الخلاصة:
في نهاية هذا الفصل -الأول- يفترض أن يكون القارئ قد أدرك مفهوم المنهج، وهو أنه نظام متكامل من الحقائق والمعايير والقيم الثابتة، والخبرات والمعارف والمهارات الإنسانية المتغيرة، التي تقدمها مؤسسة تربوية إلى المتعلمين فيها، بقصد إيصالهم إلى درجات كمالهم وتحقيق الأهداف المنشودة فيهم، وأن من أهم خواص منهج التربية أنه نظام متكامل، وأنه نابع من التصور الإسلامي للألوهية والكون والإنسان والحياة، وأنه يعتمد على الوحي كما يعتمد على الخبرة الإنسانية والعقل، وأنه إيجابي وواقعي، وأنه متكامل في مدخلاته وعملياته ومخرجاته، وأنه يهتم بتربية "الإنسان" وليس مجرد "المواطن".
ولا بد أن يدرك القارئ أيضا الفوارق بين مفهوم "المنهج" ومفهوم "البرنامج"، فمفهوم "المنهج" يتبع المدرسة الإنسانية التي تؤكد على ضرورة أن يبدأ البناء المنهجي من الفلسفة والأسس النظرية التي تتحول إلى تطبيق عملي في صورة أهداف ومحتوى وطرائق وأساليب للتدريس والتقويم والتطوير. أما مفهوم "البرنامج" فهو يتسق مع المدرسة المادية السلوكية التي لا تهتم كثيرا بالفلسفات والنظريات وتبدأ البناء المنهجي بالجانب العملي ابتداء بالأهداف فالمحتوى ... إلخ.
ولا بد أن يكون القارئ قد أدرك علاقة مناهج التربية -بما أنها تبدأ بالفلسفة والأسس النظرية- بالدين، باعتباره منهجا ونظاما للحياة، وبالعبادة، باعتبارها تستغرق النشاط الإنساني كله في الحياة، وبالفلسفة، باعتبارها تصورا شاملا كليا للألوهية والكون والإنسان والحياة، نابعا من "التصور العقيدي" و"التصور الاجتماعي" للفرد والجماعة.
ولا بد أن يكون القارئ قد أدرك مفهوم التربية وعلاقتها بمناهج التربية، وأدرك أيضا الدور الهام والحيوي للغة العربية في العملية التربوية عموما، وفي عملية تصميم وتنفيذ وتقويم المناهج التربوية وتطويرها، باعتبار أن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة للتعليم والتعلم، ولكن باعتبارها منهجا متكاملا للتفكير والتعبير والاتصال.
стр. 37
الفصل الثاني: أسس مناهج التربية
مدخل
...
الفصل الثاني: أسس المناهج وطبيعة المعرفة
يتفق علماء المناهج في معظم بقاع الأرض على أن للمناهج التربوية أسسا ثلاثة يقوم عليها بناؤها وهي:
طبيعة المعرفة. The Nature of Knowledge
طبيعة الإنسان. The Nature of Man
طبيعة المجتمع. The Nature of Society
وسوف نقصر هذا الفصل على عرض الأساس الأول، وهو طبيعة المعرفة في التصورات الفلسفية المختلفة.
والحديث عن طبيعة المعرفة يعني الإجابة عن الأسئلة الثلاثة التالية:
١- ما مصادر المعرفة؟
٢- كيف يعرف الإنسان؟ أو ما كيفية المعرفة؟
٣- ما مهمة المعرفة للحياة والمجتمع؟
الإجابة عن السؤال الأول: ما مصادر المعرفة؟ تعني ضرورة التعرض للرؤى الفلسفية المختلفة للألوهية والكون: فالرؤية التي تؤمن بالله الواحد الخالق لكل شيء، تجعل الوحي هو المصدر الأول للمعرفة، وتجعل الكون مصدرا ثانيا للمعرفة، والإسلام خير شاهد على هذا التصور.
وهناك من الرؤى من يؤمن بوجود الله، لكنه يعزله في ملكوت السماء، ولا يجعل له -سبحانه- دخلا في تصريف ملكوت الأرض. وهنا يصير الوحي مجرد مصدر من مصادر المعرفة التي تتم بإرادة الإنسان وحده، دون دخل لإرادة الله، وتجعل المصدر الرئيسي للمعرفة هو الكون، والعلمانية مثال صادق لهذه الرؤى.
وهناك من الرؤى من لا يؤمن بوجود الله أصلا، ويرى أن الحياة مادة، ويرى أن الكون هو فقط هذا الكون المشهود بمفرداته المرئية المحسوسة! وينكر الكون المغيب ابتداء بالروح وانتهاء بمفردات الملأ الأعلى! وهذه الرؤى لا تؤمن إلا بمصدر واحد للمعرفة هو المادة في صورها المختلفة! والماركسية أبرز مثال على ذلك.
стр. 38
إذن، فالإجابة عن السؤال الأول: ما مصادر المعرفة؟ تقتضي تحديد تصورين مهمين في بناء التربية، هما على الترتيب في الأهمية والأولوية:
- حقيقة الألوهية في التصورات الفلسفية المختلفة.
- حقيقة الكون في التصورات الفلسفية المختلفة.
وللإجابة عن السؤال الثاني: كيف يعرف الإنسان؟ أو كيف يحدث التعلم للإنسان؟ يقتضي هذا بيان حقيقة الإنسان في التصور الإسلامي وفي التصورات الأخرى، وبيان حقيقة فطرته، وطبيعة الإنسانية، وبيان حقيقة النفس في التصور الإسلامي وفي التصورات الأخرى، ثم بيان مطالب النمو وحاجاته، مع التركيز على طبيعة الإنسان الكبير وحاجاته ومطالبه, وأثر كل ذلك في مناهج التربية والتعليم.
وعلى هذا فإن الإجابة عن هذا السؤال الثاني في طبيعة المعرفة: كيف يعرف الإنسان؟ أو كيف يحدث التعلم؟ تقتضي تحديد تصور آخر مهم في بناء منهج التربية ألا وهو:
- حقيقة الإنسان، من حيث مصدره، ومركزه في الكون، ووظيفته في الحياة، وغايته.
وللإجابة عن السؤال الثالث: ما مهمة العلم والمعرفة لكل من الإنسان والمجتمع والحياة؟ يقتضي الأمر بيان طبيعة المجتمع في التصور الإسلامي، وفي التصورات الأخرى، وبيان أهم المعايير التي تحكم سلوكيات الأفراد فيه، وتحكم نوعيات الروابط والصلات والنظم الاجتماعية والمؤسسات، وتوجهها إلى غاياتها المنشودة، ومثلها المرجوة، كما يقتضي هذا بيان نوعية الموجهات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية والثقافية، والأدبية، والتربوية، والإعلامية.. إلخ. وبيان العلاقة بين العلم والمعرفة، وأهيمتهما في بناء المجتمع، وبيان العلاقة بين الثبات والتغير، وبين التربية والتغير الاجتماعي، والتقدم الحضاري.. إلخ.
وهكذا نكون قد وصلنا إلى الأساس الثالث والأخير من أسس بناء منهج التربية للكبار والصغار على السواء، وهذا الأساس هو:
- حقيقة الحياة والمجتمع من حيث: العقيدة والموجهات، والروابط والصلات، والنظم والمؤسسات، والعلم والمعرفة ودورهما الفاعل في كل ذلك.
هذه الأسس الثلاثة السابقة تمثل التصور المعرفي والتصور الاعتقادي الفلسفي للإنسان والمجتمع والحياة، فهي تمثل التفسير الشامل للوجود الذي يتعامل الإنسان على أساسه مع هذا الوجود، وبما أن المنهج نظام تربوي اجتماعي، فإن المناهج التربوية تختلف باختلاف النظم الاجتماعية وتصوراتها الاعتقادية والفلسفية للألوهية، والكون والإنسان والحياة.
стр. 39
وعلى هذا، فإن الممارسة المنهجية التي تتمثل في أهداف المنهج ومحتواه، وطرائق وأساليب تدريسه، وطرائق وأساليب تقويمه وتطويره، تختلف هي أيضا باختلاف حقائق التصور الفلسفي الاعتقادي السابقة، التي تمثل أسس المنهج والتي تختلف من مجتمع إلى آخر.
من العرض السابق لطبيعة المعرفة، يتضح لنا أن للمنهج -وفقا لطبيعة التصورات الفلسفية والاعتقادية المختلفة- أسسا ثلاثة هي:
- طبيعة المعرفة، ونتحدث فيها عن مصادر المعرفة: الوحي والكون، وعن التصورات المختلفة في ذلك، وعن علاقة كل ذلك بمواد المناهج المدرسية.
- الطبيعة الإنسانية، وطبيعة الإنسان الذي نود بناءه من خلال المناهج المدرسية، ونموه وحاجاته.
- طبيعة الحياة والمجتمع بمعاييره ونظمه ومؤسساته، وعلاقة كل ذلك بالأساسين السابقين، وبالمناهج المدرسية. "انظر الشكل رقم١".
стр. 40
طبيعة المعرفة:
شكل رقم "١"
أسس المناهج وتطبيقاتها
стр. 41
مصادر المعرفة
مدخل
...
مصادر المعرفة:
الألوهية والوحي:
الوحي هو المصدر الأول للمعرفة، وتختلف المناهج التربوية باختلاف تصورها للألوهية والوحي، فحقيقة الألوهية حقيقة إيجابية فاعلة في الكون والإنسان، "فالتصور الإسلامي" يبدأ من الحقيقة الإلهية التي يصدر عنها الوجود كله، ثم يسير مع هذا الوجود في كل صوره وأشكاله وكائناته وموجوداته، ويعنى عناية خاصة بالإنسان -خليفة الله في الأرض- فيعطيه مساحة واسعة من الصورة، ثم يعود بالوجود كله مرة أخرى إلى الحقيقة الإلهية التي صدر عنها وإليها يعود.
والتصور الإسلامي "في هذه الجولة الواسعة من الله وإليه، يشمل كل دقائق الكون، لا يغادر منها شيئا يقع في محيطه، سواء منها ما تدركه الحواس وما لا تدركه، وما تدركه الروح فيما وراء الوعي. ويشمل كل نشاط الإنسان وكل طاقاته. سواء نشاطه المادي ونشاطه الروحي، وسواء حياته الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، وسواء عمله في الحياة الدنيا وفيما وراء هذه الحياة"١.
أما الحقيقة الإلهية في الفكر الأفلاطوني والأرسطي فأمرها غريب، فإله أفلاطون وإله أرسطو لا عمل لهما ولا إرادة، وإذا كان أرسطو يرى أن من كمال إلهه ألا يشعر إلا بذاته، وألا يفكر إلا في ذاته، فإن أفلاطون يزعم أن من كمال إلهه ألا يشعر حتى بذاته، لأنه يتنزه عن ذلك الشعور!
