← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

٨٨٣ - وَعَنِ ابْنً جُبَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَشْبَهَ صَلَاةً بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَذَا الْفَتَى - يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ - قَالَ: قَالَ: فَحَزَرْنَا رُكُوعَهُ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ، وَسُجُودَهُ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٨٨٣ - (وَعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ) : تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَشْبَهَ صَلَاةً بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَذَا الْفَتَى يَعْنِي: عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَعُمَرُ أَدْرَكَ أَنَسًا وَأَخَذَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ، وَأَنَسٌ تُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ (قَالَ) : أَيِ ابْنُ جُبَيْرٍ، يَعْنِي قَالَ الرَّاوِي: عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ (قَالَ) ، أَيْ أَنَسٌ (فَحَزَرْنَا) ، بِتَقْدِيمِ الزَّايِ الْمَفْتُوحَةِ، أَيْ: قَدَّرْنَا (رُكُوعَهُ) ، أَيْ: رُكُوعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ رُكُوعَ عُمَرَ (عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ، وَسُجُودَهُ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَبِهِ كَخَبَرِ: إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ يُسْتَدَلُّ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَئِمَّتُنَا أَنَّ أَعْلَى الْكَمَالِ إِحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) .

стр. 1367

٨٨٤ - وَعَنْ شَقِيقٍ ﵁، قَالَ: إِنَّ حُذَيْفَةَ رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا صَلَّيْتَ، قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَلَوْ مِتَّ مِتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٨٨٤ - (وَعَنْ شَقِيقٍ) ، أَيِ: ابْنِ سَلَمَةَ التَّابِعِيِّ، أَبُو وَائِلٍ الْكُوفِيُّ مُخَضْرَمٌ، رَوَى عَنِ الْخُلَفَاءِ وَحُذَيْفَةَ وَغَيْرِهِمْ، اتَّفَقُوا عَلَى تَوْثِيقِهِ وَجَلَالَتِهِ، كَذَا فِي التَّهْذِيبِ (قَالَ: إِنَّ حُذَيْفَةَ رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ) : لِتَرْكِهِ وَاجِبًا مِنْ وَاجِبَاتِهِمَا (فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا صَلَّيْتَ) ، أَيْ: صَلَاةً صَحِيحَةً أَوْ كَامِلَةً وَمَا نَافِيَةٌ (قَالَ) ، أَيْ: شَقِيقٌ (وَأَحْسَبُهُ) ، أَيْ: أَظُنُّهُ (قَالَ) ، أَيْ: حُذَيْفَةُ (وَلَوْ مِتَّ) : بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ أَيْ عَلَى هَذَا (مِتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ) ، أَيِ: الطَّرِيقَةِ أَوِ السُّنَّةِ أَوِ الْمِلَّةِ (الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ) ، أَيْ: خَلَقَ عَلَيْهَا (مُحَمَّدًا ﷺ ، أَيْ: بِتَرْكِكَ لِلصَّلَاةِ وَتَرْكِهَا تَعَمُّدًا كُفْرًا مُطْلَقًا عِنْدَ كَثِيرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ كَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَبِشَرْطِ الِاسْتِحْلَالِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ فَعَلَيْهِ الْفِطْرَةُ فِي كَلَامِهِ بِمَعْنَى دِينِ الْإِسْلَامِ الْكَامِلِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ وَاجِبَةٌ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَلَوْ مِتَّ مِتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ يَعْنِي: أَنَّكَ غَيَّرْتَ مَا وُلِدْتَ عَلَيْهِ مِنَ الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ الَّتِي هِيَ دِينُ الْإِسْلَامِ، وَدَخَلْتَ فِي زُمْرَةِ الْمُبَدِّلِينَ لِدِينِ اللَّهِ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ دَلَّ قَوْلُهُ لَا يُتِمُّ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ إِتْمَامَهَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الطُّمَأْنِينَةِ؟ قُلْتُ: قَدْ سَبَقَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَنْ قَالَ فِي رُكُوعِهِ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» اهـ. وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إِذْ تَحَقَّقَ فِيمَا سَبَقَ أَنَّ الْمُرَادَ أَدْنَى كَمَالِهِ لَا أَدْنَى أَصْلِهِ، وَأَيْضًا هَذَا قَوْلُ صَحَابِيٍّ مُحْتَمِلٌ لِلِاجْتِهَادِ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الْإِسْنَادِ، وَأَبْعَدَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: وَلَكَ أَنْ تَقُولَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ بِفَرْضِ أَنَّ حُذَيْفَةَ قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّهْدِيدِ لَا يَقُولُهُ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ، وَمِنْ ثَمَّ قُلْتُ فِي بَعْضِ الْفَتَاوَى فِي حَدِيثِ: " «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» " أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَإِنْ ضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ؛ لِأَنَّهُ صَحَّ عَنْ عُمَرَ، وَهُوَ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ، فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، فَصِحَّتُهُ عَنْ عُمَرَ تَسْتَلْزِمُ صِحَّتَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ تَرَكَ وَاجِبًا مِنْ وَاجِبَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَأَمَّا خُصُوصُ تَرْكِ الطُّمَأْنِينَةِ، فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَصْلًا اهـ. وَوَجْهُ الْإِبْعَادِ أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْحَدِيثِ بِالصِّحَّةِ وَالضَّعْفِ، إِنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ الْإِسْنَادِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ، لَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى؛ وَلِذَا يُحْكَمُ عَلَى حَدِيثٍ قَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ مُطَابِقًا لِمَا فِي الْقُرْآنِ

стр. 1368

بِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ وَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ، مَعَ أَنَّهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضُوعُ صَحِيحًا وَالصَّحِيحُ مَوْضُوعًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ الْمَالِكِيُّ فِي قَوْلِهِ: " لَوْ مِتَّ مِتَّ " شَاهِدٌ عَلَى وُقُوعِ الْجَزَاءِ مُوَافِقًا لِلشَّرْطِ فِي اللَّفْظِ لَا الْمَعْنَى لَتَعَلُّقِ مَا بَعْدَهُ بِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَتَعَرَّضُ فِيهَا لِلْفَضِيلَةِ لِتَوَقُّفِ الْفَائِدَةِ عَلَيْهَا، فَيَكُونُ لَهَا مِنْ لُزُومِ الذِّكْرِ مَا لِلْعُمْدَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] فَلَوْلَا قَوْلُهُ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ، وَقَوْلُهُ: لِأَنْفُسِكُمْ لَمْ يَكُنْ لِلْكَلَامِ فَائِدَةٌ، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 1369

٨٨٥ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ؟ وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قَالَ: لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا» "، رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٨٨٥ - (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَسْوَأُ النَّاسِ» ) ، أَيْ: أَقْبَحُهُمْ (سَرِقَةً) : بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتُفْتَحُ أَيْضًا عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ وَهُوَ مَصْدَرٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ تَمْيِيزٌ، قَالَ الرَّاغِبُ: السَّرِقَةُ أَخْذُ مَا لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ فِي خَفَاءٍ، وَصَارَ ذَلِكَ فِي الشَّرْعِ لِتَنَاوُلِ الشَّيْءِ مِنْ مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ وَقَدْرٍ مَخْصُوصٍ (الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ) : خَبَرُ (أَسْوَأُ) وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: أَسْوَأُ مُبْتَدَأٌ وَالَّذِي خَبَرُهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ: سَرِقَتُهُ اهـ. وَوَجْهُ الْغَرَابَةِ أَنَّ الْحَمْلَ بِلَوْنِ التَّقْدِيرِ صَحِيحٌ، وَبِوُجُودِهِ يُعْدَمُ، نَعَمْ هُنَا الْحَذْفُ مَذْكُورٌ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي كَمَا سَيَأْتِي (قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قَالَ: " لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا» ) : قِيلَ: جُعِلَ جِنْسُ السَّرِقَةِ نَوْعَيْنِ: مُتَعَارَفًا وَغَيْرَ مُتَعَارَفٍ، وَجُعِلَ غَيْرَ مُتَعَارَفٍ أَسْوَأَ؛ لِأَنَّ أَخْذَ مَالِ الْغَيْرِ رُبَّمَا يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَيَسْتَحِلُّ مِنْ صَاحِبِهِ أَوْ تُقْطَعُ يَدُهُ، فَيَتَخَلَّصُ مِنَ الْعِقَابِ فِي الْآخِرَةِ، بِخِلَافِ هَذَا السَّارِقِ فَإِنَّهُ سَرَقَ حَقَّ نَفْسِهِ مِنَ الْجَوَابِ، وَأُبْدِلَ مِنْهُ الْعِقَابُ وَلَيْسَ فِي يَدِهِ إِلَّا الضَّرَرُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.

стр. 1370

٨٨٦ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُرَّةَ رِضَى اللَّهُ عَنْهُ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَا تَرَوْنَ فِي الشَّارِبِ وَالزَّانِي وَالسَّارِقِ؟ " - وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ فِيهِمُ الْحُدُودُ - قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: " هُنَّ فَوَاحِشُ وَفِيهِنَّ عُقُوبَةٌ، وَأَسْوَأُ السَّرِقَةِ الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ "، قَالُوا: وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا» "، رَوَاهُ مَالِكٌ، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ. ــ ٨٨٦ - (وَعَنْ نُعْمَانَ بْنِ مُرَّةَ) ، أَيِ: الرُّومِيُّ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدِينِيُّ تَابِعِيٌّ، وَقَدْ أَخْرَجَ فِي جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ، كَذَا فِي الْجَامِعِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَا تَرَوْنَ) ، أَيْ: تَعْتَقِدُونَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ التَّاءِ، أَيْ: تَظُنُّونَ (فِي الشَّارِبِ) ، أَيْ: لِلْخَمْرِ وَنَحْوِهَا (وَالزَّانِي وَالسَّارِقِ؟ وَذَلِكَ) ، أَيْ: هَذَا السُّؤَالُ (قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَقِيلَ: مَعْلُومٌ (فِيهِمُ الْحُدُودُ) ، أَيْ: آيَاتُهَا ( «قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: " هُنَّ فَوَاحِشُ» ) ، أَيْ: ذُنُوبٌ كَبَائِرٌ (وَفِيهِنَّ عُقُوبَةٌ) ، أَيْ: أُخْرَوِيَّةٌ، أَوْ سَتَنْزِلُ أَوِ التَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ ( «وَأَسْوَأُ السَّرِقَةِ» ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا ( «الَّذِي يَسْرِقُ صَلَوَاتِهِ» ) : بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: " مِنْ صَلَاتِهِ " بِالْإِفْرَادِ، قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: أَسْوَأُ السَّرِقَةِ مُبْتَدَأٌ، وَالَّذِي يَسْرِقُ خَبَرُهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ: سَرِقَةُ الَّذِي يَسْرِقُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ السَّرَقَةُ بِفَتْحِ الرَّاءِ جَمْعَ سَارِقٍ كَفَاجِرٍ وَفَجَرَةٍ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبُو قَتَادَةَ: «أَسْوَأُ النَّاسِ سَرَقَةً» اهـ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ صَحِيحٌ فِي نُسْخَةِ الشَّيْخِ نُورِ الدِّينِ الْإِيجِيِّ، وَكَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ، السَّرِقَةُ هُنَا أَيْضًا بِكَسْرِ الرَّاءِ، لَكِنْ يَقْتَضِي تَقْرِيرُ الطِّيبِيِّ فَتْحَهَا؛ إِذْ بِالْفَتْحِ لَا غَيْرُ جَمْعٌ، وَأَمَّا الْمَصْدَرُ فَهُوَ بِالْكَسْرِ، وَقَدْ تُفْتَحُ ( «قَالُوا: وَكَيْفَ يَسْرِقُ صَلَوَاتِهِ؟» ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: صَلَاتَهُ بِالْإِفْرَادِ ( «يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا» "، رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ) ، عَلَى مَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ، (وَرَوَى الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ) ، أَيْ: مَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ.

стр. 1371

[بَابُ السُّجُودِ وَفَضْلِهِ]

