Полный текст (8 767 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٦ - عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
الْمُرَادُ بِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُلْحَقَةُ بِالْبَابِ، أَلْحَقَهَا صَاحِبُ الْكِتَابِ غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِأَنْ تَكُونَ مِمَّا أَخْرَجَهَا الشَّيْخَانِ أَوْ غَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِ السُّنَنِ، وَلَا بِأَنْ تَكُونَ عَنْ صَحَابِيٍّ أَوْ تَابِعِيٍّ.
٣٦ - (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ) هَذَا مِمَّا يَتَكَرَّرُ كَثِيرًا، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْمَنْصُوبَيْنِ بَعْدَ " سَمِعْتُ "، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ مَفْعُولٌ، وَجُمْلَةُ يَقُولُ حَالٌ، أَيْ سَمِعْتُ كَلَامَهُ؛ لِأَنَّ السَّمْعَ لَا يَقَعُ عَلَى الذَّوَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ هَذَا الْمَحْذُوفِ بِالْحَالِ الْمَذْكُورَةِ، فَهِيَ حَالٌ مُبَيِّنَةٌ لَا يَجُوزُ حَذْفُهَا، وَاخْتَارَ الْفَارِسِيُّ أَنَّ مَا بَعْدَ " سَمِعْتُ " إِنْ كَانَ مِمَّا يُسْمَعُ كَـ " سَمِعْتُ الْقُرْآنَ " تَعَدَّتْ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَإِلَّا كَمَا هُنَا تَعَدَّتْ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، فَجُمْلَةُ " يَقُولُ " عَلَى هَذَا مَفْعُولٌ ثَانٍ. وَقِيلَ: يَنْبَغِي جَوَازُ حَذْفِ " يَقُولُ " هَذَا خَطًّا، كَمَا يَجُوزُ حَذْفُ " قَالَ " خَطًّا فِي نَحْوِ " حَدَّثَنَا " مَفْعُولُ " قَالَ " أَيْ: قَالَ حَدَّثَنَا، وَرُدَّ بِأَنَّ حَذْفَ " يَقُولُ " مُلْبِسٌ؛ لِأَنَّهُ يَدْرِي حِينَئِذٍ أَهْوَ يَقُولُ أَمْ قَالَ، بِخِلَافِ حَذْفِ " قَالَ " مِمَّا ذُكِرَ، فَإِنَّهُ فَلَا يُلْبِسُ، وَمِنْ ثَمَّ جُوِّزَ حَذْفُهَا حَتَّى فِي الْقِرَاءَةِ كَمَا صَحَّحَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ، وَالنَّوَوِيُّ. (مَنْ شَهِدَ) أَيْ بِلِسَانِهِ مُطَابِقًا لِجَنَانِهِ (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وَالْتَزَمَ جَمِيعَ مَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) وَقَبِلَ مَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ) أَيِ الْخُلُودَ فِيهَا كَالْكُفَّارِ، بَلْ مَآلُهُ إِلَى الْجَنَّةِ مَعَ الْأَبْرَارِ، وَلَوْ عَمِلَ مَا عَمِلَ مِنْ أَعْمَالِ الْفُجَّارِ، وَكَذَا دُخُولُهَا إِنْ مَاتَ مُطِيعًا، وَأَمَّا إِذَا مَاتَ فَاسِقًا فَهُوَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ التَّلَفُّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ عَلَى الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ يَخْلُدُ فِي النَّارِ، عَلَى مَا فِيهِ مِنْ خِلَافٍ حُكِيَ عَنْ جَمْعٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا حِكَايَةَ النَّوَوِيِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْأَوَّلِ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَتَقَرَّرَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 142
٣٧ - وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٧ - (وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ هُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَيُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْأُمَوِيُّ الْقُرَشِيُّ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عَلَى يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ قَبْلَ دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ دَارَ الْأَرْقَمِ، وَهَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ الْهِجْرَتَيْنِ، وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا؛ لِأَنَّهُ تَخَلَّفَ بِمَرَضِ رُقَيَّةَ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَضَرَبَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا بِسَهْمٍ، وَلَمْ يَشْهَدِ الْحُدَيْبِيَةَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ بَعْثَهُ إِلَى مَكَّةَ فِي أَمْرِ الصُّلْحِ، فَلَمَّا كَانَتِ الْبَيْعَةُ ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلَى يَدِهِ، وَقَالَ: هَذِهِ لِعُثْمَانَ، وَسُمِّي ذَا النُّورَيْنِ لِجَمْعِهِ بَيْنَ بِنْتَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رُقَيَّةَ وَأُمِّ كُلْثُومٍ. كَانَ أَبْيَضَ، رَبْعَةً، حَسَنَ الْوَجْهِ، اسْتُخْلِفَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، وَقَتَلَهُ الْأَسْوَدُ النَّجِيبِيُّ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، وَقِيلَ: غَيْرُهُ، وَدُفِنَ لَيْلَةَ السَّبْتِ بِالْبَقِيعِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْعُمْرِ اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةً سَنَةً إِلَّا أَيَّامًا. وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ) أَيْ عِلْمًا يَقِينًا سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى الْإِقْرَارِ اللِّسَانِيِّ وَأَقَرَّ، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ وَاكْتَفَى بِالْقَلْبِ، أَوْ جَهِلَ وُجُوبَهُ، أَوْ لَمْ يُطَالِبْ بِهِ، أَوْ أَتَى بِهِ، إِذْ لَيْسَ فِيهِ مَا يَنْفِي تَلَفُّظُهُ بِهِ (أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ عَلَمٌ لِكَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ، وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهَا (دَخَلَ الْجَنَّةَ) إِمَّا دُخُولًا أَوَّلِيًّا إِنْ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ذَنْبٌ بَعْدَ الْإِيمَانِ، أَوْ أَذْنَبَ وَتَابَ، أَوْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ. أَوْ دُخُولًا أُخْرَوِيًّا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضَيِّعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، أَوْ مَعْنَاهُ اسْتَحَقَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي الْإِحْيَاءِ: مَنْ يُوجَدُ مِنْهُ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ فَقَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ بِاللِّسَانِ أَوْ يَشْتَغِلَ بِالْعِبَادَةِ مَاتَ، فَهَلْ هُوَ مُؤْمِنٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؟ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ، فَمَنْ شَرَطَ الْقَوْلَ لِتَمَامِ الْإِيمَانِ يَقُولُ: هَذَا مَاتَ قَبْلَ الْإِيمَانِ، وَهَذَا فَاسِدٌ؛ إِذْ قَالَ ﵊: ( «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ الْإِيمَانِ» ) وَهَذَا قَلْبُهُ طَافِحٌ بِالْإِيمَانِ، وَمَنْ صَدَّقَ بِالْقَلْبِ وَسَاعَدَهُ الْوَقْتُ لِلنُّطْقِ بِكَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ، وَعَلِمَ وُجُوبَهُمَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَنْطِقْ بِهِمَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْعَلَ امْتِنَاعُهُ عَنِ النُّطْقِ بِمَنْزِلَةِ امْتِنَاعِهِ عَنِ الصَّلَاةِ، وَيُقَالُ: هُوَ مُؤْمِنٌ غَيْرُ مُخَلَّدٍ فِي النَّارِ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ، فَإِنَّ الْإِقْرَارَ إِمَّا شَرْطٌ لِلْإِيمَانِ، أَوْ شَطْرٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الصَّلَاةُ لِلْإِيمَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَأَنَّهُ عِنْدَ الْإِمَامِ مِنْ وَاجِبَاتِ الْإِسْلَامِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا قِيلَ بِكُفْرِ أَبِي طَالِبٍ، فَلَوْ عَبَّرَ بِتَرْكِهِ بَدَلَ امْتِنَاعِهِ كَانَ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 143
٣٨ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «ثِنْتَانِ مُوجِبَتَانِ " قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْمُوجِبَتَانِ؟ قَالَ: " مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ، وَمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٨ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁) هُوَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، الْأَنْصَارِيُّ السُّلَمِيُّ، مِنْ مَشَاهِيرِ الصَّحَابَةِ، وَأَحَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الرِّوَايَةِ، شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَقَدِمَ الشَّامَ وَمِصْرَ، وَكُفَّ بَصَرُهُ آخِرَ عُمْرِهِ. رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَلَهُ أَرْبَعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي قَوْلٍ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ثِنْتَانِ) صِفَةُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ خَصْلَتَانِ (مُوجِبَتَانِ) يُقَالُ: أَوْجَبَ الرَّجُلُ إِذَا عَمِلَ مَا يَجِبُ بِهِ الْجَنَّةُ أَوِ النَّارُ، وَيُقَالُ لِلْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ: مُوجِبَةٌ، فَالْوُجُوبُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ بِالْعَمَلِ ( «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْمُوجِبَتَانِ؟» ) أَيِ السَّبَبَانِ، فَإِنَّ الْمُوجِبَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى ( «قَالَ: مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ» ) :
стр. 144
فَالْمَوْتُ عَلَى الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ سَبَبٌ لِدُخُولِ النَّارِ وَخُلُودِهَا ( «وَمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ» ) فَالْمَوْتُ عَلَى التَّوْحِيدِ سَبَبٌ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 145
٣٩ - «وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا قُعُودًا حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ فِي نَفَرٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا، وَخَشِيَنَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا، وَفَزِعْنَا فَقُمْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطًا لِلْأَنْصَارِ لِبَنِي النَّجَّارِ، فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أَجِدُ لَهُ بَابًا فَلَمْ أَجِدْ، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدْخُلُ فِي جَوْفِ حَائِطٍ مِنْ بِئْرٍ خَارِجَةٍ - وَالرَّبِيعُ الْجَدْوَلُ - قَالَ: فَاحْتَفَزْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " أَبُو هُرَيْرَةَ؟ " فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: " مَا شَأْنُكَ؟ " قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَقُمْتَ فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا، فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا، فَفَزِعْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَأَتَيْتُ هَذَا الْحَائِطَ فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، وَهَؤُلَاءِ النَّاسُ وَرَاءَ الْحَائِطِ، فَقَالَ: " يَا أَبَا هُرَيْرَةَ "، وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ، فَقَالَ: " اذْهَبْ بِنَعْلَيْ هَاتَيْنِ، مَنْ لَقِيتَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِيتُ عُمَرَ، فَقَالَ: مَا هَاتَانِ النَّعْلَانِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قُلْتُ هَاتَانِ نَعْلَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنِي بِهِمَا؛ مَنْ لَقِيتُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، فَضَرَبَ عُمَرُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَخَرَرْتُ لِاسْتِي. فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَجْهَشْتُ بِالْبُكَاءِ، وَرَكِبَنِي عُمَرُ وَإِذَا هُوَ عَلَى أَثَرِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ "، فَقُلْتُ: لَقِيتُ عُمَرَ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بَعَثَتْنِي بِهِ، فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ضَرْبَةً خَرَرْتُ لِاسْتِي فَقَالَ: ارْجِعْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا عُمَرُ! مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ؟ قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا، فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " فَخَلِّهِمْ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا قُعُودًا) أَيْ ذَوِي قُعُودٍ، أَوْ قَاعِدِينَ (حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) بِالرَّفْعِ (فِي نَفَرٍ) أَيْ مَعَ جَمَاعَةٍ، أَوْ فِي جُمْلَةٍ نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ ( «فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَيْنَ أَظْهُرِنَا» ) : أَظْهُرٌ زَائِدٌ لِلتَّأْكِيدِ، أَيْ مِنْ بَيْنِنَا (فَأَبْطَأَ) : بِالْهَمْزَةِ (عَلَيْنَا) أَيْ مَكَثَ وَتَوَقَّفَ عَنَّا كَثِيرًا (وَخَشِيَنَا) : الْخَشْيَةُ خَوْفٌ مِنْ تَعْظِيمٍ (أَنْ يُقْتَطَعَ) : عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، أَيْ مِنْ أَنْ يُقْتَطَعَ، وَقَوْلُهُ: (دُونَنَا) حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي " يُقْتَطَعَ " أَيْ خَشِينَا أَنْ يُصَابَ بِمَكْرُوهٍ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ غَيْرِهِ مُتَجَاوِزًا عَنَّا وَبَعِيدًا مِنَّا، وَفِي الْكَشَّافِ مَعْنَى " دُونَ " أَدْنَى مَكَانِ الشَّيْءِ، وَمِنْهُ الشَّيْءُ الدُّونُ، وَاسْتُعِيرَ لِلتَّفَاوُتِ فِي الْأَحْوَالِ وَالرُّتَبِ. يُقَالُ: زَيْدٌ دُونَ عَمْرٍو فِي الشَّرَفِ وَالْعِلْمِ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ وَاسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ تَجَاوُزِ حَدٍّ إِلَى حَدٍّ (وَفَزِعْنَا) أَيِ اضْطَرَبْنَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: عَطَفَ أَحَدَ الْمُتَرَادِفَيْنِ عَلَى الْآخَرِ لِإِرَادَةِ الِاسْتِمْرَارِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ [القمر: ٩] أَيْ كَذَّبُوهُ تَكْذِيبًا غِبَّ تَكْذِيبٍ اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُغَايَرَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الْخَشْيَةِ عَلَى خَوْفِ الْبَاطِنِ، وَالْفَزَعِ عَلَى اضْطِرَابِ الظَّاهِرِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ التَّأْسِيسَ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ لَاسِيَّمَا مَعَ تَغَايُرِ اللَّفْظَيْنِ، وَهُوَ بِكَسْرِ الزَّايِ، وَفِي نُسْخَةٍ: فَفَزِعْنَا، وَوَجْهُ الْعَطْفِ بِالْفَاءِ أَنَّ الثَّانِيَ مُتَرَتِّبٌ عَلَى الْأَوَّلِ، فَهُوَ سَبَبٌ لَهُ (فَقُمْنَا) أَيْ لِلتَّجَسُّسِ وَالتَّفَحُّصِ (فَكُنْتُ) أَيْ لِكَثْرَةِ خَشْيَتِي عَلَيْهِ (أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ) وَقَامَ لِلطَّلَبِ (فَخَرَجْتُ) أَيْ مِنَ الْمَجْلِسِ (أَبْتَغِي) أَيْ أَطْلُبُ (رَسُولَ اللَّهِ) : أَتَتَبَّعُ أَثَرَهُ وَخَبَرَهُ؛ لِأَعْلَمَ حَقِيقَةَ إِبْطَائِهِ ﷺ حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطًا) أَيْ بُسْتَانًا لَهُ حِيطَانٌ أَيْ جُدْرَانٌ (لِلْأَنْصَارِ لِبَنِي النَّجَّارِ) : تَخْصِيصٌ بَعْدَ عَامٍّ، أَوْ بَدَلُ بَعْضٍ أَيْ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ ﵊ فِيهِ (فَدُرْتُ بِهِ) أَيْ بِحَوْلِ الْحَائِطِ قَائِلًا فِي نَفْسِي: (هَلْ أَجِدُ لَهُ بَابًا؟) أَدْخَلَ مِنْهُ (فَلَمْ أَجِدْ) لَهُ بَابًا (فَإِذَا) : إِذَا لِلْمُفَاجَأَةِ أَيْ فَاجَأَ عَدَمَ وُجُودِي لِلْبَابِ رُؤْيَةُ (رَبِيعٌ) : نَهْرٌ صَغِيرٌ (يَدْخُلُ فِي جَوْفِ حَائِطٍ) أَيْ بُسْتَانٍ آخَرَ إِلَى ذَلِكَ الْحَائِطِ، أَوْ فِي جَوْفِ جِدَارٍ مِنْ جُدْرَانِ ذَلِكَ الْحَائِطِ، مُبْتَدَأٌ، أَوْ مُسْتَمَدُّ ذَلِكَ النَّهْرُ (مِنْ بِئْرٍ) بِالْهَمْزِ وَيُبْدَلُ (خَارِجَةٍ) ضَبَطْنَاهُ بِالتَّنْوِينِ فِي بِئْرٍ وَخَارِجَةٍ، وَعَلَى أَنَّ " خَارِجَةٍ " صِفَةٌ لِبِئْرٍ، هَكَذَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ، وَذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْأَصْفَهَانِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ رُوِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرْنَاهُ، وَالثَّانِي: بِتَنْوِينٍ فِي بِئْرٍ وَهَاءٍ مَضْمُومَةٍ فِي خَارِجِهِ، وَهِيَ هَاءُ ضَمِيرٍ لِلْحَائِطِ أَيِ الْبِئْرُ فِي مَوْضِعٍ خَارِجٍ عَنِ الْحَائِطِ، وَالثَّالِثُ: بِإِضَافَةِ بِئْرٍ إِلَى خَارِجَةٍ، آخِرُهُ تَاءُ الثَّانِي، وَهُوَ اسْمُ رَجُلٍ. وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ الظَّاهِرُ، كَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ، وَقِيلَ: الْبِئْرُ هُنَا الْبُسْتَانُ، سُمِّيَتْ بِمَا فِيهَا مِنَ الْآبَارِ، يَقُولُونَ: بِئْرُ بُضَاعَةَ، وَبِئْرُ خَارِجَةَ، وَهُمَا بُسْتَانَانِ
стр. 146
وَالْحَائِطُ هُنَا الْبُسْتَانُ مِنَ النَّخْلِ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ جِدَارٌ. (وَالرَّبِيعُ: الْجَدْوَلُ) : هَذَا تَفْسِيرٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ (قَالَ) أَبُو هُرَيْرَةَ (فَاحْتَفَزْتُ) قَالَ النَّوَوِيُّ: رُوِيَ بِالزَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَمَعْنَاهُ تَضَامَمْتُ لِيَسَعَنِي الْمَدْخَلُ (فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أَبُو هُرَيْرَةَ) أَيْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَأَنْتَ أَبُو هُرَيْرَةَ؟ وَالِاسْتِفْهَامُ إِمَّا عَلَى حَقِيقَتِهِ لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ غَائِبًا عَنْ بَشَرِيَّتِهِ بِسَبَبِ إِيحَاءِ هَذِهِ الْبِشَارَةِ فَلَمْ يَشْعُرْ بِأَنَّهُ هُوَ، وَإِمَّا لِلتَّقْرِيرِ وَهُوَ ظَاهِرُ، وَإِمَّا لِلتَّعَجُّبِ لِاسْتِغْرَابِهِ أَنَّهُ مِنْ أَيْنَ دَخَلَ عَلَيْهِ وَالطُّرُقُ مَسْدُودَةٌ (قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ) أَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ (قَالَ: مَا شَأْنُكَ؟) بِالْهَمْزِ، وَيَعْدِلُ، أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ حَالُكَ، وَمَا سَبَبُ مَأْتَاكَ وَاضْطِرَابِكَ؟ (قُلْتُ: كُنْتُ) أَيْ أَنْتَ (بَيْنَ أَظْهُرِنَا) أَيْ كَانَ ظُهُورُنَا مُسْتَنِدَةً إِلَيْكَ، وَقُلُوبُنَا مُعْتَمِدَةً عَلَيْكَ، وَصُدُورُنَا مُنْشَرِحَةً لَدَيْكَ (فَقُمْتَ) أَيْ عَنَّا (فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا) وَفَتَحْتَ بَابَ الِاضْطِرَابِ لَدَيْنَا (فَخَشِينَا) : عَلَيْكَ أَوَّلًا، وَعَلَيْنَا ثَانِيًا (أَنْ تُقْتَطَعَ) أَيْ يَقْطَعَكَ أَعْدَاؤُكَ عَنْ أَحْبَابِكَ وَتَهْلَكَ (دُونَنَا) أَيْ مِنْ غَيْرِ اطِّلَاعِنَا، أَوْ دُونَ أَنْ نَهْلَكَ بَيْنَ يَدَيْكَ لِأَجْلِكَ (فَفَزِعْنَا) أَيْ لِذَلِكَ، وَتَسَارَعْنَا إِلَى تَعَرُّفِ خَبَرِكَ (فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ) مِنَ الْمُشْتَاقِينَ، وَأَوَّلَ مَنْ قَامَ مِنَ الْخَائِفِينَ (فَأَتَيْتُ هَذَا الْحَائِطَ) بِنَاءً عَلَى ظَنِّي أَنَّكَ فِيهِ (فَاحْتَفَزْتُ) لَمَّا لَمْ أَجِدْ لَهُ بَابًا (كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ) فِي تَحْصِيلِ الْمَطْلَبِ (وَهَؤُلَاءِ النَّاسُ وَرَائِي) أَيْ يَنْتَظِرُونَ عِلْمَ مَا وَقَعَ لَكَ، وَهُوَ اقْتِبَاسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ مُوسَى: ﴿هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤] (قَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ) يُقْرَأُ بِالْهَمْزِ وَلَا يُكْتَبُ (وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ) الْجُمْلَةُ حَالٌ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْبِشَارَةِ لِلْمُحِبِّينَ (قَالَ) تَأْكِيدٌ لِلْأَوَّلِ (اذْهَبْ بِنَعْلَيْ) الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ (هَاتَيْنِ) تَأْكِيدٌ لِلتَّنْبِيهِ، وَلَعَلَّهُ ﵊ حَصَلَ لَهُ التَّجَلِّي الطُّورِيُّ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ النُّورِيِّ فَخَلَعَ النَّعْلَيْنِ، وَأَعْطَى لِأَصْحَابِهِ الْكَوْنَيْنِ، أَوْ إِيمَاءً إِلَى ثَبَاتِهِمْ عَلَى دِينِهِمْ، وَبَذْلِهِمُ الْجُهْدَ فِي السَّعْيِ إِلَيْهِ بِأَقْدَامِهِمْ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ فَائِدَةَ بِعْثَةِ النَّعْلَيْنِ الدَّلَالَةُ عَلَى صِدْقِهِ، وَإِنْ كَانَ خَبَرُهُ مَقْبُولًا بِدُونِ ذَلِكَ، وَتَخْصِيصَهَا بِالْإِرْسَالِ إِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ غَيْرُهُمَا، وَإِمَّا لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ بِعْثَتَهُ وَقُدُومَهُ لَمْ يَكُنْ إِلَّا تَبْشِيرًا وَتَسْهِيلًا عَلَى الْأُمَّةِ، وَرَفْعًا لِلْآصَارِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْأُمَمِ السَّابِقَةِ، وَإِمَّا لِلْإِشَارَةِ إِلَى ثَبَاتِ الْقَدَمِ وَالِاسْتِقَامَةِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ كَقَوْلِهِ ﵊: (قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَسْرَارِهِ، وَأَسْرَارِ أَبْرَارِهِ. (فَمَنْ لَقِيَكَ) أَيْ رَآكَ أَوْ رَأَيْتَهُ (مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ) : قَيْدٌ وَاقِعِيٌّ، أَوِ الْمُرَادُ إِيمَانٌ غَيْبِيٌّ يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُخْلِصُ عَنِ الْمُنَافِقِ (يَشْهَدُ) أَيْ حَالَ كَوْنِهِ (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) : وَيَلْزَمُ مِنْهُ شَهَادَةُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ (مُسْتَيْقِنًا بِهَا) أَيْ بِمَضْمُونِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ (قَلْبُهُ) أَيْ مُنْشَرِحًا بِهَا صَدْرُهُ غَيْرَ شَاكٍّ وَمُتَرَدِّدٍ فِي التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ اللَّذَيْنِ هُمَا الْإِيمَانُ الْإِجْمَالِيُّ (فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ) مَعْنَاهُ أَخْبِرْ أَنَّ مَنْ كَانَ هَذِهِ صِفَتُهُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِلَّا فَأَبُو هُرَيْرَةَ لَا يَعْلَمُ اسْتِيقَانَهُمْ، وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ لِمَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ اعْتِقَادَ التَّوْحِيدِ لَا يَنْفَعُ دُونَ النُّطْقِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ أَوْ عِنْدَ الطَّلَبِ، وَلَا النُّطْقَ دُونَ الِاعْتِقَادِ بِالْإِجْمَاعِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْهُمَا، غَايَتَهُ أَنَّ النُّطْقَ فِيهِ خِلَافٌ أَنَّهُ شَرْطٌ أَوْ شَطْرٌ، وَقَدْ يَسْقُطُ بِعُذْرٍ، وَذِكْرُ الْقَلْبِ هُنَا لِلتَّأْكِيدِ وَنَفْيُ تَوَهُّمِ الْمَجَازِ، وَإِلَّا فَالِاسْتِيقَانُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْقَلْبِ كَقَوْلِهِ: رَأَيْتُ بِعَيْنِي. (فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِيتُ) أَيْ مِنَ النَّاسِ (عُمَرَ) مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ، وَقِيلَ: مَرْفُوعٌ عَلَى الِاسْمِيَّةِ وَ " أَوَّلُ " بِالْعَكْسِ، قِيلَ: وَهُوَ أَوْلَى لِأَنَّهُ وَصْفٌ وَهُوَ بِالْخَبَرِيَّةِ أَحْرَى (فَقَالَ) مُبَادِرًا (مَا هَاتَانِ النَّعْلَانِ) أَيْ شَأْنُهُمَا وَخَبَرُهُمَا (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قُلْتُ: هَاتَانِ نَعْلَا رَسُولِ ﷺ بَعَثَنِي بِهِمَا) حَالَ كَوْنِي قَائِلًا، أَوْ مُبَلِّغًا أَوْ مَأْمُورًا بِأَنَّ (مَنْ لَقِيتُ) أَيْ أَنَا ( «يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، فَضَرَبَ عُمَرُ» ) لَا بُدَّ هُنَا مِنْ تَقْدِيرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ مِنَ السِّبَاقِ وَاللَّحَاقِ، يَعْنِي: فَقَالَ عُمَرُ: ارْجِعْ؛ قَصْدًا لِلْمُرَاجَعَةِ بِنَاءً عَلَى رَأْيِهِ الْمُوَافِقِ لِلْكِتَابِ وَنَصِّهِ الْمُطَابِقِ لِلصَّوَابِ، فَأَبَيْتُ وَامْتَنَعْتُ عَنْ حُكْمِهِ امْتِثَالًا لِظَاهِرِ أَمْرِهِ ﵊ الْمُقَدَّمِ عَلَى كُلِّ أَمْرِ آمِرٍ، فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِهِ (بَيْنَ ثَدْيَيَّ) بِالتَّثْنِيَةِ أَيْ فِي صَدْرِي؛ فَإِنَّهُ يَبْعُدُ كُلَّ الْبُعْدِ ضَرْبُهُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ بَاعِثٍ (فَخَرَرْتُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ (لِاسْتِي) هَمْزَةُ وَصْلٍ، أَيْ سَقَطْتُ عَلَى مَقْعَدِي مِنْ شِدَّةِ ضَرْبِهِ لِي (فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ) تَأْكِيدًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَيْسَ فِعْلُ عُمَرَ وَمُرَاجَعَتُهُ النَّبِيَّ ﷺ اعْتِرَاضًا عَلَيْهِ وَرَدًّا لِأَمْرِهِ؛ إِذْ لَيْسَ مَا بَعَثَ بِهِ أَبَا هُرَيْرَةَ إِلَّا لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ الْأُمَّةِ وَبُشْرَاهُمْ، فَرَأَى عُمَرُ ﵁ أَنَّ كَتْمَهُ هَذَا أَصْلَحُ لِئَلَّا يَتَّكِلُوا اهـ.