وقد أثر هذا اللون من الفلسفة فيما يتصل بحقيقة الألوهية على المدارس الفكرية والتربوية التي أتت بعد أفلاطون وأرسطو. فتوماس الإكويني المتأثر بأرسطو، وهو أحد أبرز المؤسسين للفلسفة الواقعية المدرسية، قد شارك في إقامة هذه الفلسفة على الاعتراف بكل من الطبيعة، والقوة الخارقة للطبيعة ممثلة في الإله الذي خلق الوجود، فهذه الفلسفة ذات طبيعة ثنائية بين الإله والطبيعة. فلكل منهما صفات خاصة به, لا تنسب إلى الآخر, فالزمان والمكان والتغير والنمو من خصائص الحوادث الطبيعية، في حين أن الأزلية، وعدم التغير، وعدم التقيد بالزمان والمكان من خصائص الإله٢.
فإذا كانت وظيفته مناهج التربية -في التصور الإسلامي للحقيقة الإلهية- هي أن تغرس في المتعلم الإيمان بالله -ذاتا وصفات- والإيمان بمنهج الله للكون والإنسان والحياة، وأن توصل هذا المتعلم إلى درجة كماله التي تمكنه من الإسهام في تنفيذ منهج الله في الحياة -إذا كان ذلك كذلك في التصور الإسلامي، فإن سلبية الإله في التصور الأفلاطوني الأرسطي، والازدواجية بين الإله والطبيعة لدى تلاميذ
стр. 42
المدرسة الواقعية المدرسية، بالإضافة إلى عوامل أخرى- كان كل ذلك هو الخطوة الأولى نحو فصل حقيقة الحياة عن الحقيقة الإلهية. وفصل الدين عن الحياة، وظهور النظام "العلماني" الغربي، هذا النظام الذي يقوم على أساس فصل الدين عن الحياة، وأن لله ملكوت السماء، وللإنسان ملكوت الأرض، وأن ما لقيصر لقيصر وما لله لله!
وعلى ذلك الأساس قامت معظم الدراسات النفسية ودراسات الأصول التربوية في الغرب، وجاءت النظرية الموسوعية غير بعيدة عن هذا التصور لحقيقة الألوهية، فالحقيقة الإلهية هي إحدى مكونات الكون، مع الطبيعة والإنسان، وأصبح من مهام التربية الأساسية في النظرية البراجماتية، تكييف المتعلم مع البيئة، والطبيعة من حوله، لا على أساس أنهما من خلق الله، بل على أساس أن الطبيعة خالقة، ومن مهام التربية أن يفهم المتعلم القوانين التي تحكم العالم المادي من حوله، لا على أساس أن هذه القوانين -نواميس وسننا- خلق الله الكون عليها، وإنما على أساس أن الطبيعة هي صانعة قوانينها، فإدراك الحقائق والقوانين العلمية للطبيعة هو وسيلة للمعرفة الجوهرية الكاملة، وبذلك أغفلت تماما برامج ومناهج التربية الدينية.
ولقد كانت هذه الحلقة قبل الأخيرة، حيث جاءت الحلقة الأخيرة على يد أنصار النظرية التطبيقية الماركسية، التي وضعت النهاية المتوقعة لهذا التطور الأخرق، فآمنت بأنه "لا إله موجود والحياة مادة"! فتطور المادة، وحتمية التاريخ، وحتمية الاقتصاد، كل هذه الحتميات هي التي تصنع كل شيء، وتخلق كل شيء: الكون، والإنسان والحياة. وجاءت النظرية التربوية لتكريس هذا الفكر النظري الذي يتصادم مع طبيعة الفطرة الإنسانية، والحياة الإنسانية، والرقي الإنساني. وجاءت النتيجة في صورة أجيال من أكثر خلق الله بؤسا وضياعا على وجه الأرض.
والخلاصة، أن الهاربين من الكنيسة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كان كل همهم إنكار "الله"! ولكن "المثاليين" منهم اختاروا "العقل" ليعطوه كل خصائص الله وصفاته! و"الماديين" منهم اختاروا "الطبيعة" ليعطوها هذه الخصائص والصفات؛ لأنه لم يكن لهؤلاء وهؤلاء مفر من افتراض شيء فوق طاقة البشرية يكلون إليه تفسير هذا الوجود وما يجري فيه. لكنهم في كل الأحوال كانوا يريدون إنكار الله!
لقد تقلب العالم، وتغير تصوره لهذه الحقيقة -حقيقة الألوهية- أما في التصور الإسلامي فقد بقيت هي الحقيقة الأولى والكبرى، والأساسية والفاعلة؛ لأن الحق
стр. 43
-سبحانه- قد قال فيها ما لا يملك أحد أن يقول: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
هذه هي قاعدة التصور الإسلامي الأساسية، فالتصور الإسلامي "يفصل فصلا تاما بين طبيعة الألوهية وطبيعة العبودية، فهما لا تتماثلان ولا تتداخلان، كذلك يبين التصور الإسلامي بيانا حاسما: من هو "الله" صاحب الألوهية ومن هم "العبيد" الذين تتمثل فيهم العبودية"١.
فعن مشيئة الله الواحد -سبحانه- صدرت كل الخلائق، وبقدر الله تقوم وتتحرك، لا شريك له في هذه الألوهية، لا في حقيقتها ولا في خصائصها، ولا في سلطانها.
"إن المنهج القرآني يجلي هذه الحقيقة بآثارها الفاعلة في هذا الوجود. في الخلق والتدبير، في تصريف هذا الكون وما فيه ومن فيه، في تسخير الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم، في إيلاج النهار في الليل، وإيلاج الليل في النهار، في إرسال الرياح لواقح، وإنزال الماء من السماء، في انبثاق الحياة من الموت، وانبثاق الصبح من الظلام، في إخراج الحي من الميت، وإخراج الميت من الحي، في بدء الخلق وإعادته، في القبض والبسط، في البعث والنشور، في النعمة والنقمة، في الجزاء والحساب، في النعيم والحساب، في كل حركة وكل انبثاقة، وكل تغير وكل تحور في عالم الغيب أو في عالم الشهادة، في هذا الوجود الكبير"٢.
جوهر العقيدة التوحيد:
عقيدة الإسلام تشمل الإيمان بالله، وملائكته، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وكل ركن من هذه الأركان وثيق الصلة بسائر الأركان، فهي تكون كلا واحدا متكاملا، لكن سائر الأركان مرتبط بالركن الأول ارتباط صدور، وارتباط غاية. فكل شيء صادر من الله، وكل شيء عائد إليه.
والتوحيد هو جوهر دين الله للبشر، من آدم ﵇ إلى محمد ﷺ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] .
стр. 44
والتوحيد ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الذات والصفات. أما توحيد الربوبية، أو ما يسمى بتوحيد الله بأفعاله كالخلق والرزق والإحياء.. والإماتة.. والإيمان بوجوده ذاتا وصفات، فهذا الإيمان فطرة مستكنة في خلق الله للإنسان، وعهد مقطوع على بني البشر منذ خلهم الله، وهم بعد في ظهر الغيب: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] .
أما توحيد الألوهية، فيسمى توحيد الله بأفعال العباد، وهذه الوحدانية هي القاعدة التي يقوم عليها التصور الإسلامي كله، وينبثق منها منهج الإسلام للحياة كلها، بنظمها السياسة والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية، فمن هذا التصور ينشأ الاتجاه إلى الله وحده بالعبودية والعبادة، فلا يكون الإنسان عبدا إلا لله، ولا يتجه بالعبادة إلا لله، ولا يلتزم إلا بطاعة الله، وعند هذا التصور تنشأ قاعدة الحاكمية لله وحده، فيكون الله وحده هو المشرع للعباد، بحيث تجيء التشريعات البشرية من شريعة الله.. وعن هذا التصور تنشأ قاعدة استمداد القيم الخلقية، والعلمية والمعرفية كلها من ميزان الله.. وبذلك فلا شرعية لنظام أو لقانون أو لتغير سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو تربوي يخالف منهج الله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
وعلى هذا فالذين يقولون إنهم يؤمنون بالله، ولكنهم يشركون معه غيره في الألوهية، حين يتحاكمون إلى شريعة من صنع غيره، وحين يطيعون من لا يتبع رسوله وكتابه، وحين يتلقون التصورات والقيم والموازين والأخلاق والآداب من غيره.. هذه الأمور كلها تناقض القول بأنهم يؤمنون بالله، ولا تستقيم مع شهادة الله -سبحانه- بأنه لا إله إلا هو، ولا تستقيم مع صفة الإسلام ووظيفتها وهي أنها أمة "وسط" شاهدة على الناس.
стр. 45
الوحي مصدر المعرفة:
إن الوحي الذي نزل على رسول الله وفي كتبه هو المصدر الأساسي الثابت للمعرفة.. والإيمان بكتب الله المنزلة على رسله جزء من الإيمان بعقيدة التوحيد:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣] .
إن كتاب الله هو كل ما نزل على رسله، وقرر وحدة ألوهيته ووحدة قوامته، فهو كتاب واحد في حقيقته، أوتي اليهود نصيبا منه وهو التوراة، وأوتي النصارى نصيبا منه وهو الإنجيل، وأوتي المسلمون الكتاب كله، وهو القرآن، باعتبار القرآن جامعا لأصول الدين كله، ومصدقا لما بين يديه من الكتاب: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] .
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [ص: ٨٧] .
لقد خلق الله البشر، وهو أعلم باحتياجاتهم، فتكفل برزقهم: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١] .
وتكفل بتعليمهم وتربيتهم؛ فأودع فيهم قوى الإدراك الظاهرة والباطنة: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] .
وتكفل بهدايتهم، فأرسل إليهم الأنبياء والرسل لإقامتهم على أمر الله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] .
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] .
ورسول الله ﷺ هو صاحب الرسالة الخاتمة التي بها تمام الدين وتمام النعمة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] .
ويقول ﷺ : "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين" , رواه مسلم.
стр. 46
الوحي والمنهج وحرية الإرادة:
إن منهج التربية يجب أن يركز في أذهان المتعلمين أن حريتهم إنما تكون في عبادة الله وحده. وإن الحرية الإنسانية إنما تقوم على قاعدتين أساسيتين:
القاعدة الأولى: هي إفراد الله بالعبودية.
القاعدة الثانية: هي اصطفاء الله للإنسان بحرية الاختيار وحرية الإرادة، والمسئولية في تطبيق منهج الله في الأرض.
إن المؤمن الذي يشهد أن لا إله إلا لله، وأن محمدا رسول الله، اعتقادا في الضمير، وسلوكا في الواقع، هو الذي يفرد الله بالعبودية، ومن ثم يفرده بالحاكمية، إن هذا المؤمن هو الشخص الوحيد الحر؛ لأنه لا يعبد طواغيت الأرض، ولا يرجو منها شيئا، ولا يخافها، وكلما استغرق الإنسان في عبوديته وحده، كان أكثر حرية، وأكثر أمنا واطمئنانا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] .
