← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

(وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ: نَحْوَهُ) ، أَيْ: مَعْنَاهُ، قَالَ مِيرَكُ، نَقْلًا عَنِ ابْنِ الْمُلَقِّنِ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَرْبَعَةُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَضَعَّفَهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ اهـ، وَكَذَا يُعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ النَّوَوِيِّ اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِ هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ صَحِيحٍ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَخَبَرُ " مَنْ صَلَّى خَلَفَ إِمَامٍ فَإِنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ قِرَاءَةٌ لَهُ " ضَعِيفٌ أَيْضًا، وَكَذَا خَبَرُ النَّهْيِ عَنِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ كَمَا بَيَّنَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهُمَا عَلَى الْمَسْبُوقِ، أَوْ قِرَاءَةِ السُّورَةِ.

стр. 1332

٨٥٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْبَيَاضِيٍّ ﵃، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ الْمُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ فَلْيَنْظُرْ مَا يُنَاجِيهِ بِهِ، وَلَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ» "، رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٨٥٦ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالْبَيَاضِيِّ) : الْوَاوُ عَاطِفَةٌ، وَالْبَيَاضِيُّ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْغَنَّامِ، قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الْأَنْسَابِ: إِنَّهُ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمَنْقُوطَةِ بِوَاحِدَةٍ، وَالْيَاءِ الْمَنْقُوطَةِ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ تَحْتِهَا، وَفِي آخِرِهَا الضَّادُ الْمُعْجَمَةُ، وَهَذِهِ النِّسْبَةُ إِلَى أَشْيَاءَ مِنْهَا بَيَاضَةُ الْأَنْصَارِ وَهُوَ بَطْنٌ مِنْهُمْ اهـ، وَفِي التَّقْرِيبِ أَبُو حَاتِمٍ الْأَنْصَارِيُّ مَوْلَاهُمْ صَحَابِيٌّ لَهُ حَدِيثٌ، وَقِيلَ: لَا صُحْبَةَ لَهُ.، (قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ الْمُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ) ، أَيْ: يُحَادِثُهُ وَيُكَالِمُهُ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ كَمَالِ قُرْبِهِ الْمَعْنَوِيِّ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مِعْرَاجُ الْمُؤْمِنِ (فَلْيَنْظُرْ مَا يُنَاجِيهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ: مَا يُنَاجِي بِهِ، " مَا " اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَوْ مَوْصُولَةٌ، أَيْ: مَا يُنَاجِي الرَّبَّ تَعَالَى مِنَ الذِّكْرِ وَالْقُرْآنِ وَالْحُضُورِ وَالْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ؛ إِذْ لَيْسَ لِلْمَرْءِ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَّا مَا عَقَلَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، فَلْيَتَفَكَّرْ فِي مَعَانِيهِ، أَوْ فَلْيَتَأَمَّلْ مَا يُنَاجِيهِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ، وَالضَّمِيرُ فِي يُنَاجِيهِ رَاجِعٌ إِلَى الرَّبِّ، وَفِي بِهِ إِلَى " مَا " وَمَا مَفْعُولٌ فَلْيَنْظُرْ بِمَعْنَى فَلْيَتَأَمَّلْ فِي حَوَابِ مَا يُنَاجِيهِ مِنَ الْقَوْلِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ، وَمُوَاطَأَةِ الْقَلْبِ اللِّسَانَ وَالْإِقْبَالِ إِلَى اللَّهِ بِشَرَاشِرِهِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُلُ إِذَا لَمْ يُنَازِعْهُ صَاحِبُهُ بِالْقِرَاءَةِ، وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ( «وَلَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ» ) : وَالنَّهْيُ يَتَنَاوَلُ مَنْ هُوَ دَاخِلَ الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: عُدِّيَ بِعَلَى لِإِرَادَةِ مَعْنَى الْغَلَبَةِ، أَيْ: لَا يَغْلِبُ وَلَا يُشَوِّشُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ جَاهِرًا بِالْقِرَاءَةِ اهـ، وَالْبَعْضُ أَعَمُّ مِنْ مُصَلٍّ أَوْ نَائِمٍ أَوْ قَارِئٍ، وَقَوْلُهُ: بِالْقُرْآنِ أَيْ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤْذِي، وَالْإِيذَاءُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْمُسْلِمِينَ فَضْلًا عَنِ الْمُصَلِّينَ، فَضْلًا عَنِ الْمُقْرِئِينَ، فَعُلِمَ إِيضَاحُ وَجْهِ ارْتِبَاطِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بِمَا قَبْلَهَا، وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمَأْمُومِ الْجَهْرُ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ قِرَاءَةَ إِمَامِهِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ) : وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، وَلِلنَّسَائِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ.

стр. 1333

٨٥٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٨٥٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» ) ، أَيْ: لِيُقْتَدَى بِهِ ( «فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ: عَقِبَهُ لَا مَعَهُ وَلَا قَبْلَهُ وُجُوبًا فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِانْعِقَادُ لِلتَّابِعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ تَابِعٌ قَبْلَ مَتْبُوعِهِ، وَنَدْبًا فِي بَاقِي التَّكْبِيرَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُقَارَنَةِ وَالتَّقَدُّمِ فِيهَا مَا يُخِلُّ بِنُظُمِ التَّبَعِيَّةِ مِنْ أَصْلِهَا (وَإِذَا قَرَأَ) : ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ؛ وَلِذَا قَالَ (فَأَنْصِتُوا) ، أَيِ: اسْكُتُوا وَلَمْ يَقُلْ فَاسْتَمِعُوا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ، أَيْ: حَالَ الْجَهْرِ وَأَنْصِتُوا حَالَ السِّرِّ، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ أَدِلَّةِ أَئِمَّتِنَا، وَحَمَلُوا الْقِرَاءَةَ عَلَى قِرَاءَةِ الْإِمَامِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ اهـ، وَيُحْتَمَلُ التَّقْيِيدُ بِالْجَهْرِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَعَلَى كُلٍّ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الِاقْتِدَاءِ ظَاهِرًا، وَلَعَلَّهُ مُعَلَّلٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ قِرَاءَةُ الْمَأْمُومِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ إِذَا قَرَأَ الْفَاتِحَةَ أَوِ السُّورَةَ وَسَمِعْتُمْ قِرَاءَتَهُ، فَاسْكُتُوا عَنْ قِرَاءَةِ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ؛ لِأَنَّ قِرَاءَتَكُمْ مَعَهُ تُفَوِّتُ سَمَاعَهُ الْمَقْصُودَ مِنْ قِرَاءَتِهِ، وَأَمَّا الْفَاتِحَةُ فَيَجِبُ قِرَاءَتُهَا، وَإِنْ كَانَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ إِمَامِهِ لَمَا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ ) .

стр. 1334

٨٥٨ - «وَعَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي، قَالَ: " قُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ "، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا لِلَّهِ؟ فَمَاذَا لِي؟ قَالَ: " قُلْ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي، وَعَافِنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي " فَقَالَ هَكَذَا بِيَدَيْهِ وَقَبَضَهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَّا هَذَا فَقَدَ مَلَأَ يَدَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَانْتَهَتْ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ: " إِلَّا بِاللَّهِ ". ــ ٨٥٨ - (وَعَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: (إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ) ، أَيْ: وِرْدًا أَوْ أَتَعَلَّمَ وَأَحْفَظَ (مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي) ، أَيْ: عَنْ وِرْدِ الْقُرْآنِ، أَوْ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ (قَالَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: فَقَالَ: ( «قُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» ) : فَإِنَّهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ، وَخُلَاصَةُ الْأَذْكَارِ الطَّيِّبَاتِ، وَهُنَّ مِنَ الْقُرْآنِ فِي الْكَلِمَاتِ الْوَارِدَاتِ الْمُتَفَرِّقَاتِ الْجَامِعَاتِ لِلصَّفَاتِ التَّنْزِيهِيَّةِ وَالثُّبُوتِيَّةِ وَالْوَحْدَانِيَّةِ، وَلِنُعُوتِ الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ وَالْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ، (قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لِلَّهِ) ، أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الْكَلِمَاتِ ذِكْرٌ لِلَّهِ مُخْتَصٌّ لَهُ أَذْكُرُهُ بِهِ (فَمَاذَا لِي) : أَيْ: عَلِّمْنِي شَيْئًا يَكُونُ لِي فِيهِ دُعَاءٌ وَاسْتِغْفَارٌ وَأَذْكُرُهُ لِي عِنْدَ رَبِّي، قَالَ: (قُلْ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي) ، أَيْ: بِتَرْكِ الْمَعَاصِي أَبَدًا أَوْ بِغُفْرَانِهَا (وَعَافِنِي) : مِنْ آفَاتِ الدَّارَيْنِ (وَاهْدِنِي) ، أَيْ: ثَبِّتْنِي عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، أَوْ دُلَّنِي عَلَى مُتَابَعَةِ الْأَحْكَامِ (وَارْزُقْنِي) ، أَيْ: رِزْقًا حَلَالًا طَيِّبًا كَافِيًا مُغْنِيًا عَنِ الْأَنَامِ، أَوِ التَّوْفِيقَ وَالْقَبُولَ وَحُسْنَ الِاخْتِتَامِ (فَقَالَ) ، أَيْ: فَعَلَ الرَّجُلُ (هَكَذَا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ أَشَارَ إِشَارَةً مِثْلَ هَذِهِ الْإِشَارَةِ الْمَحْسُوسَةِ (بِيَدَيْهِ) : تَفْسِيرٌ وَبَيَانٌ (وَقَبَضَهُمَا) : وَفِي نُسْخَةٍ: فَقَبَضَهُمَا فَقِيلَ، أَيْ: عِنْدَ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ بِأَنَامِلِهِ وَقَبَضَ كُلَّ أُنْمُلَةٍ بِعَدَدِ كُلِّ كَلِمَةٍ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ثُمَّ بَيَّنَ الرَّاوِي الْمُرَادَ بِالْإِشَارَةِ بِهِمَا فَقَالَ: وَقَبَضَهُمَا أَيْ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ يَحْفَظُ مَا أَمَرَهُ بِهِ كَمَا يَحْفَظُ الشَّيْءَ النَّفِيسَ بِقَبْضِ الْيَدِ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّ الْمُشِيرَ هُوَ الْمَأْمُورُ، أَيْ: حَفِظْتُ مَا قُلْتَ لِي وَقَبَضْتُ عَلَيْهِ، فَلَا أُضَيِّعُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الرَّاوِي، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَمَّا هَذَا) : أَيِ: الرَّجُلُ (فَقَدْ مَلَأَ يَدَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كِنَايَةٌ عَنْ أَخْذِهِ مَجَامِعَ الْخَيْرِ بِامْتِثَالِهِ لِمَا أُمِرَ بِهِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمُشِيرُ هُوَ ﵇ حَمْلًا لَهُ عَلَى الِامْتِثَالِ وَالْحِفْظِ لِمَا أُمِرَ بِهِ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الِامْتِثَالَ فَبَشَّرَهُ وَمَدَحَهُ بِأَنَّهُ ظَفَرَ بِمَا لَمْ يَظْفَرْ بِهِ غَيْرُهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَحْفَظَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ وَاتَّخِذَهُ وِرْدًا لِي فَعَلِّمْنِي مَا أَجْعَلُهُ وِرْدًا لِي فَأَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ، فَلَمَّا عَلَّمَهُ مَا فِيهِ تَعْظِمٌ لِلَّهِ تَعَالَى طَلَبَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالْعَافِيَةِ وَالْهِدَايَةِ وَالرِّزْقِ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ مَطْلُوبَهُ مَا يَجْعَلُهُ وِرْدًا لَهُ لَا يُفَارِقُهُ أَبَدًا قَبْضُهُ بِيَدَيْهِ، أَيْ: إِنِّي لَا أُفَارِقُهُ مَا دُمْتُ حَيًّا وَتَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ مِنْ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى تَعَلُّمِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ يَقْدِرُ عَلَى تَعَلُّمِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ لَا مَحَالَةَ، بَلْ تَأْوِيلُهُ إِنِّي لَا أَسْتَطِعُ أَنْ أَتَعَلَّمَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ، وَقَدْ دَخَلَ عَلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " قُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ " إِلَخْ، فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ وَلَمْ يَعْلَمِ الْفَاتِحَةَ، وَعَلِمَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ لَزِمَهُ أَنْ يَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ عَدَدَ آيَاتٍ وَحُرُوفٍ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا مِنْهُ يَقُولُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّ عَجْزَ الْعَرَبِيِّ الْمُتَكَلِّمِ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ عَنْ تَعَلُّمِ مَا تَصِحُّ بِهِ صَلَاتُهُ مِنَ الْقُرْآنِ مُسْتَبْعَدٌ جِدًّا، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرَخِّصُ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالتَّسْبِيحِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَيِّنَ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ اهـ. وَنَقْلَ مِيرَكُ عَنْ زَيْنِ الْعَرَبِ أَنَّهُ قَالَ: وَكُلُّ هَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ، بَلْ قَوْلُهُ فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي مَعَ إِيرَادِ الْمُحَدِّثِينَ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْقَدْرُ الْمُجْزِئُ فِي الصَّلَاةِ، وَإِلَّا لَكَانَ إِيرَادُهُ فِي بَابِ التَّسْبِيحِ أَلْيَقَ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الِاسْتِبْعَادِ فَغَيْرُ بَعِيدٍ؛ لِأَنَّهُ كَمَا أَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ هُوَ فِي غَايَةِ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي غَايَةِ الْجَلَافَةِ وَالْبَلَادَةِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ السَّائِلَ كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْأَوَّلِ بِلَا شُبْهَةٍ، فَالِاسْتِبْعَادُ فِي مَحَلِّهِ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي الصَّلَاةِ إِذْ لَوْ كَانَ فِيهَا لَبَيَّنَهُ الرَّاوِي، وَلَنَقَلَهُ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَوْ زَعَمَ أَحَدٌ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، قُلْتُ: يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْفَرِيضَةِ اهـ، أَوْ عَلَى غَيْرِ الْفَاتِحَةِ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا يُقَالُ لِمَا مَرَّ مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ لِلتِّرْمِذِيِّ

