Полный текст (8 767 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
٧٥٦ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ» ) ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٧٥٦ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [قَالَ: قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ» ) ، أَيْ: (وَاحِدٍ) ، كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ [فَلْيُخَالِفْ] : يَعْنِي: إِذَا كَانَ وَاسِعًا فَلْيُخَالِفْ (بَيْنَ طَرَفَيْهِ) : أَيْ: فَلْيَأْتَزِرْ بِأَحَدِ طَرَفَيْهِ، وَلِيَجْعَلِ الْآخَرَ عَلَى عَاتِقِهِ، وَقِيلَ: يَضَعُ طَرَفَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَالْعَكْسُ، وَقِيلَ: فَلْيَجْعَلْ كَالْمُضْطَبِعِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ ضَيِّقًا عَلَى حَقْوَيْهِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
)
стр. 1192
٧٥٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ رِضَى اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: (اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ، وَأَتُوْنِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي» ) ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ، قَالَ: ( «كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَلَمِهَا وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ فَأَخَافُ أَنْ تَفْتِنَنِيَ» )
ــ
٧٥٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي خَمِيصَةٍ) : فِي النِّهَايَةِ: الْخَمِيصَةُ ثَوْبٌ مِنْ صُوفٍ أَوْ خَزٍّ مُعَلَّمَةٌ سَوْدَاءُ، وَقِيلَ: لَا تُسَمَّى خَمِيصَةً إِلَّا أَنْ تَكُونَ مُعَلَّمَةً، وَكَانَتْ مِنْ لِبَاسِ النَّاسِ قَدِيمًا، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: فَعَلَى هَذَا قَوْلُ عَائِشَةَ (لَهَا) ، أَيْ: لِلْخَمِيصَةِ (أَعْلَامٌ) : عَلَى وَجْهِ الْبَيَانِ وَالتَّأْكِيدِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ طَرِيقِ التَّجْرِيدِ (فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً) ، أَيْ: نَظَرَ عِبْرَةٍ (أَعْلَامٌ) : عَلَى وَجْهِ الْبَيَانِ وَالتَّأْكِيدِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ طَرِيقِ التَّجْرِيدِ (فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً) ، أَيْ: نَظَرَ عِبْرَةٍ (فَلَمَّا انْصَرَفَ) : أَيْ عَنِ الصَّلَاةِ [قَالَ: ( «اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ» ) : وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: ( «أَلْهَتْنِي أَعْلَامُ هَذِهِ اذْهَبُوا بِهَا» ) . (إِلَى أَبِي جَهْمٍ) : قُرَشِيٌّ وَعَدَوِيٌّ كَانَ أَهْدَاهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (وَأَتُوْنِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ) : وَإِنَّمَا طَلَبَ أَنْبِجَانِيَّتَهُ بَدَلَهَا لِئَلَّا يَتَأَذَّى بِرَدِّ هَدِيَّتِهِ، وَهِيَ فَتْحُ الْهَمْزَةِ وَسُكُونُ النُّونِ وَكَسْرُ الْمُوَحَّدَةِ وَتُفْتَحُ وَتَشَدَّدُ التَّحْتِيَّةُ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا، وَفِيهِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْمَحْفُوظِ مِنَ الرِّوَايَةِ وَالِدِّرَايَةِ، فَفِي الْمَعْنَى: هِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، كِسَاءٌ لَا عَلَمَ لَهُ، وَفِي الْقَامُوسِ: مَنْبِجٌ كَمَجْلِسٍ مَوْضِعٌ، وَكِسَاءٌ مَنْبَجَانِيٌّ وَأَنْبَجَانِيٌّ بِفَتْحِ بَائِهِمَا نِسْبَةً عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْمَحْفُوظُ فِي أَنْبِجَانِيَّةٍ كَسْرُ الْبَاءَ، وَهُوَ بِفَتْحِهَا وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى " مَنْبِجَ " بَلْدَةٍ مَعْرُوفَةٍ بِالشَّامِ وَهِيَ مَكْسُورَةُ الْبَاءِ فَفُتِحَتْ فِي النَّسَبِ وَأُبْدِلَتِ الْمِيمُ بِهَمْزَةٍ، وَقِيلَ: مَنْسُوبٌ إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: أَنْبِجَانُ وَهُوَ الْأَشْبَهُ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ فِيهِ تَعَسُّفٌ، وَهُوَ كِسَاءٌ يُتَّخَذُ مِنَ الصُّوفِ لَهُ خَمَلٌ، وَلَا عَلَمَ لَهُ، وَهُوَ مَنْ أَدْوَنِ الثِّيَابِ الْغَلِيظَةِ، وَالْهَمْزَةُ فِيهَا زَائِدَةٌ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّهَا مَنْسُوبَةٌ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَقَدْ حُذِفَ بَعْضُ حُرُوفِهَا وَعُرِّبَ، قَالَ الْقَاضِي: إِنَّمَا أَرْسَلَ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ أَهْدَاهَا إِيَّاهُ، فَلَمَّا أَلْهَاهُ عَلَمُهَا، أَيْ: شَغَلَهُ عَنِ الصَّلَاةِ بِوُقُوعِ نَظْرَةٍ إِلَى نُقُوشِ الْعَلَمِ وَأَلْوَانِهِ، أَيْ: تَفَكَّرَ فِي أَنَّ مِثْلَ هَذَا لِلرُّعُونَةِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِهِ رَدَّهَا إِلَيْهِ، قَالَ الْأَشْرَفُ: فِيهِ إِيذَانٌ بِأَنَّ لِلصُّوَرِ وَالْأَشْيَاءِ الظَّاهِرَةِ تَأْثِيرًا مَا فِي النُّفُوسِ الطَّاهِرَةِ: قِيلَ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى كَرَاهِيَةِ الْأَعْلَامِ الَّتِي يَتَعَاطَاهَا النَّاسُ عَلَى أَرْدَائِهِمْ. وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهَا (فَإِنَّهَا) : أَيِ: الْخَمِيصَةَ (أَلْهَتْنِي) ، أَيْ: شَغَلَتْنِي (آنِفًا) : بِالْمَدِّ وَيُقْصَرُ، وَقُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْعَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦] ، أَيْ: فِي هَذِهِ السَّاعَةِ (عَنْ صَلَاتِي) ، أَيْ: عَنْ كَمَالِ حُضُورِهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
قَالَ مِيرَكُ: فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي مُسْلِمٍ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا هُوَ لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَ مِيرَكُ: «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي خَمِيصَةٍ ذَاتِ أَعْلَامٍ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ (اذْهَبُوا بِهَذِهِ الْخَمِيصَةِ إِلَى أَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّتِهِ فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي فِي صَلَاتِي» ) فَانْظُرْ فِي اخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ.
[فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، قَالَ ( «كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَمَلِهَا وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ فَأَخَافُ أَنْ يَفْتِنَنِيَ» ) : أَيْ: بِمَعْنَى مِنَ الصَّلَاةِ وَيَشْغَلَنِي عَنْ حُضُورِهَا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ يُلْهِيَنِي عَنِ الصَّلَاةِ لَهْوًا أَتَمَّ مِمَّا وَقَعَ مِنْهَا، وَإِلَّا فَلَا تَنَافِي بَيْنَ جَزْمِهِ بِوُقُوعِ الْإِلْهَاءِ بِهَا ثَمَّ، وَخَشْيَةِ وُقُوعِهِ بِهَا هُنَا فَتَأَمَّلْهُ، وَكَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ حِكْمَةُ التَّغَايُرِ بَيْنَ الْأُسْلُوبَيْنِ حَيْثُ عَبَّرَ أَوَّلًا بِالْإِلْهَاءِ وَثَانِيًا بِالْفِتْنَةِ اهـ.
وَهُوَ مَعْنًى حَسَنٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى، فَأَخَافُ أَنْ يُوقِعَنِيَ فِي الْعَذَابِ أَوْ فِي فِتْنَةٍ تُؤَدِّي إِلَيْهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤] ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَى أَلْهَتْنِي أَرَادَتْ أَنْ تُلْهِيَنِي فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ: فَأَخَافُ أَنْ يَفْتَتْنِي بِمَعْنَى يُلْهِينِي، بَلْ يَكُونُ الثَّانِي تَفْسِيرًا لِلْأَوَّلِ وَلِذَا قِيلَ: إِنَّهُ ﵇ لَمْ يَتَأَثَّرْ بِهَا، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ تَشْرِيعًا لِأُمَّتِهِ وَخَوْفًا عَلَيْهِ مِنَ الْإِلْهَاءِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمُخَطَّطَاتِ فِي صَلَاتِهِمْ، لَكِنَّ مِنْ زَعَمَ مِنَ الْأُمَّةِ أَنَّ قَلْبَهُ لَا يَتَأَثَّرُ بِذَلِكَ، فَقَدْ جَهِلَ طَرِيقَ السُّلُوكِ لِأَنَّهُ لَا يُقَاسُ الْحَدَّادُونَ بِالْمُلُوكِ، وَأَمَّا جَزْمُ ابْنِ حَجَرٍ بِأَنَّ قَلْبَهُ ﵇ تَأَثَّرَ بِذَلِكَ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، وَقَوْلُ الْأَشْرَفِ تَأْثِيرًا إِمَّا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ أَدْرَكَ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا: يُسَنُّ لِمَنْ صَلَّى فِي ذَلِكَ أَوْ إِلَيْهِ، أَوْ عَلَيْهِ أَنْ يُغْمِضَ بَصَرَهُ، حَتَّى لَا يَخْتَلَّ خُشُوعُهُ وَحُضُورُهُ، قُلْتُ: سَبَقَ مِنْهُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ أَوْ إِلَيْهِ أَوْ عَلَيْهِ، وَتَغْمِيضُ الْعَيْنِ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الْمَكْرُوهَاتِ، فَكَيْفَ يُسَنُّ مَكْرُوهٌ لِدَفْعِ مَكْرُوهٍ، مَعَ أَنَّ الْمَكْرُوهَ لَا يَنْدَفِعُ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1193
٧٥٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ «كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ (أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا ; فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلَاتِي» ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٧٥٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ قِرَامٌ) : وَهُوَ بِالْكَسْرِ سِتْرٌ رَقِيقٌ فِيهِ نُقُوشٌ وَرَقْمٌ كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْقِرَامُ هُوَ السِّتْرُ الرَّقِيقُ، وَقِيلَ الصَّفِيقُ مِنْ صُوفٍ ذِي أَلْوَانٍ، وَقِيلَ مُطَلَّقُ السِّتْرِ، وَقِيلَ الْقِرَامُ السِّتْرُ الرَّقِيقُ وَرَاءَ السِّتْرِ الْغَلِيظِ وَلِذَا أَضَافَهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ، وَقِيلَ: الْقِرَامُ سِتْرٌ، (لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا) : وَهُوَ يَحْتَمِلُ جَانِبَ الْبَابِ وَجَانِبَ الْجِدَارِ (فَقَالَ) : أَيْ لَهَا كَمَا فِي نُسْخَةٍ [النَّبِيُّ ﷺ : (أَمِيطِي) : أَيْ: أَزِيلِي (عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ) : الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ أَوِ الْقِرَامِ، وَفِي نُسْخَةٍ: فَإِنَّهَا فَالضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ (لَا يَزَالُ تَصَاوِيرُهُ) : جَمْعُ تَصْوِيرٍ. بِمَعْنَى الصُّورَةِ، أَيْ: تَمَاثِيلُهُ أَوْ نُقُوشُهُ (تَعْرِضُ) ،] ، أَيْ: لِي كَمَا فِي نُسْخَةٍ يَعْنِي: تَظْهَرُ (فِي صَلَاتِي) : وَتَشْغَلَنِي عَنْهَا، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ، أَيْ: مُنْفَرِدًا بِهِ قَالَ مِيرَكُ.
стр. 1194
٧٥٩ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رِضَى اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرُّوجَ حَرِيرٍ، فَلَبِسَهُ ثُمَّ صَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: (لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ» ) ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٧٥٩ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) : مِنْ قَبِيلَةِ جُهَيْنَةَ كَانَ وَالِيًا عَلَى مِصْرَ لِمُعَاوِيَةَ (قَالَ: أُهْدِيَ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ (لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرُّوجُ حَرِيرٍ) ، بِفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ هُوَ الْقَبَاءُ الَّذِي شُقَّ مِنْ خَلْفِهِ (فَلَبِسَهُ) : قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ، وَقِيلَ إِنَّهُ كَانَ بَعْدَ الْبَعْثَةِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَوَّلِ التَّحْرِيمِ، لِأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: إِنَّهُ ﵇ صَلَّى فِي قَبَاءِ دِيبَاجٍ ثُمَّ نَزَعَةٍ، وَقَالَ (نَهَانِي عَنْهُ جِبْرِيلُ) ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ (ثُمَّ صَلَّى فِيهِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا لِشَرِّهِ لَهُ) : لِمَا فِيهِ مِنَ الرُّعُونَةِ أَوْ لِمَا جَاءَهُ الْوَحْيُ بِالنَّهْيِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: الْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، فَنَزَعَهُ نَزْعَ الْكَارِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الرُّعُونَةِ كَمَا بَدَا لَهُ فِي الْخَمِيصَةِ، وَقِيلَ: كَانَ بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا لَبِسَهُ اسْتِمَالَةً لِقَلْبِ مَنْ أَهْدَاهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ صَاحِبُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، أَوْ صَاحِبُ دُومَةَ أَوْ غَيْرِهَا عَلَى اخْتِلَافٍ فِيهِ اهـ، كَلَامُهُ وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، لَكِنَّ لُبْسَهُ مَعَ كَوْنِهِ مُحَرَّمًا لِلِاسْتِمَالَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، سِيَّمَا صَلَاتُهُ بِهِ مَعَ أَنَّهُ يُنَافِيهِ نَزْعُهُ الْكَارِهُ [ثُمَّ قَالَ: (لَا يَنْبَغِي) ، أَيْ: لَا يَلِيقُ (هَذَا لِمُتَّقِينَ) (أَيْ: لِلْمُؤْمِنِينَ الْكَامِلِينَ قِيلَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ ; لِأَنَّ الْمُتَّقِيَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ فِي التَّحْرِيمِ وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُتَّقِينَ عَنِ الشِّرْكِ، وَلَا يَنْبَغِي. بِمَعْنَى لَا يَجُوزُ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، قَالَ مِيرَكُ.
