← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

٧٣١ - وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةَ الْكُبْرَى، ﵃، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: (رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ) ، وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: (رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ» ) ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَفِي رِوَايَتِهِمَا، قَالَتْ «إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَكَذَا إِذَا خَرَجَ، قَالَ (بِسْمِ اللَّهِ، وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ) ، بَدَلَ: صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ.» وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ لَمْ تُدْرِكْ فَاطِمَةَ الْكُبْرَى. ــ ٧٣١ - (وَعَنْ فَاطِمَةَ) زَوْجِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ (بِنْتِ الْحُسَيْنِ، عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةَ الْكُبْرَى) ، أَيِ: الْبَتُولِ الزَّهْرَاءِ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ لِكِبَرِ فَضْلِهَا وَشَأْنِهَا ﵂ : وَفِي نُسْخَةٍ: عَنْهُمْ (قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ» ) : وَهُوَ يَحْتَمِلُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، ثُمَّ حِكْمَتُهُ بَعْدَ تَعْلِيمِ أُمَّتِهِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِيمَانُ بِنَفْسِهِ، كَمَا كَانَ يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ، فَكَذَا طُلِبَ مِنْهُ تَعْظِيمُهَا بِالصَّلَاةِ مِنْهُ عَلَيْهَا، كَمَا طُلِبَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ (وَقَالَ: (رَبِّ) : وَفِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ: اللَّهُمَّ فَالْكُلُّ سُنَّةٌ (اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ) : وَفِي تَقْدِيمِ الْغُفْرَانِ عَلَى الْفَتْحِ نُكْتَةٌ لَا تَخْفَى (وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ وَقَالَ: ( «رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ» ) : وَتَقَدَّمَ عَنِ الطِّيبِيِّ نُكْتَةٌ فِي الْفَرْقِ بِالرَّحْمَةِ وَالْفَضْلِ فِي الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ، وَخَطَرَ بِبَالِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ النُّكْتَةُ، هِيَ: أَنَّ الدَّاخِلَ لَمَّا كَانَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْعِبَادَةِ فَطَلَبَ الرَّحْمَةَ النَّاشِئَةَ مِنْهَا، فَإِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، وَلَمَّا كَانَ الْخَارِجُ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ، فَحِينَئِذٍ يُنَاسِبُ أَنْ يَطْلُبَ فَضْلَهُ تَعَالَى مِنْ عِنْدِهِ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةِ عِبَادَةٍ وَسَبَبِ رَحْمَةٍ وَعِنَايَةٍ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَفِي رِوَايَتِهِمَا، قَالَتْ: «إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَكَذَا إِذَا خَرَجَ، قَالَ: (بِسْمِ اللَّهِ، وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ» ) ، بَدَلَ: صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ،

стр. 1157

وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ) : لِأَنَّ فَاطِمَةَ الصُّغْرَى بِنْتَ حُسَيْنِ بَنِ عَلِيٍّ تَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةَ الْكُبْرَى، وَهِيَ مَا أَدْرَكَتْهَا فَقَوْلُهُ: (فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ لَمْ تُدْرِكْ فَاطِمَةَ الْكُبْرَى) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَوِ اسْتِئْنَافِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِعَدَمِ الِاتِّصَالِ، وَقَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهَا جَمَعَتْ مِنْ أَبِيهَا عَنْهَا، فَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، فِي الدُّعَاءِ فِي مُصَنَّفِهِ، وَأَحْسَبُ بَعْضَهُمْ وَصَلَهُ، نَقَلَهُ مِيرَكُ.

стр. 1158

٧٣٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَنَاشُدِ الْأَشْعَارِ فِي الْمَسْجِدِ، وَعَنِ الْبَيْعِ وَالِاشْتِرَاءِ فِيهِ، وَأَنْ يَتَحَلَّقَ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ. ــ ٧٣٢ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) ، أَيْ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَنَاشُدِ الْأَشْعَارِ) ، أَيِ: الْمَذْمُومَةِ (فِي الْمَسْجِدِ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: التَّنَاشُدُ أَنْ يُنْشِدَ كُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ نَشِيدًا لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ افْتِخَارًا وَمُبَاهَاةً، أَوْ عَلَى وَجْهِ التَّفَكُّهِ بِمَا يُسْتَطَابُ مِنْهُ تَرْجِيَةً لِلْوَقْتِ بِمَا تَرْكَنُ إِلَيْهِ النَّفْسُ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَهُوَ مَذْمُومٌ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهُ فِي مَدْحِ الْحَقِّ وَأَهْلِهِ وَذَمِّ الْبَاطِلِ وَذَوِيهِ، أَوْ كَانَ مِنْهُ تَمْهِيدٌ لِقَوَاعِدِ الدِّينِ، أَوْ إِرْغَامٌ لِمُخَالِفِيهِ، فَهُوَ خَارِجٌ عَنِ الذَّمِّ وَإِنْ خَالَطَهُ التَّشْبِيبُ، وَقَدْ كَانَ يُفْعَلُ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا يَنْهَى عَنْهُ لِعِلْمِهِ بِالْغَرَضِ الصَّحِيحِ، كَذَا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ خَاصٌّ بِغَيْرِ الشِّعْرِ الْحَسَنِ ; لِأَنَّ حَسَّانَ أَنْشَدَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ فِي الْمَسْجِدِ مُسْتَحْسِنًا لِمَا أَنْشَدَهُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَحَّ «أَنَّ حَسَّانَ وَكَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ كَانَا يُنْشِدَانِ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ بِحَضْرَتِهِ ﵇» -، «وَمَرَّ عُمَرُ وَحَسَّانُ يُنْشِدُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَحَظَهُ، فَقَالَ: كُنْتُ أَنْشُدُهُ وَفِيهِ خَيْرٌ مِنْكَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (أَجِبْ عَنِّي اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ» ) . وَرَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: ( «الشِّعْرُ كَالْكَلَامِ حَسَنُهُ كَحَسَنِهِ وَقَبِيحُهُ كَقَبِيحِهِ» ) ، وَعَلَى هَذَا حَمَلُوا أَيْضًا قَوْلَهُ ﵇: ( «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» ) ، وَقَوْلَهُ ﵇: ( «مَنْ رَأَيْتُمُوهُ يُنْشِدُ فِي الْمَسْجِدِ شِعْرًا فَقُولُوا فَضَّ اللَّهُ فَاكَ» ) ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، رَوَاهُ ابْنُ السُّنِّيِّ، وَفِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ: لَا يُفَضِّضُ اللَّهُ فَاكَ، أَيْ: لَا يُسْقِطُ أَسْنَانَكَ، وَالْفَضُّ: الْكَسْرُ، (وَعَنِ الْبَيْعِ وَالِاشْتِرَاءِ فِيهِ) : أَيْ فِي الْمَسْجِدِ، وَجَوَّزَ عُلَمَاؤُنَا لِلْمُعْتَكِفِ الشِّرَاءَ بِغَيْرِ إِحْضَارِ الْمَبِيعِ، وَمِنَ الْبِدَعِ الشَّنِيعَةِ بَيْعُ ثِيَابِ الْكَعْبَةِ خَلْفَ الْمَقَامِ، وَبَيْعُ الْكُتُبِ وَغَيْرِهَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَأَشْنَعُ مِنْهُ وَضَعُ الْمُخَلَّفَاتِ وَالْقِرَبِ وَالدَّبْشِ فِيهِ، سِيَّمَا فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ، وَوَقْتَ ازْدِحَامِ النَّاسِ، وَاللَّهُ وَلِيُّ أَمْرِ دِينِهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُكْرَهُ أَيْضًا الْجُلُوسُ فِيهِ لِحِرْفَةٍ إِلَّا نَسْخِ كُتُبِ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ وَآلَتِهِ، وَلَوْ خَاطَ فِيهِ أَحْيَانًا فَلَا بَأْسَ، «وَرَأَى عُمَرُ ﵁ خَيَّاطًا فِي الْمَسْجِدِ فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ فَقِيلَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنَّهُ يَكْنُسُ الْمَسْجِدَ وَيُغْلِقُ الْبَابَ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (جَنِّبُوا صُنَّاعَكُمْ مَسَاجِدَكُمْ» ) ، رَوَاهُ عَبْدُ الْحَقِّ وَضَعَّفَهُ، وَكَانَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ إِذَا مَرَّ عَلَيْهِ مَنْ يَبِيعُ فِي مَسْجِدٍ قَالَ: عَلَيْكَ بِسُوقِ الدُّنْيَا فَإِنَّ هَذَا سَوَّقُ الْآخِرَةِ، وَسَمِعَ عُمَرُ ﵁ صَوْتَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ أَنْتَ؟ (وَأَنْ يَتَحَلَّقَ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ إِلَى الْمَسْجِدِ) ، أَيْ: فِي أَنْ يَجْلِسَ النَّاسُ عَلَى هَيْئَةِ الْحَلْقَةِ يُقَالُ: تَحَلَّقُ الْقَوْمُ إِذَا جَلَسُوا حَلْقَةً حَلْقَةً، وَعِلَّةُ النَّهْيِ أَنَّ الْقَوْمَ إِذَا تَحَلَّقُوا، فَالْغَالِبُ عَلَيْهِمُ التَّكَلُّمُ وَرَفْعُ الصَّوْتِ، وَإِذَا كَانُوا كَذَلِكَ لَا يَسْتَمِعُونَ الْخُطْبَةَ وَهُمْ مَأْمُورُونَ بِاسْتِمَاعِهَا كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: النَّهْيُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدَهُمَا: أَنَّ تِلْكَ الْهَيْئَةَ تُخَالِفُ اجْتِمَاعَ الْمُصَلِّينَ، وَالثَّانِيَ: أَنَّ

стр. 1159

الِاجْتِمَاعَ لِلْجُمُعَةِ خَطْبٌ جَلِيلٌ لَا يَسَعُ مَنْ حَضَرَهَا أَنْ يَهْتَمَّ بِمَا سِوَاهَا حَتَّى يَفْرُغَ، وَتَحَلُّقُ النَّاسِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مُوهِمٌ لِلْغَفْلَةِ عَنِ الْأَمْرِ الَّذِي نُدِبُوا إِلَيْهِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِي الْحَدِيثِ كَرَاهَةُ التَّحَلُّقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ لِمُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ، بَلْ يَشْتَغِلُ بِالذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ وَالْإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ، وَلَا بَأْسَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَفِي الْإِحْيَاءِ يُكْرَهُ الْجُلُوسُ لِلْحِلَقِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَرْوِي: نُهِيَ عَنِ الْحَلْقِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِإِسْكَانِ اللَّامِ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ بَقِيَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّمَا هُوَ الْحِلَقُ بِفَتْحِهَا جَمْعُ حَلْقَةٍ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا ذَكَرَهُ مِيرَكُ.

стр. 1160

٧٣٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً، فَقُولُوا: لَا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ» ) ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٧٣٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ) ، أَيْ: يَشْتَرِي (فِي الْمَسْجِدِ) : وَحَذْفُ الْمَفْعُولِ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ، فَيَشْمَلُ ثَوْبَ الْكَعْبَةِ وَالْمَصَاحِفَ وَالْكُتُبَ وَالسُّبَحَ (فَقَالُوا) ، أَيْ: لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِاللِّسَانِ جَهْرًا أَوْ بِالْقَلْبِ سِرًّا (لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ) : دُعَاءٌ عَلَيْهِ، أَيْ: لَا جَعَلَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ ذَاتَ رِبْحٍ وَنَفْعٍ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] ، وَلَوْ قَالَ لَهُمَا مَعًا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكُمَا جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، (وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ) ، أَيْ: يَطْلُبُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ (فِيهِ) ، أَيْ: فِي الْمَسْجِدِ (ضَالَّةً) ، أَيْ: سَاقِطَةً (فَقُولُوا: لَا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ) : وَفِي رِوَايَةٍ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ لِقِلَّةِ أَدَبِكَ، حَيْثُ رَفَعْتَ صَوْتَكَ فِي الْمَسْجِدِ، وَشَوَّشْتَ عَلَى الْمُصَلِّينَ، أَوِ الْمُعْتَكِفِينَ ذِكْرَهُمْ، أَوْ حُضُورَهُمْ، أَوْ قَالَهُمْ، أَوْ حَالَهُمْ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ نَقَلَهُ مِيرَكُ (وَالدَّارِمِيُّ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ، قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ذَكَرَهُ مِيرَكُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَرَّ شَطْرُهُ الثَّانِي عَنْ مُسْلِمٍ.

стр. 1161

٧٣٤ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُسْتَقَادَ فِي الْمَسْجِدِ وَأَنْ يُنْشَدَ فِيهِ الْأَشْعَارُ، وَأَنْ تُقَامَ فِيهِ الْحُدُودُ،» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي (سُنَنِهِ) ، وَصَاحِبُ (جَامِعِ الْأُصُولِ) ، فِيهِ عَنْ حَكِيمٍ. ــ ٧٣٤ - (وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) : بِكَسْرِ حَاءٍ فَزَايٍ، هُوَ ابْنُ أَخِي خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ الطِّيبِيُّ، (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُسْتَقَادَ) ، أَيْ: يُطْلَبَ الْقَوَدُ، أَيِ: الْقِصَاصُ وَقَتْلُ الْقَاتِلِ بَدَلَ الْقَتِيلِ، أَيْ: يُقْتَصَّ (فِي الْمَسْجِدِ) : لِئَلَّا يَقْطُرَ الدَّمُ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَيُكْرَهُ الْقَوَدُ فِيهِ إِنْ لَمْ يُصِبْهُ نَجَسٌ وَإِلَّا حُرِّمَ (وَأَنْ يُنْشَدَ) : قِيلَ بِالتَّأْنِيثِ، أَيْ: يُقْرَأَ (فِيهِ الْأَشْعَارُ) ، أَيِ: الْمَذْمُومَةُ (وَأَنْ تُقَامَ) : كَذَلِكَ (فِيهِ الْحُدُودُ) ، أَيْ: سَائِرُهَا، أَيْ: تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، أَيِ: الْحُدُودُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِاللَّهِ أَوْ بِالْآدَمِيِّ ; لِأَنَّ فِي ذَلِكَ نَوْعَ هَتْكٍ لِحُرْمَتِهِ، وَلِاحْتِمَالِ تَلَوُّثِهِ بِجُرْحٍ أَوْ حَدَثٍ، وَقَوْلُ ابْنِ لَيْلَى: تُقَامُ شَاذٌّ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِئَلَّا يَتَلَوَّثَ الْمَسْجِدُ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ عُمَرُ ﵁ فِيمَنْ لَزِمَهُ حَدٌّ فِي الْمَسْجِدِ: أَخْرِجُوهُ، وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، مِثْلُهُ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ) : فِي آخِرِ كِتَابِ الْحُدُودِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُهَاجِرِ، وَالشَّعْبِيُّ الْبَصْرِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، وَقَدْ وَثَّقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَقَالَ: وَقَدْ رَوَى لَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ، (وَصَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ فِيهِ) ، أَيِ: الْجَامِعِ (عَنْ حَكِيمٍ: مُتَعَلِّقٌ بِرَوَاهُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّعْبِيُّ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: يُكْتَبُ حَدِيثُهُ، وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَفِيهِ أَيْضًا زُفَرُ بْنُ وَثِيمَةَ جَهَّلَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ حَسَنٌ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الْحُفَّاظِ.

стр. 1162

٧٣٥ - وَفِي (الْمَصَابِيحِ) ، عَنْ جَابِرٍ ــ ٧٣٥ - (وَفِي الْمَصَابِيحِ، عَنْ جَابِرٍ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْأُصُولِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ، وَقَالَ مِيرَكُ: صَوَابُهُ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَزْمٍ.