стр. 1335

فِي كِتَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ قَالَ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ، وَإِلَّا فَاحْمَدِ اللَّهَ وَكَبِّرْهُ وَهَلِّلْهُ ثُمَّ ارْكَعْ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ الْحَدِيثَانِ عَلَى أَوَّلِ الْأَمْرِ الَّذِي كَانَ بِنَاؤُهُ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ وَالتَّيْسِيرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَابْنُ السَّكَنِ وَصَحَّحَهُ نَقَلَهُ مِيرَكُ، عَنِ ابْنِ الْمُلَقِّنِ، وَبِهِ يَظْهَرُ وَجْهُ قَوْلِهِ (وَانْتَهَتْ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ: " إِلَّا بِاللَّهِ ": قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَحَّحَهُ بَعْضُ الْحُفَّاظِ، لَكِنَّهُ اعْتَرَضَهُ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ وَبَيَّنَ ضَعْفَهُ، وَيُجْمَعُ بِحَمْلِ التَّصْحِيحِ فِيهِ عَلَى التَّحْسِينِ لِمَا انْضَمَّ إِلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ الَّذِي حَسَّنَهُ فِيمَا مَرَّ.

стр. 1336

٨٥٩ - «وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَرَأَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قَالَ: " سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى» "، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٨٥٩ - «وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ إِذَا قَرَأَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قَالَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى» . وَقَالَ الْمُظْهِرُ: عِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ مِثْلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي غَيْرِهَا، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَكَذَا عِنْدَ مَالِكٍ يَجُوزُ فِي النَّوَافِلِ اهـ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ، «عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ صَلَّى وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَانَ إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ» (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) : وَقَالَ: إِنَّهُ رُوِيَ مَرْفُوعًا أَيْضًا نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَمَا وَقَعَ فِي نُسْخَةِ ابْنِ حَجَرٍ مِنْ تَقْدِيمِ أَبِي دَاوُدَ عَلَى أَحْمَدَ فَهُوَ سَهْوُ قَلَمٍ.

стр. 1337

٨٦٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ قَرَأَ مِنْكُمْ بِـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١] ، فَانْتَهَى إِلَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] فَلْيَقُلْ: بَلَى، وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَمَنْ قَرَأَ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١] فَانْتَهَى إِلَى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠] ، فَلْيَقُلْ: بَلَى، وَمَنْ قَرَأَ (وَالْمُرْسَلَاتِ) ، فَبَلَغَ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] فَلْيَقُلْ: " آمَنَّا بِاللَّهِ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: «وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ» ". ــ ٨٦٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ قَرَأَ مِنْكُمْ بِـ " التِّينِ وَالزَّيْتُونِ) ، أَيْ: بِهَذِهِ السُّورَةِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا (فَانْتَهَى إِلَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] ، أَيْ: أَقْضَى الْقَاضِينَ يَحْكُمُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَهْلِ التَّكْذِيبِ بِكَ يَا مُحَمَّدُ، (فَلْيَقُلْ: بَلَى) ، أَيْ: نَعَمْ (وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ) ، أَيْ: كَوْنِكَ أَحْكَمَ الْحَاكِمِينَ (مِنَ الشَّاهِدِينَ) ، أَيِ: أَنْتَظِمُ فِي سِلْكِ مَنْ لَهُ مُشَافَهَةٌ فِي الشَّهَادَتَيْنِ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَأَوْلِيَائِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ أَنَا شَاهِدٌ وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا فِي: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] وَفِي: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] أَبْلَغُ مِنْ: وَكَانَتْ قَانِتَةً، وَمِنْ أَنَّهُ فِي الْآخِرَةِ صَالِحٌ؛ لِأَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي عِدَادِ الْكَمَالِ وَسَاهَمَ مَعَهُمُ بِالْفَضَائِلِ لَيْسَ كَمَنِ انْفَرَدَ عَنْهُمْ اهـ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ وَهِيَ أَبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ، (وَمَنْ قَرَأَ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١] فَانْتَهَى إِلَى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ﴾ [القيامة: ٤٠] ، أَيِ: الَّذِي جَعَلَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ نُطْفَةٍ تُمْنَى فِي الرَّحِمِ ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الأحقاف: ٣٣] ، فَلْيَقُلْ: " بَلَى) : وَفِي رِوَايَةٍ: بَلَى، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ فَلْيَقُلْ: بَلَى وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَكَأَنَّهُ حُذِفَ لِفَهْمِهِ مِنَ الْأَوَّلِ فَبَعِيدٌ (وَمَنْ قَرَأَ: وَالْمُرْسِلَاتِ، فَبَلَغَ لِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ) ، أَيْ: بَعْدَ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ آيَةٌ مُبْصِرَةٌ وَمُعْجِزَةٌ بَاهِرَةٌ، فَحِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ فَبِأَيِّ كِتَابٍ بَعْدَهُ (يُؤْمِنُونَ، فَلْيَقُلْ: آمَنَّا بِاللَّهِ) : أَيْ بِهِ، وَبِكَلَامِهِ، وَلِعُمُومِ هَذَا لَمْ يَقُلْ آمَنَّا بِالْقُرْآنِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ قُلْ أُخَالِفُ أَعْدَاءَ اللَّهِ الْمُعَانِدِينَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، أَيِ: الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَجْهُولًا، لَكِنْ مَا هُنَا مِنَ الْفَضَائِلِ، (وَالتِّرْمِذِيُّ) ، أَيْ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (إِلَى قَوْلِهِ: " وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَهُوَ الظَّاهِرُ.

стр. 1338

٨٦١ - «وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَرَأَ سُورَةَ (الرَّحْمَنِ) ، مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، فَسَكَتُوا، فَقَالَ: " لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى الْجِنِّ لَيْلَةَ الْجِنِّ، فَكَانُوا أَحْسَنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ، كُنْتُ كُلَّمَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] ، قَالُوا: لَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الْحَمْدُ» "، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٨٦١ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحْمَنِ) : وَفِي نُسْخَةٍ: بِسُورَةِ الرَّحْمَنِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا: تَأْكِيدٌ (فَسَكَتُوا) ، أَيْ: مُسْتَمِعِينَ (قَالَ: " لَقَدْ قَرَأَتُهَا عَلَى الْجِنِّ، لَيْلَةَ الْجِنِّ) ، أَيْ: لَيْلَةَ اجْتِمَاعِهِمْ بِهِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (فَكَانُوا) ، أَيِ: الْجِنُّ (أَحْسَنَ مَرْدُودًا) ، أَيْ: جَوَابًا وَرَدًّا لِمَا تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهَامُ التَّقْرِيرِيُّ الْمُتَكَرِّرُ فِيهَا بِـ " أَيِّ " (مِنْكُمْ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَرْدُودُ بِمَعْنَى الرَّدِّ كَالْمَخْلُوقِ وَالْمَعْقُولِ نَزَّلَ سُكُوتَهُمْ وَإِنْصَاتَهُمْ لِلِاسْتِمَاعِ مَنْزِلَةَ حُسْنِ الرَّدِّ، فَجَاءَ بِأَفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وَيُوَضِّحُهُ كَلَامُ ابْنِ الْمَلَكِ حَيْثُ قَالَ: نَزَّلَ سُكُوتَهُمْ مِنْ حَيْثُ اعْتِرَافُهُمْ بِأَنَّ فِي الْجِنِّ وَالْإِنْسِ مَنْ هُوَ مُكَذِّبٌ بِآلَاءِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ فِي الْجِنِّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِذَلِكَ أَيْضًا، لَكِنَّ نَفْيَهُمُ التَّكْذِيبَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِاللَّفْظِ أَيْضًا أَدَلُّ عَلَى الْإِجَابَةِ وَقَبُولِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ سُكُوتِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ. (كُنْتُ) ، أَيْ: تِلْكَ اللَّيْلَةَ (كُلَّمَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِهِ) ، أَيْ: عَلَى قِرَاءَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْخِطَابُ لِلْإِنْسِ وَالْجِنِّ، أَيْ: أَيِّ نِعْمَةٍ مِمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ تُكَذِّبُونَ وَتَجْحَدُونَ نِعَمَهُ بِتَرْكِ شُكْرِهِ، وَتَكْذِيبِ رُسُلِهِ، وَعِصْيَانِ أَمْرِهِ (قَالُوا: لَا بِشَيْءٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِـ " نُكَذِّبُ " الْآتِي (مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا) : بِالنَّصْبِ عَلَى حَذْفِ النِّدَاءِ (نُكَذِّبُ) : أَيْ لَا نُكَذِّبُ بِشَيْءٍ مِنْهَا (فَلَكَ الْحَمْدُ) ، أَيْ: عَلَى نِعَمِكَ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَمِنْ أَهَمِّهَا نِعْمَةُ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ، الْمُخَلِّصَتَيْنِ مِنَ النِّيرَانِ، الْمُوجِبَتَيْنِ لِدَرَجَاتِ الْجِنَانِ، وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ أَنَّهَا عَرُوسُ الْقُرْآنِ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَكِنَّهُ صَحِيحٌ كَمَا قَالَهُ غَيْرُهُ، قِيلَ: وَمِنَ الْغَرِيبِ إِيرَادُهُ وَمَا قَبْلَهُ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ فِي هَذَا الْبَابِ لِعَدَمِ ظُهُورِ الْمُنَاسَبَةِ، قُلْتُ: لَعَلَّ الْأُولَيَيْنِ لِاحْتِمَالِهِمَا دَاخِلَ الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا، وَذَكَرَ الْأَخِيرَ تَبَعًا لَهُمَا وَاطِّرَادًا فِي حُكْمِهِمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1339

