والعقل الإنساني هو مناط التكليف، وهو شرف الإنسان وامتيازه، وقدرة الإنسان على التفكير والاختيار، هي التي أهلته لهذا الاستخلاف، ولحمل مسئولية تنفيذ منهج الله في الأرض، فالعقل هو مناط التكليف والمسئولية.
الحرية فطرة:
والعقيدة هي رابطة التجمع الإنساني الرئيسية، وليس الجنس، ولا القوم، ولا اللغة، ولا الأرض، ولا اللون، ولا الطبقة الاجتماعية أو المصالح السياسية أو الاقتصادية؛ ذلك لأن العقيدة مرتبطة بحرية الإنسان واختياره وإرادته، أما روابط القوم، والأرض أو اللحم، والدم، والطين، فلا إرادة للإنسان فيها، فالإنسان ليس حرا في اختيار بلده أو أهله وقومه، ولكنه حر تماما في اختيار عقيدته وفكرته ومنهجه.
والإنسان حر لأنه مسئول، فالحرية والمسئولية وجهان لعملة واحدة، فالحرية تستلزم المسئولية، والمسئولية تستلزم الحرية.
وحرية الإنسان ليست حقا من حقوقه، يمكن أن يمنح له أو يمنع عنه، وإنما هي فطرة في طبيعته، وجزء من إنسانيته، بها يصير إنسانا مسئولا، وبدونها يهبط إلى درجات أدنى بكثير من الحيوان، فهو حر حتى في العقيدة التي يؤمن بها: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] ، ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] ، ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] .
وقد عبر سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ عن فطرة الحرية في الطبيعة الإنسانية، عندما قال: "متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار؟! ".
إن الحرية من أثمن ما جاء به الإسلام، فالتوحيد قرين التحرير، وشهادة "لا إله إلا الله" إعلان عن ميلاد الإنسان الحر في هذا الكون الذي يسجد لله وحده، ويخشى الله وحده، ومن هذا المنطلق فإن الاستبداد يصبح قرين الشرك، لأنه يحيل الناس عبيدا لآلهة من البشر، ويدفعهم إلى السجود لغير الله!
الشعور بألوهية الله شعور فطري:
وشعور الإنسان بألوهية الله، وبوجود الله الواحد الأحد هو شعور فطري مستقر في أساس تكوينه، فالإنسان في تكوينه نفخة من روح الله، وعلاقته بخالقه هي علاقة المخلوق بخالقه الرحمن الرحيم، وهي علاقة لا يستطيع أي مخلوق دفعها، أو الحياد عنها١.
стр. 72
فشعور الإنسان بوجود الله خالقه، هو قانون من قوانين وجوده الروحي، وضرورة من ضروراته التي لا يستطيع أن يتخلى عنها، فحاجة الإنسان إلى الإيمان بالله كحاجته إلى التنفس، وإلى الطعام والشراب، والراحة، فإذا كانت حاجاته هذه قانونا من قوانين وجوده المادي، فإن إيمانه بالله الخالق، الرحمن، الرحيم، هو قانون من قوانين وجوده الروحي، وضرورة من ضروراته.
إذنن فشعور الإنسان بوجود الله فطرة، في الطبيعة الإنسانية: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠] .
فالإيمان بالله، والشعور بوجود الله، فطرة مستكنة في الطبيعة الإنسانية، أصلها الروح التي هي جزء في كل تكوينه، وهي شيء من روح الله.
ولذلك لا غرابة أن نجد الإنسان يلجأ إلى الله حين ييأس من كل الأسباب الظاهرة، حين يمسه الضر، وحين ييأس من حوله وقوته، ومن حول الناس وقوتهم، فهذا اللجوء هو هتاف تهتف به الفطرة الإنسانية من جوانب نفسه.. أن يلجأ إلى الله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] .
﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] .
ضرورة دراسة الفطرة الإنسانية:
إن التقدم العلمي الهائل في علوم الطبيعة والكيمياء والفلك وعلوم الجماد عموما يتسم بعدة أمور، أهمها ما يلي:
أنه لا يتبع أية خطة معينة، إنه يتطور دون إدراك للنتائج المترتبة عليه إنسانيا.
أنه لا يتحرك تبعا للرغبة في تحسين أحوال البشر.
أنه لا تحكمه قيم من خارجه.
إن هذا التقدم العلمي الهائل في علوم الجماد قد تزامن مع تقدم علمي بطيء، لم يكد يتعدى كثيرا حد الجهل في دراسة علوم الإنسان والطبيعة الإنسانية، أو العلوم الحيوية عموما، وقد تمخض هذا عن حضارة إنسانية معاصرة، زودت الناس بكل وسائل الحياة الحديثة، لكنها أهدرت -في نفس الوقت- القيم الخلقية، وأخفقت في النهوض، بالمستويات الروحية والأدبية والعقلية لعامة الناس وخاصتهم.
стр. 73
فكيف أمكن الحصول على هذه النتيجة المتناقضة؟
إن الإجابة البسيطة عن هذا السؤال تجيء على لسان أحد علماء هذه الحضارة والمشاركين في صنعها، هو "ألكسيس كاريل" حيث يقول: "إن الحضارة الحديثة تجد نفسها في موقف صعب؛ لأنها لا تلائمنا، فقد أنشئت دون أية معرفة بطبيعتنا الحقيقة؛ إذ إنها تولدت من خيالات الاكتشافات العلمية، وشهوات الناس، وأوهامهم، ونظرياتهم ورغباتهم، وعلى الرغم من أنها أنشئت بمجهوداتنا إلا أنها غير صالحة بالنسبة لحجمنا وشلكنا".
لقد أدى تطبيق الاكتشافات العلمية إلى تغير العوالم المادية والعقلية بصورة هائلة، لكن التأثير التعس لهذه التغيرات إنما هو نتيجة لأنها نمت وتطورت دون أدنى تفكير في فطرتنا.
"لقد أهمل تأثير المصنع على الحياة الفسيولوجية والعقلية للعمال إهمالا تاما عند تنظيم الحياة الصناعية، إذ إن الصناعة العصرية تنهض على مبدأ: "الحد الأقصى من الإنتاج بأقل التكاليف"، حتى يستطيع فرد أو مجموعة من الأفراد أن يحصلوا على أكبر مبلغ مستطاع من المال، وقد اتسع نطاقها دون أي تفكير في طبيعة البشر الذين يديرون الآلات، ودون اعتبار للتأثيرات التي تحدثها طريقة الحياة الصناعية التي يفرضها المصنع على الأفراد وأحفادهم.."١.
وتشكل التقانات الحديثة من مجالات نقل واستزراع الأنسجة والأعضاء البيولوجية، وتلقيح البويضات في الأنانيب، أو زرع الأجنة بالأرحام، والتلقيح الصناعي، والعلاج الجيني، وتجارب اختبار فاعلية العقاير المستحدثة وغيرها، آفاقا جديدة لدعم صحة الإنسان ومقومات استمرارية حياته على الأرض، إلا أنه تجدر الإشارة إلى ما ينطوي على العبث بالمجين البشري، وطمس معالم تأصيل الأنساب من تهديد خطير للجنس البشري، ومعالمه الأسرية، كما تجدر الإشارة إلى بعض الممارسات الطبية الدوائية التي تتعارض مع الأسس الأخلاقية للمهن الطبية التي يجدر الالتزام بها، الأمر الذي تترب عليه مشكلات أخلاقية خطيرة وافتئات على قوانين الفطرة، الأمر الذي أدى إلى إثارة الجدل حول مدى أحقية الطبيب في الإنهاء العمري لحياة المرضى اليائسين من الشفاء بعد الحصول على الموافقة منهم أو من ذويهم، وحول مفهوم الموت! أهو توقف جذع المخ والغيبوبة الطويلة، أم توقف نبض القلب..؟! ٢.
إن الإنسان يجب أن تعلو قيمته على كل شيء، كما يجب أن يكون مقياسا لكل شيء، لكن الواقع عكس ذلك، فهو غريب في العالم الذي ابتدعه؛ لأنه لم يستطع
стр. 74
تنظيم العالم وفقا لطبيعته، لأنه لا يملك معرفة علمية دقيقة بفطرته التي فطره الله عليها.
وصفوة القول: إن التقدم الهائل الذي أحرزته علوم الجماد على علوم الحياة هو إحدى الكوارث التي تعاني منها الإنسانية، إذ ليس هناك ما يحميها من الظروف العدائية التي شيدها العلم حولها.
وإن العلاج الوحيد لهذا الشر المستطير هو معرفة أكثر عمقا بأنفسنا وبفطرتنا الإنسانية، وبذلك نتعلم كيف نكيف أنفسنا للمتغيرات المناسبة، وكيف نغير الظروف المحيطة بحيث تصبح الحياة حولنا ملائمة لفطرتنا الإنسانية، وعلى هذا فإن هذا الجزء هو رحلة عبر هذا الإنسان، ومحاولة لفهم فطرته الإنسانية التي فطره الله عليها.
الفطرة الإنسانية:
التربية عملية تهدف إلى إيصال المربي إلى درجة الكمال التي هيأه الله لها، والإنسان هو محور العملية التربوية، فالعملية التربوية بكل ما تشتمل عليه من أصول تربوية، ونظريات، ومناهج، وممارسات، ومربين، كلها تعمل وتتفاعل من أجل تهيئة الجو المناسب للمتعلم كي ينمو إلى درجة كماله الإنساني.
لكن المنهج التربوي يتأثر إلى حد بعيد بنظرة المخططين له والقائمين على تنفيذه إلى الفطرة الإنسانية، أو الطبيعة الإنسانية، والفطرة الإنسانية في الإسلام تختلف في مفهومها، وفي مصدرها، وفي غايتها عن الطبيعة الإنسانية في الفلسفات ومدارس علم النفس المختلفة.
يختلف مفهوم الفطرة الإنسانية في الإسلام عن مفهوم الطبيعة الإنسانية لدى الفلسفات ومدارس علم النفس المختلفة، ففي القاموس: فطر ناب البعير، أي: شق اللحم وطلع، وفطر النبات، أي: شق الأرض ونبت منها، وفطر الأمر، أي: ابتدأه واخترعه١، وفطر الله العالم، أي: أوجده ابتداء، وفي القرآن يقول الحق ﵎ على لسان سيدنا إبراهيم: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩] .
والفطرة هي الخلقة التي يكون عليها كل موجود أول خلقه، والفطرة هي الخلقة السليمة لم تشب بعيب، وفي التنزيل العزيز:
﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] .
стр. 75
والفطرة في المفهوم الإسلامي هي خلق الله الإنسان على الإسلام، أي: شاهدا بعبوديته لله، ومقرا بربوبيته، ومزودا بالاستعدادا والطاقات الظاهرة والكامنة التي تمكنه من إصابة الحكم، والتمييز بين الحق والباطل وفقا لمعايير منهج الله.
أما مفهوم الطبيعة، ففي القاموس: طبع الشيء طبعا، وطباعة، أي: صاغه في صورة ما، ويقال: طبع الله الخلق١، أي: أنشأه. والطبيعة الإنسانية، أي: السجية، ومزاج الإنسان المركب من الأخلاط، والقوة والسارية في الأجسام التي يصل بها الجسم إلى كماله الطبعي الذي هيأه الله له، فالطبيعة الإنسانية بهذا المعنى هي مجموعة الخصال والسجايا التي خلق الله الناس وفطرهم عليها، سواء كان ذلك من خلق الله للإنسان في البداية، أو بتهيئة الإنسان كي يقوم بذلك في نفسه، أو من خلال البيئة والأشياء المحيطة به.