стр. 1163

٧٣٦ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵄، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ - يَعْنِي الْبَصَلَ وَالثُّومَ - وَقَالَ: (مَنْ أَكَلَهُمَا فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا) ، وَقَالَ: (إِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ آكِلِيهِمَا ; فَأَمِيتُوهَا طَبْخًا» ) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٧٣٦ - (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ) : تَابِعِيٌّ بَصْرِيٌّ، سَمِعَ أَبَاهُ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ) : إِشَارَةٌ إِلَى مَا فِي الذِّهْنِ (- يَعْنِي الْبَصَلَ وَالثُّومَ -) : وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا مَوْجُودَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ فَالْإِشَارَةُ حِسِّيَّةٌ (وَقَالَ: (مَنْ أَكَلَهُمَا) : وَفِي مَعْنَاهُمَا الْكُرَّاثُ وَالْفُجْلُ (فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا) ، أَيْ: مَسْجِدَ مِلَّتِنَا يَعْنِي: مَا دَامَ مَعَهُ الرَّائِحَةُ الْخَبِيثَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْعِلَّةُ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا تَتَأَذَّى بِهِ النَّاسُ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ إِنْ كَانَ خَالِيًا مِنَ النَّاسِ، فَلَا يَخْلُو مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ كَالْبَيَانِ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى، أَيْ: أَفَادَ هَذَا الْبَيَانُ أَنَّ التَّقْدِيرَ نَهَى عَنْ أَكْلِهِمَا، وَأَفَادَ أَيْضًا أَنَّ شَرْطَ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِهِمَا اقْتِرَانُهُ بِقَصْدِ دُخُولِ الْمَسْجِدِ مَثَلًا، مَعَ بَقَاءِ رِيحِهِمَا، وَأَمَّا أَكْلُهُمَا لَا بِهَذِهِ النِّيَّةِ، فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ، وَفِي النَّهْيِ عَنِ الْقُرْبَانِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ أَوْلَى، (وَقَالَ: (إِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ) ، أَيْ: لَا فِرَاقَ وَلَا مَحَالَةَ وَلَا غِنًى بِكُمْ عَنْ أَكْلِهِمَا لِفَرْطِ حَاجَةٍ أَوْ شَهْوَةٍ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ اسْمِ كَانَ وَخَبَرِهَا وَهُوَ (آكِلِيهِمَا) : يَعْنِي: وَأَرَدْتُمْ دُخُولَ الْمَسْجِدِ (فَأَمِيتُوهُمُا طَبْخًا) : الْإِمَاتَةُ عِبَارَةٌ عَنْ إِزَالَةِ قُوَّةِ رَائِحَتِهِمَا، أَيْ: أَزِيلُوا رَائِحَتَهُمَا بِالطَّبْخِ، وَفِي مَعْنَاهُ إِمَاتَتُهُ وَإِزَالَتُهُ بِغَيْرِ الطَّبْخِ، وَإِنَّمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، قَالَهُ مِيرَكُ.

стр. 1164

٧٣٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» ) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٧٣٧ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ» ) ، أَيْ: يَجُوزُ السُّجُودُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ (إِلَّا الْمَقْبَرَةَ) : بِفَتْحِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِتَثْلِيثِهَا، وَفِي الْقَامُوسِ: الْمَقْبَرَةُ مُثَلَّثَةَ الْبَاءِ وَكَمِكْنَسَةٍ مَوْضِعُ الْقُبُورِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهَا، (وَالْحَمَّامَ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَإِنَّ الصَّلَاةَ تُكْرَهُ فِيهِمَا، وَقَالَ شَارِحُ الْمُنْيَةِ: وَفِي الْفَتَاوَى لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ إِذَا كَانَ فِيهَا مَوْضِعٌ أُعِدَّ لِلصَّلَاةِ، وَلَيْسَ فِيهِ قَبْرٌ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ فِيهِ اضْطِرَابٌ يَعْنِي مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ وَالْإِسْنَادُ، وَذَكَرَ أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ أَرْسَلَهُ وَهُوَ أَصَحُّ وَأَثْبَتُ اهـ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُسْنَدًا، وَالَّذِي وَصَلَهُ ثِقَةٌ أَيْضًا، فَلَا يَضُرُّهُ إِرْسَالُهُ، كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ، (وَالدَّارِمِيُّ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَابْنُ مَاجَهْ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.

стр. 1165

٧٣٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ: فِي الْمَزْبَلَةِ، وَالْمَجْزَرَةِ، وَالْمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَفِي الْحَمَّامِ، وَفِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٧٣٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُصَلَّى) : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ: فِي الْمَزْبَلَةِ) : بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَقِيلَ بِضَمِّهَا، الْمَوْضِعُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْإِبِلُ، وَهُوَ السِّرْجِينُ، وَمِثْلُهُ سَائِرُ النَّجَاسَاتِ (وَالْمَجْزِرَةِ) : بِكَسْرِ الزَّايِ وَتُفْتَحُ: قَالَ فِي الصِّحَاحِ: الْمَجْزِرَةُ بِكَسْرِ الزَّايِ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَيَجُوزُ فَتْحُهَا، وَاقْتَصَرَ ابْنُ حَجَرٍ عَلَى الْفَتْحِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ وَالنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَهِيَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تُنْحَرُ فِيهِ الْإِبِلُ وَتُذْبَحُ الْبَقَرُ وَالشَّاءُ، نَهَى عَنْهَا لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ فِيهَا مِنَ الدِّمَاءِ وَالْأَرْوَاثِ، (وَالْمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ) : فَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ، أَيْ:

стр. 1166

وَسَطِهِ، فَالْمُرَادُ بِهَا الطَّرِيقُ الَّذِي يَقْرَعُهُ النَّاسُ وَالدَّوَابُّ بِأَرْجُلِهِمْ، لِاشْتِغَالِ الْقَلْبِ بِالْخَلْقِ عَنِ الْحَقِّ، وَلِذَا شَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ فِي الْعُمْرَانِ لَا الْبَرِّيَّةُ، (وَفِي الْحَمَّامِ) : لِأَنَّهُ مَحَلُّ النَّجَاسَةِ وَمَأْوَى الشَّيْطَانِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحَمِيمِ، وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ، وَمِنْهُ مَسْلَخَةٌ، وَهُوَ مَحَلٌّ سَلْخِ الثِّيَابِ، أَيْ: نَزْعِهَا، وَالتَّعْلِيلُ بِأَنَّ دُخُولَ النَّاسِ يَشْغَلُهُ وَهُوَ غَيْرُ مُطَّرِدٍ فَلَا يُنْظَرُ إِلَيْهِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الِاعْتِبَارُ لِلْأَغْلَبِ، (وَفِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ) : جَمْعُ عَطَنٍ وَهُوَ مَبْرَكُ الْإِبِلِ حَوْلَ الْمَاءِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: جَمْعُ مَعْطِنٍ بِكَسْرِ الطَّاءِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تَبْرُكُ فِيهِ الْإِبِلُ عِنْدَ الرُّجُوعِ عَنِ الْمَاءِ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ الْإِبِلُ بِاللَّيْلِ) ، أَيْضًا، وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ مُسْلِمٍ: نُهِيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ وَقَالَ: لِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ مَحَالُّ النَّجَاسَةِ، فَإِنْ صَلَّى فِيهَا بِغَيْرِ السَّجَّادَةِ بَطَلَتْ، وَمَعَ السَّجَّادَةِ تُكْرَهُ لِلرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ اهـ. وَهَذَا إِذَا لَمْ تَكُنِ الْإِبِلُ فِيهَا، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ فَسَيَأْتِي أَنَّ الصَّلَاةَ مَكْرُوهَةٌ حِينَئِذٍ مُطْلَقًا لِشِدَّةِ نِفَارِهَا، (وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ) : إِذْ نَفْسُ الِارْتِفَاعِ إِلَى سَطْحِ الْكَعْبَةِ مَكْرُوهٌ لِاسْتِعْلَائِهِ عَلَيْهِ الْمُنَافِي لِلْأَدَبِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا ذُكِرَ الظَّهْرُ مَعَ الْفَوْقِ إِذْ لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَى مَوْضِعٍ هُوَ فَوْقَ الْبَيْتِ كَجَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ، وَذِكْرُ " فَوْقَ " ; لِأَنَّ الْحِيطَانَ كُلَّهَا ظَهَرُ الْبَيْتِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: اخْتُلِفَ فِي أَنَّ النَّهْيَ الْوَارِدَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَوَاطِنِ السَّبْعَةِ لِلتَّحْرِيمِ أَوِ التَّنْزِيهِ، وَالْقَائِلُونَ بِالتَّحْرِيمِ اخْتَلَفُوا فِي الصِّحَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ، وَفِيهِ أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ: يَدُلُّ مُطْلَقًا، لَا يَدُلُّ مُطْلَقًا، يَدُلُّ فِي الْعِبَادَاتِ دُونَ الْمُعَامَلَاتِ، يَدُلُّ إِذَا كَانَ مُتَعَلِّقُ النَّهْيِ نَفْسَ الْفِعْلِ، أَوْ مَا يَكُونُ لَازِمًا كَصَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ، وَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، وَبَيْعِ الرِّبَا، وَلَا يَدُلُّ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالْوَادِي وَأَعْطَانِ الْإِبِلِ وَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِذَاكَ الْقَوِيِّ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، (وَابْنُ مَاجَهْ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَسَنَدَهُ حَسَنٌ.

стр. 1167

٧٣٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ» ) ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٧٣٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ) ، أَيْ: فَوْقَ السَّجَّادَةِ إِذَا كَانَتْ ضَرُورَةً، وَهُوَ جَمْعُ مَرْبِضٍ بِكَسْرِ الْبَاءِ، وَهُوَ مَأْوَى الْغَنَمِ (وَلَا تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ) : جَمْعُ عَطَنٍ، وَهُوَ مِثْلُ الْمَعْطَنِ، وَالْفَارِقُ أَنَّ الْإِبِلَ كَثِيرَةُ الشِّرَادِ، شَدِيدَةُ النِّفَارِ، فَلَا يَأْمَنُ الْمُصَلِّي فِي أَعْطَانِهَا، أَيْ: مَعَاطِنِهَا مِنْ أَنْ تَنْفِرَ وَتَقْطَعَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، أَوْ تُشَوِّشُ قَلْبَهُ، فَتَمْنَعُهُ عَنِ الْخُشُوعِ فِيهَا، بِخِلَافِ الْغَنَمِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِلَيْهِ أَشَارَ ﵇ بِقَوْلِهِ: ( «لَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الشَّيَاطِينِ» ) ، وَأَوَّلَهُ ابْنُ حِبَّانَ بِأَنَّهَا خُلِقَتْ مَعَهَا، قَالَ وَإِلَّا لَمْ يُصَلِّ ﵇ الْوَتْرَ عَلَى بَعِيرِهِ، أَيْ: فَالْعِلَّةُ الصَّحِيحَةُ شِدَّةُ نِفَارِهَا الْمُؤَدِّي إِلَى قَطْعِ الصَّلَاةِ، أَوْ مَنْعِ الْخُشُوعِ، لَا خَلْقُهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ، أَيْ: مِنْ مَائِهِمْ وَخَرَجَ بِالْإِبِلِ الْغَنَمُ فَلَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عِنْدَهَا ; لِأَنَّ نِفَارَهَا لَا يُشَوِّشُ الْخُشُوعَ لِأَنَّهَا سَكِينَةٌ، وَلِذَا وَرَدَ فِيهَا: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ» ، وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: ( «إِذَا أَدْرَكْتُمُ الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ فِي مُرَاحِ الْغَنَمِ فَصَلُّوا فَإِنَّهَا سَكِينَةٌ وَبَرَكَةٌ، وَإِذَا أَدْرَكْتُمُ الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ فَاخْرُجُوا مِنْهَا فَصَلُّوا فَإِنَّهَا جِنُّ، مِنْ جِنٍّ خُلِقَتْ، أَلَا تَرَوْنَ أَنَّهَا إِذَا نَفَرَتْ كَيْفَ تَشْمَخُ بِأَنْفِهَا» ) ، وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي سَائِرِ مَحَالِّ الشَّيَاطِينِ، وَمِنْهَا الْوَادِي الَّذِي نَامَ فِيهِ ﵇ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ كَمَا مَرَّ، وَمِنْهَا كُلُّ مَحَلٍّ حَلَّ بِهِ غَضَبٌ كَأَرْضِ ثَمُودَ، وَبَابِلَ، وَدِيَارِ قَوْمِ لُوطٍ، وَمُحَسِّرٍ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَذَابَ نَزَلَ بِهِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَلَوْ صَلَّى وَالْمَكَانُ طَاهِرٌ يَصِحُّ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَأَصْحَابُ الْغَنَمِ كَانُوا يُنَظِّفُونَ الْمَرَابِضَ فَأُبِيحَتِ الصَّلَاةُ فِيهَا لِذَلِكَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ.

стр. 1168

٧٤٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٧٤٠ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ» ) : فِي شَرْحِ السُّنَّةِ قِيلَ: هَذَا كَانَ قَبْلَ التَّرَخُّصِ، فَلَمَّا رُخِّصَ دَخْلَ فِي الرُّخْصَةِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَقِيلَ: بَلْ نَهْيُ النِّسَاءِ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ بَاقٍ لِقِلَّةِ صَبْرِهِنَّ، وَكَثْرَةِ جَزَعِهِنَّ إِذَا رَأَيْنَ الْقُبُورَ اهـ، وَمُرَادُهُ بِالتَّرَخُّصِ قَوْلُهُ ﵇: ( «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا لِأَنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ» ) ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ النَّهْيِ عَلَى عَجَائِزَ مُتَطَيِّبَاتٍ، وَمُتَزَيِّنَاتٍ، أَوْ عَلَى شَوَابَّ وَلَوْ فِي ثِيَابِ بِذْلَتِهِنَّ لِوُجُودِ الْفِتْنَةِ فِي خُرُوجِهِنَّ عَلَى قِيَاسِ كَرَاهَةِ خُرُوجِهِنَّ إِلَى الْمَسَاجِدِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ جَمْعَ زَوَّارَةٍ وَهِيَ لِلْمُبَالَغَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ زَارَ مِنْهُنَّ عَلَى الْعَادَةِ فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْمَلْعُونَاتِ اهـ. وَيُسْتَثْنَى زِيَارَةُ قَبْرِهِ ﵇ عَنْ هَذَا الْعُمُومِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، (وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِنَّمَا حُرِّمَ اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ عَلَيْهَا ; لِأَنَّ فِي الصَّلَاةِ فِيهَا اسْتِنَانًا بِسُنَّةِ الْيَهُودِ اهـ. وَقَيْدُ " عَلَيْهَا " يُفِيدُ أَنَّ اتِّخَاذَ الْمَسَاجِدِ بِجَنْبِهَا لَا بَأْسَ بِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵇: ( «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ» ) ، (وَالسُّرُجَ) : جَمْعَ سِرَاجٍ، وَالنَّهْيُ عَنِ اتِّخَاذِ السُّرُجِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَضْيِيعِ الْمَالِ، لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ لِأَحَدٍ مِنَ السِّرَاجِ، وَلِأَنَّهَا مِنْ أَثَارِ جَهَنَّمَ، وَإِمَّا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ تَعْظِيمِ الْقُبُورِ، كَالنَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ (وَالنَّسَائِيُّ) .