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٨٦٢ - «عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ ﵄، قَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي الصُّبْحِ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١] فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا» ، فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَمْ قَرَأَ ذَلِكَ عَمْدًا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٨٦٢ - (عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ) : تَابِعِيٌّ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ (قَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ أَخْبَرَهُ) : الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ رَاجِعٌ إِلَى الرَّجُلِ، وَالْبَارِزُ إِلَى مُعَاذٍ، لَا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ صَحَابِيٌّ، وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ (أَنَّهُ) ، أَيِ: الرَّجُلُ (سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي الصُّبْحِ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١] فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا) : تَأْكِيدٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ التَّبْعِيضِ، فَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ قَرَأَ فِي كُلٍّ مِنْ رَكْعَتَيْهَا ﴿إِذَا زُلْزِلَتْ﴾ [الزلزلة: ١] بِكَمَالِهَا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ اسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّهُ قَرَأَهَا فِي كُلٍّ مِنْ رَكْعَتَيْهَا (فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ) : أَنَّهُ قَرَأَ فِي الْأُولَى إِذَا زُلْزِلَتْ (أَمْ قَرَأَ ذَلِكَ عَمْدًا) : وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ فَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ إِذَا ضَمَّ السُّورَةَ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ قِصَارٍ، أَوْ آيَةٍ طَوِيلَةٍ إِلَى الْفَاتِحَةِ وَاجِبٌ فِي مَذْهَبِنَا وَسُنَّةٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَالْأَفْضَلُ عَدَمُ تَكْرَارِ سُورَةٍ، سِيَّمَا فِي الْفَرَائِضِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ فَعَلَ عَمْدًا لِيُبَيِّنَ بِهِ حُصُولَ أَصْلِ السُّنَّةِ بِتَكْرِيرِ السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اهـ. وَالْحَمْلُ عَلَى الْكَمَالِ أَوْلَى، سِيَّمَا فِي وَقْتِ الصُّبْحِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ تَطْوِيلُ الْقِرَاءَةِ مَعَ قِصَرِ السُّورَةِ الْمُتَعَلِّقِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ مَعْنًى، وَأَيْضًا يَأْبَى عَنِ التَّبْعِيضِ قَوْلُهُ: (أَنَسِيَ) فَإِنَّهُ يَبْعُدُ جِدًّا حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ نَسِيَ الْحُكْمَ أَوْ نَسِيَ بَعْضَ السُّورَةِ، هَذَا وَقَدْ وَقَعَ أَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ قَرَأَ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] فِي رَكْعَةٍ وَأَعَادَهُ فِي رَكْعَةٍ أُخْرَى، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الظُّرَفَاءِ: لَعَلَّكُمْ قَرَأْتُمْ مَرَّةً لَكُمْ وَمَرَّةً لَنَا، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 1340

٨٦٣ - وَعَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، ﵁، صَلَّى الصُّبْحَ، فَقَرَأَ فِيهِمَا بِـ (سُورَةِ الْبَقَرَةِ) ، فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا، رَوَاهُ مَالِكٌ. ــ ٨٦٣ - (وَعَنْ عُرْوَةَ) ، أَيِ: ابْنِ الزُّبَيْرِ تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ (قَالَ: إِنْ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁، صَلَّى الصُّبْحَ فَقَرَأَ فِيهِمَا) : أَيْ فِي رَكْعَتَيِ الصُّبْحِ، وَفِي نُسْخَةٍ فِيهَا أَيْ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ (بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا) : يَعْنِي: عَلَى تَوْزِيعِ السُّورَةِ وَتَبْعِيضِهَا فِيهِمَا لَا أَنَّهُ قَرَأَهَا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ لَا يَسَعُ لِذَلِكَ، وَالْحَمْلُ عَلَى الْمُتَّفَقِ عَلَى جَوَازِهِ أَوْلَى مِنْهُ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ نَظِيرُ قِرَاءَتِهِ ﵇ الْأَعْرَافَ فِي رَكْعَتَيِ الْمَغْرِبِ كَمَا مَرَّ، وَذَلِكَ لِبَيَانِ جَوَازِ تَفْرِيقِ السُّورَةِ، وَأَنَّهُ مَا دَاوَمَ ﵇ إِلَّا فِي نَادِرٍ مِنْ أَحْوَالِهِ مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةٍ كَامِلَةٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لِبَيَانِ الْأَفْضَلِ (رَوَاهُ مَالِكٌ) .

стр. 1341

٨٦٤ - وَعَنِ الْفَرَافِصَةِ بْنِ عَصْرٍ الْحَنَفِيِّ ﵄، قَالَ مَا أَخَذْتُ سُورَةَ (يُوسُفَ) إِلَّا مِنْ قِرَاءَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ إِيَّاهَا فِي الصُّبْحِ، مِنْ كَثْرَةِ مَا كَانَ يُرَدِّدُهَا، رَوَاهُ مَالِكٌ. ــ ٨٦٤ - (وَعَنِ الْفَرَافِصَةِ) : بِفَتْحِ الْفَاءِ الْأُولَى وَتُضَمُّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مِنْ تَابِعِيِّ الْمَدِينَةِ فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى، وَالْفَاءُ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: هُوَ فِي غَيْرِ الْفَرَافِصَةِ: بْنِ الْأَحْوَصِ، وَأَمَّا أَهْلُ اللُّغَةِ فَلَا يَعْرِفُونَ إِلَّا الضَّمَّ اهـ، وَفِي الْقَامُوسِ الْفُرَافِصُ: بِالضَّمِّ الْأَسَدُ الشَّدِيدُ الْغَلِيظُ كَالْفَرَافِصَةِ وَبِالْفَتْحِ رَجُلٌ (ابْنُ عُمَيْرٍ الْحَنَفِيُّ) : نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةِ بَنِي حَنِيفَةَ (قَالَ: مَا أَخَذْتُ) ، أَيْ: مَا تَعَلَّمْتُ (سُورَةَ يُوسُفَ إِلَّا مِنْ قِرَاءَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ) : لَا يَنْصَرِفُ وَقَدْ يَنْصَرِفُ ﵁ إِيَّاهَا) ، أَيْ: تِلْكَ السُّورَةَ كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا (فِي الصُّبْحِ) ، أَيْ: فِي صَلَاتِهِ (مِنْ كَثْرَةِ مَا كَانَ يُرَدِّدُهَا) ، أَيْ: يُكَرِّرُهَا فِي صَلَوَاتِ الصُّبْحِ وَ " مِنْ " تَعْلِيلٌ لَأَخَذْتُ، قِيلَ: مُدَاوَمَةُ قِرَاءَةِ سُورَةِ يُوسُفَ مُوَرِّثَةٌ لِسَعَادَةِ الشَّهَادَةِ، وَهِيَ مُجَرَّبَةٌ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا يُنَافِي قَوْلَ سُلْطَانِ الْعُلَمَاءِ الْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْقُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلَى فَاضِلٍ كَآيَةِ الْكُرْسِيِّ، إِذَا هُوَ كَلَامُهُ تَعَالَى فِيهِ وَمَفْضُولٍ كَـ (تَبَّتْ) إِذْ هُوَ كَلَامُهُ فِي عَدُوِّهِ، وَلَا يَنْبَغِي الْمُدَاوَمَةُ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاضِلِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ ﵇ لَمْ يَفْعَلْهُ؛ وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى نِسْيَانِهِ، وَقَوْلُ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا: كَرِهُوا الْمُدَاوَمَةَ عَلَى سُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ هَجْرِ بَاقِي الْقُرْآنِ اهـ. قُلْتُ: لَا يُنَافِيهِ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُمْ بِدَلِيلِ عِلَّتِهِمُ الْمُدَاوَمَةُ الِاسْتِغْرَاقِيَّةُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَمَا وَقَعَ عَنْ عُثْمَانَ لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ، بَلْ كَثْرَةُ تِلْكَ فِي خُصُوصِ الصُّبْحِ (رَوَاهُ مَالِكٌ) .

стр. 1342

٨٦٥ - وَعَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁، قَالَ: صَلَّيْنَا وَرَاءَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الصُّبْحَ، فَقَرَأَ فِيهَا بِسُورَةِ (يُوسُفَ) ، وَسُورَةِ (الْحَجِّ) ، قِرَاءَةً بَطِيئَةً، قِيلَ لَهُ: إِذًا لَقَدْ كَانَ يَقُومُ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ، قَالَ: أَجَلْ رَوَاهُ مَالِكٌ. ــ ٨٦٥ - (وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ) : يُكْنَى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْعَنَزِيَّ هَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ قَدِيمًا (قَالَ: صَلَّيْنَا وَرَاءَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ الصُّبْحَ، فَقَرَأَ فِيهَا) ، أَيْ: فِي رَكْعَتَيْهِ، وَفِي نُسْخَةٍ فِيهَا، أَيْ: فِي صَلَاتِهِ (بِسُورَةِ يُوسُفَ) ، أَيْ: كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا فِي رَكْعَةٍ (وَسُورَةِ الْحَجِّ) : كَذَلِكَ فِي أُخْرَى (قِرَاءَةً بَطِيئَةً) : بِالْهَمْزِ وَيُشَدَّدُ، أَيْ: قِرَاءَةً مُجَوَّدَةً مُرَتَّلَةً مُبَيَّنَةً (قِيلَ لَهُ) ، أَيْ: لِعَامِرٍ (إِذًا لَقَدْ كَانَ يَقُومُ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ) : بِضَمِّ اللَّامِ، أَيْ: أَوَّلَ مَا يَظْهَرُ الصُّبْحُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: إِذًا جَوَابٌ وَجَزَاءٌ يَعْنِي: قَالَ رَجُلٌ لِعَامِرٍ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرْتَ إِذًا، وَاللَّهِ لَقَامَ فِي الصَّلَاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ حِينَ الْغَلَسِ: (قَالَ: أَجَلْ) ، أَيْ: نَعَمْ، قُلْتُ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ، فَمَحْمُولٌ عَلَى الْجَوَازِ لَا عَلَى الْمُخْتَارِ؛ إِذْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى مُوَاظَبَتِهِ عَلَى ذَلِكَ (رَوَاهُ مَالِكٌ) .

стр. 1343

٨٦٦ - «وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: مَا مِنَ الْمُفَصَّلِ سُورَةٌ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةٌ إِلَّا قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَؤُمُّ بِهَا النَّاسَ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ» ، رَوَاهُ مَالِكٌ. ــ ٨٦٦ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ) ، أَيْ: جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يُحْتَمَلُ هُنَا عَوْدُ الضَّمِيرِ لِجَدِّ شُعَيْبٍ، فَيَكُونُ الْحَدِيثُ عَنْ عَمْرٍو؛ لِأَنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ هُوَ الْأَوَّلُ (مَا مِنَ الْمُفَصَّلِ سُورَةٌ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةٌ إِلَّا قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَؤُمُّ بِهَا النَّاسَ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ) ، أَيِ: الْمَفْرُوضَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ وَهِيَ الْخَمْسُ، ثُمَّ هُوَ إِمَّا عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ، أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْجَوَازِ وَالْبَيَانِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْمُفَصَّلُ مِمَّا اخْتُصَّ بِهِ ﵇، فَفِي حَدِيثِ أَبِي نُعَيْمٍ: وَأُعْطِيتُ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ كُنُوزِ الْعَرْشِ، وَخُصِّصْتُ بِهِ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ، وَأُعْطِيتُ الْمَثَانِي مَكَانَ التَّوْرَاةِ، وَالْمَئِينَ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ، وَالْخَوَاتِيمَ مَكَانَ الزَّبُورِ، وَفُضِّلْتُ بِالْمُفَصَّلِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَثَانِي الْفَاتِحَةُ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ: «أُمُّ الْقُرْآنِ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي» ، أَيْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ السَّبْعَ الْمَثَانِي السَّبْعُ الطِّوَالُ أَوَّلُهَا الْبَقَرَةُ وَآخِرُهَا الْأَنْفَالُ مَعَ التَّوْبَةِ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ سُورَةَ يُونُسَ بَدَلَ الْأَنْفَالِ (رَوَاهُ مَالِكٌ) : كَانَ مُقْتَضَى دَأْبِهِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْأَرْبَعَةِ وَيَقُولَ: رَوَاهَا مَالِكٌ.

стр. 1344

٨٦٧ - «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِـ حم الدُّخَانِ» ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مُرْسَلًا. ــ ٨٦٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ) : الْهُذَلِيِّ ابْنِ أَخِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، مَدَنِيُّ الْأَصْلِ، سَكَنَ الْكُوفَةَ، أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ بِالْكُوفَةِ، سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَغَيْرَهُ، كَذَا فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ لِلْمُؤَلِّفِ، (قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِـ حم الدُّخَانِ) ، أَيْ: كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ، وَفِي أَصْلِ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ ضُبِطَ بِكَسْرِ مِيمِ حَمِ وَجَرِّ الدُّخَانِ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ تَحْرِيكُهُ بِالْكَسْرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ مُضَافٌ إِلَيْهِ، أَوْ بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ؛ لِأَنَّ الْفُتْحَةَ أَخَفُّ الْحَرَكَاتِ، وَفِي أُخْرَى بِنَصْبِ الدُّخَانِ بِتَقْدِيرِ: أَعْنِي، (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مُرْسَلًا) : لِأَنَّ الرَّاوِيَ تَابِعِيٌّ وَحُذِفَ الصَّحَابِيُّ.