أما الطبيعة في المصطلح الغربي الذي قامت عليه مدارس علم النفس هناك، فهي الأشياء المادية المحسوسة حولنا من جماد وحيوان ونبات، ففي الاصطلاح اليوناني: "الفيزيقا" هي الطبيعة. و"الميتافيزيقا" ما وراء الطبيعة، أي: الأمور الغيبية وغير المحسوسة.
وكما يقول الدكتور محمد رشاد خليل: فقد أخذت الطبيعة معاني فلسفية لدى فلاسفة الإغريق، وأصبحت هي الأساس في الفكر الغربي الحديث.
فالطبيعة هو الجوهر المادي الأول الذي تصنع منه الأشياء، وهذا الجوهر المادي هو أصل الوجود، والعلة الأولى في وجود هذا الكون، وهي عند أفلاطون المثال، وعلة الوجود، والنفس الكلية، وعند أرسطو هي أصل الأشياء، ومصدر الحركة، والمادة التي تصنع منها الأشياء.
وقد استخدمت الفلسفات الغربية مفهوم الطبيعة، بهذا المعنى الإغريقي القديم، فالطبيعيون والمثاليون والواقعيون والدارونيون يرون "الطبيعة هي الأشياء، وهي القانون الطبيعي الذي يعمل في الأشياء، والطبيعة هل أصل الأشياء"٢.
إذن فالطبيعة في الفلسفات الغربية ومدارس علم النفس القائمة عليها ليست من خلق الله، بل هي خالقة الكون وسبب وجوده الأول، وبذلك يتصادم مفهوم الطبيعة في هذه المدارس مع مفهوم الطبيعة في الإسلام.
مكونات الإنسان:
لقد بين القرآن أن الله خلق الإنسان من طين الأرض، ثم نفخ فيه من روحه ومن الطين تكون جسد الإنسان: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧١، ٧٢] .
стр. 76
وقال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عوف، حدثنا أسامة بن زهير عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب وبين ذلك" "رواه أبو داود والترمذي"١.
كان هذا بالنسبة لآدم ﵇، أما بالنسبة لذريته فإن الروح تخلق لكل جنين بعد أن يتم تخليق النطفة في الرحم: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٢-١٦] .
قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ أي: ثم نفخنا فيه الروح فتحرك، وصار خلقا آخر ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ . ويقال: إن نفخ الروح في النطفة إنما يكون بعد أربعة أشهر. قال الإمام أحمد في مسنده، إنه روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن أحدكم ليجمع خلقه "نطفة" في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح" إلى آخر الحديث الذي أخرجه الشيخان.
ففي الإسلام إذن، الإنسان كائن مخلوق لله خلقا مستقلا متميزا متفردا، وهو أكرم خلق الله على الله، وقد نوه الله بذلك، حين جعل الإنسان خليفته في الأرض: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] ، لكن الإنسان في معظم الدراسات النفسية في الغرب ليس هو المخلوق من الله، بل هو الحيوان المتطور عن الطبيعة التي هي أصل الأشياء وسبب وجودها، وهذا ما تدعيه نظرية التطور التي لا تعدو -كما يقول الدكتور محمد رشاد خليل- "أن تكون أسطورة يونانية قديمة قال بها الطبعيون اليونان، وأحياها ملاحدة التطوريين الطبعيين حديثا، وزيفوا لها الأدلة، أو لووا أعناق بعض النتائج التي أسفرت عنها البحوث الطبعية والحيوية"٢.
إذن فالإنسان هنا ليس مخلوقا لله، مكونا من جسد وروح كما هو الشأن في الإسلام، وإنما مرده إلى وحدة الأصل الحيواني للإنسان، فوحدة الإنسان في علم النفس الحديث ترجع إلى كون الإنسان قد جاء نتيجة تطور الأحياء من الطبيعة، وهنا يتصادم الإسلام مرة أخرى مع الفلسفات التي تقوم عليها مدارس على النفس الحديثة فيما يتصل بمفهوم الإنسان.
стр. 77
مكونات النفس الإنسانية:
والنفس في الإسلام هي جماع شخصية الإنسان: "والروح هي أصل النفس ومادتها، فالنفس مركبة منها ومن اتصالها بالبدن"١.
والنفس الإنسانية واحدة لا ثلاث كما يقول ابن القيم، فقد قسم بعض العلماء النفس إلى: نفس مطمئنة ونفس لوامة، ونفس أمارة بالسوء. "والتحقيق أنها نفس واحدة لها صفات فتسمى باعتبار كل صفة باسم معين، فتسمى مطمئنة باعتبار طمأنينتها إلى ربها بعبوديته ومحبته والإنابة إليه، والنفس اللوامة كثيرة التقلب والتردد وهي من أعظم آيات الله، فهي تتلون وتتقلب بأشكال مختلفة، فتذكر وتغفل، وتقبل وتعرض، وتحب وتبغض، وتفرح وتحزن، وترضى وتغضب، وتتقي وتفجر، وهي على هذا طوال العمر، أما النفس الأمارة بالسوء، فإنها تأمر بكل سوء، وهذا من طبيعتها إلا ما وفقها الله وأعانها، فما تخلص أحد من شر هذه النفس إلا بتوفيق من الله، قال تعالى على لسان امرأة العزيز: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣] .
وتمتد وحدة النفس في الإسلام لتشمل الإنسان كله، بما فيه جسمه وروحه، فالنفس في الإسلام هي الإنسان كله، وبما أن الروح في الإسلام لا تعمل مستقلة عن الجسم -رغم أن لها وجودا مستقلا عنه، فهو ليس سجنا لها- فكذلك النفس لا تعمل مستقلة خارج مركب الروح والجسد.
أما في علم النفس الحديث، فليس للإنسان نفس مخلوقة، وإنما له نفس طبيعية، تصنعها الظروف والمؤثرات الخارجية، فالسلوكيون يرون أن النفس تصنعها التربية والمؤثرات الخارجية، والتحليليون وعلى رأسهم فرويد يرون أن النفس بأجزائها الثلاثة عنده وهي: الـ"هي"، والـ"أنا"، والـ"أنا الأعلى"، يصنعها الكبت، "فالكبت هو النفس بمختلف أجزائها، وعليه فنحن لسنا أمام علم النفس، وإنما نحن أمام فلسفة طبعية إلحادية في النفس تقابل الفلسفة المثالية الإلحادية في النفس عند أفلاطون وأرسطو، وهي أسوأ منها، إذ لا تعترف بمصدر للنفس خارج العالم، فليس هناك في هذه الفلسفة إذن روح ولا عقل مخلوق، ولا نفس تكونت من الروح والجسد وحصلت على صفاتها وأحوالها بالخلق والفطر كما هو الشأن في الإسلام"٢.
стр. 78
علم النفس الإسلامي وعلم النفس الغربي:
بناء على ما سبق فإن علم النفس الإسلامي يتصادم مع علم النفس الغربي لاختلافهما في المصدر وفي الغاية, حيث إن علم النفس الإسلامي يتعامل مع الإنسان المخلوق الذي هو من خلق الله، في حين يتعامل علم النفس الغربي مع الإنسان الطبيعي الذي جاء نتيجة تطور الأحياء، وعلم النفس الإسلامي يتعامل مع النفس المخلوقة من مركب الروح والجسد متفاعلين، ولكن علم النفس الحديث يتعامل مع النفس الطبيعية التي تصنعها الظروف والمؤثرات الخارجية، أو النفس التي صنعها الكبت.
وإذا كان علم النفس العام والتربوي قد جاءا متلازمين من مصدر واحد هو كتاب الله وسنة رسوله، فإنهما قد جاءا وبينهما فاصل زمني في علم النفس الغربي, بسبب اعتمادها على تطور الفكر في مصادر ونظريات شتى مختلفة ومتناقضة. وإذا كان علم النفس الإسلامي العام والتربوي قد صدرا من علم شامل محيط بالنفس الإنسانية من الأزل إلى الأبد؛ لأنه صادر من الخالق الذي يعلم من خلق, وما تكون عليه أحواله في كل زمان ومكان، فإنه في علم النفس الغربي قد اعتمد على آراء ونظريات شتى، وهو وإن استعان بالتجريب فإن التجريب في العلوم الإنسانية مختلف تماما عن التجريب في العلوم الطبعية، كاختلاف الإنسان عن الجماد والحيوان.
والخلاصة، أنه لما كانت التربية هي تطبيق لمفاهيم علم النفس، فإن التربية في الإسلام تختلف عن التربية في الغرب بقدر الاختلاف بين علم النفس الإسلامي وعلم النفس الغربي في حقيقة النفس.
"وبمعنى آخر فإن علم النفس التربوي هو تطبيق لنظريات التحليليين والسلوكيين والجشتلطيين وغيرهم من المؤمنين بالمذهب الطبيعي على اختلاف أشكالهم.. وهذه المدارس كلها لا تعرف الإنسان المخلوق، وإنما تتكلم عن إنسان طبيعي لا روح له"١.
وهذا كله سوف ينعكس على نظريات التعلم والممارسات التربوية التابعة لها، كما سينعكس على دوافع السلوك وغاياتها وما يترتب عليها من نتائج وآثار.
стр. 79
قواعد الفطرة الإنسانية:
تقوم الفطرة الإنسانية على مجموعة من القواعد أهمها ما يلي:
١- أن الإنسان مفطور على الإيمان بربوبية الله ووحدانيته.
٢- أن الفطرة الإنسانية ذات تكوين مزدوج.
٣- أن الإنسان مخلوق باستعدادات متساوية للخير والشر.
٤- أن الإنسان مزود بقدرة واعية كامنة فيه، قادرة على الاختيار الحر للخير والشر سواء.
٥- أن الإنسان حر، لذلك فتبعة أعماله ومسئولياته تقع عليه وحده.
٦- أن النفس الإنسانية هي جماع شخصية الإنسان.
الذي لا شك فيه، أن الإنسان خلق مفطورا على الإيمان، وحب الخير، فالله سبحانه أحسن كل شيء خلقه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٤-٦] .
فالحقيقة الرئيسية في هذه الآيات، هي حقيقة الفطرة القويمة التي فطر الله الإنسان عليها، واستقامة طبيعتها مع طبيعة الإيمان، والوصول بها إلى كمالها المقدور لها، وهبوط الإنسان وسفوله حين ينحرف عن سواء الفطرة واستقامة الإيمان.
وتتضح نفس هذه الحقيقة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] .
فحقيقة التوحيد مركوزة في الفطرة الإنسانية، يخرج بها كل مولود إلى الوجود، فلا يميل عنها إلا أن يفسد فطرته عامل خارجي عنها، عامل يستغل الاستعداد البشري للهدى والضلال، وهو استعداد كامن تخرجه إلى حيز الوجود الملابسات والظروف التي ينشأ فيها الإنسان، كما يوضح هذا صراحة قول الرسول الله ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تولد بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ " "رواه البخاري ومسلم".
والفطرة الإنسانية في الإسلام ذات تكوين مزودج: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧١، ٧٢] .