стр. 1169

٧٤١ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، قَالَ: «إِنَّ حَبْرًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، أَيُّ الْبِقَاعِ خَيْرٌ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ، وَقَالَ: (أَسْكُتُ حَتَّى يَجِيءَ جِبْرِيلُ) ، فَسَكَتَ وَجَاءَ جِبْرِيلُ ﵇، فَسَأَلَ فَقَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ. وَلَكِنْ أَسْأَلُ رَبِّيَ ﵎، ثُمَّ قَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ! إِنِّي دَنَوْتُ مِنَ اللَّهِ دُنُوًّا مَا دَنَوْتُ مِنْهُ قَطُّ، قَالَ: (وَكَيْفَ كَانَ يَا جِبْرِيلُ؟) ، قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ حِجَابٍ مِنْ نُورٍ، فَقَالَ: شَرُّ الْبِقَاعِ أَسْوَاقُهَا، وَخَيْرُ الْبِقَاعِ مَسَاجِدُهَا» ، رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. ــ ٧٤١ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةُ قَالَ: إِنَّ حَبْرًا) : بِفَتْحِ الْحَاءِ أَشْهَرُ مِنْ كَسْرِهَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَذَكَرَ فِي الصِّحَاحِ) ، أَنَّ كَسْرَ الْحَاءِ أَصَحُّ، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْفَتْحُ لِيُفَرَّقَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَبَيْنَ مَا يُكْتَبُ بِهِ، كَذَا فِي الْمَفَاتِيحِ، وَقِيلَ فِي الْكَسْرِ وَجْهُهُ أَنَّ الْعَالِمَ يُكْثِرُ اسْتِعْمَالَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَكَانَ يُقَالُ لِابْنِ عَبَّاسٍ الْحِبْرُ وَالْبَحْرُ لِسَعَةِ عِلْمِهِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَيْ: عَالِمًا (مِنَ الْيَهُودِ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الْبِقَاعِ) : بِكَسْرِ الْبَاءِ جَمْعِ الْبُقُعَةِ بِالضَّمِّ، وَهِيَ مَوْضِعٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ النَّاسُ مُطْلَقًا (خَيْرٌ؟) ، أَيْ: أَفْضَلُ يَعْنِي كَثِيرَ الْخَيْرِ (فَسَكَتَ عَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ جَوَابِهِ (وَقَالَ) ، أَيْ: فِي نَفْسِهِ لَا أَنَّهُ نَطَقَ بِهِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنَّهُ نَطَقَ بِهِ، بَلْ هُوَ أَظْهَرُ فِي الْمَرَامِ، وَأَدْفَعُ لِتَوَهُّمِ الْإِلْزَامِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الرِّوَايَاتُ الْآتِيَةُ (أَسْكُتْ) : بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ (حَتَّى يَجِيءَ جِبْرِيلُ) ، فَسَكَتَ) ، أَيْ: إِلَى مَجِيءِ جِبْرِيلَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ أَنَّ مَنِ اسْتُفْتِيَ عَنْ مَسْأَلَةٍ لَا يَعْلَمُهَا، فَعَلَيْهِ أَنْ لَا يُعَجِّلَ فِي الْإِفْتَاءِ، وَلَا يَسْتَنْكِفَ عَنْ الِاسْتِفْتَاءِ مِمَّنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ، وَلَا يُبَادِرَ إِلَى الِاجْتِهَادِ مَا لَمْ يُضَطَرَّ إِلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَسُنَّةُ جِبْرِيلَ، (وَجَاءَ جِبْرِيلُ ﵇، فَسَأَلَ) ، أَيِ: النَّبِيَّ ﷺ عَنْهُ، أَوْ فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهَا (فَقَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ) : وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ مَا

стр. 1170

يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ (وَلَكِنْ أَسْأَلُ رَبِّيَ تَبَارَكَ) ، أَيْ: تَكَاثَرَ خَيْرُهُ وَتَوَالَى بِرُّهُ (وَتَعَالَى) ، أَيْ: تَرَفَّعَ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِكِبْرِيَائِهِ، فَالْأَوَّلُ إِثْبَاتٌ لِلنُّعُوتِ الثُّبُوتِيَّةِ، وَالثَّانِي نَفْيٌ لِلصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ، وَالْمَعْنَى لَكِنِّي أَرْجِعُ إِلَى حَضْرَةِ رَبِّي أَسْأَلُهُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ، (ثُمَّ قَالَ جِبْرِيلُ) ، أَيْ: بَعْدَ رُجُوعِهِ (يَا مُحَمَّدُ! إِنِّي دَنَوْتُ) ، أَيْ: قَرُبْتُ (مِنَ اللَّهِ دُنُوًّا) : فَعُوِّلَ مَصْدَرُ دَنَا (مَا دَنَوْتُ مِنْهُ قَطُّ) : يَعْنِي: أُذِنَ لِي أَنْ أَقْرَبَ مِنْهُ تَعَالَى أَكْثَرَ مِمَّا قَرُبْتُ مِنْهُ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَلَعَلَّ زِيَادَةَ تَقَرُّبِهِ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ لِتَعْظِيمِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ يَزِيدُ الْمُحِبُّ فِي احْتِرَامِ رَسُولِ الْحَبِيبِ لِأَجْلِ الْحَبِيبِ تَمَّ كَلَامُهُ، أَوْ لِأَنَّهُ تَقَرَّبَ إِلَيْهِ تَعَالَى بِطَلَبِ الْعِلْمِ، وَمِنْ وَعْدِهِ تَعَالَى أَيْ: مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيْهِ شِبْرًا تَقَرَّبَ إِلَيْهِ بَاعًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَفِيهِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَزْدَادُونَ الْعِلْمَ وَالْقُرْبَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، إِلَّا أَنَّ الْمَلَكَ تَرَقِّيهِ فِي الْعِلْمِ وَالْقُرْبِ نَادِرٌ بِخِلَافِ الْبَشَرِ، (قَالَ: (وَكَيْفَ كَانَ) ، أَيْ: دُنُوُّكَ (يَا جِبْرِيلُ!) ، قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ) ، أَيْ: بَيْنَ عَرْشِهِ (سَبْعُونَ أَلْفَ حِجَابٍ مِنْ نُورٍ) : ظَاهِرُهُ التَّحْدِيدُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُجُبَ إِنَّمَا تُحِيطُ بِمُقَدَّرٍ مَحْسُوسٍ وَهُوَ الْخَلْقُ، فَهُمْ مَحْجُوبُونَ عَنْهُ تَعَالَى بِمَعَانِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَأَقْرَبُ الْمَلَائِكَةِ الْحَافُّونَ بِالْعَرْشِ، وَهُمْ مَحْجُوبُونَ بِنُورِ الْمَهَابَةِ وَالْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْجَلَالِ، وَأَمَّا الْآدَمِيُّونَ فَمِنْهُمْ مَنْ حُجِبَ بِرُؤْيَةِ النِّعَمِ عَنِ الْمُنْعِمِ، وَبِمُشَاهَدَةِ الْأَسْبَابِ عَنِ الْمُسَبِّبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حُجِبَ بِالشَّهَوَاتِ الْمُبَاحَةِ أَوِ الْمُحَرَّمَةِ، أَوْ بِالْمَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَزِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْجَاهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الصُّوفِيَّةِ: الْعِلْمُ حِجَابٌ، قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: لَكِنَّهُ نُورَانِيٌّ، فَأَفَادَ أَنَّ الْحَجْبَ عَلَى نَوْعَيْنِ: ظُلْمَانِيٍّ وَضِدِّهِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ بِقَوْلِهِ: مِنْ نُورٍ (فَقَالَ) ، أَيِ: الرَّبُّ ( «شَرُّ الْبِقَاعِ أَسْوَاقُهَا» ) : لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْغَفْلَةِ وَالْمَعْصِيَةِ ( «وَخَيْرُ الْبِقَاعِ مَسَاجِدُهَا» ) : لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْحُضُورِ وَالطَّاعَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَجَابَ عَنِ الشَّرِّ وَالْخَيْرِ، وَإِنْ كَانَ السُّؤَالُ عَنِ الْخَيْرِ فَقَطْ تَنْبِيهًا عَلَى بَيْتِ الرَّحْمَنِ وَبَيْتِ الشَّيْطَانِ، قُلْتُ: وَالْأَشْيَاءُ تَتَبَيَّنُ بِأَضْدَادِهَا، (رَوَاهُ) : كَذَا فِي أَصْلِ الْمُصَنَّفِ هُنَا بَيَاضٌ، وَأَلْحَقَ بِهِ ابْنُ حِبَّانَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِذَا قَالَ الطِّيبِيُّ: ذِكْرُ الرَّاوِي أَيِ الْمُخَرِّجِ مُلْحَقٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي نُسْخَةٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ ابْنَ حِبَّانَ أَخْرَجَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَأَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَأَنَّ مَنْ قَالَ لَمْ يُرِدْ تَكْثِيرَ الْحُجُبِ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى مَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ، كَرِوَايَةِ: «سَبْعِينَ حِجَابًا غِلَظُ كُلِّ حِجَابٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، ثُمَّ حُمِلَتْ عَلَى رَفْرَفٍ أَخْضَرَ يَغْلِبُ ضَوْءُهُ ضَوْءَ الشَّمْسِ، حَتَّى وَصَلَتْ لِلْعَرْشِ» ، وَكَرِوَايَةِ: ثُمَّ أَيُّ، بَعْدَ انْقِطَاعِ جِبْرِيلَ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ هَذَا مَقَامِي إِنْ جَاوَزْتُهُ احْتَرَقْتُ، زُجَّ بِيَ فِي النُّورِ فَحَرَقَ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ حِجَابٍ، لَيْسَ فِيهَا حِجَابٌ يُشْبِهُ حِجَابًا، فَهَاتَانِ وَنَحْوُهُمَا هِيَ الَّتِي لَمْ تَثْبُتُ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ اهـ.

стр. 1171

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحِجَابَ الصُّورِيَّ لَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ النُّورِيِّ الْمَعْنَوِيِّ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ أَبِي عَطَاءٍ: الْحَقُّ لَيْسَ بِمَحْجُوبٍ، وَإِنَّمَا الْمَحْجُوبُ أَنْتَ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهِ، إِذْ لَوْ حَجَبَهُ شَيْءٌ لَسَتَرَهُ مَا حَجَبَهُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ سَاتِرٌ لَكَانَ لِوُجُودِهِ حَاصِرًا وَكُلُّ حَاصَرٍ لِشَيْءٍ فَهُوَ لَهُ قَاهِرٌ، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] ، وَمِنْ كَلَامِهِ أَيْضًا مِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى وُجُودِ قَهْرِهِ سُبْحَانَهُ، أَنْ حَجَبَكَ عَنْهُ بِمَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ مَعَهُ، وَمِنْ كَلَامِهِ أَيْضًا: كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَحْجُبَهُ شَيْءٌ وَهُوَ الَّذِي أَظْهَرَ كُلَّ شَيْءٍ، كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَحْجُبَهُ شَيْءٌ وَهُوَ الظَّاهِرُ قَبْلَ وُجُودِ كُلِّ شَيْءٍ، كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَحْجُبَهُ شَيْءٌ وَهُوَ الْوَاحِدُ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ، كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَحْجُبَهُ شَيْءٌ وَهُوَ أُقَرَبُ إِلَيْكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ؟ . وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ لَمْ أَرَهُ مُخَرَّجًا فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَلَكِنْ رَأَيْتُ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْمَصَابِيحِ لِلسُّلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الْبِقَاعِ شَرٌّ؟ قَالَ: فِي (لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ جِبْرِيلَ) فَسَأَلَ جِبْرِيلَ فَقَالَ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ مِيكَائِيلَ، فَجَاءَ فَقَالَ: خَيْرُ الْبِقَاعِ الْمَسَاجِدُ، وَشَرُّهَا الْأَسْوَاقُ» . قَالَ مِيرَك شَاهْ: ثُمَّ رَأَيْتُ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ لِلْمُنْذِرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الْبِقَاعِ خَيْرٌ؟ وَأَيُّ الْبِقَاعِ شَرٌّ؟ قَالَ: (لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ جِبْرِيلَ) فَقَالَ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ مِيكَائِيلَ، فَجَاءَ فَقَالَ: خَيْرُ الْبِقَاعِ الْمَسَاجِدُ وَشَرُّ الْبِقَاعِ الْأَسْوَاقُ» ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجِبْرِيلَ: [أَيُّ الْبِقَاعِ خَيْرٌ) ، قَالَ: لَا أَدْرَى، قَالَ: (فَسَلْ عَنْ ذَلِكَ رَبَّكَ) قَالَ: فَبَكَى جِبْرِيلُ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! وَمَا لَنَا أَنْ نَسْأَلَهُ، هُوَ الَّذِي يُخْبِرُنَا بِمَا يَشَاءُ، فَعَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ أَتَاهُ، فَقَالَ: خَيْرُ الْبِقَاعِ بُيُوتُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ قَالَ: (فَأَيُّ الْبِقَاعِ شَرٌّ؟) فَعَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: شَرُّ الْبِقَاعِ الْأَسْوَاقُ» ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ. وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ «رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْبُلْدَانِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ وَأَيُّ الْبُلْدَانِ أَبْغَضُ إِلَى اللَّهِ قَالَ: (لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ جِبْرِيلَ) فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ أَحَبَّ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ الْمَسَاجِدُ، وَأَبْغَضَ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ الْأَسْوَاقُ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَبُو يَعْلَى وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ اهـ. وَكَلَامُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْحُجُبِ لَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، فَتَصْحِيحُ ابْنِ حَجَرٍ غَيْرُ صَحِيحٍ عَلَى إِطْلَاقِهِ فَتَدَبَّرْ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ عَدَدَ السَّبْعِينَ غَيْرُ صَحِيحٍ، لَا نَفْسَ الْحِجَابِ فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَلَى مَا مَرَّ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ، مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا: ( «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» )

стр. 1172

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٧٤٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِضَى اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «مَنْ جَاءَ مَسْجِدِي هَذَا لَمْ يَأْتِ إِلَّا لِخَيْرٍ يَتَعَلَّمُهُ أَوْ يُعَلِّمُهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ جَاءَ لِغَيْرِ ذَلِكَ ; فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى مَتَاعِ غَيْرِهِ» ) ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبِيهَقِيُّ فِي [شُعَبِ الْإِيمَانِ] ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٧٤٢ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ جَاءَ مَسْجِدِي هَذَا» ) ، أَيِ: الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ فِي الْمَدِينَةِ الْمُعَطَّرَةِ (لَمْ يَأْتِ) ، أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ غَيْرَ آتٍ (إِلَّا لِخَيْرٍ) ، أَيْ: عِلْمٍ أَوْ عَمَلٍ (يَتَعَلَّمُهُ أَوْ يُعَلِّمُهُ) : أَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى جَوَازِ التَّدْرِيسِ فِي الْمَسْجِدِ خِلَافًا لِمَا تَقَدَّمَ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، وَلَعَلَّهُ مَنَعَ رَفْعَ الصَّوْتِ الْمُشَوِّشِ (فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) : مِنْ حَيْثُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُرِيدُ إِعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ الْعُلْيَا، أَوْ لِأَنَّ الْعِلْمَ وَالْجِهَادَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ يَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ، وَقَدْ يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ، أَوْ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِبَادَةٌ نَفْعُهَا مُتَعَدٍّ إِلَى عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ. (وَمَنْ جَاءَ لِغَيْرِ ذَلِكَ) ، أَيْ: لِغَيْرِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْخَيْرِ، وَهُوَ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ الَّذِي يَشْمَلُ الصَّلَاةَ وَالِاعْتِكَافَ وَالزِّيَارَةَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يُوهِمُ أَنَّ الصَّلَاةَ دَاخِلَةٌ فِي الْغَيْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَفْرُوغٌ عَنْهَا وَأَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ أَصْلِ الْكَلَامِ. ( «فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى مَتَاعِ غَيْرِهِ» ) ، أَيْ: فَهُوَ مُتَحَسِّرٌ مَحْرُومٌ عَمَّا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالثَّنَاءِ الْجَمِيلِ، وَفِي الْعُقْبَى مِنَ الدَّرَجَاتِ وَالْجَزَاءِ الْجَزِيلِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ حَالَةَ مَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ وَالتَّعْلِيمِ، بِحَالَةِ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى مَتَاعِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَقْصِدْ تَمَلُّكَهُ بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ فَإِنَّ ذَلِكَ مَحْظُورٌ، وَكَذَلِكَ إِتْيَانُ الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ مَا بُنِيَ مَحْظُورٌ، وَلَاسِيَّمَا مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اهـ. لَكِنَّ كَوْنَ النَّظَرِ الْمُجَرَّدِ إِلَى مَتَاعِ الْغَيْرِ مَحْظُورًا مَحَلُّ نَظَرٍ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ تَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: إِنَّ الْمَحْظُورَ الْمُحَرَّمُ وَلَا حُرْمَةَ هُنَا، بَلْ يَجُوزُ النَّظَرُ لِمَتَاعِ الْغَيْرِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ تَمَلُّكَهُ مَا لَمْ يَكُنْ بِإِشْرَافٍ، مِنْ كَوَّةٍ وَنَحْوِهَا، وَلِمَا نَقَلَ النَّوَوِيُّ قَوْلَ الْإِحْيَاءِ: لَوْ سُقِّفَ الْمَسْجِدُ، بِحَرَامٍ حُرِّمَ الْجُلُوسُ تَحْتَهُ، لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِالْحِرَامِ، قَالَ: فِيهِ نَظَرٌ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ الْقُعُودُ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الِانْتِفَاعِ بِضَوْءِ سِرَاجِ غَيْرِهِ، وَالنَّظَرِ فِي مِرْآتِهِ إِذَا لَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْهِمَا، وَهُمَا جَائِزَانِ بِلَا خِلَافٍ، وَقَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ إِلَخْ، مَمْنُوعٌ أَيْضًا فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا لَمْ يُبْنَ لَهُ دُخُولُهُ لِنَحْوِ الْمُرُورِ وَالنَّوْمِ بِهِ، وَلَا حَظْرَ فِي ذَلِكَ اهـ. وَالْمُرَادُ بِالْحَظْرِ الْحُرْمَةُ، وَإِلَّا فَالْمُرُورُ مَكْرُوهٌ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةِ بِلَا خِلَافٍ، وَالنَّوْمُ فِيهِ تَفْصِيلٌ كَمَا سَبَقَ، لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ لَا مُحَرَّمٌ بِالْإِجْمَاعِ، (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ ) .