стр. 1345

[بَابُ الرُّكُوعِ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٨٦٨ - عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَقِيمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ (١٣) بَابُ الرُّكُوعِ. هُوَ رَكْنٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَهُوَ لُغَةً الِانْحِنَاءُ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْخُضُوعُ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ خَصَائِصِنَا لِقَوْلِ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] إِنَّمَا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُمْ لَا رُكُوعَ فِيهَا، وَالرَّاكِعُونَ مُحَمَّدٌ ﷺ وَأُمَّتُهُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] صَلِّي مَعَ الْمُصَلِّينَ، وَقِيلَ: حِكْمَةُ تَكْرِيرِ السُّجُودِ دُونَهُ أَنَّهُ وَسِيلَةٌ وَمُقَدِّمَةٌ لِلسُّجُودِ الَّذِي هُوَ الْخُضُوعُ الْأَعْظَمُ، لِمَا فِيهِ مِنْ مُبَاشَرَةِ أَشْرَفِ مَا فِي الْإِنْسَانِ لِمَوَاطِئِ الْأَقْدَامِ وَالنِّعَالِ، فَنَاسَبَ تَكْرِيرَهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَكَفِّلُ بِالْمَقْصُودِ، حَيْثُ وَرَدَ، أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، وَقِيلَ: إِنَّمَا كُرِّرَ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ مِنَ الْأَرْضِ وَإِلَيْهَا يَعُودُ وَمِنْهَا يَخْرُجُ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى: مِنْهَا خَلَقْتَنِي، وَفِي الثَّانِيَةِ: وَفِيهَا تُعِيدُنِي، وَفِي الرَّفْعِ الثَّانِي: وَمِنْهَا تُخْرِجُنِي تَارَةً أُخْرَى، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ أُمِرُوا بِالسُّجُودِ وَسَجَدُوا رَأَوْا بَعْدَ السُّجُودِ أَنَّ اللَّعِينَ لَمْ يَسْجُدْ فَسَجَدُوا سَجْدَةً ثَانِيَةً شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى تَوْفِيقِ سَجْدَتِهِمْ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ تَعَبُّدٌ مَحْضٌ.

стр. 1346

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ. ٨٦٨ - (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: " «أَقِيمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ» ) : قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: أَتَمُّوهُمَا، مِنْ أَقَامَ الْعُودَ إِذَا قَوَّمَهُ " «فَوَاللَّهِ إِنِّي لِأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي» ) ، أَيْ: أَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ خَلْفَ ظَهْرِي مِنْ نُقْصَانِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَهِيَ مِنَ الْخَوَارِقِ الَّتِي أُعْطِيهَا ﵇ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْكُشُوفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْقُلُوبِ الْمُنْجَلِيَةِ لِعُلُومِ الْغُيُوبِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِي الْحَدِيثِ حَثٌّ عَلَى الْإِقَامَةِ وَمَنْعٌ عَنِ التَّقْصِيرِ، فَإِنَّ تَقْصِيرَهُمْ إِذَا لَمْ يَخْفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَخْفَى عَلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ وَالرَّسُولُ ﷺ إِنَّمَا عَلِمَهُ بِاطِّلَاعِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ وَكَشْفِهِ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الصَّوَابُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ هَذَا الْإِبْصَارَ إِدْرَاكٌ حَقِيقِيٌّ بِحَاسَّةِ الْعَيْنِ خَاصٌّ بِهِ ﵇ عَلَى طَرِيقِ خَرْقِ الْعَادَةِ، فَكَانَ يَرَى بِهِمَا مِنْ غَيْرِ مُقَابِلَةٍ وَقُرْبٍ، وَقِيلَ: كَانَتْ لَهُ عَيْنٌ خَلْفَ ظَهْرِهِ، وَقِيلَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَيْنَانِ مِثْلُ سَمِّ الْخِيَاطِ لَا يَحْجِبُهُمَا شَيْءٌ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

стр. 1347

٨٦٩ - «وَعَنِ الْبَرَاءِ ﵁، قَالَ: كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ ﷺ وَسُجُودُهُ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ - مَا خَلَا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ - قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٨٦٩ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَسُجُودُهُ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) ، أَيْ: وَجُلُوسُهُ بَيْنَهُمَا (وَإِذَا رَفَعَ) ، أَيْ: وَقِيَامُهُ حِينَ رَفْعَ رَأْسَهُ؛ لِأَنَّ (إِذَا) ، إِذَا انْسَلَخَتْ عَنْ مَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ تَكُونُ لِلْوَقْتِ الْمُجَرَّدِ (مِنَ الرُّكُوعِ: مَا خَلَا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ) : بِنَصْبِهِمَا لَا غَيْرُ، قَالَ الطِّيبِيُّ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْمَعْنَى، فَإِنَّ مَفْهُومَ ذَلِكَ كَانَتْ أَفْعَالُ صَلَاتِهِ ﵇ (مَا خَلَا الْقِيَامَ) ، أَيْ: لِلْقِرَاءَةِ، (وَالْقُعُودِ) أَيْ: لِلتَّشَهُّدِ (قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ) ، أَيْ: كَانَ قَرِيبًا مِنَ التَّسَاوِي وَالتَّمَاثُلِ لَا طَوِيلًا وَلَا قَصِيرًا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: (وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) ، (وَإِذَا رَفَعَ) مَعْطُوفَانِ عَلَى اسْمِ كَانَ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُضَافِ، أَيْ: زَمَانُ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَوَقْتُ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنَ الرُّكُوعِ سَوَاءً (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، قَالَ مِيرَكُ، فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ جُمْلَةَ مَا خَلَا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ.

стр. 1348

٨٧٠ - «وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَالَ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " قَامَ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ، ثُمَّ يَسْجُدُ وَيَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٨٧٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَالَ: ( «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» ) : تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ لَفْظًا وَمَعْنًى (قَامَ حَتَّى نَقُولَ) : بِالنَّصْبِ، وَقِيلَ: بِالرَّفْعِ حِكَايَةَ حَالٍ مَاضِيَةٍ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: نَصَبَ (نَقُولَ) بِحَتَّى، وَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُعْمِلُ حَتَّى إِذَا حَسُنَ فَعَلَ مَوْضِعَ يَفْعَلُ كَمَا يُحْسِنُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، حَتَّى قُلْنَا قَدْ أَوْهَمَ، وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَلَى مَا عَلِمْنَا عَلَى النَّصْبِ، وَكَانَ تَرْكُهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَتَمَّ وَأَبْلَغَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْمُضَارِعَ إِذَا كَانَ حِكَايَةً عَنِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ لَا يَحْسُنُ فِيهِ الْإِعْمَالُ وَإِلَّا فَيَحْسُنُ، وَهُنَا الْحَدِيثُ مِنْ قَبِيلِ الْأَوَّلِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ قَامَ، وَفِيهِ بَحْثٌ إِذْ وَرَدَ فِي التَّنْزِيلِ ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤] بِالنَّصْبِ عَلَى قِرَاءَةِ الْأَكْثَرِ، وَقَرَأَ نَافِعٌ بِالرَّفْعِ مَعَ أَنَّ الْمَعْنَى وَقَعَ الزِّلْزَالُ مِنْهُمْ إِلَى أَنْ قَالَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] وَمَعْنَى الْحَدِيثِ يُطِيلُ الْقِيَامَ أَوْ أَطَالَهُ حَتَّى نَظُنَّ؛ إِذِ الْقَوْلُ قَدْ جَاءَ بِمَعْنَاهُ، (قَدْ أَوْهَمَ) : عَلَى صِيغَةِ الْمَاضِي الْمَعْلُومِ، وَقِيلَ مَجْهُولٌ، فِي الْفَائِقِ: أَوْهَمْتُ الشَّيْءَ، إِذَا تَرَكْتُهُ، وَأَوْهَمْتُ فِي الْكَلَامِ وَالْكِتَابِ إِذَا أَسْقَطْتُ مِنْهُ شَيْئًا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ يَعْنِي: كَانَ يَلْبَثُ فِي حَالِ الِاسْتِوَاءِ مِنَ الرُّكُوعِ زَمَانًا نَظُنُّ أَنَّهُ أَسْقَطَ الرَّكْعَةَ الَّتِي رَكَعَهَا وَعَادَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْقِيَامِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَيُقَالُ أَوْهَمْتُهُ إِذَا أَوْقَعْتُهُ فِي الْغَلَطِ، وَعَلَى هُنَا يَكُونُ أَوْهَمَ عَلَى صِيغَةِ الْمَاضِي الْمَجْهُولِ، أَيْ: أَوْقَعَ عَلَيْهِ الْغَلَطَ، وَوَقَفَ سَهَوًا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: وَقَعَ فِي وَهْمِ النَّاسِ، أَيْ: ذِهْنِهِمْ أَنَّهُ تَرَكَهَا، (ثُمَّ يَسْجُدُ وَيَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) ، أَيْ: يُطِيلُ الْقُعُودَ

стр. 1349

بَيْنَهُمَا (حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ) ، أَيْ: نَظُنُّ أَنَّهُ أَسْقَطَ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْإِطَالَةَ كَانَتْ فِي النَّوَافِلِ، أَوْ فِي الْفَرَائِضِ أَحْيَانًا لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَلَفْظَةُ كَانَ لِلرَّابِطَةِ لَا لِبَيَانِ الْمُوَاظَبَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

стр. 1350

٨٧١ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٨٧١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ) : مِنَ الْإِكْثَارِ (أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: " «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ» ) ، أَيْ: سَبَّحْتُكَ إِجَابَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، فَالْمَعْنَى حِينَ تَقُومُ لِلْعِبَادَةِ، وَإِلَّا فَالْمَشْهُورُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ حِينَ تَقُومُ مِنْ مَجْلِسِكَ، أَوْ مِنَ النَّوْمِ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) ، أَيْ: إِجَابَةً لِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ﴾ [المؤمنون: ١١٨] ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَأَرَادَ بِهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ﴾ [المؤمنون: ١١٨] (٢) ، وَهُوَ لَا يُلَائِمُ تَبْدِيلَ رَبِّ بِـ (اللَّهُمَّ) ، وَالِاقْتِصَارَ عَلَى قَوْلِهِ: اغْفِرْ، فَالْأَظْهَرُ إِجَابَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] فَالْمَعْنَى لِي وَلِأُمَّتِي، وَفِي الْحَقِيقَةِ لِأُمَّتِي؛ فَإِنَّهُ مَغْفُورٌ، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ طَلَبَ تَثْبِيتَ الْمَغْفِرَةِ أَوْ حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ، (يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ) : قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: أَيْ يَعْمَلُ مَا أُمِرَ بِهِ فِيهِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ: يُفَسِّرُهُ وَيَقُولُ وَيَنْظُرُ إِلَى مَا تَئُولُ إِلَيْهِ كَلِمَاتُ الْقُرْآنِ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالْحَمْدِ وَالِاسْتِغْفَارِ قَالَ الْقَاضِي: جُمْلَةٌ وَقَعَتْ حَالًا عَنْ ضَمِيرِ يَقُولُ أَيْ يَقُولُ مُتَأَوِّلًا لِلْقُرْآنِ، أَيْ: مُبَيِّنًا مَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] آتِيًا بِمُقْتَضَاهُ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَهُوَ أَظْهَرُ لَفْظًا وَمَعْنًى وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يُقَيَّدْ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، لَكِنْ جَعْلُهُ فِي أَفْضَلِ الْأَحْوَالِ - وَهُوَ الصَّلَاةُ - أَبْلَغُ فِي الِامْتِثَالِ وَأَظْهَرُ فِي التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَأَحْمَدُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: " «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» "، فَيُسَنُّ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَصَحَّ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِيهِمَا: " «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ» "، وَصَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] كَانَ يُكْثِرُ إِذَا قَرَأَهَا وَرَكَعَ أَنْ يَقُولَ: " «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» ".