стр. 147
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ ﵊ لِكَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْعَالِمِينَ، وَرَحِيمًا بِالْمُؤْمِنِينَ، وَمَظْهَرًا لِلْجَمَالِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، وَطَبِيبًا لِأُمَّتِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَمَّا بَلَغَهُ خَوْفَهُمْ وَفَزَعَهُمْ وَاضْطِرَابَهُمْ أَرَادَ مُعَالَجَتَهُمْ بِإِشَارَةِ الْبِشَارَةِ؛ لِإِزَالَةِ الْخَوْفِ وَالنِّذَارَةِ، فَإِنَّ الْمُعَالَجَةَ بِالْأَضْدَادِ، وَلَمَّا كَانَ عُمَرُ مَظْهَرًا لِلْجَلَالِ، وَعَلِمَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْخَلْقِ التَّكَاسُلُ وَالِاتِّكَالُ، فَرَأَى أَنَّ الْأَصْلَحَ لِأَكْثَرِ الْخَلْقِ الْمَعْجُونُ الْمُرَكَّبُ، بَلْ غَلَبَةُ الْخَوْفِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ أَنْسَبُ فَوَافَقَهُ ﷺ وَهَذِهِ مَرْتَبَةٌ عَلِيَّةٌ وَمَزِيَّةٌ جَلِيَّةٌ لِعُمْرَ ﵁. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَكَانَ وَجْهُ اسْتِبَاحَةِ عُمَرَ لِذَلِكَ أَنَّهُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ بِمَنْزِلَةِ الشَّيْخِ وَالْمُعَلِّمِ، وَلِلشَّيْخِ وَالْمُعَلِّمِ أَنْ يُؤَدِّبَ الْمُتَعَلَّمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ إِذَا رَأَى مِنْهُ خِلَافَ الْأَدَبِ، وَهُوَ هُنَا الْمُبَادَرَةُ إِلَى إِشَاعَةِ هَذَا الْخَبَرِ قَبْلَ تَفَهُّمِ الْمُرَادِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ إِشْكَالِهِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنِ اتِّكَالِ النَّاسِ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنِ الْأَعْمَالِ، وَكَانَ حَقُّهُ إِذَا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ أَنْ يَتَفَهَّمَ الْمُرَادَ بِهِ لِيُورِدَهُ فِي مَوَارِدِهِ دُونَ غَيْرِهَا، فَاقْتَضَى اجْتِهَادُ عُمَرَ أَنَّ إِخْلَالَهُ بِذَلِكَ مُقْتَضٍ لِتَأْدِيبِهِ، فَأَدَّبَهُ بِذَلِكَ. فَتَطْوِيلٌ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، فَإِنَّهُ مَعَ تَسْلِيمِ مَا ذَكَرَ كُلَّهُ لَا يُعْقَلُ ضَرْبُهُ ابْتِدَاءً مِنَ الشَّيْخِ الْحَقِيقِيِّ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ قَوْلُهُ أَيْضًا: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ عُمَرَ اسْتَبْعَدَ صُدُورَ هَذَا الْعُمُومِ مِنْهُ ﵊ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي: أَبَعَثْتَ إِلَخْ. وَنَسَبَهُ إِلَى تَصَرُّفِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَدَّبَهُ لِذَلِكَ - مُسْتَبْعَدٌ غَايَةَ الْبُعْدِ؛ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى سُوءِ الظَّنِّ، وَعَدَمِ قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الدِّيَانَاتِ، وَمَعَ هَذَا كَيْفَ يُتَصَوَّرُ ضَرْبُهُ عَلَى ذَلِكَ؟ ثُمَّ مِنَ الْغَرِيبِ أَنَّهُ فَرَّعَ عَلَيْهِ أَيْضًا بِأَنَّ لِلْأَفَاضِلِ مِنَ الْأَتْبَاعِ تَأْدِيبُ مَنْ دُونَهُمْ إِذَا كَانُوا لَهُمْ بِمَنْزِلَةِ التَّلَامِذَةِ، وَأَنَّ لِلشَّيْخِ أَنْ يُؤَدِّبَ تِلْمِيذَهُ وَلَوْ بِالضَّرْبِ، وَنَقَلَ جَوَازَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ أَئِمَّتِهِ اهـ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ الضَّرْبَ عَلَى عَدَمِ فَهْمِ الْمُرَادِ أَوْ عَلَى سُوءِ الظَّنِّ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَجْهَشْتُ بِالْبُكَاءِ) وَالْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ، وَالْبُكَاءُ إِمَّا لِشِدَّةِ الْإِيلَامِ أَوْ لِقِلَّةِ الِاحْتِرَامِ. وَيُرْوَى " جَهِشْتُ " بِكَسْرِ الْهَاءِ وَغَيْرِ هَمْزٍ، وَهُمَا صَحِيحَانِ، وَكَلَاهُمَا بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، وَالْجَهْشُ كَالْإِجْهَاشِ أَنْ يَفْزَعَ الْإِنْسَانُ إِلَى إِنْسَانٍ وَيَلْجَأَ إِلَيْهِ، وَمَعَ ذَلِكَ يُرِيدُ الْبُكَاءَ كَمَا يَفْزَعُ الصَّبِيُّ إِلَى أُمِّهِ (وَرَكِبَنِي عُمَرُ) أَيْ أَثْقَلَنِي عَدْوُ عُمَرَ مِنْ بَعِيدٍ خَوْفًا وَاسْتِشْعَارًا مِنْهُ كَمَا يُقَالُ: رَكِبَتْهُ الدُّيُونُ أَيْ أَثْقَلَتْهُ يَعْنِي تَبِعَنِي عُمَرُ (وَإِذَا هُوَ) أَيْ عُمَرُ، وَإِذَا لِلْمُفَاجَأَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَاءِ، بَيَانٌ لِوُصُولِهِ إِلَيْهِ أَيْ فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ (عَلَى أَثَرِي) : فِيهِ لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ فَتْحُهُمَا وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَكَسْرُ الْهَمْزَةِ، وَسُكُونُ الثَّاءِ أَيْ عَقِبِي (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا لَكَ رَجَعْتَ) وَأَيُّ شَيْءٍ رَجَعَ بِكَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ الْمُنْكَرَةِ؟ (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ . قُلْتُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: فَقُلْتُ (لَقِيتُ عُمَرَ فَأُخْبِرْتُهُ بِالَّذِي بَعَثَتْنِي بِهِ فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ضَرْبَةً خَرَرْتُ لِاسْتِي فَقَالَ) أَيْ عُمَرُ (ارْجِعْ، قَالَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: فَقَالَ، بِالْفَاءِ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يَا عُمَرُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟) أَيْ مِنَ الْأَمْرِ بِالرُّجُوعِ، وَالْمَنْعِ مِنَ التَّبْلِيغِ (قَالَ) وَفِي نُسْخَةٍ: فَقَالَ (يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ قِيلَ: هُوَ اسْمٌ تَقْدِيرُهُ أَنْتَ مُفْدًى بِأَبِي، وَقِيلَ فِعْلٌ، أَيْ فَدَيْتُكَ بِأَبِي، وَحُذِفَ هَذَا الْمُقَدَّرُ تَخْفِيفًا؛ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَعِلْمِ الْمُخَاطَبِ بِهِ (أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ؟) وَالِاسْتِفْهَامُ لِلتَّقْرِيرِ وَالتَّحْقِيقِ (مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرَهُ) بِصِيغَةِ الْمَاضِي أَيْ مَنْ لَقِيَهُ بَشَّرَهُ (بِالْجَنَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ) أَيْ عُمَرُ (فَلَا تَفْعَلْ فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى هَذِهِ الْبِشَارَةِ الْإِجْمَالِيَّةِ، وَيَعْتَمِدُ الْعَامَّةُ عَلَى هَذِهِ الرَّحْمَةِ الْجَمَالِيَّةِ، وَيَتْرُكُوا الْقِيَامَ بِوَظَائِفَ الْعُبُودِيَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي الصِّفَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَحِينَئِذٍ يَنْخَرِمُ نِظَامُ الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى حَيْثُ أَكْثَرُهُمْ يَقَعُونَ فِي الْمِلَّةِ الْإِبَاحِيَّةِ كَمَا
стр. 148
هُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ الْجَهَلَةِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ (فَخَلِّهِمْ) مِنْ غَيْرِ الْبِشَارَةِ (يَعْمَلُونَ) حَالٌ. فَإِنَّ الْعَوَامَّ إِذَا بُشِّرُوا يَتْرُكُونَ الْعَمَلَ، بِخِلَافِ الْخَوَاصِّ فَإِنَّهُمْ إِذَا بُشِّرُوا يَزِيدُونَ فِي الْعَمَلِ كَمَا تَقَدَّمَ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فَخَلِّهِمْ) (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) كَانَ الْمُنَاسِبُ لِدَأْبِهِ أَنْ يَقُولَ: رَوَى الْأَحَادِيثَ الْأَرْبَعَةَ مُسْلِمٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي الْحَدِيثِ اهْتِمَامُ الْأَتْبَاعِ بِحَالِ مَتْبُوعِهِمْ، وَالِاعْتِنَاءُ بِتَحْصِيلِ مَصَالِحِهِ وَرَفْعِ مَفَاسِدِهِ، وَفِيهِ جَوَازُ دُخُولِ الْإِنْسَانِ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَرْضَى بِذَلِكَ لِمَوَدَّةٍ بَيْنَهُمَا أَوْ غَيْرِهَا، فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ دَخَلَ الْحَائِطَ وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَنْقِلْ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ، وَهَذَا غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِدُخُولِ الْأَرْضِ بَلْ لَهُ انْتِفَاعٌ بِأَدَوَاتِهِ، وَأَكْلُ طَعَامِهِ، وَالْحَمْلُ مِنْ طَعَامِهِ إِلَى بَيْتِهِ، وَرُكُوبُ دَابَّتِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفِ الَّذِي يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ، اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُ الطَّعَامَ وَنَحْوَهُ إِلَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَأَشْبَاهِهَا، وَلَعَلَّ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الدَّرَاهِمِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي يُشَكُّ فِي رِضَاهُ بِهَا، وَفِيهِ جَوَازُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِلْآخَرِ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، سَوَاءٌ كَانَ الْمُفَدَّى بِهِ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، أَوْ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا.
стр. 149
٤٠ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَفَاتِيحُ الْجَنَّةِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٤٠ - (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) : ﵁ (قَالَ: قَالَ لِي) فِي قَوْلِهِ: لِي إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ وَحْدَهُ، أَوْ كَانَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْخِطَابِ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَفَاتِيحُ الْجَنَّةِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ: مَفَاتِيحُ الْجَنَّةِ مُبْتَدَأٌ، وَ " شَهَادَةُ " خَبَرُهُ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا مُطَابَقَةٌ مِنْ حَيْثُ الْجَمْعِ وَالْإِفْرَادِ، فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَمِعًى جِيَاعًا
جَعَلَ النَّاقَةَ الضَّامِرَةَ مِنَ الْجُوعِ كَأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ مِعَاهَا مِعًى وَاحِدٌ مِنْ شَدَّةِ الْجُوعِ، وَكَذَا جُعِلَتِ الشَّهَادَةُ الْمُسْتَتْبِعَةُ لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي هِيَ كَأَسْنَانِ الْمَفَاتِيحِ، كُلُّ جُزْءٍ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ مِفْتَاحٍ وَاحِدٍ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّهَادَةِ الْجِنْسُ، فَشَهَادَةُ كُلِّ أَحَدٍ مِفْتَاحٌ لِدُخُولِهِ الْجَنَّةَ، إِمَّا ابْتِدَاءً أَوِ انْتِهَاءً، وَالْأَعْمَالُ إِنَّمَا هِيَ لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ وَمَرَاتِبِ اللَّذَّاتِ فِي الْوِصَالِ، أَوْ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَمَّا كَانَتْ مِفْتَاحُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَكَأَنَّهَا مَفَاتِيحُ، أَوْ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مَصْدَرٌ فَهُوَ لِشُمُولِهِ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ يُخْبَرُ بِهِ عَنِ الْجَمْعِ وَغَيْرِهِ، وَشَبَّهَ الشَّهَادَةِ بِالْمَفَاتِيحِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا سَبَبٌ لِلدُّخُولِ، ثُمَّ حَذَفَ أَدَاةَ التَّشْبِيهِ وَقَلَبَهُ زِيَادَةً فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى الْمُشَبَّهِ وَالْمُبَالِغَةِ فِيهِ، وَفِيهِ الِاسْتِغْنَاءُ بِأَحَدِ الْمُتَلَازِمَيْنِ عَنِ الْآخَرِ، إِذْ لَا يُعْتَدُّ بِإِحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ إِلَّا مَعَ الْأُخْرَى (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
стр. 150
