العنوان من بعد.
следующие страницы →