стр. 1173

٧٤٣ - وَعَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكُونُ حَدِيثُهُمْ فِي مَسَاجِدِهِمْ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُمْ، فَلَا تُجَالِسُوهُمْ ; فَلَيْسَ لِلَّهِ فِيهِمْ حَاجَةٌ» ) ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ. ــ ٧٤٣ - (وَعَنِ الْحَسَنِ) ، أَيِ: الْبَصْرِيِّ (مُرْسَلًا) : إِذْ هُوَ تَابِعِيٌّ [قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكُونُ حَدِيثُهُمْ» ) ، أَيْ: كَلَامُهُمْ وَمُحَادَثَتُهُمْ ( «فِي مَسَاجِدِهِمْ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُمْ» ) : وَهِيَ: مَوْضُوعَةٌ لِأَمْرِ دِينِهِمْ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: الْكَلَامُ الْمُبَاحُ فِي الْمَسْجِدِ مَكْرُوهٌ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ (فَلَا تُجَالِسُوهُمْ) ، أَيْ: هَؤُلَاءِ النَّاسَ الْمَوْصُوفِينَ بِمَا ذُكِرَ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ الْإِطْلَاقَ وَالتَّقْيِيدَ بِالْمَسْجِدِ (فَلَيْسَ لِلَّهِ فِيهِمْ) ، أَيْ: فِي إِتْيَانِهِمْ إِلَى الْمَسْجِدِ وَعِبَادَتِهِمْ فِيهِ (حَاجَةٌ) : هِيَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ قَبُولِ طَاعَتِهِمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ بَرَاءَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَخُرُوجِهِمْ عَنْ ذِمَّةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَإِلَّا فَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَاجَةِ مُطْلَقًا، وَفِيهِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لِأَجْلِ ظُلْمِهِمْ وَوَضْعِهِمُ الشَّيْءَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ; لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَمْ يُبْنَ إِلَّا لِلْعِبَادَاتِ، قُلْتُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَلَيْسَ لِأَهْلِ اللَّهِ فِي مُجَالَسَتِهِمْ حَاجَةٌ، (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ ) .

стр. 1174

٧٤٤ - وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ﵁، قَالَ: كُنْتُ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ، فَحَصَبَنِي رَجُلٌ، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهَذَيْنِ فَجِئْتُهُ بِهِمَا فَقَالَ مِمَّنْ أَنْتُمَا - أَوْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا -؟ قَالَا: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ، قَالَ: لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَأَوْجَعْتُكُمَا ; تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٧٤٤ - (وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنْتُ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: قَائِمًا، قَالَ مِيرَكُ: نَقْلًا عَنِ الشَّيْخِ، كَذَا وَقَعَ فِي الْأُصُولِ بِالْقَافِ، وَفِي رِوَايَةٍ: نَائِمًا، وَيُؤَيِّدُهَا رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِلَفْظِ: مُضْطَجِعًا (فَحَصَبَنِي رَجُلٌ) ، أَيْ: رَجَمَنِي بِالْحَصْبَاءِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ (فَنَظَرْتُ، فَإِذَا) وَفِي نُسْخَةٍ بِزِيَادَةِ (هُوَ) ، أَيِ: الرَّجُلُ الْحَاصِبُ (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهَذَيْنِ) ، أَيِ: الرَّجُلَيْنِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا (فَجِئْتُهُ بِهِمَا فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتُمَا؟) أَيْ: مِنْ أَيِّ قَبِيلَةٍ وَجَمَاعَةٍ (أَوْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟) ، أَيْ: مِنْ أَيِّ بَلَدٍ (قَالَا: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ) : وَهُوَ يَصْلُحُ جَوَابًا لِكُلٍّ مِنَ السُّؤَالَيْنِ (قَالَ: لَوْ كُنْتُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَأَوْجَعْتُكُمَا) : إِذْ لَا عُذْرَ لَكُمَا حِينَئِذٍ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، يَعْنِي: أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَعْرِفُونَ حُرْمَةَ مَسْجِدِهِ ﵇ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَلَا يُسَامَحُونَ مُسَامَحَةَ الْغُرَبَاءِ، إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا قَرِيبِي الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ، وَبِمَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ، قَالَ مِيرَكُ: وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ جَلْدًا أَيْ ضَرْبًا بِالْجَلْدِ، وَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ تَبَيَّنَ كَوْنُ هَذَا الْحَدِيثِ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ ; لِأَنَّ عُمَرَ لَا يَتَوَعَّدُهُمَا بِالْجَلْدِ إِلَّا عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرٍ تَوْقِيفِيٍّ، (تَرْفَعَانِ) : جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْبَيَانِ، وَقِيلَ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ كَأَنَّهُمَا قَالَا: لِمَ تُرَجِّعُنَا ; قَالَ: لِأَنَّكُمَا تَرْفَعَانِ، وَقَوْلُهُ: (أَصْوَاتَكُمْ) : قَالَ الْمَالِكِيُّ: الْمُضَافُ الْمُثَنَّى مَعْنًى إِذَا كَانَ جُزْءَ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ يَجُوزُ إِفْرَادُهُ نَحْوُ: أَكَلْتُ رَأْسَ شَاتَيْنِ، وَجَمْعُهُ أَجْوَدُ نَحْوُ: (صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) ، وَالتَّثْنِيَةُ مَعَ أَصَالَتِهَا قَلِيلَةُ الِاسْتِعْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُزْأَهُ، فَالْأَكْثَرُ مَجِيئُهُ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ نَحْوِ: سَلَّ الزَّيْدَانِ سَيْفَيْهِمَا، وَإِنْ أُمِنَ اللَّبْسُ جَازَ جَعْلُ الْمُضَافِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ كَمَا فِي: يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَفِيهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَصْوَاتِ هُنَا الْجَمْعُ حَقِيقَةً إِذْ لِكُلِّ حَرْفٍ صَوْتٌ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟) ، أَيْ: خُصُوصًا إِذْ مَعَ شَرَافَتِهِ لَهُ زِيَادَةُ مَزِيَّةٍ أَنَّهُ ﵇ فِي قَبْرِهِ حَيٌّ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] ، قَالَ النَّوَوِيُّ: يُكَرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ بِالْعِلْمِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ بِالْعِلْمِ ; فَقَالَ: لَا خَيْرَ فِيهِ بِعَلَمٍ وَلَا بِغَيْرِهِ، وَلَقَدْ أَدْرَكْتُ النَّاسَ قَدِيمًا يَعِيبُونَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَكُونُ بِمَجْلِسِهِ، وَأَنَا أَكْرَهُ ذَلِكَ، وَلَا أَدْرِي فِيهِ خَيْرًا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا رَافِعًا صَوْتَهُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ أَنْتَ ; قَالَ وَقَالَ قَوْمٌ: لَا كَرَاهِيَةَ فِيهِ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ، وَاحْتَجُّوا بِمَا مَرَّ فِي الْوُضُوءِ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: ( «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» ) ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْمَسْجِدِ، بَلْ سِيَاقُهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمْ كَانُوا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، نَعَمْ صَحَّ «عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَابْنِ أَبِيِ حَيْدَرٍ فِي دَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ أَنَّهَا ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فِي الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمَا ﵇، وَقَالَ: ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ الشَّطْرَ» ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ ﵇ تَرَكَ الْإِنْكَارَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْكَرَاهِيَةِ اهـ، كَلَامُهُ. وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا نِسْبَةُ نَفْيِ مُطَلَّقِ الْكَرَاهِيَةِ إِلَى الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ، وَهُوَ افْتِرَاءٌ عَلَيْهِ إِذْ مَذْهَبُهُ كَرَاهِيَةُ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ بِالذِّكْرِ، نَعَمْ جَوَّزَ التَّدْرِيسَ فِي الْمَسْجِدِ وَالْبَحْثِ فِيهِ، حَيْثُ لَمْ يُشَوِّشْ عَلَى الْمُصَلِّينَ أَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُصَلُّونَ، وَمِنْهَا: إِسْنَادُ الِاحْتِجَاجِ إِلَيْهِ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، فَإِنَّهُ لَوْ فُرِضَ كَوْنُهُ فِي الْمَسْجِدِ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى نَفْيِ الْكَرَاهِيَةِ مُطْلَقًا إِذْ لَيْسَ فِيهِ مَا يُشْعِرُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، وَعَلَى التَّسْلِيمِ فِي الْمُنْكَرِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ بِرَفْعِ الصَّوْتِ لَا يُكْرَهُ إِجْمَاعًا، وَمِنْهَا: جَوَابُهُ عَنْ حَدِيثِ كَعْبٍ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا قَبْلَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ [الحجرات: ٢] الْآيَةَ، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 1175

٧٤٥ - وَعَنْ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: بَنَى عُمَرُ رَحَبَةً فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ تُسَمَّى الْبُطَيْحَاءَ، وَقَالَ: مَنْ كَانَ - يُرِيدُ أَنَّ يَلْغَطَ، أَوْ يُنْشِدَ شِعْرًا أَوْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ ; فَلْيَخْرُجْ إِلَى هَذِهِ الرَّحَبَةِ، رَوَاهُ فِي الْمُوَطَّأِ. ــ ٧٤٥ - (وَعَنْ مَالِكٍ) : الْمُرَادُ بِهِ الْإِمَامُ صَاحِبُ الْمَذْهَبِ (قَالَ: بَنَى عُمَرُ ﵁ رَحَبَةً فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ) : أَيْ: فَضَاءً فِي خَارِجِ الْمَسْجِدِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: رَحَبَةُ الْمَكَانِ - وَتُسْكَنُ - سَاحَتُهُ وَمُتَّسَعُهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الرَّحَبَةُ بِالْفَتْحِ الصَّحْرَاءُ بَيْنَ أَفَنِيَةِ الْقَوْمِ، وَرَحَبَةُ الْمَسْجِدِ سَاحَتُهُ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ: لَيْسَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَدْخُلَ رَحَبَةَ مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ مُتَّصِلَةً كَانَتْ أَوْ مُنْفَصِلَةً، وَتَحْرِيكُ الْحَاءِ أَحْسَنُ اهـ، وَفِيهِ وَأَمَّا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁، وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَحَبَةِ الْكُوفَةِ، فَإِنَّهَا دُكَّانٌ وَسَطَ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، كَانَ عَلِيٌّ رِضَى اللَّهُ عَنْهُ يَقْعُدُ فِيهِ وَيَعِظُ (تُسَمَّى) ، أَيْ: تِلْكَ الرَّحَبَةُ (الْبُطَيْحَاءَ) : وَلَعَلَّهَا فُرِشَ فِيهَا الْبَطْحَاءُ (وَقَالَ) ، أَيْ: عُمَرُ (مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَلْغَطَ) : اللَّغَطُ: صَوْتٌ وَضَجَّةٌ لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْمُرَادُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَا لَا يَعْنِيهِ (أَوْ يُنْشِدُ شِعْرًا) ، أَيْ: لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: شِعْرًا مَذْمُومًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ ; لِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ مُطْلَقًا (أَوْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ) : وَلَوْ بِالذِّكْرِ (فَلْيَخْرُجْ إِلَى هَذِهِ الرَّحَبَةِ) : فَإِنَّ الْأَمْرَ فِيهَا أَسْهَلُ وَأَهْوَنُ (رَوَاهُ) ، أَيْ: مَالِكٌ (فِي الْمُوَطَّأِ) : بِالْهَمْزِ وَالْأَلِفِ، وَقَدْ سَبَقَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى مِثْلِ صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ هَذَا، وَكَانَ حَقُّهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنْ يَقُولَ: وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ بَنَى رَحَبَةً، ثُمَّ يَقُولَ: رَوَاهُ مَالِكٌ.

стр. 1176

٧٤٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «رَأَى النَّبِيُّ ﷺ نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهَا بِيَدِهِ، فَقَالَ: (إِنَّ أَحَدَكُمْ، إِذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ، وَإِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ; فَلَا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ) ، ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: (أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا» ) ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٧٤٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ نُخَامَةً) : بِالضَّمِّ (فِي الْقِبْلَةِ) ، أَيْ: جِدَارِ الْمَسْجِدِ الَّذِي يَلِي الْقِبْلَةَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الْمِحْرَابَ الَّذِي يُسَمِّيهِ النَّاسُ قِبْلَةً ; لِأَنَّ الْمَحَارِيبَ مِنَ الْمُحْدَثَاتِ بَعْدَهُ ﷺ ، وَمِنْ ثَمَّ ذَكَرَ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ اتِّخَاذَهَا وَالصَّلَاةَ فِيهَا قَالَ الْقُضَاعِيُّ: وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ - يَوْمَئِذٍ عَامِلٌ لِلْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلَكِ عَلَى الْمَدِينَةِ لَمَّا أَسَّسَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ وَهَدَمَهُ، وَزَادَ فِيهِ: وَيُسَمَّى مَوْقِفُ الْإِمَامِ مِنَ الْمَسْجِدِ مِحْرَابًا لِأَنَّهُ أَشْرَفُ مَجَالِسِ الْمَسْجِدِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْقَمَرِ مِحْرَابٌ، لِأَنَّهُ أَشْرَفُ الْمَنَازِلِ، وَقِيلَ: الْمِحْرَابُ مَجْلِسُ الْمَلِكِ سُمِّي بِهِ لِانْفِرَادِهِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ مِحْرَابُ الْمَسْجِدِ لِانْفِرَادِ الْإِمَامِ فِيهِ، وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُحَارِبُ فِيهِ الشَّيْطَانَ قَالَ الطِّيبِيُّ: النُّخَامَةُ الْبُزَاقَةُ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ أَقْصَى الْحَلْقِ، وَمِنْ مَخْرَجِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ الْآتِي: فَلَا يَبْزُقَنَّ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: مِنْ أَقْصَى الْحَلْقِ غَيْرُ صَحِيحٍ إِذِ الْخَاءُ الْمُعْجَمَةُ مَخْرَجُهَا أَدَقُّ الْحَلْقِ، وَقَالَ فِي الْمُغْرِبِ: النُّخَاعَةُ وَالنُّخَامَةُ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْخَيْشُومِ عِنْدَ التَّنَحْنُحِ، وَفِي الْقَامُوسِ: النُّخَاعَةُ وَالنُّخَامَةُ أَوْ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْخَيْشُومِ، (فَشَقَّ) ، أَيْ: صَعُبَ (ذَلِكَ) ، أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ رُؤْيَةِ النُّخَامَةِ (عَلَيْهِ حَتَّى رُئِيَ) ، أَيْ: أَثَرُ الْمَشَقَّةِ إِلَى وَجْهِهِ) : وَهُوَ مَجْهُولُ رَأْيٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ الَّذِي أُقِيمَ مَقَامَ الْفِعْلِ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنَى قَوْلِهِ: فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْكَرَاهِيَةُ (فَقَامَ) ، بِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ (فَحَكَّهُ بِيَدِهِ) : اللَّطِيفَةِ عِوَضًا مِنْ أُمَّتِهِ الضَّعِيفَةِ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ سَيِّدَ الْقَوْمِ خَادِمُهُمْ، وَتَوَاضُعًا لِرَبِّهِ جَلَّ حَقُّهُ، وَمَحَبَّةً لِبَيْتِهِ [فَقَالَ: ( «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ» ) ، أَيْ: دَخَلَ فِيهَا سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ (فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ) ، أَيْ: يُخَاطِبُهُ بِلِسَانِ الْقَائِلِ كَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَبِلِسَانِ الْحَالِ كَأَنْوَاعِ أَحْوَالِ الِانْتِقَالِ، وَلِذَا قِيلَ: الصَّلَاةُ مِعْرَاجُ الْمُؤْمِنِ ( «وَإِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ» ) : فِي شَرْحِ السُّنَّةِ مَعْنَاهُ: أَنْ يَقْصِدَ رَبَّهُ تَعَالَى بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَيَصِيرُ بِالتَّقْدِيرِ كَانَ مَقْصُودٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَأَمَرَ أَنْ تُصَانَ تِلْكَ الْجِهَةُ عَنِ الْبَزَّارِ نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ. (فَلَا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ) : أَيْ: جِهَةَ (قِبْلَتِهِ) : لِأَنَّهُمَا أَشْرَفُ الْجِهَاتِ، وَالْبُزَاقُ إِلَى الْقِبْلَةِ دَائِمًا مَمْنُوعٌ فَالشَّرْطِيَّةُ لِإِفَادَةِ زِيَادَةِ الْقُبْحِ (وَلَكِنْ) ، أَيْ: لِيَبْصُقْ (عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ) ، أَيِ: الْيَسَارِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الْأَمْرُ بِالْبُصَاقِ عَنْ يَسَارِهِ وَتَحْتَ قَدَمِهِ فِيمَا إِذَا كَانَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يَبْصُقُ إِلَّا فِي ثَوْبِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى شَيْءٍ لَهُ مَفْرُوشٍ فِيهِ، فَلَهُ الْبُزَاقُ عَلَيْهِ فِي جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ أَنَّ الْبُزَاقَ إِنَّمَا يَنْزِلُ عَلَى فِرَاشِهِ، وَلَا يُصِيبُ أَجْزَاءَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ شَيْءٌ. وَمَا ذَكَرَهُ مَفْهُومٌ مِنِ انْطِلَاقِ قَوْلِهِ: إِلَّا فِي ثَوْبِهِ، فَلَيْسَ فِيهِ نَظَرٌ صَحِيحٌ كَمَا هُوَ صَرِيحٌ، فَتَأَمَّلْ، وَتَصْوِيرُهُ ﵇ بِأَخْذِ رِدَائِهِ وَالِاقْتِصَادِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَفْرِشُونَ تَحْتَهُمْ مِنْ ثِيَابِهِمْ شَيْئًا. (ثُمَّ أَخَذَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ) ، أَيْ: بَزَقَ فِيهِ (ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ) ، أَيْ: بَعْضَ رِدَائِهِ (عَلَى بَعْضٍ فَقَالَ: أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا) ، أَيْ: مِثْلَ هَذَا الَّذِي فَعَلْتُهُ، وَإِذَا فَعَلَ فَلْيَكُنْ فِي جِهَةِ الْيُسْرَى، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ) .