والإنسان في عبوديته لله على ثلاث مراتب: المرتبة الأولى هي مرتبة عبودية الإنسان لله خضوعا لقانون الفطرة، وانقيادا لعهد الله وميثاقه الذي أخذه على بني آدم وهم بعد في ظهر الغيب السحيق حين سألهم: ألست بربكم؟ فاعترفوا له بالربوبية وأقروا بالوحدانية.
إن المشهد الفريد لتلك الحقيقة الهائلة العميقة، المستكنة في أعماق الفطرة الإنسانية وفي أعماق الوجود، تصوره الآية الكريمة:
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] .
إن هذه الرتبة من العبودية قد لا يختلف فيها الإنسان عن الحيوان الذي لا يعقل، والشجر الذي يتحرك، والملائكة الذين يفعلون ما يؤمرون، والإنسان على هذه الدرجة من العبودية لله لا يمتاز عن غيره من المخلوقات، وهذه هي درجة العبودية غير الإرادية لله أو عبودية الفطرة.
المرتبة الثانية من عبودية الإنسان لله، هي تلك التي يستخدم الإنسان فيها ما منحه الله من قوى الإدراك الظاهرة والباطنة في معرفة الله وعبادته، فالإنسان حين
стр. 47
يستخدم عقله وقلبه وسمعه وبصره وعلمه في تدبر آيات الله ومنهجه المنزل في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ ، وفي كتاب الكون المفتوح، وحين يصل من كل ذلك إلى معنى العبودية الحقة لله، فإنه يكون قد تحول من عبودية الفطرة غير الإرادية لله إلى العبودية المقصودة، القائمة على العلم، وحرية الإرادة والاختيار التي خص الله بها الإنسان دون غيره من المخلوقات.
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] .
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] .
المرتبة الثالثة: وهي تلك التي يستخدم فيها الإنسان قواه المدركة الواعية وعلمه وحريته في الاختيار، وكل قواه ومواهبه في عبادة غير الله! فالإنسان في هذه الدرجة لا يفقد فقط شرف التفوق على سائر المخلوقات، بل ويصبح أحط مكانة وأسوأ شأنا من الحيوانات:
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] .
﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٣-١٢٦] .
نعم، هؤلاء أحط من الدرجة الحيوانية؛ لأن الحيوان لم يكن ضالا، في حين أن هؤلاء ضلوا وغووا، ولم يكن الحيوان منكرا جاحدا، بينما هؤلاء أنكروا وجحدوا، ولم يكن الحيوان كافرا ومشركا في حين أن هؤلاء كفروا وأشركوا.
ومن هذا نصل إلى أن الدرجة الثانية هي أسمى وأعمق درجات العبودية لله؛ لأنها عبودية قائمة على العلم والمعرفة بالله وعلى الاختيار الحر والإرادة الواعية، إن حرية الاختيار والتصرف، والإرادة الطليقة هما أسمى ما منحه الله للإنسان، وحين
стр. 48
تقوم عبادة الإنسان لله على أساس من حرية الاختيار والإرادة الواعية، فإن هذه هي أسمى وأعمق درجات إفراد الله بالعبودية، كما أنها أسمى وأعمق درجات الحرية والإنسانية.
هنا نصل إلى القاعدة الثانية التي تقوم عليها حرية الإنسان المسلم وهي: المسئولية، فالإنسان الذي اصطفاه ربه -دون سائر مخلوقاته- بالحرية، والإرادة الطليقة والقدرة على الاختيار، ذلك الإنسان هو المخلوق الوحيد الخليق بأن تناط به مسئولية فهم منهج الله وتنفيذه في واقع الأرض، فالحر هو الوحيد الذي يمكن أن يكون مسئولا، والحرية والمسئولية وجهان لعملة واحدة، واصطفاه الله للإنسان كي تناط به مسئولية حمل أمانة فهم وتنفيذ منهجه في الأرض، هو منتهى التكريم للإنسان:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] .
إن السموات والأرض والجبال وما بينهما من خلائق، تعرف ربها بلا محاولة، وتهتدي إلى سنته وناموسه الذي يحكمها بخلقتها وتكوينها ونظامها، وتطيع ناموس الخالق طاعة مباشرة بلا تدبير ولا واسطة، وتؤدي وظيفتها غير شاعرة ولا مختارة، فالشمس تدور في فلكها بطريقة لا تختل جزاء من ثانية، وتؤدي وظيفتها ودورها الكوني -كما قدر لها- أداء كاملا، والأرض تدور دورتها، تخرج زرعها وتفجر ينابيعها، وتجري المياه في بحارها وأنهارها وفق سنة الله بلا إرادة منها، وكذلك القمر والنجوم والكواكب والجبال والوهاد.. كلها تمضي لشأنها بإذن ربها، وتعرف بارئها، وتخضع لمشيئته بلا جهد منها ولا كد ولا محاولة.
لقد أشفقت هذه الخلائق من أمانة التبعة، وأمانة الإرادة، أمانة المعرفة الذاتية والمحاولة الخاصة، وهناك من يقول: إن المقصود بالأمانة هنا هي فهم منهج الله وتنفيذه في واقع الأرض، ولا أرى تعارضا بين التفسيرين، حيث إن معرفة الإنسان لربه بإدراكه وشعوره، والاهتداء إلى ناموسه وسنته بالتدبر والتبصر. كل هذا يقتضي العمل وفق هذا الناموس في عمارة الأرض، أي: إن المعرفة الإنسانية، والتربية والتعليم والتعلم من تصميم وتنفيذ المناهج المختلفة، كل هذا يهدف إلى الوصول إلى غاية كبرى، هي فهم منهج الله وتنفيذ مقتضياته في واقع الأرض.
لقد ظلم الإنسان نفسه حين حمل الأمانة وهو على ما هو عليه من الضعف، وضغط الشهوات والميول والنزعات، وقصور العلم، وقصر العمر، وحواجز الزمان والمكان.
стр. 49
لكن الإنسان الذي يصل إلى معرفة الله بإدراكه وشعوره، ويهتدي إلى منهجه بتدبيره وتفكيره، ويعمل وفق هذا المنهج بفكره وجهده، ويقاوم انحرافاته ونزعاته، ويجاهد أهواءه وشهواته، حين يصل الإنسان إلى هذه الدرجة وهو مدرك واع مريد، فإنه يصل حقا إلى مقام كريم، ومكان بين خلق الله فريد١.
إنها إذن -الإرادة الحرة، والإدراك الواعي والاختيار الطليق، والمحاولة المستمرة لفهم منهج الله وتطبيق مقتضياته في واقع الأرض، وحمل تبعة كل هذا ومسئوليته هذه -إذن- هي ميزة الإنسان الفريدة، على سائر خلق الله، فهي سر التكريم، ومناط التكليف: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] .
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] .
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٥٣] .
إن منهج التربية الذي يفوته تعميق هذه القضية في نفوس المتعلمين صغارا كانوا أم كبارا فإنه يكون قد فاته خير كثير.. بل فاته كل الخير.
والخلاصة: أن هذا الأساس من أسس بناء المنهج لا بد أن ينعكس على المناهج التربوية على النحو التالي:
١- التأكيد على أن الوحي هو المصدر الأول للعلم والمعرفة في التصور الإسلامي، وأن هذا المصدر يتمثل في القرآن والسنة، وليس في المذاهب أو الفرق الإسلامية.
٢- التأكيد على إيضاح حقيقة الألوهية في التصور الإسلامي والفوارق بينها وبين حقيقة العبودية، ومقتضيات ذلك من الإنسان.
٣- التأكيد على مفهوم التوحيد، على أساس أنه جوهر العقيدة في التصور الإسلامي، وأن التوحيد قرين الحرية، وأن الشرك قرين الاستبداد والظلم.
٤- التأكيد على أن الله أرسل بالإسلام رسلا لأقوام خاصة في طفولة البشرية، وأنه -سبحانه- ختم بالإسلام -الرسالة العالمية الشاملة- حينما بلغت الإنسانية مرحلة النضح والرشد.
стр. 50
٥- التأكيد على أن كتاب الله -كتاب الإسلام- واحد، أوتي اليهود نصيبا منه، وأوتي النصارى نصيبا منه، وجاء القرآن بالكتاب كله، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] .
٦- بيان مفهوم "الدين" في التصور الإسلامي, والتأكيد على أنه منهج شامل، ونظام للحياة.
٧- التأكيد على مفهوم "العبادة" وبيان أنها تشمل النشاط الإنساني كله، طالما توجه به الإنسان إلى الله.
الكون هو المصدر الثاني للمعرفة.
الكون آية الله الكبرى، ومعرض قدرته المعجزة المبهرة، أراده الله فكان، وقدره تقديرا محكما، وجعل كل شيء فيه خاضعا لإرادته وتدبيره.
والكون -في التصور الإسلامي- غيب وشهود. وهو من خلق الله "عالم الغيب والشهادة" والكون المغيب كالروح، والملائكة، والجن.. إلخ، نحن نؤمن به إيمان تسليم بوجوده كما علمنا الله، ونتكيف بذلك، وواجب الباحثين والمعلمين والمتعلمين والمناهج التربوية كلها أن يتأدبوا بأدب القرآن، وأن يقفوا عند حد ما جاء به، ولا يتركوا العقل يسبح فيه: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] .
أما الكون المشهود فهو كل ما نحسه حولنا، كالشمس والقمر، والسماء والأرض، والبحار والأنهار، والشجر والدواب.. إلخ.. وقد عرض لها الإسلام على أنها دلائل قدرة الله، وعلائم صنعه الدقيق الحكيم، ولتكون نبراسا يهدي الناس إلى معرفة الله، وفهم منهج الله، والعيش وفقا له.
وواجب مناهج التربية أن تتناول هذا الجانب من الكون بالدراسة والتفكير والتدبر، واكتشاف قوانين الله ونواميسه وسننه فيه، وأن تعلم الصغار والكبار كيف يتلطفون في التعامل مع هذا الكون المادي، ومع البيئة المادية من حولهم ويبعدون عنها التلوث والنفايات والإشعاعات، وبذلك يستثمرون خيراتها لخدمة أنفسهم ولخدمة البشر جميعا.
стр. 51
الكون هو المصدر الثاني للمعرفة:
الكون آية الله الكبرى، ومعرض قدرته المعجزة المبهرة، أراده الله فكان، وقدره تقديرا محكما، وجعل كل شيء فيه خاضعا لإرادته وتدبيره.
والكون -في التصور الإسلامي- غيب وشهود. وهو من خلق الله "عالم الغيب والشهادة" والكون المغيب كالروح، والملائكة، والجن.. إلخ، نحن نؤمن به إيمان تسليم بوجوده كما علمنا الله، ونتكيف بذلك، وواجب الباحثين والمعلمين والمتعلمين والمناهج التربوية كلها أن يتأدبوا بأدب القرآن، وأن يقفوا عند حد ما جاء به، ولا يتركوا العقل يسبح فيه: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] .