стр. 1372

(١٤) بَابُ السُّجُودِ وَفَضْلِهِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٨٨٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: الْجَبْهَةِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ، وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَلَا الشَّعْرَ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ [١٤]- بَابُ السُّجُودِ وَفَضْلِهِ. أَيْ: كَيْفِيَّتِهِ، (وَفَضْلِهِ) ، أَيْ: مَا وَرَدَ فِي فَضِيلَتِهِ؛ لِأَنَّهُ بِانْفِرَادِهِ عِبَادَةٌ بِخِلَافِ الرُّكُوعِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٨٨٧ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» ) : جَمْعُ عَظْمٍ، أَيْ: أُمِرْتُ بِأَنْ أَضَعَ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ السَّبْعَةَ عَلَى الْأَرْضِ إِذَا سَجَدْتُ (عَلَى الْجَبْهَةِ) : بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الْجَارِ وَيَتْبَعُهَا الْأَنْفُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْجَبْهَةُ مَا بَيْنَ الْجَبِينَيْنِ، وَهُمَا جَانِبَا الرَّأْسِ، وَقَدَّمَهَا لِشَرَفِهَا وَلِحُصُولِ مَقْصُودِ السُّجُودِ الَّذِي هُوَ غَايَةُ الْخُضُوعِ بِهِمَا (وَالْيَدَيْنِ) ، أَيِ: الْكَفَّيْنِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ بُطُونِهِمَا لِخَبَرِ الْبَيْهَقِيِّ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ، وَجَعَلَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَيَرْفَعُ مِرْفِقَيْهِ، وَيَعْتَمِدُ عَلَى رَاحَتَيْهِ» ( «وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ» ) : اعْلَمْ أَنَّ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ: لَوْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ دُونَ أَنْفِهِ جَازَ بِالِاتِّفَاقِ وَغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَإِنْ وَضَعَ أَنْفَهُ وَحْدَهُ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، " وَقَالَا ": لَا يَجُوزُ السُّجُودُ بِالْأَنْفِ وَحْدَهُ إِلَّا إِذَا كَانَ بِجَبْهَتِهِ عُذْرٌ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ طَرَفِ أَحَدِ الْقَدَمَيْنِ، وَأَمَّا وَضْعُ الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ فَسُنَّةٌ فِي السُّجُودِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَخَذَ أَئِمَّتُنَا مِنَ الِاقْتِصَارِ عَلَى هَذِهِ السَّبْعَةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَضْعُ الْأَنْفِ، وَأَجَابُوا عَنِ الْأَحَادِيثِ الظَّاهِرَةِ فِي وُجُوبِ وَضْعِهِ الَّذِي قَالَ بِهِ جَمْعٌ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، كَخَبَرِ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ وَالْيَدَيْنِ» إِلَخْ، وَكَالْخَبَرِ الصَّحِيحِ: «كَانَ ﷺ إِذَا سَجَدَ مَكَّنَ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ مِنَ الْأَرْضِ» ، وَكَرِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ: ( «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» ) ، عَلَى الْجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ، وَالْيَدَيْنِ إِلَخْ، بِحَمْلِهَا عَلَى النَّدْبِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا، نَعَمْ خَبَرُ " «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُصِيبُ أَنْفَهُ مِنَ الْأَرْضِ بِشَيْءٍ» " مُرْسَلٌ، وَرَفْعُهُ لَا يَثْبُتُ اهـ. وَالْمُرْسَلُ حُجَّةٌ عِنْدَنَا، وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ مِثْلُ هَذَا بِالرَّأْيِ " وَلَا نَكْفِتُ " بِكَسْرِ الْفَاءِ وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بِالنَّصْبِ، أَيْ: نُهِينَا أَنْ نَضُمَّ وَنَجْمَعَ (الثِّيَابَ) ، وِقَايَةً مِنَ التُّرَابِ (وَلَا الشَّعْرَ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتُسَكَّنُ، (وَلَا) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وَهِيَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَقِيلَ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنَّ التَّقْدِيرَ: وَأُمِرْتُ أَنْ لَا نَكْفِتَهُمَا بَلْ نَتْرُكُهُمَا حَتَّى يَقَعَا عَلَى الْأَرْضِ لِيَسْجُدَ بِجَمِيعِ الْأَعْضَاءِ وَالثِّيَابِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَبِهَذَا الْحَدِيثِ قَالُوا: يُكْرَهُ عَقْصُ الشَّعْرِ وَعَقْدُهُ خَلْفَ الْقَفَا وَرَفْعُ الثِّيَابِ عِنْدَ السُّجُودِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُكْرَهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ تَنْزِيهًا ضَمُّ شَعْرِهِ وَثِيَابِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ ذَلِكَ بِأَنْ كَانَ قَبْلَ الصَّلَاةِ لِشُغْلٍ، وَصَلَّى عَلَى حَالِهِ خِلَافًا لِمَالِكٍ، وَمِنْ كَفْتِهِمَا أَنْ يَعْقِصَ الشَّعْرَ أَوْ يَضُمَّهُ تَحْتَ عِمَامَتِهِ، وَأَنْ يُشَمِّرَ ثَوْبَهُ أَوْ يَشُدَّ وَسَطَهُ، أَوْ يَغْرِزَ عَذْبَتَهُ، وَحِكْمَةُ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ مَنْعُهُ مِنْ أَنْ يَسْجُدَ مَعَهُ، بِهَذَا قَالُوا، وَمِنْ حِكْمَتِهِ أَيْضًا مُنَافَاةُ ذَلِكَ لِلْخُشُوعِ إِنْ فَعَلَهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لِهَيْئَةِ الْخَاشِعِ إِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فِيهَا. قَالَ الْقَاضِي: قَوْلُهُ: أُمِرْتُ يَدُلُّ عُرْفًا عَلَى أَنَّ الْآمِرَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ وَضْعِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ فِي السُّجُودِ عَلَى الْأَرْضِ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ أَقْوَالٌ، فَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنَّ الْوَاجِبَ وَضْعُ جَمِيعِهَا أَخْذًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّ الْوَاجِبَ وَضْعُ الْجَبْهَةِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ ﵇ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي قِصَّةِ رِفَاعَةَ قَالَ:

стр. 1373

فَلْيُمَكِّنْ جَبْهَتَهُ مِنَ الْأَرْضِ وَوَضْعُ الْأَعْظُمِ السِّتَّةِ الْبَاقِيَةِ سُنَّةٌ، وَالْأَمْرُ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَمْرِ الْمُشْتَرِكِ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالنَّدَبِ تَوْفِيقًا بَيْنَهُمَا؛ وَلِأَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَى " أَسْجُدَ " وَهُوَ قَوْلُهُ: " وَلَا نَكْفِتَ " لَيْسَ بِوَاجِبٍ وِفَاقًا، وَمَعْنَاهُ: أَنْ يُرْسِلَ الشَّعْرَ وَالثَّوْبَ وَلَا يَضُمَّهُمَا إِلَى نَفْسِهِ وِقَايَةً لَهُمَا مِنَ التُّرَابِ وَالْكَفْتُ: الضَّمُّ. قُلْتُ: وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ وَوُجُوبُ مَا يَجِبُ عُلِمَ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ، ثُمَّ قَالَ: وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجِبُ وَضْعُ أَحَدِ الْعُضْوَيْنِ مِنَ الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ لِوُقُوعِ اسْمِ السُّجُودِ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ عَظْمَ الْأَنْفِ مُتَّصِلٌ بِعَظْمِ الْجَبْهَةِ مُتَّحِدٌ بِهِ، فَوَضْعُهُ كَوَضْعِ جُزْءٍ مِنَ الْجَبْهَةِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وُجُوبُ وَضْعِهِمَا مَعًا لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا مَا يُصِيبُ أَنْفَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ: " لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُصِيبُ أَنْفَهُ مِنَ الْأَرْضِ مَا يُصِيبُ الْجَبِينَ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ.

стр. 1374

٨٨٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٨٨٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ» ) : قَالَ الْمُظْهِرُ الِاعْتِدَالُ فِي السُّجُودِ أَنْ يَسْتَوِيَ فِيهِ، وَيَضَعَ كَفَّهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَرْفَعَ الْمِرْفَقَيْنِ عَنِ الْأَرْضِ، وَبَطْنَهُ عَنِ الْفَخِذَيْنِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ وَيَضَعَ كَفَّهُ إِلَخْ، لَيْسَ تَفْسِيرًا لِلِاعْتِدَالِ، بَلْ تَفْسِيرًا لِعَدَمِ الِانْبِسَاطِ فِي قَوْلِهِ: (وَلَا يَبْسُطْ) : وَهِيَ نَهْيٌ، وَقِيلَ: نَفْيٌ أَيْ: لَا يَفْتَرِشْ فِي الصَّلَاةِ ( «أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ» ) ، أَيْ: كَافْتِرَاشِهِ، وَفِي نُسْخَةِ الْعَفِيفِ (ابْتِسَاطَ) مِنَ الِافْتِعَالِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: صَحَّ (انْبِسَاطَ) عَلَى وَزْنِ الِانْفِعَالِ خَرَجَ بِالْمَصْدَرِ إِلَى غَيْرِ لَفْظِهِ اهـ. وَالظَّاهِرُ إِلَى غَيْرِ بَابِهِ فِي النِّهَايَةِ، أَيْ: لَا يَبْسُطْهُمَا فَيَنْبَسِطَ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي قَوْلِهِ: لَا يَنْبَسِطْ بِهَذَا لِلْأَكْثَرِ بِنُونٍ سَاكِنَةٍ قَبْلَ الْمُوَحَّدَةِ، وَلِلْحَمَوِيِّ يَبْتَسِطْ بِمُثَنَّاةٍ بَعْدَ مُوَحَّدَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ بِمُوَحِّدَةٍ سَاكِنَةٍ فَقَطْ، وَعَلَيْهَا اقْتَصَرَ صَاحِبُ الْعُمْدَةِ وَقَوْلُهُ: انْبِسَاطَ بِالنُّونِ فِي الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ، وَبِالْمُثَنَّاةِ فِي الثَّانِيَةِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ، وَالثَّالِثَةُ تَقْدِيرُهَا: وَلَا يَبْسُطْ ذِرَاعَيْهِ فَيَنْبَسِطَ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأَوْلَى وَالثَّانِيَةِ لَا يَظْهَرُ لِوُجُودِ ذِرَاعَيْهِ وَجْهٌ إِلَّا أَنْ يُقَالَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ وَهُوَ الْبَاءِ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هُوَ ذِكْرُ الْحُكْمِ مَقْرُونًا بِعِلَّتِهِ؛ لِأَنَّ التَّشْبِيهَ بِالْأَشْيَاءِ الْخَسِيسَةِ يُنَاسِبُ تَرْكَهُ فِي الصَّلَاةِ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَيُكْرَهُ ذَلِكَ لِقُبْحِ الْهَيْئَةِ الْمُنَافِيَةِ لِلْخُشُوعِ إِلَّا لِمَنْ أَطَالَ السُّجُودَ حَتَّى شَقَّ عَلَيْهِ اعْتِمَادُ كَفَّيْهِ، فَلَهُ وَضْعُ سَاعِدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ لِخَبَرِ: شَكَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَشَقَّةَ السُّجُودِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: " «اسْتَعِينُوا بِالرُّكَبِ» "، رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مَوْصُولًا، وَرُوِيَ مُرْسَلًا وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا قَالَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.

стр. 1375

٨٨٩ - وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ، وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٨٨٩ - وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا سَجَدْتَ» ) ، أَيْ: أَرَدْتَ السُّجُودَ (فَضَعْ) ، أَيْ: عَلَى الْأَرْضِ (كَفَّيْكَ) ، أَيْ: مَضْمُومَتَيِ الْأَصَابِعِ مَكْشُوفَتَيْنِ حِيَالَ الْأُذُنَيْنِ، وَقِيلَ: حِذَاءَ الْمَنْكِبَيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ ﵇، وَلَا يَجِبُ كَشْفُهُمَا لِخَبَرِ ابْنِ مَاجَهْ: «أَنَّهُ ﵇ صَلَّى فِي مَسْجِدِ بَنِيَ الْأَشْهَلِ، وَعَلَيْهِ كِسَاءٌ مُلَفَّعٌ بِهِ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَيْهِ تِقْيَةَ الْحَصَاءِ» ، نَعَمْ يُكْرَهُ سَتْرُ ذَلِكَ، (وَارْفَعْ) ، أَيْ: مِنَ الْأَرْضِ أَوْ مِنْ جَنْبَيْكَ (مِرْفَقَيْكَ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَيُعْكَسُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 1376

٨٩٠ - وَعَنْ مَيْمُونَةَ رِضَى اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: " «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَجَدَ جَافَى بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى لَوْ أَنَّ بَهْمَةً أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ تَحْتَ يَدَيْهِ مَرَّتْ» "، هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ، صَرَّحَ فِي: شَرْحِ السُّنَّةِ بِإِسْنَادِهِ. وَلِمُسْلِمٍ بِمَعْنَاهُ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَجَدَ لَوْ شَاءَتْ بَهْمَةٌ أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمَرَّتْ» . ــ ٨٩٠ - (وَعَنْ مَيْمُونَةَ) أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ( «قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَجَدَ جَافَى» ) ، أَيْ: أَبْعَدَ وَفَرَّقَ (بَيْنَ يَدَيْهِ) ، أَيْ: وَمَا يُحَاذِيهِمَا ( «حَتَّى لَوْ أَنَّ بَهْمَةً» ) : بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَلَدُ الضَّأْنِ أَكْبَرُ مِنَ السَّخْلَةِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَفِي الْقَامُوسِ الْبَهْمَةُ أَوْلَادُ الضَّأْنِ وَالْمَعِزِ ( «أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ تَحْتَ يَدَيْهِ» ) : وَفِي نُسْخَةٍ: بَيْنَ يَدَيْهِ (مَرَّتْ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْبَهْمَةُ بِالْفَتْحِ، وَلَدُ الضَّأْنِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، قَالَ الْأَشْرَفُ: الْبَهْمَةُ فِي الْحَدِيثِ كَانَتْ أُنْثَى بِدَلِيلِ أَرَادَتْ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي نَمْلَةِ سُلَيْمَانَ، وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: جَازَ أَنْ يَكُونَ التَّأْنِيثُ لِأَجْلِ التَّأْنِيثِ اللَّفْظِيِّ، وَالْقَوْلُ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ، وَفِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ نَظِيرُهُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَشَّافِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ نَمْلَةَ سُلَيْمَانَ كَانِتْ أُنْثَى لِقَوْلِهِ: قَالَتْ، وَلَا بُدُّ مِنَ التَّمْيِيزِ بِعَلَامَةٍ كَقَوْلِهِمْ حَمَامَةٌ ذَكَرٌ وَحَمَامَةٌ أُنْثَى، وَهُوَ وَهِيَ وَرَدَّ ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ: جَازَ أَنَّ التَّأْنِيثَ لِأَجْلِ التَّأْنِيثِ اللَّفْظِيِّ كَقَوْلِكَ: جَاءَتِ الظُّلْمَةُ لَيْسَ بِشَيْءٍ إِذْ لَا حَاجَةَ هُنَا إِلَى تَمْيِيزٍ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ حَيْثُ قَالَ: هَذَا بَطَّةٌ ذَكَرٌ وَحَمَامَةٌ ذَكَرٌ وَهَذَا شَاةٌ ذَكَرٌ إِذَا عَنَيْتَ كَبْشًا، وَهَذَا بَقَرَةٌ إِذَا عَنَيْتَ ثَوْرًا فَإِنْ عَنَيْتَ أَنَّهَا أُنْثَى قُلْتَ هَذِهِ بَقَرَةٌ، فَالْقَوْلُ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ اهـ، نَعَمْ لَوْ جُوِّزَ أَنْ يُقَالَ: قَالَتْ طَلْحَةُ لَكَانَ لِلرَّدِّ وَجْهٌ، وَالْأَوْجَهُ أَنْ لَا يُقَالَ فَالْقَوْلُ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: إِذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا ... فَإِنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ، (هَذَا) ، أَيْ: هَذَا الْحَدِيثُ أَوْ هَذَا اللَّفْظُ (لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ، كَمَا صَرَّحَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: كَمَا صَرَّحَهُ، أَيِ: الْبَغْوِيُّ (فِي: شَرْحِ السُّنَّةِ بِإِسْنَادِهِ) . (وَلِمُسْلِمٍ) ، أَيْ: لَفْظُ هَذَا الْحَدِيثِ لِمُسْلِمٍ (بِمَعْنَاهُ) ، أَيْ: بِمَعْنَى لَفْظِ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَهُوَ (قَالَتْ) ، أَيْ: مَيْمُونَةُ ( «كَانَ النَّبِيُّ إِذَا سَجَدَ لَوْ شَاءَتْ بَهْمَةٌ أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، لَمَرَّتْ» ) : فَالِاعْتِرَاضُ عَلَى صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ وَاقِعٌ فِي الْجُمْلَةِ.