стр. 1177

٧٤٧ - وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ ﵁، - وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -، فَقَالَ «إِنْ رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا، فَبَصَقَ فِي الْقِبْلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِقَوْمِهِ حِينَ فَرَغَ: (لَا يُصَلِّي لَكُمْ) ، فَأَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّيَ لَهُمْ، فَمَنَعُوهُ، فَأَخْبَرُوهُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: نَعَمْ، وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّكَ قَدْ آذَيْتَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» ) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٧٤٧ - (وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ - هُوَ: وَفِي نُسْخَةٍ: وَهُوَ (رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ) : وَلَعَلَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ مَشَاهِيرِ الصَّحَابَةِ، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اخْتُلِفَ فِي صُحْبَتِهِ (قَالَ: إِنَّ رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا) ، أَيْ: صَلَّى بِهِمْ إِمَامًا، وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا وَفْدًا (فَبَصَقَ فِي الْقِبْلَةِ) ، أَيْ: فِي جِهَتِهَا (وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ، أَيْ: يُطَالِعُ فِيهِ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِقَوْمِهِ) : لَمَّا رَأَى مِنْهُ قِلَّةَ الْأَدَبِ [حِينَ فَرَغَ: لَا يُصَلِّي لَكُمْ) : بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَصْلُ الْكَلَامِ لَا تُصَلِّ لَهُمْ، فَعَدَلَ إِلَى النَّفْيِ لِيُؤْذِنَ بِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ، وَإِنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مُنَافَاةً، وَأَيْضًا فِي الْإِعْرَاضِ عَنْ غَضَبٍ شَدِيدٍ، حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْهُ مَحَلًّا لِلْخِطَابِ، وَكَانَ هَذَا النَّهْيُ فِي غَيْبَتِهِ (فَأَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّيَ لَهُمْ ; فَمَنَعُوهُ) : فَسَأَلَ عَنْ سَبَبِ الْمَنْعِ (فَأَخْبَرُوهُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ) ، أَيِ: الرَّجُلُ (ذَلِكَ) ، أَيْ: مَنَعَ الْقَوْمُ إِيَّاهُ عَنِ الْإِمَامَةِ (لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : وَقَالَ: ذَكَرُوا أَنَّكَ مَنَعْتَنِي عَنِ الْإِمَامَةِ بِهِمْ، أَكَذَلِكَ هُوَ؟ (فَقَالَ) ، أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (نَعَمْ) : أَنَا أَمَرْتُهُمْ بِذَلِكَ (وَحَسِبْتُ) ، أَيْ: قَالَ الرَّاوِي وَظَنَنْتُ (أَنَّهُ) ، أَيِ: الرَّسُولُ ﷺ (قَالَ) ، أَيْ: لَهُ زِيَادَةٌ عَلَى نَعَمْ (إِنَّكَ قَدْ آذَيْتَ) ، أَيْ: (خَالَفْتَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) : وَفِيهِ تَشْدِيدٌ عَظِيمٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧] وَذُكِرَ اللَّهُ تَعَالَى لِلتَّبَرُّكِ، أَوْ لِبَيَانِ أَنَّ إِيذَاءَ رَسُولِهِ لِمُخَالَفَةِ نَهْيِهِ - لَاسِيَّمَا بِحَضْرَتِهِ - مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ إِيذَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَهَذَا مِنْهُ مَبْنِيُّ عَلَى جَعْلِ الْإِيذَاءِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ قَالَ مِيرَكُ. ثُمَّ قَالَ: وَالْحَدِيثُ السَّائِبُ بْنُ خَلَّادٍ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ الظُّهْرَ، فَتَفَلَ بِالْقِبْلَةِ وَهُوَ يُصَلِّي لِلنَّاسِ، فَلَمَّا كَانَ صَلَاةُ الْعَصْرِ أَرْسَلَ إِلَى آخَرَ فَأَشْفَقَ الرَّجُلُ الْأَوَّلُ، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ؟ قَالَ: (لَا، وَلَكِنَّكَ تَفَلْتَ بَيْنَ يَدَيْكَ وَأَنْتَ تَؤُمُّ النَّاسَ، فَآذَيْتَ اللَّهَ وَالْمَلَائِكَةَ» ) ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.

стр. 1178

٧٤٨ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁، قَالَ: «احْتَبَسَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، حَتَّى كِدْنَا نَتَرَاءَى عَنِ الشَّمْسِ، فَخَرَجَ سَرِيعًا فَثُوِّبَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ دَعَا بِصَوْتِهِ، فَقَالَ لَنَا: (عَلَى مَصَافِّكُمْ كَمَا أَنْتُمْ) ، ثُمَّ انْفَتَلَ إِلَيْنَا ثُمَّ قَالَ: (أَمَا إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمُ الْغَدَاةَ: إِنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَوَضَّأْتُ وَصَلَّيْتُ مَا قُدِّرَ لِي، فَنَعَسْتُ فِي صَلَاتِي حَتَّى اسْتَثْقَلْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي ﵎ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! قُلْتُ لَبَّيْكَ رَبِّ! ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي، قَالَهَا ثَلَاثًا) ، قَالَ: (فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ! قَالَ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ; قُلْتُ: فِي الْكَفَّارَاتِ، قَالَ: وَمَا هُنَّ؟ قُلْتُ: مَشْيُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ، وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، وَإِسْبَاغُ الْوَضُوءِ حِينَ الْكَرِيهَاتِ، قَالَ: ثُمَّ فِيمَ قُلْتُ: فِي الدَّرَجَاتِ، قَالَ: وَمَا هُنَّ؟ قُلْتُ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَلِينُ الْكَلَامِ، وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، قَالَ: سَلْ، قَالَ: قُلْتُ اللَّهُمَّ إِنَّهُ أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ وَأَنْ تَغْفِرَ لِي. وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً فِي قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وَأَسْأَلُكَ حَبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يَحْبُكُ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ) فَـ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا ثُمَّ تَعَلَّمُوهَا» ) ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ. ــ ٧٤٨ - (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: احْتَبَسَ) : بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ، وَرُوِيَ مَجْهُولًا (عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ) أَيْ يَوْمًا أَوْ صَاحِبَةِ غَدَاةٍ، وَهِيَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى الزَّاوَلِ، أَيْ: سَاعَةً مِنْ أَوَّلِهَا (عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ) : بَدَلُ اشْتِمَالٍ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ (حَتَّى كِدْنَا) ، أَيْ: قَارَبْنَا (نَتَرَاءَى عَيْنَ الشَّمْسِ) : وُضِعَ مَوْضِعَ نَرَى لِلْجَمْعِ قَالَ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إِلَى ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ كَثْرَةِ الِاعْتِنَاءِ بِالْفِعْلِ، وَسَبَبُ تِلْكَ الْكَثْرَةِ خَوْفُ طُلُوعِهَا الْمُفَوِّتِ لِأَدَاءِ الصُّبْحِ (فَخَرَجَ سَرِيعًا) ، أَيْ: مُسْرِعًا أَوْ خُرُوجًا سَرِيعًا (فَثُوِّبَ) ، أَيْ: أُقِيمُ (بِالصَّلَاةِ) : وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، أَيْ: أَقَامَهَا مُوهِمٌ (فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَجَوَّزَ) ، أَيْ: خَفَّفَ وَاقْتَصَرَ عَلَى خِلَافِ عَادَتِهِ - سِيَّمَا فِي الصُّبْحِ - لِمَا يَقْتَضِيهِ الْوَقْتُ (فِي صَلَاتِهِ) ، أَيْ: مَعَ أَدَاءِ الْأَرْكَانِ (فَلَمَّا سَلَّمَ دَعَا) ، أَيْ: نَادَى (بِصَوْتِهِ فَقَالَ لَنَا) ، أَيْ: رَفَعَ صَوْتَهُ بِقَوْلِهِ لَنْا (عَلَى مَصَافِّكُمْ) ، أَيِ: اثْبُتُوا عَلَيْهَا جَمْعُ مَصَفٍّ، وَهُوَ مَوْضِعُ الصَّفِّ (كَمَا أَنْتُمْ) ، أَيْ: عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، أَوْ ثُبُوتًا مِثْلَ الثُّبُوتِ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ قَبْلَ النِّدَاءِ مِنْ غَيْرِ تَغَيُّرٍ وَتَقَدُّمٍ وَتَأْخِيرٍ (ثُمَّ انْفَتَلَ) ، أَيِ: انْصَرَفَ مِنَ الصَّلَاةِ، أَوْ أَقْبَلَ مِنَ الْقِبْلَةِ [إِلَيْنَا، ثُمَّ قَالَ: (أَمَا)

стр. 1179

بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ) : السِّينُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ (مَا حَبَسَنِي عَنْكُمْ) مَا: مَوْصُولَةٌ (الْغَدَاةَ) : نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ (إِنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ) ، أَيْ: بَعْضَهُ (فَتَوَضَّأْتُ وَصَلَّيْتُ مَا قُدِّرَ) ، أَيْ: مِقْدَارَ مَا قُدِّرَ أَوْ يُسِّرَ (لِي) : مِنْ صَلَاةٍ (" فَنَعَسْتُ ") ، بِالْفَتْحِ مِنَ النُّعَاسِ، وَهُوَ النَّوْمُ الْقَلِيلُ التَّهَجُّدِ (فِي صَلَاتِي حَتَّى اسْتَثْقَلْتُ) : بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ أَوِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: غَلَبَ عَلَيَّ النُّعَاسُ أَوْ بِرَجَاءِ الْوَحْيِ (فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي) : إِذْ لِلْمُفَاجَأَةِ، أَيْ: فَاجَأَ اسْتِثْقَالِي رُؤْيَتِي (تَبَارَكَ وَتَعَالِي) : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّنْزِيهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ (فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ) ، أَيْ: صِفَةٍ، أَوْ كَانَ التَّجَلِّي ضَرُورِيًّا أَوْ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ كَمَا سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ فِي النَّوْمِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! قُلْتُ لَبَّيْكَ) ، أَيْ: إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ، وَإِطَاعَةً بَعْدَ إِطَاعَةٍ، إِيمَاءً إِلَى دَوَامِ الْعُبُودِيَّةِ، وَالْقِيَامِ بِالْعِبَادَةِ فِي حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ (رَبِّ) : بِحَذْفِ النِّدَاءِ وَيَاءِ الْإِضَافَةِ (قَالَ: فِيمَ) : مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةُ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا حَرْفُ الْجَرِّ حُذِفَ أَلِفُهَا (يَخْتَصِمُ) ، أَيْ: يَبْحَثُ (الْمَلَأُ الْأَعْلَى) ، أَيِ: الْأَشْرَافُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ (قُلْتُ: لَا أَدْرِي قَالَهَا ثَلَاثًا) ، أَيْ: قَالَ تَعَالَى هَذِهِ الْمَقُولَةَ الْمُتَرَتِّبَ عَلَيْهَا جَوَابُهَا ثَلَاثًا، وَأَجَبْتُ عَنْهَا: بِلَا أَدْرَى تَأْكِيدًا لِلِاعْتِرَافِ بِعَدَمِ الْعِلْمِ، وَفِي تَأْخِيرِ " قَالَهَا ثَلَاثًا " إِلَى مَا قَرَّرْنَاهُ (قَالَ: (فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ) : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنْ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ (حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ) ، أَيْ: لَذَّةَ آثَارِهِ (بَيْنَ ثَدْيَيَّ) ، أَيْ: فِي صَدْرِي أَوْ قَلْبِي (فَتَجَلَّى) ، أَيِ: انْكَشَفَ وَظَهَرَ (لِي كُلُّ شَيْءٍ) ، أَيْ: مِمَّا أَذِنَ اللَّهُ فِي ظُهُورِهِ لِيَ مِنَ الْعَوَالِمِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ مُطْلَقًا، أَوْ مِمَّا يَخْتَصِمُ بِهِ الْمَلَأُ الْأَعْلَى خُصُوصًا (وَعَرَفْتُ) : حَقِيقَةَ الْأَمْرِ، وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، أَيْ: عَرَفْتُهُ عِيَانًا يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ) ، أَيْ: أَوَّلًا وَآخِرًا ( «قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: فِي الْكَفَّارَاتِ» ) ، أَيْ: لِلسَّيِّئَاتِ (قَالَ: مَا هُنَّ؟) ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: (وَمَا هُنَّ) ، بِزِيَادَةِ الْوَاوِ (قُلْتُ: مَشْيُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ) ، أَيْ: لِلصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ (وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ) أَيِ الَّتِي هِيَ رَوْضَاتُ الْجَنَّاتِ (بَعْدَ الصَّلَوَاتِ) ، أَيِ: الْمُقْتَضَيَاتُ (وَإِسْبَاغُ الْوَضُوءِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَيُضَمُّ، أَيْ: إِكْمَالُهُ (حِينَ الْكَرِيهَاتِ) ، أَيْ: وَقْتَ الْمَكْرُوهَاتِ مِنْ أَيَّامِ الْبُرُودَاتِ أَوْ أَزْمِنَةِ الْغَلَاءِ فِي ثَمَنِ الْمَاءِ (قَالَ: ثُمَّ فِيمَ؟) : أَيْ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى أَيْضًا وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَقْدِيمِ الْكَفَّارَاتِ، (قُلْتُ:) وَفِي نُسْخَةٍ قَالَ: قُلْتُ: (فِي الدَّرَجَاتِ) ، أَيْ: فِي دَرَجَاتِ الْجَنَّاتِ الْعَالِيَاتِ (قَالَ: وَمَا هُنَّ؟) بِالْوَاوِ (قُلْتُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: قَالَ: قُلْتُ (إِطْعَامُ الطَّعَامِ) ، أَيْ: إِعْطَاؤُهُ لِلْخَاصِّ وَالْعَامِّ (وَلِينُ الْكَلَامِ) ، أَيْ: لِلَّهِ مَعَ الْأَنَامِ (وَالصَّلَاةُ) ، أَيْ: بِاللَّيْلِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (وَالنَّاسُ نِيَامٌ) الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ وَالنِّيَامُ جَمْعُ نَائِمٍ (قَالَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: ثُمَّ قَالَ (سَلْ) : وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الدَّعَوَاتُ بَعْدَ الطَّاعَاتِ. (قُلْتُ) وَفِي نُسْخَةٍ، قَالَ: قُلْتُ: ( «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ» ) : بِكَسْرِ الْفَاءِ وَقِيلَ بِفَتْحِهَا أَيِ الْمَأْمُورَاتِ (وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ) ﷺ أَيِ: الْمَنْهِيَّاتِ (وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ) : يَحْتَمِلُ الْإِضَافَتَيْنِ، وَالْأَنْسَبُ بِمَا قَبْلَهُ إِضَافَتُهُ إِلَى الْمَفْعُولِ (وَأَنْ تَغْفِرَ لِي) : مَا فَرَطَ مِنِّي مِنْ