стр. 1195
الفصل الثاني
٧٦٠ - عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁، قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ أَصِيدُ؟ أَفَأُصَلِّي فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ؟ قَالَ: (نَعَمْ، وَازْرُرْهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ» ) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ.
ــ
الفصل الثاني
٧٦٠ - (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ) : هُوَ أَسْلَمِيٌّ، مَدَنِيٌّ، وَكَانَ مِنَ الْمُبَايِعِينَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ مَرَّتَيْنِ، وَكَانَ مِنْ أَشْجَعِ النَّاسِ رَاجِلًا (قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي رَجُلٌ أَصِيدُ» ) ، كَأَبِيعُ، أَيْ: أَصْطَادُ، وَفِي نُسْخَةٍ: كَأُكْرِمُ، فِي النِّهَايَةِ: رَوَى أَصِيدُ أَيْ لَهُ عِلَّةٌ فِي رَقَبَتِهِ لَا يُمْكِنُ الْتِفَاتٌ مَعَهَا، وَالْمَشْهُورُ أَصِيدُ مِنْ الِاصْطِيَادِ، وَالثَّانِي أَنْسَبُ ; لِأَنَّ الصَّيَّادَ يَطْلَبُ الْخِفَّةَ، وَرُبَّمَا يَمْنَعُهُ الْإِزَارُ مِنَ الْعَدْوِ خَلْفَ الصَّيْدِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ ذَكَرَ الْمَعْنَيَيْنِ وَمَا فَرَّقَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ [أَفَأُصَلِّي فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ؟ قَالَ (نَعَمْ) ، أَيْ: صَلِّ فِيهِ (وَازْرُرْهُ) : بِضَمِّ الرَّاءِ، أَيِ: اشْدُدْهُ (لَوْ بِشَوْكَةٍ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا إِذَا كَانَ جَيْبُ الْقَمِيصِ وَاسِعًا تَظْهَرُ مِنْهُ عَوْرَتُهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَزُرَّهُ لِئَلَّا يَكْشِفَ الْعَوْرَةَ، قَالَ فِي شَرْحِ شِرْعَةِ الْإِسْلَامِ: وَمِنْ آدَابِ الصَّلَاةِ زَرَّ الْقَمِيصِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ سَتْرَ عَوْرَتِهِ عَنْ نَفْسِهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، حَتَّى لَوْ كَانَ مَحْلُولَ الْجَيْبِ، فَنَظَرَ إِلَى عَوْرَتِهِ لَا يُعِيدُ صَلَاتَهُ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ، وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَفْتَى بَعْضُ الْمَشَايِخِ بِأَنَّهُ إِذَا رَأَى عَوْرَتَهُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : أَيْ: هَذَا اللَّفْظَ، (وَرَوَى النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ) ، أَيْ: بِمَعْنَاهُ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، بَلْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
стр. 1196
٧٦١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يُصَلِّي مُسْبِلَ إِزَارِهِ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (اذْهَبْ فَتَوَضَّأْ) فَذَهَبَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا لَكَ أَمَرْتَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ مُسْبِلٌ إِزَارَهُ (وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ صَلَاةَ رَجُلٍ مُسْبِلٍ إِزَارَهُ» ) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٧٦١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يُصَلِّي مُسْبِلَ إِزَارِهِ) : صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ لِرَجُلٍ أَيْ: مُرْسَلَةً أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبِ تَبَخْتُرًا وَخُيَلَاءَ، قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْمُسْبِلُ الَّذِي يُطَوِّلُ ثَوْبَهُ وَيُرْسِلُهُ إِلَى الْأَرْضِ يَفْعَلُ ذَلِكَ تَبَخْتُرًا وَاخْتِيَالًا اهـ، وَإِطَالَةُ الذَّيْلِ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَمَالِكٌ يُجَوِّزُهَا فِي الصَّلَاةِ دُونَ الْمَشْيِ لِظُهُورِ الْخُيَلَاءِ فِيهِ، (قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) ، أَيْ: بَعْدَ صَلَاتِهِ لِكَوْنِ صَلَاتِهِ صَحِيحَةً، فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ أَنَّهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، فَقَالَ: (اذْهَبْ فَتَوَضَّأْ) : قِيلَ: لَعَلَّ السِّرَّ فِي أَمْرِهِ بِالتَّوَضُّؤِ، وَهُوَ طَاهِرٌ أَنْ يَتَفَكَّرَ الرَّجُلُ فِي سَبَبِ ذَلِكَ الْأَمْرِ، فَيَقِفَ عَلَى مَا ارْتَكَبَهُ مِنَ الْمَكْرُوهِ، وَأَنَّ اللَّهَ بِبَرَكَةِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ إِيَّاهُ بِطَهَارَةِ الظَّاهِرِ يُطَهِّرُ بَاطِنَهُ مِنْ دَنَسِ الْكِبْرِ ; لِأَنَّ طَهَارَةَ الظَّاهِرِ مُؤَثِّرَةٌ فِي طَهَارَةِ الْبَاطِنِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (فَذَهَبَ وَتَوَضَّأَ ثُمَّ جَاءَ) : فَكَأَنَّهُ جَاءَ غَيْرَ مُسْبِلٍ إِزَارَهُ (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ أَمَرْتَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ؟) ، أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ طَاهِرٌ [قَالَ: ( «إِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ مُسْبِلٌ إِزَارَهُ» ) : وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ، أَيْ: قَبُولًا كَامِلًا صَلَاةَ رُجُلٍ مُسْبِلٍ إِزَارَهُ، ظَاهِرُ جَوَابِهِ ﵇ أَنَّهُ إِنَّمَا أَعَادَهُ بِالْوُضُوءِ، وَالَّذِي أَعْلَمُ، أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يُصَلِّي وَمَا تَعَلَّقَ الْقَبُولُ الْكَامِلُ بِصَلَاتِهِ، وَالطَّهَارَةُ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ وَأَجْزَائِهَا الْخَارِجَةِ فَسَرَى عَدَمُ الْقَبُولِ إِلَى الطَّهَارَةِ أَيْضًا، فَأَمَرَهُ بِإِعَادَةِ الطَّهَارَةِ حَثًّا عَلَى الْأَكْمَلِ وَالْأَفْضَلِ، فَقَوْلُهُ: يُصَلِّي، أَيْ: يُرِيدُ الصَّلَاةَ فَالْأَمْرُ بِالْوُضُوءِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ الْمُسْبِلُ بِقَطْعِ صَلَاتِهِ، ثُمَّ الْوُضُوءِ، فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، قَالَ مِيرَكُ: وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو جَعْفَرٍ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ وَفِي التَّقْرِيبِ أَبُو جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ، مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ نَقَلَهُ مِيرَكُ وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ: «أَنَّهُ ﵇ أَبْصَرَ رَجُلًا يُصَلِّي، وَقَدْ أَسْدَلَ ثَوْبَهُ فَدَنَا مِنْهُ ﵇ فَعَطَفَ عَلَيْهِ ثَوْبَهُ» .
стр. 1197
٧٦٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ رِضَى اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ» ) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
ــ
٧٦٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تُقْبَلُ) : بِالتَّأْنِيثِ أَصَحُّ، وَالْمَعْنَى لَا تَصِحُّ إِذِ الْأَصْلُ فِي نَفْيِ الْقَبُولِ نَفْيُ الصِّحَّةِ إِلَّا لِدَلِيلٍ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الثِّيَابَ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ [الأعراف: ٢٨] ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: هِيَ طَوَافُهُمْ عُرَاةً، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي الْفُرُوعِ، وَسَيَأْتِي بَعْضُ مَسَائِلِهِ، (صَلَاةُ حَائِضٍ) ، أَيْ: بَالِغَةٍ (إِلَّا بِخِمَارٍ) ، أَيْ: مَا يُتَخَمَّرُ بِهِ مِنْ سَتْرِ رَأْسٍ، وَهَذَا فِي الْحَرْبِ قَالَ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ وَأَرَادَ بِهَا بِهَا الْحُرَّةَ الَّتِي بَلَغَتْ سِنَّ الْحَيْضِ، وَقِيلَ: الْأَصْوَبُ أَنْ يُرَادَ بِالْحَائِضِ مِنْ شَأْنِهَا الْحَيْضُ لِيَتَنَاوَلَ الصَّغِيرَ أَيْضًا، فَإِنَّ سَتْرَ رَأْسِهَا شَرْطٌ لِصِحَّةِ صَلَاتِهَا أَيْضًا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَأْسَ الْحُرَّةِ عَوْرَةٌ بِخِلَافِ الْأَمَةِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، قَالَ: صَحِيحٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ.
стр. 1198
٧٦٣ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، «أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ عَلَيْهَا إِزَارٌ؟ قَالَ: (إِذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ وَقَفُوهُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ.
ــ
٧٦٣ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ» ) ، أَيْ: قَمِيصٍ (وَخِمَارٍ وَلَيْسَ عَلَيْهَا) ، أَيْ: لَيْسَ تَحْتَ قَمِيصِهَا أَوْ فَوْقَهُ (إِزَارٌ) ؟ ، أَيْ: وَلَا سَرَاوِيلَ، أَيْ: (قَالَ) ، أَيْ: (إِذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا) ، أَيْ: كَامِلًا وَاسِعًا (يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا) : قَالَ الْأَشْرَفُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ ظَهْرَ قَدَمِهَا عَوْرَةٌ يَجِبُ سَتْرُهُ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوِ انْكَشَفَ شَيْءٌ مِمَّا سِوَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، فَعَلَيْهَا الْإِعَادَةُ نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَدَيْنِ الْكَفَّانِ، وَفِي مُخْتَلِفَاتِ قَاضِي خَانْ ظَاهِرُ الْكَفِّ وَبَاطِنُهُ لَيْسَا عَوْرَتَيْنِ إِلَى الرُّسْغَيْنِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ظَاهِرُهُ
стр. 1199
عَوْرَةٌ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَالذِّرَاعُ عَوْرَةٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّ فِي الْمُقَدَّمَيْنِ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمَا لَيْسَتَا بِعَوْرَةٍ، كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ، وَهُوَ مُخْتَارُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ظَهْرِ الْكَفِّ وَبَطْنِهِ، خِلَافًا لِمَا قِيلَ: إِنَّ بَطْنَهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ وَظَهْرَهُ عَوْرَةٌ، قُلْتُ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُؤَيِّدُ مَا قِيلَ: وَقَالَ فِي الْخَانِيَةِ: الصَّحِيحُ أَنَّ انْكِشَافَ رُبُعِ الْقَدَمِ يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ الَّتِي هِيَ عَوْرَةٌ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، أَيْ: مَرْفُوعًا مَالَ: وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ مَوْقُوفًا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ ذَكَرَهُ مِيرَكُ، (وَذَكَرَ) ، أَيْ: أَبُو دَاوُدَ (جَمَاعَةً) ، أَيْ: مِنَ الرُّوَاةِ (وَقَفُوهُ) ، أَيِ: الْحَدِيثَ (عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ، أَوْ أَحَدُ الرُّوَاةِ جَمَاعَةً مِنَ الْمُحْدَثِينَ وَقَفُوا هَذَا الْحَدِيثَ وَقَصَرَهُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ اهـ.
قُلْتُ: الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ بِلَفْظِهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا، وَلَعَلَّ الْمَوْقُوفَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَذَكَرَ هُوَ أَنَّ جَمَاعَةً وَقَفُوهُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَحِينَئِذٍ لَا يَضُرُّ وَقْفُهُمْ لَهُ عَلَيْهَا ; لِأَنَّ مَنْ رَفَعَهُ مَعَهُ زِيَادَةُ عَلَمٍ فَيُقَدَّمُ، وَأَيْضًا هَذَا الْمَوْقُوفُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الرَّأْيِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ ﵇: ( «عَوْرَةُ الْمُؤْمِنِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ إِلَى رُكْبَتِهِ» ) ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْمُؤْمِنِ لِلْغَالِبِ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ رَجُلٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ إِلَّا أَنَّ لَهُ شَوَاهِدَ تَجْبُرُهُ وَهِيَ أَحَادِيثُ أَرْبَعَةٌ بِمَعْنَاهُ، وَقِيلَ: (الْعَوْرَةُ السَّوْأَتَانِ فَقَطْ لِمَا فِي مُسْلِمٍ «أَنَّهُ ﵇: كَانَ مَكْشُوفَ الْفَخِذِ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَلَمْ يَسْتُرْهُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَسَتَرَهُ» ، وَرَدُّوهُ بِأَنَّ الْمَكْشُوفَ حَصَلَ الشَّكُّ فِيهِ فِي مُسْلِمٍ هَلْ هُوَ السَّاقُ أَوِ الْفَخِذُ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْجَزْمُ بِجَوَازِ كَشْفِ الْفَخِذِ، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَهِيَ وَاقِعَةُ حَالٍ احْتَمَلَتْ أَنَّ الْمَكْشُوفَ مِنْ نَاحِيَتِهِ لَا مِنْ نَاحِيَتِهِمَا.
قُلْتُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ حَصَلَ الْكَشْفُ لَهُ حَالَةَ الِاسْتِغْرَاقِ وَالسَّتْرِ بَعْدَمَا أَفَاقَ، وَأَمَّا فِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ، «أَنَّهُ ﵇ أَجْرَى فَرَسَهُ فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ، ثُمَّ حَسِرَ الْإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ الشَّرِيفِ حَتَّى رَآهُ أَنَسٌ» ، فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ انْحَسَرَ بِنَفْسِهِ لِأَجْلِ الْإِجْرَاءِ لِرِوَايَتِهِمَا أَيْضًا، فَانْحَسَرَ الْإِزَارُ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ قَالَ فِي كُلٍّ مِنْهَا: أَنَّهُ حَسَنٌ أَنَّهُ ﵇، قَالَ لِجَرْهَدٍ، بِجِيمٍ وَهَاءٍ مَفْتُوحَتَيْنِ: غَطِّ فَخِذَكَ ; لِأَنَّ الْفَخِذَ مِنَ الْعَوْرَةِ، وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ سَتْرُ عَوْرَتِهِ وَإِنْ كَانَ خَالِيًا لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: " «لَا تَمْشُوا عُرَاةً» "، وَلِخَبَرِ أَحْمَدَ وَالْأَرْبَعَةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: ( «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ) ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ: (اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ» ) ، ثُمَّ الْعَارِي وَالْمُسْتِرُ وَإِنِ اسْتَوَيَا فِي نَظَرِ اللَّهِ إِلَيْهِمَا، إِلَّا أَنَّهُ يَرَى الثَّانِي مُتَأَدِّبًا، وَالْأَوَّلَ تَارِكًا لِلْأَدَبِ اهـ.
وَقَوْلُهُ: " يَجِبُ " لَا يَصِحُّ عَلَى إِطْلَاقِهِ أَوْ يُقَالُ: الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْذُورَاتِ لِمَا جَاءَ: أَنَّ التَّسْمِيَةَ تَسَتُّرُ الْعَوْرَةَ عَنْ أَعْيُنِ الْجِنِّ، وَالْأَمْرُ اسْتِحْبَابُ التَّسَتُّرِ حَالَةَ الْخَلَاءِ لَا الْوُجُوبُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1200
٧٦٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِضَى اللَّهُ عَنْهُ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ السَّدْلِ فِي الصَّلَاةِ. وَأَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
ــ
٧٦٤ - (وَعَنْ أَبِيً هُرَيْرَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ السَّدْلِ فِي الصَّلَاةِ» ) ، قِيلَ: هُوَ إِرْسَالُ الْيَدِ، وَقِيلَ: إِرْسَالُ الثَّوْبِ يُصِيبُ الْأَرْضَ مِنَ الْخُيَلَاءِ، وَفِي الْفَائِقِ: السَّدْلُ إِرْسَالُ الثَّوْبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضُمَّ جَانِبَيْهِ، وَفِي النِّهَايَةِ هُوَ أَنْ يَلْتَحِفَ بِثَوْبِهِ وَيُدْخِلَ يَدَيْهِ مِنْ دَاخِلٍ فَيَرْكَعَ وَيَسْجُدَ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ تَفْعَلُهُ فِي صَلَاتِهِمْ فَنَهَى عَنِ التَّشَبُّهِ بِهِمْ، قَالَ الْقَاضِي: السَّدْلُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ أَشْنَعُ وَأَقْبَحُ، وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: السَّدْلُ أَنْ يَضَعَ الثَّوْبَ عَلَى كَتِفِهِ وَيُرْسِلَ أَطْرَافَهُ عَلَى عَضُدَيْهِ أَوْ صَدْرِهِ، وَقِيلَ: أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ كَتِفِهِ وَيُرْسِلَ أَطْرَافَهُ مِنْ جَوَانِبِهِ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: هُوَ أَنْ يَجْعَلَ الثَّوْبَ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ عَلَى عَاتِقِهِ، وَيُرْسِلَ جَانِبَيْهِ أَمَامَهُ عَلَى صَدْرِهِ، وَالْكُلُّ سَدْلٌ فَإِنَّ السَّدْلَ فِي اللُّغَةِ: الْإِرْخَاءُ وَالْإِرْسَالُ، وَفِي الشَّرْعِ: الْإِرْسَالُ بِدُونِ الْمُعْتَادِ، وَكَرَاهَتُهُ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ اهـ.
وَحِكْمَتُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ اشْتِغَالُ الْقَلْبِ، بِمُحَافَظَتِهِ وَالِاحْتِيَاجِ بِمُعَالَجَتِهِ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ مَغْرُوزًا أَوْ مَرْبُوطًا
стр. 1201
بِطَرَفٍ آخَرَ بِحَيْثُ لَا يَخَافُ عَلَيْهِ مِنَ الْوُقُوعِ لَا يَكُونُ مَكْرُوهًا ( «وَأَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ» ) ، أَيْ: فَمَهُ فِي الصَّلَاةِ، كَانَتِ الْعَرَبُ يَتَلَثَّمُونَ بِالْعَمَائِمِ، وَيَجْعَلُونَ أَطْرَافَهَا تَحْتَ أَعْنَاقِهِمْ، فَيُغَطُّونَ أَفْوَاهَهُمْ كَيْلَا يُصِيبَهُمُ الْهَوَاءُ الْمُخْتَلِطُ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، فَنُهُوا عَنْهُ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ حُسْنَ إِتْمَامِ الْقِرَاءَةِ وَكَمَالَ السُّجُودِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: إِنْ عَرَضَ لَهُ التَّثَاؤُبُ جَازَ أَنْ يُغَطِّيَ فَمَهُ بِثَوْبٍ أَوْ يَدِهِ، لِحَدِيثٍ وَرَدَ فِيهِ ذِكْرُ الطِّيبِيِّ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ النَّهْيِ اسْتِمْرَارُهُ بِلَا ضَرُورَةٍ، وَمِنَ الْجَوَازِ عُرُوضُهُ سَاعَةً لِعَارِضٍ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: يُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي أَنْ يُغَطِّيَ فَاهُ أَوْ أَنْفَهُ ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ، إِلَّا عِنْدَ التَّثَاؤُبِ، وَالْأَدَبُ عِنْدَ التَّثَاؤُبِ أَنْ يَكْظِمَهُ، أَيْ: يُمْسِكَهُ وَيَمْنَعَهُ مِنْ الِانْفِتَاحِ إِنْ قَدِرَ عَلَى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﵇: ( «إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ» ) ، وَفِي رِوَايَةٍ: ( «فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ، عَلَى فَمِهِ فَإِنَّ الشَّطِّيَّانَ يَدْخُلُ فِيهِ» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ، «وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ أَوْ كُمَّهُ عَلَى فِيهِ» ، كَذَا رَوَى عَنْهُ ﵊، قِيلَ: الْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ يَدَهُ الْيُسْرَى ; لِأَنَّهَا لِدَفْعِ الْأَذَى.
قُلْتُ: وَلَعَلَّ هَذَا فِي غَيْرِ حَالَةِ الْقِيَامِ عِنْدَ وَضْعِ الْيَدَيْنِ، فَيَضَعُ ظَهْرَ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى فَمِهِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، التِّرْمِذِيُّ) : وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي التِّرْمِذِيِّ: وَأَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ التَّخْرِيجِ قَالَ: وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يُعْرَفُ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عِسْلٍ، وَهُوَ ابْنُ سُفْيَانَ التَّيْمِيُّ الْيَرْبُوعِيُّ، كُنْيَتُهُ أَبُو قُرَّةَ، ضَعِيفُ الْحَدِيثِ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا أَيْضًا، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِتَمَامِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ شَطْرَهُ الْأَوَّلَ، وَغَيْرُهُمَا، وَجُزْؤُهُ الْأَخِيرُ صَحِيحٌ كَمَا مَرَّ، وَأَمَّا جُزْؤُهُ الْأَوَّلُ، عَنِ النَّهْيِ عَنِ السَّدْلِ فَضَعَّفَهُ كَثِيرُونَ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الِاسْتِدْلَالِ عُمُومُ النَّهْيِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنْ إِسْبَالِ الْإِزَارِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَئِمَّتُنَا: يُكْرَهُ إِطَالَةُ الثَّوْبِ عَنِ الْكَعْبَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُصِبِ الْأَرْضَ مَا لَمْ يَقْصِدْ خُيَلَاءَ، وَإِلَّا حُرِّمَ.
стр. 1202
٧٦٥ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «خَالِفُوا الْيَهُودَ، فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلَا خِفَافِهِمْ» ) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٧٦٥ - (وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ) : هُوَ ابْنُ أَخِي حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَكَانَ ذَا عِلْمٍ وَحِلْمٍ نَزَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَمَاتَ بِالشَّامِ، [قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (خَالِفُوا الْيَهُودَ) ، أَيْ: بِالصَّلَاةِ فِي نَحْوِ النُّعُولَ ( «فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلَا خِفَافِهِمْ» ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي وَيَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِمَا إِذَا كَانَا طَاهِرَيْنِ (وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : عَنْ يَعْلَى بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ يَرْفَعُهُ، وَلَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلَا الْمُنْذِرِيُّ نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّخْرِيجِ، وَقَالَ: وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَقَضِيَّتُهُ نَدْبُ الصَّلَاةِ فِي النِّعَالِ وَالْخِفَافِ، لَكِنْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَنُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، الْأَدَبُ خَلْعُ نَعْلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ، وَيَنْبَغِي الْجَمْعُ بِحَمْلِ مَا فِي الْخَبَرِ عَلَى مَا إِذَا تَيَقَّنَ طَهَارَتَهَا، وَيَتَمَكَّنُ مَعَهُمَا مِنْ تَمَامِ السُّجُودِ بِأَنْ يَسْجُدَ عَلَى جَمِيعِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ، وَمَا فِي الْإِمَامِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ اهـ.
وَهُوَ خَطَأٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَيَقَّنِ الْمَهَارَةَ، وَلَمْ يُمْكِنْ مَعَهُ إِتْمَامُ السُّجُودِ أَنْ يَكُونَ خَلْعُ النَّعْلِ أَدَبًا مَعَ أَنَّهُ حِينَئِذٍ وَاجِبٌ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ الْأَدَبَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَخِرَ أَمْرِهِ ﵇ خَلْعُ نَعْلَيْهِ، أَوِ الْأَدَبَ فِي زَمَنِنَا عِنْدَ عَدَمِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَوْ عَدَمِ اعْتِيَادِهِمَا الْخَلْعَ، ثُمَّ سَنَحَ لِي أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ: خَالِفُوا الْيَهُودَ فِي تَجْوِيزِ الصَّلَاةِ مَعَ النِّعَالِ وَالْخِفَافِ، فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ أَيْ لَا يُجَوِّزُونَ الصَّلَاةَ فِيهِمَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْفِعْلُ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ ﵇ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآتِي تَأْكِيدًا لِلْمُخَالَفَةِ، وَتَأْيِيدًا لِلْجَوَازِ خُصُوصًا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الدَّلِيلَ الْفِعْلِيَّ أَقْوَى مِنَ الدَّلِيلِ الْقَوْلِيِّ.