стр. 80
فالإنسان مخلوق من طين الأرض، ومن عناصرها تكون، لكن النفخة العلوية هي التي جعلت منه إنسانا، وصنفته ضمن مخلوقات الملأ الأعلى.
فالإنسان -إذن- مكون من جسم ومن روح، والجسم مكون من جميع الأجهزة والأعضاء، بما في ذلك السمع، والبصر، والعقل.. نعم العقل، فالعقل ما هو إلا جهاز من الأجهزة التي خلقها الله في الجسم؛ لتقوم بوظيفة من وظائف الجسم مثله في ذلك مثل جهاز السمع، وجهاز البصر، وجهاز النطق، وجهاز الهضم، إلى آخره. إلا أن هذا الجهاز مسيطر ومنظم لأجهزة الجسم الأخرى، ومع ذلك فأداؤه لوظيفته يتأثر بمدى صحة الأجهزة الأخرى وكفاءتها في العمل.
ولقد نفخ الله فيه من روحه؛ لأن إرادته اقتضت أن يكون خليفة لله في الأرض، وأن يتسلم مقاليد هذا الكوكب في الحدود التي قدرها الله له، وتتطلبها مقتضيات العمارة من قوى وطاقات.
والإنسان يرتقي في معرفته وفي إعماره للكون، كلما اتصل بمصدر النفخة العلوية فيه، واهتدى به في استقامة، أما حين ينحرف عن ذلك المصدر فإن تيارات المعرفة في كيانه وفي حياته لا تتناسق، بل وتصبح خطرا على سلامة اتجاهه، وتقوده إلى نكسة في خصائصه الإنسانية، مهما تضخمت علومه وتجاربه في الحياة.
ولقد خلق الله الإنسان مزودا باستعدادات متساوية للخير والشر، كما خلقه مزودا بقدرات كامنة فيه قادرة على توجيهه إلى الخير وإلى الشر سواء، وجعل تبعة أعماله ومسئولياته تقع عليه وحده، ولقد أكد القرآن هذه القاعد في كثير من الآيات:
﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ، وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ٨-١٠] .
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] .
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧-١٠] .
من خلال الآيات السابقة يتضح لنا ما يأتي:
أن الإنسان كائن مخلوق مزدوج الفطرة، مزدوج الاستعداد، مزدود الاتجاه.
أنه بطبيعة تكوينه المزدوجة "من طين الأرض، ومن نفخة الله فيه من روحه" مزود باستعدادات متساوية للخير والشر، والهدى والضلال.
أنه قادر على التمييز بين ما هو خير وما هو شر، كما أنه قادر على توجيه نفسه إلى الخير والشر سواء، وأن هذه القدرة على التمييز والتوجيه كامنة في كيانه،
стр. 81
يعبر عنها تارة بالإلهام: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس، ٧، ٨] ويعبر عنها تارة أخرى بالهداية: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] ، وما الرسالات والعوامل الخارجية إلا إيقاظ وشحذ وتوجيه لهذه القدرة الكامنة.
إن هذه القدرة الواعية الكامنة في كيان الإنسان وفي صميمه، والقادرة على التمييز والتوجيه الحر، هي التي يناط بها التبعة والمسئولية، فمن استخدمها في تزكية نفسه، فقد أفلح، ومن خبأها وأضعفها، فقد خاب، فهي حرية تقابلها تبعة، وقدرة يقابلها تكليف، ومنحة يقابلها واجب١.
стр. 82
دافع السلوك
...
دوافع السلوك:
السلوك الإنساني ذهنيا كان أو معرفيا أو وجدانيا أو حركيا، لا بد له من دوافع تحركه نحو غايات يحققها، فدوافع السلوك هي كل ما يدفع إلى السلوك من أجل تحقيق هدف أو أهداف معينة.
نظرية الغرائز:
يرى مكدوجل أن جميع الدوافع التي تثير نشاط الفرد يمكن أن ترد إلى دوافع أساسية نهائية هي الغرائز. فالغرائز هي المحركات الأولى لكل نشاط حركي أو عقلي أو وجداني، فردى أو جماعي، وهي لا تزود الإنسان بالقوة الدافعة فقط، بل تحدد غايات سلوكه أيضا.
والغريزة كما يعرفها هي استعداد فطري نفسي جسمي يدفع الفرد إلى أن يدرك ويتنبه إلى أشياء من نوع معين، وأن يشعر بانفعال خاص عند إدراك هذه الأشياء، وأن يسلك نحوها مسلكا خاصا، إذن فلكل غريزة مثير ينشطها، وانفعال يصاحبها، وسلوك يصدر عنها.
ويشترك الإنسان مع الثدييات العليا في مجموعة من الغرائز كالتماس الطعام، والراحة، والتنفس، والجنس، والإخراج، والوالدية، والاستطلاع، والاجتماع والسيطرة، والمقاتلة.. إلخ.
والغرائز عامة يشترك فيها الناس جميعا، في كل سلالة، وفي كل حضارة، وفي كل عصر، وهي دوافع فطرية لا تكتسب ولا يمكن استئصالها أو القضاء عليها.
وتتعدل الغرائز عند الإنسان، فتشتق منها العواطف والعادات والميول والحاجات الفرعية المختلفة، فهي ليست المحركات الوحيدة للسلوك، لكنها المحركات الأساسية الأولى.
стр. 83
إن ارتقاء الحيوان وزيادة ذكائه نتيجة للنمو والتدريب لا يؤدي إلى ضمور الغرائز أو زوالها، بل إلى زيادة قدرة الحيوان على التحكم فيها.
المدرسة السلوكية:
إن مدرسة الغرائز فرع "مكدوجل" خاصة هي أقرب مدارس النفس إلى علم النفس الإسلامي بسبب تأكيدها على أن الغرائز هي دوافع فطرية موروثة لا تكتسب، ولا يمكن استئصالها أو القضاء عليها، وهي لهذا السبب قد تعرضت لهجوم شرس من المدرسة السلوكية, أدى إلى اختفائها تقريبا من كتب علم النفس الغربي.
وهجوم المدرسة السلوكية على نظرية الغرائز لا يقوم على أساس أن هناك حقائق علمية موضوعية تصادم هذه النظرية، بل يقوم على أساس أن المدرسة السلوكية لا تؤمن بالفطرة، ولا تؤمن بالسجايا التي فطر الله الناس عليها، بل تؤمن بأن البيئة هي التي تصنع الإنسان، وهي التي تكسبه دوافع وميوله وشخصيته، فالنقد قائم إذن على أساس اعتقاد معين, وليس على أساس حقائق قررها العلم، وهذا الاعتقاد يقوم أساسا على إنكار أن الله خلق كل إنسان بقدرات واستعدادات كامنة فيه تجعله يختلف عن غيره، وأن لكل إنسان كماله الخاص به، الذي وهبه الله له.
إذن فالمدرسة السلوكية تنطلق من إنكار الخلق والفطرة التي فطر الله الناس عليها، وذلك لحساب البيئة والمجتمع، وسيادة هذه المدرسة في ميدان علم النفس الغربي لا يرجع إلى تفوقها العلمي, وإنما يرجع إلى التفوق الأمريكي والروسي، وإلى الإمكانيات الهائلة التي وضعت في خدمة هذه المدرسة من أجل تحقيق السيطرة على العالم.
إن المدرسة السلوكية تنكر كل دوافع خارج حدود البيئة والمجتمع، وبذلك تنكر وجود قوى داخلية في النفس التي هي -كما سبق أن قلنا- جماع شخصية الإنسان بروحه وجسمه، وبذلك تنكر الإيمان بالله كدافع للسلوك، وكذلك كل ما هو غيبي، كالجن، والملائكة، والنفس الأمارة، والنفس اللوامة، والضمير الإنساني، والإرادة.
وتتبنى المدرسة السلوكية بدلا من الغرائز ما يسمى بالحوافز، فالحافظ هو نمط من الاستثارة الملحة تنتج عن حاجة في الجسم أو في الأنسجة.. وكل الحوافز تنشأ من ظروف جسمية فسيولوجية مثل الجوع والعطش وغيرها، ترى ما هي الحاجة الملحة التي تدفع لصا ليس جائعا إلى السرقة؟ والحافظ الجسمي الذي يدفع الأمريكي الأبيض إلى قتل الأسود وسرقته؟ وما المثير البدني الذي دفع الروس إلى
стр. 84
قتل الأفغان واحتلال أرضهم؟ ترى ما الذي يدفع المتعبد إلى العبادة، والمتدين إلى التدين، والشاعر إلى الشعر، والكريم للبذل، والأمين للأمانة، والصادق للصدق.. إلخ؟
إن موضوع التربية -بناء على مفاهيم هذه المدرسة- هو الإنسان والحيوان، التي لا تربو تصرفاته عن أن يكون ردود أفعال أو استجابات آلية لمثيرات خارجية، فلا ضمير ولا حرية، ولا إرادة إنسانية، ولا إرادة إلهية، ولا نفس أمارة بالسوء، ولا نفس لوامة، ولا شيء غير التفاعلات الكيميائية والنبضات الكهربائية؟
وأهداف التعليم كلها منصبة على تكوين عادات ذهنية وحركية واجتماعية، تمكن الإنسان الحيوان من أن يعيش في القطيع الاجتماعي، وأن يتصرف مع الأشياء حسب مفاهيم الفلسفة البراجماتية النفعية، التي ترى أن المصلحة هي المقياس لكل شيء، فلا أخلاق خارج حدود المصلحة الاجتماعية القومية، ولا معايير ثابتة للحكم على السلوك والأخلاق!
مدرسة الإسلام:
في علم النفس الإسلامي هناك عوامل غيبية، وهناك عوامل مشهودة, كلها تعمل كدوافع للسلوك، وإذا أخذنا التقسيم المشهور للدوافع إلى دوافع غريزية، ودوافع مكتسبة، ودوافع غير شعورية، فإننا نجد ما يلي:
أولا: بالنسبة للدافع الغريزية, فإن مدرسة الغرائز وإن كانت قد اتفقت مع الإسلام في أنها فطرية وموروثة, إلا أنها لم تقل بأن الله غرزها في النفس الإنسانية، وإنما هي مغروزة في الإنسان بحكم الطبيعة، لكن الإسلام يقول إن الله قد أودعها في خلق النفس وفطرتها: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧-١٠] .
ثانيا: بالنسبة للدوافع المكتسبة، فإن الإسلام يفرق بين العواطف والميول مثل الحب والكره والرضا والسخط.. إلخ، فكل هذه غرائز فطرية خلقها الله في الإنسان: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١] ، ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] .
стр. 85
وهكذا، فالعواطف والميول خلقها الله في النفس، لكن توجيهها إلى أشخاص أو أشياء بعينها هو المكتسب، فالإنسان مفطور على الحب، لكن البيئة قد توجهه إلى حب الله ورسوله، وقد توجهه إلى حب الأصنام أو دجال أو فنان.. إلخ.
ثالثا: يطلق على الدوافع غير الشعورية عموما بأنها الدوافع التي لا يشعر الفرد بها أثناء قيامه بالسلوك مثل الحاجات الوجدانية والاتجاهات المعرفية والعادات القوية، ومستوى الطموح.. إلخ.