٤١ - وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: «إِنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ حَزِنُوا عَلَيْهِ، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يُوَسْوِسُ، قَالَ عُثْمَانُ: وَكُنْتُ مِنْهُمْ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ مَرَّ عَلَيَّ عُمَرُ وَسَلَّمَ، فَلَمْ أَشْعُرْ بِهِ، فَاشْتَكَى عُمَرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵄ ثُمَّ أَقْبَلَا حَتَّى سَلَّمَا عَلَيَّ جَمِيعًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا حَمَلَكَ أَنْ لَا تَرُدَّ عَلَى أَخِيكَ عُمَرَ سَلَامَهُ؟ قُلْتُ: مَا فَعَلْتُ، فَقَالَ عُمَرُ: بَلَى، وَاللَّهِ لَقَدْ فَعَلْتَ. قَالَ: قُلْتُ: وَاللَّهِ مَا شَعَرْتُ أَنَّكَ مَرَرْتَ وَلَا سَلَّمْتَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقَ عُثْمَانُ، قَدْ شَغَلَكَ عَنْ ذَلِكَ أَمْرٌ. فَقُلْتُ أَجْلَ. قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: تَوَفَّى اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ عَنْ نَجَاةِ هَذَا الْأَمْرِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ. فَقُمْتُ إِلَيْهِ، وَقُلْتُ لَهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَنْتَ أَحَقُّ بِهَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَجَاةُ هَذَا الْأَمْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ قَبِلَ مِنِّي الْكَلِمَةَ الَّتِي عَرَضْتُ عَلَى عَمِّي فَرَدَّهَا، فَهِيَ لَهُ نَجَاةٌ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٤١ - (وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّ رِجَالًا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ قَالَ: إِنَّ رِجَالًا بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ) بِضَمِّ التَّاءِ وَالْوَاوِ مَاضٍ مَجْهُولٌ (حَزِنُوا) : بِكَسْرِ الزَّايِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَوْتِهِ، وَغَيْبَةِ طَلْعَتِهِ، وَفِقْدَانِ حَضْرَتِهِ، وَعَدَمِ وِجْدَانِ إِفَادَتِهِ الْعُلُومَ الظَّاهِرِيَّةَ، وَإِفَاضَتِهِ الْمَعَارِفَ الْبَاطِنِيَّةَ (حَتَّى كَادَ) أَيْ قَارَبَ (بَعْضُهُمْ يُوَسْوِسُ) أَيْ يَقَعُ فِي الْوَسْوَسَةِ بِأَنْ يَقَعَ فِي نَفْسِهِ انْقِضَاءُ هَذَا الدِّينِ، وَانْقِضَاءُ نُورِ الشَّرِيعَةِ الْغَرَّاءِ بِمَوْتِهِ ﵊ وَخُطُورِ هَذَا بِالنُّفُوسِ الْكَامِلَةِ مُهْلِكٌ لَهَا حَتَّى يَتَغَيَّرَ حَالُهُ
стр. 151
وَيَخْتَلِطَ كَلَامُهُ، وَيَدْهَشَ فِي أَمْرِهِ، وَيَخْتَلَّ عَقْلُهُ، وَيَجِيءُ أَحْوَالُ بَقِيَّتِهِمْ فِي آخِرِ الْكِتَابِ مِنْ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَقْعَدَ وَأَسْكَتَ، وَبَعْضُهُمْ أَنْكَرَ مَوْتَهُ ﵊ وَأَظْهَرَ اللَّهُ فَضْلَ الصِّدِّيقِ بِثَبَاتِ قَدَمِ صِدْقِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْوَسْوَسَةُ حَدِيثُ النَّفْسِ، وَهُوَ لَازِمٌ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: يُقَالُ: يُوَسْوِسُ بِالْكَسْرِ، وَالْفَتْحُ لَحْنٌ (قَالَ عُثْمَانُ: وَكُنْتُ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ ذَلِكَ الْبَعْضِ الَّذِي اشْتَدَّ حُزْنُهُ حَتَّى كَادَ أَنْ يُوَسْوِسَ، وَيَذْهَلَ عَنِ الْحِسِّ (فَبَيْنَا) أَيْ بَيْنَ أَوْقَاتٍ (أَنَا جَالِسٌ) أَيْ مُتَفَكِّرٌ مُتَحَيِّرٌ (مَرَّ عَلَيَّ عُمَرُ وَسَلَّمَ فَلَمْ أَشْعُرْ) أَيْ لِشِدَّةِ مَا أَصَابَنِي مِنَ الذُّهُولِ لِذَلِكَ الْهَوْلِ (بِهِ) أَيْ بِمُرُورِهِ أَوْ سَلَامِهِ، أَوْ بِهِمَا، وَهُوَ الْأَظْهَرُ (فَاشْتَكَى عُمَرُ) مُعَاتَبَةً (إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵄، ثُمَّ أَقْبَلَا) كِلَاهُمَا (حَتَّى سَلَّمَا عَلَيَّ جَمِيعًا) أَيْ فَرَدَدْتُ عَلَيْهِمَا (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ لَا تَرُدُّ عَلَى أَخِيكَ عُمَرَ سَلَامَهُ؟) أَيْ قَبْلَ ذَلِكَ (فَقُلْتُ: مَا فَعَلْتُ) أَيْ مَا وَقَعَ مِنِّي هَذَا الْفِعْلُ، وَهُوَ تَرْكُ رَدِّ السَّلَامِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى عَدَمِ شُعُورِهِ سَلَامَهُ (فَقَالَ عُمَرُ: بَلَى وَاللَّهِ لَقَدْ فَعَلْتَ) بِنَاءً عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ (قَالَ) أَيْ عُثْمَانُ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ (قُلْتُ: وَاللَّهِ مَا شَعَرْتُ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَيَضُمُّ، أَيْ مَا عَلِمْتُ، وَلَا فَطِنْتُ (أَنَّكَ مَرَرْتَ) أَيْ بِي كَمَا فِي نُسْخَةٍ (وَلَا سَلَّمْتَ) كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ: مَا شَعَرْتُ أَنَّكَ مَرَرْتَ، وَلَكِنْ جِيءَ بِهِ تَوْكِيدًا أَيْ مَا نَظَرْتُ إِلَيْكَ، وَلَا سَمِعْتُ كَلَامَكَ. كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ إِذْ يُمْكِنُ الشُّعُورُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ النَّظَرِ الشُّعُورُ. (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) أَيْ لِعُمَرَ (صَدَقَ عُثْمَانُ) أَيْ فِي اعْتِذَارِهِ بِعَدَمِ شُعُورِهِ، وَقَالَ لِي عَلَى وَجْهِ الِالْتِفَاتِ: (قَدْ شَغَلَكَ عَنْ ذَلِكَ) أَيْ عَنِ الشُّعُورِ (أَمْرٌ) أَيْ عَظِيمٌ (فَقُلْتُ: أَجَلْ) أَيْ نِعْمَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ (قَالَ: مَا هُوَ؟) أَيْ ذَلِكَ الْأَمْرُ الْعَظِيمُ (قُلْتُ تَوَفَّى اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ) أَيْ قَبَضَ رُوحَهُ ﷺ قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ عَنْ نَجَاةِ هَذَا الْأَمْرِ) يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْأَمْرِ: مَا عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ، أَيْ عَمَّا نَتَخَلَّصُ بِهِ مِنَ النَّارِ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِهَذَا الدِّينِ، وَأَنْ يُرَادَ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ غُرُورِ الشَّيْطَانِ، وَحُبِّ الدُّنْيَا، وَالتَّهَالُكِ فِيهَا، وَالرُّكُونِ إِلَى شَهَوَاتِهَا، وَرُكُوبِ الْمَعَاصِي وَتَبِعَاتِهَا، أَيْ نَسْأَلُهُ عَنْ نَجَاةِ هَذَا الْأَمْرِ الْهَائِلِ، وَلَعَمْرِي كَلِمَةُ التَّقْوَى تُؤَثِّرُ فِي النَّفْسِ الْيَقِظَةَ، وَفِي الْقَلْبِ جَلَاءُ الصَّدَأِ وَالرَّيْنِ، وَفِي السِّرِّ مَحْوُ الْأَثَرِ وَالْعَيْنِ، وَلَا يَعْقِلُ ذَلِكَ إِلَّا السَّائِرُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْعَارِفُونَ بِهِ، وَمِنْ ثَمَّ أُلْزِمُوهَا، وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ) أَيْ وَأَجَابَنِي (فَقُمْتُ) أَيْ مِنْ كَمَالِ الْفَرَحِ مُتَوَجِّهًا (إِلَيْهِ) وَمُتَمَثِّلًا بَيْنَ يَدَيْهِ (وَقُلْتُ لَهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَنْتَ أَحَقُّ بِهَا) أَيْ بِالْمَسْأَلَةِ وَالسَّبْقِ بِهَا، وَالْبَحْثِ عَنْهَا، فَإِنَّكَ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ أَسْبَقُ (قَالَ أَبُو بَكْرٍ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَجَاةُ هَذَا الْأَمْرِ؟ فَقَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ ﷺ : مَنْ قَبِلَ مِنِّي) أَيْ بِطَوْعٍ وَرَغْبَةٍ مِنْ غَيْرِ نِفَاقٍ وَرِيبَةٍ (الْكَلِمَةَ الَّتِي عَرَضْتُ) وَفِي نُسْخَةٍ: عَرَضْتُهَا (عَلَى عَمِّي) أَيْ أَبِي طَالِبٍ (فَرَدَّهَا) وَنَزَلَ فِيهِ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] (فَهِيَ) أَيْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ، وَهِيَ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِالْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ (لَهُ) أَيْ لِمَنْ قَبِلَهَا (نَجَاةُ) وَأَيُّ نَجَاةٍ! فَإِنَّهَا هِدَايَةٌ لَا
стр. 152
تَحْصُلُ إِلَّا بِعِنَايَةٍ إِمَّا فِي بِدَايَةٍ أَوْ نِهَايَةٍ، سِيَّمَا إِذَا كَانَتْ مَقْرُونَةً بِحُسْنِ رِعَايَةٍ، فَكَأَنَّهُ ﵊ يَقُولُ: النَّجَاةُ فِي الْكَلِمَةِ الَّتِي عَرَضْتُهَا عَلَى مِثْلِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ زَادَ عَلَى السَّبْعِينَ فِي الْكُفْرِ، وَلَوْ قَالَهَا مَرَّةً كَانَتْ لَهُ حُجَّةٌ عِنْدَ اللَّهِ لِاسْتِخْلَاصِهِ، وَنَجَاةٌ لَهُ مِنْ عَذَابِهِ، فَكَيْفَ بِالْمُؤْمِنَ الْمُسْلِمِ وَهِيَ مَخْلُوطَةٌ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ؟ فَلَوْ صَرَّحَ بِهَا فِي كَلَامِهِ لَمْ يُفَخِّمْ هَذَا التَّفْخِيمَ. وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الصَّحَابِيُّ عَنِ الصَّحَابِيِّ يَعْنِي عُثْمَانُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵄. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
стр. 153
٤٢ - وَعَنِ الْمِقْدَادِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لَا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ، بِعِزِّ عَزِيزٍ وَذُلِّ ذَلِيلٍ، إِمَّا يُعِزُّهُمُ اللَّهُ فَيَجْعَلُهُمْ مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ يُذِلُّهُمْ فَيَدِينُونَ لَهَا ". قَلْتُ فَيَكُونُ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٤٢ - (وَعَنِ الْمِقْدَادِ ﵁ هُوَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ حَالِفَ كِنْدَةَ فَنُسِبَ إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا سُمِّيَ ابْنَ الْأَسْوَدِ لِأَنَّهُ كَانَ حَلِيفُهُ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ فِي حِجْرِهِ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ عَبْدًا فَتَبَنَّاهُ، وَكَانَ سَادِسًا فِي الْإِسْلَامِ. رَوَى عَنْهُ عَلِيٌّ، وَطَارِقُ بْنُ شِهَابٍ، وَغَيْرُهُمَا، وَمَاتَ بِالْجُرْفِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَحُمِلَ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَهُوَ ابْنُ تِسْعِينَ سَنَةً. (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ) أَيْ كَلَامَهُ ﷺ يَقُولُ) حَالٌ، وَقِيلَ: مَفْعُولٌ ثَانٍ (لَا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ) أَيْ وَجْهِهَا مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَمَا قَرُبَ مِنْهَا فَلَا يُنَافِي مَا قِيلَ: إِنَّ وَرَاءَ الصِّينِ قَوْمًا لَمْ تَبْلُغْهُمْ إِلَى الْآنِ بِعْثَتَهُ ﵊ (بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ) أَيِ الْمُدُنُ، وَالْقُرَى، وَالْبَوَادِي، وَهُوَ مِنْ وَبَرِ الْإِبِلِ أَيْ شَعَرِهَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ مِنْهُ وَمِنْ نَحْوِهِ خِيَامَهُمْ غَالِبًا، وَالْمَدَرُ جَمْعُ مَدَرَةٍ، وَهِيَ اللَّبِنَةُ (إِلَّا أَدْخَلَهُ) فَاعِلُ أَدْخَلَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ بِدَلِيلِ تَفْصِيلِهِ بِقَوْلِهِ: إِمَّا يُعِزُّهُمُ اللَّهُ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ (كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ) : مَفْعُولُهُ، وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ ظَرْفٌ، وَقَوْلُهُ: (بِعِزِّ عَزِيزٍ) حَالٌ، أَيْ أَدْخَلَ اللَّهُ تَعَالَى كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ فِي الْبَيْتِ مُلْتَبِسَةً بِعِزِّ شَخْصٍ عَزِيزٍ أَيْ يُعِزُّهُ اللَّهُ بِهَا حَيْثُ قَبِلَهَا مِنْ غَيْرِ سَبْيٍ وَقِتَالٍ (وَذُلِّ ذَلِيلٍ) أَيْ أَوْ يُذِلُّهُ اللَّهُ بِهَا حَيْثُ أَبَاهَا، وَهُوَ يَشْمَلُ الْحَرْبِيُّ وَالذِّمِّيُّ، وَالْمَعْنَى يُذِلُّهُ اللَّهُ بِهَا حَيْثُ أَبَاهَا، وَهُوَ يَشْمَلُ الْحَرْبِيُّ وَالذِّمِّيُّ، وَالْمَعْنَى يُذِلُّهُ اللَّهُ بِسَبَبِ إِبَائِهَا بَذُلِّ سَبْيٍ أَوْ قِتَالٍ حَتَّى يَنْقَادَ إِلَيْهَا كَرْهًا أَوْ طَوْعًا، أَوْ يُذْعِنُ لَهَا بِبَذْلِ الْجِزْيَةِ، وَالْحَدِيثُ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] ثُمَّ فَسَّرَ الْعِزَّ وَالذُّلَّ بِقَوْلِهِ: (إِمَّا يُعِزُّهُمْ) أَيْ قُومًا أَعَزُّوا الْكَلِمَةَ بِالْقَبُولِ (فَيَجْعَلُهُمْ مِنْ أَهْلِهَا) بِالثَّبَاتِ إِلَى الْمَمَاتِ (أَوْ بَذُلِّهِمْ) أَيْ قَوْمًا آخَرِينَ لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى الْكَلِمَةِ وَمَا قَبِلُوهَا، فَكَأَنَّهُمْ أَذَلُّوهَا، فَجُوزُوا بِالْإِذْلَالِ جَزَاءً وِفَاقًا (فَيَدِينُونَ لَهَا) بِفَتْحِ الْيَاءِ أَيْ يُطِيعُونَ وَيَنْقَادُونَ لَهَا، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ إِسْلَامَ الْحَرْبِيِّ مُكْرَهًا خَشْيَةَ السَّيْفِ صَحِيحٌ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩] أَيْ مِنْ غَيْرِ إِرْسَالٍ، أَوْ مَعَ ضَرْبِ كَفِّ فِي عُنُقٍ، أَوْ لَطْمِ يَدٍ فِي وَجْهٍ ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] أَيْ أَذِلَّاءُ مُهَانُونَ وَمُحْتَقَرُونَ. (قُلْتُ) : الْقَائِلُ الْمِقْدَادُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَالَ فِي غَيْرِ حَضْرَتِهِ ﵊ بَلْ عِنْدَ رِوَايَتِهِ؛ فَلِهَذَا مَا ذُكِرَ لَهُ جَوَابٌ ( «فَيَكُونُ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ» ) أَيْ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَتَكُونُ الْغَلَبَةُ لِدِينِ اللَّهِ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، وَقِيلَ: إِنَّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ لَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَحَلُّ الْكُفْرِ، بَلْ جَمِيعُ الْخَلَائِقِ يَصِيرُونَ
стр. 154
مُسْلِمِينَ إِمَّا بِالطَّوْعِ وَالرَّغْبَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَإِمَّا بِالْإِكْرَاهِ وَالْجَبْرِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَكُونُ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : كَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ: رَوَى الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ أَحْمَدُ.