стр. 1180

السَّيِّئَاتِ (وَتَرْحَمَنِي) : بِقَبُولِ مَا صَدَرَ عَنِّي مِنَ الْعِبَادَاتِ (وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً) ، أَيْ: ضَلَالَةً أَوْ عُقُوبَةً (فِي قَوْمٍ) ، أَيْ: جَمْعٍ أَوْ قَبِيلَةٍ (فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ) ، أَيْ: وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى طَلَبِ الْعَافِيَةِ وَاسْتِدَامَةِ السَّلَامَةِ إِلَى حُسْنِ الْخَاتِمَةِ (وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: أَسْأَلُكَ حُبَّكَ إِيَّايَ، أَوْ حُبِّيَ إِيَّاكَ، أَقُولُ: وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَوَّلَ أَكْمَلُ فَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] قَالَ الطِّيبِيُّ: وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُهُ: (وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ) : وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْإِضَافَةَ هُنَا إِلَى الْمَفْعُولِ أَنْسَبُ لِأَنَّهُ إِلَى التَّوَاضُعِ أَقْرَبُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَمَّا قَوْلُهُ (وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ) : فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ طَالِبٌ لِمَحَبَّتِهِ لِيَعْمَلَ حَتَّى يَكُونَ وَسِيلَةً إِلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ إِيَّاهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى أَقْصَى مَا يُمْكِنُ مِنَ الْمَحَبَّةِ فِي الطَّرَفَيْنِ، وَلَعَلَّ السِّرَّ فِي تَسْمِيَتِهِ بِحَبِيبِ اللَّهِ لَا يَخْلُو مِنْ هَذَا الْقَوْلِ اهـ. وَقَوْلُهُ: لَا يَخْلُو ظَاهِرٌ، وَلَا يَخْلُو مِنِ احْتِمَالٍ آخَرَ، [فَـ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّهَا) أَيْ: هَذِهِ الرُّؤْيَا (حَقٌّ) ، رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ، فَادْرُسُوهَا، أَيْ فَاحْفَظُوا أَلْفَاظَهَا الَّتِي ذَكَرْتُهَا لَكُمْ فِي ضِمْنِهَا، أَوْ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ حَقٌّ فَادْرُسُوهَا، أَيِ: اقْرَءُوهَا ثُمَّ تَعَلَّمُوهَا أَيْ مَعَانِيَهَا الدَّالَّةَ هِيَ عَلَيْهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: لِتَعْلَمُوهَا فَحَذَفَ اللَّامَ أَيْ لَامَ الْأَمْرِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، أَيْ لِذَاتِهِ، صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: أَوْ صَحِيحٌ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ التَّرْدِيدِ، أَيْ لِلتَّنْوِيعِ يَعْنِي هُوَ عِنْدَ قَوْمٌ حَسَنٌ، وَعِنْدَ آخَرِينَ صَحِيحٌ، وَيُؤَيِّدُهُ سُؤَالُهُ الْبُخَارِيَّ وَجَوَابُهُ الْآتِي. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ لَهُ إِسْنَادَانِ، هُوَ بِأَحَدِهِمَا حَسَنٌ وَبِالْآخَرِ صَحِيحٌ، أَوْ أَرَادَ بِالْحُسْنِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيَّ وَهُوَ مَا تَمِيلُ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَلَا تَأْبَاهُ، وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ أَيِ الْبُخَارِيَّ صَاحِبَ الصَّحِيحِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَيْ إِسْنَادِهِ فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

стр. 1181

٧٤٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) ، قَالَ [فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ، قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفِظَ سَائِرَ الْيَوْمِ» ) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٧٤٩ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ) أَيْ: أَرَادَ دُخُولَهُ عِنْدَ وُصُولِ بَابِهِ (أَعُوذُ) أَيْ: أَعْتَصِمُ وَأَلْتَجِئُ (بِاللَّهِ الْعَظِيمِ) ، أَيْ: ذَاتًا وَصِفَةً (وَبِوَجْهِهِ) أَيْ: ذَاتِهِ (الْكَرِيمِ) ، أَيِ الْمُحْسِنِ إِلَى عِبَادِهِ فَضْلًا عَنْ عِبَادِهِ وَسُلْطَانِهِ؛ أَيْ غَلَبَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَقَهْرِهِ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ خَلْقِهِ (الْقَدِيمِ) أَيِ الْأَزَلِيِّ الْأَبَدِيِّ مِنَ الشَّيْطَانِ مَأْخُوذٌ مِنْ شَطَنَ أَيْ بَعُدَ يَعْنِي: الْمَبْعُودِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، الرَّجِيمِ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَيِ: الْمَطْرُودِ مِنْ بَابِ اللَّهِ أَوِ الْمَشْتُومِ بِلَعْنَةِ اللَّهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خَبَرٌ مَعْنَاهُ الدُّعَاءُ يَعْنِي: اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ وَسْوَسَتِهِ وَإِغْوَائِهِ وَخَطَوَاتِهِ وَخَطَرَاتِهِ وَتَسْوِيلِهِ وَإِضْلَالِهِ، فَإِنَّهُ السَّبَبُ فِي الضَّلَالَةِ، وَالْبَاعِثُ عَلَى الْغَوَايَةِ وَالْجَهَالَةِ، وَإِلَّا فَفِي الْحَقِيقَةِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْهَادِي الْمُضِلُّ - وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ لَمَا تَعَوَّذْتُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ أَحْقَرُ وَأَصْغَرُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّعَوُّذُ مِنْ صِفَاتِهِ وَأَخْلَاقِهِ مِنَ الْحَسَدِ وَالْكِبْرِ وَالْعُجْبِ وَالْغُرُورِ وَالْإِبَاءِ وَالْإِغْوَاءِ (قَالَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ : كَذَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (فَإِذَا) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ الْفَاءُ فَصِيحَةٌ، أَيْ: وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا (قَالَ) أَيْ: قَائِلٌ (ذَلِكَ) ] أَيِ: الْقَوْلُ الْمَذْكُورُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَالَ الْمُؤْمِنُ ذَلِكَ (قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْمِ) ، أَيْ: بَقِيَّتَهُ أَوْ جَمِيعَهُ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ اللَّيْلُ أَوْ يُرَادُ بِالْيَوْمِ مُطْلَقُ الْوَقْتِ وَيَشْمَلُهُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ إِنَّ أُرِيدَ حَفِظُهُ مِنْ جِنْسِ الشَّيَاطِينِ تَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى حِفْظِهِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَخْصُوصٍ كَأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَوْ مِنْ إِبْلِيسَ اللَّعِينِ فَقَطْ بَقِيَ الْحِفْظُ عَلَى عُمُومِهِ وَمَا يَقَعُ مِنْهُ مِنْ إِغْوَاءِ جُنُودِهِ وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَنَّا نَرَى وَنَعْلَمُ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ، وَيَقَعُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ فَتَعَيَّنَ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ وَإِنْ لَمْ أَرَهُ اهـ.

стр. 1182

٧٥٠ - وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِيَ وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» ) ، رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا. ــ ٧٥٠ - (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) : تَابِعِيٍّ مَشْهُورٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ» ) ، أَيْ: لَا تَجْعَلْ قَبْرِي مِثْلَ الْوَثَنِ فِي تَعْظِيمِ النَّاسِ، وَعَوْدِهِمْ لِلزِّيَارَةِ بَعْدَ بَدْئِهِمْ، وَاسْتِقْبَالِهِمْ نَحْوَهُ فِي السُّجُودِ، كَمَا نَسْمَعُ وَنُشَاهِدُ الْآنَ فِي بَعْضِ الْمَزَارَاتِ وَالْمَشَاهِدِ (اشْتَدَّ) : وَفِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ لَامَ الشَّيْطَانِ لِلْعَهْدِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَرِينُهُ الْمُوَكَّلُ عَلَى إِغْوَائِهِ، وَأَنَّ الْقَائِلَ بِبَرَكَةِ مَا ذُكِرَ مِنَ الذِّكْرِ يُحْفَظُ مِنْهُ فِي الْجُمْلَةِ ذَلِكَ الْوَقْتَ يَعْنِي بَعْضَ الْمَعَاصِي، وَتَعْيِينُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَبِهِ يَرْتَفِعُ أَصْلُ الْإِشْكَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، اسْتِئْنَافٌ كَأَنَّهُ قِيلَ: لِمَ تَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: اشْتَدَّ (غَضَبُ اللَّهِ) : تَرَحُّمًا عَلَى أُمَّتِهِ وَتَعَطُّفًا لَهُمْ، قَالَ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إِخْبَارٌ عَمَّا وَقَعَ فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ تَحْذِيرًا لِلْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ مِنْ أَنْ يَفْعَلُوا فِعْلَهُمْ، فَيَشْتَدُّ غَضَبُهُ عَلَيْهِمْ (عَلَى قَوْمٍ) : وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ( «اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» ) ، رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا] ، أَيْ: بِحَذْفِ الصَّحَابِيِّ.

стр. 1183

٧٥١ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵄، قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَحِبُّ الصَّلَاةَ فِي الْحِيطَانِ» . قَالَ بَعْضُ رُوَاتِهِ - يَعْنِي الْبَسَاتِينَ -: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، أَوِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ قَدْ ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ. ٧٥١ - (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵄، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يُسْتَحَبُّ) : بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ (الصَّلَاةُ) ، أَيِ: النَّافِلَةُ أَوْ مُطْلَقًا (فِي الْحِيطَانِ) ، أَيْ: فِي جَنْبِ الْجُدْرَانِ لِئَلَّا يَمُرَّ عَلَيْهِ مَارٌّ، أَوْ لَا يَشْغَلَهُ شَيْءٌ (قَالَ بَعْضُ رُوَاتِهِ - يَعْنِي الْبَسَاتِينَ -) ، لَا شَكَّ أَنَّ الْحِيطَانَ تَجِئُ. بِمَعْنَى الْبَسَاتِينِ، أَمَّا كَوْنُهَا هُنَا مُرَادَّةً فَمَحَلُّ بَحْثٍ، وَقَدْ أَطَالَ ابْنُ حَجَرٍ حِكْمَتَهُ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، قَدْ ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ) .

стр. 1184

٧٥٢ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ بِصَلَاةٍ، وَصَلَاتُهُ فِي مَسْجِدِ الْقَبَائِلِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً، وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُجَمَّعُ فِيهِ بِخَمْسِمِائَةِ صَلَاةٍ، وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَصَلَاتُهُ فِي مَسْجِدِي بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمَائِهِ أَلْفِ صَلَاةٍ» (، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. ــ ٧٥٢ - (وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةُ الرَّجُلِ) ، أَيْ: مُنْفَرِدًا كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ (فِي بَيْتِهِ) : قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَغَيْرُهُ الْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ غَيْرُ النَّافِلَةِ لِقَوْلِهِ ﵇: ( «أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» ) ، نَقَلَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ الْمُضَاعَفَةَ تَعُمُّ النَّافِلَةَ مَعَ كَوْنِهِ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (بِصَلَاةٍ) أَيْ: تُحْسَبُ بِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَلَيْسَ لَهَا مُضَاعِفَةٌ لِأَجْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَإِنْ كَانَ لَهَا مُضَاعَفَةٌ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ مِنْ مَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ أَوْ جَمَاعَةٍ، وَمِنْ حَيْثُ أَنَّ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، (وَصَلَاتُهُ) ، أَيِ: الْفَرْضَ جَمَاعَةً كَذَا قِيلَ، وَالْعُمُومُ أَظْهَرُ (فِي مَسْجِدِ الْقَبَائِلِ) ، أَيْ: مَسْجِدِ الْحَيِّ (بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً) ، أَيْ: بِالْإِضَافَةِ إِلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ لَا مُطْلَقًا لِمَا تَقَدَّمَ (وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُجَمَّعُ فِيهِ) ، أَيْ: يُصَلِّي فِيهِ الْجُمُعَةِ (بِخَمْسِمِائَةِ صَلَاةٍ) ، أَيْ: بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَسْجِدِ الْحَيِّ (وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) ، يَعْنِي: مَسْجِدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ، وَقِيلَ: هُوَ أَقْصَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ لِأَنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ مَكَّةَ، وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ أَبْعَدُ مِنْهُ: لِأَنَّهُ وَقِيلَ لَمْ يَكُنْ وَرَاءَهُ مَوْضِعُ عِبَادَةٍ يُرْحَلُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: لِبُعْدِهِ عَنِ الْأَقْذَارِ وَالْخَبَائِثِ، وَ (الْمَقْدِسِ) الْمُطَهَّرِ عَنْ ذَلِكَ (بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ) ، أَيْ: بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا قَبْلَهُ، وَفِي هَامِشِ أَصْلِ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ، وَعَلَيْهَا نُسْخَةٌ ظَاهِرَةٌ، ( «وَصَلَاتُهُ فِي مَسْجِدِي بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ» ) أَيْ: بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا يَلِيهِ (" «وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ» ) ، أَيْ: بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى ضَرْبِ بَعْضِ الْأَعْدَادِ فِي بَعْضٍ، فَإِنَّهُ يَنْتُجُ مُضَاعَفَةٌ كَثِيرَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ وَافَقَنِي كَمَا سَيَأْتِي كَلَامُهُ، (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ)

стр. 1185

وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّ أَبَا الْخَطَّابِ الدِّمَشْقِيَّ لَمْ يَحْضُرْنِي الْآنَ تَرْجَمَتُهُ، وَلَمْ يُخَرِّجْ لَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ إِلَّا ابْنُ مَاجَهْ، كَذَا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: أَبُو الْخَطَّابِ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ، وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: مَجْهُولُ نَقَلَهَ مِيرَكُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قِيلَ إِنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ; لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ، وَقَدْ يُقَالُ: يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا رَوَوْهُ بِأَنَّ رِوَايَتَهُمْ أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ تَعْدِلُ صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ بِخَمْسٍ، أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، تُحْمَلُ عَلَى أَنَّ هَذَا كَانَ أَوَّلًا، ثُمَّ زِيدَ هَذَا الْمِقْدَارُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةِ، وَكَذَا مَا جَاءَ أَنَّ صَلَاةً فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِأَلْفٍ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ، وَصَلَاةً بِمَسْجِدِهِ ﵇ بِأَلْفِ صَلَاةٍ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، كَانَ أَوَّلًا، ثُمَّ زِيدَ فِيهِمَا فَجَعَلَ الْأَوَّلَ بِخَمْسِينَ أَلْفًا فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ، وَالثَّانِي بِخَمْسِينَ أَلْفًا فِي الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِ مَكَّةَ، بِمِائَةِ أَلْفٍ فِي مَسْجِدِهِ ﵇، وَحِينَئِذٍ فَتَزْدَادُ الْمُضَاعَفَةُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ الْبَابِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ، فَتَأَمَّلْهُ ضَارِبًا مِائَةَ أَلْفٍ فِي خَمْسِينَ أَلْفِ أَلْفٍ، ثُمَّ الْحَاصِلُ فِي خَمْسِينَ أَلْفًا تَجِدْ صِحَّةَ مَا ذَكَرْتُهُ، وَإِيضَاحَ مَا حَرَّرْتُهُ.