أما الكون المشهود فهو كل ما نحسه حولنا، كالشمس والقمر، والسماء والأرض، والبحار والأنهار، والشجر والدواب.. إلخ.. وقد عرض لها الإسلام على أنها دلائل قدرة الله، وعلائم صنعه الدقيق الحكيم، ولتكون نبراسا يهدي الناس إلى معرفة الله، وفهم منهج الله، والعيش وفقا له.
وواجب مناهج التربية أن تتناول هذا الجانب من الكون بالدراسة والتفكير والتدبر، واكتشاف قوانين الله ونواميسه وسننه فيه، وأن تعلم الصغار والكبار كيف يتلطفون في التعامل مع هذا الكون المادي، ومع البيئة المادية من حولهم ويبعدون عنها التلوث والنفايات والإشعاعات، وبذلك يستثمرون خيراتها لخدمة أنفسهم ولخدمة البشر جميعا.
стр. 52
حقيقة الكون لدى بعض التصورات الفلسفية:
أما الكون المادي في نظر المثاليين فهو ممثل في العقل؛ فالعقل -الممثل بعقل الله- هو سبب وجود الكون، فالكون عملية عقلية عظيمة، فالله أوجد العقل الإنساني الذي أدرك الكون، فكان سببا في وجوده، وبما أن العقل الإنساني هو الذي أدرك الطبيعة أو الكون، فإنه يشارك في طبيعة العقل المطلق -عقل الإله- ويعد جزءا منه، أو صورة مصغرة له! ومهمة التربية أن تتيح الفرصة للعقل كي يدرك الأشياء، فكل شيء لا يكون موجودا إلا إذا أدرك بالعقل -فالأشياء ليس لها وجود في ذاتها- وإنما لا بد أن تدرك بالعقل كي تكون موجودة.
وبناء على هذه النظرة فالتعلم ليس ابتكارا ولا إبداعا، ولكنه تحقيق الفكرة المطلقة بالنسبة للحقيقة والخير والمثل التي وضعت سلفا، وليست قيمة الأفكار مبنية على ما لها من أهمية في حياة المتعلمين أو ضرورة في إنجاز مشروعاتهم، أو في ترقية حياتهم، بل إن قيمة الأفكار في ذاتها، حيث إنها تصور الواقع الممثل للحقائق اللانهائية، ومن أجل ذلك فالأفكار جديرة بالتعلم، وهي تستحق أن يكون تعلمها هدفا في حد ذاته.
ولقد أثر هذا اللون من الفكر على كل المدارس التي كونت الروافد الأساسية للنظريات التربوية التقليدية في الغرب، فأوجدت الازدواجية بين العقل والجسم في الطبيعة الإنسانية، وبما أن خاصية التفكير هي جوهر الطبيعة الإنسانية، فلقد كان الهدف الرئيسي للمنهج متمركز حول تربية العقل وتدريبه على التفكير الصحيح، من خلال الفلسفة والعلوم التي لا تتطلب الملاحظة والممارسة والتجريب والعمل الميداني.
ولقد أدى التفريق بين العقل واعتباره صورة مصغرة للعقل المطلق "الإله" وبين الجسم، وتركيز التربية على العقل، أدى هذا إلى تكوين المجتمعات الطبقية، التي تسود فيها الطبقات الأرستقراطية؛ حيث خرجت المدرسة مجتمعا طبقيا مكونا من: طبقة التربية العقلية والفلسفية, وهي طبقة الحكام؛ وطبقة أخرى تعمل في الصناعة والتجارة؛ حيث يقل التركيز في تربيتها على العقل؛ ثم طبقة الجنود والعمال الذين تعلموا عن طريق العمل اليدوي والعمل الميداني والملاحظة والتجريب. وصنفت المدارس على هذا الأساس الطبقي.
وفي بعض النظريات تم التحرك بعيدا عن العقل قليلا، واعتبر "الكون" كلا كبيرا مشتملا على جزئيات متناسقة، وأهم هذه الجزئيات: الطبيعة، والإنسان، والإله، بل لقد اعتبر الإنسان في أهم مرحلة من مراحل تطوره أحد مكونات الطبيعة.
стр. 53
هنا بدأت الفلسفة الواقعية الطبيعية تطفو على السطح إلى درجة أن صار الإنسان أحد مكونات الطبيعة، لكنه يمتلك طاقات وقدرات بشرية هائلة، ومهمة التربية تربية الطاقات والقدرات هذه منذ الصغر، حتى يستطيع الإنسان السيطرة على الطبيعة ويقترب من مرحلة الكمال الإلهي.
وبالرغم من أن فكرة الكونية والطبيعة أتت في المقدمة في فكر كومينيوس وديكارت، وبيكون، وجون هس، وغيرهم، إلا أنهم لم يكونوا قد تخلصوا من الفكرة المثالية بعد؛ فالإنسان قد صنع في صورة إله، وإنسانية الإنسان قد بنيت على العقل، فلا سلطة سواه، ولا مقياس للحقيقة إلا بالمبادي والمعايير التي يضعها، وقد ألقى هذا على عاتق مناهج التربية تبعة تعليم الناس وتنمية مواهبهم الطبعية، كما ألقى على عاتق الناس تبعة الاستمرار في التربية للوصول إلى الكمال.
ولقد انقلب مفهوم "الكون" رأسا على عقب في النظريتين: النفعية "البراجماتية" والتطبيقية "الماركسية"، فهاتان النظريتان تعتمدان على الفلسفتين: الطبعية والواقعية وأفكار دارون المتطورة عنها، وعلى الفلسفة التجريبية الميدانية. فالواقعية تتمسك بأن الكون هو هذه الأشياء الموجودة في هذا العالم المحسوس، وأن هذا العالم المحسوس هو عالم حقيقي في حد ذاته، وأن هذا العالم والأشياء الموجودة به لا يعتمد في وجوده على إدراك عقل الله أو عقل الإنسان، فالواقعيون الطبعيون يرفضون أي شيء وراء الطبيعة!
والحياة الإنسانية بكل أبعادها الجسمية والعقلية والروحية والخلقية هي حدث طبيعي عادي، يمكن عزوه في كل أبعاده إلى العمليات العادية للطبيعة، فالطبيعة خالقة للإنسان والحياة، فهي مصدر الإنسان، ومصدر المعرفة، ومصدر الحياة.
وعلى هذا فالتربية تعتمد على الخبرة والتجربة والملاحظة، والطبيعة هي مصدر مناهج التربية، فهي تحتوي على الصدق؛ فالصدق حقيقة يمكن ملاحظتها، وهذا الصدق يمكن الحصول عليه بواسطة الفحص العلمي للطبيعة.
وقد أثر هذا الفكر على حركة التربية والمناهج في أمريكا، ثم انتقل إلى أوربا على يدي عدد من المفكرين من أمثال هيربارت سبنسر وشيلر وغيرهما، حتى إن الملاحظ الآن لحركة التربية والمناهج في أوربا يجد أنها أقرب إلى هذا المنظور منها إلى نظريتها التقليدية القديمة التي كانت تستحوذ على التفكير التربوي الأوربي حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.
стр. 54
الكون في التصور الإسلامي:
والآن نعود إلى صفاء التصور الإسلامي لحقيقة الكون.
والكون في التصور الإسلامي هو آية الله الكبرى ومعرض قدرته المعجزة المبهرة، أراده الله فكان، وقدره تقديرا محكما، وجعل كل شيء فيه خاضعا لإرادته وتدبيره:
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] .
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨] .
﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] .
"إن الكون -كما يقرر المنهج القرآني- كون مخلوق حادث، وليس بالقديم الأزلي، كما أنه لم ينشأ من ذات نفسه، لقد خلقه الله -سبحانه- خلقا، وأنشأه إنشاء، بعد أن لم يكن، سواء في ذلك مادة بنائه الأساسية، أو الصورة التي ظهرت فيها، ولم يشارك الله -سبحانه- أحد في خلق هذا الكون، ولا في خلق شيء منه، سواء في ذلك مادته أو صورته. إن الله سبحانه هو الذي أعطى كل شيء خلقه، وأعطى كل شيء صورته، وأعطى كل شيء وظيفته"١.
القرآن والحقائق العلمية:
وإذا كان القرآن قد أشار إلى بعض الحقائق الكونية، فإن هذا ليس مبررا لأن نلتمس الموافقات بين النصوص القرآنية التي تشير إلى بعض الحقائق الكونية وبين النظريات والكشوف العلمية الحديثة؛ لأن هذا خطأ من الناحية الاعتقادية، ومن الناحية المنهجية العلمية أيضا، أما من الناحية الاعتقادية فالنصوص القرآنية صحيحة وصادقة بذاتها لا بشهادة من خارجها عليها، والمؤمن لا يجوز أن تدركه الهزيمة أمام علم البشر، فيستشهد به على صدقها وصحتها٢.
إن الحقائق القطعية المطلقة لا يملكها إلا الله -سبحانه- بحكم ألوهيته المهيمنة على الكون كله، أما "الحقائق العلمية" فهي -كما يقرر العلماء- مجرد احتمالات راجحة، لا قطعية الدلالة ولا مطلقة الدلالة، وطبيعة المنهج العلمي التجريبي لا تسمح بغير هذا، فالإنسان هو الذي يقوم بالتجربة، ومن ثم فهو لا يعتمد على نتائج إحصائية "بمعنى استقرائية"، وإنما يعتمد على نتائج قياسية، فهو يجري تجاربه على عدد محدود -مهما كثر- من المادة التي هي موضوع التجربة، ثم يقيس ما لم تتناوله تجاربه على ما تناولته هذه التجارب٣.
стр. 55
الكون المادي:
والكون في التصور الإسلامي قسمان: كون محسوس، وكون غير محسوس. شهادة وغيب، ولقد تناول الإسلام الكون المادي المنظور، وعرض لكثير من ظواهره، كالشمس، والقمر، والسماء، والأرض، والمطر، والنبات، والبحار، والأنهار، والجبال، والشجر، والدواب.. إلى آخره، وقد تكلم الإسلام عنها في بدء خلقها وتكلم عنها في عوارض وجودها، وتكلم عنها في بعض نهاياتها، وقد عرض لهذه النواهي لا ليعالج أمرها علاجا فنيا تحليليا، فيكون كتاب هيئة، وكتاب حيوان، ولكن عرض لها؛ لأنها دلائل قدرة الله ﵎ وعلائم صنعه الدقيق الحكيم، ولتكون نبراسا يهدي الناس لمعرفة الله١.