стр. 155
٤٣ - وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ﵁ قِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ لَيْسَ مِفْتَاحٌ إِلَّا وَلَهُ أَسْنَانٌ، فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ فَتَحَ لَكَ، وَإِلَّا لَمْ يَفْتَحْ لَكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ بَابٍ.
ــ
٤٣ - (وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ) : بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدِّدَةِ يُكْنَى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الصَّنْعَانِيَّ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّابِعِينَ (قِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟) أَيِ الْمَقْرُونُ بِمُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، وَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ لَيْسَ، وَخَبَرُهَا (مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ؟) وَقِيلَ بِالْعَكْسِ، وَقُدِّمَ لِشَرَفِهِ (قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ) أَيْ أَقُولُ بِمُوجِبِ ذَلِكَ، وَأَنَّهَا مِفْتَاحُهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَلَكِنْ لَا يَغْتَرُّ أَحَدٌ لِذَلِكَ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ تَلَفُّظِهِ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي هِيَ الْمِفْتَاحُ يُفْتَحُ لَهُ الْجَنَّةُ حَتَّى يَدْخُلَهَا مَعَ النَّاجِينَ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ عَمَلَهُمْ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ أَتَى بِالْمِفْتَاحِ غَيْرُ نَافِعٍ لَهُ؛ لِأَنَّهُ (لَيْسَ مِفْتَاحٌ) أَيْ مِنْ خَشَبٍ، أَوْ حَدِيدٍ (إِلَّا وَلَهُ أَسْنَانٌ) أَيْ غَالِبًا، أَوْ عَادَةً هِيَ الْفَاتِحَةُ فِي الْحَقِيقَةِ (فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَعْنِيُّ بِهَا الْأَرْكَانُ الْأَرْبَعَةُ أَيِ الصَّلَاةُ، وَالصَّوْمُ، وَالزَّكَاةُ، وَالْحَجُّ، وَقِيلَ: مُطْلَقُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِتَرْكِ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ (فَتَحَ لَكَ) أَيْ أَوَّلًا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَجِئْ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ مِمَّا ذُكِرَ، وَلَوْ فُقِدَتْ مِنْهُ سِنٌّ وَاحِدَةٌ (لَمْ يُفْتَحْ لَكَ) أَيِ ابْتِدَاءً. وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ لِيَسْتَقِيمَ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، هَذَا وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ أَنَّ التَّشْبِيهَ ظَاهِرُهُ يَأْبَى عَنِ الْقَيْدِ الْأُولَى فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالْأَسْنَانِ إِنَّمَا هُوَ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ تَرْدِيدٍ بِالْوِفَاقِ، وَالْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ نِفَاقٍ وَانْقِيَادٌ لِأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ كُرْهٍ وَشِقَاقٍ، فَالْكَلِمَةُ حِينَئِذٍ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ الْمُشَبَّهَةِ بِالْأَسْنَانِ تَكُونُ مِفْتَاحًا إِمَّا أَوَّلًا أَوْ آخِرًا عَلَى وَفْقِ الْإِذْنِ مِنَ الْفَتَّاحِ الْعَلِيمِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ بَابٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَذْكُرَ بَعْدَ الْبَابِ حَدِيثًا مُعَلَّقًا بِغَيْرِ إِسْنَادٍ، فِيهِ بَيَانُ مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ الْبَابِ وَيُضِيفُ إِلَيْهِ الْبَابَ، وَاخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ تَعْلِيقَاتِهِ، وَالْأَصَحُّ مَا ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ كُرُوِيَ، وَذُكِرَ، وَقِيلَ: فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَإِمَّا لَا فَلَا.
стр. 156
٤٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ) أَيْ أَجَادَ وَأَخْلَصَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢] (فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ) أَيْ: - كَمَا فِي نُسْخَةٍ - (بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً (إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ) " إِلَى " لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ، فَيَكُونُ مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إِلَى سَبْعِمِائَةِ دَرَجَاتٍ بِحَسَبِ الْأَعْمَالِ، وَالْأَشْخَاصِ، وَالْأَحْوَالِ، أَوْ لِمُجَرَّدِ الْإِفْضَالِ، وَاللَّهُ
стр. 157
يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ. حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ الضِّعْفَ لَا يَتَجَاوَزُ عَنْ سَبْعِمِائَةٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا غَلَطٌ؛ لِمَا فِي مُسْلِمٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ اهـ. فَالْمُرَادُ بِسَبْعِمِائَةٍ الْكَثْرَةُ، وَفِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] وَالْمُرَادُ هُنَا بِالضِّعْفِ الْمِثْلُ، وَخَصَّ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ بِمِائَةِ أَلْفٍ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَحَّ: صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ تَعْدِلُ مِائَةَ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَأَخَذْتُ مِنْ هَذَا كَأَحَادِيثَ أُخَرَ أَنَّهَا فِي مَكَّةَ بِمِائَةِ أَلْفِ أَلْفِ أَلْفِ صَلَاةٍ كَمَا يَأْتِي، فَالْعَشَرَةُ لَا يَنْقُصُ عَنْهَا، وَالزِّيَادَةُ لَا مُنْتَهًى لَهَا، وَمَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ فَأَكْثَرَ دَرَجَاتٌ بِحَسَبِ كَمَالِ الْأَعْمَالِ، وَمَا يَصْحَبُهَا مِنَ الْإِخْلَاصِ وَغَيْرِهِ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحَسَنَاتِ تَخْتَلِفُ كَيْفِيَّاتُهَا أَيْضًا ( «وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا» ) أَيْ كَمِّيَّةً، فَضْلًا مِنْهُ تَعَالَى وَمِنَّةً وَرَحْمَةً، وَإِنْ كَانَتِ السَّيِّئَاتُ تَتَفَاوَتُ كَيْفِيَّةً لِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَأَشْخَاصِ الْإِنْسَانِ، وَمَرَاتِبِ الْعِصْيَانِ (حَتَّى لَقِيَ اللَّهُ) أَيْ إِلَى أَنْ يَلْقَى اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُجَازِيهِ أَوْ يَعْفُو عَنْهُ، وَالْعُدُولُ إِلَى الْمَاضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] وَلَا يَبْعُدُ تَعَلُّقُ حَتَّى بِالْجُمْلَتَيْنِ، وَإِرَادَةُ اللُّقَى بِمَعْنَى الْمَوْتِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 158
٤٥ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: " إِذَا سَرَّتْكَ حَسَنَتُكَ وَسَاءَتْكَ سَيِّئَتُكَ ; فَأَنْتَ مُؤْمِنٌ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا الْإِثْمُ؟ قَالَ: " إِذَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ فَدَعْهُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٤٥ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : مَا الْإِيمَانُ؟) أَيْ عَلَامَتُهُ، قَالَ: (إِذَا سَرَّتْكَ حَسَنَتُكَ وَسَاءَتْكَ سَيِّئَتُكَ) أَيْ إِذَا عَمِلْتَ حَسَنَةً وَحَصَلَ لَكَ فَرَحٌ وَمَسَرَّةٌ بِتَوْفِيقِ الطَّاعَةِ وَإِذَا فَعَلْتَ سَيِّئَةً وَوَقَعَ فِي قَلْبِكَ حُزْنٌ وَمَسَاءَةٌ خَوْفًا مِنَ الْعُقُوبَةِ (فَأَنْتَ مُؤْمِنٌ) ؛ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ الْكَامِلَ يُمَيِّزُ بَيْنَ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَيَعْتَقِدُ الْمُجَازَاةَ عَلَيْهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا وَلَا يُبَالِي بِهِمَا (قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا الْإِثْمُ؟) أَيْ مَا عَلَامَتُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ نَصٌّ صَرِيحٌ، أَوْ نَقْلٌ صَحِيحٌ، وَاشْتَبَهَ أَمْرُهُ، وَالْتَبَسَ حُكْمُهُ؟ (قَالَ: (إِذَا حَاكَ) أَيْ تَرَدَّدَ (فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ) وَلَمْ يَطْمَئِنَّ بِهِ قَلْبُكَ، وَأَثَّرَ فِيهِ تَأْثِيرًا يُدِيمُ تَنْفِيرًا (فَدَعْهُ) أَيِ اتْرُكْهُ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ ﵊: ( «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» ) ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَرْبَابِ الْبَوَاطِنِ الصَّافِيَةِ، وَالْقُلُوبِ الزَّاكِيَةِ، أَوِ الْمَعْنَى: اتْرُكْهُ احْتِيَاطًا إِذَا كَانَ الْأَحْوَطُ تَرْكَهُ، وَإِذَا كَانَ الْفِعْلُ أَوْلَى فَاتْرُكْ ضِدَّهُ لِئَلَّا تَقَعَ فِي الْإِثْمِ، وَقِيلَ: الْجَوَابَانِ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ، وَقَدْ تَصَحَّفَ عَلَى السَّيِّدِ السَّنَدُ، فَقَرَأَ " حَاكَ " جَاءَكَ، بِصِيغَةِ الْمَاضِي مِنَ الْمَجِيءِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
стр. 159
٤٦ - «وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ (﵁) قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ؟ قَالَ: " حُرٌّ وَعَبْدٌ. " قُلْتُ: مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: " طِيبُ الْكَلَامِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ ". قُلْتُ: مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: " الصَّبْرُ وَالسَّمَاحَةُ ". قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ". قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الْإِيمَانِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " خُلُقٌ حَسَنٌ ". قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: طُولُ الْقُنُوتِ، قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَنْ تَهْجُرَ مَا كَرِهَ رَبُّكُ، قَالَ: فَقَلْتُ: فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَنْ عُقِرَ جَوَادُهُ، وَأُهْرِيقَ دَمُهُ. قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ السَّاعَاتِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٤٦ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ) بِفَتَحَاتٍ كُنْيَتُهُ أَبُو نَجِيحٍ السُّلَمِيُّ، أَسْلَمَ قَدِيمًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، قِيلَ: كَانَ رَابِعُ أَرْبَعَةٍ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ بَنِي سُلَيْمٍ، وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا سَمِعْتَ أَنِّي خَرَجْتُ فَاتَّبِعْنِي، فَلَمْ يَزَلْ مُقِيمًا بِقَوْمِهِ حَتَّى انْقَضَتْ خَيْبَرُ، فَقَدِمَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﵊ وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ، وَعِدَادُهُ فِي الشَّامِيِّينَ. رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ جِئْتُهُ لِطَلَبِ الْعِلْمِ (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ؟) أَيْ مَنْ يُوَافِقُكَ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ (قَالَ: حُرٌّ وَعَبْدٌ) أَيْ
стр. 160
كُلُّ حُرٍّ وَعَبْدٍ يَعْنِي مَأْمُورٌ بِالْمُوَافَقَةِ، وَقِيلَ: أَبُو بَكْرٍ وَزَيْدٌ، أَوْ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي إِحْدَى رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ، وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ، وَلَعَلَّ عَلِيًّا ﵁ لَمْ يُذْكَرْ لِصِغَرِهِ، وَكَذَا خَدِيجَةَ لِسَتْرِهَا وَعَدَمِ ظُهُورِهَا (قُلْتُ: مَا الْإِسْلَامُ؟) أَيْ عَلَامَتُهُ أَوْ شُعَبُهُ أَوْ كَمَالُهُ (قَالَ: طِيبُ الْكَلَامِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ) فِيهِمَا إِشَارَةٌ إِلَى الْحَثِّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَإِظْهَارِ الْإِحْسَانِ لِأَفْرَادِ الْإِنْسَانِ، وَلَوْ بِحَلَاوَةِ اللِّسَانِ (قُلْتُ: مَا الْإِيمَانُ؟) أَيْ ثَمَرَتُهُ وَنَتِيجَتُهُ [قَالَ: (الصَّبْرُ) أَيْ عَلَى الطَّاعَةِ، وَعَنِ الْمَعْصِيَةِ فِي الْمُصِيبَةِ (وَالسَّمَاحَةُ) أَيِ السَّخَاوَةُ بِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَالْإِحْسَانُ وَالْكَرَمُ لِلْفُقَرَاءِ، وَقِيلَ: الصَّبْرُ عَلَى الْمَفْقُودِ، وَالسَّمَاحَةُ بِالْمَوْجُودِ (قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الْإِسْلَامِ) أَيْ خِصَالُهُ أَوْ أَهْلُهُ، وَهُوَ أَوْلَى (أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) قَالَ: قُلْتُ أَيُّ الْإِيمَانِ أَفْضَلُ؟) أَيْ أَيُّ أَخْلَاقِهِ أَوْ خِصَالِهِ (قَالَ: خُلُقٌ حَسَنٌ) بِضَمِّ اللَّامِ، وَتُسَكَّنُ، وَهُوَ صِفَةٌ جَامِعَةٌ لِلْخِصَالِ السَّنِيَّةِ وَالشَّمَائِلِ الْبَهِيَّةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وَلِذَا قَالَتِ الصِّدِّيقَةُ ﵂: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، أَيْ يَأْتَمِرُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ، وَيَنْتَهِي عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ. وَذَكَرَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا خَاتِمَةُ الْمُحَدِّثِينَ وَآخِرُ الْمُجْتَهِدِينَ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ: إِنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ. رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَنْ جَدِّ الْحَسَنِ ( «أَنَّ أَحْسَنَ الْحَسَنِ الْخُلُقُ الْحَسَنُ» ) ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْخُلُقُ الْحَسَنُ هُوَ بَسْطُ الْمُسَمَّى بِالْمَحْيَا، وَبَذْلُ النَّدَى وَالْعَطَاءَ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَأَلَّا يُخَاصِمَ لِشِدَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِاللَّهِ تَعَالَى؛ وَلِذَا قِيلَ: الصُّوفِيُّ لَا يُخَاصِمُ وَلَا يُخَاصَمُ، أَوْ إِرْضَاءُ الْخَلْقِ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ. وَقَالَ سَهْلٌ: أَدْنَاهُ الِاحْتِمَالُ وَتَرْكُ الْمُكَافَأَةِ، وَالرَّحْمَةِ لِلظَّالِمِ، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُ، وَالشَّفَقَةُ عَلَيْهِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ قَدْ لَاحَ وَبَانَ عِنْدَ أَرْبَابِ الْعِرْفَانِ بِطَوَالِعَ الْوَحْيِ، وَلَوَائِحِ الْوِجْدَانِ أَنَّ الْإِنْسَانَ جَوْهَرُ لُطْفٍ نُورَانِيٌّ مِنْ عَالَمِ الْأَمْرِ، شَبِيهٌ بِالْجَوَاهِرِ الْقُدْسِيَّةِ الْمَلَكُوتِيَّةِ، وَلَهُ قُوَّتَانِ يَحْظَى بِكَمَالِهِمَا وَيَشْقَى بِسَبَبِ اخْتِلَالِهِمَا؛ قُوَّةٌ عَاقِلَةٌ تُدْرِكُ حَقَائِقَ الْمَوْجُودَاتِ بِأَجْنَاسِهَا وَأَنْوَاعِهَا، وَتَنْتَقِلُ مِنْهَا إِلَى مَعْرِفَةِ مَنِ اشْتَغَلَ بِإِبْدَاعِهَا، وَعَامِلَةٌ تُدْرِكُ النَّافِعَ نَافِعًا فَتَمِيلُ إِلَيْهِ وَالضَّارَّ مُضِرًّا فَتَنْفِرُ عَنْهُ، وَذَلِكَ أُمُورٌ مَعَاشِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِحِفْظِ النَّوْعِ وَكَمَالِ الْبَدَنِ؛ وَلِذَا وَرَدَ " خَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ، أَوْ مَلَكَاتٍ فَاضِلَةٍ وَأَحْوَالٍ بَاطِنَةٍ هِيَ الْخُلُقُ الْحَسَنُ، وَهُوَ إِمَّا تَزْكِيَةُ النَّفْسِ عَنِ الرَّذَائِلِ، وَأُصُولُهَا عَشَرَةٌ: الطَّعَامُ، وَالْكَلَامُ، وَالْغَضَبُ، وَالْحَسَدُ، وَالْبُخْلُ، وَحُبُّ الْمَالِ، وَالْجَاهُ، وَالْكِبْرُ، وَالْعُجْبُ، وَالرِّيَاءُ، أَوْ تَحْلِيَتُهَا بِالْفَضَائِلِ، وَأُمَّهَاتُهَا عَشْرَةٌ: التَّوْبَةُ، وَالْخَوْفُ، وَالزُّهْدُ، وَالصَّبْرُ، وَالشُّكْرُ، وَالْإِخْلَاصُ، وَالتَّوَكُّلُ، وَالْمَحَبَّةُ، وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ، وَذِكْرُ الْمَوْتِ، وَالْخُلُقُ مَلَكَةٌ تَصْدُرُ بِهَا الْأَفْعَالُ عَنِ النَّفْسِ بِسُهُولَةٍ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ رَوِيَّةٍ، وَتَنْقَسِمُ إِلَى فَضِيلَةٍ، هِيَ الْوَسَطُ، وَرَذِيلَةٌ وَهِيَ الْأَطْرَافُ؛ وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] . (قَالَ: قُلْتُ أَيُّ: الصَّلَاةِ) أَيْ أَيُّ أَرْكَانِهَا، أَوْ كَيْفِيَّاتِهَا (أَفْضَلُ؟) أَيْ أَكْثَرُ ثَوَابًا وَفَضْلًا (قَالَ: طُولُ الْقُنُوتِ) أَيِ الْقِيَامُ أَوِ الْقِرَاءَةُ أَوِ الْخُشُوعُ (قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الْهِجْرَةِ) أَيْ أَفْرَادِهَا (أَفْضَلُ؟) فَإِنَّ الْهِجْرَةَ أَنْوَاعٌ: إِلَى الْحَبَشَةِ عِنْدَ إِيذَاءِ الْكُفَّارِ لِلصَّحَابَةَ، وَمِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَمِنْ مَعْنَاهُ الْهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهِجْرَةُ الْقَبَائِلِ لِتَعَلُّمِ الْمَسَائِلِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْهِجْرَةُ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ (قَالَ: أَنْ تَهْجُرَ مَا كَرِهَ رَبُّكَ) كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ، وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ الْأَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ الْأَعَمُّ الْأَشْمَلُ (قَالَ: فَقُلْتُ) وَفِي نُسْخَةٍ: قَلْتُ: (فَأَيُّ الْجِهَادِ) أَيْ أَنْوَاعِهِ أَوْ أَهْلِهِ (أَفْضَلُ؟ قَالَ: (مَنْ عُقِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (جَوَادُهُ) أَيْ قُتِلَ فَرَسُهُ (وَأُهْرِيقَ دَمُهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ، وَقِيلَ بِفَتْحِهَا وَهُوَ وَهْمٌ، أَيْ صُبَّ وَسُكِبَ، يُقَالُ: أَرَاقَ يُرِيقُ، وَهَرَاقَ يُهَرِيقُ بِقَلْبِ الْهَمْزَةِ هَاءً، وَأَهْرَاقَ يُهَرِيقُ بِزِيَادَتِهَا كَمَا زِيدَتِ السِّينُ فِي اسْتَطَاعَ، وَالْهَاءُ فِي مُضَارِعِ الْأَوَّلِ مُحَرِّكَةٌ، وَفِي مُضَارِعِ الثَّانِي مُسَكَّنَةٌ كَذَا قَالَهُ صَاحِبُ الْفَائِقِ.
стр. 161
وَقَالَ الْحِجَازِيُّ فِي حَاشِيَةِ الشِّفَاءِ: لَا تُفْتَحُ الْهَاءُ مَعَ الْهَمْزَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا الْجِهَادُ أَفْضَلَ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْجِهَادَيْنِ؛ جِهَادُ فَارِسٍ وَجِهَادُ رَاجِلٍ، أَوْ لِجَمْعِهِ بَيْنَ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالشَّهَادَةِ فِي مَرْضَاةِ مَوْلَاهُ (قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ السَّاعَاتِ) أَيْ لِتَحْصِيلِ الطَّاعَاتِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (جَوْفُ اللَّيْلِ) أَيْ وَسَطُهُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الصَّفَاءِ، وَأَبْعَدُ عَنِ الرِّيَاءِ (الْآخَرُ) صِفَةُ جَوْفٍ أَيِ النِّصْفُ الْأَخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ أَشَقُّ عَلَى النَّفْسِ، وَأَخْلَى مِنَ الْخَلْقِ، وَأَقْرَبُ إِلَى تَنَزُّلِ رَحْمَةِ الْحَقِّ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
стр. 162
٤٧ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَيُصَلِّي الْخَمْسَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ - غُفِرَ لَهُ ". قُلْتُ: أَفَلَا أُبَشِّرُهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: " دَعْهُمْ يَعْمَلُوا» " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٤٧ - (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ لَقِيَ اللَّهَ) يَعْنِي: مَنْ مَاتَ (لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) أَيْ جَلِيًّا أَوْ خَفِيًّا أَيْ حَالَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُشْرِكٍ يَعْنِي يَكُونُ مُوَحِّدًا مُؤْمِنًا (وَيُصَلِّي الْخَمْسَ) أَيْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي خَمْسَةِ أَوْقَاتٍ لِرَكَعَاتٍ مَعْدُودَاتٍ، مَقْرُونَةً بِشَرَائِطَ وَأَرْكَانٍ مَعْلُومَاتٍ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ) أَيْ شَهْرٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ، وَلَعَلَّ تَرْكَ الزَّكَاةِ وَالْحَجَّ؛ لِأَنَّهُمَا مُخْتَصَّانِ بِالْأَغْنِيَاءِ، أَوْ كَانَ قَبْلَ فَرْضِيَّتِهِمَا (غُفِرَ لَهُ) أَيْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ الصَّغَائِرَ الَّتِي بَيْنَ كُلِّ صَلَاةِ وَصَلَاةِ، وَكُلِّ صَوْمٍ وَصَوْمٍ، أَوِ الْكَبَائِرَ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إِنْ شَاءَ، وَأَمَّا حُقُوقُ الْعِبَادِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُرْضِيَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَضْلِهِ (قُلْتُ) ذَكَرْتُ ذَلِكَ (أَفَلَا أُبَشِّرُهُمْ) أَيْ عُمُومَ النَّاسِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ) حَتَّى يَفْرَحُوا بِهَذِهِ الْبِشَارَةِ (قَالَ: (دَعْهُمْ) أَيِ اتْرُكْهُمْ بِلَا بِشَارَةٍ (يَعْمَلُوا) مَجْزُومٌ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، أَيْ يَجْتَهِدُوا فِي زِيَادَةِ الْعِبَادَةِ وَلَا يَتَّكِلُوا عَلَى هَذَا الْإِجْمَالِ، وَلَا يَرْتَكِبُوا مِنْ قَبَائِحِ الْأَفْعَالِ، فَإِنَّ هَذَا دَأَبُ الْعَوَامِّ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ بِخِلَافِ الْخَوَاصِّ وَأَصْحَابِ الِاخْتِصَاصِ، إِذْ لَوْ فُرِضَ وَقُدِّرَ أَنْ لَيْسَ هُنَاكَ جَنَّةٌ وَلَا نَارٌ مَا عَصَوُا اللَّهَ تَعَالَى سَاعَةً فِي لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: ( «رَحِمَ اللَّهُ صُهَيْبًا، لَوْ لَمْ يَخِفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ» ) . بَلْ يَزِيدُونَ فِي الْعِبَادَةِ بَعْدَ الْبِشَارَةِ شُكْرًا لِهَذِهِ الْإِشَارَةِ، وَيَخَافُونَ أَنَّ الْبِشَارَةَ تَكُونُ مُقَيَّدَةً بِقَيْدٍ مَطْوِيٍّ تَحْتَ الْعِبَارَةِ امْتِحَانًا مِنْ رَبِّ الْعِبَادِ، وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
стр. 163
٤٨ - وَعَنْهُ أَنَّهُ «سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَفْضَلِ الْإِيمَانِ؟ قَالَ: " أَنْ تُحِبَّ لِلَّهِ، وَتُبْغِضَ لِلَّهِ، وَتُعْمِلَ لِسَانَكَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ ". قَالَ: وَمَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " أَنْ تُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَتَكْرَهَ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٤٨ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ مُعَاذٍ ﵁ ( «أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَفْضَلِ الْإِيمَانِ؟» ) أَيْ عَنْ شُعَبِهِ، وَمَرَاتِبِهِ، وَأَحْوَالِهِ، أَوْ خِصَالِ أَهْلِهِ (قَالَ: (أَنْ تُحِبَّ) أَيْ كُلُّ مَا تُحِبُّهُ (لِلَّهِ) لَا لِغَرَضٍ سِوَاهُ (وَتُبْغِضُ) أَيْ مَبْغُوضُكَ (لِلَّهِ) لَا لِطَبْعٍ وَهَوًى (وَتَعْمَلُ) مِنَ الْأَعْمَالِ بِمَعْنَى الِاسْتِعْمَالِ وَالْإِشْغَالِ (لِسَانَكَ) لِيَصِلَ بَرَكَتُهُ إِلَى جَنَانِكَ (فِي ذِكْرِ اللَّهِ) بِأَنْ لَا يَزَالَ رَطْبًا بِهِ بِشَرْطِ الْحُضُورِ، فَيَكُونُ نُورًا عَلَى نُورٍ، وَإِلَّا فَاشْتِغَالُ عُضْوٍ بِالْعِبَادَةِ نَوْعٌ مِنَ الْعِنَايَةِ، وَمَنْ شَكَرَ هَذِهِ النِّعْمَةَ حَصَلَ لَهُ مَزِيدُ الرِّعَايَةِ (قَالَ: وَمَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أَيْ وَمَاذَا أَصْنَعُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ وَمَاذَا إِمَّا مَنْصُوبٌ بِأَصْنَعُ، أَوْ مَرْفُوعٌ أَيْ أَيُّ شَيْءٍ أَصْنَعُهُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ مَقُولُ (قَالَ: (وَأَنْ تُحِبَّ) يَكُونُ مَنْصُوبًا، وَعَلَى الثَّانِي مَرْفُوعًا، وَالْوَاوُ لِلْعِطْفِ عَلَى مُقَدَّرٍ، وَالتَّقْدِيرُ أَنْ تَسْتَقِيمَ عَلَى مَا قُلْنَا، وَأَنْ تُحِبَّ (لِلنَّاسِ) يُحْتَمَلُ التَّعْمِيمُ، وَيُحْتَمَلُ التَّخْصِيصُ بِالْمُؤْمِنِينَ (مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ) أَيْ مِثْلَهُ (وَتَكْرَهُ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ) رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
стр. 164
[بَابُ الْكَبَائِرِ وَعَلَامَاتِ النِّفَاقِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: " أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ " قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: " أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ ". قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: " أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهَا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
[١]- بَابُ الْكَبَائِرِ