стр. 1186

٧٥٣ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلُ؟ قَالَ: (الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ) ، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيْ؟ قَالَ: (ثُمَّ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى) ، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: (أَرْبَعُونَ عَامًا) ؟ . ثُمَّ الْأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ، فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٧٥٣ - - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ! أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ) أَيْ: جُعِلَ مُتَعَبَّدًا لَا أَنَّهُ مَبْنِيٌّ بِجُدْرَانٍ (أَوَّلُ؟) : بِضَمِّ اللَّامِ قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: وَهِيَ ضَمَّةُ بِنَاءٍ لِقِطْعِهِ عَنِ الْإِضَافَةِ مِثْلُ قَبْلُ وَبَعْدُ، وَالتَّقْدِيرُ أَوَّلُ كُلِّ شَيْءٍ، وَيَحُوزُ الْفَتْحُ مَصْرُوفًا وَغَيْرَ مَصْرُوفٍ نَقَلَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَقَوْلُهُ: مَصْرُوفًا أَيْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ; لِأَنَّ الرَّسْمَ مَا يُسَاعِدُهُ هُنَا، وَقَوْلُهُ: غَيْرَ مَصْرُوفٍ أَيْ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَعَدَمِ انْصِرَافِهِ لِوَزْنِ الْفِعْلِ وَالْوَصْفِيَّةِ نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢] ، [قَالَ: (الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ) : فَإِنَّهُ حَدَّدَهُ إِبْرَاهِيمُ ﵇، قُلْتُ: ثُمَّ أَيْ؟ ، قَالَ: ثُمَّ أَيْ؟ ، قَالَ: الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ ﵉ رَفَعَا قَاعِدَةَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بَعْدَمَا انْهَدَمَ، وَزَادَا فِيهِ [قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: (أَرْبَعُونَ عَامًا) : قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: فِيهِ إِشْكَالٌ ; لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ بَنَى الْكَعْبَةَ، وَسُلَيْمَانَ بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ يَعْنِي، وَهُوَ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ بِأَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ عَامٍ عَلَى مَا قَالَهُ أَهْلُ التَّوَارِيخِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ سُلَيْمَانَ هُوَ الَّذِي بَنَى الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى، مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى خِلَالَ ثَلَاثَاهُ، وَالْأَوْجَهُ فِي الْجَوَابِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ الْإِشَارَةَ فِي الْحَدِيثِ إِلَى أَوَّلِ الْبِنَاءِ، وَوَضْعِ أَسَاسِ الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ إِبْرَاهِيمُ أَوَّلَ مَنْ بَنَى الْكَعْبَةَ، وَلَا سُلَيْمَانُ أَوَّلَ مَنْ بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ أَوَّلَ مَنْ بَنَى الْكَعْبَةَ آدَمُ، ثُمَّ انْتَشَرَ وَلَدُهُ فِي الْأَرْضِ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ قَدْ وَضَعَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ بَنَى إِبْرَاهِيمُ الْكَعْبَةَ، قَالَ الشَّيْخُ: قَدْ وَجَدْتُ مَا يَشْهَدُ لَهُ فَذِكْرَ ابْنُ هِشَامٍ فِي كِتَابِ التِّيجَانِ أَنَّ آدَمَ لَمَّا بَنَى الْكَعْبَةَ أَمْرَهُ اللَّهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ) ، وَأَنْ يَبْنِيَهُ فَبَنَاهُ وَنَسَكَ فِيهِ، وَبِنَاءُ آدَمَ لِلْبَيْتِ مَشْهُورٌ اهـ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرَدَ عَلَى هَذَا الْمُسْتَشْكِلِ بِأَنَّهُ جَهِلَ التَّارِيخَ، فَإِنَّ سُلَيْمَانَ مُجَدِّدٌ لَا مُؤَسِّسٌ، وَالَّذِي، أَسَّسَهُ هُوَ يَعْقُوبُ بَعْدَ بِنَاءِ جَدِّهِ إِبْرَاهِيمَ الْكَعْبَةَ بِهَذَا الْمِقْدَارِ، وَاغْتَرَّ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ الْبُسْتِيُّ فِي صَحِيحِهِ بِفَهْمِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ أَنَّ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَدَاوُدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَرَدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ بَيْنَهُمَا أَلْفَ سَنَةٍ وَلَيْسَ كَمَا فَهِمَ، وَقَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ: وَجْهُ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ بُنِيَا قَدِيمًا ثُمَّ خُرِّبَا ثُمَّ بُنِيَا، وَكُلٌّ اسْتُفِيدَ مِنَ الْحَدَثِ أَنَّ مَسْجِدَ مَكَّةَ أَوَّلُ مَسْجِدٍ وُضِعَ بِالْأَرْضِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ بِنَاءٍ وُضِعَ بِهَا، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لِلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦]

стр. 1187

وَسَبَبُ نُزُولِهَا قَوْلُ الْيَهُودِ: (بَيْتُ الْمَقْدِسِ أَفْضَلُ مِنَ الْكَعْبَةِ) ، وَقَوْلُ الْمُسْلِمِينَ عَكْسَهُ فَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ مُطْلَقًا وَعَلَيْهِ فَقِيلَ: هُوَ أَوَّلُ مَا ظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ حِينَ خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ، فَخَلَقَهُ قَبْلَهَا بِأَلْفَيْ عَامٍ وَدَحَاهَا مِنْ تَحْتِهَا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كَانَتِ الْكَعْبَةُ عَلَى الْمَاءِ، عَلَيْهَا مَلَكَانِ يُسَبِّحَانِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ قَبْلَ الْأَرْضِ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وُضِعَ الْبَيْتُ فِي الْمَاءِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ الدُّنْيَا بِأَلْفَيْ سَنَةٍ، ثُمَّ دُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مَوْضِعَ هَذَا الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ شَيْءٌ مِنَ الْأَرْضِ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ، وَأَنَّ قَوَاعِدَهُ لَفِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى، وَقَالَ كَعْبٌ: كَانَتِ الْكَعْبَةُ غُثَاءً عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَمِنْهَا دُحِيَتِ الْأَرْضُ، وَقِيلَ إِنَّ (آدَمَ حِينَ أُهْبِطَ اسْتَوْحَشَ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ ابْنِ لِي بَيْتًا فِي الْأَرْضِ وَاصْنَعْ حَوْلَهُ نَحْوَ مَا رَأَيْتَ الْمَلَائِكَةَ تَصْنَعُ حَوْلَ عَرْشِي فَبَنَاهُ، رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: أُهْبِطَ مَعَ آدَمَ ﵇، فَلَمَّا كَانَ الطُّوفَانُ رُفِعَ فَصَارَ سُورًا فِي السَّمَاءِ، وَبَنَى إِبْرَاهِيمُ ﵊ عَلَى أَثَرِهِ، قَالَهُ قَتَادَةُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ بَنَاهُ آدَمُ وَحَوَّاءُ لِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَرْفُوعًا: بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى جِبْرِيلَ إِلَى آدَمَ وَحَوَّاءَ، وَأَمَرَهُمَا بِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ، فَبَنَاهُ آدَمُ ثُمَّ أَمَرَهُ بِالطَّوَافِ بِهِ، وَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ أَوَّلُ النَّاسِ، وَهَذَا أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ» ، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ قَبْلَهُ بُيُوتٌ وَأَوَّلُ مَنْ بَنَاهُ شِيثُ بْنُ آدَمَ، وَكَانَ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَهُ يَاقُوتَةً حَمْرَاءَ يَطُوفُ بِهَا آدَمُ يَأْنَسُ بِهَا، لِأَنَّهَا مِنَ الْجَنَّةِ ثُمَّ دُثِرَ مِنَ الطُّوفَانِ إِلَى أَنْ بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، وَقِيلَ: كَانَتْ قَبْلَهُ بُيُوتٌ، وَلَكِنَّهُ أَوَّلُ مَسْجِدٍ وُضِعَ بِالْأَرْضِ لِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ أَيْضًا أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ " ﴿أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] " أَهُوَ بَيْتٌ بُنِيَ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: لَا، كَانَ نُوحٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ الْبُيُوتُ وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَبْلَهُ، وَكَانَ فِي الْبُيُوتِ، وَلَكِنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ فِيهِ الْبَرَكَةُ وَالْهُدَى، وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا، فَتَبَيَّنَ عَلَى أَنَّ الْوَضْعَ غَيْرُ الْبَنَّاءِ، وَصَحَّحَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ هَذَا الْقَوْلَ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ مِنَ الْآيَةِ إِذْ وَضْعُ اللَّهِ لَهُ هُوَ جَعْلُهُ مُتَعَبَّدًا، فَدَلَالَةُ الْآيَةِ عَلَى الْأَوَّلِيَّةِ فِي الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَوْلَى مِنْ ذِكْرِ الْأَوَّلِيَّةِ بَيَانُ الْفَضِيلَةِ تَرْجِيحًا لَهُ عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَلَا تَأَثُّرَ لِأَوْلَوِيَّتِهِ فِي الْبِنَاءِ فِي هَذَا الْفَضْلِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَنَّ أَوَّلَ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا فِي الْإِسْلَامِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ذَلِكَ بِمَسْجِدِ قُبَاءٍ (ثُمَّ الْأَرْضُ لَكَ) : أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ (مَسْجِدٌ) مَوْضِعُ صَلَاةٍ (فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَصْلَةٌ بِهَاءِ السَّكْتِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي سَأَلْتَ يَا أَبَا ذَرٍّ عَنْ أَمَاكِنَ بُنِيَتْ مَسَاجِدَ وَاخْتُصَّتِ الْعِبَادَةُ بِهَا، وَأَيُّهَا أَقْدَمُ زَمَانًا؟ فَأَخْبَرْتُكَ بِوَضْعِ الْمَسْجِدَيْنِ وَتَقَدُّمِهِمَا عَلَى سَائِرِ الْمَسَاجِدِ، ثُمَّ أُخْبِرُكَ بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي مِنْ رَفْعِ الْجَنَاحِ وَتَسْوِيَةِ الْأَرْضِ فِي أَدَاءِ الْعِبَادَةِ فِيهَا، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي بَعْضِ طُرُقِ الْبُخَارِيِّ: فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ، وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِلَفْظِ: وَكَانَ مَنْ قَبْلِي إِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ فِي كَنَائِسِهِمْ، وَمَرَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يُصَلِّي حَتَّى يَبْلُغَ مِحْرَابَهُ، وَبِهِ يَبْطُلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ مَعْنَى حَدِيثِ: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» ، وَجُعِلَتْ لِغَيْرِي مَسْجِدًا لَا طَهُورًا ; لِأَنَّ عِيسَى ﵇ كَانَ يَسِيحُ فِي الْأَرْضِ وَيُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ اهـ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: جَعَلَ اللَّهُ لِعِيسَى مَوَاضِعَ مِحْرَابًا لَهُ، أَوْ خُصَّ عِيسَى بِالْعُمُومِ لِكَوْنِهِ تَابِعًا لِنَبِيِّنَا ﵊ فِي آخِرِ عُمْرِهِ. أَيْ: سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، وَهُوَ بِالْفَتْحِ مَصْدَرُ سَتَرْتَهُ إِذَا غَطَّيْتَهُ، وَبِالْكَسْرِ وَاحِدُ السُّتُورِ، وَالْأَسْتَارِ وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِطَهَارَةِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ.

стр. 1188

[بَابُ السَّتْرِ]

стр. 1189

[٨] بَابُ السَّتْرِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٧٥٤ - عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ﵁، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ، فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ [٨] بَابُ السَّتْرِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٧٥٤ - (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ﵄ : هُوَ رَبِيبُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَمُّهُ أُمُّ سَلَمَةَ، وَأَبُوهُ صَحَابِيٌّ قُرَشِيٌّ مَخْزُومِيٌّ (قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا» ) : بِالنَّصْبِ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيِّ وَالْحَمَوِيِّ بِالْجَرِّ عَلَى الْمُجَاوَرَةِ، أَوِ الرَّفْعِ عَلَى الْحَذْفِ، كَذَا قَالَ الْأَبْهَرِيُّ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ عَلَى الْحَذْفِ، أَيْ: حَذَفِ الْمُبْتَدَأِ، أَيْ: وَهُوَ مُشْتَمِلٌ (بِهِ) ، أَيْ: بِأَنْ لَفَّهُ بِبَدَنِهِ يَعْنِي اتَّزَرَ بِبَعْضِهِ، وَأَلْقَى طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ، وَفِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ، وَرُوِيَ مُشْتَمِلًا بِالنَّصْبِ أَيْ فِي إِزَارٍ طَوِيلٍ مُشْتَمِلًا، مَالَ الطِّيبِيُّ: وَالِاشْتِمَالُ التَّوَشُّحُ وَالْمُخَالَفَةُ بَيْنَ طَرَفَيِ الثَّوْبِ الَّذِي أَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ الْيُسْرَى، وَيَأْخُذُ طَرَفَهُ الَّذِي أَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَعْقِدُهَا عَلَى صَدْرِهِ يَعْنِي لِئَلَّا يَكُونَ سَدْلًا (فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ) : مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ (وَاضِعًا طَرَفَيْهِ) : تَفْسِيرَ مُشْتَمِلًا (عَلَى عَاتِقَيْهِ) : الْعَاتِقُ: مَا بَيْنَ الْمَنْكِبِ إِلَى أَصْلِ الْعُنُقِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، قَالَ مِيرَكُ.

стр. 1190

٧٥٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «لَا يُصَلِّينَ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٧٥٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ» ) : قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَفِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ: لَا يُصَلِّي، بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ لَا نَافِيَةٌ، وَهُوَ خَبَرٌ، بِمَعْنَى النَّهْيِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ (لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ) ، الْجُمْلَةُ الْمَنْفِيَّةُ حَالٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: حِكْمَتُهُ أَنَّهُ إِذَا اتَّزَرَ بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، يَأْمَنُ مِنْ أَنْ تَنْكَشِفَ عَوْرَتُهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا جَعَلَ بَعْضَهُ عَلَى عَاتِقِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إِلَى إِمْسَاكِهِ بِيَدِهِ أَوْ بِيَدَيْهِ، فَيَشْتَغِلُ بِذَلِكَ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ وَضْعِ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، فَتَفُوتُ السُّنَّةُ وَالزِّينَةُ الْمَطْلُوبَةُ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] . قُلْتُ: فِي كُلٍّ مِمَّا ذُكِرَ نَظَرٌ ظَاهِرٌ فَتَأَمَّلْ، وَإِنَّمَا اضْطَرَّهُمْ إِلَى مَا ذَكَرُوا جَعْلُ ضَمِيرِ " مِنْهُ " إِلَى ذَلِكَ الثَّوْبِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَعُودُ إِلَى مُطْلَقِ الثَّوْبِ، فَيُفِيدُ سُنِّيَّةَ وَضْعِ الرِّدَاءِ وَنَحْوِهِ مِنْ طَرَفِ الْإِزَارِ، وَغَيْرِهِ إِلَى الْكَتِفِ، وَكَرَاهِيَةَ تَرْكِهِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَلِذَا زَادَ ﵇ فِي رِوَايَةٍ عَلَى إِرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا يَطْرَحُهُ عَلَى عَاتِقِهِ طَرَحَ حَبْلًا حَتَّى لَا يَخْلُوَ مِنْ شَيْءٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: ارْتَدُوا وَلَوْ بِحَبْلٍ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا جَاءَ مُفَصَّلًا مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ ﵇ قَالَ لَهُ: ( «إِذَا صَلَّيْتَ وَعَلَيْكَ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ» ) ، وَلَفَظُ مُسْلِمٍ: ( «فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوَيْكَ» ) ، فَتَحْصُلُ مِنْهُ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَخْلُوَ الْعَاتِقُ مِنْ شَيْءٍ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْأَدَبِ، وَأَنْسَبُ إِلَى الْحَيَاءِ مِنَ الرَّبِّ، وَأَكْمَلُ فِي أَخْذِ الزِّينَةِ عِنْدَ الْمَطْلَبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْجُمْهُورُ: وَهَذَا النَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ لَا لِلتَّحْرِيمِ، فَلَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ سَاتِرٍ عَوْرَتَهُ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ صَحَّتْ صَلَاتُهُ مَعَ الْكَرَاهِيَةِ، وَأَمَّا أَحْمَدُ وَبَعْضُ السَّلَفِ فَنَسَبُوا إِلَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ، الْأَوَّلِ: أَنَّ قَوْلَهُ: لَا يُصَلِّيَنَّ لَيْسَ فِيهِمَا، بَلْ فِيهِمَا لَا يُصَلِّي، وَالثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ عَلَى عَاتِقَيْهِ لَيْسَ فِي الْبُخَارِيِّ، وَإِنَّمَا فِيهِ عَلَى عَاتِقِهِ، وَالثَّالِثِ: أَنَّ قَوْلَهُ مِنْهُ لَيْسَ فِي الْبُخَارِيِّ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ، قَالَ: وَفِي غَرَائِبِ مَالِكٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ بِلَفْظِ: لَا يُصَلِّ بِغَيْرِ يَاءٍ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ بِلَفْظِ لَا يُصَلِّيَنَّ اهـ، أَيْ: بِزِيَادَةِ التَّأْكِيدِ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ.