وهذا الكون جميل المظاهر، جميل المشاعر، صديق للإنسان، وليس عدوا له كما يقول بعض العلماء الطبيعيين الذي يعدون كل كشف لقانون من قوانين الله في الكون، وكل تسخير لطاقة من طاقات الكون المذخورة فيه "انتصارا" على الطبيعة وقهرا لها! أو هكذا يعبر ورثة الوثنية الإغريقية والرومانية في أوربا وأمريكا!
"ثم إنه كون صديق للحياة والأحياء.. إن الحياة لم تنشأ في الأرض فلته عابرة ليس بها من سند في نظام الكون! وإلا فكيف نشأت في كون معاد، والكون أكبر منها وأقوى.. وبخاصة أنهم يفترضون أن ليس وراء الكون ووراء الحياة إله، ولا إرادة إلهية أنشأت الكون وأنشأت الحياة؛ لأن نشأة الحياة في هذا الكون تكذب هذا الزعم، كما تكذب أن الكون عدو للحياة"٢.
وهذا ما تقرره النصوص الكثيرة والمتنوعة في القرآن الكريم:
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ، وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٢-٤] .
وهكذا نرى أن القرآن الكريم لم يتناول الكون المشهود من الناحية الفنية؛ لأن القرآن كتاب للتوجيه، يصل الإنسان بالله، ولو تعرض لهذه النواحي لما انتهى أمره. ومن ناحية أخرى يدرك القرآن ضرورة ترك الحرية للعقل الإنساني كي ينمو ويتقدم
стр. 56
حتى يدرك مكونات الكون، ويدرك صورها بسبب تدرجه في قوته واكتماله. فكلما ارتقى العقل الإنساني اكتشف ناحية من نواحي الدقة، وجانبا من جوانب القدرة، التي يصعب أن تتجلى للإنسان في طور واحد من أطوار حياته.
وواجب مناهج التربية والتعليم أن تتناول هذا الجانب من الكون بالدراسة والتفكر والتدبر واكتشاف قوانين الله فيه عن طريق الملاحظة والتجربة. كما أن هذا الجانب من الكون لا يمكن قهره -كما يقال- وإنما يمكن التلطف معه واستثمار خيراته لخير الناس جميعا.
الكون المغيب:
أما القسم الآخر من الكون، فهو الكون المغيب، أو غير المحسوس، وهو الذي يسمى "عالم الغيب"، فهو عالم لا يدخل في حدود الكون المادي، الذي يمكن أن ندرك مكوناته بالحواس، ومن هذا العالم الروح، والملائكة، والجن، والملأ الأعلى، والتخاطر عن بعد، وتأويل الأحلام.. إلخ١.
وقد أنكر المثاليون والماديون عالم الغيب، فالذين ينكرون "الله" لا يؤمنون بالغيب ولا بالدار الآخرة!
فهناك شيء اسمه الروح، وهو مكون من مكونات الإنسان، وهو من الله ﵎: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] .
ومن الكون غير المرئي الملائكة: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١] .
وهناك من عالم الغيب، الجن، وقد وصفوا بأنهم كانوا يسترقون السمع، وأن فيهم القدرة على تصريف الأمور أكثر من قدرة البشر: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] .
ومن الجن صنف من الشياطين، وأنهم الذين يزينون للناس الأعمال الضارة والمعاصي المهلكة، وعلاقة الجن بإبليس قوية، فإنه كبيرهم، إنهم كانوا يعلمون الكتب المقدسة، وكانوا يوازنون بينها موازنة دقيقة:
﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا، وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا، وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ [الجن: ١-٤] .
стр. 57
ومن الكون المغيب الملأ الأعلى، ومن عوالم الملأ الأعلى: سدرة المنتهى، والعرش، والكرسي، واللوح المحفوظ، والبيت المعمور.. وغيرها مما لا يعلمه إلا الله: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَأِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [ص: ٦٩] .
"وأخيرا، فهو كون مسلم طائع لربه، مؤمن عابد لمولاه.. إنه كون ذو روح تعرف ربها الحق، فتستسلم له طائعة، وتسجد له خاشعة، وتسبح له عابدة، وتغار على جلاله، وتنتقض لمهابته، وتغضب للشرك به من بعض البشر الجهال"١.
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥] .
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] .
واجب المنهج:
وهكذا تناول القرآن الكريم هذا الكون غير المرئي بإيجاز بليغ دون تعرض لحقائقه، وإن كان قد تعرض لبعض خواصه، فلم يذكر -مثلا- كيف خلق الله الملائكة، ولم يذكر شيئا عن أصل الروح، ولا عن هياكل الملأ الأعلى.
وواجب الباحثين أن يتأدبوا بأدب القرآن، وأن يقفوا عند حد ما جاء به، ولا يتركوا العقل يسبح فيها: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] .
إن القرآن لم يتناول هذا الجانب المغيب من الكون بالتفصيل؛ لأن القرآن جاء للفائدة، ولا فائدة تعود على البشر من الخوض في هذا العالم، وإننا نتخاطب بلغتنا، وبحسب ما نعرف، وما نفهم، واللغة عندنا لا تتناول إلا ما يقع في دائرة المتكلمين بها حسا ومعنى. فكيف تصور جوانب هذا العالم المغيب وتفصيلاته؟! إن الخوض في هذه النواحي لن يوصل إلى شيء سوى الفرقة والجدل.
وعلى مناهج التربية والتعليم أن توطد كل صلات الوحدة وعلاقات الترابط بين الكبار وبين مفردات الكون والحياة من حولهم، فالله الواحد الأحد الفرد الصمد، خلق الكون والإنسان والحياة في انسجام كامل، فالكون صديق للإنسان إذا عرف نواميسه عن طريق التعلم والمعرفة، وفي عناصر الكون ما يناسب استمرار الحياة ما شاء الله لها أن تستمر إذا عرف الإنسان ذلك، وتعلم كيف يكيف بيئته لتناسب هذه
стр. 58
الحياة، فبين الكون والإنسان والحياة صداقة طبعية وانسجام أصيل، وليس عراك مستمر، وصراع مخيف١.
والخلاصة مما سبق أن على مناهج التربية أن تأخذ في الاعتبار ما يلي:
١- التأكيد على أن الكون كتاب الله المفتوح، وأنه هو المصدر الثاني من مصادر العلم والمعرفة بعد الوحي.
٢- التأكيد على أن الكون مخلوق حادث، وليس أزليا، وأنه لم ينشأ من ذات نفسه، بل أنشأه الله بعد أن لم يكن.
٣- بيان أن الطبيعة مخلوقة لله، وأنه سبحانه نظمها، وخلق فيها قوانينها التي ينبغي أن يجد الإنسان في اكتشافها، ويستغلها في عمارة الأرض وترقية الحياة.
٤- التأكيد على أن الكون غيب وشهود، وأن الإيمان بالغيب هو أول صفات المتقين، وأن مكان عالم الغيب يعلمه عالم الغيب وحده.
٥- التأكيد على أن الإنسان يتعامل مع مفردات عالم الغيب كما أمر الله. ويتعامل مع مفردات عالم الشهادة بالدراسة والبحث واكتشاف قوانين الله فيها وتسخيرها لإعمار الحياة.
٦- التأكيد على أن "النظريات العلمية" وما تعارف الناس على أنه "حقائق علمية" كلاهما ليس قطعي الدلالة، ولا مطلق الدلالة، بل هي احتمالات راجحة في أحسن الأحوال.
٧- التأكيد على أن النصوص القرآنية قطعية الدلالة، ومطلقة الدلالة، ونهائية في تقرير الحقيقة التي تقررها، ومن ثم لا يجوز أن يستشهد على صدقها بالقوانين والنظريات العلمية المتصلة بالدراسات الكونية.
٨- التأكيد على أن الكون مقدر ومسخر، ومخلوق بحكمة، ومخلوق لغاية، وأن كل شيء فيه محسوب بحساب دقيق ليؤدي وظيفته، ويحقق الغاية من خلقه.
٩- التأكيد على أن عنصر الجمال مقصود قصدا في بناء الكون في ظواهره، وفي الحياة المبثوثة فيه، وأن إيقاظ حاسة الجمال في البشر مقصود قصدا في المنهج القرآني، وفي الثقافة الإسلامية، وفي مناهج التربية.
١٠- التأكيد على أن الكون بمفرداته المختلفة صديق للحياة والأحياء، وليس عدوا لها، فقد أعده خالقه لاستقبال الحياة وحضانتها وكفالتها.
стр. 59
١١- التأكيد على أن أقوات الأرض مقدرة فيها منذ خلقها الله، وأن فيها الكفاية، إذا تم استثمار ما فيها بالعلم والعدل وفق منهج الله.
١٢- التأكيد على أن الكون مسلم طائع لربه، مؤمن عابد لمولاه وخالقه، وأنه كون ذو روح تعرف ربها الحق، فتستسلم له طائعة، وتسجد له خاشعة، وتسبح له عابدة، وتغار على جلاله، وتنتفض لمهابته، وتغضب للشرك به من البشر الجهال١.
стр. 60
العلم والمعرفة ومفهوم التعلم:
مما سبق يتبين لنا أن المعرفة عن طريق الوحي، والمعرفة عن طريق العقل والكون يتكاملان ولا يتعارضان، فالعقل الإنساني قادر على التفاعل مع الكون والتأمل فيه، والتجريب على الأشياء الموجودة فيه، والمعرفة العقلية الصحيحة لا تقع خارج دائرة المعرفة التي تدعو إليها الشريعة، وصريح المعقول لا يتعارض مع صريح المنقول كما يقول ابن تيمية.
المعرفة الإنسانية كالعلم، وسيلة وليست غاية في ذاتها، فغاية المعرفة إقدار الإنسان على الإسهام بإيجابية وفاعلية في عمارة الأرض، وترقية الحياة على ظهرها وفق منهج الله.
والفرق بين العلم والمعرفة -كوسائل للتربية- يرجع -كما يقول الراغب الأصفهاني- إلى أن المعرفة تستخدم للدلالة على ما تدرك آثاره وإن لم تدرك ذاته، أما العلم فلا يكاد يطلق إلا على ما تدرك ذاته، ولهذا يقال: إن الإنسان يعرف ربه، ولا يقال: إنه يعلم ربه، فكأن المعرفة تأتي من خلال التعامل غير المباشر بالموضوع المدرك، ومن هنا فإنها تكون أقل دقة من العلم، ولهذا يوصف الحق ﵎ بأنه "عالم"، ولا يوصف بأنه "عارف"، والعلم لا يكون عن جهل، بينما المعرفة قد تسبق بجهل.
والعلم والمعرفة في منهج التربية لا بد أن يسيرا إلى تطبيق عملي، والتطبيق العملي هذا لا بد أن يكون في المربي الأسوة، بحيث لا يفهم المربى أن هناك علما تحشى به الرءوس، وهناك سلوك آخر ينفصل عن مبدأ ذلك العلم، فإذا انفصل العلم عن أنماط السلوك المتصلة به، انهدرت قيمة العلم، وانهدمت قيمة المعرفة، وحينئذ يكون الفساد المطبق الذي يصعب، بل يستحيل، علاجه.