стр. 1377

٨٩١ - وَعَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁ قَالَ: " «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبِطَيْهِ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٨٩١ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ) : بِالتَّنْوِينِ (ابْنِ بُحَيْنَةَ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَ يَاءٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ نُونٍ وَتَاءِ تَأْنِيثٍ، اسْمُ امْرَأَةِ مَالِكٍ، وَهِيَ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّوَابُ أَنْ يُنَوَّنَ مَالِكٌ، وَيُكْتَبَ (ابْنِ) بِالْأَلِفِ؛ لِأَنَّ (ابْنِ بُحَيْنَةَ) لَيْسَ صِفَةً لِمَالِكٍ، بَلْ " صِفَةً " لِعَبْدِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ اسْمَ أَبِيهِ مَالِكٌ، وَاسْمَ أُمِّهِ بُحَيْنَةُ امْرَأَةُ مَالِكٍ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، (قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَجَدَ فَرَّجَ» ) ، أَيْ: وَسَّعَ وَفَرَّقَ (بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ) ، أَيْ: يَظْهَرُ (بَيَاضُ إِبِطَيْهِ) : بِسُكُونِ الْبَاءِ قَالَهُ الْمُغْرِبُ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَتُكْسَرُ الْبَاءُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَخَذَ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَيْضًا " «أَنَّهُ ﵇ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبِطَيْهِ» " أَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ ﵇ بَيَاضَ إِبِطِهِ حَقِيقَةً، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَكَانَ لَا شَعْرَ عَلَيْهِ، وَاعْتَرَضَ عَلَى ذَلِكَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ تَقْرِيبِ الْأَسَانِيدِ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ، بَلْ لَمْ يَرِدْ فِي كِتَابٍ مُعْتَمَدٍ، وَالْخَصَائِصُ لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ بَيَاضَ إِبِطِهِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ شَعْرٌ، فَإِنَّهُ إِذَا نُتِفَ بَقِيَ الْمَكَانُ أَبْيَضَ، وَإِنْ بَقِيَ فِي آثَارِ الشَّعْرِ، وَلِذَلِكَ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ جَمْعٌ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ: «كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَفْرَةِ إِبِطِهِ إِذَا سَجَدَ» ، وَالْعَفْرَةُ: بَيَاضٌ لَيْسَ بِالنَّاصِعِ كَلَوْنِ عَفْرَةِ الْأَرْضِ، أَيْ: وَجْهِهَا وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَثَارَ الشَّعْرِ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْمَحَلَّ أَعْفَرَ إِذْ لَوْ خَلَا عَنْهُ جُمْلَةً لَمْ يَكُنْ أَعْفَرَ، نَعَمِ الَّذِي نَعْتَقِدُ فِيهِ ﵇ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِإِبِطِهِ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ، بَلْ كَانَ نَظِيفًا طَيِّبَ الرَّائِحَةِ كَمَا ذُكِرَ فِي الصَّحِيحِ اهـ، وَوُجُودُ الشَّعْرِ مَعَ عَدَمِ الرَّائِحَةِ أَبْلَغُ فِي الْكَرَامَةِ كَمَا لَا يَخْفَى، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

стр. 1378

٨٩٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: " «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٨٩٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ) ، أَيْ: أَحْيَانًا (فِي سُجُودِهِ) : يَحْتَمِلُ مَعَ التَّسْبِيحِ وَبِدُونِهِ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ) : لِلتَّأْكِيدِ وَمَا بَعْدَهُ تَفْصِيلٌ لِأَنْوَاعِهِ أَوْ بَيَانُهُ، وَيُمْكِنُ نَصْبُهُ بِتَقْدِيرِ: أَعْنِي (دِقَّهُ) : بِالْكَسْرِ أَيْ دَقِيقَهُ وَصَغِيرَهُ (وَجِلَّهُ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَقَدْ تُضَمُّ أَيْ جَلِيلَهُ وَكَبِيرَهُ، قِيلَ: إِنَّمَا قُدِّمَ الدِّقُّ عَلَى الْجِلِّ؛ لِأَنَّ السَّائِلَ يَتَصَاعَدُ فِي مَسْأَلَتِهِ، أَيْ: يَتَرَقَّى؛ وَلِأَنَّ الْكَبَائِرَ تَنْشَأُ غَالِبًا مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِهَا، فَكَأَنَّهَا وَسَائِلُ إِلَى الْكَبَائِرِ، وَمِنْ حَقِّ الْوَسِيلَةِ أَنْ تُقَدَّمَ إِثْبَاتًا وَرَفْعًا (وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ) : الْمَقْصُودُ الْإِحَاطَةُ (وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ) ، أَيْ: عِنْدَ غَيْرِهِ تَعَالَى، وَإِلَّا فَهُمَا سَوَاءٌ عِنْدَهُ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 1379

٨٩٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً مِنَ الْفِرَاشِ، فَالْتَمَسْتُهُ، فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخْطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٨٩٣ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَقَدْتُ) : ضِدُّ صَادَفْتُ، أَيْ: طَلَبْتُ فَمَا وَجَدْتُ ( «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً مِنَ الْفِرَاشِ» ) : مُتَعَلِّقٌ بِفَقَدْتُ، وَالْمَعْنَى اسْتَيْقَظْتُ فَلَمْ أَجِدْهُ بِجَنْبِي عَلَى فِرَاشِهِ (فَالْتَمَسْتُهُ) ، أَيْ: طَلَبْتُهُ بِالْيَدِ قِيلَ: فَمَدَدْتُ يَدِي مِنَ الْحُجْرَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ (فَوَقَعَتْ يَدِي) : بِالْإِفْرَادِ ( «عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ» ) : قَالَ الْقَاضِي: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَلْمُوسَ لَا يُفْسَدُ وُضُوءُهُ، إِذِ اللَّمْسُ الِاتِّفَاقِيُّ لَا أَثَرَ لَهُ؛ إِذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَمَا اسْتَمَرَّ عَلَى السُّجُودِ، قَالَ الْأَشْرَفُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: كَانَ بَيْنَ اللَّامِسِ وَالْمَلْمُوسِ حَائِلٌ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُوَافِقُ مَذْهَبَنَا (وَهُوَ فِي الْمَسْجَدِ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ، أَيْ: فِي السُّجُودِ فَهُوَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أَوْ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ فِي حُجْرَتِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَهُوَ يَحْتَمِلُ مَسْجِدَ الْبَيْتِ بِمَعْنَى مَعْبَدِهِ، وَالْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: فِي الْمَسْجِدِ هَكَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَكِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ، وَفِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَفِي بَعْضِهَا فِي السَّجْدَةِ، وَفِي بَعْضِهَا فِي السُّجُودِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ جَعَلَ أَصْلَ الْمِشْكَاةِ وَهُوَ " فِي السَّجْدَةِ "، ثُمَّ قَالَ: وَفِي نُسْخَةٍ (الْمَسْجِدِ) وَهُوَ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، وَالْأَوْلَى فِي بَعْضِ نَسْخِ الْمَصَابِيحِ، وَفِي بَعْضِهَا " السُّجُودِ "، وَالَّذِي فِي أَكْثَرِهَا مَا فِي مُسْلِمٍ اهـ. وَوَجْهُ الْغَرَابَةِ أَنَّ النُّسْخَةَ الَّتِي هِيَ أَصْلُ الْمِشْكَاةِ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ الْمَقْرُوءَةِ الْمُطَابِقَةِ لِمَا فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ الْمُوَافِقَةِ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ جَعَلَهَا نُسْخَةً، وَالنُّسْخَةَ الَّتِي هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ جَعَلَهَا أَصْلًا مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِمَا فِي مُسْلِمٍ، مَعَ أَنَّهَا لَيْسَ فِي نُسْخَةِ الْمِشْكَاةِ أَصْلًا (وَهُمَا) ، أَيْ: قَدَمَاهُ (مَنْصُوبَتَانِ) ، أَيْ: قَائِمَتَانِ ثَابِتَتَانِ (وَهُوَ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ إِنِّي) : بِسُكُونِ الْيَاءِ وَيُفْتَحُ ( «أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ» ) ، أَيْ: مِنْ فِعْلٍ يُوجِبُ سَخَطَكَ عَلَيَّ أَوْ عَلَى أُمَّتِي (وَبِمُعَافَاتِكَ) ، أَيْ: بِعَفْوِكَ وَأَتَى بِالْمُغَالَبَةِ لِلْمُبَالَغَةِ، أَيْ: بِعَفْوِكَ الْكَثِيرِ (مِنْ عُقُوبَتِكَ) : وَهِيَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ السَّخَطِ، وَإِنَّمَا اسْتَعَاذَ بِصِفَاتِ الرَّحْمَةِ لِسَبْقِهَا وَظُهُورِهَا " مِنْ " صِفَاتِ الْغَضَبِ (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ) : إِذْ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ مَعَكَ شَيْئًا، فَلَا يُعِيذُهُ مِنْكَ إِلَّا أَنْتَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بَدَأَ بِالْمُعَافَاةِ ثُمَّ بِالرِّضَا، فَيَكُونُ الِابْتِدَاءُ بِصِفَاتِ الْأَفْعَالِ، ثُمَّ بِصِفَاتِ الذَّاتِ، ثُمَّ بِالذَّاتِ مُتَرَقِّيًا اهـ. وَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّدَلِّي مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ إِلَى صِفَاتِ الْأَفْعَالِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَكَسَهُ لِيَكُونَ مِنْ بَابِ التَّرَقِّي إِذْ صِفَاتُ الذَّاتِ أَجَلُّ وَأَفْخَمُ اهـ، فَغَفْلَةٌ عَنِ الْخَتْمِ بِالذَّاتِ، إِذَا لَا يَصِحُّ مَعَهُ التَّدَلِّي، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَنَّهُ بَيَّنَ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ، ( «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ» ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْأَصْلُ فِي الْإِحْصَاءِ الْعَدُّ بِالْحَصَى، أَيْ: لَا أُطِيقُ أَنْ أُثْنِيَ عَلَيْكَ كَمَا تَسْتَحِقُّهُ (أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ) : " مَا " مَوْصُولَةٌ

стр. 1380

أَوْ مَوْصُوفَةٌ، وَالْكَافُ بِمَعْنَى " مِثْلَ "، قَالَهُ الطِّيبِيُّ (وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: لَا أُطِيقُ أَنْ أَعُدَّ وَأُحْصِرَ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِ الثَّنَاءِ الْوَاجِبِ لَكَ عَلَيَّ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ وَذَرَّةٍ إِذْ لَا تَخْلُو لَمْحَةٌ قَطُّ مِنْ وُصُولِ إِحْسَانٍ مِنْكَ إِلَيَّ، وَكُلُّ ذَرَّةٍ مِنْ تِلْكَ الذَّرَّاتِ لَوْ أَرَدْتُ أَنْ أُحْصِيَ مَا فِي طَيِّهَا مِنَ النِّعَمِ لَعَجَزْتُ لِكَثْرَتِهَا جِدًّا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] فَأَنَا الْعَاجِزُ عَنْ قِيَامِ شُكْرِكَ فَأَسْأَلُكَ رِضَاكَ وَعَفْوَكَ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَفِي جَعْلِ الشَّارِحِ الْكَافَ بِمَعْنَى " مِثْلَ " وَأَنَّهُ زَائِدٌ بَعُدَ أَيُّ بُعْدٍ - فَبَعِيدٌ، أَيْ: بَعِيدٌ وَلَمْ يَقُلِ الشَّارِحُ بِزِيَادَتِهِ، وَلَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ (عَلَى نَفْسِكَ) : أَيْ: ذَاتِكَ بِقَوْلِكَ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.

стр. 1381

٨٩٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٨٩٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» ) : أَسْنَدَ الْقُرْبَ إِلَى الْوَقْتِ، وَهُوَ لِلْعَبْدِ مَجَازًا، أَيْ: هُوَ فِي السُّجُودِ أَقْرَبُ مِنْ رَبِّهِ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ، وَالْمَعْنَى: أَقْرَبُ أَكْوَانِ الْعَبْدِ وَأَحْوَالِهِ مِنْ رِضَا رَبِّهِ وَعَطَائِهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، وَقِيلَ: أَقْرَبُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ لِسَدِّ الْحَالِ مَسَدَّهُ، " وَهِيَ (وَهُوَ سَاجِدٌ) ، أَيْ: أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ حَاصِلٌ فِي حَالِ كَوْنِهِ سَاجِدًا ( «فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا؛ لِأَنَّ حَالَةَ السُّجُودِ تَدُلُّ عَلَى غَايَةِ تَذَلُّلٍ، وَاعْتِرَافٍ بِعُبُودِيَّةِ نَفْسِهِ وَرُبُوبِيَّةِ رَبِّهِ، فَكَانَ مَظِنَّةَ الْإِجَابَةِ فَأَمَرَهُمْ بِإِكْثَارِ الدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ، قَالَ: وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ كَثْرَةِ السُّجُودِ عَلَى طُولِ الْقِيَامِ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَأَحْمَدُ.

стр. 1382

٨٩٥ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي، يَقُولُ: يَا وَيْلَتِي أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدَ، فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ، فَلِيَ النَّارُ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٨٩٥ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ» ) : ذُكِرَ تَلْمِيحًا لِقِصَّةِ أَبِيهِ آدَمَ مَعَ الشَّيْطَانِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُمَا (السَّجْدَةَ) ، أَيْ: آيَتَهَا (فَسَجَدَ) ، أَيِ: ابْنُ آدَمَ التَّالِي وَالْمُسْتَمِعُ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ، وَرَغْبَةً فِي طَاعَتِهِ ( «اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ» ) ، أَيِ: انْصَرَفَ وَانْحَرَفَ مِنْ عِنْدِ الْقَارِئِ الَّذِي يُرِيدُ وَسْوَسَتَهُ إِلَى جَانِبٍ آخَرٍ، لِتَحَلِّيهِ بِذَلِكَ الْقُرْبِ، وَتَخَلِّي الشَّيْطَانِ بِأَقْبَحِ الْبُعْدِ، وَكُلُّ مَنْ عَدْلَ لِجَانِبٍ فَهُوَ مُعْتَزِلٌ، وَمِنْ ثَمَّ سُمِّيَتِ الْمُعْتَزِلَةُ مُعْتَزِلَةً لِاعْتِزَالِ أَوَائِلِهِمُ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ، لَمَّا سَمِعُوهُ يُقَرِّرُ خِلَافَ مُعْتَقَدِهِمُ الْفَاسِدِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ يُقَرِّرُونَ عَقِيدَتَهُمْ فَقَالَ: مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ اعْتَزَلُوا عَنَّا فَسُمُّوا بِذَلِكَ، (يَبْكِي، يَقُولُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هُمَا حَالَانِ مِنْ فَاعِلِ اعْتَزَلَ مُتَرَادِفَتَانِ، أَيْ: بَاكِيًا وَقَائِلًا أَوْ مُتَدَاخِلَتَانِ، أَيْ: بَاكِيًا قَائِلًا (يَا وَيْلَتَى) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَصْلُهُ: يَا وَيْلِي، فَقُلِبَتْ يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ تَاءً، وَزِيدَتْ بَعْدَهَا أَلْفٌ لِلنُّدْبَةِ، وَالْوَيْلُ: الْحُزْنُ وَالْهَلَاكُ كَأَنَّهُ يَقُولُ: يَا حُزْنِي وَيَا هَلَاكِي احْضُرْ، فَهَذَا وَقْتُكَ وَأَوَانُكَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: نِدَاءُ الْوَيْلِ لِلتَّحَسُّرِ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ وَحُصُولِ اللَّعْنِ وَالْخَيْبَةِ لِلْحَسَدِ عَلَى مَا حَصَلَ لِابْنِ آدَمَ بَيَانُهُ، ( «أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ» ) ، أَيِ: امْتَنَعْتُ تَكَبُّرًا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ: عَنِ امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ وَاسْتِحْقَارًا لِآدَمَ ﵇ عَنْ أَنْ يَسْجُدَ إِلَيْهِ، أَيْ: يُجْعَلَ قِبْلَةً لِلسُّجُودِ إِذْ هُوَ لَمْ يَكُنْ بِوَضْعِ جَبْهَةٍ، بَلْ

стр. 1383

انْحِنَاءٍ، أَوْ وَضْعِ جَبْهَةٍ لَكِنْ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَأَمَّا آدَمُ فَإِنَّمَا جُعِلَ قِبْلَةً فَقَطْ كَالْكَعْبَةِ (فَلِيَ النَّارُ) : فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ وَاجِبٌ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا، وَظَاهِرُ الْمُقَابَلَةِ أَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِالسُّجُودِ لِلَّهِ تَعَالَى وَكَانَ آدَمُ قِبْلَةً فَأَبَى جَوَازَ كَوْنِهِ قِبْلَةً لَهُ لِقِيَاسٍ فَاسِدٍ أَظْهَرَهُ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 1384

٨٩٦ - وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ ﵁، قَالَ: «كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: " سَلْ "، فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: " أَوَغَيْرَ ذَلِكَ؟ "، قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٨٩٦ - (وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ) ، أَيِ: الْأَسْلَمِيِّ (قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ) : مِنَ الْبَيْتُوتَةِ، أَيْ: أَكُونُ فِي اللَّيْلِ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : وَلَعَلَّ هَذَا وَقَعَ لَهُ فِي سَفَرٍ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: إِمَّا فِي السِّفْرِ أَوِ الْحَضَرِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَعِيَّةِ: الْقُرْبُ مِنْهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ نِدَاءَهُ إِذَا نَادَاهُ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ (فَأَتَاهُ) : أَيْ: فَأَجَاءَهُ (بِوَضُوئِهِ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ، أَيْ: مَاءِ وَضُوئِهِ وَطَهَارَتِهِ (وَحَاجَتِهِ) ، أَيْ: سَائِرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ نَحْوِ: سِوَاكٍ وَسِجَّادَةٍ (فَقَالَ لِي) ، أَيْ: فِي مَقَامِ الِانْبِسَاطِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، أَوْ فِي مَقَامِ الْمُكَافَأَةِ لِلْخِدْمَةِ (سَلْ) ، أَيِ: اطْلُبْ مِنِّي حَاجَةً، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أُتْحِفُكَ بِهَا فِي مُقَابَلَةِ خِدْمَتِكَ لِي؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ شَأْنُ الْكِرَامِ، وَلَا أَكْرَمَ مِنْهُ ﷺ ، وَيُؤْخَذُ مِنْ إِطْلَاقِهِ ﵇ الْأَمْرَ بِالسُّؤَالِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَكَّنَهُ مِنْ إِعْطَاءِ كُلِّ مَا أَرَادَ مِنْ خَزَائِنِ الْحَقِّ، وَمِنْ ثَمَّ عَدَّ أَئِمَّتُنَا مِنْ خَصَائِصِهِ ﵇ أَنَّهُ يَخُصُّ مَنْ شَاءَ بِمَا شَاءَ، كَجَعْلِهِ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ بِشَهَادَتَيْنِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَكَتَرْخِيصِهِ فِي النِّيَاحَةِ لِأُمِّ عَطِيَّةَ فِي آلِ فُلَانٍ خَاصَّةً، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ: لِلشَّارِعِ أَنْ يَخُصَّ مِنَ الْعُمُومِ مَا شَاءَ، وَبِالتَّضْحِيَةِ بِالْعِنَاقِ لِأَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ وَغَيْرِهِ وَذَكَرَ ابْنُ سَبْعٍ فِي خَصَائِصِهِ وَغَيْرُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقْطَعَهُ أَرْضَ الْجَنَّةِ يُعْطِي مِنْهَا مَا شَاءَ لِمَنْ يَشَاءُ، قُلْتُ: أَسْأَلُكَ ( «فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ» ) ، أَيْ: كَوْنِي رَفِيقًا لَكَ إِلَى الْجَنَّةِ: بِأَنْ أَكُونَ قَرِيبًا مِنْكَ مُتَمَتِّعًا بِنَظَرِكَ (قَالَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: فَقَالَ (أَوَ) : بِسُكُونِ الْوَاوِ وَتُفْتَحُ (غَيْرَ ذَلِكَ) : بِالنَّصْبِ وَيُرْفَعُ، قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ [الأعراف: ٩٨] يَعْنِي: عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي " أَوَ " وَأَمَّا " أَهْلُ " فَمَرْفُوعٌ لَا غَيْرُ، وَتَقْدِيرُ الْحَدِيثِ، أَيْ: تَسْأَلُ ذَلِكَ، أَوَغَيْرَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ أَهْوَنُ، أَوْ مَسْئُولُكَ ذَلِكَ، أَوَغَيْرَ ذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ دَرَجَةٌ عَالِيَةٌ، فَأَوْ عَطْفٌ عَلَى مُقَرَّرٍ، فَيَجُوزُ فِي (غَيْرَ) النَّصْبُ وَالرَّفْعُ بِحَسَبِ التَّقْدِيرَيْنِ، وَقِيلَ: الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ وَ (غَيْرَ) نُصِبَ، فَالْمَعْنَى: أَثَابِتٌ أَنْتَ فِي طَلَبِكَ أَمْ لَا؟ ، وَتَسْأَلُ غَيْرَهُ وَهَذَا ابْتِلَاءٌ وَامْتِحَانٌ لِيَنْظُرَ هَلْ يَثْبُتُ عَلَى ذَلِكَ الْمَطْلُوبِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ فَإِنَّ الثَّبَاتَ عَلَى طَلَبٍ أَعْلَى الْمَقَامَاتِ مِنْ أَتَمِّ الْكَمَالَاتِ، (قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ) ، أَيْ: سُؤَالِي مُرَافَقَتَكَ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنٍ أَوْ عَاطِفَةٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ: مَسْئُولِي ذَلِكَ لَا أَتَجَاوَزُ عَنْهُ، قُلْتُ: سُبْحَانَ مَنْ جَمَعَ لَهُ بَيْنَ حُسْنِ الْخِدْمَةِ وَعُلُوِّ الْهِمَّةِ، (قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ) ، أَيْ: كُنْ لِي عَوْنًا فِي إِصْلَاحِ نَفْسِكَ لِمَا تَطْلُبُ (بِكَثْرَةِ السُّجُودِ) : فِي الدُّنْيَا حَتَّى تُرَافِقَنِي فِي الْعُقْبَى قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ الْعَالِيَةَ لَا تَحْصُلُ، بِمُجَرَّدِ السُّجُودِ، بَلْ بِهِ مَعَ دُعَائِهِ ﵇ لَهُ وَلَّاهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي قَوْلِهِ " عَلَى نَفْسِكَ " إِيذَانٌ بِأَنَّ نَيْلَ الْمَرَاتِبِ الْعَلِيَّةِ، إِنَّمَا يَكُونُ بِمُخَالَفَةِ النَّفْسِ الدَّنِيَّةِ، قَالَ الْمُظْهِرُ: أَوْ بِسُكُونِ الْوَاوِ، وَقَالَ مُحْيِيِ الدِّينِ: بِفَتْحِهَا، فَالْوَاوُ عَاطِفَةٌ تَقْتَضِي مَعْطُوفًا عَلَيْهِ وَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ " تَدَّعِي " فِعْلًا، وَالْمَعْنَى عَلَيَّ: الْأَوَّلُ سَلْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأَجَابَ: هُوَ ذَاكَ أَيْ مَسْئُولِي ذَلِكَ " لَا أَنْتَهِي " عَنْهُ، وَعَلَى الثَّانِي: أَتَسْأَلُ هَذَا وَهُوَ شَاقٌّ وَتَتْرُكُ مَا هُوَ أَهْوَنُ مِنْهُ؟ فَأَجَابَ سُؤَالِي ذَلِكَ لَا أَتَجَاوَزُ عَنْهُ، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَفْظِ ذَلِكَ إِشَارَةً إِلَى بُعْدِهِ لِيَنْتَهِيَ السَّائِلُ عَنْهُ امْتِحَانًا مِنْهُ، فَلَمَّا عَلِمَ تَصْمِيمَهُ عَلَى عَزْمِهِ، أَجَابَ بِقَوْلِهِ: " أَعْنِي "، وَفِيهِ أَنَّ مُرَافَقَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنَّةِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِقُرْبٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

стр. 1385

٨٩٧ - وَعَنْ مَعْدَانَ بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: «لَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ يُدْخِلُنِي اللَّهُ بِهِ الْجَنَّةَ، فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ، فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً، قَالَ مَعْدَانُ: " ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَ لِي ثَوْبَانُ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٨٩٧ - (وَعَنْ مَعْدَانَ بْنِ طَلْحَةَ) : وَيُقَالُ: ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ شَامِيٌّ ثِقَةٌ قَالَهُ فِي التَّقْرِيبِ، ( «قَالَ: لَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ» ) ، " بِالرَّفْعِ عَلَى صِفَةِ الْعَمَلِ وَكَذَلِكَ ( «يُدْخِلُنِي اللَّهُ بِهِ الْجَنَّةَ» ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعْمَلُهُ جَوَابًا لِلْأَمْرِ، وَيُدْخِلُنِي بَدَلًا مِنْهُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَعْدَانَ لَمَّا كَانَ مُعْتَقِدًا لِكَوْنِ الْأَخْبَارِ سَبَبًا لِعَمَلِهِ صَحَّ ذَلِكَ (فَسَكَتَ) ، أَيْ: ثَوْبَانُ (ثُمَّ سَأَلْتُهُ) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي زَمَانٍ آخَرَ، وَأَنْ تَكُونَ ثُمَّ لِمُجَرَّدِ الْعَطْفِ (فَسَكَتَ) : كَأَنَّهُ يَسْتَبِينُ رَغْبَتَهُ لِخَطَرِ هَذَا الْمَسْئُولِ (ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ) ، أَيْ: ثَوْبَانُ (سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ التَّثْلِيثُ فِي السُّؤَالِ أَيْضًا (فَقَالَ) : ﷺ ( «عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» ) ، أَيِ: الْزَمْ كَثْرَتَهُ (لِلَّهِ تَعَالَى) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَرَادَ بِهِ السُّجُودَ لِلصَّلَاةِ أَوْ لِلتِّلَاوَةِ أَوْ لِلشُّكْرِ ( «فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً» " قَالَ مَعْدَانُ: ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَ لِي ثَوْبَانُ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

стр. 1386

الْفَصْلُ الثَّانِي ٨٩٨ - عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ قَالَ: " «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ــ الْفَصْلُ الثَّانِي. ٨٩٨ - (عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَجَدَ) ، أَيْ: أَرَادَ السُّجُودَ ( «وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ» ) وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ (وَإِذَا نَهَضَ) ، أَيْ: أَرَادَ النُّهُوضَ وَهُوَ الْقِيَامُ ( «رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» ) : وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَخَالَفَهُ الشَّافِعِيُّ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَضَعَّفَ النَّوَوِيُّ الشَّطْرَ الثَّانِيَ؛ وَلِهَذَا مَذْهَبُنَا الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يَعْتَمِدَ فِي قِيَامِهِ عَلَى بَطْنِ رَاحَتَيْهِ، وَأَصَابِعُهُ مَبْسُوطَةٌ عَلَى الْأَرْضِ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْقِيَامِ مِنَ السُّجُودِ، وَيُقَاسُ بِهِ الْقِيَامُ مِنَ الْقُعُودِ وَالنَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ ضَعِيفٌ، وَكَذَا خَبَرُ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْهَضُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ» ، وَكَذَا خَبَرُ عَلِيٍّ ﵁: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يَعْتَمِدَ بِيَدَيْهِ إِلَّا الشَّيْخُ الْعَاجِزُ الَّذِي لَا يَسْتَطِعُ، وَكَذَا قَوْلُ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ: رَأَيْتُ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ - وَعَدَّهُمْ - يَقُومُونَ عَلَى صُدُورِ أَقْدَامِهِمْ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ عَطِيَّةَ هَذَا ضَعِيفٌ. قُلْتُ لَا شَكَّ أَنَّ الرِّوَايَةَ إِذَا كَثُرَتْ تَنْتَقِلُ مِنَ الضَّعْفِ إِلَى الْقُوَّةِ، كَيْفَ وَقَدْ حَسَّنَ التِّرْمِذِيُّ الْحَدِيثَ الَّذِي فِي الْأَصْلِ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ أَجَلُّ مَنِ النَّوَوِيِّ، فَمَنَعَ وُجُودَ هَذَا النَّصِّ كَيْفَ يَصِحُّ الْقِيَامُ الْمَذْكُورُ الَّذِي ظَاهِرُ الْفَرْقِ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي وَسِيطِ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ، «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ وَضَعَ يَدَيْهِ بِالْأَرْضِ كَمَا يَضَعُ الْعَاجِزُ» ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إِنَّهُ حَدِيثٌ لَا يُعْرَفُ وَلَا يَصِحُّ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّهُ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ، وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ أَيْضًا: «كَانَ ﷺ إِذَا نَهَضَ نَهَضَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَاعْتَمَدَ عَلَى فَخِذَيْهِ» ، قَالَ الْحَافِظُ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ: وَرِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ هَذِهِ مُوَافِقَةٌ لِمَا قَبْلَهَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا رَفْعَ يَدَيْهِ تَعَيَّنَ نُهُوضُهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ؛ إِذْ لَمْ يَبْقَ مَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ غَيْرُهُمَا، وَقَوْلُهُ: وَاعْتَمَدَ عَلَى فَخِذِهِ أَيِ اعْتَمَدَ بِيَدِهِ عَلَى فَخِذِهِ يَسْتَعِينُ بِذَلِكَ عَلَى النُّهُوضِ.