ويرى بعض المفكرين أنه لا يوجد "لا شعور" في النفس، وإنما هناك جانب مغيب في النفس، وهو الجانب الذي لا نعرف عنه إلا القليل -لأن النفس أصلها الروح، وهي علمها عند الله- وقد بين الإسلام أن النفس تتأثر بالمؤثرات الخارجية, وأن الأحداث تترك أثرها في النفس، وأن هذا الأثر قد يكون حميدا وقد يكون سيئا، كما ضرب لنا رسول الله ﷺ أمثالا حسية لهذا الأثر بالنكتة البيضاء والنكتة السوداء، كما ضرب لنا المثل في حديث القلوب الثلاثة والتي هي الأحوال الثلاثة للنفس، فالقلوب تمرض ويكون من أمراضها الكره والحقد والغيرة والحسد والقلق والاكتئاب، كما أنها تصح ومن علامات صحتها حب الخير، والإيثار، والاطمئنان والرضا، وأساس ذلك كله أن الله قد ابتلى الإنسان بالخير والشر فتنة: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ وأنه أمد الإنسان بأسباب هذا وذاك، فمن سلك طريق الخير صحت نفسه، ومن سلك طريق الشر مرضت نفسه.
وعلى هذا فليس هناك ما يسمى "باللاشعور" وليس هناك ما يسمى "بالعقد المكبوتة" وإنما هي أمراض تغلب على النفس من أحوال الشر التي تصيبها، وأنه يستعان عليها بالأدوية التي وصفها العلماء بعلاج النفوس والقلوب كما يقول ابن تيمية في الحسد والغيرة وغيرهما.
ضبط الدوافع لا كبتها:
ليس الضبط في الإسلام هو الكبت لدى مدرسة التحليل النفسي، وإنما الضبط هو عملية نفسية: عقلية وإرادية، وليس مجرد عملية بيولوجية شعورية أو غير شعورية، فقصر الضبط على الجانب البيولوجي يعني قصر الضبط على الجسم وحده، في حين أن الأصول الصريحة تدل على أن الضبط هو وظيفة النفس التي هي جماع شخصية الإنسان فيما في ذلك عقله وإرادته: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧-١٠] .
стр. 86
ويشبه ابن القيم ضبط الدوافع الفطرية بالنهر الذي يهدد حياة قرية مجاورة، ويختلف أهلها حول ما يجب عمله لدرء خطره، الفئة الأولى ترى ترك النهر على ما هو عليه، وهذه سوف يجرفها النهر عاجلا أو آجلا، وهذه الفئة حالها كحال من يسمح للدوافع الفطرية بالتعبير عن نفسها بغير ضبط ولا تهذيب.
وترى الفئة الثانية درء الخطر عن طريق سد منابع النهر تماما، وهؤلاء حالهم كحال من يكبت الدوافع الفطرية التي هي غريزة في خلق الإنسان وفطرته، وكبتها لا يعني القضاء على وجودها، ولذلك تظل تتحين الفرص للظهور والإشباع، فإذا ما قاومها الإنسان طويلا فإنها قد تورث الأمراض النفسية أو الجسمية أو العقلية.
وتعتقد الفئة الثالثة أن درء الخطر يكون عن طريق بناء سد في مجرى النهر لحجز المياه فترة من الزمن، وهؤلاء يؤجلون الغرق بعض الوقت، وقد ينهار السد ويصبح الانهيار محققا.
والفئة الرابعة ترى درء الخطر عن طريق تحويل مجرى النهر إلى مكان آخر صالح للزراعة، وهذا هو الاقتراح الذي ينجي القرية من الغرق، فقد حولوا المياه "أو الدوافع الفطرية" عن طريق الضبط إلى قوة مثمرة خيرة.
وهكذا نرى أن هناك فرقا جوهريا بين الكبت الذي يمنع الدوافع الفطرية من التعبير عن نفسها مما يؤدي إلى الأمراض النفسية، وبين الضبط الذي يوجه الدوافع إلى التعبير عن نفسها بطريقة فيها خير الإنسان والناس جميعا.
إن العقل هو الأداة الأساسية في النفس للضبط، "ولذا سماه العرب عقلا.. لأنه يكف ويضبط.. يضبط الأهواء والشهوات والغرائز.. وتمده من الداخل النفس اللوامة بما فطرت عليه من كراهية الفجور والشر، وتمده من الخارج الشريعة والتربية السليمة"، لذا كان من السنة أن يكون أول ما يستقبل الطفل وأول صوت يسمعه هو صوت التكبير، الذي يسن التأذين به في أذنه، لأنه ينزل مدركا واعيا، لكنه يحتاج إلى نمو الأعضاء الجسمية التي تسمح له بالتعبير عن وعيه وإدراكه.
стр. 87
الحاجات الإنسانية:
ترتبط حاجات الإنسان بأهداف الحياة الإنسانية وغاياتها عموما، لكن الناس يختلفون في طرق إشباع حاجاتهم، كما يختلفون في أهدافهم، وفي طرق تحقيقها تبعا لاختلاف عقائدهم التي من خلالها يرون الكون والحياة، وعلى أساسها يفسرون السلوك الإنساني وغاياته.
وتندرج الحاجات الأساسية للإنسان في مجموعتين: مجموعة الحاجات العضوية المتصلة بجانب الجسم، وإن كان لها بعض الغايات الوجدانية، ومجموعة الحاجات الشعورية والانفعالية المتصلة بجانب الوجدان والضمير. وهذان النوعان من الحاجات ضروريان لقوة النفس وأمنها واستقرارها: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣، ٤] ، فالحرمان منهما لون من ألوان العقاب والفزع للنفس الإنسانية: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] .
الحاجات العضوية:
إن إشباع الحاجات العضوية -كالحاجة للطعام والشراب والإخراج والجنس والراحة- أمر ضروري لا يمكن الاستغناء عنه، لكن الإسلام لا يعتبر إشباع هذه الحاجات غاية في ذاته، بل لإمداد الإنسان بالمتعة والقوة اللتين تحققان له التوازن وتعينانه على عبادة الله، عن طريق أدائه لوظيفة الخلافة في الأرض أحسن الأداء، فإشباع الحاجة الجنسية -مثلا- ليس من أجل المتعة فقط، بل أيضا من أجل ضمان حفظ النوع البشري، وتنظيم حياة الفرد والأسرة والمجتمع: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [النحل: ٧٢] .
إن إشباع الحاجات العضوية يؤدي إلى تحقيق بعض غايات النفس الإنسانية، وهي تحقيق المتعة والقوة والطاقة والحيوية اللازمة لتحقيق أهداف الحياة كما أرادها الله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] .
الحاجات الوجدانية:
أما الحاجات الوجدانية فهي حاجات ضرورية أيضا، ويستحيل إغفال إشباعها مع الإبقاء على توازن الكل الإنساني أو النفس الإنسانية، ومن أهم هذه الحاجات وأولاها هي الحاجة إلى الإيمان بوحدانية الله وألوهيته، وإلى الاعتماد عليه، والاستنجاد به، فهذه حاجة فطرية في النفس البشرية، فطر الله الناس عليها: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ
стр. 88
بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] .
فالإنسان مفطور على الإيمان بالله الواحد، وهو لا يميل عن التوحيد إلا إذا فسدت فطرته بعوامل خارجية، ومهما طالت فترة الانحراف عن الفطرة، فلا بد من العودة إليها، وإلا انعدم التوازن النفسي.
ومن الحاجات الوجدانية الهامة: الحاجة إلى الأمن والاستقرار، والحاجة إلى الحب وتقدير الآخرين، والحاجة إلى التقدير الذاتي والاجتماعي، والحاجة إلى تحقيق الذات، فالحاجة للأمن والاستقرار أساسية لعطاء الإنسان وإنتاجه ومساهماته في عمارة الأرض، ولذلك أمر الله الإنسان أن يحسن إلى الناس كما أحسن الله إليه، وألا يلجأ إلى الإفساد في الأرض، فمن شأن هذا أن يوفر الأمن والاستقرار في نفوس الناس: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧] .
ويهدف إشباع الحاجة إلى الحب إلى تحقيق الود والتعاون، وتخليص النفس من أوشابها وأدرانها، ولقد حرص الرسول ﷺ حينما هاجر إلى المدينة أن يقيم مجتمعا على أساس المحبة والإخاء، فكان أول شيء فعله هو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، فكان ذلك الحب والإخاء في الله الذي لم يشهد له التاريخ مثيلا، وقد كانت النتيجة هي العزة والقوة والمنعة والنصر: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٢، ٦٣] .
أما حاجة تحقيق الذات، فهي من أهم الحاجات، وإشباعها ضرورة ملحة للشخصية السوية. والهدف من إشباعها هو تحقيق إنسانية الإنسان، عن طريق احترام الفرد لذاته، وشعور الآخرين معه بإيجابية دوره وفعاليته في واقع الأرض.
ولقد يسر الإسلام كل السبل أمام الإنسان كي يحقق ذاته:
- فزوده بالاستعدادات الكامنة فيه والقابلة للخير والشر.
- وزوده بالقدرات الكامنة والموجهة لاستعداداته.
- سخر له ما في البر والبحر لخدمته وتيسير مهمته في عمارة الأرض.
стр. 89
- كرمه وفضله على كثير ممن خلق: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] .
- زوده بالإرادة الحرة التي تعمل في إطار المشيئة الإلهية الكبرى.
- جعله خليفته في الأرض ليعمرها ويرقيها.
إن هذا أكثر مما يحتاجه أي مخلوق كي يحقق ذاته، وقد وفره الإسلام للإنسان، إن هذا يلقى على عاتق التربية -بصفة خاصة- تبعة كبيرة، وتتمثل هذه التبعة في كيفية استثمار كل هذه الاستعدادات والإمكانات والطاقات الكامنة في ذات الإنسان، وفي الأرض حوله من أجل تحقيق ذات الإنسان، وتحقيق ذات الإنسان يتمثل في حسن أدائه لوظيفته كخليفة لله في الأرض، وفق الفطرة التي فطره الله عليها.
стр. 90
النمو والتعلم:
إن نمو الإنسان إلى درجة الكمال التي هيأه الله لها هو الهدف الأسمى لمنهج التربية، فلكل إنسان درجة كمال يمكن أن يصل إليها لو توافرت له الظروف البيئية والتربوية المناسبة.
إذن فالنمو ليس غاية في ذاته، لكنه وسيلة لغاية هي: إيصال كل فرد إلى درجة كماله المهيأ له من قبل الله، وعلى العكس من ذلك يقف جون ديوي -أحد أبرز المؤسسين للفلسفة البراجماتية- فهو يرى أن "الفكرة القائلة بأن النمو والتقدم يرميان إلى هدف نهائي لا يتغير ولا يتبدل، هي آخر أمراض العقل البشري في انتقاله من نظرة جامدة إلى الحياة إلى نظرة مفعمة بالحركة"، فليس للتربية هدف نهائي على حد زعم جون ديوي؛ فالتربية -في رأيه- هي عملية نمو، ولا شيء يحدد النمو سوى مزيد من النمو!
لكن النمو قد يسير في اتجاهات غير مرغوب فيها، فعصابات المافيا والحكومات العنصرية تنمى لدى أعضائها المهارة والقدرة على السرقة والاغتصاب والاحتيال، وكلما زاد نموهم في هذا الاتجاه ازداد قيامهم بمؤامرتهم بسهولة ويسر. إذن فلا بد من وجود ميعار للحكم على قيمة النمو واتجاهه. "ولا يستطيع المرء إصدار حكم على نوعية النمو في قدرة معينة، إلا إذا توافرت لديه معايير تقع خارج تلك القدرة. فالنمو في حد ذاته ليس قيمة، وإنما تعرف قيمته بعد تحديد الاتجاه الذي يسير فيه"١.