стр. 1351

٨٧٢ - وَعَنْهَا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: " سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٨٧٢ - (وَعَنْهَا) : أَيْ عَنْ عَائِشَةَ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ) ، أَيْ: أَحْيَانًا ( «يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: " سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ» ) ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: يُرْوَيَانِ بِالضَّمِّ، وَالْفَتْحُ قِيَاسٌ، وَالضَّمُّ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا، وَهُوَ مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ، وَالْمُرَادُ التَّنْزِيهُ اهـ، وَلَعَلَّ التَّكْرِيرَ لِلتَّأْكِيدِ، أَوْ أَحَدَهُمَا لِتَنْزِيهِ الذَّاتِ وَالْآخَرَ لِتَنْزِيهِ الصِّفَاتِ، قَالَ الْمُظْهِرُ: هُمَا خَبَرَانِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: رُكُوعِي وَسُجُودِي لِمَنْ هُوَ سُبُّوحٌ وَقُدُّوسٌ، أَيْ: مُنَزَّهٌ عَنْ أَوْصَافِ الْمَخْلُوقَاتِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ تَقْدِيرَهُ: أَنْتَ سُبُّوحٌ أَوْ هُوَ سُبُّوحٌ، أَيْ: مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ مِنْ سَبَّحْتُ اللَّهَ، أَيْ: نَزَّهْتُهُ، وَقُدُّوسٌ أَيْ طَاهِرٌ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَمُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ مَا يُسْتَقْبَحُ، فَعُولٌ لِمُبَالِغَةِ الْمَفْعُولِ، (رَبُّ الْمَلَائِكَةِ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيِ الَّذِينَ هُمْ أَعْظَمُ الْعَوَالِمِ وَأَطْوَعُهُمْ لِلَّهِ، وَأَدْوَمُهُمْ عَلَى عِبَادَتِهِ، وَمِنْ ثَمَّ أُضِيفَتِ التَّرْبِيَةُ إِلَيْهِمْ بِخُصُوصِهِمْ، وَفِي حَدِيثٍ عِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ: " لَيْسَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَكْثَرُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، مَا مِنْ شَيْءٍ يَنْبُتُ إِلَّا وَمَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهِ "، وَفِي أَثَرٍ: يَنْزِلُ مَعَ الْمَطَرِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَكْثَرُ مِنْ وَلَدِ آدَمَ وَوَلَدِ إِبْلِيسَ يُحْصُونَ كُلَّ قَطْرَةٍ، وَأَيْنَ تَقَعُ، وَمَنْ يُرْزَقُ ذَلِكَ النَّبَاتُ.

стр. 1352

وَأَخْرَجَ جَمْعٌ حُفَّاظٌ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: " «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً تَرْعَدُ فَرَائِصُهُمْ مِنْ مَخَافَتِهِ، مَا مِنْهُمْ مَلَكٌ يَقْطُرُ مِنْ عَيْنِهِ دَمْعَةٌ إِلَّا وَقَعَتْ مَلَكًا يُسَبِّحُ وَمَلَائِكَةً سُجُودًا، مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهُمْ وَلَا يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَلَائِكَةً رُكُوعًا لَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهُمْ وَلَا يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَصُفُوفًا لَمْ يَنْصَرِفُوا عَنْ مَصَافِّهِمْ وَلَا يَنْصَرِفُونَ عَنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ تَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ ، فَنَظَرُوا إِلَيْهِ وَقَالُوا: " سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ كَمَا يَنْبَغِي لَكَ» "، وَفِي حَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ " «مَا فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ مَوْضِعُ قَدَمٍ وَلَا شِبْرٍ وَلَا كَفٍّ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ وَمَلَكٌ سَاجِدٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالُوا جَمِيعًا: سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ إِلَّا أَنَّا لَمْ نُشْرِكْ بِكَ شَيْئًا» "، وَفِي أَثَرٍ: إِنَّ لِجِبْرِيلَ فِي كُلِّ يَوْمٍ انْغِمَاسَةً فِي الْكَوْثَرِ ثُمَّ يَنْتَفِضُ، فَكُلُّ قَطْرَةٍ يُخْلَقُ مِنْهَا مَلَكٌ، وَعَنْ كَعْبٍ: مَا مِنْ مَوْضِعِ خُرْمِ إِبْرَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا وَمَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهَا يَرْفَعُ عِلْمَ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ بْنِ الْمُنْذِرِ: يُصَلِّي فِي الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَهُوَ بِحِيَالِ الْكَعْبَةِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ، وَأَنَّ الْكَرُوبِيِّينَ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتَرُونَ تِسْعَةُ أَعْشَارِ الْمَلَائِكَةِ، وَالْعُشْرُ الْبَاقِي قَدْ وُكِّلُوا بِحِرَاسَةِ كُلِّ شَيْءٍ (وَالرُّوحِ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ الرُّوحُ الَّذِي بِهِ قِوَامُ كُلِّ شَيْءٍ، غَيْرَ أَنَّا إِذَا اعْتَبَرْنَا النَّظَائِرَ مِنَ التَّنْزِيلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] وَغَيْرِهِ، فَالْمُرَادُ جِبْرِيلُ خُصَّ بِالذِّكْرِ تَفْضِيلًا، وَقِيلَ: الرُّوحُ صِنْفٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ اهـ. وَقِيلَ: مَلَكٌ يَكُونُ صَفًّا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ جِبْرِيلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] أَوْ مَلَكٌ مِنْ أَعْظَمِ الْمَلَائِكَةِ خَلْقًا، كَمَا أَخْرَجَهُ جَمْعٌ حُفَّاظٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَوْ حَاجِبُ اللَّهِ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ أَعْظَمُ الْمَلَائِكَةِ، لَوْ فَتَحَ فَاهُ لَوَسِعَ جَمِيعَ الْمَلَائِكَةِ، فَالْخَلْقُ إِلَيْهِ يَنْظُرُونَ، فَمِنْ مَخَافَتِهِ لَا يَرْفَعُونَ طَرْفَهُمْ إِلَى مَنْ فَوْقَهُ أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحَّاكِ، أَوْ مَلَكٌ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ وَجْهٍ، لِكُلِّ وَجْهٍ سَبْعُونَ أَلْفَ لِسَانٍ، لِكُلِّ لِسَانٍ سَبْعُونَ أَلْفَ لُغَةٍ، يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى بِتِلْكَ اللُّغَاتِ كُلِّهَا، يَخْلُقُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ تَسْبِيحَةٍ مَلَكًا يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَخْرَجَهُ جَمْعٌ أَئِمَّةٌ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، لَكِنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ، أَوْ مَلَكٌ وَاحِدٌ لَهُ عَشَرَةُ آلَافِ جَنَاحٍ جَنَاحَانِ مِنْهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، لَهُ أَلْفُ وَجْهٍ فِي كُلِّ وَجْهٍ أَلْفُ لِسَانٍ وَعَيْنَانِ وَشَفَتَانِ يُسَبِّحَانِ اللَّهَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَخْرَجَهُ جَمْعٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، أَوْ مَلَكٌ أَشْرَفُ الْمَلَائِكَةِ، وَأَقْرَبُهُمْ مِنَ الرَّبِّ وَهُوَ صَاحِبُ الْوَحْيِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ: أَوْ مَلَكٌ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ أَعْظَمُ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْجِبَالِ، وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ يُسَبِّحُ كُلَّ يَوْمٍ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ تَسْبِيحَةٍ، يَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ كُلِّ تَسْبِيحَةٍ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، يَجِيءُ صَفًّا وَاحِدًا، أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَوْ خَلْقٌ عَلَى صُوَرِ بَنِي آدَمَ أَخْرَجَهُ جَمْعٌ أَئِمَّةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَأَخْرَجَ جَمْعٌ عَنْهُ: الرُّوحُ يَأْكُلُونَ، وَلَهُمْ أَيْدٍ وَأَرْجُلٌ وَرُءُوسٌ، وَلَيْسُوا بِمَلَائِكَةٍ. وَجَمْعٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكٌ إِلَّا وَمَعَهُ وَاحِدٌ مِنَ الرُّوحِ، وَأَخْرَجَ بَعْضُ حُفَّاظٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الرُّوحُ جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ لَيْسُوا بِمَلَائِكَةٍ لَهُمْ رُءُوسٌ وَأَيْدٍ وَأَرْجُلٌ ثُمَّ قَرَأَ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] قَالَ: " هَؤُلَاءِ جُنْدٌ وَهَؤُلَاءِ جُنْدٌ» ، وَأَخْرَجَ جَمْعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: مَا يَبْلُغُ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالْمَلَائِكَةُ وَالشَّيَاطِينُ عُشْرَ الرُّوحِ، وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَلْمَانَ أَنَّ الْإِنْسَ عُشْرُ الْجِنِّ، وَالْجِنَّ عُشْرُ الْمَلَائِكَةِ، وَهُمْ عُشْرُ الرُّوحِ، وَهُمْ عُشْرُ الْكَرُوبِيِّينَ، وَعَنْ أَبِي نَجِيحٍ: الرُّوحُ حَفَظَةٌ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ: هُمْ مِنْهُمْ لَكِنَّهُمْ لَا يَرَوْنَهُمْ، هَذَا وَلَا يُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الْإِضَافَةِ فَضْلُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى بَنِي آدَمَ، لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ سَبَبَ الْإِضَافَةِ كَوْنُهُمْ أَعْظَمَ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَحْمَدُ.

стр. 1353

٨٧٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٨٧٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " أَلَا) : كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ (إِنِّي نُهِيتُ) ، أَيْ: فِي كَرَاهَةِ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَقِيلَ تَحْرِيمًا وَهُوَ الْقِيَاسُ، (أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ) ، أَيْ: عَنْ قِرَاءَتِهِ (رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا) ، أَيْ: فِي هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَمَّا كَانَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ، وَهُمَا غَايَةُ الذُّلِّ وَالْخُضُوعِ مَخْصُوصَيْنِ بِالذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ، نَهَى ﵇ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَلَامِ الْخَلْقِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَيَكُونَانِ سَوَاءً، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِيهِ أَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي حَالِ الْقِيَامِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَكَأَنَّ حِكْمَتَهُ أَنَّ أَفْضَلَ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ الْقِيَامُ، وَأَفْضَلَ الْأَذْكَارِ الْقُرْآنُ، فَجُعِلَ الْأَفْضَلُ لِلْأَفْضَلِ، وَنُهِيَ عَنْ جَعْلِهِ فِي غَيْرِهِ لِئَلَّا يُوهِمَ اسْتِوَاءَهُ مَعَ بَقِيَّةِ الْأَذْكَارِ، وَقِيلَ خُصَّتِ الْقِرَاءَةُ بِالْقِيَامِ أَوِ الْقُعُودِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُمَا مِنَ الْأَفْعَالِ الْعَادِيَّةِ، وَيَتَمَحَّضَانِ لِلْعِبَادَةِ بِخِلَافِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِأَنَّهُمَا بِذَوَاتِهِمَا يُخَالِفَانِ الْعَادَةَ وَيَدُلَّانِ عَلَى الْخُضُوعِ وَالْعِبَادَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ حَالَانِ دَالَّانِ عَلَى الذُّلِّ وَيُنَاسِبُهُمَا الدُّعَاءُ وَالتَّسْبِيحُ، فَنُهِيَ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَتَكْرِيمًا لِقَارِئِهِ الْقَائِمِ مُقَامَ الْكَلِيمِ، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ قَالَ الْقَاضِيَ: نَهْيُ اللَّهِ تَعَالَى رَسُولَهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، لَكِنْ لَوْ قَرَأَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، إِلَّا إِذَا كَانَ الْمَقْرُوءُ الْفَاتِحَةَ، فَإِنَّ فِيهَا خِلَافًا يَعْنِي: عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ زَادَ رُكْنًا، لَكِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهِ نَظْمُ صَلَاتِهِ، ( «فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ» ) ، أَيْ: فَقُولُوا سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ( «وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا» ) ، أَيْ: بَالِغُوا (فِي الدُّعَاءِ) ، أَيْ: حَقِيقَةً وَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ حُكْمًا كَمَا فِي: " «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى» " وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ادْعُوا بَعْدَ قَوْلِ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَمْرُهُ إِيَّاهُ بِالتَّعْظِيمِ لِلرَّبِّ فِي الرُّكُوعِ وَبِالدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْقِرَاءَةِ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِهِ ﵇، بَلِ الْأُمَّةُ دَاخِلُونَ مَعَهُ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْأَمْرُ فِيهِ لِلنَّدْبِ لَا لِلْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ ﵇ حِينَ عَلَّمَ الْأَعْرَابِيَّ لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ (فَقَمِنٌ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتُكْسَرُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَمَنْ فَتَحَ الْمِيمَ لَمْ يُثَنِّ وَلَمْ يُؤَنِّثْ وَلَمْ يَجْمَعْ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، أَيْ: نَعْتٌ بِهِ، وَمَنْ كَسَرَ ثَنَّى وَجَمَعَ وَأَنَّثَ؛ لِأَنَّهُ وَصَفٌ، أَيْ: فِي أَصْلِهِ، وَكَذَلِكَ الْقَمِينُ، أَيْ: مِثْلُ الْقَمِنِ بِالْكَسْرِ الْقَمِينُ بِالْيَاءِ فِي كَوْنِهِ وَصْفًا، وَالْمَعْنَى: جَدِيرٌ وَخَلِيقٌ وَلَائِقٌ وَحَقِيقٌ (أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ) : لِأَنَّ السُّجُودَ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ فِيهِ إِلَى رَبِّهِ، فَيَكُونُ الدُّعَاءُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَقْرَبَ إِلَى الْإِجَابَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ.