стр. 1191

٧٥٦ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ» ) ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٧٥٦ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [قَالَ: قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ» ) ، أَيْ: (وَاحِدٍ) ، كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ [فَلْيُخَالِفْ] : يَعْنِي: إِذَا كَانَ وَاسِعًا فَلْيُخَالِفْ (بَيْنَ طَرَفَيْهِ) : أَيْ: فَلْيَأْتَزِرْ بِأَحَدِ طَرَفَيْهِ، وَلِيَجْعَلِ الْآخَرَ عَلَى عَاتِقِهِ، وَقِيلَ: يَضَعُ طَرَفَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَالْعَكْسُ، وَقِيلَ: فَلْيَجْعَلْ كَالْمُضْطَبِعِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ ضَيِّقًا عَلَى حَقْوَيْهِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ )

стр. 1192

٧٥٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ رِضَى اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: (اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ، وَأَتُوْنِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي» ) ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ، قَالَ: ( «كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَلَمِهَا وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ فَأَخَافُ أَنْ تَفْتِنَنِيَ» ) ــ ٧٥٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي خَمِيصَةٍ) : فِي النِّهَايَةِ: الْخَمِيصَةُ ثَوْبٌ مِنْ صُوفٍ أَوْ خَزٍّ مُعَلَّمَةٌ سَوْدَاءُ، وَقِيلَ: لَا تُسَمَّى خَمِيصَةً إِلَّا أَنْ تَكُونَ مُعَلَّمَةً، وَكَانَتْ مِنْ لِبَاسِ النَّاسِ قَدِيمًا، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: فَعَلَى هَذَا قَوْلُ عَائِشَةَ (لَهَا) ، أَيْ: لِلْخَمِيصَةِ (أَعْلَامٌ) : عَلَى وَجْهِ الْبَيَانِ وَالتَّأْكِيدِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ طَرِيقِ التَّجْرِيدِ (فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً) ، أَيْ: نَظَرَ عِبْرَةٍ (أَعْلَامٌ) : عَلَى وَجْهِ الْبَيَانِ وَالتَّأْكِيدِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ طَرِيقِ التَّجْرِيدِ (فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً) ، أَيْ: نَظَرَ عِبْرَةٍ (فَلَمَّا انْصَرَفَ) : أَيْ عَنِ الصَّلَاةِ [قَالَ: ( «اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ» ) : وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: ( «أَلْهَتْنِي أَعْلَامُ هَذِهِ اذْهَبُوا بِهَا» ) . (إِلَى أَبِي جَهْمٍ) : قُرَشِيٌّ وَعَدَوِيٌّ كَانَ أَهْدَاهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (وَأَتُوْنِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ) : وَإِنَّمَا طَلَبَ أَنْبِجَانِيَّتَهُ بَدَلَهَا لِئَلَّا يَتَأَذَّى بِرَدِّ هَدِيَّتِهِ، وَهِيَ فَتْحُ الْهَمْزَةِ وَسُكُونُ النُّونِ وَكَسْرُ الْمُوَحَّدَةِ وَتُفْتَحُ وَتَشَدَّدُ التَّحْتِيَّةُ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا، وَفِيهِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْمَحْفُوظِ مِنَ الرِّوَايَةِ وَالِدِّرَايَةِ، فَفِي الْمَعْنَى: هِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، كِسَاءٌ لَا عَلَمَ لَهُ، وَفِي الْقَامُوسِ: مَنْبِجٌ كَمَجْلِسٍ مَوْضِعٌ، وَكِسَاءٌ مَنْبَجَانِيٌّ وَأَنْبَجَانِيٌّ بِفَتْحِ بَائِهِمَا نِسْبَةً عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْمَحْفُوظُ فِي أَنْبِجَانِيَّةٍ كَسْرُ الْبَاءَ، وَهُوَ بِفَتْحِهَا وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى " مَنْبِجَ " بَلْدَةٍ مَعْرُوفَةٍ بِالشَّامِ وَهِيَ مَكْسُورَةُ الْبَاءِ فَفُتِحَتْ فِي النَّسَبِ وَأُبْدِلَتِ الْمِيمُ بِهَمْزَةٍ، وَقِيلَ: مَنْسُوبٌ إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: أَنْبِجَانُ وَهُوَ الْأَشْبَهُ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ فِيهِ تَعَسُّفٌ، وَهُوَ كِسَاءٌ يُتَّخَذُ مِنَ الصُّوفِ لَهُ خَمَلٌ، وَلَا عَلَمَ لَهُ، وَهُوَ مَنْ أَدْوَنِ الثِّيَابِ الْغَلِيظَةِ، وَالْهَمْزَةُ فِيهَا زَائِدَةٌ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّهَا مَنْسُوبَةٌ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَقَدْ حُذِفَ بَعْضُ حُرُوفِهَا وَعُرِّبَ، قَالَ الْقَاضِي: إِنَّمَا أَرْسَلَ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ أَهْدَاهَا إِيَّاهُ، فَلَمَّا أَلْهَاهُ عَلَمُهَا، أَيْ: شَغَلَهُ عَنِ الصَّلَاةِ بِوُقُوعِ نَظْرَةٍ إِلَى نُقُوشِ الْعَلَمِ وَأَلْوَانِهِ، أَيْ: تَفَكَّرَ فِي أَنَّ مِثْلَ هَذَا لِلرُّعُونَةِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِهِ رَدَّهَا إِلَيْهِ، قَالَ الْأَشْرَفُ: فِيهِ إِيذَانٌ بِأَنَّ لِلصُّوَرِ وَالْأَشْيَاءِ الظَّاهِرَةِ تَأْثِيرًا مَا فِي النُّفُوسِ الطَّاهِرَةِ: قِيلَ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى كَرَاهِيَةِ الْأَعْلَامِ الَّتِي يَتَعَاطَاهَا النَّاسُ عَلَى أَرْدَائِهِمْ. وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهَا (فَإِنَّهَا) : أَيِ: الْخَمِيصَةَ (أَلْهَتْنِي) ، أَيْ: شَغَلَتْنِي (آنِفًا) : بِالْمَدِّ وَيُقْصَرُ، وَقُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْعَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦] ، أَيْ: فِي هَذِهِ السَّاعَةِ (عَنْ صَلَاتِي) ، أَيْ: عَنْ كَمَالِ حُضُورِهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قَالَ مِيرَكُ: فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي مُسْلِمٍ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا هُوَ لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَ مِيرَكُ: «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي خَمِيصَةٍ ذَاتِ أَعْلَامٍ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ (اذْهَبُوا بِهَذِهِ الْخَمِيصَةِ إِلَى أَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّتِهِ فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي فِي صَلَاتِي» ) فَانْظُرْ فِي اخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ. [فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، قَالَ ( «كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَمَلِهَا وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ فَأَخَافُ أَنْ يَفْتِنَنِيَ» ) : أَيْ: بِمَعْنَى مِنَ الصَّلَاةِ وَيَشْغَلَنِي عَنْ حُضُورِهَا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ يُلْهِيَنِي عَنِ الصَّلَاةِ لَهْوًا أَتَمَّ مِمَّا وَقَعَ مِنْهَا، وَإِلَّا فَلَا تَنَافِي بَيْنَ جَزْمِهِ بِوُقُوعِ الْإِلْهَاءِ بِهَا ثَمَّ، وَخَشْيَةِ وُقُوعِهِ بِهَا هُنَا فَتَأَمَّلْهُ، وَكَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ حِكْمَةُ التَّغَايُرِ بَيْنَ الْأُسْلُوبَيْنِ حَيْثُ عَبَّرَ أَوَّلًا بِالْإِلْهَاءِ وَثَانِيًا بِالْفِتْنَةِ اهـ. وَهُوَ مَعْنًى حَسَنٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى، فَأَخَافُ أَنْ يُوقِعَنِيَ فِي الْعَذَابِ أَوْ فِي فِتْنَةٍ تُؤَدِّي إِلَيْهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤] ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَى أَلْهَتْنِي أَرَادَتْ أَنْ تُلْهِيَنِي فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ: فَأَخَافُ أَنْ يَفْتَتْنِي بِمَعْنَى يُلْهِينِي، بَلْ يَكُونُ الثَّانِي تَفْسِيرًا لِلْأَوَّلِ وَلِذَا قِيلَ: إِنَّهُ ﵇ لَمْ يَتَأَثَّرْ بِهَا، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ تَشْرِيعًا لِأُمَّتِهِ وَخَوْفًا عَلَيْهِ مِنَ الْإِلْهَاءِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمُخَطَّطَاتِ فِي صَلَاتِهِمْ، لَكِنَّ مِنْ زَعَمَ مِنَ الْأُمَّةِ أَنَّ قَلْبَهُ لَا يَتَأَثَّرُ بِذَلِكَ، فَقَدْ جَهِلَ طَرِيقَ السُّلُوكِ لِأَنَّهُ لَا يُقَاسُ الْحَدَّادُونَ بِالْمُلُوكِ، وَأَمَّا جَزْمُ ابْنِ حَجَرٍ بِأَنَّ قَلْبَهُ ﵇ تَأَثَّرَ بِذَلِكَ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، وَقَوْلُ الْأَشْرَفِ تَأْثِيرًا إِمَّا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ أَدْرَكَ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا: يُسَنُّ لِمَنْ صَلَّى فِي ذَلِكَ أَوْ إِلَيْهِ، أَوْ عَلَيْهِ أَنْ يُغْمِضَ بَصَرَهُ، حَتَّى لَا يَخْتَلَّ خُشُوعُهُ وَحُضُورُهُ، قُلْتُ: سَبَقَ مِنْهُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ أَوْ إِلَيْهِ أَوْ عَلَيْهِ، وَتَغْمِيضُ الْعَيْنِ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الْمَكْرُوهَاتِ، فَكَيْفَ يُسَنُّ مَكْرُوهٌ لِدَفْعِ مَكْرُوهٍ، مَعَ أَنَّ الْمَكْرُوهَ لَا يَنْدَفِعُ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1193

٧٥٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ «كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ (أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا ; فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلَاتِي» ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٧٥٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ قِرَامٌ) : وَهُوَ بِالْكَسْرِ سِتْرٌ رَقِيقٌ فِيهِ نُقُوشٌ وَرَقْمٌ كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْقِرَامُ هُوَ السِّتْرُ الرَّقِيقُ، وَقِيلَ الصَّفِيقُ مِنْ صُوفٍ ذِي أَلْوَانٍ، وَقِيلَ مُطَلَّقُ السِّتْرِ، وَقِيلَ الْقِرَامُ السِّتْرُ الرَّقِيقُ وَرَاءَ السِّتْرِ الْغَلِيظِ وَلِذَا أَضَافَهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ، وَقِيلَ: الْقِرَامُ سِتْرٌ، (لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا) : وَهُوَ يَحْتَمِلُ جَانِبَ الْبَابِ وَجَانِبَ الْجِدَارِ (فَقَالَ) : أَيْ لَهَا كَمَا فِي نُسْخَةٍ [النَّبِيُّ ﷺ : (أَمِيطِي) : أَيْ: أَزِيلِي (عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ) : الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ أَوِ الْقِرَامِ، وَفِي نُسْخَةٍ: فَإِنَّهَا فَالضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ (لَا يَزَالُ تَصَاوِيرُهُ) : جَمْعُ تَصْوِيرٍ. بِمَعْنَى الصُّورَةِ، أَيْ: تَمَاثِيلُهُ أَوْ نُقُوشُهُ (تَعْرِضُ) ،] ، أَيْ: لِي كَمَا فِي نُسْخَةٍ يَعْنِي: تَظْهَرُ (فِي صَلَاتِي) : وَتَشْغَلَنِي عَنْهَا، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ، أَيْ: مُنْفَرِدًا بِهِ قَالَ مِيرَكُ.

стр. 1194

٧٥٩ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رِضَى اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرُّوجَ حَرِيرٍ، فَلَبِسَهُ ثُمَّ صَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: (لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ» ) ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٧٥٩ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) : مِنْ قَبِيلَةِ جُهَيْنَةَ كَانَ وَالِيًا عَلَى مِصْرَ لِمُعَاوِيَةَ (قَالَ: أُهْدِيَ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ (لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرُّوجُ حَرِيرٍ) ، بِفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ هُوَ الْقَبَاءُ الَّذِي شُقَّ مِنْ خَلْفِهِ (فَلَبِسَهُ) : قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ، وَقِيلَ إِنَّهُ كَانَ بَعْدَ الْبَعْثَةِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَوَّلِ التَّحْرِيمِ، لِأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: إِنَّهُ ﵇ صَلَّى فِي قَبَاءِ دِيبَاجٍ ثُمَّ نَزَعَةٍ، وَقَالَ (نَهَانِي عَنْهُ جِبْرِيلُ) ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ (ثُمَّ صَلَّى فِيهِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا لِشَرِّهِ لَهُ) : لِمَا فِيهِ مِنَ الرُّعُونَةِ أَوْ لِمَا جَاءَهُ الْوَحْيُ بِالنَّهْيِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: الْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، فَنَزَعَهُ نَزْعَ الْكَارِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الرُّعُونَةِ كَمَا بَدَا لَهُ فِي الْخَمِيصَةِ، وَقِيلَ: كَانَ بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا لَبِسَهُ اسْتِمَالَةً لِقَلْبِ مَنْ أَهْدَاهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ صَاحِبُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، أَوْ صَاحِبُ دُومَةَ أَوْ غَيْرِهَا عَلَى اخْتِلَافٍ فِيهِ اهـ، كَلَامُهُ وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، لَكِنَّ لُبْسَهُ مَعَ كَوْنِهِ مُحَرَّمًا لِلِاسْتِمَالَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، سِيَّمَا صَلَاتُهُ بِهِ مَعَ أَنَّهُ يُنَافِيهِ نَزْعُهُ الْكَارِهُ [ثُمَّ قَالَ: (لَا يَنْبَغِي) ، أَيْ: لَا يَلِيقُ (هَذَا لِمُتَّقِينَ) (أَيْ: لِلْمُؤْمِنِينَ الْكَامِلِينَ قِيلَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ ; لِأَنَّ الْمُتَّقِيَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ فِي التَّحْرِيمِ وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُتَّقِينَ عَنِ الشِّرْكِ، وَلَا يَنْبَغِي. بِمَعْنَى لَا يَجُوزُ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، قَالَ مِيرَكُ.

стр. 1195

الفصل الثاني ٧٦٠ - عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁، قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ أَصِيدُ؟ أَفَأُصَلِّي فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ؟ قَالَ: (نَعَمْ، وَازْرُرْهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ» ) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ. ــ الفصل الثاني ٧٦٠ - (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ) : هُوَ أَسْلَمِيٌّ، مَدَنِيٌّ، وَكَانَ مِنَ الْمُبَايِعِينَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ مَرَّتَيْنِ، وَكَانَ مِنْ أَشْجَعِ النَّاسِ رَاجِلًا (قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي رَجُلٌ أَصِيدُ» ) ، كَأَبِيعُ، أَيْ: أَصْطَادُ، وَفِي نُسْخَةٍ: كَأُكْرِمُ، فِي النِّهَايَةِ: رَوَى أَصِيدُ أَيْ لَهُ عِلَّةٌ فِي رَقَبَتِهِ لَا يُمْكِنُ الْتِفَاتٌ مَعَهَا، وَالْمَشْهُورُ أَصِيدُ مِنْ الِاصْطِيَادِ، وَالثَّانِي أَنْسَبُ ; لِأَنَّ الصَّيَّادَ يَطْلَبُ الْخِفَّةَ، وَرُبَّمَا يَمْنَعُهُ الْإِزَارُ مِنَ الْعَدْوِ خَلْفَ الصَّيْدِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ ذَكَرَ الْمَعْنَيَيْنِ وَمَا فَرَّقَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ [أَفَأُصَلِّي فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ؟ قَالَ (نَعَمْ) ، أَيْ: صَلِّ فِيهِ (وَازْرُرْهُ) : بِضَمِّ الرَّاءِ، أَيِ: اشْدُدْهُ (لَوْ بِشَوْكَةٍ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا إِذَا كَانَ جَيْبُ الْقَمِيصِ وَاسِعًا تَظْهَرُ مِنْهُ عَوْرَتُهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَزُرَّهُ لِئَلَّا يَكْشِفَ الْعَوْرَةَ، قَالَ فِي شَرْحِ شِرْعَةِ الْإِسْلَامِ: وَمِنْ آدَابِ الصَّلَاةِ زَرَّ الْقَمِيصِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ سَتْرَ عَوْرَتِهِ عَنْ نَفْسِهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، حَتَّى لَوْ كَانَ مَحْلُولَ الْجَيْبِ، فَنَظَرَ إِلَى عَوْرَتِهِ لَا يُعِيدُ صَلَاتَهُ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ، وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَفْتَى بَعْضُ الْمَشَايِخِ بِأَنَّهُ إِذَا رَأَى عَوْرَتَهُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : أَيْ: هَذَا اللَّفْظَ، (وَرَوَى النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ) ، أَيْ: بِمَعْنَاهُ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، بَلْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
следующие страницы →