стр. 1387

٨٩٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ وَلْيَرْفَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ: " حَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا "، وَقِيلَ: هَذَا مَنْسُوخٌ. ــ ٨٩٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ» ) : نَهْيٌ، وَقِيلَ: نَفْيٌ ( «كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ» ) ، أَيْ: لَا يَضَعْ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ شُبِّهَ ذَلِكَ بِبُرُوكِ الْبَعِيرِ، مَعَ أَنَّهُ يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رِجْلَيْهِ؛ لِأَنَّ رُكْبَةَ الْإِنْسَانِ فِي الرِّجْلِ، وَرُكْبَةَ الدَّوَابِّ فِي الْيَدِ، وَإِذَا وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ أَوَّلًا فَقَدْ شَابَهَ الْإِبِلَ فِي الْبُرُوكِ (وَلْيَضَعَ) : بِسُكُونِ اللَّامِ وَتُكْسَرُ ( «يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: كَيْفَ هِيَ عَنْ بُرُوكِ الْبَعِيرِ، ثُمَّ أَمَرَ بِوَضْعِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ، وَالْبَعِيرُ يَضَعُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرِّجْلَيْنِ؛ وَالْجَوَابُ: الرُّكْبَةُ مِنَ الْإِنْسَانِ فِي الرِّجْلَيْنِ، وَمِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ فِي الْيَدَيْنِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَهَذَا لَفْظُهُ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ (وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: سَنَدُهُ جَيِّدٌ (قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ) : مِنْ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ (حَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الْأَحَبَّ لِلسَّاجِدِ أَنْ يَضَعَ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ، لِمَا رَوَاهُ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ بِعَكْسِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ عِنْدَ أَرْبَابِ النَّقْلِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَوَجْهُ كَوْنِهِ أَثْبَتَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْحُفَّاظِ صَحَّحُوهُ، وَلَا يَقْدَحُ فِيهِ أَنَّ فِي سَنَدِهِ شَرِيكًا الْقَاضِيَ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ؛ لِأَنَّ مُسْلِمًا رَوَى لَهُ فَهُوَ عَلَى شَرْطِهِ عَلَى أَنَّ لَهُ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ فَيَجْبُرُهُمَا، (وَقِيلَ: هَذَا) ، أَيْ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ (مَنْسُوخٌ) . قَالَ مِيرَكُ: نَاقِلًا عَنِ التَّصْحِيحِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كُنَّا نَضَعُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ، فَأَمَرَنَا بِوَضْعِ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ» ، رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، فَلَوْلَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ سَابِقًا عَلَى ذَلِكَ لَزِمَ النَّسْخُ مَرَّتَيْنِ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ آخِرُهُ انْقَلَبَ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَأَنَّهُ كَانَ لَا يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَهُ يُخَالِفُ آخِرَهُ، فَإِنَّهُ إِذَا وَضَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ فَقَدْ بَرَكَ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، فَإِنَّ الْبَعِيرَ يَضَعُ يَدَيْهِ أَوَّلًا اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ، إِذَا لَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ لَمْ يَبْقَ اعْتِمَادٌ عَلَى رِوَايَةِ رَاوٍ مَعَ كَوْنِهَا صَحِيحَةً، ثُمَّ قَالَ، فَإِنْ قِيلَ: رُكْبَتَا الْبَعِيرِ فِي يَدَيْهِ لَا فِي رِجْلَيْهِ، فَهُوَ إِذَا بَرَكَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ أَوَّلًا، فَهَذَا هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، قُلْتُ: هَذَا فَاسِدٌ مِنْ وُجُوهٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّ الْبَعِيرَ إِذْ بَرَكَ فَإِنَّهُ يَضَعُ يَدَيْهِ أَوَّلًا، وَتَبْقَى رِجْلَاهُ قَائِمَتَيْنِ، وَإِذَا نَهَضَ فَإِنَّهُ يَنْهَضُ بِرِجْلَيْهِ أَوَّلًا، وَتَبْقَى يَدَاهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَهَى عَنْهُ ﵇ وَفَعَلَ خِلَافَهُ اهـ، وَفِيهِ أَنَّهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ، ثُمَّ قَالَ: فَكَانَ ﵇ أَوَّلُ مَا يَقَعُ مِنْهُ عَلَى الْأَرْضِ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ إِلَيْهَا، وَأَوَّلُ مَا يُرْفَعُ عَنِ الْأَرْضِ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى مِنْهَا، فَكَانَ يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ أَوَّلًا، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَبْهَتَهُ، وَإِذَا رَفَعَ رَفَعَ رَأْسَهُ أَوَّلًا، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ، قُلْتُ: هَذَا مَذْهَبُنَا وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ التَّأْوِيلِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا عَكْسُ فِعْلِ الْبَعِيرِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ نَهَى فِي الصَّلَاةِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالْحَيَوَانَاتِ، فَنَهَى عَنْ بُرُوكٍ كَبَرُوكِ الْبَعِيرِ، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ، وَافْتِرَاشٍ كَافْتِرَاشِ السَّبْعِ، وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ

стр. 1388

الْكَلْبِ، وَنَقْرَةٍ كَنَقْرَةِ الْغُرَابِ، وَرَفْعِ الْأَيْدِي حَالَ السَّلَامِ كَأَذْنَابِ الْخَيْلِ الشُّمْسِ بِضَمِّ الشِّينِ وَسُكُونِ الْمِيمِ، جَمْعُ شَمُوسٍ، أَيْ: صَعْبٍ قُلْتُ: قَيْدُ حَالِ السَّلَامِ تَأْوِيلٌ فِي مَذْهَبِ الْقَائِلِ، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَمُطْلَقٌ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ دُونَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ قَالَ: فَحَالُ الْمُصَلِّي مُخَالِفٌ لِحَالِ الْحَيَوَانَاتِ، الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: رُكْبَتَا الْبَعِيرِ فِي يَدَيْهِ كَلَامٌ لَا يُعْقَلُ وَلَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الرُّكْبَةُ فِي الرِّجْلَيْنِ، وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَى الَّتِي فِي الْيَدَيْنِ رُكْبَةٌ، فَتَجَوُّزٌ أَوْ تَغْلِيبٌ، قُلْتُ: فَيَجُوزُ التَّجْوِيزُ لِتَصْحِيحِ الْكَلَامِ حِينَ لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، مَعَ أَنَّ صَاحِبَ الْقَامُوسِ قَالَ: الرُّكْبَةُ بِالضَّمِّ مَوْصِلُ مَا بَيْنَ أَسْفَلِ أَطْرَافِ الْفَخِذِ وَأَعَالِي السَّاقِ، أَوْ مِرْفَقُ الذِّرَاعِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ قَالَ: الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ: فَلْيَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، فَإِنَّ أَوَّلَ مَا يَمَسُّ الْأَرْضَ مِنْهُ، قُلْتُ: هَذَا حُكْمٌ غَرِيبٌ وَأَمْرٌ عَجِيبٌ، وَمَنْ تَأَمَّلَ بُرُوكَ الْبَعِيرِ، وَعَلِمَ نَهْيَهُ ﵇ عَنْ بُرُوكٍ كَبُرُوكِ الْبَعِيرِ، عَلِمَ أَنَّ حَدِيثَ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ هُوَ الصَّوَابُ اهـ، وَلَمْ يَظْهَرْ وَجْهُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَذْهَبَنَا الْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَمَذْهَبَ مَالِكٍ الْعَمَلُ بِالثَّانِي، وَلِكُلٍّ وَجْهٌ وَلَمَّا تَكَافَأَ الْحَدِيثَانِ فِي أَصْلِ الصِّحَّةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: لَمْ يَظْهَرْ لِي تَرْجِيحُ أَحَدِ الْمَذْهَبَيْنِ مِنْ حَيْثُ السُّنَّةُ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّا وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِالنَّسْخِ؛ لِأَنَّ الدَّالَّ عَلَيْهِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ الْأَوَّلُ أَصَحُّ فَقُدِّمَ عَلَى أَنَّهُ الَّذِي قَالَ بِهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَأَيْضًا فَهُوَ أَرْفَقُ بِالْمُصَلِّي وَأَحْسَنُ فِي الشَّكْلِ وَرَأْيِ الْعَيْنِ.

стр. 1389

٩٠٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: " «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. ــ ٩٠٠ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ» ) : وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّطَوُّعِ عِنْدَنَا (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) ، أَيْ: ذُنُوبِي أَوْ تَقْصِيرِي فِي طَاعَتِي (وَارْحَمْنِي) ، أَيْ: مِنْ عِنْدِكَ لَا بِعَمَلِي: أَوِ ارْحَمْنِي بِقَبُولِ عِبَادَتِي (وَاهْدِنِي) : لِصَالِحِ الْأَعْمَالِ أَوْ ثَبِّتْنِي عَلَى دِينِ الْحَقِّ (وَعَافِنِي) : مِنَ الْبَلَاءِ فِي الدَّارَيْنِ، أَوْ مِنَ الْأَمْرَاضِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ (وَارْزُقْنِي) : رِزْقًا حَسَنًا أَوْ تَوْفِيقًا فِي الطَّاعَةِ، أَوْ دَرَجَةً عَالِيَةً فِي الْآخِرَةِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَقَالَ فِيهِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ: " وَاجْبُرْنِي "، أَيِ: اجْبُرْ كَسْرِي، وَأَزِلْ فَقْرِي، وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ: " وَارْفَعْنِي، أَيْ: فِي الدَّارَيْنِ.

стр. 1390

٩٠١ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: " رَبِّ اغْفِرْ لِي» ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٩٠١ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: " رَبِّ اغْفِرْ لِي» " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) : مِنْ حَدِيثٍ أَطْوَلَ مِنْهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلَفْظُهُمَا: " «رَبِّ اغْفِرْ لِي رَبِّ اغْفِرْ لِي» " مُكَرَّرًا ثَلَاثًا، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الشَّيْخِ، (وَالدَّارِمِيُّ) .

стр. 1391

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٩٠٢ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ وَافْتِرَاشِ السَّبُعِ، وَأَنْ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ الْمَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرُ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٩٠٢ - (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ) : بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، ابْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، الْأَوْسِيِّ، الْمَدَنِيِّ، أَحَدِ النُّقَبَاءِ، نَزِيلِ حِمْصٍ، مَاتَ أَيَّامَ مُعَاوِيَةَ كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّقْرِيبِ (قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ» ) : بِفَتْحِ النُّونِ يُرِيدُ الْمُبَالَغَةَ فِي تَخْفِيفِ السُّجُودِ، وَأَنَّهُ لَا يَمْكُثُ فِيهِ إِلَّا قَدْرَ

стр. 1392

وَضَعَ الْغُرَابُ مِنْقَارَهُ فِيمَا يُرِيدُ أَكْلَهُ ( «وَافْتِرَاشِ السَّبُعِ» ) : وَهُوَ أَنْ يَضَعَ سَاعِدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ فِي السُّجُودِ (وَأَنْ يُوَطِّنَ) : بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا ( «الرَّجُلُ الْمَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرُ» ) : يُقَالُ: أَوْطَنَ الْأَرْضَ وَوَطَّنَهَا وَاسْتَوْطَنَهَا إِذَا اتَّخَذَهَا وَطَنًا، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي النِّهَايَةِ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ: أَنَّهُ ذُكِرَ فِي الصَّوْمِ عَنْ أَصْحَابِنَا، يُكْرَهُ أَنْ يَتَّخِذَ فِي الْمَسْجِدِ مَكَانًا مُعَيَّنًا يُصَلِّي فِيهِ ; لِأَنَّ الْعِبَادَةَ تَصِيرُ لَهُ طَبْعًا فِيهِ، وَتَثْقُلُ فِي غَيْرِهِ، وَالْعِبَادَةُ إِذَا صَارَتْ طَبْعًا فَسَبِيلُهَا التَّرْكُ، وَلِذَا كُرِهَ صَوْمُ الْأَبَدِ اهـ، فَكَيْفَ مَنِ اتَّخَذَهُ لِغَرَضٍ آخَرَ فَاسِدٍ؟ اهـ. وَفِي النِّهَايَةِ: قِيلَ مَعْنَاهُ أَنْ يَأْلَفَ الرَّجُلُ مَكَانًا مَعْلُومًا مِنَ الْمَسْجِدِ مَخْصُوصًا بِهِ يُصَلِّي فِيهِ، كَالْبَعِيرِ لَا يَأْوِي عَنْ عَطَنٍ إِلَّا إِلَى مَبْرَكٍ دَمِثٍ قَدْ أَوْطَنَهُ وَاتَّخَذَهُ مُنَاخًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنْ يَبْرُكَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ إِذَا أَرَادَ السُّجُودَ مِثْلَ بُرُوكِ الْبَعِيرِ، نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْمَعْنَى الثَّانِي: لَا يَصِحُّ هُنَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُشَبَّهًا بِهِ، وَأَيْضًا لَوْ كَانَ أُرِيدَ هَذَا الْمَعْنَى لَمَا اخْتُصَّ النَّهْيُ بِالْمَكَانِ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا ذُكِرَ قَالَ: عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْأَوَّلُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَحِكْمَتُهُ أَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى الشُّهْرَةِ، وَالرِّيَاءِ، وَالسُّمْعَةِ، وَالتَّقَيُّدِ بِالْعَادَاتِ، وَالْحُظُوظِ، وَالشَّهَوَاتِ، وَكُلُّ هَذِهِ آفَاتٌ، أَيْ آفَاتٌ فَتَعَيَّنَ الْبُعْدُ عَمَّا أَدَّى إِلَيْهَا مَا أَمْكَنَ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي " صَحِيحَيْهِمَا، قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ. وَعَنْ أَبِي عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «إِذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ جَبْهَتَكَ مِنَ الْأَرْضِ، وَلَا تَنْقُرْ نَقْرًا» " رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ حَذَفَ لَفْظَ: " مِنَ الْأَرْضِ " وَمِنَ الْعَجَبِ قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: أَنَّهُ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ، نَعَمْ لَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى ضَعِيفَةٌ أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ.