جُمَعُ كَبِيرَةٍ، وَهِيَ السَّيِّئَةُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي خَطِيئَتُهَا فِي نَفْسِهَا كَبِيرَةٌ، وَعُقُوبَةُ فَاعِلِهَا عَظِيمَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَعْصِيَةٍ لَيْسَتْ بِكَبِيرَةٍ، وَقِيلَ: الْكَبِيرَةُ مَا أَوْعَدَ عَلَيْهِ الشَّارِعُ بِخُصُوصِهِ، وَقِيلَ: مَا عُيِّنَ لَهُ حَدٌّ، وَقِيلَ: النِّسْبَةُ إِضَافِيَّةٌ، فَقَدْ يَكُونُ الذَّنْبُ كَبِيرَةً بِالنِّسْبَةِ لِمَا دُونَهُ، صَغِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فَوْقَهُ، وَقَدْ يَتَفَاوَتُ بِاعْتِبَارِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ كَمَا قِيلَ: حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ، وَقَدْ يَتَفَاوَتُ بِاعْتِبَارِ الْمَفْعُولِ، فَإِنَّ إِهَانَةَ السَّادَاتِ وَالْعُلَمَاءِ لَيْسَتْ كَإِهَانَةِ السُّوقَةِ وَالْجُهَلَاءِ، وَلِلشَّيْخِ ابْنِ حَجَرٍ كِتَابٌ نَفِيسٌ فِي هَذَا الْبَابِ يُسَمَّى: الزَّوَاجِرُ عَنِ الْكَبَائِرِ، وَقِيلَ: كُلُّ مَعْصِيَةٍ كَبِيرَةٌ نَظَرًا إِلَى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: لَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ، وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ، وَقِيلَ: بِإِبْهَامِ الْكَبِيرَةِ مِنْ بَيْنِ الذُّنُوبِ؛ لِئَلَّا يَرْتَفِعَ الْخَوْفُ مِنَ الْقُلُوبِ. (وَعَلَامَاتُ النِّفَاقِ) تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، أَوْ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٩ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁) يُكْنَى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْهُذَلِيَّ، كَانَ إِسْلَامُهُ قَدِيمًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ فِي دَارِ الْأَرْقَمِ، وَقَبْلَ عُمَرَ بِزَمَانٍ، وَقِيلَ: كَانَ سَادِسًا فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ ضَمَّ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِوَاكَهُ، وَنَعْلَيْهِ، وَطَهُورَهُ فِي السَّفَرِ، هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ، وَشَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجَنَّةِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «رَضِيتُ لِأُمَّتِي مَا رَضِيَ لَهَا ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ، وَسَخِطْتُ لَهَا مَا سَخِطَ لَهَا ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ» ) يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ، وَكَانَ يُشَبَّهُ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي سَمْتِهِ، وَدَلَّهُ، وَهَدْيِهِ، كَانَ خَفِيفَ اللَّحْمِ قَصِيرًا، شَدِيدَ الْأُدْمَةِ نَحِيفًا، طُوَالُ الرِّجَالِ تُوَازِيهِ جَالِسًا، وَلِي الْقَضَاءَ بِالْكُوفَةِ وَبَيْتَ مَالِهَا لِعُمْرَ وَصَدَرًا مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، ثُمَّ صَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَاتَ بِهَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، وَلَهُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً. رَوَى عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَهُوَ عِنْدَنَا أَفْقَهُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ. (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟) الذَّنْبُ مَا يُذَمُّ بِهِ الْآتِي بِهِ شَرْعًا، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ لَا يُغْفَرُ بِلَا تَوْبَةٍ وَهُوَ الْكُفْرُ، وَقِسْمٌ يُرْجَى أَنْ يُغْفَرَ بِالِاسْتِغْفَارِ وَسَائِرِ الْحَسَنَاتِ وَهُوَ الصَّغَائِرُ، وَقِسْمٌ يُغْفَرُ بِالتَّوْبَةِ وَبِدُونِهَا تَحْتَ الْمَشِيئَةِ وَهُوَ الْكَبَائِرُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِسْمٌ يَحْتَاجُ إِلَى التَّرَادِّ وَهُوَ حَقُّ الْآدَمِيِّ، وَالتَّرَادُّ إِمَّا فِي الدُّنْيَا بِالِاسْتِحْلَالِ أَوْ رَدِّ الْعَيْنِ، أَوْ بَدَلِهِ، وَإِمَّا فِي الْآخِرَةِ بِرَدِّ ثَوَابِ الظَّالِمِ لِلْمَظْلُومِ، أَوْ إِيقَاعِ سَيِّئَةِ الْمَظْلُومِ عَلَى الظَّالِمِ، أَوْ أَنَّهُ تَعَالَى يُرْضِيهِ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ. (قَالَ: (أَنْ تَدْعُوَ) أَيْ تَجْعَلَ (لِلَّهِ نِدًّا) بِالْكَسْرِ أَيْ مِثْلًا وَنَظِيرًا فِي دُعَائِكَ وَعِبَادَتِكَ، وَقِيلَ النِّدُّ: الْمِثْلُ الْمُزَاحِمُ الَّذِي يُضَادُّهُ فِي أُمُورِهِ مِنْ: نِدَّ: نَفَرَ، وَأَمَّا الضِّدُّ فَهُوَ أَحَدُ مُتَقَابِلَيْنِ لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا (وَهُوَ خَلَقَكَ) الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ اللَّهِ، أَوْ مِنْ فَاعِلِ " أَنْ تَدْعُوَ "، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا اسْتَحَقَّ بِهِ تَعَالَى أَنْ تَتَّخِذَهُ رَبًّا وَتَعْبُدَهُ؛ فَإِنَّهُ خَلَقَكَ، أَوْ إِلَى مَا بِهِ امْتِيَازُهُ تَعَالَى عَنْ غَيْرِهِ فِي كَوْنِهِ إِلَهًا، أَوْ إِلَى ضَعْفِ النِّدِّ أَيْ أَنْ تَدْعُوَ لَهُ نِدًّا، وَقَدْ خَلَقَكَ غَيْرُهُ، وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ شَيْءٍ، وَالْمُرَادُ أَنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ هُوَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، بَلِ الْكُفْرُ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا خُصَّ فَإِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. (قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟) اسْتِفْهَامٌ بِالتَّنْوِينِ بَدَلٌ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، لَكِنْ يُحْذَفُ التَّنْوِينُ وَقْفًا بِمَعْنَى أَيُّ شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ أَكْبَرُ بَعْدَ الْكُفْرِ (قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ) مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ (أَنْ يَطْعَمَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ يَأْكُلَ (مَعَكَ) لَا خِلَافَ أَنَّ أَكْبَرَ الذُّنُوبِ بَعْدَ الْكُفْرِ قَتْلُ نَفْسِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَالْمَعْنَى أَنَّ قَتْلَ الْوَلَدِ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ الذُّنُوبِ، وَقَتْلُهُ مِنْ خَوْفِ أَنْ يَطْعَمَ أَيْضًا ذَنْبٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى الرِّزْقَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ " ثُمَّ " فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِتَرَاخِي الزَّمَانِ؛ إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ هَاهُنَا، وَلَا لِتَرَاخِي الرُّتْبَةِ؛ لِوُجُوبِ كَوْنِ
стр. 165
الْمَعْطُوفِ بِهَا أَعْلَى مَرْتَبَةً، وَهُنَا بِالْعَكْسِ بَلْ هِيَ لِلتَّرَاخِي فِي الْإِخْبَارِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: أَخْبِرْنِي عَنْ أَوْجَبِ مَا يُهِمُّنِي السُّؤَالُ عَنْهُ مِنَ الذُّنُوبِ، ثُمَّ الْأَوْجَبُ فَالْأَوْجَبُ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لِتَرَاخِي الرُّتْبَةِ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَعْطُوفُ بِهَا أَدْنَى مَرْتَبَةً كَمَا فِي قَوْلِهِ ﵊: ( «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَوْلِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ» ) .
وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ قَتْلَ النَّفْسِ الْمُسْلِمَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ كَبِيرَةٌ، وَأَفْحَشُ أَنْوَاعِهِ قَتْلُ الْقَرِيبِ؛ لِأَنَّكَ ضَمَمْتَ إِلَى مَعْصِيَةِ الْقَتْلِ مَعْصِيَةَ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَأَفْحَشُ أَنْوَاعِهِ قَتْلُ الْقَرِيبِ؛ قَتْلُ الْوَالِدِ ثُمَّ قَتْلُ الْوَلَدِ، فَكَوْنُ قَتْلِ الْوَلَدِ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ بَعْدَ الْكُفْرِ إِنَّمَا هُوَ بِضَمِّ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنَّهُ يَضُمُّ إِلَى تِلْكَ الْقَبَائِحِ عَدَمُ رُؤْيَةِ الرِّزْقِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَانْتِفَاءُ التَّوَكُّلِ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فِي أَمْرِهِ مَعَ دَلَالَتِهِ عَلَى كَمَالِ قَسَاوَتِهِ بِقَتْلِ نَفْسٍ زَكِيَّةٍ صَغِيرَةٍ بِأَقْبَحِ أَنْوَاعِ الْقَتْلِ، وَهُوَ دَفْنُهُ حَيًّا. (قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: " أَنْ تُزَانِيَ ") أَيْ تَزْنِيَ (حَلِيلَةَ جَارِكَ) أَيْ زَوْجَتَهُ، مِنْ حَلَّ يَحِلُّ بِالْكَسْرِ، إِذْ كُلٌّ مِنْهُمَا حَلَالٌ لِلْآخَرِ، أَوْ مِنْ حَلَّ يَحُلُّ بِالضَّمِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَالٌّ عِنْدَ الْآخَرِ، فَمُطْلَقُ الزِّنَا ذَنْبٌ كَبِيرٌ، وَخَاصَّةً مَعَ مَنْ سَكَنَ جَارَكَ، وَالْتَجَأَ لِأَمَانَتِكَ، فَهُوَ زِنًا وَإِبْطَالُ حَقِّ الْجُوَارِ، وَالْخِيَانَةُ مَعَهُ أَقْبَحُ، فَحَاصِلُ الْقُيُودِ مِنَ النِّدِّ وَالْوَلَدِ وَالْجَارِ كَمَالُ تَقْبِيحِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ، لَا أَنَّهَا قُيُودٌ احْتِرَازِيَّةٌ، وَإِلَّا فَأَفْحَشُ الزِّنَا أَنْ يَكُونَ بِالْمَحَارِمِ. ثُمَّ الْإِتْيَانُ بِقَوْلِهِ: (أَنْ تُزَانِيَ) بِصِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ مُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى، فَالْحَدِيثُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] أَوْ رِعَايَةً لِحَالِ السَّائِلِ، وَلِذَا قَيَّدَ الْكَبَائِرَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ لِكَوْنِهَا سَبْعًا، وَاقْتَصَرَ فِي بَعْضِهَا عَلَى ثَلَاثٍ مِنْهَا كَمَا هُنَا، أَوْ أَرْبَعٍ كَمَا يَأْتِي بِنَاءً عَلَى بَيَانِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ مِنْهَا وَقْتَ ذِكْرِهِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِلَى السَّبْعِمِائَةِ أُقْرَبُ، قِيلَ: يَأْتِ بِاعْتِبَارِ أَصْنَافِ أَنْوَاعِهَا، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَأَنْزَلَ اللَّهُ) وَفِي نُسْخَةٍ: (تَصْدِيقَهَا) أَيْ تَصْدِيقَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، أَوِ الْأَحْكَامِ، أَوِ الْوَاقِعَةِ، وَنَصَبَهُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أَيْ أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ تَصْدِيقًا لَهَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَقْرِيرِ السُّنَّةِ وَتَصْدِيقِهَا بِالْكِتَابِ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَلَا أَعْرِفُ لَهُ مُخَالِفًا فِي هَذَا الْمَقَالِ لِيَحْتَاجَ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ، وَيُمْكِنَ أَنْ يُرَادَ بِالتَّصْدِيقِ الْمُطَابَقَةُ وَالتَّوْفِيقُ، وَتَكُونُ السُّنَّةُ مُقْتَبَسَةً مِنَ الْآيَةِ مَعَ زِيَادَةِ التَّنْبِيهِ عَلَى أَقْبَحِ الْأَفْرَادِ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْإِخْبَارِ عَنِ الْمُبْتَدَأِ الْمُتَقَدِّمِ، وَهُوَ عِبَادُ الرَّحْمَنِ ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ﴾ [الفرقان: ٦٨] يَعْنِي نَفْسَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ وَالْمَعَاهِدِ ﴿الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [الفرقان: ٦٨] أَيْ قَتْلَهَا، وَالْمَعْنَى لَا يَقْتُلُونَ نَفْسَ غَيْرِ الْحَرْبِيِّ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُودِ، فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَتْلِ الْمُقَدَّرِ، وَقِيلَ: بِلَا يَقْتُلُونَ أَيْ بِإِحْدَى الْخِصَالِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ الرِّدَّةُ، وَزِنَا الْإِحْصَانِ، وَالْقَصَاصِ ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الْآيَةَ: بِتَمَامِهَا فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ، وَفِي كَوْنِ هَذِهِ الْآيَةِ مُصَدِّقَةً لِلْحَدِيثِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ ذِكْرَ الْوَلَدِ، وَالْخَشْيَةَ، وَحَلِيلَةَ الْجَارِ إِنَّمَا هُوَ لِبَيَانِ زِيَادَةِ الْفُحْشِ لَا لِلتَّقْيِيدِ، وَإِلَّا لَمْ تَكُنِ الْآيَةُ الدَّالَّةُ عَلَى أَكْبَرِيَّةِ الْقَتْلِ وَالزِّنَا لَا بِقَيْدِ مُطَابَقَةٍ لِلْحَدِيثِ حَتَّى تُصَدِّقَهُ، بَلْ كَانَ الْحَدِيثُ مُقَيِّدًا لَهَا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 166
٥٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْكَبَائِرُ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٠ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ) هُوَ جَعْلُ أَحَدٍ شَرِيكًا لِلْآخَرِ، وَالْمُرَادُ هَاهُنَا اتِّخَاذُ إِلَهٍ غَيْرِ اللَّهِ، وَأَرَادَ بِهِ الْكُفْرَ، وَاخْتَارَ لَفْظَ الْإِشْرَاكِ لِأَنَّهُ كَانَ غَالِبًا فِي الْعَرَبِ (وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ) أَيْ قَطْعُ صِلَتِهِمَا، مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَقِّ، وَهُوَ الشَّقُّ وَالْقَطْعُ، وَالْمُرَادُ عُقُوقُ أَحَدِهِمَا،
стр. 167
قِيلَ: هُوَ إِيذَاءٌ لَا يُحْتَمَلُ مِثْلُهُ مِنَ الْوَلَدِ عَادَةً، وَقِيلَ: عُقُوقُهُمَا مُخَالَفَةُ أَمْرِهِمَا فِيمَا لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً، وَفِي مَعْنَاهُمَا الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ، ثُمَّ اقْتِرَانُهُ بِالْإِشْرَاكِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُنَاسَبَةِ، إِذْ فِي كُلٍّ قَطْعُ حُقُوقِ السَّبَبِ فِي الْإِيجَادِ وَالْإِمْدَادِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِلَّهِ حَقِيقَةً وَلِلْوَالِدَيْنِ صُورَةً، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦] وَقَوْلُهُ : ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] (وَقَتْلُ النَّفْسِ) أَيْ بِغَيْرِ حَقٍّ (وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ) الَّذِي يَغْمِسُ صَاحِبَهُ فِي الْإِثْمِ ثُمَّ فِي النَّارِ، وَقِيلَ: فِي الْكَفَّارَةِ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْمَاضِي عَالِمًا بِكَذِبِهِ، وَقِيلَ: أَنْ يَحْلِفَ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا لِيَذْهَبَ بِمَالِ أَحَدٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الْكَبِيرَةُ لَا تَنْحَصِرُ فِي عَدَدٍ، وَمَا قَالَهُ ﵊ مِنْ عَدَدٍ فَذَلِكَ بِسَبَبِ الْوَحْيِ أَوِ اقْتِضَاءِ الْمَقَامِ، وَالْأَنْسَبُ أَنْ يُضْبَطَ ذَلِكَ وَيُقَاسَ الذَّنْبُ إِلَى مَفْسَدَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، فَإِنْ نَقَصَتْ عَنْ أَقَلِّ الْمَفَاسِدِ فَهِيَ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَإِلَّا فَهِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ. هَذَا حَاصِلُ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا.