стр. 61
مفهوم التعلم:
التعلم هو تغير في السلوك الإنساني نتيجة للتعليم بوسائله المختلفة، والتعلم عملية تبدأ بدافع فكري، أو بحاجة من حاجات النفس الفطرية أو المكتسبة، مادية كانت أو وجدانية، يصاحب ذلك عند الإنسان إحساس بحاجته إلى الاستعانة بهدي الله وعونه، هذا الإحساس، مع الاستعانة بهدي الله، يدفعان الإنسان إلى النشاط، وبذل الجهد المناسب من أجل الوصول إلى إشباع الحاجة أو حل المشكلة، أي: من أجل الوصول إلى إشباع الحاجة أو حل المشكلة، أي: من أجل الوصول إلى الفهم، ثم يتعدل السلوك طبقا لهذا الفهم. وهنا نقول: إن الإنسان قد تعلم.
إذن فالتعلم يحدث وفقا للخطوات التالية:
١- الإحساس بالحاجة، أو المشكلة.
٢- الاستعانة بهدي الله، وعونه، على قضاء هذه الحاجة أو حل المشكلة.
٣- بذل الجهد والنشاط المناسبين، أي: الأخذ بالأسباب بدقة ومهارة والإحسان في الأداء.
٤- الوصول إلى الفهم الذهني، أو الحل.
٥- تحويل الفهم الذهني إلى سلوك عملي في واقع الحياة.
إسقاط أية خطوة من هذه الخطوات يخل بالعمل كله، ولا يوصل إلى العلم، ومع ذلك فهناك شرطان أساسيان لحدوث التعلم في منهج التربية: الأول هو الاستعانة بهدي الله وعونه، فإن الشعور والاتجاه لدى الإنسان يدفعه إلى التعرف على موجهات المنهج الإلهي في العمل والنشاط، فيسهل العمل، ويتم الفهم، والشرط الثاني لحدوث التعلم هو تطبيق الفرد وممارسته لما وعى وفهم، يقول -سبحانه- في وصف المتقين: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ١-٣] . فالمتقون لا يوصفون بهذا الوصف إذا لم يتحول إيمانهم إلى حركة ونشاط في واقع الأرض.
وسائل التعلم:
أما الوسائل والمناشط التي تؤدى إلى العلم فهي أربع، وهي من البسيط إلى المعقد على النحو التالي:
стр. 62
الوسيلة الأولى: هي الأخذ بما يرد على ألسنة الناس، والاعتقاد بأنه الحق، وهذا هو أسلوب العوام من البشر.
والوسيلة الثانية: هي الخبرة المباشرة، وتسمى أحيانا بأسلوب التعلم الفطري وبها يتعلم الإنسان عن طريق المحاولة والخطأ، والعمل، والملاحظة والتجربة، واستخدام الحواس: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] .
والوسيلة الثالثة: الخبرة غير المباشرة، ويسميها الغزالي "التفكير"، ويحدث إذا غلب نور العقل على أوصاف الحس، وهنا يستغني المتعلم بقليل من التفكير عن كثير من إدراكات الحواس.
الوسيلة الرابعة: هي "الإلهام"، والإلهام هو تنبيه الله للنفس البشرية، وإلهامها بالأفكار والعلاقات على قدر صفاتها وقبولها وقوة استعدادها، ومقدار سعيها، وتعلم الإنسان عن طريق الإلهام واضح لا يحتاج إلى دليل في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فالآية دعوة صريحة إلى المؤمنين بتقوى الله، فهو الذي يعلمهم ويرشدهم، وأن تقواه تفتح قلوبهم للمعرفة، وتهيئ عقولهم للتعلم.
ويؤكد هذا الأسلوب أيضا، قول الحق ﵎: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧، ٨] ، فالإلهام إذن وسيلة من وسائل الإنسان عن طريق القوة الكامنة التي أودعها الله في النفس لتوجيه استعداداتها وطاقاتها المدركة إلى طريق الخير أو إلى طريق الشر سواء.
стр. 63
التطبيق غاية العلم والمعرفة
...
التطبيق هو غاية العلم والمعرفة:
إن حديث: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة"، حديث صحيح، لكن حقيقة "لا إله إلا الله" التي تدخل الجنة، هي صلتها التي لا تنفصم عن الحكم بما أنزل الله، وتطبيق شريعة الله ومنهجه، ولذلك كان من أنواع الشرك التحاكم إلى غير شريعة الله.
وكان الوحي قاطعا في رده على المنافقين: إن كنتم مؤمنين حقا فآية إيمانكم هي تنفيذ أحكام الله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] .
وينعى القرآن على فئة من المؤمنين يقولون ما لا يفعلون، ويصف هذا السلوك بأنه ممقوت عند الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣] .
إن منهج التربية الرشيد لا توجد فيه تلك الفجوة المعهودة بين العلم والعمل، أو بين المثال والواقع، أو بين النظرية والتطبيق، فلا بد أن تكون المناهج نظرية وعملية معا، وأن ترتبط مناهج الرجال بالورش والمصانع والمزارع، وأن ترتبط مناهج البنات بإدارة البيوت، ومدارس البنات، ورياض الأطفال، ومستشفيات أمراض النساء، وبذلك يتعلم الجميع حيث يعملون، ويعملون حيث يتعلمون.
إن العلم في منهج التربية هو معرفة قوانين الله في الكون، وتطبيقاتها في عمارة الأرض، فالعلم الصحيح -إذن- هو الذي يؤدي إلى معرفة الله، وهذا العلم فريضة مقدسة: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" "رواه ابن ماجه"، وبذلك الجهد في طلب العلم جهاد، أي: عبادة، "من سلك طريقا يطلب فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة" "رواه مسلم".
نحن إذن حيال منهج فذ، فريد، شامل، متكامل لتربية الإنسان كله: جسمه وعقله ووجدانه، تربية شاملة متكاملة، تربية الإنسان القوي القادر على الإسهام في عمارة الحياة وترقيتها، الإنسان التواق إلى العدل، المناضل من أجل الظفر بالحرية، الذي تحركه الأشواق إلى الخير، والحق، والجمال، الإنسان الذي يعمر قلبه الإيمان، وحب الآخرين، والرغبة في إسعادهم، الإنسان الذي يتحدى الخطر والفقر، ويقتحم المجهول في جسارة مستعينا بالله، ليصوغ لنفسه وللناس عالما أفضل.
إن ذلك المنهج الذي يربي الإنسان الموصول القلب دائما بالله، الذي يربط بين الدنيا والآخرة، كما يربط بين ملكوت الأرض بملكوت السماء. ذلك المنهج هو هويتنا التربوية، لأنه وسيلتنا إلى تحقيق هويتنا الكلية، وهي أن نكون مسلمين حقا.
إن تطبيق هذا المنهج، حسب المفهوم السابق، يتطلب -بصورة أساسية- وبإيجاز شديد -مجموعة من الإجراءات لعل أهمها ما يأتي:
أولا: إعادة تصميم مناهج التربية في جميع مراحل التعليم العام بطريقة تتكامل فيها العلوم الشرعية -التي تشكل محورا ثابتا- مع العلوم الإنسانية والكونية، كما تتكامل كل هذه العلوم مع طبيعة المتعلمين في كل مرحلة تعليمية من حيث مطالبهم وحاجاتهم ونوعية المشكلات التي يواجهونها في حياتهم.
стр. 64
ثانيا: إعادة تصميم مناهج العلوم الطبيعية والرياضيات والتاريخ والجغرافيا، والسياسة والاقتصاد والفنون والآداب بحيث تسهم في إدراك النائشة لقوانين منهج الله في الكون وتطبيقاتها في واقع الحياة.
إن الفصل التعسفي بين العلوم الشرعية على أساس أنها علوم للدين، وبين العلوم الأخرى على أساس أنها علوم للدنيا، قد أحدث كثيرا من الخلط والتشويش والمتاعب التي تعاني منها الأجيال الحالية، فالإسلام نظام يحكم الحياة، والعلم في هذا النظام هو العلم بقوانين الله في الكون وتطبيقاتها في واقع الأرض، فسواء كانت هذه القوانين لحكم وتوجيه سلوك الإنسان أم كانت لحكم العلاقات بين سائر مكونات الكون، فهي كلها صادرة من الله، وهي كلها جزئيات في نظام متماسك لا يمكن أن يختل.
ليس من المعقول -إذن- تدريس هذه العلوم بشكل يصب في أذهان الناشئة تصورا للحياة والأحياء، خاليا من كل أثر لله وللقدرة الإلهية، فهذا قد يعني لدى الكثيرين منهم انفصال الدين عن الحياة، لأن ما تغرسه علوم العقيدة والشريعة، تقتلعه العلوم الأخرى، وتظل الناشئة في تيه شديد!
ثالثا: إنشاء مدارس للدراسات العليا، تنطلق من التصور الإسلامي للكون والإنسان والحياة في توجيه كل البحوث والدراسات لتشخيص المشكلات وعلاجها في مختلف الأقطار الإسلامية والعربية، أما الاستمرار في إرسال الباحثين والدارسين إلى الجامعات الأمريكية والغربية لدراسة العلوم والفنون والآداب والعلوم الإنسانية عموما فهو استمرار في سياسة التغريب القائمة التي نعاني من آثارها في مجمل حياتنا عامة، وفي حياتنا الثقافية والتربوية الخاصة.
إن الإسلام لا يتسامح: "أن يتلقى المسلم أصول عقيدته ولا مقومات تصوره، ولا تفسير قرآنه وحديثه وسيرة نبيه، ولا منهج تاريخه وتفسير نشاطه ولا مذهب مجتمعه، ولا نظام حكمه، ولا منهج سياسته، ولا موجبات فنه وأدبه وتعبيره.. من مصادر غير إسلامية، ولا أن يتلقى "في كل هذا" عن غير مسلم يثق في دينه وتقواه".
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠] .
والواقع أن الإسلام يفرق في هذا الأمر بين نوعين من العلوم: العلوم التي تتصل بتفسير النشاط الإنساني كله: كالفنون والآداب والعلوم الإنسانية والتربوية عموما، فهذه يجب على المسلم ألا يتلقاها إلا على يد مسلم يوثق في علمه ودينه.
стр. 65
أما ما يردده بعض مفكرينا من آن لآخر، من أن الفنون والآداب يجب أن تدرس كفنون جميلة في حد ذاتها، دون ربطها بالعقائد والأخلاقيات، فهذا رأى غير مقبول، فلا يجب أن نعترف بنظريات "العلم للعلم" و"الفن للفن". فالعلوم والفنون ما هي إلا وسائل وأدوات خلقها الله ليتعلمها الإنسان ويستخدمها في عمارة الأرض وترقيتها وفق منهج الله.