стр. 1393

٩٠٣ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا عَلِيُّ إِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ، وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي، لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٩٠٣ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا عَلِيُّ إِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي» ) : الْمَقْصُودُ إِظْهَارُ الْمَحَبَّةِ لِوُقُوعِ النَّصِيحَةِ، وَإِلَّا فَهُوَ مَعَ كُلِّ مُؤْمِنٍ كَذَلِكَ (لَا تُقْعِ) : بِضَمِّ التَّاءِ (بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) : قِيلَ: الْإِقْعَاءُ أَنْ يُلْصِقَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ، وَيَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ كَالْكَلْبِ، وَقِيلَ: أَنْ يَضَعَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَقِيلَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى أَلْيَتَيْهِ نَاصِبًا قَدَمَيْهِ وَفَخِذَيْهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، قَالَ: إِقْعَاءُ الْكَلْبِ فِي نَصْبِ الْيَدَيْنِ، وَإِقْعَاءُ الْآدَمِيِّ فِي نَصْبِ الرُّكْبَتَيْنِ إِلَى صَدْرِهِ، وَذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ: لَا تَجْلِسْ عَلَى أَلْيَتَيْكَ نَاصِبًا فَخِذَيْكَ ; لِأَنَّ هَذَا مَكْرُوهٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، أَوْ لَا تَجْلِسْ عَلَى عَقِبَيْكَ ; لِأَنَّ هَذَا مَكْرُوهٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ، لَكِنْ وَرَدَ فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ: الْإِقْعَاءُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ سُنَّةٌ، وَزَعَمَ الْخَطَّابِيُّ حُرْمَتَهُ، وَأَنَّ الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ - ضَعِيفٌ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 1394

٩٠٤ - وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى صَلَاةِ عَبْدٍ لَا يُقِيمُ فِيهَا صُلْبَهُ بَيْنَ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا» "، رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٩٠٤ - (وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ) : مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ قَبِيلَةٍ (قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَنْظُرُ اللَّهُ » ) ، أَيْ: نَظَرَ قَبُولٍ (" «إِلَى صَلَاةِ عَبْدٍ لَا يُقِيمُ فِيهَا صُلْبَهُ» ") : أَيْ: فِي الْقَوْمَةِ بَيَانُهَا. (" بَيْنَ خُشُوعِهَا ") ، أَيْ: رُكُوعُهَا (" وَسُجُودِهَا ") : سُمِّيَ الرُّكُوعُ خُشُوعًا، لِأَنَّهُ مِنْ هَيْئَةِ الْخَاشِعِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ الْأَوَّلِيَّ مِنْ تِلْكَ الْهَيْئَةِ الْخُشُوعُ وَالِانْقِيَادُ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَلَفْظُهُ: ( «بَيْنَ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا» ") ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ.

стр. 1395

٩٠٥ - وَعَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ " مَنْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ بِالْأَرْضِ فَلْيَضَعْ كَفَّيْهِ عَلَى الَّذِي وَضَعَ عَلَيْهِ جَبْهَتَهُ، ثُمَّ إِذَا رَفَعَ فَلْيَرْفَعْهُمَا، فَإِنَّ الْيَدَيْنِ تَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الْوَجْهُ "، رَوَاهُ مَالِكٌ. ــ ٩٠٥ - (وَعَنْ نَافِعٍ) : مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ وَضَعُ جَبْهَتَهُ) ، أَيْ: أَرَادَ الْوَضْعَ (بِالْأَرْضِ فَلْيَضَعْ كَفَّيْهِ عَلَى الَّذِي) : أَيْ: عَلَى مُحَاذِي الْمَوْضِعِ الَّذِي (وَضَعَ عَلَيْهِ جَبْهَتَهُ) : كَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا يَعْنِي: لَا عَلَى مُحَاذِي الْمَنْكِبَيْنِ كَمَا هُوَ مُخْتَارُ الشَّافِعِيِّ (ثُمَّ إِذَا رَفَعَ) ، أَيْ: جَبْهَتَهُ (فَلْيَرْفَعْهُمَا) ، أَيِ: الْكَفَّيْنِ (فَإِنَّ الْيَدَيْنِ) : تَعْلِيلٌ لِوَضْعِ الْكَفَّيْنِ (تَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الْوَجْهُ) ، أَيِ: الْجَبْهَةُ وَالْأَنْفُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِأَصَابِعِهِ الْقِبْلَةَ (رَوَاهُ مَالِكٌ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَفْظُهُ: " «إِنَّ الْيَدَيْنِ تَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الْوَجْهُ» ": قَالَ: إِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ، فَلْيَضَعْ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ فَلْيَرْفَعْهُمَا.

стр. 1396

[بَابُ التَّشَهُّدِ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٩٠٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَعَدَ فِي التَّشَهُّدِ، وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى، وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ. ــ [١٥]- بَابُ التَّشَهُّدِ قَالَ الْقَاضِيَ: سُمِّيَ الذِّكْرُ الْمَخْصُوصُ تَشَهُّدًا لِاشْتِمَالِهِ عَلَى كَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٩٠٦ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَعَدَ فِي التَّشَهُّدِ» ) ، أَيْ: فِي زَمَانِهِ أَوْ لِأَجَلِهِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي (وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى) ، أَيْ: بَطْنَ كَفِّهَا بَاسِطًا لِأَصَابِعِهَا مُسْتَقْبِلًا بِهَا الْقِبْلَةَ لِلِاتِّبَاعِ كَمَا يَأْتِي (عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى) : عَلَى قُرْبِهَا فَوْقَ فَخِذِهِ الْيُسْرَى جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَلَعَلَّ تَقْدِيمَ وَضْعِ الْيُسْرَى لِتَبْقَى الْيُمْنَى فِي مَوْضِعِ السَّجْدَةِ الَّتِي هِيَ أَشْرَفُ مِنَ الْقَعْدَةِ كَتَقْدِيمِ الرِّجْلِ الْيُسْرَى عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ، أَوْ لِعَطْفِ حُكْمِ الْآتِي عَلَى قَوْلِهِ ( «وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى» ) : وَلَعَلَّ حِكْمَةَ وَضْعِهِمَا عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ الْمُحَافَظَةُ مِنَ الْعَبَثِ وَالْمُرَاعَاةُ لِلْأَدَبِ

стр. 1397

(وَعَقَدَ) : أَيِ: الْيُمْنَى، وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، فَيَحْتَمِلُ الْمَعِيَّةَ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، وَيَحْتَمِلُ الْبُعْدِيَّةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مُخْتَارِ ابْنِ الْهُمَامِ (ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ) : وَهُوَ أَنْ يَعْقِدَ الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ وَالْوُسْطَى، وَيُرْسِلَ الْمُسَبِّحَةَ، وَيَضُمَّ الْإِبْهَامَ إِلَى أَصْلِ الْمُسَبِّحَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلِلْفُقَهَاءِ فِي كَيْفِيَّةِ عَقْدِهَا وُجُوهٌ، أَحَدُهَا: مَا ذَكَرْنَا، وَالثَّانِي: أَنْ يَضُمَّ الْإِبْهَامَ إِلَى الْوُسْطَى الْمَقْبُوضَةِ كَالْقَابِضِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ، فَإِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ رَوَاهُ كَذَلِكَ. قَالَ الْأَشْرَفُ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ يَعْرِفُ هَذَا الْعَقْدَ وَالْحِسَابَ الْمَخْصُوصَ، وَالثَّالِثُ: أَنْ يَقْبِضَ الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ، وَيُرْسِلَ الْمُسَبِّحَةَ، وَيُحَلِّقَ الْإِبْهَامَ وَالْوُسْطَى، كَمَا رَوَاهُ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ اهـ، وَالْأَخِيرُ هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا، قَالَ الرَّافِعِيُّ: الْأَخْبَارُ وَرَدَتْ بِهَا جَمِيعًا، وَكَأَنَّهُ ﵇ كَانَ يَضَعُ مَرَّةً هَكَذَا وَمَرَّةً هَكَذَا، (وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ رَفَعَهَا عِنْدَ قَوْلِهِ: إِلَّا اللَّهُ لِيُطَابِقَ الْقَوْلُ الْفِعْلَ عَلَى التَّوْحِيدِ اهـ. وَعِنْدَنَا: يَرْفَعُهَا عِنْدَ لَا إِلَهَ، وَيَضَعُهَا عِنْدَ إِلَّا اللَّهُ لِمُنَاسَبَةِ الرَّفْعِ لِلنَّفْيِ، " وَمُلَاءَمَةِ " الْوَضْعِ لِلْإِثْبَاتِ، وَمُطَابَقَةً بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ حَقِيقَةً، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: سُمِّيَتْ بِالسَّبَّابَةِ لِأَنَّهُ كَانَ يُشَارُ بِهَا عِنْدَ الْمُخَاصَمَةِ وَالسَّبِّ، وَسُمِّيَتْ أَيْضًا مُسَبِّحَةً لِأَنَّهُ يُشَارُ بِهَا إِلَى التَّوْحِيدِ وَالتَّنْزِيهِ، فَانْدَفَعَ النَّظَرُ فِي تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ آلَةَ التَّسْبِيحِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا تُنَافِي مَعْرِفَةُ ابْنِ عُمَرَ لِهَذَا الْعَقْدِ وَالْحِسَابِ الْمَخْصُوصِ الَّذِي هُوَ فِي غَايَةِ الدِّقَّةِ وَالْخَفَاءِ الْحَدِيثَ الْمَشْهُورَ: " «إِنَّا أُمَّةٌ أُمَيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسِبُ» "، حَمْلًا لِهَذَا عَلَى الْأَكْثَرِ مِنْهُمْ، أَوْ عَلَى نَفْيِ الْحِسَابِ الْمَذْمُومِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى التَّنْجِيمِ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ خُصَّتِ الْمُسَبِّحَةُ ; لِأَنَّهَا لَهَا اتِّصَالٌ بِنِيَاطِ الْقَلْبِ، فَكَانَ سَبَبًا لِحُضُورِهِ، وَالْيُمْنَى مِنَ الْيُمْنِ بِمَعْنَى الْبَرَكَةِ، فَأُشِيرَ بِقَبْضِ الْيَمِينِ إِلَى التَّفَاؤُلِ بِحُصُولِ الْخَيْرَاتِ لِلْمُصَلِّي، وَأَنَّهُ يَحْفَظُهَا عَنِ الضَّيَاعِ وَاطِّلَاعِ الْأَغْيَارِ.