стр. 1354

٨٧٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٨٧٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» ) : بِالضَّمِّ عَلَى أَنَّهُ ضَمِيرٌ، وَبِالسُّكُونِ عَلَى أَنَّهُ هَاءُ السَّكْتِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ الْجَعْبَرِيُّ: نَقَلَ الْقُرَّاءُ أَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُسَكِّنُ هَاءَ الضَّمِيرِ إِذَا تَحَرَّكَ مَا قَبْلَهَا، فَيَقُولُ: ضَرَبْتُهُ ضَرْبًا حَمْلًا عَلَى مِيمِ الْجَمْعِ، وَقِيلَ: حُمِلَتْ عَلَى الْوَقْفِ، أَيْ: نَزَلَ الْوَصْلُ مَنْزِلَةَ الْوَقْفَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْوَجْهَانِ الضَّمُّ وَالسُّكُونُ وَصْلًا مَعَ اعْتِبَارِ هَاءِ الضَّمِيرِ أَمْرًا عِنْدَ الْقُرَّاءِ، وَأَمَّا عَلَى اعْتِبَارِ هَاءِ السَّكْتِ، فَيَجُوزُ الْوَجْهَانِ إِبْقَاءُ الْهَاءِ وَحَذْفُهَا وَصْلًا عِنْدَ الْكُلِّ، وَمَعْنَاهُ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ حَمْدَهُ وَأَجَابَهُ، تَقُولُ: اسْمَعَ دُعَائِي، أَيْ: أَجِبْ ( «فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، فَإِنَّهُ» ) ، أَيِ: الشَّأْنَ (مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ) : وَهُوَ قَوْلُهُ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ بَعْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ (قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ) ، أَيْ: فِي الزَّمَانِ، أَوْ فِي الْقَبُولِ ( «غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ) ، أَيْ: مِنَ الصَّغَائِرِ عَدْلًا، وَمِنَ الْكَبَائِرِ فَضْلًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

стр. 1355

٨٧٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ ظَهْرَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٨٧٥ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ ظَهْرَهُ» ) ، أَيْ: حِينَ شَرَعَ فِي رَفْعِهِ ( «مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» ) ، أَيْ: وَإِذَا انْتَهَى إِلَى الِاعْتِدَالِ قَالَ حِينَ مَالَ إِلَى السُّجُودِ ( «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» ) ، أَيْ: وَيُزَادُ فِي النَّوَافِلِ (مِلْءَ السَّمَاوَاتِ) : بِالنَّصْبِ وَهُوَ أَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وَقِيلَ: عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ بِمِلْءِ السَّمَاوَاتِ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ الْحَمْدِ، وَالْمِلْءُ بِالْكَسْرِ اسْمُ مَا يَأْخُذُهُ الْإِنَاءُ إِذَا امْتَلَأَ، وَهُوَ مَجَازٌ عَنِ الْكَثْرَةِ، قَالَ الْمُظْهِرُ: هُنَا تَمْثِيلٌ وَتَقْرِيبٌ، إِذِ الْكَلَامُ لَا يُقَدَّرُ بِالْمَكَايِيلِ وَلَا تَسَعُهُ الْأَوْعِيَةُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مِنْهُ تَكْثِيرُ الْعَدَدِ، حَتَّى لَوْ قُدِّرَ أَنَّ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ تَكُونُ أَجْسَامًا تَمْلَأُ الْأَمَاكِنَ لَبَلَغَتْ مِنْ كَثْرَتِهَا مَا تَمْلَأُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ ( «وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» ) ، أَيْ: بَعْدَ ذَلِكَ أَيْ مَا بَيْنَهُمَا، أَوْ غَيْرُ مَا ذُكِرَ كَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَمَا تَحْتَ الثَّرَى، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جِهَتَا الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ، وَالْمُرَادُ بِمِلْءِ مَا شَاءَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ مَا تَعَلَّقُ بِهِ مَشِيئَتُهُ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هُنَا، أَيْ: مِلْءُ مَا شِئْتَ يُشِيرُ إِلَى الِاعْتِرَافِ بِالْعَجْزِ عَنْ أَدَاءِ حَتَّى الْحَمْدِ بَعْدَ اسْتِفْرَاغِ الْمَجْهُودِ، فَإِنَّهُ حَمِدَهُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَهَذَا نِهَايَةُ أَقْدَامِ السَّابِقِينَ، ثُمَّ ارْتَفَعَ وَتَرَقَّى فَأَحَالَ الْأَمْرَ فِيهِ عَلَى الْمَشِيئَةِ؛ إِذْ لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ لِلْحَمْدِ مُنْتَهًى، وَلِهَذِهِ الرُّتْبَةِ الَّتِي لَمْ يَبْلُغْهَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ اسْتَحَقَّ ﵇ أَنْ يُسَمَّى أَحْمَدَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 1356

٨٧٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: " اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلُ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ: اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٨٧٦ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ) ، أَيْ: حِينَ انْفِرَادِهِ ( «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلُ الثَّنَاءِ» ) : بِالرَّفْعِ بِتَقْدِيرِ أَنْتَ، وَهُوَ الْأَنْسَبُ لِلسِّيَاقِ وَاللِّحَاقِ، أَوْ بِتَقْدِيرِ هُوَ وَبِالنَّصْبِ عَلَى الْمَدْحِ، أَوْ بِتَقْدِيرِ يَا أَهْلَ الثَّنَاءِ (وَالْمَجْدِ) ، أَيِ: الْعَظَمَةِ أَوِ الْكَرَمِ (أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ) : بِالرَّفْعِ، (وَمَا) ، مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ وَأَلْ لِلْجِنْسِ أَوْ لِلْعَهْدِ وَالْمَعْهُودُ النَّبِيُّ ﷺ ، أَيْ: أَنْتَ أَحَقُّ بِمَا قَالَ الْعَبْدُ لَكَ مِنَ الْمَدْحِ مِنْ غَيْرِكَ، أَوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ الْمَذْكُورُ، مِنَ الْحَمْدِ الْكَثِيرِ أَحَقُّ مَا قَالَهُ الْعَبْدُ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ (أَحَقُّ) مُبْتَدَأً، وَقَوْلُهُ اللَّهُمَّ إِلَخْ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ الْحَالِيَّةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى الْمَدْحِ أَوْ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ: قُلْتُ أَحَقَّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، أَيْ: أَصْدَقَهُ وَأَثْبَتَهُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ وَيَجُوزُ كَوْنُهُ فِعْلًا مَاضِيًا مِنْ أَحَقَّ، أَيْ: أَصَابَ الْعَبْدُ الْحَقَّ فِيمَا قَالَ بِأَنَّكَ أَهْلُ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ حَقٌّ مَا قَالَ الْعَبْدُ فَعَلَى هَذَا هُوَ كَلَامٌ تَامٌّ وُضِعَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِئْنَافِ، وَقَوْلُهُ: ( «وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ» ) : تَذْيِيلٌ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ اهـ. وَهِيَ تَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَقَّ مَاضِيًا أَوْ وَصْفًا، قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: وَيُرْوَى حَقٌّ بِلَا أَلْفٍ، فَهُوَ خَبَرٌ، وَمَا مُبْتَدَأٌ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا مَجْرُورَةٌ بِالْإِضَافَةِ (اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ) ، أَيْ: مِنْ أَحَدٍ (لِمَا أَعْطَيْتَ) ، أَيِ: الْعَبْدَ شَيْئًا مِنَ الْعَطَاءِ ابْتِدَاءً، أَوْ بِسَابِقَةِ عَمَلٍ (وَلَا مُعْطِيَ) : مِنْ أَحَدٍ (لِمَا مَنَعْتَ) ، أَيْ: لِلشَّيْءِ الَّذِي مَنَعْتَهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ، أَوْ مِنَ الْإِعْطَاءِ أَحَدٌ، وَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْجُبَكَ الْمَنْعُ وَالْعَطَاءُ عَنْ مَوْلَاكَ، لِقَوْلِ ابْنِ عَطَاءٍ: رُبَّمَا أَعْطَاكَ فَمَنَعَكَ، وَرُبَّمَا مَنَعَكَ فَأَعْطَاكَ، ( «وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» ) : الْمَشْهُورُ فَتَحُ الْجِيمِ، بِمَعْنَى الْعَظَمَةِ أَوِ الْحَظِّ أَوِ الْغِنَى أَوِ النَّسَبِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَيْ لَا يَنْفَعُ ذَا الْغِنَى مِنْكَ غِنَاهُ، وَرُبَّمَا يَنْفَعُهُ الْعَمَلُ بِطَاعَتِكَ، فَمَعْنَى مِنْكَ: عِنْدَكَ، وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ: أَيْ لَا يُسْلِمُهُ مِنْ عَذَابِكَ غِنَاهُ، قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ لَا يَمْنَعُ عَظَمَةُ الرَّجُلِ وَغِنَاهُ عَذَابَكَ عَنْهُ إِنْ شِئْتَ عَذَابَهُ، وَقِيلَ: لَا يَنْفَعُ ذَا الْحَظِّ، وَالْإِقْبَالِ بِذَلِكَ، أَيْ: بَدَلَ طَاعَتِكَ، وَقِيلَ: (لَا يَنْفَعُ) مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ، أَيْ: وَلَا يَنْفَعُ عَطَاؤُهُ كَمَا لَا يَضُرُّ مَنْعُهُ وَذَا الْجَدِّ مُنَادَى، أَيْ: يَا ذَا الْجَدِّ يَعْنِي يَا ذَا الْغِنَى وَالْعَظَمَةِ وَالْحَظِّ، مِنْكَ الْجَدُّ لَا مِنْ غَيْرِكَ، وَقِيلَ: الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ وَأَبُو الْأُمِّ، أَيْ: لَا يَنْفَعُ ذَا النَّسَبِ الشَّرِيفِ نَسَبُهُ مِنْكَ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْمَعْنَى لَا يُتَوَصَّلُ إِلَى ثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ بِالْجَدِّ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِالْجِدِّ بِالطَّاعَةِ اهـ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَقَلِيلٍ مِنَ النُّسَخِ بِكَسْرِ الْجِيمِ، فَالْمَعْنَى لَا يَنْفَعُهُ مُجَرَّدُ جِدِّهِ وَجُهْدِهِ، وَإِنَّمَا يَنْفَعُهُ التَّوْفِيقُ وَالْقَبُولُ مِنْكَ بِعَمَلِهِ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَقَالَ مِيرَكُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.