стр. 91
ومن أهم خصائص النمو ما يلي:
- أنه نتيجة للتفاعل بين العوامل الوراثية والخبرات المكتسبة من البيئة المحيطة، بما في ذلك الخبرات التربوية، وبذلك فالإنسان لا يصل بالنمو إلى درجة كماله الإنساني نتيجة للعوامل الوراثية وحدها، بل لا بد من تفاعل هذه العوامل مع العوامل البيئية بصفة عامة، والعوامل التربوية بصفة خاصة.
- أنه متصل اتصالا وثيقا بالنضج، فالنمو لا يسير في الاتجاه الصحيح ولا بالسرعة المطلوبة إلا إذا وصل الإنسان إلى مرحلة النضج المناسبة لذلك، فنمو الطفل في تعلم المشي أو القراءة أو الكتابة لا يسير في سهولة ويسر إلا إذا وصلت الأعضاء الخاصة بذلك إلى مرحلة النضج المناسبة.
- أنه يتجه من العام إلى الخاص، فكل الحيوانات والنباتات بدأت خلية واحدة، ثم انقسمت إلى أعضاء متمايزة.
- أن هناك فروقا فردية في النمو، فالأفراد جميعا لا ينمون بدرجة واحدة، كما أن درجات النمو الجسمي والعقلي والنفسي للفرد الواحد لا تسير بسرعة واحدة.
مراحل النمو:
تتشابه مراحل النمو والتطور لدى بني الإنسان، ولا عجب في ذلك، فالخالق واحد هو الله ، والأب واحد هو آدم ﵇، الذي خلقه الله من طين، ونفخ فيه من روحه، ويمكن القول: إن التصنيف العام لمراحل النمو الإنساني واحد تقريبا، والاختلافات الموجودة بين العلماء في تفسير السلوك والعوامل الكامنة خلفه في كل مرحلة من هذه المراحل إنما ترجع إلى العوامل الاعتقادية والاختلافات الثقافية والاجتماعية.
وعملية النمو تتصف بالتدرج والاستمرار، ويمكن تقسيم مراحل النمو وفق المنهج الإسلامي إلى ما يأتي:
- مرحلة الحمل.
- مرحلة الرضاعة.
- مرحلة الطفولة.
- مرحلة البلوغ والمراهقة.
- مرحلة الشباب.
стр. 92
- مرحلة الرجولة والنضج.
- مرحلة الشيخوخة.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥] .
العلاقة بين النمو والتعلم:
يختلف العلماء في تفسير العلاقة بين النمو والتعلم، فبينما يهتم برونر Bruner وبياجيه بالنمو للمتعلم ومراحل تفكيره المختلفة، فإن جانييه Robert Gagne يهتم أكثر بشروط التعلم، وبالمحتوى المنهجي، وبكيفية ترتيب الموضوعات بحيث تلائم المتعلم.
فالاستعداد للتعليم عند جانييه يعتمد على كمية ما لدى المتعلم من معلومات وخبرات سابقة، كما يعتمد على طريقة تنظيم الموضوع أو المعلومات الجديدة، فالشخص يكون مستعدا لتعلم فكرة أو مفهوم ما إذا كانت لديه أفكار أو خبرات أو معلومات سابقة متصلة بالمفهوم أو الفكرة التي يريد تعلمها. كما أن طريقة تنظيم وعرض الأفكار أو المفهومات أو المعلومات الجديدة له دخل كبير في إظهار استعداد المتعلم للتعلم، ولذلك فنظرية جانييه لا تنظر إلى مراحل النمو العقلي، وإنما تنظر إلى أنواع التعلم التي تعتمد إلى حد كبير على نوعية الموضوع المعروض للتعلم، وعلى الخبرات السابقة لدى المتعلم.
والأمر على عكس ذلك عند بياجييه وبرونر، فالاستعداد للتعلم عندهما يعتمد على النضج العقلي للشخص وطريقة تفكيره بغض النظر عن كمية المعلومات التي لديه، فالشخص يكون مستعدا لتعلم فكرة أو مفهوم ما إذا كان لديه القدرة العقلية عن استيعاب هذه الفكرة، يعني إذا كانت طريقة تفكيره ملائمة لتقبل الفكرة أو المفهوم الجديد.
وهكذا يقف أبرز علماء هذا العصر من المربين الغربيين على طرفي نقيض في تفسير العلاقة بين نمو الشخص المتعلم، ومحتوى التعلم أو الموضوع المراد تعلمه، وحدوث عملية التعلم ذاتها، فبينما يرى البعض أن الاستعداد للتعلم وحدوث عملية
стр. 93
التعلم تتم اعتمادا على الموضوع المراد تعلمه، ومدى الخبرات السابقة الموجودة لدى المتعلم والمتصلة بهذا الموضوع، تجد البعض الآخر يركز على درجة النمو العقلي التي وصل إليها المتعلم وطريقة تفكيره، بغض النظر عن الموضوع المراد تعلمه والخبرات السابقة المتصلة به.
إننا لا نرى لهذا الاختلاف سببا ولا داعيا، فالتعلم يحدث لو توافرت الشروط التالية:
- أن يكون المتعلم في مرحلة النمو المناسبة.
- أن يستخدم طريقة التفكير المناسبة لموضوع التعلم.
- أن تتوافر لديه الخبرات السابقة التي تعينه على فهم الموضوع الجديد.
- أن ينظم الموضوع ويعرض بالشكل المناسب لدرجة النمو العقلي للمتعلمين ولنوعية الموضوع نفسه.
إن الإنسان ليس جهازا أو حاسبا آليا، تزوده بالمعلومات والمواد الدقيقة من جانب ليعطيك النتائج من جانب آخر، إنه كائن عظيم، خلقه الله في أحسن تقويم، وبث فيه من روحه، فهو يتعلم عن طريق العمل والخبرة المباشرة، ويتعلم عن طريق استخدام العقل في التفكير، ويتعلم أيضا عن طريق الإلهام، يقول العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] ، أن القرآن يعبر بالقلب ويعبر بالفؤاد عن مجموع مدارك الإنسان الواعية، وهي تشمل ما اصطلح على أنه العقل، وتشمل كذلك قوى الإلهام الكامنة المجهولة الكنة والعمل.
فالإنسان مخلوق عظيم، أعده الله ليكون خليفته في الأرض، وزوده بقوى وإمكانات وقدرات للعمل والتوجيه، نعلم عنها شيئا ونجهل منها أشياء كثيرة.
والخلاصة: أنه يجب علينا عند إعدادنا للمناهج والمواقف التربوية أن تكون مناسبة لمراحل النمو والنضج والحاجات ودوافع المتعلمين، وأن نعد المناهج والمواقف بحيث تناسب نوعية الموضوعات والخبرات، وأن نهيئ ظروفا للتعلم تعين الجميع على تحقيق الأهداف المنشودة.
стр. 94
واجبات المنهج نحو الطبيعة الإنسانية وطبيعة المتعلم:
وفي كل الأحوال فإنه يجب على مناهج التربية -في هذا السياق- التأكيد على الحقائق التالية١:
١- التأكيد على عرض النفس البشرية على أنها حقيقة كونية، وليست مذهبا فلسفيا أو تصورا تختلف فيه المذاهب.
٢- التأكيد على أنه لا يمكن إدراك حقيقة الإنسان إدراكا واضحا إلا إذا أدركنا مصدره، ووظيفته الأساسية، ومركزه في الكون، وغاية وجوده الإنساني.
٣- النظر إلى الإنسان على أنه مخلوق خاص، ذو كيان متميز، مستخلف في الأرض، ومجهز للنهوض بوظيفة الخلافة على عهد الله وشرطه.
٤- التأكيد على أن الإنسان كائن كريم على الله، ذو مركز عظيم في تصميم الوجود، وهو أكرم من كل ما هو مادي؛ لأن كل ما هو مادي مخلوق له.
٥- التأكيد على أن الإنسان كائن يتعامل مع الكون كله؛ فهو يتعامل مع ربه، ومع الملأ الأعلى من الملائكة، ومع الجن والشياطين، ومع نفسه، ومع سائر الأحياء الكونية، وهو مجهز بوسائل التعامل مع كل هذا.
٦- التأكيد على أن الإنسان مستعد -حسب تكوينه الذاتي- لأن يرتفع إلى أرقى من آفاق الملائكة المقربين، كما أنه مستعد لأن ينحط إلى أدنى من دركات الحيوان البهيم.
٧- النظر إلى الإنسان على أنه مصمم على قاعدة الزوجية التي هي خاصية كونية وحيوية، وعلى قاعدة التكامل بين الزوجين لا التماثل، وهي أيضا خاصية كونية وحيوية.
٨- التأكيد على أن آصرة التجمع الرئيسية بين أفراد هذا الكائن هي "العقيدة" ذلك أنها العنصر المتعلق بالعنصر الفريد في الإنسان، والذي صار به إنسانا صاحب إرادة واختيار.
٩- التأكيد على الأخوة الإنسانية في حس المسلم وشعوره فيما يتعلق بالمشاعر والمعاملة الشخصية، والعدل والقسط والبر ببني آدم جميعا، بل بالأحياء جميعا.
стр. 95
١٠- التأكيد على العلاقة بين نشاط الإنسان في الدنيا ومصيره في الآخرة، فالثواب في الآخرة موقوف على إحسان القيام بواجبات الخلافة في الدنيا.
١١- التأكيد على أن تنمية الحياة الدنيا وترقيتها عن طريق كشف النواميس والأرزاق والمدخرات في الأرض وتوزيعها بالعدل الذي قرره الله هي العبادة، وهي جواز المرور إلى رضوان الله والجنة.
١٢- التأكيد على أن الله قد كرم الإنسان بجعله مخيرا في شطر من حياته، وجعله مسيرا في شطر آخر، وأن الإنسان لا يحسن القيام بالخلافة في الأرض إلا حين يتناسق شطره الاختياري مع شطره الإجباري، فيخضعان معا لمنهج الله الذي يحكم الكون والحياة.
١٣- التأكيد على أن الفطرة الإنسانية مؤمنة، وأن الإيمان حاجة فطرية، كما أنه حاجة عقلية لا يملك الإنسان أن يستغنى عنها؛ لأنها مركوزة في كينونته، وهو مفطور عليها.
١٤- التأكيد على أن أفراد الجنس الإنساني متساوون في عبوديتهم لله، والمؤمنون بالله منهم هم الذين يرضاهم الله بين عباده، وأقربهم إليه وأعلاهم مكانا أتقاهم.
١٥- التأكيد على الإنسان ذو فاعلية إيجابية في مصيره كله -في إطار المشيئة الإلهية- فاعلية في نفسه، وفيما حوله ومن حوله، وفاعلية في حاضره ومستقبله.
١٦- التأكيد على أن المؤمن يستطيع أن يرتقي في الحياة الدنيا حتى يصبح قدرا من قدر الله، يحقق مشيئة الله -من خلال حركته الذاتية- في نفسه وفيمن حوله وفيما حوله.