стр. 1398

٩٠٧ - وَفِي رِوَايَةٍ: «كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَرَفَعَ أُصْبُعَهُ الْيُمْنَى الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ فَيَدْعُو بِهَا، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ، بَاسِطَهَا عَلَيْهَا» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٩٠٧ - (وَفِي رِوَايَةٍ: «كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ» ) : أَيْ: لِلتَّشَهُّدِ كَمَا بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَةُ الْأُولَى ( «وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ» ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَكِنْ مَعَ اخْتِلَافِ الْهَيْئَةِ كَمَا عُلِمَ مِنَ الرِّوَايَاتِ السَّابِقَةِ وَالْآتِيَةِ (وَرَفَعَ أُصْبُعَهُ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ رَفَعَهَا إِلَى الْقِبْلَةِ لِحَدِيثٍ فِيهِ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَأَنْ يَنْوِيَ بِرَفْعِهَا حِينَئِذٍ التَّوْحِيدَ وَالْإِخْلَاصَ لِحَدِيثٍ فِيهِ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَأَنْ لَا يُجَاوِزَ بَصَرُهُ إِشَارَتَهُ لِلْإِتْبَاعِ الْآتِي، وَأَنْ يُخَصِّصَ الرَّفْعَ بِكَوْنِهِ مَعَ إِلَّا اللَّهُ لِمَا فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَبِهَا يَخُصُّ عُمُومَ خَبَرِ أَبِي دُوَادَ الْآتِي يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ إِذَا دَعَا، فَالْمُرَادُ إِذَا تَشَهَّدَ، وَالتَّشَهُّدُ حَقِيقَةُ النُّطْقِ بِالشَّهَادَةِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ التَّشَهُّدُ دُعَاءً لِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: وَيَدْعُو بِهَا أَيْ يَتَشَهَّدُ بِهَا، وَأَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى الرَّفْعِ إِلَى آخِرِ التَّشَهُّدِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا، وَإِنِ اعْتَرَضَهُ جَمْعٌ بِأَنَّ الْأَوْلَى عِنْدَ الْفَرَاغِ إِعَادَتُهَا اهـ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ لِأَنَّ

стр. 1399

الْإِعَادَةَ تَحْتَاجُ إِلَى رِوَايَةِ (الْيُمْنَى الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ) : ظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَدَمُ عَقْدِ الْأَصَابِعِ، مَعَ الْإِشَارَةِ، وَهُوَ مُخْتَارُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، (يَدْعُو) : وَفِي نُسْخَةٍ: فَيَدْعُو، أَيْ: يُهَلِّلُ سُمِّيَ التَّهْلِيلُ وَالتَّحْمِيدُ دُعَاءً ; لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ اسْتِجْلَابِ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِذَا قِيلَ: إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇: " «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ» " إِلَخْ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: سُمِّيَ التَّشَهُّدُ دُعَاءً لِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهِ، إِذْ مِنْ جُمْلَتِهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِلَى الصَّالِحِينَ، وَهَذَا كُلُّهُ دُعَاءٌ، وَإِنَّمَا عُبِّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الْإِخْبَارِ لِمَزِيدِ التَّوْكِيدِ، وَلِذَا قَالَ أَئِمَّةُ الْبَيَانِ: إِنَّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ أَعْظَمُ مِنَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، " لِأَنَّهُ " الْأَوَّلُ يَسْتَدْعِي قُوَّةَ الرَّجَاءِ بِوُقُوعِ الْمَغْفِرَةِ، وَإِنَّهَا صَارَتْ كَالْأَمْرِ الْوَاقِعِ الْمُحَقَّقِ حَتَّى أُخْبِرَ عَنْهَا بِلَفْظِ الْمَاضِي، بِخِلَافِ الثَّانِي (بِهَا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: إِمَّا أَنْ يُضَمَّنَ يَدْعُو مَعْنَى يُشِيرُ، أَيْ: يُشِيرُ بِهَا دَاعِيًا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ بِالْإِلَهِيَّةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ حَالًا، أَيْ: يَدْعُو مُشِيرًا بِهَا، (وَيَدَهُ الْيُسْرَى) : بِالنَّصْبِ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ وَهُوَ الظَّاهِرُ (عَلَى رُكْبَتِهِ، بَاسِطَهَا) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بِفَتْحِ الطَّاءِ وَضَمِّهَا أَيْ: نَاشِرَهَا، أَيِ: السَّيِّدُ (عَلَيْهَا) ، أَيْ: عَلَى الرُّكْبَةِ مِنْ غَيْرِ رَفْعِ أُصْبُعٍ بِهَا، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ: مِيرَكُ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

стр. 1400

٩٠٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَعَدَ يَدْعُو وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ، وَوَضَعَ إِبْهَامَهُ عَلَى أُصْبُعِهِ الْوُسْطَى، وَيُلْقِمُ كَفَّهُ الْيُسْرَى رُكْبَتَهُ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٩٠٨ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَعَدَ يَدْعُو» ) ، أَيْ: يَقْرَأُ التَّشَهُّدَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: سُمِّيَ دُعَاءً لِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: سَلَامٌ عَلَيْكَ، وَسَلَامٌ عَلَيْنَا دُعَاءٌ ( «وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ» ) ، أَيِ: الْمُسَبِّحَةِ (وَوَضَعَ) : حَالٌ، أَيْ: وَقَدْ وَضَعَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ مِنْ أَوَّلِ جُلُوسِهِ لِلتَّشَهُّدِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَاتُ الْأُخَرُ اهـ، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَنَا، أَنَّهُ إِنَّمَا يَضَعُ عِنْدَ إِرَادَةِ الْإِشَارَةِ ( «إِبْهَامَهُ عَلَى أُصْبُعِهِ الْوُسْطَى، وَيُلْقِمُ» ) ، أَيْ: أَحْيَانًا (كَفَّهُ الْيُسْرَى رُكْبَتَهُ) ، أَيِ: الْيُسْرَى، قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: جَعَلَهُ الْمُظْهِرُ مِنَ التَّلْقِيمِ، وَجُمْهُورُ الشُّرَّاحِ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْإِلْقَامِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُقَالُ: لَقَمْتُ الطَّعَامَ إِذَا أَدْخَلْتَهُ فِي فِيكَ، أَيْ: يُدْخِلُ رُكْبَتَيْهِ فِي رَاحَةِ كَفِّهِ الْيُسْرَى، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ حَتَّى صَارَتْ رُكْبَتُهُ كَاللُّقْمَةِ فِي كَفِّهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ السُّنَّةَ وَضْعُ بَطْنِ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ قَرِيبًا مِنْ رُكْبَتَيْهِ بِحَيْثُ تَسَامَتْهَا رُءُوسُ الْأَصَابِعِ ; لِأَنَّ ذَاكَ لِبَيَانِ كَمَالِ السُّنَّةِ، وَهَذَا الْبَيَانُ أَصْلُ السُّنَّةِ فَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا: يَنْبَغِي تَرْكُهُ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِتَوْجِيهِهَا لِلْقِبْلَةِ فَقَدْ غَفَلَ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْتُهُ قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: أَجْمَعُوا عَلَى نَدْبِ وَضْعِهَا عِنْدَ الرُّكْبَةِ أَوْ عَلَيْهَا، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 1401

٩٠٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: «كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ قَبْلَ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى مِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ ، أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، قَالَ: " لَا تَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ - فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ - أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُوهُ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٩٠٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَا) أَيْ: فِي قُعُودِ التَّشَهُّدِ قَبْلَ مَشْرُوعِيَّتِهِ ( «السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ قَبْلَ عِبَادِهِ» ) ، أَيْ: قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ، وَهُوَ ظَرْفٌ، قُلْنَا: وَالسَّلَامُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى السَّلَامَةِ، وَاسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ، وُصِفَ بِهِ مُبَالَغَةً فِي كَوْنِهِ سَلِيمًا مِنَ النَّقَائِصِ، أَوْ إِعْطَائِهِ السَّلَامَةَ، كَذَا قَالَهُ الْخَلْخَالِيُّ وَغَيْرُهُ.

стр. 1402

قَالَ مِيرَكُ: كَذَا وَقَعَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا فِي الْمِشْكَاةِ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْهُمَا بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ اهـ، وَالسَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، بِمَعْنَى الِاعْتِرَافِ بِسَلَامَتِهِ تَعَالَى مِنْ كُلِّ نَقْصٍ فِعْلِيٍّ فِيهِ، بِمَعْنَى (اللَّامِ) . (السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ) : فِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ مَشْهُورَةٌ، (السَّلَامُ عَلَى مِيكَائِيلَ) : فِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ، لَكِنْ أَحَدُهَا وَهُوَ مِيكَالُ لَا يُسَاعِدُهُ الرَّسْمُ هُنَا (السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ) ، أَيْ: عَلَى مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، يَعْنِي: كَانُوا يَقُولُونَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ عِوَضًا عَنِ التَّحِيَّاتِ (فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ ، أَيْ: فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَقِيلَ: مِنَ الْمِعْرَاجِ (أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) : يَعْنِي: لَا بِمُجَرَّدِ الْكَلَامِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ تَأْكِيدٌ، وَالْجُمْلَةُ بَدَلٌ مَنِ انْصَرَفَ وَجَوَابٌ لِمَا " قَوْلُهُ " (قَالَ: " «لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ» ") : لِأَنَّ مَعْنَى السَّلَامِ عَلَيْكَ هُوَ الدُّعَاءُ بِالسَّلَامَةِ مِنَ الْآفَاتِ، أَيْ: سَلِمْتَ مِنَ الْمَكَارِهِ أَوْ مِنَ الْعَذَابِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، أَيْ: هُوَ الَّذِي يُعْطِي السَّلَامَ لِعِبَادِهِ، فَأَنَّى يُدْعَى لَهُ وَهُوَ الْمَدْعُوُّ عَلَى الْحَالَاتِ؟ وَوَرَدَ فِي الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ أَيِ الْمُخْتَصُّ بِهِ لَا غَيْرُكَ لِتَعْرِيفِ الْجُزْأَيْنِ الدَّالِّ عَلَى الْحَصْرِ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، أَيْ: حُصُولُهُ لَا مِنْ غَيْرِكَ، وَإِلَيْكَ يَعُودُ السَّلَامُ، أَيْ: مَا صَدَرَ مِنْ غَيْرِكَ مِنَ السَّلَامِ، فَإِنَّمَا لَهُمْ صُورَةٌ، وَأَمَّا حَقَائِقُهُ فَرَاجِعَةٌ إِلَيْكِ، (فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ) : الْأَمْرُ فِيهِ لِلْوُجُوبِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ فَيَنْجَبِرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ، وَكَذَا قُعُودُهُ الْأَوَّلُ وَاجِبٌ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ ﵇ سَجَدَ لِتَرْكِهِ، وَأَمَّا قُعُودُهُ الْأَخَيْرُ، فَإِنَّهُ فَرْضٌ عِنْدَنَا لِخَبَرِ إِذَا قَعَدَ الْإِمَامُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ، ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يَتَشَهَّدَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مَوْقُوفًا: إِذَا جَلَسَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، ثُمَّ أَحْدَثَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِنْ كُلًّا مِنْهُمَا ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ، فَضَعِيفٌ بِاخْتِلَافِهِمْ، (" التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ ") ، أَيْ: دُونَ غَيْرِهِ، قِيلَ: التَّحِيَّةُ تَفْعِلَةٌ مِنَ الْحَيَاةِ بِمَعْنَى الْإِحْيَاءِ وَالتَّبْقِيَةِ، وَقِيلَ: التَّحِيَّةُ: الْمَلِكُ سُمِّيَ بِهَا ; لِأَنَّ الْمَلِكَ سَبَبُ تَحِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ كَقَوْلِهِمْ: أَبَيْتَ اللَّعْنَ، وَأَسْلِمْ، وَأَنْعِمْ، وَقِيلَ: التَّحِيَّةُ الْبَقَاءُ، وَقِيلَ: السَّلَامُ وَجُمِعَتْ لِإِرَادَةِ اسْتِغْرَاقِ الْأَنْوَاعِ (" وَالصَّلَوَاتُ ") ، أَيِ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَقِيلَ: الْعِبَادَاتُ أَيْ: هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِجَمِيعِ ذَلِكَ، وَقِيلَ الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ، وَقِيلَ: الصَّلَوَاتُ الْمَرْفُوعَةُ، أَوْ أَنْوَاعُ الرَّحْمَةِ، أَوِ الْأَدْعِيَةُ الَّتِي يُرَادُ بِهَا التَّعْظِيمُ، (" وَالطَّيِّبَاتُ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: مَا يُلَائَمُ وَيُسْتَلَذُّ بِهِ، وَقِيلَ: الْكَلِمَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى الْخَيْرِ: كَسَقَاهُ اللَّهُ وَرَعَاهُ اللَّهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الطَّيِّبَاتُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ، وَقِيلَ: التَّحِيَّاتُ الْعِبَادَاتُ الْقَوْلِيَّةُ، وَالصَّلَوَاتُ الطَّاعَاتُ الْبَدَنِيَّةُ، وَالطَّيِّبَاتُ الْخَيْرَاتُ الْمَالِيَّةُ، نَقَلَهُ السُّيُوطِيُّ، وَهُوَ أَجْمَعُ الْأَقْوَالِ، قَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ مَعْطُوفَتَيْنِ عَلَى التَّحِيَّاتِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصَّلَوَاتُ مُبْتَدَأً وَخَبَرُهَا مَحْذُوفًا، وَالطَّيِّبَاتُ مَعْطُوفَةً عَلَيْهَا، وَالْوَاوُ الْأُولَى لِعَطْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَالثَّانِيَةُ لِعِطْفِ الْمُفْرَدِ عَلَى الْجُمْلَةِ اهـ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْوَاوَيْنِ لِعَطْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ، الْخَبَرُ فِيهِمَا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْخَبَرُ السَّابِقُ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عُمَرَ اللَّاحِقُ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَحُذِفَتِ الْوَاوُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ اخْتِصَارًا، وَهُوَ جَائِزٌ مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ، وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاخْتَارَ أَبُو حَنِيفَةَ رِوَايَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَاخْتَارَ مَالِكٌ رِوَايَةَ عُمَرَ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ الصَّلَاةُ بِأَيِّهَا شَاءَ الْمُصَلِّي، إِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَفْضَلِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وُقُوعُ الْخِلَافِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ بَعْضَ مَنْ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَفِظَ الْكَلِمَةَ عَلَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، وَبَعْضُهُمْ حَفِظَ اللَّفْظَ دُونَ الْمَعْنَى، وَسَاغَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الذِّكْرُ، وَكُلُّهُ ذِكْرٌ، وَالْمَعْنَى غَيْرُ مُخْتَلِفٍ، وَلَمَّا جَازَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ بِعِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كَانَ فِي الذِّكْرِ أَجْدَرَ اهـ. وَفِيهِ إِيهَامٌ أَنَّهُ يَجُوزُ نَقْلُ الْقُرْآنِ بِالْمَعْنَى، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ إِجْمَاعًا بِخِلَافِ نَقْلِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ يَقُولُ فِي الْمِنْبَرِ، وَيَعْلَمُهُ النَّاسُ، وَهُوَ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ،