стр. 1357

٨٧٧ - وَعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ ﵁، قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ، قَالَ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ": فَقَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: " مَنِ الْمُتَكَلِّمُ آنِفًا "، قَالَ: أَنَا قَالَ: " رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلَ» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٨٧٧ - (وَعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ) ، أَيِ: الرُّكُوعِ وَلَعَلَّهُ عَنَى رَكْعَةً؛ لِأَنَّ الْمُقْتَدِيَ بِإِدْرَاكِهِ يُدْرِكُ رَكْعَةً (قَالَ: " «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» " فَقَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) ، أَيْ: لَكَ النِّعْمَةُ وَلَكَ الْحَمْدُ (حَمَدًا كَثِيرًا) : كَثْرَةَ الْكَائِنَاتِ وَمَا شَاءَ اللَّهُ بَعْدَهَا (طَيِّبًا) ، أَيْ: خَالِصًا مُنَزَّهًا عَنِ النُّقْصَانِ (مُبَارَكًا فِيهِ) ، أَيْ: شَامِلًا لِجَمِيعِ النِّعَمِ (فَلَمَّا انْصَرَفَ) : ﷺ (قَالَ: " «مَنِ الْمُتَكَلِّمُ آنِفًا؟» ) : بِالْمَدِّ وَيُقْصَرُ أَيِ الْآنَ (قَالَ) : أَيِ الرَّجُلُ (أَنَا) ، أَيْ ذَلِكَ الْمُتَكَلِّمُ (قَالَ: " رَأَيْتُ) : وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ رَأَيْتُ، (بِضْعَةً) : وَهِيَ مِنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى التِّسْعَةِ (وَثَلَاثِينَ مَلَكًا) : الظَّاهِرُ أَنَّ لِكُلِّ حَرْفٍ مَلَكًا فَإِنَّ حُرُوفَ الْكَلِمَاتِ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ (يَبْتَدِرُونَهَا) ، أَيْ: يُسَارِعُونَ فِي كِتَابَةِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ (أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلَ) ، أَيْ: سَابِقًا عَنِ الْآخَرِينَ لِعِظَمِ قَدْرِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ قَوْلُهُ: أَوَّلَ بِالنَّصْبِ هُوَ الْأَوْجَهُ، أَيْ: أَوَّلَ مَرَّةٍ: قَالَ فِي الْمَفَاتِيحِ: نَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ، أَوِ الظَّرْفِ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: رُوِيَ (أَوَّلُ) بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاءِ وَبِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ وَأَمَّا أَيُّهُمْ فَرَوَيْنَاهُ بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ يَكْتُبُهَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ بِحَذْفِ الْمُضَافِ، أَيْ: يُسْرِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِيَكْتُبَهَا قَبْلَ الْآخَرِ، وَيُصْعِدُهَا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ: أَوَّلًا، وَلِكُلِّ وَجْهٍ إِذِ الْأَوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِقَطْعِهِ عَنِ الْإِضَافَةِ لَفْظًا لَا مَعْنًى أَيْ: أَوَّلُهُمْ، وَقَالَ الدَّمَامِينِيُّ: أَيُّهُمْ اسْتِفْهَامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ يَكْتُبُهَا. فَإِنْ قُلْتَ: بِمَاذَا تَتَعَلَّقُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ الِاسْتِفْهَامِيَّةُ؟ قُلْتُ: بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ يَبْتَدِرُونَهَا كَأَنَّهُ قِيلَ: يَبْتَدِرُونَهَا لِيَعْلَمُوا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا بِيَبْتَدِرُونَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي يُعَلَّقُ بِهَا الِاسْتِفْهَامُ، وَاقْتَصَرَ الزَّرْكَشِيُّ حَيْثُ جَعَلَهَا اسْتِفْهَامِيَّةً، عَلَى أَنَّ الْمُعَلِّقَ هُوَ يَبْتَدِرُونَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَلْبِيًّا، وَهَذَا مَذْهَبٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ يَعْنِي: فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلَامُ النَّبِيِّ ﷺ وَجُوِّزَ كَوْنُ أَيِ الْمَوْصُولَةِ بَدَلًا مِنْ فَاعِلِ يَبْتَدِرُونَ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ، قَالَ مِيرَكُ: الْعَجَبُ أَنَّ الْحَاكِمَ رَوَى حَدِيثَ رِفَاعَةَ بْنَ رَافِعٍ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ، وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ، وَرِجَالُ الْحَاكِمِ رِجَالُهُ إِلَّا أَنَّهُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكٍ، وَفِي الْبُخَارِيِّ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ اهـ، وَفِيهِ أَنَّهُ يَكْفِي هَذِهِ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ حَتَّى يَرْضَى رَبُّنَا بَعْدَ الرِّضَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَلَمَّا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَاحِبُ الْكَلِمَاتِ» قَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: " «لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا» " وَلَعَلَّ هَذَا الْعَدَدَ بِاعْتِبَارِ الْكَلِمَاتِ، وَيَكُونُ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِلتَّأْكِيدِ وَالتَّذْيِيلِ بِمَنْزِلَةِ الْفَذْلَكَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْإِجْمَالِ بَعْدَ التَّفْصِيلِ.

стр. 1358

الْفَصْلُ الثَّانِي ٨٧٨ - عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ الرَّجُلِ حَتَّى يُقِيمَ ظَهْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٨٧٨ - (عَنْ أَبِي مَسْعُودِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ الرَّجُلِ حَتَّى يُقِيمَ ظَهْرَهُ» ) ، قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ لَا يُسَوِّي ظَهْرَهُ (فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) : وَالْمُرَادُ مِنْهَا الطُّمَأْنِينَةُ وَهِيَ وَاجِبَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَنَحْوِهِمَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ؛ لِأَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ أَمْرٌ وَالِاعْتِدَالَ أَمْرٌ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي، تَعْدِيلُ الْأَرْكَانِ، وَهُوَ الطُّمَأْنِينَةُ وَزَوَالُ اضْطِرَابِ الْأَعْضَاءِ،

стр. 1359

وَأَقَلُّهُ قَدْرُ تَسْبِيحَةٍ فَرْضٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالْأَئِمَّةَ الثَّلَاثَةِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْفَرْضِيَّةُ إِذِ الْفَرْضُ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، فَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ وَقِيلَ: إِنَّهُ سُنَّةٌ، ثُمَّ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَكَذَا الْقَوْمَةُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَالْجِلْسَةُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَالطُّمَأْنِينَةُ كُلُّهَا فَرَائِضُ، عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَهُمَا سُنَنٌ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْهِدَايَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي شَرْحِهَا: يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْقَوْمَةَ وَالْجِلْسَةَ وَاجِبَتَيْنِ لِمُوَاظَبَتِهِ ﵇ عَلَيْهِمَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ فِيمَا يُوجِبُ سَهْوَ الْمُصَلِّي إِذَا رَكَعَ، وَلَمْ يَرْفَعْ رَأَسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ حَتَّى خَرَّ سَاجِدًا سَاهِيًا، تَجُوزُ صَلَاتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ السَّهْوُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: " فِي "، بِمَعْنَى " مِنْ "، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثُ حَسَنٌ صَحِيحٌ) .

стр. 1360

٨٧٩ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ "، فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٨٧٩ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اجْعَلُوهَا» ) ، أَيْ: مَضْمُونُهَا وَمَحْصُولُهَا (فِي رُكُوعِكُمْ) : يَعْنِي: قُولُوا: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ: مَعْنَى الْعَظِيمِ الْكَامِلُ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَمَعْنَى الْجَلِيلِ الْكَامِلُ فِي صِفَاتِهِ، وَمَعْنَى الْكَبِيرِ الْكَامِلُ فِي ذَاتِهِ ( «فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] ، قَالَ: " اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» :) ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَوَجْهُ التَّخْصِيصِ أَنَّ الْأَعْلَى أَبْلَغُ مِنَ الْعَظِيمِ، فَجُعِلَ لِلْأَبْلَغِ فِي التَّوَاضُعِ وَهُوَ السُّجُودُ الْأَفْضَلُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَصَحَّ: أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، وَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ قُرْبُ مَسَافَةٍ فَنُدِبَ فِيهِ التَّسْبِيحُ قَالَ الطِّيبِيُّ: الِاسْمُ هُنَا صِلَةٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ ﵇ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: «سُبْحَانَ رُبِّيَ الْأَعْلَى» ، فَحُذِفَ الِاسْمُ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الِاسْمَ غَيْرُ الْمُسَمَّى، وَقِيلَ: الِاسْمُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ صِلَةٍ، وَالْمَعْنَى تَنْزِيهُ اسْمِهِ عَنْ أَنْ يُبْتَذَلَ، وَأَنْ لَا يُذْكَرَ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ، قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ: كَمَا يَجِبُ تَنْزِيهُ ذَاتِهِ عَنِ النَّقَائِصِ يَجِبُ تَنْزِيهُ الْأَلْفَاظِ الْمَوْضُوعَةِ لَهَا عَنِ الرَّفَثِ وَسُوءِ الْأَدَبِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ الْمُنْذِرِيُّ: وَقَالَ النَّوَوِيُّ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ: صَحِيحٌ، قَالَ الذَّهَبِيُّ: فِي إِسْنَادِهِ إِيَاسُ بْنُ عَامِرٍ، وَلَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ، لَكِنْ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ: إِنَّهُ صَدُوقٌ (وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) .

стр. 1361

٨٨٠ - وَعَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵃، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَقَالَ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ، وَإِذَا سَجَدَ، فَقَالَ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَدْ تَمَّ سُجُودُهُ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» "، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ؛ لِأَنَّ عَوْنًا لَمْ يَلْقَ ابْنَ مَسْعُودٍ. ــ ٨٨٠ - (وَعَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) ، أَيِ: ابْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) : يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ ( «قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ، فَقَالَ فِي رُكُوعِهِ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ» ) : بِفَتْحِ يَاءِ رَبِّيَ وَيُسَكَّنُ ( «ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ» ) ، أَيْ: كَمُلَ وَإِلَّا فَأَصْلُ

стр. 1362

الْكَمَالِ يَحْصُلُ بِوَاحِدَةٍ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ (وَذَلِكَ أَدْنَاهُ) ، أَيْ: أَدْنَى تَمَامِ رُكُوعِهِ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ أَدْنَى الْكَمَالِ فِي الْعَدَدِ، وَأَكْمَلُهُ سَبْعُ مَرَّاتٍ، قَالَ: فَالْأَوْسَطُ خَمْسُ مَرَّاتٍ، وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَرُكْنِيَّةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِأَدْنَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُهُمَا، وَذُكِرَ فِي شَرْحِ الْأَسْبِيجَابِيِّ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَقُلْ ثَلَاثَ تَسْبِيحَاتٍ أَوْ لَمْ يَمْكُثْ مِقْدَارَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ رُكُوعُهُ وَسُجُودُهُ، وَهَذَا قَوْلٌ شَاذٌّ، كَقَوْلِ أَبِي مُطِيعٍ الْبَلْخِيِّ بِفَرْضِيَّةِ التَّسْبِيحَاتِ الثَّلَاثِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حَتَّى لَوْ نَقَصَ وَاحِدَةً لَا يَجُوزُ رُكُوعُهُ وَلَا سُجُودُهُ، ( «وَإِذَا سَجَدَ قَالَ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَدْ تَمَّ سُجُودُهُ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» "، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : مِنْ طَرِيقِ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَهُ مِيرَكُ (وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ) ، أَيْ: إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ (بِمُتَّصِلٍ؛ لِأَنَّ عَوْنًا لَمْ يَلْقَ ابْنَ مَسْعُودٍ) : وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْمُنْقَطِعَ يُعْمَلُ بِهِ فِي الْفَضَائِلِ إِجْمَاعًا.

стр. 1363

٨٨١ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁، «أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: " سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ "، وَفِي سُجُودِهِ: " سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى " وَمَا أَتَى عَلَى آيَةِ رَحْمَةٍ إِلَّا وَقَفَ وَسَأَلَ، وَمَا أَتَى عَلَى آيَةِ عَذَابٍ إِلَّا وَقَفَ وَتَعَوَّذَ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ إِلَى قَوْلِهِ " الْأَعْلَى " وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ــ ٨٨١ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ يَقُولُ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ أَحْيَانًا أَوْ فِي النَّفْلِ ( «فِي رُكُوعِهِ: " سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ "، وَفِي سُجُودِهِ: " سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى "، وَمَا أَتَى عَلَى آيَةِ رَحْمَةٍ إِلَّا وَقَفَ وَسَأَلَ» ) : أَيْ رَحْمَتَهُ ( «وَمَا أَتَى عَلَى آيَةِ عَذَابٍ إِلَّا وَقَفَ وَتَعَوَّذَ» ) ، أَيْ: بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِهِ حَمَلَهُ أَصْحَابُنَا وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُ كَانَتْ نَافِلَةً لِعَدَمِ تَجْوِيزِهِمُ التَّعَوُّذَ وَالسُّؤَالَ أَثْنَاءَ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ مَعَهُ الصَّلَاةُ إِجْمَاعًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ نُدْرَةَ وُقُوعِهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ) ، أَيِ: الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ (وَرَوَى النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ إِلَى قَوْلِهِ: " الْأَعْلَى " وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) : قَالَ الشَّيْخُ الْجَزْرِيُّ: حَدِيثُ حُذَيْفَةَ هَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ، وَإِيرَادُ مُحْيِيِ السُّنَّةِ لَهُ فِي الْحِسَانِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ: صَحِيحٌ كَعَادَتِهِ فِي تَصْحِيحِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَهُ فِي الصِّحَاحِ؛ لِأَنَّهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ.

стр. 1364

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٨٨٢ - عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «قُمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَكَعَ مَكَثَ قَدْرَ سُورَةِ (الْبَقَرَةِ) : وَيَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: " سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ» "، (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) . ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٨٨٢ - (عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قُمْتُ) ، أَيْ: مُصَلِّيًا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ صَلَّيْتُ وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَاصِلَ الْمَعْنَى، أَوْ أَرَادَ أَنَّهُ أَطْلَقَ الْقِيَامَ، وَأَرَادَ الصَّلَاةَ، فَيَكُونُ كَإِطْلَاقِ الرَّكْعَةِ وَالسُّجُودِ عَلَى الصَّلَاةِ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْجُزْءِ وَإِرَادَةِ الْكُلِّ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ رُكْنًا لِوُرُودِ سُبْحَةَ الضُّحَى بِمَعْنَى صَلَاتِهَا ( «مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَكَعَ مَكَثَ» ) : بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِهَا، أَيْ: لَبِثَ فِي رُكُوعِهِ ( «قَدْرَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ» ) : فِي الْقَامُوسِ: الْمُكْثُ مُثَلَّثًا وَيُحَرَّكُ اللَّبْثُ وَالْفِعْلُ كَنَصَرَ وَكَرُمَ ( «وَيَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: " سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ» ) : فَعَلُوتٌ مِنَ الْجَبْرِ، بِمَعْنَى الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ كَذَا فِي.