١٧- التأكيد على أن الإنسان يكون في خير حالاته وأقومها حين يكون في سلام مع الله، ويكون في أسوأ حالاته حين ينحرف عن محوره الفطري ومداره الكوني، حيث يفسد، وتفسد حياته، وينشر الفساد في كل ما يحيط به.
١٨- التأكيد على أن بشرية الرسل تكريم للجنس الإنساني كله، وأنهم جميعا جاءوا برسالة الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.
стр. 96
١٩- التأكيد على أن سنة الله التي لا تتخلف هي التمكين في الأرض لأوليائه المستقيمين على منهجه، والتدمير على أعدائه المخالفين عن سنته، وتعتبر هذه السنة قاعدة أساسية من قواعد التفسير الإسلامي للتاريخ.
٢٠- التأكيد على أنه إذا كانت المبادئ والأسس ثابتة، فإن الإسلام يسمح باختلاف النماذج والأنماط للطبائع الإنسانية في إطاره، كذلك يسمح باختلاف الوسائل وأنماط الحركة في خط سيره، وفي أشكال الأوضاع الاجتماعية للحياة في إطار المبادئ والثوابت.
٢١- التأكيد على أنه لا توجد خطيئة موروثة؛ وإنما هناك تبعة فردية، ومعصية، وتوبة بابها مفتوح على الدوام.
٢٢- التأكيد على أن الغرائز عامة يشترك فيها الناس جميعا، وهي تعمل كدوافع فطرية لا تكتسب، ولا يمكن استئصالها أو القضاء عليها.
٢٣- التأكيد على أن ضبط الدوافع عملية نفسية عقلية إرادية وليس مجرد عملية بيولوجية شعورية أو غير شعورية.
٢٤- التأكيد على أن إشباع الحاجات النفسية، جسمية ووجدانية ليس غاية في ذاته، بل لإمداد الإنسان بالمتعة والقوة اللتين تحققان له التوازن وتعينانه على القيام بواجبات إعمار الأرض وترقية الحياة.
٢٥- التأكيد على ضرورة إعداد المناهج والمواقف التعليمية المناسبة لمراحل النمو والنضج ولحاجات المتعلمين.
стр. 97
الفصل الرابع: طبيعة الحياة والمجتمع
مفهوم الحياة
...
الفصل الرابع: طبيعة الحياة والمجتمع
في هذا الفصل نتناول الأساس الثالث من أسس بناء مناهج التربية، وهو طبيعة الحياة والمجتمع، وسنحاول هنا الإجابة عن الأسئلة التالية: ما مفهوم الحياة؟ وما العلاقة بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة؟ وما مفهوم المجتمع، وما مكوناته؟ وما المعايير التي يجب أن توجه السلوك الفردي والجمعي في المجتمع؟ وكيف يتغير المجتمع، وما دور التربية في هذا؟ وما المبادئ التي يجب أن تراعيها مناهج التربية في كل كذلك.
مفهوم الحياة:
الحياة دنيا وآخرة، شهود وغيب، والحياة الدنيا هي دار التكليف والعمل وعمارة الأرض، والآخرة هي دار القرار، فيها يكون الثواب والعقاب على مقدار حسن الأداء في الدنيا.
والحياة الدنيا هي مجموع أنشطة الكائنات التي خلقها الله خلال أعمارها الزمنية، وعمارة الأرض، وترقية الحياة على ظهرها إنما تكون باستثمار ما أودعه الله في الكائنات من طاقات استثمارا صالحا، وتوجيه ألوان النشاط البشري لاستخدام تلك الطاقات بالرفق واللطف وفق منهج الله، وبذلك يتحقق التناسق والتكامل بين أنشطة الكائنات من إنسان، وحيوان، ونبات، وجماد في أعمارها الزمنية من أجل إعمار الحياة.
وكل شأن من شئون الحياة ينبغي أن يسير وفق منهج الله، فسياسة الاقتصاد والمال، ونظام السياسة، ونظام الأسرة، وجميع ألوان التشريعات المدنية والإدارية، يجب أن تسير وفق هذا المنهج حتى تكون الحياة إنسانية حقا، إن الضابط الوحيد للحركة البشرية، والتطورات الحيوية، حتى لا تمضي شاردة على غير هدي، هو أن تسير كل هذه الأوضاع وفق الحقائق والمعايير والقيم الإلهية الثابتة، ومع
стр. 98
اعتبار الخبرات الإنسانية المتغيرة تبعا لمقتضيات الزمان والمكان والناس: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] .
تربية الإنسان وعمارة الأرض:
لا شك أن هناك علاقة ضرورية بين إعداد الإنسان وتربيته وفق منهج الله, وبين عمارة الأرض وترقية الحياة على ظهرها١. ويمكن تأصيل هذه العلاقة من عدة جوانب:
الجانب الأول: أن الله قد كرم الإنسان وجعله مفضلا على كثير من مخلوقاته: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] وسخر له كل ما في السموات وما في الأرض لخدمته: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] .
الجانب الثاني: أن الإنسان ليس مستهلكا فقط، بل هو منتج لنفسه ولغيره، فالأمة التي يعمل أبناؤها بجد وإتقان -ولا أقول يحسن أبناؤها العمل، فالإحسان في العمل أدق وأشمل من مجرد الجد والإتقان فيه- تكفي نفسها وتصدر فائض إنتاجها للآخرين من الجهلة والكسالى والمتواكلين، والأمثلة على ذلك كثيرة، فألمانيا بدأت من الصفر بعد الحرب العالمية الثانية، وهي الآن من أقوى الدول اقتصاديا على الأقل، واليابانيون وصلوا بجدهم وإتقانهم إلى درجة أن حولوا العالم كله إلى سوق لتصريف منتجاتهم, وكوريا وهونج كونج وتايوان وغيرهم في سباق على نفس الطريق.
الجانب الثالث: هو أن الله قد أودع الإنسان طاقات كثيرة، منها ما هو ظاهر ومنها ما هو خفي، ليستخدمها في العمارة وترقية الحياة، كما أنه قد أودع الكون من الخيرات ما يكفي حاجة البشر وزيادة، وما الندرة النسبية للموارد الطبيعية إلا نتيجة للفقر في استخدام الطاقات الإنسانية بكفاءة وفاعلية في استخراج طاقات الكون، وكنوزه المذخورة فيه.
ويسود الحياة -عموما- نظامان متكاملان: نظام اجتماعي، ونظام بيئي، وهذا يحتم علينا ضرورة تحديد طبيعة المجتمع العربي، وطبيعة المعرفة التي يجب أن تسود هذا المجتمع، وفي هذا الفصل نفصل القول في القضية الأولى:
стр. 99
طبيعة المجتمع ومكوناته:
لقد فطر الله الإنسان على الاجتماع، فليس بوسع إنسان أن يعيش وحده، أو ينفرد بنفسه انفرادا تاما، وليس هناك حداثة نفسية واحدة يمكن أن تتم دون أن تكون لها صلة بأفراد المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان، فكل حادثة نفسية، لا بد لها من مجال اجتماعي تتم فيه، والعكس صحيح أيضا، فكل حادثة اجتماعية لا بد لها من أصل نفسي١.
وعلى هذا الأساس فإن المجتمع الإنساني يتكون من أربعة عناصر:
الأول: هو الأفراد الذين يكونون الجماعة.
الثاني: هو ما ينشأ بالضرورة من صلات بين أفراد الجماعة، فالجماعة نسيج مكون من صلات اجتماعية.
الثالث: هو النظام، فالصلاة الاجتماعية تنظم وتنسق وفق نظام غايته أن يضبط سلوك الجماعة ويوجهه الوجهة المنشودة.
الرابع: هو العقيدة، أو الفلسفة، وهي أعظم العناصر المكونة للمجتمع على الإطلاق، وأكثرها خطرا، ذلك أنها تتحكم فيها كلها، وتوجهها جميعا الوجهة التي ترضاها، فهي التي تحدد الصلات الاجتماعية، وهي التي توجد الشعور بالانتماء، وهي التي ترسم نهج السلوك، وهي التي تضع قواعد المجتمع، وتقيم نظمه، وتهدي إلى مثله.
والعقيدة تتمثل في شريعة الله، كما هو الحال في الإسلام، كما تتمثل في الفلسفات الوضعية، والنظريات التي توجه الفكر والسلوك العملي في كثير من المجتمعات الأخرى.
مقارنة بين المجتمعات:
المجتمع الإسلامي مجتمع متفرد بنظامه الخاص، الذي لا يتفق في شيء مع النظم الاجتماعية الأخرى التي عرفتها البشرية، فبينما عرفت البشرية نظم الرق، فالإقطاع، فالرأسمالية، فالاشتراكية، فالشيوعية -التي لم تتحقق في واقع الحياة بعد، ولن تتحقق أبدا، لأنها تتصادم مع مقتضيات الفطرة في الطبيعية الإنسانية- وهي نظم أقامها بعض العباد لبعض، فإن المجتمع الإسلامي هو مجتمع رباني، يقوم على شريعة محكمة من عند الله، قوامها كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ .
وبالرغم من أن هناك بعض أوجه الشبه بين النظام الإسلامي وبين النظامين الرأسمالي والاشتراكي، كحق الملكية الفردية، وحق الاستثمار الفردي، وحق الإرث
стр. 100
في النظام الأول، وكضرورة ضمان حد أدنى لائق للأفراد في التربية والعمل والمسكن والصحة، وعدم القضاء المطلق على الملكية الفردية، والتقريب بين طبقات المجتمع. إلخ. في النظام الثاني -بالرغم من أوجه الشبه هذه، إلا أنها ظواهر جزئية تقوم على أصول مختلفة، بل ومتناقضة. فالربا والاحتكار -مثلا- قاعدتان أساسيتان من قواعد الملكية الفردية، ومن قواعد الاستثمار الفردي والجماعي في النظام الرأسمالي، والربا والاحتكار محرمان تحريما قاطعا في النظام الإسلامي.
والنظام الاجتماعي في الإسلام قائم على أصول ربانية تضمنتها الشريعة الإسلامية يوم جاءت قبل أكثر من أربعة عشر قرنا. فهو مجتمع قائم على هذه الشريعة، وليس نتيجة للتطورات الاجتماعية أو تابعا لها، كما هو الحال بالنسبة للنظم الأخرى.
فإذا كانت النظم البشرية قد نشأت نشوءا قاصرا، ثم تطورت وفقا لحاجات أرضية واقعية، وثمرة للصراع بين الطبقات والمصالح المتعارضة داخل المجتمعات البشرية، فإن شريعة الله، التي قام على أساسها المجتمع الإسلامي "وجدت كاملة منذ نشأتها غير مدرجة تدرجا تاريخيا"١.
"ومن ثم كانت جميع الأحكام والقوانين التي تنطبق على نشأة النظم الاجتماعية الغربية وتطورها غير منطبقة على المجتمع الإسلامي؛ لاختلاف نشأته عن نشأة تلك النظم، ولاختلاف القاعدة التي ترتكز عليها نشأته، ولاختلاف القانون الذي يحكم نموه وتطوره".
وإذا كانت المجتمعات القائمة على تشريعات وضعية تقوم فترة من الزمان ثم تنتهي، فإن المجتمع الإسلامي، الذي عاش أربعة عشر قرنا من الزمان، سيعيش، بل سيكون هو مجتمع المستقبل؛ "لأن سياج الشريعة سيظل يحرس هذا المجتمع، مهما كانت عوامل المقاومة والعداء"٢.