أما العلوم البحتة كعلوم الكيمياء والفيزياء والأحياء وعلوم الصناعة والزراعة. إلخ فالأصل أن يسعى المجتمع المسلم لتوفير الكفايات فيها، باعتبار تعلمها فرض كفاية، فإذا لم يوفر الكفايات أثم المجتمع كله، وإلى أن تتوفر الكفايات في هذا الميدان فإن للمسلم أن يتلقى هذه العلوم عن المسلم وغير المسلم.
وليس معنى ما تقدم أنني أدعو إلى الانغلاق، لكنه الانفتاح الذي ينشد الحكمة ويزن كل شيء وفقا لمعايير وقواعد منهج الله.
стр. 66
العلم والمعرفة وقيادة الإنسانية
...
العلم والمعرفة وقياة الإنسانية:
إن الإسلام هو النظام الذي يحكم الحياة. وقد أنزله الله سبحانه لتكون له السيادة، وتحكم به الأرض، لكن سنة الله في الكون تقتضي أن يسود الإسلام ويحكم العالم، حينما يكون المسلمون أقدر من غيرهم على عمارة الأرض وترقية الحياة على ظهرها بالكشف عن سنن الله وقوانينه في الكون، التي هي العلم، ومعرفة تطبيقاتها في واقع الحياة، التي نعبر عنها بالتقانة، وحينما يكون المسلم مثلا يحتذى في الأخلاق والسلوك. عندئذ يكون المسلمون قلب العالم، وقادة القافلة الإنسانية، هذا ما حدث، وما نرجو أن يحدث مرة أخرى.. سنة الله، ولن تجدوا لسنة الله تبديلا.
إذن، فالعلاقة قوية بين استخدام قوى الإدراك الظاهرة والخفية التي أودعها الله في الإنسان، للكشف عن سنن الله في الكون، وتطبيقاتها في وقاع الحياة -التي نعبر عنها بالعلم والتطبيقات التقنية- وبين قيادة القافلة الإنسانية أو السير تبعا لذيلها.
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] .
إن هذه العلاقة تكمن -كما يقول الأستاذ أبو الأعلى المودودي- في سر هذه الكلمات الثلاث: "السمع" و"البصر" و"الفؤاد". إن هذه الكلمات لم ينزل بها الوحي في كتاب الله لتعني فقط مجرد القدرة على السمع والرؤية والتفكير، لأن "السمع"
стр. 67
معناه هنا استخدام هذه الطاقة بفاعلية وكفاءة لإحراز العلم والمعرفة التي اكتسبها الآخرون. و"البصر" معناه تنميتها بما يضاف إليها من ثمرات الملاحظة والتجربة والبحث، و"الفؤاد" معناه تنقيتها من أدرانها وأوشابها، ثم استخلاص النتائج منها، وتقويمها وترقيتها.
إن هذه القوى الثلاث: السمع والبصر والفؤاد، إذا ما تضافرت بعضها إلى بعض، نجم عنها ذلك العلم، وتلك المعرفة اللذان منّ الله بهما على بني آدم، وبهما استطاع أن يتعامل مع سائر المخلوقات ويسخرها لإرادته.
ولو أردت التعمق في تأمل هذه الحقيقة لاهتديت في النهاية إلى أن هؤلاء الذين لا يستخدمون هذه القوى، أو يستخدمونها في حدود ضيقة، هم الذين كتب عليهم العيش في حالة من التأخر والانحطاط تحت كنف الآخرين وسلطانهم، أما الذين يوظفون هذه القوى بكفاءة وفاعلية، فهم الذين يظفرون بالسيادة والسيطرة, وهم الذين يصبح لهم حق قيادة البشرية وتوجيهها١.
ومجمل القول "أن زعامة الجنس البشري والأخذ بقياده إلى الخير أو إلى الشر، إلى لجنة أو إلى النار، من نصيب هؤلاء الذين يتفوقون على سواهم في الانتفاع بنعم السمع والبصر والفؤاد، تلك سنة الله، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ولا تحويلا، وأيما جماعة من البشر -بغض النظر عن كونها مؤمنة أو كافرة- تحقق الغاية من هذه المنح الإلهية، فإنها تتولى عامة غيرها من الشعوب التي تجبر على الطاعة والإذعان.
والسؤال الآن هو: ما حقيقة هذه القوى: السمع والبصر والفؤاد؟ وما طبيعتها؟ وما فائدتها؟ وكيف يمكن تربيتها وتدريبها وصقلها لدى الإنسان المعاصر صغيرا كان أو كبيرا، حتى يتمكن من استخدامها بكفاءة وفاعلية في عمارة الأرض وترقية الحياة؟ إن هذه الإجابة عن هذه الأسئلة هي مهمة مناهج التربية عامة، ومناهج اللغات واللسانيات على وجه الخصوص.
ومما سبق يمكن إجمال ما يجب أن تراعيه مناهج التربية فيما يلي:
١- التأكيد على أن المعرفة عن طريق الوحي أو عنت طريق العقل والكون يتكاملان ولا يتعارضان، فصريح المعقول لا يتعارض مع صريح المنقول.
٢- التأكيد على أن المعرفة كالعلم، وسيلة وليست غاية في ذاتها، وأن غاية العلم والمعرفة هي إعمار الأرض وترقية الحياة وفق منهج الله.
٣- التأكيد على أن غاية العلم والمعرفة التطبيق في واقع الحياة، إلا انهدمت
стр. 68
قيمة العلم وانهدرت قيمة المعرفة.
٤- التأكيد على أن العلم الذي لا ينفع والمعرفة النظرية التي لا تقبل التطبيق لا يجب أن تتضمنها مناهج التربية؛ لأن في ذلك إضاعة للجهد والوقت والمال.
٥- التأكيد على أن التعلم إنما يحدث إذا أحس الإنسان بحاجة أو بمشكلة، فاستعان بهدي الله، وأخذ بالأسباب المناسبة، ووصل إلى الفكرة، فحولها إلى تطبيق عملي.
٦- التأكيد على مصممي مناهج التربية بضرورة تحديد مصادر المعرفة وأسس المنهج قبل البدء في عملهم؛ لأنهم إما أن يكونوا مؤمنين بأن الوحي والكون ما مصدر المنهج، وإما أن يقصروا مصادر المنهج على الكون فقط، فكل ذلك سينعكس بالضرورة على تحديدهم لأهداف المنهج، واختيارهم لمحتواه وتنظيمهم لهذا المحتوى، واختيارهم لطرائق وأساليب التدريس والتقويم والتطوير المناسبة.
стр. 69
الفصل الثالث: الطبيعة الإنسانية وطبيعة المتعلم
الإنسان والفطرة الإنسانية
...
الفصل الثالث: الطبيعة الإنسانية
الإنسان والفطرة الإنسانية:
الإنسان عبد الله، وسيد الكون، وهو مخلوق من طين الأرض، وفيه نفخة علوية من روح الله، فالإنسان هو هذان العنصران المختلفان، مترابطان ممتزجان في كيان كلي واحد:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٨، ٢٩] .
وهو كان من كائنات الملأ الأعلى، لأن إنسانيته لم تتكون ولم تتشكل إلا بعد أن نفخ الله فيه من روحه، فقد نشأ في الملأ الأعلى، ثم هبط على الأرض اختيارا: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣، ١٢٤] .
وقد عقدت له الخلافة في الأرض ليعمرها ويرقيها وفق منهج الله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] .
وهو معان من الله على القيام بحق الخلافة، فالكون كل مسخر له:
﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] .
﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان: ٢٠] .
стр. 70
وهو أكرم خلق الله على الله:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] .
ولأن الإنسان كريم على الله، ومعقودة له خلافة الأرض، فهو محسوب حسابه في تصميم الكون قبل أن يكون: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٥] .
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥] .
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] .
﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥-٩٧] .
والإنسان -كما أسلفنا- يكون في أرفع مقاماته، وفي خير حالاته، حين يحقق مقام العبودية لله، إذ إنه -في هذه الحالة- يكون في أقوم حالات فطرته، وأحسن حالات كماله، وأصدق حالات وجوده١.
والبشر جميعا من أصل واحد: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١] .
ولقد خلق الله البشر أمما، وقبائل، وشعوبا؛ ليتعارفوا، ويتعاونوا، لا ليتنافروا ويتناحروا ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] .
стр. 71
والعقل الإنساني هو مناط التكليف، وهو شرف الإنسان وامتيازه، وقدرة الإنسان على التفكير والاختيار، هي التي أهلته لهذا الاستخلاف، ولحمل مسئولية تنفيذ منهج الله في الأرض، فالعقل هو مناط التكليف والمسئولية.
الحرية فطرة:
والعقيدة هي رابطة التجمع الإنساني الرئيسية، وليس الجنس، ولا القوم، ولا اللغة، ولا الأرض، ولا اللون، ولا الطبقة الاجتماعية أو المصالح السياسية أو الاقتصادية؛ ذلك لأن العقيدة مرتبطة بحرية الإنسان واختياره وإرادته، أما روابط القوم، والأرض أو اللحم، والدم، والطين، فلا إرادة للإنسان فيها، فالإنسان ليس حرا في اختيار بلده أو أهله وقومه، ولكنه حر تماما في اختيار عقيدته وفكرته ومنهجه.
والإنسان حر لأنه مسئول، فالحرية والمسئولية وجهان لعملة واحدة، فالحرية تستلزم المسئولية، والمسئولية تستلزم الحرية.
وحرية الإنسان ليست حقا من حقوقه، يمكن أن يمنح له أو يمنع عنه، وإنما هي فطرة في طبيعته، وجزء من إنسانيته، بها يصير إنسانا مسئولا، وبدونها يهبط إلى درجات أدنى بكثير من الحيوان، فهو حر حتى في العقيدة التي يؤمن بها: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] ، ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] ، ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] .
وقد عبر سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ عن فطرة الحرية في الطبيعة الإنسانية، عندما قال: "متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار؟! ".
إن الحرية من أثمن ما جاء به الإسلام، فالتوحيد قرين التحرير، وشهادة "لا إله إلا الله" إعلان عن ميلاد الإنسان الحر في هذا الكون الذي يسجد لله وحده، ويخشى الله وحده، ومن هذا المنطلق فإن الاستبداد يصبح قرين الشرك، لأنه يحيل الناس عبيدا لآلهة من البشر، ويدفعهم إلى السجود لغير الله!
الشعور بألوهية الله شعور فطري:
وشعور الإنسان بألوهية الله، وبوجود الله الواحد الأحد هو شعور فطري مستقر في أساس تكوينه، فالإنسان في تكوينه نفخة من روح الله، وعلاقته بخالقه هي علاقة المخلوق بخالقه الرحمن الرحيم، وهي علاقة لا يستطيع أي مخلوق دفعها، أو الحياد عنها١.