стр. 1203
٧٦٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رِضَى اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ، أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: (مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَائِكُمْ نِعَالَكُمْ؟) ، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَكَ، فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنْ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا، إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا، فَلْيَمْسَحْهُ، وَلِيُصَلِّ فِيهِمَا» ) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٧٦٦ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ) : أَيْ: نَزَعَ (نَعْلَيْهِ) ، أَيْ: مِنْ رِجْلَيْهِ (فَوَضَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ) : صَحَّتْ رِوَايَتُهُ بِلَفْظِ (عَنْ) ، وَفِيهِ مَعْنَى التَّجَاوُزِ، أَيْ:
стр. 1204
وَضْعِهِمَا بَعِيدًا مُتَجَاوِزًا عَنْ يَسَارِهِ، وَكَذَلِكَ أَلْقَى الْأَصْحَابُ نِعَالَهُمْ تَأَسِّيًا بِهِ ﵇ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ تَعْلِيمٌ لِلْأُمَّةِ بِوَضْعِ النِّعَالِ عَلَى الْيَسَارِ دُونَ الْيَمِينِ، قُلْتُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ عَمِلٍ قَلِيلٍ، (فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ، أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ) : هَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ مُتَابَعَتِهِمْ [فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاتَهُ، قَالَ: ( «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَائِكُمْ نِعَالَكُمْ» ؟) : بِالنَّصْبِ ( «قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ، فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا» ) : قَالَ الْقَاضِي: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ مُتَابَعَتِهِ ﵇ ; لِأَنَّهُ سَأَلَهُمْ عَنِ الْحَامِلِ فَأَجَابُوهُ بِالْمُتَابَعَةِ، وَقَرَّرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَذَكَرَ الْمُخَصَّصُ [فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي) ، أَيْ: لِشِدَّةِ اعْتِنَائِهِ تَعَالَى بِهِ وَبِعِبَادَتِهِ ﵇ (فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا) : بِفَتْحَتَيْنِ، وَفِي رِوَايَةٍ: خُبْثًا، وَفِي أُخْرَى: قَذَرًا أَوْ أَذًى أَوْ دَمَ حَلَمَةٍ، وَهِيَ بِالتَّحْرِيكِ الْقُرَادُ الْكَبِيرُ، قَالَ الْقَاضِي: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَصْحِبَ لِلنَّجَاسَةِ إِذَا جَهِلَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَهُوَ قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ خَلَعَ النَّعْلَ وَلَمْ يَسْتَأْنِفْ، قَالَ: وَمَنْ يَرَى فَسَادَ الصَّلَاةِ حَمَلَ الْقَذَرَ عَلَى مَا تَقَذَّرَ عُرْفًا كَالْمُخَاطِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فَإِخْبَارُهُ إِيَّاهُ بِذَلِكَ كَيْلَا تَتَلَوَّثَ ثِيَابُهُ بِشَيْءٍ مُسْتَقْذَرٍ عِنْدَ السُّجُودِ، قُلْتُ: وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمِقْدَارِ الْمَعْفُوِّ مِنَ النَّجَاسَةِ وَإِخْبَارُهُ إِيَّاهُ لِيُؤَدِّيَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ تَأْخِيرِ الْإِخْبَارِ إِعْلَامٌ بِأَنَّهُ ﵇ لَا يَعْلَمُ مِنَ الْغَيْبِ إِلَّا بِمَا يُعَلَّمُ، أَوْ لِيُعَلِّمَ الْأُمَّةَ هَذَا الْحُكْمَ مِنَ السُّنَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ: وَأَجَابَ أَئِمَّتُنَا عَنْ خَبَرِ الْبَابِ بِأَنَّ الْقَذَرَ الْمُسْتَقْذَرُ وَلَوْ طَاهِرًا، وَبِأَنَّ الدَّمَ قَدْ يَكُونُ يَسِيرًا، وَبِأَنَّ رِوَايَةَ خُبْثًا مُفَسَّرَةٌ بِرِوَايَةِ الدَّمِ، (إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَنْظُرْ) : أَيْ: فِي نَعْلِهِ (فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ) : أَوْ أَحَدِهِمَا (قَذَرًا، فَلْيَمْسَحْهُ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: صِيَانَةً لِلْمَسْجِدِ عَنِ الْأَشْيَاءِ الْقَذِرَةِ (وَلِيُصَلِّ فِيهِمَا) : قَالَ الْقَاضِي: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ تَنَجَّسَ نَعْلُهُ إِذَا ذَلِكَ عَلَى الْأَرْضِ طُهْرَ وَجَازَ الصَّلَاةُ فِيهِ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشَّافِعِيِّ، وَمَنْ يَرَى خِلَافَهُ أُوِّلَ بِمَا ذَكَرْنَا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ.
وَحَاصِلُ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ إِذَا أَصَابَ الْخُفَّ أَوْ نَحْوَهُ مِنَ النَّعْلِ نَجَاسَةٌ إِنْ كَانَ لَهَا جِرْمٌ خَفِيفٌ وَمَسَحَهُ بِالتُّرَابِ أَوْ بِالرَّمْلِ، مَسَحَهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ يُطَهَّرُ، وَكَذَلِكَ بِالْحَكِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا جِرْمٌ كَالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ، فَلَا بُدَّ مِنَ الْغَسْلِ بِالِاتِّفَاقِ رَطْبًا كَانَ أَوْ يَابِسًا، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ، قَالَ مِيرَكُ (وَالدَّارِمِيُّ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: سَنَدُهُ حَسَنٌ، وَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى أَنَّ النَّجَاسَةَ يَكْفِي مَسْحُهَا مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا، لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي رِجَالِهِ، وَعَلَى تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ فَهُوَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ فِي طِينِ الشَّارِعِ وَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَمَسْحُهُ إِنَّمَا هُوَ لِإِذْهَابِ قُبْحِ صُورَتِهِ وَتَقْدِيرُ الْمَسْجِدِ لَا لِكَوْنِهِ يُطَهِّرُهُ.
стр. 1205
٧٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يَضَعْ نَعْلَيْهِ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَا عَنْ يَسَارِهِ، فَتَكُونَ عَنْ يَمِينِ غَيْرِهِ، إِلَّا أَنْ لَا يَكُونَ عَنْ يَسَارِهِ أَحَدٌ، وَلِيَضَعْهَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ» ) ، وَفَّى رِوَايَةٍ: (أَوْ لِيُصَلِّ فِيهِمَا) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مَعْنَاهُ.
ــ
٧٦٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ : (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ) : أَيْ: أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ (فَلَا يَضَعْ نَعْلَيْهِ) : بِالْجَزْمِ جَوَابٌ إِذَا (عَنْ يَمِينِهِ، وَلَا عَنْ يَسَارِهِ) : أَيْ: مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ (فَتَكُونَ) : بِالتَّأْنِيثِ عَلَى الصَّحِيحِ، أَيْ: فَتَقَعَ النَّعْلُ (عَنْ يَمِينِ غَيْرِهِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ بِالنَّصْبِ جَوَابًا لِلنَّهْيِ، أَيْ: وَضْعُهُ عَنْ يَسَارِهِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ سَبَبٌ لِأَنْ تَكُونَ عَنْ يَمِينِ صَاحِبِهِ، يَعْنِي: وَفِيهِ نَوْعُ إِهَانَةٍ لَهُ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يُحِبَّ لِصَاحِبِهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَيَكْرَهُ لَهُ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ (إِلَّا أَنْ لَا يَكُونَ عَنْ يَسَارِهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: عَلَى يَسَارِهِ (أَحَدٌ) : أَيْ: فَيَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ (وَلْيَضَعْهُمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ) : أَيْ: قُدَّامَهُ إِذَا كَانَ عَلَى يَسَارِهِ أَحَدٌ (وَفِي رِوَايَةٍ) : أَيْ: زِيَادَةً لَا بَدَلًا.
стр. 1206
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ أَيْ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ فَلَا يُؤْذِ بِهِمَا أَحَدًا، لِيَجْعَلْهُمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ» اهـ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ أَوْ خَلْفَهُ لِئَلَّا يَقَعَ قُدَّامَ غَيْرِهِ، أَوْ لِئَلَّا يَذْهَبَ خُشُوعُهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُسْرَقَ (" أَوْ لِيُصَلِّ فِيهِمَا ") ، أَيْ: إِنْ كَانَا طَاهِرَيْنِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَيْسٍ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الزَّعْفَرَانِيُّ الْبَصْرِيُّ كُنْيَتُهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّخْرِيجِ، (وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مَعْنَاهُ) .
стр. 1207
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٧٦٨ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حَصِيرٍ يَسْجُدُ عَلَيْهِ، قَالَ: وَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٧٦٨ - (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) : وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (- « ﷺ فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حَصِيرٍ» ) : فِي الْفَائِقِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى شَيْءٍ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ، سَوَاءٌ نَبْتَ مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَا، قُلْتُ: لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْعُمُومِ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: الصَّلَاةُ عَلَى الْأَرْضِ أَفْضَلُ إِلَّا لِحَاجَةٍ، كَحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ نَجَاسَةٍ، وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: الصَّلَاةُ عَلَى الْأَرْضِ وَمَا أَنْبَتَتْهُ الْأَرْضُ كَالْحَصِيرِ أَفْضَلُ ; لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى التَّوَاضُعِ، وَفِيهِ خُرُوجٌ عَنْ خِلَافِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، فَإِنَّ عِنْدَهُ يُكْرَهُ السُّجُودُ عَلَى مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ، (يَسْجُدُ عَلَيْهِ) : بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ مِنْ يُصَلِّي ( «قَالَ: وَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ» ) ، أَيْ: وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 1208
٧٦٩ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ ﷺ يُصَلِّي حَافِيًا وَمُنْتَعِلًا» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٧٦٩ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي حَافِيًا» ) : أَيْ: تَارَةً (وَمُتَنَعِّلًا) : أَيْ: أُخْرَى مِنْ الِانْتِعَالِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: مُتَنَعِّلًا مِنَ التَّنَعُّلِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 1209
٧٧٠ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، قَالَ: صَلَّى جَابِرٌ فِي إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ، وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: تُصَلِّي فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِيَ أَحْمَقُ مِثْلُكَ، وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٧٧٠ - (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ) : مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ، وَكَانَ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ (قَالَ: صَلَّى) ، أَيْ: بِنَا كَمَا فِي نُسْخَةِ (جَابِرٍ فِي إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ وَثِيَابِهِ) : الْوَاوُ لِلْحَالِ (مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ، عِيدَانٍ يُضَمُّ رُءُوسُهَا وَيُفَرَّجُ بَيْنَ قَوَائِمِهَا، وَتُوضَعُ عَلَيْهَا الثِّيَابُ لِتُنْجَرَ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ (فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: تُصَلِّي فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ؟) : هَمْزَةُ الْإِنْكَارِ مَحْذُوفَةٌ أَنْكَرَهُ إِنْكَارًا بَلِيغًا كَأَنَّهُ قِيلَ: قَدْ صَحِبْتَ النَّبِيَّ ﷺ وَمَا شَعَرْتَ بِسُنَّتِهِ فَتُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَثِيَابُكَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ، فَلِذَلِكَ زَجَرَهُ وَسَمَّاهُ أَحْمَقَ (فَقَالَ: إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِيَ أَحْمَقُ مِثْلُكَ) : فَيَعْلَمُ أَنَّهُ جَائِزٌ وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: الْمُرَادُ بِالْأَحْمَقِ الْجَاهِلُ، وَالْحُمْقُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِقُبْحِهِ، قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ، (وَأَيُّنَا) ، أَيْ: كَيْفَ تُنْكِرُ ذَلِكَ وَأَيُّنَا (كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ: النَّبِيِّ ﷺ ؟ : فِي الْفَائِقِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الثَّوْبَيْنِ أَفْضَلُ، فَلَوْ أَوْجَبْنَاهُ لَعَجَزَ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِمَا، وَفِي ذَلِكَ حَرَجٌ، وَأَمَّا صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَفِي وَقْتٍ كَانَ لِعَدَمِ ثَوْبٍ آخَرَ، وَفِي وَقْتٍ كَانَ مَعَ وُجُودِهِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ: قُلْتُ: وَفِي وَقْتٍ لِلْمُسَامَحَةِ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 1210
قَالَ مِيرَكُ: وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ (سَائِلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ؟) ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَوَ لِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ» ") قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَفْظُهُ اسْتِخْبَارٌ وَمَعْنَاهُ إِخْبَارٌ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ قِلَّةِ الثِّيَابِ، وَحَاصِلُ مَعْنَاهُ أَنَّكُمْ عَلِمْتُمُ اتِّحَادَ أَثْوَابِنَا وَوُجُوبَ التَّسَتُّرِ، فَلِمَ لَمْ تَعْلَمُوا جَوَازَ الصَّلَاةِ فِيهِ.
стр. 1211
٧٧١ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁، قَالَ: «الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ سُنَّةٌ، كُنَّا نَفْعَلُهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا يُعَابُ عَلَيْنَا، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّمَا كَانَ ذَاكَ إِذَ كَانْ فِي الثِّيَابِ قِلَّةٌ، فَأَمَّا إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ، فَالصَّلَاةُ فِي الثَّوْبَيْنِ أَزْكَى» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ
٧٧١ - (وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ سُنَّةٌ) : أَيْ: جَائِزٌ بِالسُّنَّةِ وَإِنْ كَانَتْ فِي الثَّوْبَيْنِ أَفْضَلَ كَمَا يَأْتِي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا، أَيْ: (كُنَّا نَفْعَلُهُ) : أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ) : أَيْ: مَعَ فِعْلِهِ أَوْ حَالِ كَوْنِنَا مَعَهُ ( ﷺ ) : وَيُؤَيَّدُ الثَّانِي قَوْلُهُ (وَلَا يُعَابُ عَلَيْنَا) : أَيْ: وَمَا نَهَانَا فَيَكُونُ تَقْرِيرًا نَبَوِيًّا، فَثَبَتَ جَوَازُهُ بِالسُّنَّةِ إِذْ عَدَمُ الْإِنْكَارِ دَلِيلُ الْجَوَازِ لَا دَلِيلَ النَّدْبِ (فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ) ، أَيِ: الْمَذْكُورُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ (إِذَا كَانَ) : وَفِي نُسْخَةٍ إِذْ كَانَ (فِي الثِّيَابِ قِلَّةٌ) ، أَيْ: فِي وَقْتِ كَوْنِ الثِّيَابِ قَلِيلَةً (فَأَمَّا إِذَا) : وَفِي نُسْخَةٍ: إِذْ (وَسَّعَ اللَّهُ) : بِتَكْثِيرِ الثِّيَابِ، شَرْطِيَّةٌ جَزَاؤُهَا (فَالصَّلَاةُ فِي الثَّوْبَيْنِ) ، أَيِ: الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ (أَزْكَى) ، أَيْ: أَوْلَى لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْأَدَبِ فِي حُضُورِ الْمَوْلَى وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ أَطْهَرُ أَوْ أَفْضَلُ ; لِأَنَّ الزَّكَاةَ النُّمُوُّ الْحَاصِلُ عَنْ بَرَكَةِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ طَهَارَةُ النَّفْسِ عَنِ الْخِصَالِ الذَّمِيمَةِ، وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ مُحْتَمَلٌ فِي الْحَدِيثِ، أَمَّا الْفَضْلُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا التَّزْكِيَةُ فَإِنَّ الْمُصَلِّيَ لَا يَأْمَنُ إِذَا صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مِنْ كَشْفِ عَوْرَتِهِ بِهُبُوبِ رِيحٍ أَوْ حَلِّ الْعَقْدِ، أَوْ غَيْرِهِمَا بِخِلَافِ الثَّوْبَيْنِ اهـ.
وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ قُلْتُ: وَفِي تَعْلِيلِهِ نَظَرٌ إِذْ لَا يَخْتَلِفُ مَا ذُكِرَ فِي الْإِزَارِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ رِدَاءٌ أَمْ لَا، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ أَزْكَى، بِمَعْنَى أَنْمَى، أَيْ: " أَكْثَرُ ثَوَابًا "، أَوْ بِمَعْنَى " أَطْهَرُ " ; لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنَ الْخَصْلَةِ الذَّمِيمَةِ الَّتِي هِيَ أَدَاءُ الصَّلَاةِ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهَةِ، وَفِي خَبَرِ الْبَيْهَقِيِّ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَلْبَسْ ثَوْبَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ أَحَقُّ أَنْ يُتَزَيَّنَ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيَتَّزِرْ إِذَا صَلَّى» .
وَرُوِيَ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: «وَصَلَاةٌ بِعِمَامَةٍ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ صَلَاةٍ بِغَيْرِ عِمَامَةٍ» "، كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ عَنِ ابْنِ الرِّفْعَةِ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ الرَّبِيعِ: «صَلَاةٌ بِخَاتَمٍ تَعْدِلُ سَبْعِينَ بِغَيْرِ خَاتَمٍ» ، مَوْضُوعٌ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا عَنْ شَيْخِهِ، وَكَذَا مَا أَوْرَدَهُ الدَّيْلَمِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «صَلَاةٌ بِعِمَامَةٍ تُعْدَلُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً، وَجُمُعَةٌ بِعِمَامَةٍ تَعْدِلُ سَبْعِينَ جُمُعَةٍ» "، وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «الصَّلَاةُ فِي الْعِمَامَةِ بِعَشَرَةٍ» ") اهـ، قَالَ الْمُنُوفِيُّ: فَذَلِكَ كُلُّهُ بَاطِلٌ نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
стр. 1212
[بَابُ السُّتْرَةِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٧٧٢ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْدُو إِلَى الْمُصَلَّى وَالْعَنَزَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ تُحْمَلُ، وَتُنْصَبُ بِالْمُصَلَّى بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُصَلِّي إِلَيْهَا» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
[٩]- بَابُ السُّتْرَةِ.
هِيَ بِالضَّمِّ مَا يُسْتَتَرُ بِهِ كَائِنًا مَا كَانَ، وَقَدْ غَلَبَ عَلَى مَا يَنْصِبُهُ الْمُصَلِّي قُدَّامَهُ مِنْ عَصًا أَوْ سَجَّادَةٍ أَوْ سَوْطٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ شَجَرَةٍ أَوْ دَابَّةٍ مِمَّا يَظْهَرُ بِهِ مَوْضِعُ سُجُودِ الْمُصَلِّي كَيْلَا يَمُرَّ مَارٌّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِ سُجُودِهِ، وَيَكْفِي قَدْرُ ذِرَاعٍ فِي غِلَظِ أُصْبُعٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحِكْمَةُ فِي السُّتْرَةِ كَفُّ الْبَصَرِ عَمَّا وَرَاءَهَا، وَمَنْعُ مَنْ يَجْتَازُ بِقَبِّهِ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ قَالَ أَصْحَابُنَا: يَنْبَغِي أَنْ يَدْنُوَ مِنَ السُّتْرَةِ وَلَا يَزِيدَ عَنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ عَصًا وَنَحْوَهَا جَمَعَ حِجَارَةً أَوْ تُرَابًا، وَإِلَّا فَلْيَبْسُطْ مُصَلًّى وَإِلَّا فَلْيَخُطَّ خَطًّا، وَسُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةُ الْمَأْمُومِ إِلَّا أَنْ يَجِدَ الدَّاخِلُ فُرْجَةً فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ، فَلَهُ أَنْ يُمِرَّ بَيْنَ يَدَيِ الصَّفِّ الثَّانِي لِتَقْصِيرِ أَهْلِ الصَّفِّ الثَّالِثِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ يَجُوزُ تَرْكُ السُّتْرَةِ فِي مَوْضِعٍ يَأْمَنُ الْمُرُورَ فِيهِ.
стр. 1213
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٧٧٢ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْدُو إِلَى الْمُصَلَّى) ، أَيْ: مُصَلَّى (الْعِيدِ وَالْعَنَزَةِ) وَهِيَ بِفَتْحَتَيْنِ، أَطْوَلُ مِنَ الْعَصَا وَأَقْصَرُ مِنَ الرُّمْحِ، وَفِيهَا سِنَانٌ كَسِنَانِ الرُّمْحِ، وَقِيلَ رُمْحٌ قَصِيرٌ، وَقِيلَ: هِيَ مِثْلُ نِصْفِ الرُّمْحِ (بَيْنَ يَدَيْهِ تُحْمَلُ، وَتُنْصَبُ) : أَيْ تُغْرَزُ (بِالْمُصَلَّى بَيْنَ يَدَيْهِ) ، أَيْ: قُدَّامَهُ، أَيْ: قُبَالَةَ أَحَدِ حَاجِبَيْهِ لَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ (فَيُصَلِّي إِلَيْهَا) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَ مَوْضِعَ صَلَاتِهِ بِسَجَّادَةٍ، أَوْ يَقِفَ قَرِيبًا مِنْ أُسْطُوَانَةِ الْمَسْجِدِ، أَوْ يَغْرِزَ عَصَا، أَوْ يَخُطَّ خَطًّا مِثْلَ شَكْلِ الْمِحْرَابِ اهـ، وَقِيلَ مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ إِلَى الشِّمَالِ وَقِيلَ الْخَطُّ لَا يُجَزِّؤُهُ عَنِ السُّتْرَةِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَرَوَى: الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، أَنَّهُ ﵇ قَالَ: ( «يُجْزِئُ مِنَ السُّتْرَةِ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ» ) : وَقَالَ " «اسْتَتِرُوا فِي صَلَاتِكُمْ وَلَوْ بِسَهْمٍ»
".
стр. 1214
٧٧٣ - وَعَنِ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ وَهُوَ بِالْأَبْطَحِ فِي قُبَّهٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، وَرَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَلِكَ الْوَضُوءَ فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ. مُشَمِّرًا صَلَّى إِلَى الْعَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيِ الْعَنَزَةَ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٧٧٣ - (عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) : هُوَ وَهَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السُّوَائِيُّ بِضَمِّ السِّينِ وَالْمَدِّ (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ وَهُوَ بِالْأَبْطَحِ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، مَحَلٍّ أَعْلَى مِنَ الْمَعْلَى إِلَى جِهَةِ مِنًى، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مَسِيلٌ وَاسِعٌ فِيهِ دِقَاقُ الْحَصَا، وَالْبَطِيحَةُ وَالْبَطْحَاءُ مِثْلُهُ صَارَ عَلَمًا لِلْمَسِيلِ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ السَّيْلُ مِنْ وَادِي مِنًى، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُسَمَّى مُحَصَّبًا أَيْضًا (فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ) : بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ أَدِيمٍ أَيْ: جِلْدٍ (وَرَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : بِفَتْحِ الْوَاوِ، أَيْ: بَقِيَّةَ الْمَاءِ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ) ، أَوْ مَا فَضَلَ مِنْ أَعْضَائِهِ فِي الْوُضُوءِ (وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ) : أَيْ: يَتَسَابَقُونَ (ذَلِكَ الْوَضُوءَ) ، أَيْ: إِلَى أَخْذِ مَاءِ وُضُوئِهِ (فَمَنْ أَصَابَ) : أَيْ: أَخَذَ (مِنْهُ) : أَيْ: مِنْ بِلَالٍ (شَيْئًا) : مِنَ الْمَاءِ، أَوْ صَادَفَ وَوَجَدَ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ شَيْئًا قَلِيلًا وَقَدْرًا يَسِيرًا (تَمَسَّحَ بِهِ) أَيْ مَسَحَ بِهِ وَجْهَهُ وَأَعْضَاءَهُ لِيَنَالَ بَرَكَتَهُ ﵇ (وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ) : أَيْ: مِنْ بَلَلِ يَدِ بِلَالٍ (أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ) : قِيلَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ، وَقِيلَ: هَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ، وَلِذَا حَجَّمَهُ أَبُو طَيْبَةَ فَشَرِبَ دَمَهُ، نَقَلَهُ ابْنُ الْمَلَكِ.
قُلْتُ: يَحْتَمِلُ الْحَدِيثُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْمَاءِ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ، أَوْ فَضْلَةَ مَاءِ الْوُضُوءِ، فَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالُ مَعَ أَنَّ الصَّحِيحَ فِي الْمَذْهَبِ طَهَارَةُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٍ: بِطَهُورِيَّتِهِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ فَسَّرَ الْوَضُوءَ بِبَقِيَّةِ الْمَاءِ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي هَذَا أَظْهَرُ دَلِيلٍ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ (ثُمَّ رَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا) ، أَيْ: غَرَزَهَا (وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حُلَّةٍ) : هِيَ بِضَمِّ الْحَاءِ، إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، وَلَا يُسَمَّى حُلَّةً حَتَّى يَكُونَ ثَوْبَيْنِ، فِي النِّهَايَةِ: جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا عَلَيْهِ حُلَّةٌ قَدِ اتَّزَرَ بِأَحَدِهِمَا وَارْتَدَى بِالْآخَرِ، نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ (حَمْرَاءَ) ، أَيْ: فِيهَا خُطُوطٌ حُمْرٌ، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ مِنَ الْبُرُودِ الْيَمَانِيَةِ، قَالَ الْمُظْهِرُ: «قَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ وَكَرِهَ لَهُمُ الْحُمْرَةَ فِي اللِّبَاسِ» ، وَكَانَ ذَلِكَ مُنْصَرِفًا إِلَى مَا صُبِغَ بَعْدَ النَّسْجِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: قِيلَ تَأْوِيلُهُ أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْحُلَّةُ حَمْرَاءَ جَمِيعُهَا، بَلْ كَانَ فِيهَا خُطُوطٌ حُمْرٌ ; لِأَنَّ الثَّوْبَ الْأَحْمَرَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ لَوْنٌ أَحْمَرُ مَكْرُوهٌ لِلرِّجَالِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُشَابَهَةِ بِالنِّسَاءِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ أَظْهَرُ دَلِيلٍ لِمَذْهَبِنَا أَنْ يَجُوزَ لُبْسُ الْأَحْمَرِ الصِّرْفِ، وَإِنْ كَانَ قَانِئًا، لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ لِلْخِلَافِ فِي تَحْرِيمِهِ، وَإِنَّمَا أَخَذَ كَثِيرُونَ مِنْ أَئِمَّتِنَا مِنَ الْأَحَادِيثِ حُرْمَةَ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ وَالْمُزَعْفَرِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ، وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذُكِرَ بَيْنَ مَا صُبِغَ قَبْلَ النَّسْجِ وَبَعْدَهُ خِلَافًا
стр. 1215
لِمَنْ فَرَّقَ (مُشَمِّرًا) ، أَيْ: مُسْرِعًا، وَالتَّشْمِيرُ ضَمُّ الذَّيْلِ وَرَفْعُهُ لِلْعَدْوِ، وَيُقَالُ: فُلَانٌ شَمَّرَ عَنْ سَاقٍ وَتَشَمَّرَ فِي أَمْرِهِ، أَيْ: خَفَّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ رَافِعًا ثِيَابَهُ إِلَى نَحْوِ نِصْفِ سَاقَيْهِ، وَفِيهِ أَنَّ ثِيَابَهُ مَا كَانَتْ طَوِيلَةً حَتَّى يَرْفَعَهَا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الشَّمَائِلِ وَغَيْرِهَا أَنَّ إِزَارَهُ كَانَ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ (صَلَّى إِلَى الْعَنَزَةِ بِالنَّاسِ) : أَيْ: إِمَامًا بِهِمْ (رَكْعَتَيْنِ) : إِمَّا صَلَاةَ الصُّبُحِ أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الرُّبَاعِيَّةِ ; لِأَنَّهُ كَانَ مُسَافِرًا (وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ) : فِي الْعَطْفِ مُنَاسَبَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ (يَمُرُّونَ) : فِيهِ تَغْلِيبٌ لِلْعُقَلَاءِ (بَيْنَ يَدَيِ الْعَنَزَةِ) ، أَيْ: وَرَاءَهَا، وَالْحَالُ أَنَّهُ يُصَلِّي، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَمُرُّونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَيُوَافِقُ مَا يَأْتِي أَنَّ الصَّلَاةَ لَا يُبْطِلُهَا مُرُورُ شَيْءٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَمُرُّونَ أَمَامَهَا، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ إِذْ هُوَ الَّذِي يَحْتَاجُ الرَّأْيُ إِلَى التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلَيْسَ فِي ذِكْرِهِ كَبِيرُ فَائِدَةٍ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ فَائِدَتَهُ الْعِلْمُ بِأَنَّ الْمُرُورَ مِنْ وَرَاءِ السُّتْرَةِ جَائِزٌ، وَلَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِي غَرْزِ الْعَنَزَةِ إِذَا كَانَ النَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، بَلْ يَكُونُ عَبَثًا مَحْضًا، سِيَّمَا وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّاوِي مَنْعَهُمْ مِنَ الْمُرُورِ لَا بِالْيَدِ وَلَا بِالتَّسْبِيحِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ، وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالْمَعْنَى فِي طَلَبِ السُّتْرَةِ، مَنْعُهَا لِمَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَشَغَلَهُ عَمَّا هُوَ مَطْلُوبٌ مِنْهُ، مِنَ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ وَالْحُضُورِ وَالْمُرَاقَبَةِ وَسَيَأْتِي حَدِيثُ: «إِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةً فَلْيُصَلِّ وَلَا يُبَالِ مِنْ مُرٍّ وَرَاءَ ذَلِكَ» ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.