وإذا كانت المجتمعات البشرية القائمة على تشريعات وقوانين وضعية ومؤقتة هي مجتمعات محلية، وقومية، وعنصرية، قائمة على أساس الحدود الجغرافية، فإن المجتمع الإسلامي هو مجتمع عالمي مفتوح لجميع بني الإنسان دون نظر إلى جنس أو لون أو لغة، "بل دون نظر إلى دين أو عقيدة"، فغير المسلمين يعيشون مع المسلمين في ظل المجتمع الإسلامي، على أنه لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم.
وعالمية الدعوة الإسلامية، وبالتالي النظام الاجتماعي القائم عليها، مقررة بوضوح في قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٧] . ﴿وَمَا
стр. 101
أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨] .
وأخيرا، فإن أهم ما يجب أن يظل ماثلا في الذهن هنا حقيقتان: الأولى هي أن مبادئ الإسلام العليا "التي تسبق آخر ما وصلت إليه البشرية في خلال أربعة عشر قرنا، كانت قائمة فيه منذ اليوم الأول، وأنه منذ ذلك اليوم قد أخذ بيد البشرية في طور الترقي إلى الآفاق المرسومة خطوة خطوة فكان التطور، لا في مبادئه وأهدافه، ولكن في قرب البشرية يوما بعد يوم من هذه المبادئ والأهداف، وهذا ما ينفي فكرة التطور التاريخي من أساسها، بالقياس إلى الفكرة الإسلامية، وإلى نظام المجتمع الإسلامي"١.
الحقيقة الثانية التي يجب أن تظل ماثلة في الذهن هي "أن النظام الإسلامي ليس هو الرق، وليس هو الإقطاع، وليس هو الرأسمالية، وليس هو الاشتراكية، وليس هو الشيوعية. إن النظام الإسلامي هو فقط، النظام الإسلامي"٢.
مقومات المجتمع:
إذن فالقاعدة الأساسية التي يقوم عليها مجتمعنا هي أنه نظام رباني، عالمي، يقوم على أساس القواعد العامة والأصول الكلية لشريعة الله، والمنصوص عليها في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ومن هذه القاعدة العريضة للنظام الاجتماعي, تنبثق أربعة مقومات رئيسية يعتمد عليها البناء الاجتماعي كله، وتؤثر في كل خلاياه وجزئياته الداخلية، وهذه المقومات أو العمد الأربعة هي: العلم، والعدل، والعمل، والحرية المنضبطة بقواعد منهج الله، ونتناول كل مقوم من هذه المقومات الأربعة بشيء من التفصيل فيما يلي:
стр. 102
العلم والمعرفة ومكونات المجتمع:
العلم شعار الإسلام وفطرة الله في الإنسان، فالإنسان هو خليفة الله في الأرض ليعمرها ويرقيها وفق منهج الله، وهي منزلة اشرأبت لها أعناق الملائكة وتشوفت إليها نفوسهم، فلن يعطوها، ومنحها الله للإنسان١.
وعمارة الأرض وترقيتها لا تكون إلا بالعلم، ولذلك عندما أراد الله أن يعد الإنسان لحمل أمانة تنفيذ منهجه في الأرض، هيأه لها بالعلم: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ
стр. 103
أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣١-٣٣] .
ولا عجب في أن العلم هو شعار الإسلام الأول، فأولى الآيات التي نزلت على رسول الله ﷺ هي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١-٥] ، كما جعل الإسلام طلب العلم فريضة. وطالب العلم مجاهد في سبيل الله، كما أكد الإسلام هذا الشعار في كل مناسبة حتى يذكر الإنسان، ويحرك أحاسيسه، ويثير مشاعره كلما تبلد أو ابتعد عن منهج الله، والآيات والأحاديث في ذلك أكثر من أن تحصى في هذا المقام.
أما كون العلم فطرة الله في الإنسان، فهذا يمكن فهمه من القرآن في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] .
فالآية ترجع مسألة العلم بوحدانية الله، والاعتراف بربوبيته إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم وذات تكوينهم، ولقد شهد الكيان البشري على نفسه بهذه الحقيقة، وذلك بحكم وجوده، فوجوده يعني هذه الحقيقة.
فإذا كان العلم بوحدانية الله، والاعتراف بربوبيته -وهما غاية كل علم- فطرة في الكيان البشري، فإن تعلم كل العلوم القديمة والحديثة يجب أن تكون الغاية منه هي الحفاظ على فطرة الله في الإنسان، وحتى الرسالات والكتب السماوية ما هي إلا تذكير وتحذير وتقويم لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى، فقد اقتضت رحمة الله ألا يكل الناس إلى أنفسهم، فقد تنحرف عن الفطرة، وألا يكلهم إلى عقولهم فقد تضل، وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
دور المناهج التربوية:
هنا يأتي دور المناهج التربوية، فالعلم ليس غاية في ذاته، وإنما هو وسيلة للحفاظ على فطرة الله في الإنسان حتى لا تنحرف عن العلم بوحدانية الله، والاعتراف بربوبيته، والمعرفة ما هي إلا وسيلة لإقدار الناس على القيام بحق الخلافة
стр. 104
في الأرض بإيجابية وفاعلية. فالتقاعس عن التعليم والتعلم، وانتشار الجهل هما سير ضد الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وضد مقتضيات القيام بحق الخلافة في الأرض؛ لأنها سبيل الخراب والتخلف لا العمار والرقي، وهنا ترتبط قضية العلم، بقضية الإيمان بالألوهية والوحدانية، وبقضية خلافة الإنسان في عمارة الأرض وترقيتها برباط واحد، وأي منهج للتربية لا تظهر فيه هذه العلاقة الوطيدة فهو منهج منحرف، ولا علاقة له بالإسلام١.
والخلاصة، أن المجتمع المتحضر يتخذ العلم وسيلة للحفاظ على فطرة الله في الإنسان وهي العلم بالألوهية والوحدانية، والاعتراف بالربوبية، كما يتخذه وسيلة لإقدار أبنائه على المساهمة بإيجابية وفاعلية في عمارة الأرض وترقيتها وفق منهج الله.
التدفق المعرفي:
يتلقى الإنسان معرفته من الوحي والنص، ومن الكون والحياة، فالإسلام يرد كل شيء ابتداء إلى إرادة الله وتدبيره، ويرد الخلق كله بما في ذلك الكون، والإنسان، والمعرفة إلى إرادة الله الواحد، ومن ثم فلا تناقض في أن يكون الكون أو "الطبيعة"، وأن تكون الحياة بأوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية مصدرا آخر للمعرفة بجانب الوحي، وعن طريق العقل، وسائر المدارك والطاقات فيه، باعتبار أن هذا كله من صنع الله، فهي من عنده، كما أن الوحي من عنده أيضا.
ولكي يقوم الإنسان بحق الخلافة كاملا، لا بد من إعداده وتربيته من خلال مناهج مخططة ومنظمة, بحيث يكون قادرا على مواجهة التدفق المعرفي الهائل الذي نتج عن الثورة الهائلة في تكنولوجيا الاتصالات. ويلزم لذلك ثلاث مهارات رئيسية.
١- القدرة على الاختيار والانتقاء من المعارف المتدفقة.
٢- القدرة على إعادة تنظيم المعرفة في نسق علمي ومنطقي.
٣- القدرة على الاستخدام الأمثل للمعرفة في إنتاج الأفكار والأشياء.
العلم وتعليم الكبار:
لقد بدأ تعليم الكبار في تاريخ البشرية بتعليم الله لآدم الأسماء كلها: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣١، ٣٢] .
стр. 105
وكانت بداية الوحي على رسول الله ﷺ بقول الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] "هو حادث ضخم بحقيقته، وضخم بدلالاته، وضخم بآثاره في حياة البشرية، وهذه اللحظة التي تم فيها هذا الحادث تعد -بغير مبالغة- هي أعظم لحظة مرت بهذه الأرض في تاريخها الطويل"١، ولهذا فليس من المبالغة القول بأن العلم هو شعار الإسلام الأول.
ولقد رفع الإسلام -من اللحظة الأولى- شعار العلم لتحقيق الفطرة، فالعلم فطرة الله في الإنسان، وهذا واضح في قول الحق ﵎: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] .
فهذه الآية ترشدنا في وضوح إلى مجموعة من الأمور أهمها ما يلي:
أولا: أن العلم بالألوهية والوحدانية -وهو غاية كل علم- فطرة الله في الإنسان، وأن الانحراف عن هذا العلم هو انحراف عن فطرة الله التي فطر الناس عليها. ولهذا يجب مقاومته بجميع الوسائل لرد الإنسان إلى الفطرة.
ثانيا: يترتب على أولا، أن الأخذ بأسباب العلم فريضة لازمة لتأكيد الفطرة والحفاظ عليها وعدم الانحراف عنها؛ لأن الانحراف عنها يتبعه الانحراف عن الإيمان بوحدانية الله، وما يترتب عليه من انحراف الإنسان عن وظيفته، ألا وهي عمارة الأرض وترقيتها وفق منهج الله.
ثالثا: وبما أن العلم فطرة الله في الإنسان، وهو سبيل الإنسان إلى معرفة الله وخشيته ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وهو وسيلته إلى عمارة الأرض وترقيتها، فإنه لا سبيل إلى ذلك إلا بالاستمرار في عملية التعليم والتعلم من الصغر إلى الكبر.
إن حاجات الحياة متغيرة متجددة بتغير الحياة نفسها، وهذا يتطلب -بطبيعة الحال- استمرار الإنسان في التعلم لينفض عن نفسه، وعن مشاعره، ما يكون قد علق بها من صدأ أو بلادة، نتيجة الانغماس في الحياة تحت وطأة قبضة الطين ومطالبها.
رابعا: إن عمارة الأرض وترقية الحياة على ظهرها، عملية مستمرة دائمة، وهي بالتالي تتطلب معلومات متجددة، وهذا كله يتطلب التربية والتعليم والتدريب للكبار بصفة دائمة ومستمرة، إن الإنسان الذي يقوم بحق الخلافة في الأرض، هو
стр. 106
الذي يأخذ بكل الأسباب التي تساعده في أداء هذه الغاية بطريقة حسنة، فالمسلم مطالب بحسن الأداء، لا بمجرد الأداء، وهذا يتطلب أن يكون الإنسان متجددا ومترقيا وملما بكل ما يجد في ميدان عمله من معارف وخبرات ومهارات، إذن فترقية الحياة وفق منهج الله تتطلب التربية المستمرة، بل وحسن التربية.
المناهج ومصادر العلم:
تختلف مصادر منهج التربية في الإسلام عن مصادر المناهج الأخرى، فمنهج التربية يستمد أصوله وموجهاته من منهج الله الكلي للكون والإنسان والحياة، والمتمثل في شريعة الله، أما معظم المناهج الأخرى فتستمد أصولها من الفلسفات والنظريات التابعة لها.
فالشريعة الإسلامية كفت القائمين على بناء منهج التربية في الإسلام شر اللجوء إلى الفلسفات والنظريات البشرية. فالفلسفات يلجأ إليها غير المسلمين لعدم وجود شريعة عاملة لديهم، وفي ذلك يقول ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله": "إن أهل الفلسفة قد قسموا العلوم إلى علم أعلى، وعلم أوسط، وعلم أسفل. وجعلوا الفلسفة هي العلم الأعلى؛ لأن هذا العلم عندهم يرتبط بأمور قد أغنت عن الكلام فيها كتب الله الناطقة بالحق، المنزلة بالصدق، وما صح عن الأنبياء صلوات الله عليهم"١.