стр. 72
فشعور الإنسان بوجود الله خالقه، هو قانون من قوانين وجوده الروحي، وضرورة من ضروراته التي لا يستطيع أن يتخلى عنها، فحاجة الإنسان إلى الإيمان بالله كحاجته إلى التنفس، وإلى الطعام والشراب، والراحة، فإذا كانت حاجاته هذه قانونا من قوانين وجوده المادي، فإن إيمانه بالله الخالق، الرحمن، الرحيم، هو قانون من قوانين وجوده الروحي، وضرورة من ضروراته.
إذنن فشعور الإنسان بوجود الله فطرة، في الطبيعة الإنسانية: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠] .
فالإيمان بالله، والشعور بوجود الله، فطرة مستكنة في الطبيعة الإنسانية، أصلها الروح التي هي جزء في كل تكوينه، وهي شيء من روح الله.
ولذلك لا غرابة أن نجد الإنسان يلجأ إلى الله حين ييأس من كل الأسباب الظاهرة، حين يمسه الضر، وحين ييأس من حوله وقوته، ومن حول الناس وقوتهم، فهذا اللجوء هو هتاف تهتف به الفطرة الإنسانية من جوانب نفسه.. أن يلجأ إلى الله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] .
﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] .
ضرورة دراسة الفطرة الإنسانية:
إن التقدم العلمي الهائل في علوم الطبيعة والكيمياء والفلك وعلوم الجماد عموما يتسم بعدة أمور، أهمها ما يلي:
أنه لا يتبع أية خطة معينة، إنه يتطور دون إدراك للنتائج المترتبة عليه إنسانيا.
أنه لا يتحرك تبعا للرغبة في تحسين أحوال البشر.
أنه لا تحكمه قيم من خارجه.
إن هذا التقدم العلمي الهائل في علوم الجماد قد تزامن مع تقدم علمي بطيء، لم يكد يتعدى كثيرا حد الجهل في دراسة علوم الإنسان والطبيعة الإنسانية، أو العلوم الحيوية عموما، وقد تمخض هذا عن حضارة إنسانية معاصرة، زودت الناس بكل وسائل الحياة الحديثة، لكنها أهدرت -في نفس الوقت- القيم الخلقية، وأخفقت في النهوض، بالمستويات الروحية والأدبية والعقلية لعامة الناس وخاصتهم.
стр. 73
فكيف أمكن الحصول على هذه النتيجة المتناقضة؟
إن الإجابة البسيطة عن هذا السؤال تجيء على لسان أحد علماء هذه الحضارة والمشاركين في صنعها، هو "ألكسيس كاريل" حيث يقول: "إن الحضارة الحديثة تجد نفسها في موقف صعب؛ لأنها لا تلائمنا، فقد أنشئت دون أية معرفة بطبيعتنا الحقيقة؛ إذ إنها تولدت من خيالات الاكتشافات العلمية، وشهوات الناس، وأوهامهم، ونظرياتهم ورغباتهم، وعلى الرغم من أنها أنشئت بمجهوداتنا إلا أنها غير صالحة بالنسبة لحجمنا وشلكنا".
لقد أدى تطبيق الاكتشافات العلمية إلى تغير العوالم المادية والعقلية بصورة هائلة، لكن التأثير التعس لهذه التغيرات إنما هو نتيجة لأنها نمت وتطورت دون أدنى تفكير في فطرتنا.
"لقد أهمل تأثير المصنع على الحياة الفسيولوجية والعقلية للعمال إهمالا تاما عند تنظيم الحياة الصناعية، إذ إن الصناعة العصرية تنهض على مبدأ: "الحد الأقصى من الإنتاج بأقل التكاليف"، حتى يستطيع فرد أو مجموعة من الأفراد أن يحصلوا على أكبر مبلغ مستطاع من المال، وقد اتسع نطاقها دون أي تفكير في طبيعة البشر الذين يديرون الآلات، ودون اعتبار للتأثيرات التي تحدثها طريقة الحياة الصناعية التي يفرضها المصنع على الأفراد وأحفادهم.."١.
وتشكل التقانات الحديثة من مجالات نقل واستزراع الأنسجة والأعضاء البيولوجية، وتلقيح البويضات في الأنانيب، أو زرع الأجنة بالأرحام، والتلقيح الصناعي، والعلاج الجيني، وتجارب اختبار فاعلية العقاير المستحدثة وغيرها، آفاقا جديدة لدعم صحة الإنسان ومقومات استمرارية حياته على الأرض، إلا أنه تجدر الإشارة إلى ما ينطوي على العبث بالمجين البشري، وطمس معالم تأصيل الأنساب من تهديد خطير للجنس البشري، ومعالمه الأسرية، كما تجدر الإشارة إلى بعض الممارسات الطبية الدوائية التي تتعارض مع الأسس الأخلاقية للمهن الطبية التي يجدر الالتزام بها، الأمر الذي تترب عليه مشكلات أخلاقية خطيرة وافتئات على قوانين الفطرة، الأمر الذي أدى إلى إثارة الجدل حول مدى أحقية الطبيب في الإنهاء العمري لحياة المرضى اليائسين من الشفاء بعد الحصول على الموافقة منهم أو من ذويهم، وحول مفهوم الموت! أهو توقف جذع المخ والغيبوبة الطويلة، أم توقف نبض القلب..؟! ٢.
إن الإنسان يجب أن تعلو قيمته على كل شيء، كما يجب أن يكون مقياسا لكل شيء، لكن الواقع عكس ذلك، فهو غريب في العالم الذي ابتدعه؛ لأنه لم يستطع
стр. 74
تنظيم العالم وفقا لطبيعته، لأنه لا يملك معرفة علمية دقيقة بفطرته التي فطره الله عليها.
وصفوة القول: إن التقدم الهائل الذي أحرزته علوم الجماد على علوم الحياة هو إحدى الكوارث التي تعاني منها الإنسانية، إذ ليس هناك ما يحميها من الظروف العدائية التي شيدها العلم حولها.
وإن العلاج الوحيد لهذا الشر المستطير هو معرفة أكثر عمقا بأنفسنا وبفطرتنا الإنسانية، وبذلك نتعلم كيف نكيف أنفسنا للمتغيرات المناسبة، وكيف نغير الظروف المحيطة بحيث تصبح الحياة حولنا ملائمة لفطرتنا الإنسانية، وعلى هذا فإن هذا الجزء هو رحلة عبر هذا الإنسان، ومحاولة لفهم فطرته الإنسانية التي فطره الله عليها.
الفطرة الإنسانية:
التربية عملية تهدف إلى إيصال المربي إلى درجة الكمال التي هيأه الله لها، والإنسان هو محور العملية التربوية، فالعملية التربوية بكل ما تشتمل عليه من أصول تربوية، ونظريات، ومناهج، وممارسات، ومربين، كلها تعمل وتتفاعل من أجل تهيئة الجو المناسب للمتعلم كي ينمو إلى درجة كماله الإنساني.
لكن المنهج التربوي يتأثر إلى حد بعيد بنظرة المخططين له والقائمين على تنفيذه إلى الفطرة الإنسانية، أو الطبيعة الإنسانية، والفطرة الإنسانية في الإسلام تختلف في مفهومها، وفي مصدرها، وفي غايتها عن الطبيعة الإنسانية في الفلسفات ومدارس علم النفس المختلفة.
يختلف مفهوم الفطرة الإنسانية في الإسلام عن مفهوم الطبيعة الإنسانية لدى الفلسفات ومدارس علم النفس المختلفة، ففي القاموس: فطر ناب البعير، أي: شق اللحم وطلع، وفطر النبات، أي: شق الأرض ونبت منها، وفطر الأمر، أي: ابتدأه واخترعه١، وفطر الله العالم، أي: أوجده ابتداء، وفي القرآن يقول الحق ﵎ على لسان سيدنا إبراهيم: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩] .
والفطرة هي الخلقة التي يكون عليها كل موجود أول خلقه، والفطرة هي الخلقة السليمة لم تشب بعيب، وفي التنزيل العزيز:
﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] .
стр. 75
والفطرة في المفهوم الإسلامي هي خلق الله الإنسان على الإسلام، أي: شاهدا بعبوديته لله، ومقرا بربوبيته، ومزودا بالاستعدادا والطاقات الظاهرة والكامنة التي تمكنه من إصابة الحكم، والتمييز بين الحق والباطل وفقا لمعايير منهج الله.
أما مفهوم الطبيعة، ففي القاموس: طبع الشيء طبعا، وطباعة، أي: صاغه في صورة ما، ويقال: طبع الله الخلق١، أي: أنشأه. والطبيعة الإنسانية، أي: السجية، ومزاج الإنسان المركب من الأخلاط، والقوة والسارية في الأجسام التي يصل بها الجسم إلى كماله الطبعي الذي هيأه الله له، فالطبيعة الإنسانية بهذا المعنى هي مجموعة الخصال والسجايا التي خلق الله الناس وفطرهم عليها، سواء كان ذلك من خلق الله للإنسان في البداية، أو بتهيئة الإنسان كي يقوم بذلك في نفسه، أو من خلال البيئة والأشياء المحيطة به.
أما الطبيعة في المصطلح الغربي الذي قامت عليه مدارس علم النفس هناك، فهي الأشياء المادية المحسوسة حولنا من جماد وحيوان ونبات، ففي الاصطلاح اليوناني: "الفيزيقا" هي الطبيعة. و"الميتافيزيقا" ما وراء الطبيعة، أي: الأمور الغيبية وغير المحسوسة.
وكما يقول الدكتور محمد رشاد خليل: فقد أخذت الطبيعة معاني فلسفية لدى فلاسفة الإغريق، وأصبحت هي الأساس في الفكر الغربي الحديث.
فالطبيعة هو الجوهر المادي الأول الذي تصنع منه الأشياء، وهذا الجوهر المادي هو أصل الوجود، والعلة الأولى في وجود هذا الكون، وهي عند أفلاطون المثال، وعلة الوجود، والنفس الكلية، وعند أرسطو هي أصل الأشياء، ومصدر الحركة، والمادة التي تصنع منها الأشياء.
وقد استخدمت الفلسفات الغربية مفهوم الطبيعة، بهذا المعنى الإغريقي القديم، فالطبيعيون والمثاليون والواقعيون والدارونيون يرون "الطبيعة هي الأشياء، وهي القانون الطبيعي الذي يعمل في الأشياء، والطبيعة هل أصل الأشياء"٢.
إذن فالطبيعة في الفلسفات الغربية ومدارس علم النفس القائمة عليها ليست من خلق الله، بل هي خالقة الكون وسبب وجوده الأول، وبذلك يتصادم مفهوم الطبيعة في هذه المدارس مع مفهوم الطبيعة في الإسلام.
مكونات الإنسان:
لقد بين القرآن أن الله خلق الإنسان من طين الأرض، ثم نفخ فيه من روحه ومن الطين تكون جسد الإنسان: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧١، ٧٢] .