стр. 1365

النِّهَايَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ ثُمَّ يَكُونُ مُلْكٌ وَجَبَرُوتٌ أَيْ: عُتُوٌّ وَقَهْرٌ (وَالْمَلَكُوتِ) : فَعَلُوتٌ مِنَ الْمُلْكِ، أَيِ: الْمُلْكُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (وَالْكِبْرِيَاءِ) : ذَاتًا (وَالْعَظْمَةِ) : صِفَةً (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .

стр. 1366

٨٨٣ - وَعَنِ ابْنً جُبَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَشْبَهَ صَلَاةً بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَذَا الْفَتَى - يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ - قَالَ: قَالَ: فَحَزَرْنَا رُكُوعَهُ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ، وَسُجُودَهُ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٨٨٣ - (وَعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ) : تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَشْبَهَ صَلَاةً بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَذَا الْفَتَى يَعْنِي: عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَعُمَرُ أَدْرَكَ أَنَسًا وَأَخَذَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ، وَأَنَسٌ تُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ (قَالَ) : أَيِ ابْنُ جُبَيْرٍ، يَعْنِي قَالَ الرَّاوِي: عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ (قَالَ) ، أَيْ أَنَسٌ (فَحَزَرْنَا) ، بِتَقْدِيمِ الزَّايِ الْمَفْتُوحَةِ، أَيْ: قَدَّرْنَا (رُكُوعَهُ) ، أَيْ: رُكُوعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ رُكُوعَ عُمَرَ (عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ، وَسُجُودَهُ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَبِهِ كَخَبَرِ: إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ يُسْتَدَلُّ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَئِمَّتُنَا أَنَّ أَعْلَى الْكَمَالِ إِحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) .

стр. 1367

٨٨٤ - وَعَنْ شَقِيقٍ ﵁، قَالَ: إِنَّ حُذَيْفَةَ رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا صَلَّيْتَ، قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَلَوْ مِتَّ مِتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٨٨٤ - (وَعَنْ شَقِيقٍ) ، أَيِ: ابْنِ سَلَمَةَ التَّابِعِيِّ، أَبُو وَائِلٍ الْكُوفِيُّ مُخَضْرَمٌ، رَوَى عَنِ الْخُلَفَاءِ وَحُذَيْفَةَ وَغَيْرِهِمْ، اتَّفَقُوا عَلَى تَوْثِيقِهِ وَجَلَالَتِهِ، كَذَا فِي التَّهْذِيبِ (قَالَ: إِنَّ حُذَيْفَةَ رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ) : لِتَرْكِهِ وَاجِبًا مِنْ وَاجِبَاتِهِمَا (فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا صَلَّيْتَ) ، أَيْ: صَلَاةً صَحِيحَةً أَوْ كَامِلَةً وَمَا نَافِيَةٌ (قَالَ) ، أَيْ: شَقِيقٌ (وَأَحْسَبُهُ) ، أَيْ: أَظُنُّهُ (قَالَ) ، أَيْ: حُذَيْفَةُ (وَلَوْ مِتَّ) : بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ أَيْ عَلَى هَذَا (مِتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ) ، أَيِ: الطَّرِيقَةِ أَوِ السُّنَّةِ أَوِ الْمِلَّةِ (الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ) ، أَيْ: خَلَقَ عَلَيْهَا (مُحَمَّدًا ﷺ ، أَيْ: بِتَرْكِكَ لِلصَّلَاةِ وَتَرْكِهَا تَعَمُّدًا كُفْرًا مُطْلَقًا عِنْدَ كَثِيرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ كَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَبِشَرْطِ الِاسْتِحْلَالِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ فَعَلَيْهِ الْفِطْرَةُ فِي كَلَامِهِ بِمَعْنَى دِينِ الْإِسْلَامِ الْكَامِلِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ وَاجِبَةٌ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَلَوْ مِتَّ مِتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ يَعْنِي: أَنَّكَ غَيَّرْتَ مَا وُلِدْتَ عَلَيْهِ مِنَ الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ الَّتِي هِيَ دِينُ الْإِسْلَامِ، وَدَخَلْتَ فِي زُمْرَةِ الْمُبَدِّلِينَ لِدِينِ اللَّهِ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ دَلَّ قَوْلُهُ لَا يُتِمُّ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ إِتْمَامَهَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الطُّمَأْنِينَةِ؟ قُلْتُ: قَدْ سَبَقَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَنْ قَالَ فِي رُكُوعِهِ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» اهـ. وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إِذْ تَحَقَّقَ فِيمَا سَبَقَ أَنَّ الْمُرَادَ أَدْنَى كَمَالِهِ لَا أَدْنَى أَصْلِهِ، وَأَيْضًا هَذَا قَوْلُ صَحَابِيٍّ مُحْتَمِلٌ لِلِاجْتِهَادِ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الْإِسْنَادِ، وَأَبْعَدَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: وَلَكَ أَنْ تَقُولَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ بِفَرْضِ أَنَّ حُذَيْفَةَ قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّهْدِيدِ لَا يَقُولُهُ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ، وَمِنْ ثَمَّ قُلْتُ فِي بَعْضِ الْفَتَاوَى فِي حَدِيثِ: " «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» " أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَإِنْ ضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ؛ لِأَنَّهُ صَحَّ عَنْ عُمَرَ، وَهُوَ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ، فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، فَصِحَّتُهُ عَنْ عُمَرَ تَسْتَلْزِمُ صِحَّتَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ تَرَكَ وَاجِبًا مِنْ وَاجِبَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَأَمَّا خُصُوصُ تَرْكِ الطُّمَأْنِينَةِ، فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَصْلًا اهـ. وَوَجْهُ الْإِبْعَادِ أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْحَدِيثِ بِالصِّحَّةِ وَالضَّعْفِ، إِنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ الْإِسْنَادِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ، لَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى؛ وَلِذَا يُحْكَمُ عَلَى حَدِيثٍ قَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ مُطَابِقًا لِمَا فِي الْقُرْآنِ

стр. 1368

بِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ وَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ، مَعَ أَنَّهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضُوعُ صَحِيحًا وَالصَّحِيحُ مَوْضُوعًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ الْمَالِكِيُّ فِي قَوْلِهِ: " لَوْ مِتَّ مِتَّ " شَاهِدٌ عَلَى وُقُوعِ الْجَزَاءِ مُوَافِقًا لِلشَّرْطِ فِي اللَّفْظِ لَا الْمَعْنَى لَتَعَلُّقِ مَا بَعْدَهُ بِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَتَعَرَّضُ فِيهَا لِلْفَضِيلَةِ لِتَوَقُّفِ الْفَائِدَةِ عَلَيْهَا، فَيَكُونُ لَهَا مِنْ لُزُومِ الذِّكْرِ مَا لِلْعُمْدَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] فَلَوْلَا قَوْلُهُ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ، وَقَوْلُهُ: لِأَنْفُسِكُمْ لَمْ يَكُنْ لِلْكَلَامِ فَائِدَةٌ، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 1369

٨٨٥ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ؟ وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قَالَ: لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا» "، رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٨٨٥ - (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَسْوَأُ النَّاسِ» ) ، أَيْ: أَقْبَحُهُمْ (سَرِقَةً) : بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتُفْتَحُ أَيْضًا عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ وَهُوَ مَصْدَرٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ تَمْيِيزٌ، قَالَ الرَّاغِبُ: السَّرِقَةُ أَخْذُ مَا لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ فِي خَفَاءٍ، وَصَارَ ذَلِكَ فِي الشَّرْعِ لِتَنَاوُلِ الشَّيْءِ مِنْ مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ وَقَدْرٍ مَخْصُوصٍ (الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ) : خَبَرُ (أَسْوَأُ) وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: أَسْوَأُ مُبْتَدَأٌ وَالَّذِي خَبَرُهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ: سَرِقَتُهُ اهـ. وَوَجْهُ الْغَرَابَةِ أَنَّ الْحَمْلَ بِلَوْنِ التَّقْدِيرِ صَحِيحٌ، وَبِوُجُودِهِ يُعْدَمُ، نَعَمْ هُنَا الْحَذْفُ مَذْكُورٌ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي كَمَا سَيَأْتِي (قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قَالَ: " لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا» ) : قِيلَ: جُعِلَ جِنْسُ السَّرِقَةِ نَوْعَيْنِ: مُتَعَارَفًا وَغَيْرَ مُتَعَارَفٍ، وَجُعِلَ غَيْرَ مُتَعَارَفٍ أَسْوَأَ؛ لِأَنَّ أَخْذَ مَالِ الْغَيْرِ رُبَّمَا يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَيَسْتَحِلُّ مِنْ صَاحِبِهِ أَوْ تُقْطَعُ يَدُهُ، فَيَتَخَلَّصُ مِنَ الْعِقَابِ فِي الْآخِرَةِ، بِخِلَافِ هَذَا السَّارِقِ فَإِنَّهُ سَرَقَ حَقَّ نَفْسِهِ مِنَ الْجَوَابِ، وَأُبْدِلَ مِنْهُ الْعِقَابُ وَلَيْسَ فِي يَدِهِ إِلَّا الضَّرَرُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.

стр. 1370

٨٨٦ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُرَّةَ رِضَى اللَّهُ عَنْهُ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَا تَرَوْنَ فِي الشَّارِبِ وَالزَّانِي وَالسَّارِقِ؟ " - وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ فِيهِمُ الْحُدُودُ - قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: " هُنَّ فَوَاحِشُ وَفِيهِنَّ عُقُوبَةٌ، وَأَسْوَأُ السَّرِقَةِ الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ "، قَالُوا: وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا» "، رَوَاهُ مَالِكٌ، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ. ــ ٨٨٦ - (وَعَنْ نُعْمَانَ بْنِ مُرَّةَ) ، أَيِ: الرُّومِيُّ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدِينِيُّ تَابِعِيٌّ، وَقَدْ أَخْرَجَ فِي جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ، كَذَا فِي الْجَامِعِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَا تَرَوْنَ) ، أَيْ: تَعْتَقِدُونَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ التَّاءِ، أَيْ: تَظُنُّونَ (فِي الشَّارِبِ) ، أَيْ: لِلْخَمْرِ وَنَحْوِهَا (وَالزَّانِي وَالسَّارِقِ؟ وَذَلِكَ) ، أَيْ: هَذَا السُّؤَالُ (قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَقِيلَ: مَعْلُومٌ (فِيهِمُ الْحُدُودُ) ، أَيْ: آيَاتُهَا ( «قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: " هُنَّ فَوَاحِشُ» ) ، أَيْ: ذُنُوبٌ كَبَائِرٌ (وَفِيهِنَّ عُقُوبَةٌ) ، أَيْ: أُخْرَوِيَّةٌ، أَوْ سَتَنْزِلُ أَوِ التَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ ( «وَأَسْوَأُ السَّرِقَةِ» ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا ( «الَّذِي يَسْرِقُ صَلَوَاتِهِ» ) : بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: " مِنْ صَلَاتِهِ " بِالْإِفْرَادِ، قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: أَسْوَأُ السَّرِقَةِ مُبْتَدَأٌ، وَالَّذِي يَسْرِقُ خَبَرُهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ: سَرِقَةُ الَّذِي يَسْرِقُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ السَّرَقَةُ بِفَتْحِ الرَّاءِ جَمْعَ سَارِقٍ كَفَاجِرٍ وَفَجَرَةٍ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبُو قَتَادَةَ: «أَسْوَأُ النَّاسِ سَرَقَةً» اهـ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ صَحِيحٌ فِي نُسْخَةِ الشَّيْخِ نُورِ الدِّينِ الْإِيجِيِّ، وَكَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ، السَّرِقَةُ هُنَا أَيْضًا بِكَسْرِ الرَّاءِ، لَكِنْ يَقْتَضِي تَقْرِيرُ الطِّيبِيِّ فَتْحَهَا؛ إِذْ بِالْفَتْحِ لَا غَيْرُ جَمْعٌ، وَأَمَّا الْمَصْدَرُ فَهُوَ بِالْكَسْرِ، وَقَدْ تُفْتَحُ ( «قَالُوا: وَكَيْفَ يَسْرِقُ صَلَوَاتِهِ؟» ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: صَلَاتَهُ بِالْإِفْرَادِ ( «يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا» "، رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ) ، عَلَى مَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ، (وَرَوَى الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ) ، أَيْ: مَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ.
следующие страницы →