إننا لا يجب أن نحيد عن القرآن والسنة, كأصول وموجهات لمنهج التربية، فما ضياعنا إلا نتيجة مباشرة لهذا الحياد عن أصول منهج الله، ولقد كان المسلمون الأول يدركون هذه الحقيقة حتى إن عمر ﵁ كما يقول ابن القيم: "كان يمنع الحديث عن رسول الله ﷺ ، فكيف لو رأى اشتغال الناس بآرائهم، وزبد أفكارهم، وزبالة أذهانهم عن القرآن والحديث؟ "٢.
هذه هي طبيعة هذه المنهج، يجب أن نعرفها، وألا نحاول تغييرها لرغبات معجلة مهزومة أمام أزياء الفلسفات والنظريات البشرية، فهو بهذه الطبيعة صنع الأمة المسلمة أول مرة، وبها يصنع الأمة المسلمة في كل مرة يراد فيها أن يعاد إخراج الأمة المسلمة للوجود كما أخرجها الله أول مرة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] .
وتختلف مصادر العلم في منهج التربية باختلاف نوع المعلوم. فالكون محسوس وغير محسوس، شهود وغيب، فالغيب مصدر العلم به هو الوحي الصادق من صاحب الغيب ، وتحقيق هذا العلم يكون بتحقيق نسبة الخير إلى الله ، والمحسوس سبيل العلم به الملاحظة، والتجربة، والخير أيضا، ويكون تحقيق الخير بالاستقراء والاستنباط والملاحظة والتجربة٣.
стр. 107
العدل بين الأفراد والنظم والمؤسسات:
وظيفة العلم -إذن- هي عمارة المجتمع الإنساني وترقيته، لكن العلم إذا لم يكن مستندا إلى عدل الله، ينقلب إلى وسيلة للخراب والدمار للمجتمع البشري كله! فالعدل -إذن- هو القيمة التي توجه غايات العلم، نحو خير الإنسان والبشرية جميعا.
والعدل كما وضحه بعض الفقهاء والمفسرين هو تنفيذ حكم الله، أي: أن يحكم الناس وفقا لما جاءت به الشرائع السماوية، ولما كانت الشريعة الإسلامية هي كمال هذه الشرائع، فإن العمل بها إذن هو تحقيق للعدل الذي أمر الله به، ويندرج تحت هذا المعنى العام للعدل معانيه الخاصة, فهناك العدل في الحكم, والعدل في النظام الاجتماعي, والعدل في القضاء، والعدل الاقتصادي، والعدل بين الرجل والمرأة، والعدل في الحقوق والواجبات والمعاملة.. إلخ.
فالعدل من الحكام فرض لا يستقيم الحكم إلا به: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] .
والعدل واجب حتى للأعداء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] .
وتقوم العدالة في السياسة الاقتصادية على ثلاثة أسس مهمة: الأول: أن المال مال الله، والناس مستخلفون فيه: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] . والثاني هو أن الإسلام كره أن يحبس المال في أيدي فئة قليلة من الناس، بينما يمنع عن الآخرين: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] . والثالث، هو الملكية الفردية، فالمال مال الله، والناس مستخلفون في مليكة التصرف والانتفاع به، الذي لا يصل إلى السفه.
стр. 108
العدل بين الأفراد والصلات الاجتماعية:
وتقوم العدالة بين الفرد والمجتمع على أساس حركة الفرد، ونوعيتها، وعلاقتها بغيرها داخل المجتمع: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢] . فالفرد في المجتمع مرفوع فيما يجيد وفيما يحسن، ومرفوع عليه غيره فيما لا يجيده ولا يحسنه، إذن فكل فرد فاضل في جهة ومفضول عليه في جهة أخرى. فالمفضول عليه يسخر الفاضل لخدمته.
كما كفل الإسلام المساواة للمرأة مع الرجل في الجنس والحقوق الإنسانية. ولم يقرر التفاضل إلا في بعض الملابسات الخاصة بالاستعداد والخبرة والدربة والتبعة، مما لا يؤثر على حقيقة الوضع الإنساني للجنسين، فحيثما تساوى الاستعداد والدربة والتبعة تساويا، وحيثما اختلف شيء من ذلك كان التفاوت بحسبه.
فالرجل والمرأة من ناحية العمل والثواب والعقاب يتساويان: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] . ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥] .
وفي أحقية كل منهما وأهليته في الملك والتصرف الاقتصادي يتساويان: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] . ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: ٣٢] .
стр. 109
العمل أساس التملك:
الأساس الثالث من أسس بناء المجتمع، وعمارة الحياة وترقيتها فيه -بعد العلم والعدل- هو العمل. فباستثناء الميراث، جعل الإسلام العمل هو الوسيلة الوحيدة لنيل حق التملك: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] ، "ما أكل أحد طعاما قط خيرا من عمل يده" "رواه البخاري". وكره أن يلد المال المال، وإنما يلد المال الجهد، وعلى أساس هذه القاعدة حرم الإسلام الربا؛ لأن المرابي يمتص نتيجة جهد الآخرين وعرقهم بينما هو قاعد، وهذا يورث العداوة والبغضاء ويؤدي إلى هدم الحياة الاجتماعية النظيفة، ومن هنا -أيضا- جاءت كراهية الإسلام للترف وجعله مصدر الشر والفساد للفرد والجماعة معا. ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] .
العمل ومفهوم العبادة:
وليس المراد بالعمل على كل حال الانصراف عن أمور الدنيا وقضاياها والكدح فيها والاشتغال بأمور ثانوية في الدين، كالخلافات المذهبية والدروشة -كما يسميها الأستاذ فهمي هويدي- وبحث مدى إخلاص أو عدم إخلاص بعض المفكرين من أعلام المسلمين. وليس من العمل الجاد الذي تعمر به الحياة وترقى أن يترك كل ذي تخصص تخصصه في الطب والهندسة والعمارة والطبيعة والكيماء وعلوم الجهاد وعلوم الإدارة وعلوم ارتياد الفضاء، وكل العلوم التي نحن فقراء إلى النابغين فيها -إلى الاشتغال بأحكام التلاوة وعلامات الساعة والخلافات المذهبية١.
إن العمل الجاد الذي تعمر به الحياة وترقى، هو أن ينصر كل منا الإسلام في ميدان تخصصه بالإنجاز فيه والإنتاج والإبداع، يقول الشيخ محمد الغزالي: "من المستحيل إقامة مجتمع ناجح الرسالة إذا كان أصحابه جهالا بالدنيا عجزة عن الحياة. وإنه لفشل دفعنا ثمنه باهظا عندما خبنا في ميادين الحياة، وحسبنا أن مثوبة الله في كلمات تقال، ومظاهر تقام. إن الله لا يقبل تدينا يشينه هذا الشلل المستغرب، ولا أدري كيف نزعم الإيمان والجهاد ونحن نعاني من هذه الطفولة التي تجعل غيرنا يداوينا، ويمدنا بالسلاح إذا شاء"٢.
وربما كان من أهم أسباب هذه المشكلة عدم فهم معنى "العبادة" في الإسلام، فالبعض لا يفهم من معنى العبادة إلا أنها الصلاة والصوم والزكاة والحج والصدقة وبعض الأذكار والأدعية، مع أن هذا جانب واحد فقط من جوانب العبادة، فالعبادة تشمل النشاط الإنساني كله؛ لأن نشاط الإنسان المسلم كله حركة واحدة متجه نحو تحقيق غاية وجوده، وغاية وجود الإنسان هي العبادة عن طريق القيام بحق الخلافة في الأرض، والقيام بحق الخلافة في الأرض يعني عمارتها وترقيتها وفق منهج الله.
وبهذا المعنى الشامل تصبح العبادة هي الصلة الدائمة بين المسلم وربه، وتصبح هي التربية الدائمة للإنسان كله، جسمه وعقله وضميره ووجدانه.
واجبات مناهج التربية:
وبهذا المعنى يصبح من الواجب على منهج التربية أن يتنازل عن تقسيم النشاط الإنساني إلى "عبادات" و"معاملات"، وهو التقسيم الذي ورد في التأليف
стр. 110
الفقهي في مرحلة متأخرة، قد أنشأ آثارا ضارة في التصور الإسلامي، تبعته -بعد ذلك- آثار ضارة في الحياة الإسلامية كلها. إذ جعل يترسب في تصورات الناس أن معنى "العبادة" إنما هو خاص بالنوع الأول من النشاط الذي يسمى "فقه العبادات" بينما أخذ المعنى ينزوي رويدا رويدا عن النوع الثاني من النشاط الذي يتناوله "فقه المعاملات"١ وهو انحراف بالتصور الإسلامي لمفهوم العبادات لا شك فيه.
إن منهج التربية يجب أن يتناول كل النشاط الإنساني بالدراسة، ابتداء من الشعائر التعبدية كالصلاة والصيام والزكاة والحج إلى البرامج الدراسية في نظام الحكم ونظام الاقتصاد، والتشريعات الجنائية والمدنية، ونظام الأسرة، ونظام الإدارة، إلى المواد المختلفة في الرياضيات والطبيعة والكيماء، والعوم الإنسانية إلى آخره؛ يجب أن يتناول المنهج كل هذه المواد والبرامج على أساس أنها لا تهدف إلا إلى غاية واحدة، هي تحقيق معنى "العبادة" كما سبق إيضاحه.
إن غياب المناهج التربوية التي تقوم على هذا الأساس في معظم أقطار العالم العربي والإسلامي هو من أهم أسباب البلاء والتخلف الذي نعاني منه، وحتى المناهج التي تحاول على هذا الطريق يشوب بعضها الخلط، ويعوز بعضها الآخر الكثير من التخطيط الدقيق، ففي الأزهر مثلا، كنا -حتى في الستينيات من هذا القرن الميلادي- نتخصص مع بداية المرحلة الثانوية في أحد المذاهب الأربعة، حيث يقسم الطلاب على هذه المذاهب، فالبعض يدرس المذهب الحنفي، والبعض يدرس المذهب الشافعي والبعض يدرس المذهب المالكي، وهكذا كان الطلاب في هذه المرحلة من العمر، يتعلمون التعصب للمذاهب، والغوص في الخلافات والجزئيات والتفصيلات التي لا تجدى، وهم بعد لم يفهموا أصول ومقومات التصور الإسلامي العام!
إن أئمة المذاهب الأربعة لم يختلفوا على أصل من الأصول, ولا في أية مسألة ورد فيها نص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وإنما اختلفوا في الجزئيات والتفصيلات التي لا يضر معه الخلاف، وحتى أبو حنيفة -وهو المشهور بالقياس- قد بنى مذهبه, كما يقول ابن القيم في "إعلام الموقعين" على أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي"٢.
فمنهج التربية لا يجب أن يركز على الخلافات، ولا على التفصيلات التي لا قيمة لها، وخاصة في مراحل التعليم قبل الجامعي، وإنما يهتم بالأصول، وبالمجرى العام لمنهج الله في حكم الحياة، ويترك هذا الترف العقلي والعلمي، وهو الخوض في الجزئيات والثانويات والاختلاف حولها، لخاصة المتخصصين في هذا الميدان.