стр. 1216
٧٧٤ - وَعَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَزَادَ الْبُخَارِيُّ، قُلْتُ: «أَفَرَأَيْتَ إِذَا هَبَّتِ الرِّكَابُ قَالَ: كَانَ يَأْخُذُ الرَّحْلَ فَيُعَدِّلُهُ، فَيُصَلِّي إِلَى آخِرَتِهِ» .
ــ
٧٧٤ - (وَعَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ» ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَيْ يُنِيخُهَا بِالْعَرْضِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، - أَيْ تَكُونُ مُعْتَرِضَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، مِنْ عَرَضَ الْعُودَ عَلَى الْإِنَاءِ يَعْرُضُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا وَضْعُهُ عَرْضًا، وَقَالَ مِيرَكُ: هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَرُوِيَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَمَعْنَاهُ يَجْعَلُهَا مُعْتَرِضَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، كَذَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (فَيُصَلِّي إِلَيْهَا) ، أَيْ: إِلَى رَاحِلَتِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَزَادَ الْبُخَارِيُّ) ، أَيْ: عَنْ نَافِعٍ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَابْنِ حَجَرٍ (قُلْتُ) لِابْنِ عُمَرَ (أَفَرَأَيْتَ) : أَيْ أَخْبِرْنِي ظَاهِرَهُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ نَافِعٍ، وَالْمَسْئُولُ ابْنُ عُمَرَ، لَكِنْ بَيْنَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّهُ كَلَامُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْمَسْئُولُ نَافِعٌ، فَعَلَى هَذَا هُوَ مُرْسَلٌ ; لِأَنَّ فَاعِلَ يَأْخُذُ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَمْ يُدْرِكْهُ نَافِعٌ، كَذَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِهِ لِلْبُخَارِيِّ، كَذَا نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ، وَقَالَ نَجْلُهُ مِيرَك شَاهْ: فَعَلَى هَذَا إِيرَادُ مُحْيِي السُّنَّةِ وَصَاحِبِ الْمِشْكَاةِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ لِأَنَّهُمَا ذَكَرَا فِي كِتَابَيْهِمَا كَلَامًا لَمْ يَذْكُرْ قَائِلَهُ فِيهِمَا، مَعَ أَنْ يُوهِمُ خِلَافَ الْوَاقِعِ اهـ.
وَلِذَا وَقَعَ فِيهِمَا الشَّارِحَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ، (إِذَا هَبَّتْ) : أَيْ: قَامَتْ لِلسَّيْرِ (الرِّكَابُ) : أَيِ: الْإِبِلُ يَسِيرُ عَلَيْهَا الرَّاكِبُ، الْوَاحِدُ رَاحِلَةً لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا، أَيْ: أَخْبَرَنِي كَيْفَ كَانَ يَفْعَلُ عِنْدَ ذَهَابِ الرَّوَاحِلِ إِلَى الْمَرْعِيِّ، وَإِلَى أَيِّ شَيْءٍ كَانَ يُصَلِّي ; وَفِي الْقَامُوسِ: الْهَبُّ وَالْهُبُوبُ ثَوَرَانُ الرِّيحِ وَالِانْتِبَاهُ مِنَ النَّوْمِ وَنَشَاطُ كُلِّ سَائِرٍ وَسُرْعَتُهُ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: اسْتِعْمَالُ الْهُبُوبِ فِي الذَّهَابِ مَجَازٌ نَشَأَ عَنْ غَفْلَةٍ مِنَ الْحَقِيقَةِ (قَالَ: كَانَ يَأْخُذُ الرَّجُلَ فَيُعَدِّلُهُ) : بِالتَّشْدِيدِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّخْفِيفِ مَعَ فَتْحِ الْيَاءِ، قَالَ مِيرَكُ: بِتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ يُسَوِّيَهِ وَيُقَوِّمُهُ، كَذَا قَالَهُ شُرَّاحُ الْمَصَابِيحِ، وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ: يَعْدِلُهُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الدَّالِ، أَيْ: يُقِيمُهُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَيَجُوزُ التَّشْدِيدُ اهـ.
(فَيُصَلِّي إِلَى آخِرَتِهِ) : بِالْمَدِّ وَكَسَرِ الْخَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتَحَاتٍ بِلَا مَدٍّ، وَرَجَّحَهَا الْعَسْقَلَانِيُّ وَقَالَ: وَيَجُوزُ الْمَدُّ أَيْ خَلْفَ الرَّجُلِ وَهُوَ مَا يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ الرَّاكِبُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُنَافِي هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَلَا يَسْتَتِرُ بِامْرَأَةٍ وَلَا دَابَّةٍ، وَجَرَى عَلَيْهِ فِي التَّتِمَّةُ، لَكِنْ بِزِيَادَةٍ فَقَالَ: لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَسْتَتِرَ بِآدَمِيٍّ أَوْ حَيَوَانٍ لِشُبَهِهِ بِعِبَادَةِ عَابِدِي الْأَصْنَامِ، لَكِنْ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُصَلِّي إِلَى رَاحِلَتِهِ» اهـ.
وَمِنْ ثَمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ: مَا قَالَهُ فِي الْمَرْأَةِ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّهَا رُبَّمَا شَغَلَتْهُ، وَأَمَّا الدَّابَّةُ فَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّهُ ﵇ كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ، وَيُصَلِّي إِلَيْهَا» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ، فَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغِ الشَّافِعِيَّ، وَمَذْهَبُهُ اتِّبَاعُ الْحَدِيثِ فَتَعَيَّنَ الْعَمَلُ بِهِ.
стр. 1217
إِذْ لَا مَعَارِضَ لَهُ اهـ، وَفِيهِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُعَارِضٌ فَمِنْ أَيْنَ لَهُ النَّهْيُ وَالتَّشَبُّهُ بِعَبَدَةِ الصَّنَمِ مَدْفُوعٌ فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي صُورَةِ الْمُقَابَلَةِ بِالْوَجْهِ، وَلِذَا ضَرَبَ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، وَلَا يَظْهَرُ تَعْلِيلُ مَا قَالَهُ فِي الْمَرْأَةِ أَنَّهَا رُبَّمَا شَغَلَتْهُ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ مُشْتَرَكَةٌ، وَلِأَنَّهُ ﵇ كَانَ يُصَلِّي وَعَائِشَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، وَتَخْصِيصُ الْكَرَاهَةِ بِالْمُسْتَيْقِظِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ وَتَقْيِيدِ إِطْلَاقِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ، عَلَى غَيْرِ الْبَعِيرِ الْمَعْقُولِ فِي غَيْرِ الْمَعَاطِنِ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ، وَأَبْعَدُ مِنْ هَذَا كَلَامُ الْأَذْرَعِيِّ لَعَلَّ مُرَادَهُ إِذَا خَشِيَ بَوْلَ الدَّابَّةِ أَوْ نُفُورَهَا فَيَتَنَجَّسُ أَوْ يَتَشَوَّشُ، وَأَغْرَبُ مِنْ هَذَا كَلَامُ ابْنِ حَجَرٍ، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ كُلَّ مَا كُرِهَ اسْتِقْبَالُهُ كَجِدَارٍ مُزَوَّقٍ أَوْ نَجِسٍ لَا يَحْصُلُ التَّسَتُّرُ بِهِ فَلَا يَحْرُمُ الْمُرُورُ، فَإِنَّ الرَّاحِلَةَ لَا تَخْلُو عَنْ نَجَاسَةٍ كَمَا لَا يَخْفَى.
стр. 1218
٧٧٥ - وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «إِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُبَالِ مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٧٧٥ - (وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ") : يَعْنِي سُتْرَةً (" «مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ» ") : بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْخَاءِ وَتُفْتَحُ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْخَاءِ الْمَفْتُوحَةِ وَتُكْسَرُ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: آخِرَةُ الرَّحْلِ بِالْمَدِّ الْخَشَبَةُ الَّتِي يَسْتَنِدُ إِلَيْهَا الرَّاكِبُ وَمُؤْخِرَتُهُ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ أَنْكَرَهَا بَعْضُهُمْ وَلَا تُشَدَّدُ اهـ وَقَوْلُهُ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ أَنْكَرَهَا بَعْضُهُمْ مُنْكَرٌ ; لِأَنَّهَا لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ وَقِرَاءَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ وَهُوَ الْأَصْلُ فِيهَا، وَإِنَّمَا أَبْدَلَ فِي مَثَلِهَا وَرْشٌ وَالسُّوسِيُّ مُطْلَقًا وَحَمْزَةُ وَقْفًا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُنْكَرُ مُؤْخِرَةٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ قَيْدِهَا، وَفِي الْقَامُوسِ مُؤْخِرَةٌ وَمُؤَخِّرَةٌ وَتُكْسَرُ خَاؤُهَا مُخَفَّفَةً وَمُشَدَّدَةً، وَفِي الْمُغْرِبِ هِيَ الْخَشَبَةُ الْعَرِيضَةُ الَّتِي تُحَاذِي رَأْسَ الرَّكْبِ (" فَلْيُصَلِّ ") : أَيْ: صَلَاةً كَامِلَةً (" وَلَا يُبَالِ ") ، أَيْ: فِي قَطْعِ خُشُوعِهِ (" مَنْ ") : أَيْ بِمَنْ أَوْ مِمَّنْ (" مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ ") : مِنَ الْمَرْأَةِ وَنَحْوِهَا، وَلَا يَدْفَعُهُ بِالْإِشَارَةِ وَغَيْرِهَا، وَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ مَنْ فَاعِلًا، أَيْ: وَلَا يَأْثَمُ مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ إِنْسٍ أَوْ جِنٍّ أَوْ دَابَّةٍ، فَفِي مَنْ نَوْعُ تَغْلِيبٍ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 1219
٧٧٦ - عَنْ أَبِي جُهَيْمٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «وَلَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ "، قَالَ أَبُو النَّصْرِ: لَا أَدْرِي قَالَ " أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٧٧٦ - (وَعَنْ أَبِي جُهَيْمٍ) : بِالتَّصْغِيرِ، قِيلَ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُهَيْمٍ، وَقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَرْثِ بْنِ الصِّمَّةِ الْأَنْصَارِيُّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ ") ، أَيْ: قَاصِدُ الْمُرُورِ وَمُرِيدُهُ (" بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي ") : ظَرْفُ الْمَارِّ (" مَاذَا ") ، أَيْ: أَيَّ شَيْءٍ (" علَيْهِ ") : مِنَ الْإِثْمِ بِسَبَبِ مُرُورِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ سَدَّ مَسَدَّ الْمَفْعُولَيْنِ لِيَعْلَمَ، وَقَدْ عُلِّقَ عَمَلُهُ بِالِاسْتِفْهَامِ، وَلَعَلَّ حِكْمَةَ إِبْهَامِهِ الدَّلَالَةُ عَلَى عَظَمَةِ ذَلِكَ الْإِثْمِ، وَإِنَّهُ وَاصَلٌ إِلَى مَا لَا يَقْدِرُ قَدْرَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ " " «لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» ") : قَالَ الْعَلَّامَةُ الْكِرْمَانِيُّ: جَوَابُ " لَوْ " لَيْسَ هَذَا الْمَذْكُورَ، بِلَا لِتَقْدِيرِ لَوْ يَعْلَمُ مَاذَا عَلَيْهِ لَوَقَفَ أَرْبَعِينَ، وَلَوْ وَقَفَ أَرْبَعِينَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ، قَالَ: وَأُبْهِمَ الْعَدَدُ تَفْخِيمًا لِلْأَمْرِ وَتَعْظِيمًا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَعْنَاهُ لَوْ فُرِضَ أَنَّ فِي الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي خَيْرًا، لَكَانَ الْوُقُوفُ أَرْبَعِينَ سَنَةً خَيْرًا مِنَ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ اهـ.
وَمَا أَبْعَدَهُ عَنِ الْمَرْمَى إِذْ عَلَى تَقْدِيرِ تَقْدِيرِهِ لَا وَجْهَ لِلتَّقْيِيدِ بِأَرْبَعِينَ وَغَيْرِهِ أَصْلًا، وَتَفُوتُ الْمُبَالَغَةُ الْمَطْلُوبَةُ، بَلْ يَفْسُدُ الْمَعْنَى عَلَى مَذْهَبِهِ الَّذِي يَعْتَبِرُ فِيهِ الْمَفْهُومَ، وَأَغْرَبُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ مَعَ هَذَا قَالَ: وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ حُرْمَةُ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي، بَلْ أَقُولُ: لَا يَصِحُّ هَذَا التَّقْدِيرُ مِنْ أَصْلِهِ إِذْ يَنْحَلُّ الْكَلَامُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ سُلِّمَ فَرْضُ كَوْنِ عِلْمِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ خَيْرًا لَكَانَ إِلَخْ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ (قَالَ أَبُو النَّضِرِ: لَا أَدْرِي قَالَ) : أَيْ: أَبُو جُهَيْمٍ (" أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً ") : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ: الْمُرَادُ أَرْبَعُونَ سَنَةً لَا يَوْمًا وَلَا شَهْرًا، نَقَلَهُ الطَّيبِيُّ، وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ: ظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّهُ عَيَّنَ الْمَعْدُودَ، لَكِنَّ الرَّاوِيَ تَرَدَّدَ فِيهِ.