стр. 1403

الطَّيِّبَاتُ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَاخْتَارَهُ مَالِكٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ قَدِيمًا (" السَّلَامُ عَلَيْكَ ") : قِيلَ: مَعْنَاهُ اسْمُ السَّلَامِ، أَيِ: اسْمُ اللَّهِ عَلَيْكَ، فَإِنَّهُ مَنْ أَعَانَهُ تَعَالَى لِأَنَّهُ الْمُسَلِّمُ لِعِبَادِهِ مِنَ الْآفَاتِ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: السَّلَامُ بِمَعْنَى التَّسْلِيمِ، وَمَنْ سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَلِمَ مِنَ الْآفَاتِ كُلِّهَا وَقِيلَ: السَّلَامَةُ مِنَ الْآفَاتِ كُلِّهَا عَلَيْكَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَجَاءَ فِي فَضْلِ السَّلَامِ عَلَيْهِ ﷺ أَحَادِيثُ، مِنْهَا: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ بُعِثْتُ مَا مَرَرْتُ بِشَجَرٍ وَلَا حَجَرٍ إِلَّا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمِنْهَا إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ وَإِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ، وَفِي لَفْظِهِ: إِنَّ بِمَكَّةَ لَحَجَرًا يُسَلِّمُ عَلَيَّ لَيَالِيَ بُعِثْتُ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ إِذَا مَرَرْتُ عَلَيْهِ، قِيلَ: وَهُوَ الْحَجَرُ الْبَارِزُ الْآنَ بِزُقَاقِ الْمَوْقَفِ الْمُقَابِلِ لِبَابِ الْجَائِزِ، (" أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ") : وَهِيَ لُغَةُ عَطْفٍ وَمَيْلٍ نَفْسَانِيٍّ، وَغَايَتُهَا التَّفَضُّلُ وَالْإِحْسَانُ وَالْإِنْعَامُ، أَوْ إِرَادَةُ ذَلِكَ، وَلِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أُرِيدَ بِهَا غَايَتُهَا الَّتِي هِيَ صِفَةُ فِعْلٍ أَوْ صِفَةُ ذَاتٍ (" وَبَرَكَاتُهُ ") : وَهُوَ اسْمٌ لِكُلِّ خَيْرٍ فَائِضٍ مِنْهُ تَعَالَى عَلَى الدَّوَامِ، وَقِيلَ: الْبَرَكَةُ الزِّيَادَةُ فِي الْخَيْرِ، وَإِنَّمَا جُمِعَتِ الْبَرَكَةُ دُونَ السَّلَامِ وَالرَّحْمَةِ لِأَنَّهُمَا مَصْدَرَانِ (" السَّلَامُ عَلَيْنَا ") ، أَيْ: مَعْشَرَ الْحَاضِرِينَ مِنَ الْمُصَلَّى، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَمُؤْمِنِي الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَقُدِّمَ أَنْفُسُهُمْ لِأَنَّهُ أَدَبُ الدُّعَاءِ، وَقُدِّمَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَنَّهُ الْوَسِيلَةُ، (" وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ - فَإِنَّهُ ") ، أَيِ الشَّأْنَ أَوِ الْمَصْلَحَةَ (" إِذَا قَالَ ذَلِكَ أَصَابَ ") : فَاعِلُهُ ضَمِيرُ ذَلِكَ، أَيْ: أَصَابَ ثَوَابَ هَذَا الدُّعَاءِ أَوْ بَرَكَاتِهِ (" كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ ") : قُيِّدَ بِهِ ; لِأَنَّ التَّسْلِيمَ لَا يَصْلُحُ لِلْمُفْسِدِ، وَالصَّالِحُ هُوَ الْقَائِمُ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْعِبَادِ، عَلَى مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ عَنِ الزَّجَّاجِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ كُلُّ مُسْلِمٍ (فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَعْلَمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الدُّعَاءَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ شَامِلًا لَهُمْ وَعَمَّهُمْ مَا يَعُمُّهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِإِفْرَادِهِ ﵇ بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِ وَمَزِيدِ جَبْهَتِهِ وَتَخْصِيصِ أَنْفُسِهِمْ، فَإِنَّ الِاهْتِمَامَ بِهَا أَهَمُّ (" أَشْهَدُ ") ، أَيْ: أَعْلَمُ بِالْجِنَانِ وَأُبَيِّنُ بِاللِّسَانِ (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ، أَيْ: لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ فِي الْوُجُودِ إِلَّا اللَّهُ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ (" وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ") ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: رُوِيَ: أَنَّهُ ﷺ لَمَّا عُرِجَ بِهِ أَثْنَى عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَقَالَ ﵇: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» اهـ، وَبِهِ يَظْهَرُ وَجْهُ الْخِطَابِ، وَأَنَّهُ عَلَى حِكَايَةِ مِعْرَاجِهِ ﵇ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ مِعْرَاجُ الْمُؤْمِنِينَ (" ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ ") ، "، أَيْ: لِيَخْتَرْ (" مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ ") ، أَيْ: أَحَبَّ الدُّعَاءِ وَأَرْضَاهُ مِنَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (" فَيَدْعُوهُ ") ، أَيْ: فَيَقْرَأُ الدُّعَاءَ الْأَعْجَبَ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَيَدْعُو بِهِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَيَدْعُو اللَّهَ بِهِ وَحُذِفَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِلْعِلْمِ بِهِ، وَقِيلَ: هُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الدُّعَاءَ الْأَعْجَبَ هُوَ مَا وَرَدَ عَنْهُ ﷺ لِأَنَّهُ مُعَلِّمُ الْأَدَبِ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ إِلَّا أَنَّ النَّسَائِيَّ قَالَ فِي رِوَايَةٍ: سَلَامٌ عَلَيْنَا مُنَكِّرًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ اهـ، وَنَقَلَ مُلَّا حَنَفِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْحِصْنِ عَنِ الْعَسْقَلَانِيِّ: أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِحَذْفِ اللَّامِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ. تَمَّ كَلَامُهُ، وَبِالْجُمْلَةِ، فَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي أَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ، فَالْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى وَأَتَمُّ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ مِنْهُمُ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ السِّمْنَانِيُّ.

стр. 1404

٩١٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَكَانَ يَقُولُ: التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلَمْ أَجِدْ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، وَلَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ: " سَلَامٌ عَلَيْكُمْ " وَسَلَامٌ عَلَيْنَا " بِغَيْرِ أَلْفٍ وَلَامٍ، وَلَكِنْ رَوَاهُ صَاحِبُ " الْجَامِعِ " عَنِ التِّرْمِذِيِّ. ــ ٩١٠ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ» ) : سُمِّيَ بِاسْمِ جُزْئِهِ الْأَشْرَفِ كَمَا هُوَ الْقَاعِدَةُ عِنْدَ الْبُلَغَاءِ فِي تَسْمِيَةِ الْكُلِّ بِاسْمِ الْبَعْضِ (أَيْ يُعَلِّمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ) : فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى اهْتِمَامِهِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى وُجُوبِهِ (فَكَانَ يَقُولُ: " التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ ") ، أَيِ: النَّامِيَاتُ (" الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ ") : قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَمِنْ جُمْلَةِ مَا يُرَجِّحُ تَشَهُّدَ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ وَاوَ الْعَطْفِ تَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، فَتَكُونُ كُلُّ جُمْلَةٍ ثَنَاءً مُسْتَقِلًّا، بِخِلَافِ مَا إِذَا سَقَطَتْ فَإِنَّ مَا عَدَا اللَّفْظَ الْأَوَّلَ يَكُونُ صِفَةً لَهُ، فَيَكُونُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي الثَّنَاءِ، وَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ، وَحَذْفُ وَاوِ الْعَاطِفِ، وَلَوْ كَانَ جَائِزًا، لَكِنَّ التَّقْدِيرَ خِلَافُ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى صَحِيحٌ بِدُونِ تَقْدِيرِهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِنْ كَانَتْ رِوَايَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَشَدَّ صِحَّةً لِأَنَّهُ أَفْقَهُ، قُلْتُ: لَعَلَّهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَإِلَّا فَعِنْدَ إِمَامِنَا هُوَ أَفْقَهُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَهُوَ أَظْهَرُ لِكِبَرِ سِنِّهِ فِي حَيَاتِهِ ﵊، وَكَثْرَةِ مُلَازَمَتِهِ وَمُوَاظَبَةِ خِدْمَتِهِ مِنْ مُحَافَظَةِ النَّعْلِ وَالْمِخَدَّةِ وَالْمِطْهَرَةِ وَالسَّجَّادَةِ، قَالَ: وَلِاشْتِمَالِ مَا رَوَاهُ عَلَى زِيَادَةٍ، قُلْتُ: زِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، لَكِنْ لَا تُوجِبُ التَّرْجِيحَ، قَالَ: وَلِأَنَّهُ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] قُلْتُ: الْمُوَافَقَةُ إِنَّمَا هِيَ لَفْظِيَّةٌ وَإِلَّا فَهِيَ وَارِدَةٌ فِي السَّلَامِ عِنْدَ الدُّخُولِ فِي الْبُيُوتِ قَالَ: وَلِأَنَّ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ ضَبْطِهِ لَفْظَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «كَانَ يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ» ، وَفِيهِ أَنَّ التَّعْلِيمَ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَنَقْلُهُ هَذَا غَيْرُ دَالٍّ عَلَى زِيَادَةِ ضَبْطِهِ، بَلْ يَرُدُّ عَلَيْكُمْ مَا صَحَّ فِي تَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ: عَلَّمَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَكَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ إِلَخْ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا وَرَدَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُنَا كَمَا يُعَلِّمُ السُّورَةَ، فَإِنَّ رِوَايَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ أَصَحُّ، وَلِهَذَا اخْتَارَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَالْمُحَدِّثِينَ، وَاخْتَارَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ تَشَهُّدَ عُمَرَ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ، الطَّيِّبَاتُ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ إِلَخْ، وَيُجَابُ بِأَنَّا لَا نُنَازِعُ فِي أَصْلِ الثُّبُوتِ عَنْهُ ﷺ ، بَلْ فِيمَا كَانَ يَعْتَنِي بِهِ أَكْثَرَ، أَوْ فِيمَا وَصَلَ إِلَيْنَا بِرِوَايَةٍ أَصَحَّ، وَهُوَ تَشَهُّدُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأَفْضَلِ، وَالْجَوَازُ بِالْكُلِّ كَخِلَافِ الرِّوَايَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَذَكَرَ الطِّيبِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي التَّشَهُّدَاتِ إِنَّمَا نَشَأَ عَنْ أَنَّ بَعْضَهُمْ عَبَّرَ بِالْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، وَأَقَرَّهُمْ ﵇ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الذِّكْرُ اهـ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ، بِمَا هُوَ عَجِيبٌ وَقَالَ: هُوَ غَرِيبٌ، بَلِ الْمَقْصُودُ هُنَا اللَّفْظُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِبْدَالُ كَلِمَةٍ مِنَ التَّشَهُّدِ الْوَاجِبِ بِرَدِيفِهَا، فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ؟ (" «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ أَعْنِي (" «السَّلَامُ عَلَيْكَ وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ» ") : حَذْفُ اللَّامِ وَإِثْبَاتُهُ وَالْإِثْبَاتُ أَفْضَلُ وَهُوَ الْمَوْجُودُ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ قُلْتُ: بَلْ فِي الصِّحَاحِ السِّتِّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَسَيَأْتِي ( «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» ") : انْفَرَدَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِهَذَا اللَّفْظِ، إِذْ فِي سَائِرِ التَّشَهُّدَاتِ الْوَارِدَةِ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ كُلِّهَا بِلَفْظِ: وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَالْمَنْقُولُ أَنَّ تَشَهُّدَهُ ﵇ كَتَشَهُّدِنَا، وَأَمَّا قَوْلُ الرَّافِعِيِّ: وَالْمَنْقُولُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي تَشَهُّدِهِ: وَأَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَمَرْدُودٌ بِأَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي

стр. 1405

الْإِحْيَاءِ: وَقِيلَ قَوْلُكَ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَحْضَرْ شَخْصَهُ الْكَرِيمَ فِي قَلْبِكَ وَلِيَصْدُقْ أَمَلُكَ فِي أَنَّهُ يَبْلُغُهُ وَيَرُدُّ عَلَيْكَ مَا هُوَ أَوْفَى مِنْهُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: كُنَّا نَقُولُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ فَلَمَّا قُبِضَ ﵇ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ، فَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي عِوَانَةَ، وَرِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ الْأَصَحُّ مِنْهَا بَيَّنَتْ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بَلْ مِنْ فَهْمِ الرَّاوِي عَنْهُ، وَلَفْظُهَا: فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا: سَلَامٌ يَعْنِي عَلَى النَّبِيِّ، فَقَوْلُهُ قُلْنَا: سَلَامٌ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ اسْتَمْرَرْنَا بِهِ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ عَرْضَنَا عَنِ الْخِطَابِ، وَإِذَا احْتَمَلَ اللَّفْظُ لَمْ يَبْقَ فِيهِ دَلَالَةٌ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ، (وَلَمْ أَجِدْ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا فِي الْجَمْعِ) ، أَيْ: لِلْحُمَيْدِيِّ (بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ) : وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ عِلْمٌ، وَالْعِلْمُ لَا يَتَغَيَّرُ (سَلَامٌ عَلَيْكَ وَسَلَامٌ عَلَيْنَا) بِغَيْرِ أَلْفٍ وَلَامٍ، وَلَكِنْ رَوَاهُ) ، أَيِ: ابْنُ الْأَثِيرِ (صَاحِبُ الْجَامِعِ) ، أَيْ: لِلْأُصُولِ السِّتِّ (عَنِ التِّرْمِذِيِّ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَذَكَرَهُ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا عَنْ مُسْلِمٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي بَعْضِ نُسَخِهِ اهـ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ قَالَ: وَرَوَاهُ أَيْضًا الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ اهـ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الصِّحَاحِ، ثُمَّ أَصْلُ سَلَامٌ عَلَيْكِ سَلَّمْتُ سَلَامًا عَلَيْكَ، ثُمَّ حُذِفَ الْفِعْلُ، وَأُقِيمَ الْمَصْدَرُ مَقَامَهُ، وَعُدِلَ عَنِ النَّصْبِ إِلَى الرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، فَإِنَّهُ الثُّبُوتُ وَالدَّوَامُ، ثُمَّ زِيدَتْ أَلْ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أَيِ: السَّلَامُ الَّذِي وُجِّهَ لِلْأَنْبِيَاءِ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَالسَّلَامُ الَّذِي وُجِّهَ لِصَالِحِي الْأُمَمِ عَلَيْنَا وَعَلَى إِخْوَانِنَا، قَالَ مِيرَكُ: وَكَذَا أَنْكَرَ النَّسَائِيُّ أَيْضًا وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ، وَالنَّسَائِيِّ: وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
следующие страницы →