стр. 1220
قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: تَخْصِيصُ الْأَرْبَعِينَ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِ كَمَالِ طَوْرِ الْإِنْسَانِ بِأَرْبَعِينَ كَالنُّطْفَةِ وَالْمُضْغَةِ وَالْعَلَقَةِ، وَكَذَا بُلُوغُ الْأَشَدِّ، وَيَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ، قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ مِائَةَ عَامٍ خَيْرًا لَهُ مِنَ الْخُطْوَةِ الَّتِي خَطَاهَا، مُشْعِرٌ بِأَنَّ إِطْلَاقَ الْأَرْبَعِينَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِ الْأَمْرِ، لَا لِخُصُوصِ عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ نَقَلَهُ مِيرَك شَاهْ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَلَفَظُهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ ; لَأَنَّ يَقُومَ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا خَيْرًا لِي مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» " رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: " «لَأَنْ يَقِفَ أَحَدُكُمْ مِائَةَ عَامٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ وَهُوَ يُصَلِّي» ": كَذَا ذِكْرَهُ الْمُنْذِرِيُّ، قَالَ الطَّحَّاوِيُّ فِي مُشَكَّلِ الْآثَارِ: إِنَّ الْمُرَادَ: أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «لَوْ يَعْلَمُ الَّذِي يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ مُعْتَرِضًا وَهُوَ يُنَاجِي رَبَّهُ وَحِينَئِذٍ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ مَكَانَهُ مِائَةَ عَامٍ خَيْرًا مِنَ الْخُطْوَةِ الَّتِي خَطَاهَا» "، ثُمَّ قَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ مُتَأَخِّرٌ عَنْ حَدِيثِ أَبِي جُهَيْمٍ ; لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ الْوَعِيدِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَمَا أَوْعَدَهُمْ بِالتَّخْفِيفِ كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمَلَكِ.
وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: إِنَّمَا يُكْرَهُ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ حَائِلٌ نَحْوَ السُّتْرَةِ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْمُرُورُ مِنْ وَرَاءِ الْحَائِلِ، وَأَيْضًا إِنَّمَا يَكْرَهُ الْمُرُورُ عِنْدَ عَدَمِ الْحَائِلِ إِذَا مَرَّ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَهُوَ مُخْتَارُ السَّرَخْسِيِّ، وَفِي النِّهَايَةِ، الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى صَلَاةَ الْخَاشِعِينَ بِأَنْ يَكُونَ بَصَرُهُ حَالَ قِيَامِهِ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ لَا يَقَعُ بَصَرُهُ عَلَى الْمَارِّ لَا يُكْرَهُ وَهُوَ مُخْتَارُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ: هَذَا فِي الصَّحْرَاءِ، أَمَّا فِي الْمَسْجِدِ الصَّغِيرِ فَيُكْرَهُ مُطْلَقًا، وَأَمَّا الْكَبِيرِ فَقِيلَ: هُوَ كَالصَّغِيرِ، وَقِيلَ كَالصَّحْرَاءِ، وَرَجَّحَ ابْنُ الْهُمَامِ مَا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1221
٧٧٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» "، هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ.
ــ
٧٧٧ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ " إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ ") ، أَيْ: مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ (" يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ ") ، أَيْ: فِي الْجُمْلَةِ، أَوْ يَسْتُرُ حَالَهُ وَنَظَرَهُ وَيُبْعِدُهُ مِنْهُمْ وَيُمَيِّزُهُ بِالصَّلَاةِ لَهُمْ (" فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ ") : مِنَ الْجَوَازِ، أَيْ: يَعْبُرَ وَيَمُرَّ وَيَتَجَاوَزَ (" بَيْنَ يَدَيْهِ ") ، أَيْ: بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ (" فَلْيَدْفَعْهُ ") ، أَيْ: نَدْبًا، وَقِيلَ وُجُوبًا بِالْإِشَارَةِ أَوْ وَضْعَ الْيَدِ عَلَى نَحْرِهِ، وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَيُدْرَأُ الْمَارُّ إِذْ أَرَادَ أَنْ يَمُرَّ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ بِالْإِشَارَةِ أَوِ التَّسْبِيحِ لَا بِهِمَا مَعًا اهـ.
وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ الْعَمَلُ الْكَثِيرُ فِي مُدَافَعَتِهِ، ثُمَّ ظَاهَرُ الْحَدِيثِ دَفْعُ الْمَارِّ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءِ مَجْنُونٍ وَصَبِيٍّ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ، وَلَوْ قِيلَ بِضَعْفِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حُجْرَتِي فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ أَوْ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ بِيَدِهِ، فَرَجَعَ، ثُمَّ مَرَّتْ زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا فَمَضَتْ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: هِيَ أَغْلَبُ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: هُنَّ أَغْلَبُ (" فَإِنْ أَبَى ") ، أَيِ: امْتَنَعَ (" فَلْيُقَاتِلْهُ ") ، أَيْ: فَلْيَدْفَعْهُ بِالْقَهْرِ وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُ: كَذَا قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «فَإِنْ أَبَى إِلَّا بِقَتْلِهِ فَلْيُقَاتِلْ، وَإِنْ أُفْضِي إِلَى قَتْلِهِ إِيَّاهُ» ، وَمِنْ ثَمَّ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ: فَإِنْ أَبِي فَلْيَقْتُلْهُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَإِنْ قَتَلَهُ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ فَفِي الْعَمْدِ الْقِصَاصُ وَفِي الْخَطَأِ الدِّيَةُ، قَالَ: وَهَذَا أَرَادَ الْمُرُورَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ فَلَيْسَ لَهُ الدَّفْعُ ; لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْهُ بِتَرْكِهَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ الْيَسِيرَ لَا يُبْطَلُ الصَّلَاةَ اهـ.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فَإِنْ دَفَعَهُ بِمَا يَجُورُ فَهَلَكَ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَهَلْ تَجِبُ الدِّيَةُ أَوْ يَكُونُ هَدَرًا؟ فِيهِ مَذْهَبَانِ لِلْعُلَمَاءِ، وَهُمَا قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ، (" فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ ") : مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ أَوِ الْجِنِّ أَوْ فِعْلُهُ فِعْلُ شَيْطَانٍ ; لِأَنَّهُ يُشَوِّشُ الْمُصَلِّيَ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّيْطَانَ حَمَلَهُ عَلَيْهِ أَوْ هُوَ شَيْطَانٌ ; لِأَنَّ الشَّيْطَانَ هُوَ مَارِدٌ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ (هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ) : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ قَالَهُ مِيرَك شَاهْ (وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ) : وَاخْتُلِفَ فِيمَا لَوْ لَمْ
стр. 1222
يَجِدْ طَرِيقًا سِوَى مَا بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي، وَالظَّاهِرُ جَوَازُ دَفْعِهِ لِدَفْعِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ طَرِيقًا، فَلَمَّا عُوتِبَ رَوَى الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ، لَكِنَّ هَذَا الْخِلَافَ حَيْثُ لَمْ يُقَصِّرِ الْمُصَلِّي بِأَنْ صَلَّى بِقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ حَلَّ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ لِتَقْصِيرِهِ، حَتَّى جَوَّزُوا لَهُ الْمُرُورَ إِلَى الْفُرْجَةِ بَيْنَ يَدَيِ الصَّفِّ الثَّانِي لِتَقْصِيرِهِمْ بِتَرْكِهَا، وَهَذَا الْحُكْمُ عَامٌّ يَشْمَلُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَدَاخِلَ الْكَعْبَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَنَحْوَ الشَّارِعِ وَبَابِ الْمَسْجِدِ وَالدَّرْبِ الضَّيِّقِ الْمَحَلِّ الَّذِي يَغْلِبُ مُرُورُ النَّاسِ فِيهِ فِي وَقْتِ تِلْكَ الصَّلَاةِ، وَلَوْ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، فَلَيْسَ بِظَاهِرٍ كَمَا لَا يَخْفَى ; لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَحَلُّ الْعِبَادَةِ، وَيَخْتَصُّ بِمَنْ سَبَقَ إِلَيْهِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَدَّى عَلَيْهِ، وَأَمَّا الشَّارِعُ فَمَوْضُوعٌ لِمُرُورِ الْعَامَّةِ وَيَخْتَصُّ بِمَنْ يَمُرُّ، وَلَا يَجُوزُ التَّعَدِّي عَلَيْهِ فِي مُرُورِهِ بِدَفْعِهِ وَمَنْعِهِ وَأَمْرِهِ بِالْوُقُوفِ وَنَحْوِهِ، وَلِذَا قِيلَ: أَوَّلُ بِدْعَةٍ أُحْدِثَتِ الطَّرِيقَ الطَّرِيقَ، وَفِي مَعْنَاهُ ظَهَرَكَ وَحَاشَاكَ، فَإِذَا صَلَّى فِيهِ أَحَدٌ فَتَعَدَّى عَلَيْهِ بِمَنْعِ الْمُرُورِ فَلَا حُرْمَةَ لَهُ حِينَئِذٍ، فَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ مُبْطِلٌ لِقِيَاسِهِ، ثُمَّ قَالَ: فَعَلِمَ أَنَّ الْكَعْبَةَ تَكُونُ سُتْرَةً لِمَنْ صَلَّى إِلَيْهَا فِي وَقْتٍ يَقِلُّ فِيهِ طَوَافُ النَّاسِ جِدًّا بِخِلَافِ مَا يَكْثُرُ فِيهِ ازْدِحَامُهُمْ كَالصَّلَاةِ فِي الطَّرِيقِ، وَعَلَيْهِ تُحْمَلُ الْأَحَادِيثُ الْمُصَرِّحَةُ بِجَوَازِ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ اهـ.
وَفِيهِ بَحْثٌ ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ هَذَا بِالْقِيَاسِ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الطَّرِيقِ كَمَا ذَكَرَهُ فَهُوَ قِيَاسٌ بَاطِلٌ كَمَا سَبَقَ، وَإِنْ كَانَ بِالْأَحَادِيثِ الْمُخَصِّصَةِ لِعُمُومِ أَحَادِيثِ الْبَابِ فَهُوَ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ يَحْتَاجُ إِلَى ذَكَرِهِ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ لِيَنْظُرَ فِيهَا إِسْنَادًا وَمَتْنًا وَلَفْظًا وَمَعْنًى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1223
٧٧٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «تَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ، وَيَقِي ذَلِكَ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٧٧٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " تَقْطَعُ ") : بِالتَّأْنِيثِ وَيَجُوزُ التَّذْكِيرُ (" الصَّلَاةَ ") ، أَيْ: حُضُورَهَا وَكَمَالَهَا، وَقَدْ يُؤَدِّي إِلَى قَطْعِ الصَّلَاةِ وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ فِي الْحَثِّ عَلَى نَصْبِ السُّتْرَةِ (" الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ ") : وَوَجْهُ تَخْصِيصِهَا مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِ الشَّارِعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الْأَزْهَارِ: الْمُرَادُ بِقَطْعِهَا هَذِهِ الْأَشْيَاءُ شَغْلُهَا قَلْبَ الْمُصَلِّي عَنِ الْخُضُوعِ وَالْحُضُورِ وَلِسَانَهُ عَنِ التِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ وَبَدَنَهُ عَنْ مُحَافَظَةِ مَا يَجِبُ مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ لَا بُطْلَانُهَا، بِدَلِيلِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ بَعْدَهُ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى قَطْعِهَا بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَبَعْضُهُمْ بِالْحَائِضِ وَالْكَلْبِ الْأَسْوَدِ (" وَيَقِي ") ، أَيْ: يَحْفَظُ (" ذَلِكَ الْقَطْعَ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ ") : وَفِيهَا أَرْبَعُ لُغَاتٍ تَقَدَّمَتْ، وَمَعْنَاهُ الْعُودُ الَّذِي فِي آخِرِ الرَّحْلِ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ مُقَيِّدٌ لِرِوَايَةِ إِطْلَاقِ قَطْعِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَهَا، لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ لِلْكَلْبِ بِكَوْنِهِ أَسْوَدَ، وَفِيهَا أَنَّهُ ﵇ سُئِلَ عَنْ سَبَبِ اخْتِصَاصِهِ بِذَلِكَ فَقَالَ: لِأَنَّهُ شَيْطَانٌ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ، إِلَّا الْحَسَنُ، وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ بِمُرُورِ شَيْءٍ أَمَامَهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ لَهُ سُتْرَةٌ وَمُرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَمْ لَا، وَلَوِ امْرَأَةً وَحِمَارًا أَوْ كَلْبًا وَلَوْ أَسْوَدَ لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ.
стр. 1224
٧٧٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ كَاعْتِرَاضِ الْجَنَازَةِ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٧٧٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ» ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الِاعْتِرَاضُ صَيْرُورَةُ الشَّيْءِ حَائِلًا بَيْنَ شَيْئَيْنِ، وَمَعْنَاهُ هَاهُنَا وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ، (كَاعْتِرَاضِ الْجَنَازَةِ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ جَعَلَتْ نَفْسَهَا بِمَنْزِلَةِ الْجِنَازَةِ دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا يَمْنَعُ الْمُصَلِّيَ مِنْ حُضُورِ الْقَلْبِ وَمُنَاجَاةِ الرَّبِّ بِسَبَبِ اعْتِرَاضِهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، بَلْ كَانَتْ كَالسُّتْرَةِ الْمَوْضُوعَةِ لِدَفْعِ الْمَارِّ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ
стр. 1225
مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ مِنْ تَخْصِيصِ ذِكْرِ الْمَرْأَةِ وَقَطْعِهَا صَلَاةَ الرَّجُلِ، لِمَا فِيهِ مَا يَقْتَضِي مَيْلَ الرِّجَالِ إِلَى النِّسَاءِ. اهـ.
وَقَوْلُهُ: مُوَافِقٌ غَيْرُ مُطَابِقٍ بَلْ مُنَاقِضٌ لَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالْمَرْأَةِ الْقَاطِعَةِ إِنَّمَا هِيَ الْأَجْنَبِيَّةُ أَوِ الْمَوْصُوفَةُ بِالْمُرُورِ، أَوْ فِي حَالَةِ النُّورِ وَالظُّهُورِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُرُورَ الْمَرْأَةِ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ إِذَا لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اعْتِرَاضِهَا الْمَذْكُورِ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ إِشْغَالُهَا وَهُوَ مَوْجُودٌ فِيهَا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، وَخَبَرُ: «لَا تُصَّلُوا خَلْفَ النَّائِمِ وَالْمُحْدِثِ» ، ضَعِيفٌ اتِّفَاقًا.
стр. 1226
٧٨٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٧٨٠ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَشَذَّ كَسْرُهَا قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: (يَعْنِي الْحِمَارَ الْأُنْثَى (وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ) ، أَيْ: قَارَبْتُ (الِاحْتِلَامَ) ، أَيِ: الْبُلُوغَ (وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ) ، أَيْ: إِمَامًا (بِمِنًى) : قَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: فِيهِ لُغَتَانِ الصَّرْفُ وَالْمَنْعُ، وَلِهَذَا يُكْتَبُ بِالْأَلِفِ وَالْيَاءِ، وَالْأَجْوَدُ صَرْفُهَا وَكِتَابَتُهَا بِالْأَلِفِ، وَسُمِّيَتْ بِهَا لِمَا يَعْنِي مِنَ الدِّمَاءِ، أَيْ: يُرَاقُ وَيُصَبُّ كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ) : قَدْ نَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْبَزَّارِ بِلَفْظِ: وَالنَّبِيُّ ﷺ «يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ لَيْسَ شَيْءٌ يَسْتُرُهُ» ، لَكِنَّ الْبُخَارِيَّ أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ سُتْرَةِ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ، وَهَذَا مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى أَنَّ الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ سُتْرَةٌ، قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ: كَانَ الْبُخَارِيُّ حَمَلَ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمَأْلُوفِ الْمَعْرُوفِ مِنْ عَادَتِهِ ﵇ أَنْ لَا يُصَلِّيَ فِي الْفَضَاءِ إِلَّا وَالْعَنَزَةُ أَمَامَهُ، ثُمَّ أَيَّدَ بِحَدِيثَيِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي جُحَيْفَةَ الْمَذْكُورِينَ أَوَّلُ الْبَابِ، وَأَوْرَدَهُمَا عَقِيبُ ابْنِ عَبَّاسٍ، كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
وَفِي شَرْحِ الطَّيِّبِي قَالَ الْمُظْهِرُ: قَوْلُهُ إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ أَيْ إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ، وَالْغَرَضُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، اهـ، كَلَامُهُ.
فَإِنْ قُلْتَ: قَوْلُهُ إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ لَا يَنْفِي شَيْئًا لِغَيْرِهِ، فَكَيْفَ فَسَّرَهُ بِالسُّتْرَةِ قُلْتُ: إِخْبَارُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مُرُورِهِ بِالْقَوْمِ، وَعَنْ عَدَمِ جِدَارِ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ مَظِنَّةُ إِنْكَارٍ يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِ أَمْرٍ لَمْ يُعْهَدْ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ كَوْنِ الْمُرُورِ مَعَ عَدَمِ السُّتْرَةِ غَيْرَ مُنْكَرٍ، فَلَوْ فَرَضَ سُتْرَةً أُخْرَى لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْإِخْبَارِ فَائِدَةٌ، اهـ.
قُلْتُ: يُمْكِنُ إِفَادَتُهُ أَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةُ الْقَوْمِ كَمَا فَهِمَ الْبُخَارِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (فَمَرَرْتُ) ، أَيْ: رَاكِبًا (بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ) ، أَيِ: الْأَوَّلِ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ ذِكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ (فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ) ، أَيْ: تَأْكُلُ الْحَشِيشَ وَتَتَوَسَّعُ فِي الْمَرْعَى، (وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ) ، أَيْ: مَشْيَهُ بِأَتَانِهِ وَبِنَفْسِهِ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ (عَلِيَّ أَحَدٌ) : مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ لَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَهَا، وَهُوَ إِمَّا لِكَوْنِهِ صَغِيرًا، أَوْ لِوُجُودِ سُتْرَةِ الْإِمَامِ، أَوْ لِكَوْنِ الْمُرُورِ مُطْلَقًا غَيْرَ قَاطِعٍ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀: وَالْغَرَضُ مِنْهُ أَنَّ مُرُورَ الْحِمَارِ بَيْنَ يَدَيْهِ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 1227
الفصل الثاني
٧٨١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ قَالَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَلْيَنْصِبْ عَصَاهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصَى فَلْيَخْطُطْ خَطًّا، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ أَمَامَهُ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
الفصل الثاني
٧٨١ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ) ، أَيْ: أَرَادَ الصَّلَاةَ (" فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ ") ، أَيْ: حِذَاءَهُ لَكِنْ إِلَى أَحَدِ حَاجِبَيْهِ لَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ (" شَيْئًا ") ، أَيْ: بِنَاءً أَوْ شَجَرًا أَوْ عُودًا أَوْ عَمُودًا (" فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ") ، أَيْ: شَيْئًا مَنْصُوبًا (فَلْيَنْصِبْ عَصَاهُ ") ، فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَلَوْ أَلْقَى عَصَاهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَمْ يَغْرِزْهَا قِيلَ: يُجَزِئُهُ عَنِ السُّتْرَةِ، وَقِيلَ: لَا، وَفِي الْكِفَايَةِ يَضَعُ طُولًا لَا عَرْضًا لِيَكُونَ عَلَى مِثَالِ الْغَرْزِ (" «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًى، فَلْيَخْطُطْ» ") : بِضَمِّ الطَّاءِ (" خَطًّا ") : حَتَّى يُبَيِّنَ فَصْلًا، فَلَا يَتَخَطَّى الْمَارُّ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشَّافِعِيِّ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدِنَا فَقِيلَ: الْمُخْتَارُ يَخُطُّ خَطًّا كَالْمِحْرَابِ، وَقِيلَ: مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ إِلَى شِمَالِهِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، أَنْ يَكُونَ طُولًا فِي قُدَّامِهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا هُوَ الْمُسْتَحَبُّ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: رَأَيْتُ شَرِيكًا صَلَّى بِنَا فَوَضَعَ قَلَنْسُوَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ (" ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ ") ، أَيْ: بَعْدَ اسْتِتَارِهِ (" مَا مَرَّ أَمَامَهُ ") : أَيْ أَمَامَ سُتْرَتِهِ، (رَوَاهُ، أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) : قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: لَمْ نَجِدْ شَيْئًا نَشُدُّ بِهِ هَذَا الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَجِئْ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ إِلَى ضَعْفِهِ وَاضْطِرَابِهِ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، سُئِلَ عَنْ وَصْفِ الْخَطِّ غَيْرَ مَرَّةٍ فَقَالَ: هَكَذَا عَرْضًا مِثْلَ الْهِلَالِ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَسَمِعْتُ مُسَدَّدًا قَالَ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْخَطُّ بِالطُّولِ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْخَطِّ فَقِيلَ: يَكُونُ مُقَوَّسًا كَهَيْئَةِ الْمِحْرَابِ، وَقِيلَ قَائِمًا مَمْدُودًا بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي إِلَى الْقِبْلَةِ، وَقِيلَ: مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ إِلَى شِمَالِهِ، قَالَ: وَلَمْ يَرَ مَالِكٌ وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ الْخَطَّ اهـ.
قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ يَعْنِي فِي رِوَايَةٍ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا بِاسْتِحْبَابِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: صَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَا بَأْسَ بِالْعَمَلِ بِهِ وَإِنِ اضْطَرَبَ إِسْنَادُهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْحُكْمِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَجَزَمَ بِضَعْفِهِ النَّوَوِيُّ، وَقَاسَ الْأَئِمَّةُ عَلَى الْخَطِّ الْمُصَلِّي كَسَجَّادَةٍ مَفْرُوشَةٍ، وَهُوَ قِيَاسٌ أَوْلَوِيٌّ ; لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ أَبْلَغُ فِي دَفْعِ الْمَارِّ مِنَ الْخَطِّ السَّابِقِ، وَاخْتُلِفَ أَنَّ التَّرْتِيبَ لِلْأَكْمَلِيَّةِ أَوِ الْأَحَقِّيَّةِ.
стр. 1228
٧٨٢ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ، فَلْيَدْنُ مِنْهَا، لَا يَقْطَعِ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٧٨٢ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ) : أَنْصَارِيٍّ، أَوْسِيٍّ، وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ، فَلْيَدْنُ» ) ، أَيْ: فَلْيَقْرَبْ بِقَدْرِ إِمْكَانِ السُّجُودِ، وَهَكَذَا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ (" مِنْهَا ") ، أَيْ: مِنَ السُّتْرَةِ عَلَى قَدْرِ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ أَوْ أَقَلِّ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، نَقَلَهُ ابْنُ الْمَلَكِ لِأَنَّهُ ﷺ لَمَّا صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَائِطِ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ (" لَا يَقْطَعِ الشَّيْطَانُ ") : بِالْجَزْمِ جَوَابُ الْأَمْرِ، ثُمَّ حُرِّكَ بِالْكَسْرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ (" عَلَيْهِ ") : أَيْ: عَلَى أَحَدِكُمْ (" صَلَاتَهُ ") ، أَيْ: لَا يُفَوِّتُ عَلَيْهِ حُضُورَهَا بِالْوَسْوَسَةِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْهَا، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ السُّتْرَةَ تَمْنَعُ اسْتِيلَاءَ الشَّيْطَانِ عَلَى الْمُصَلِّي، وَتُمَكِّنَهُ مِنْ قَلْبِهِ بِالْوَسْوَسَةِ إِمَّا كُلًّا أَوْ بَعْضًا بِحَسَبِ صِدْقِ الْمُصَلِّي وَإِقْبَالِهِ فِي صَلَاتِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ عَدَمَهَا يُمَكِّنُ الشَّيْطَانَ مِنْ إِزْلَالِهِ عَمَّا هُوَ بِصَدَدِهِ مِنَ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ وَتَدَبُّرِهِ الْقِرَاءَةَ وَالذِّكْرَ.
قُلْتُ: فَانْظُرْ إِلَى مُتَابَعَةِ السُّنَّةِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْفَوَائِدِ الْجَمَّةِ.
стр. 1229
٧٨٣ - وَعَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ﵄، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يُصَلِّي إِلَى عُودٍ، وَلَا عَمُودٍ وَلَا شَجَرَةٍ إِلَّا جَعَلَهُ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ أَوِ الْأَيْسَرِ، وَلَا يَصْمُدُ لَهُ صَمْدًا» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
ــ
٧٨٣ - (وَعَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى عُودٍ» ) : كَالْعَصَا (وَلَا عَمُودٍ) : كَالْأُسْطُوَانَةِ ( «وَلَا شَجَرَةٍ إِلَّا جَعَلَهُ عَلَى حَاجِبِهِ» ) ، أَيْ: جَانِبِهِ (الْأَيْمَنِ أَوِ الْأَيْسَرِ، وَلَا يَصْمُدُ لَهُ) : بِضَمِّ الْمِيمِ، أَيْ: لَا يَقْصِدُ (صَمْدًا) ، أَيْ: قَصْدًا مُسْتَوِيًا بِحَيْثُ يَسْتَقْبِلُهُ بِمَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ حَذَرًا عَنِ التَّشَبُّهِ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَحْمَدُ، لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ ضُعِّفَ، وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ حُجَّةٌ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْفَضَائِلِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى عَمُودٍ أَوْ سَارِيَةٍ أَوْ إِلَى شَيْءٍ فَلَا يَجْعَلْهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلْيَجْعَلْهُ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْسَرِ» ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْأَيْسَرَ أَوْلَى مِنَ الْأَيْمَنِ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ مَانِعٌ لِلشَّيْطَانِ الَّذِي هُوَ عَلَى الْأَيْسَرِ كَمَا مَرَّ فِي بَحْثِ الْبُصَاقِ عَلَى الْأَيْسَرِ.
стр. 1230
٧٨٤ - وَعَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي بَادِيَةٍ لَنَا، وَمَعَهُ عَبَّاسٌ، فَصَلَّى فِي صَحْرَاءَ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ، وَحِمَارَةٌ لَنَا وَكَلْبَةٌ تَعْبَثَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا بَالَى بِذَلِكَ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِلنَّسَائِيِّ نَحْوُهُ
ــ
٧٨٤ - (وَعَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي بَادِيَةٍ لَنَا) : حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ (وَمَعَهُ عَبَّاسٌ) : حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ (فَصَلَّى فِي صَحْرَاءَ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ) : لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَظِنَّةُ الْمُرُورِ (وَحَمَّارَةٌ لَنَا وَكَلْبَةٌ) : التَّاءُ فِيهِمَا إِمَّا لِلْوَحْدَةِ أَوْ لِلتَّأْنِيثِ تَعْبَثَانِ) : أَيْ تَلْعَبَانِ (بَيْنَ يَدَيْهِ) ، أَيْ: قُدَّامَهُ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ مَا وَرَاءَ الْمَسْجِدِ أَوْ مَوْضِعَ بَصَرِهِ، (فَمَا بَالَى بِذَلِكَ) : أَيْ: مَا الْتَفَتَ إِلَيْهِ وَمَا اعْتَدَّهُ قَاطِعًا، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، أَيْ: بِهَذَا اللَّفْظِ (وَلِلنَّسَائِيِّ نَحْوُهُ) ، أَيْ: مَعْنَاهُ.
следующие страницы →