стр. 168
٥١ - وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ: " وَشَهَادَةُ الزُّورِ " بَدَلُ: الْيَمِينُ الْغَمُوسُ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥١ - (وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ ﵁ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَالْمُبْتَدَأُ قَوْلُهُ: (وَشَهَادَةُ الزُّورِ) أَيِ الْكَذِبِ، وَسُمِّيَ زُورًا لِمَيَلَانِهِ عَنْ جِهَةِ الْحَقِّ، وَقَوْلُهُ: (بَدَلَ (الْيَمِينُ الْغَمُوسُ) مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ، وَعَامِلُهُ مَعْنَى الْفِعْلِ الَّذِي فِي " وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ " أَيْ مَكَانَ الْيَمِينِ عَلَى الرَّفْعِ حِكَايَةً، وَعَلَى الْجَرِّ عَمَلًا بِالْإِضَافَةِ، وَإِطْلَاقُ الْبَدَلِ عَلَى الْمَكَانِ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَبْدَلَ شَيْئًا بِشَيْءٍ فَقَدْ وَضَعَهُ مَكَانَهُ، قِيلَ: وَلَعَلَّ مُخَالَفَةَ أَنَسٍ لِابْنِ عَمْرٍو لِاخْتِلَافِ الْمَجْلِسِ، أَوْ تَعَدُّدِ الْحَدِيثِ، أَوْ نِسْيَانِ كُلٍّ مِنْهُمَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ الْجَزْرِيِّ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ.
стр. 169
٥٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: " الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ) أَيِ احْذَرُوا فِعْلَهَا (الْمُوبِقَاتِ) أَيِ الْمُهْلِكَاتِ، أَجْمَلَ بِهَا ثُمَّ فَصَّلَهَا لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي النَّفْسِ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْكَبَائِرُ سَبْعٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ أَقْرَبُ إِلَى السَّبْعِينَ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ صَاحِبُ قُوتِ الْقُلُوبِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ إِحْيَاءِ الْعُلُومِ لِلْغَزَالِيِّ: قَدْ جَمَعْتُ جَمِيعَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الْبَابِ فَوَجَدْتُ سَبْعَةَ عَشَرَ؛ أَرْبَعَةٌ فِي الْقَلْبِ: الشِّرْكُ، وَنِيَّةُ الْإِصْرَارِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَأَرْبَعَةٌ فِي اللِّسَانِ: شَهَادَةُ الزُّورِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ، وَالسِّحْرُ، وَثَلَاثَةٌ فِي الْبَطْنِ: شُرْبُ الْخَمْرِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ مَالِ الرِّبَا، وَاثْنَانِ فِي الْفَرْجِ: الزِّنَا، وَاللُّوَاطُ، وَاثْنَانِ فِي الْيَدِ: الْقَتْلُ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَالسَّرِقَةُ، وَوَاحِدٌ فِي الرِّجْلِ: وَهُوَ الْفِرَارُ مِنَ الْكُفَّارِ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَوَاحِدٌ يَشْمَلُ الْبَدَنَ وَهُوَ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ. (قَالُوا) يَعْنِي بَعْضَ الصَّحَابَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ: قَالَ، أَيْ رَجُلٌ أَوْ أَبُو هُرَيْرَةَ ( «يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟) أَيْ تِلْكَ السَّبْعُ (قَالَ: (الشِّرْكُ بِاللَّهِ) أَيِ الْكُفْرُ بِهِ (وَالسِّحْرُ» ) قَالَ فِي الْمَدَارِكِ: إِنْ كَانَ فِي قَوْلِ السَّاحِرِ أَوْ فِعْلِهِ رَدُّ مَا لَزِمَ فِي شَرْطِ الْإِيمَانِ فَهُوَ كُفْرٌ، وَإِلَّا فَلَا. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ يَقَعُ كَمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ عَلَى حَقَائِقَ مُخْتَلِفَةٍ: السِّيمِيَاءُ، وَالْهِيمْيَاءُ، وَخَوَاصُّ الْحَقَائِقِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَغَيْرِهَا، وَالطَّلْسَمَاتُ، وَالْأَوْفَاقُ الرُّقَى الَّتِي تُحْدِثُ ضَرَرًا، وَالْعَزَائِمُ، وَالِاسْتِخْدَامَاتُ، ثُمَّ بَيَّنَ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ بِمَا ذَكَرْتُهُ عَنْهُ فِي كِتَابِهِ الْآتِي ذِكْرُهُ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ يَقَعُ لِلسَّحَرَةِ أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ عَقَاقِيرَ، وَيَجْعَلُونَهَا فِي نَهْرٍ، أَوْ بِئْرٍ، أَوْ قَبْرٍ، أَوْ بَابِ يُفْتَحُ لِلشَّرْقِ فَيَحْدُثُ عَنْهَا آثَارٌ بِخَوَاصِّ نُفُوسِهِمُ الَّتِي طَبَعَهَا اللَّهُ عَلَى الرَّبْطِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ تِلْكَ الْآثَارِ عِنْدَ صِدْقِ الْعَزْمِ، وَقَدْ يَأْتِي السَّاحِرُ بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ يَضُرُّ بِحَالِ الْمَسْحُورِ،
стр. 170
فَيَمْرَضُ وَيَمُوتُ مِنْهُ إِمَّا بِوَاصِلٍ إِلَى بَدَنِهِ مِنْ دُخَانٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ بِدُونِهِ. وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: السَّاحِرُ بِفِعْلِ مَنْ يَرْكَبُ مِكْنَسَةً فَتَسِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ أَوْ نَحْوَهُ، وَكَذَا مُعَزِّمٌ عَلَى الْجِنِّ، وَمَنْ يَجْمَعُهَا بِزَعْمِهِ، وَأَنَّهُ يَأْمُرُهَا فَتُطِيعُهُ، وَكَاهِنٌ، وَعَرَّافٌ، وَمُنَجِّمٌ، وَمُشَعْبِذٌ، وَقَائِلٌ يَزْجُرُ الطَّيْرَ، وَضَارِبُ عَصًا وَشَعِيرٍ وَقِدَاحٍ، وَمَنْ يَسْحَرُ بِدَوَاءٍ، أَوْ تَدْخِينٍ، أَوْ سَقْيٍ مُضِرٍّ. قَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِهِمْ: وَمِنَ السِّحْرِ السَّعْيُ بِالنَّمِيمَةِ وَالْإِفْسَادِ بَيْنَ النَّاسِ؛ لِقَوْلِ جَمْعٍ مِنَ السَّلَفِ: يُفْسِدُ النَّمَّامُ وَالْكَذَّابُ فِي سَاعَةٍ مَا لَا يُفْسِدُهُ السَّاحِرُ فِي سَنَةٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ لِلسِّحْرِ حَقِيقَةً عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَأَبِي جَعْفَرٍ الِاسْتِرَابَاذِيِّ، ثُمَّ ظَاهِرُ عَطْفِ السِّحْرِ عَلَى الشِّرْكِ أَنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ، وَقَدْ كَثُرَ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ، وَحَاصِلُ مَذْهَبِنَا أَنَّ فِعْلَهُ فِسْقٌ، وَفِي الْحَدِيثِ: ( «لَيْسَ مِنَّا مِنْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ» ) . وَيَحْرُمُ تَعَلُّمُهُ خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ؛ لِخَوْفِ الِافْتِتَانِ وَالْإِضْرَارِ، وَلَا كُفْرَ فِي فِعْلِهِ وَتَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ إِلَّا إِنِ اشْتَمَلَ عَلَى عِبَادَةِ مَخْلُوقٍ، أَوْ تَعْظِيمِهِ كَمَا يُعَظَّمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، أَوِ اعْتِقَادَ أَنَّ لَهُ تَأْثِيرًا بِذَاتِهِ، أَوْ أَنَّهُ مُبَاحٌ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ، وَأَطْلَقَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ أَنَّ السَّاحِرَ كَافِرٌ، وَأَنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ، وَأَنَّ تَعَلُّمَهُ وَتَعْلِيمَهُ كَفْرٌ، وَأَنَّ السَّاحِرَ يُقْتَلُ وَلَا يُسْتَتَابُ، سَوَاءً سَحَرَ مُسْلِمًا أَمْ ذِمِّيًّا. وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: إِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَفْعَلُ لَهُ مَا يَشَاءُ فَهُوَ كَافِرٌ، وَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ السِّحْرَ مُجَرَّدُ تَخْيِيلٍ وَتَمْوِيهٍ لَمْ يَكْفُرْ، وَاخْتَلَفَ الْحَنَابِلَةُ فِي كُفْرِهِ، وَفِي " التَّنْقِيحِ " مِنْ كُتُبِهِمْ: وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ سَاحِرٍ يَكْفُرُ بِسِحْرِهِ، وَيُقْتَلُ سَاحِرٌ مُسْلِمٌ يَرْكَبُ الْمِكْنَسَةَ فَتَسِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ وَنَحْوَهُ، وَيَكْفُرُ هُوَ وَمَنْ يَعْتَقِدُ حِلَّهُ. وَفِي الْفُرُوعِ لَهُمْ أَيْضًا: أَنَّ مَنْ أَوْهَمَ قَوْمًا بِطَرِيقَتِهِ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ؛ لِسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ، وَبَقِيَ لِهَذَا الْمَبْحَثِ مُتَمِّمَاتٌ بَسَطْتُهَا مَعَ ذِكْرِ فُرُوقٍ بَيْنَ الْمُعْجِزَةِ وَالسِّحْرِ فِي كِتَابِي: الْإِعْلَامُ بِقَوَاطِعِ الْإِسْلَامِ. ( «وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهَ) بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ (إِلَّا بِالْحَقِّ» ) وَهُوَ أَنْ يَجُوزَ قَتْلُهَا شَرْعًا بِالْقِصَاصِ وَغَيْرِهِ (وَأَكْلُ الرِّبَا) وَتَفْصِيلُهُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ (وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ) إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ، وَهُوَ صَغِيرٌ لَا أَبَّ لَهُ، وَالتَّعْبِيرُ فِيهِمَا بِالْأَكْلِ، وَالْمُرَادُ بِهِ سَائِرُ وُجُوهِ الِاسْتِعْمَالِ؛ لِأَنَّهُ أَغْلَبُهَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا (وَالتَّوَلِّي) بِكَسْرِ اللَّامِ أَيِ الْإِدْبَارُ لِلْفِرَارِ (يَوْمَ الزَّحْفِ) وَهُوَ الْجَمَاعَةُ الَّتِي يَزْحَفُونَ إِلَى الْعَدُوِّ، أَيْ يَمْشُونَ إِلَيْهِمْ بِمَشَقَّةٍ، مِنْ زَحَفِ الصَّبِيِّ إِذَا دَبَّ عَلَى اسْتِهِ، وَقِيلَ: سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ لِكَثْرَتِهِ وَثِقَلِ حَرَكَتِهِ كَأَنَّهُ يَزْحَفُ، وَسُمُّوا بِالْمَصْدَرِ مُبَالَغَةً، وَإِذَا كَانَ بِإِزَاءِ كُلِّ مُسْلِمٍ أَكْثَرُ مِنْ كَافِرَيْنِ جَازَ التَّوَلِّي. (وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ) أَيِ الْعَفَائِفِ يَعْنِي رَمْيَهُنَّ بِالزِّنَا، وَهِيَ بِفَتْحِ الصَّادِ وَتُكْسَرُ أَيْ أَحْصَنَهَا اللَّهُ وَحِفْظَهَا، أَوِ الَّتِي حَفِظَتْ فَرْجَهَا مِنَ الزِّنَا (الْمُؤْمِنَاتُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَذْفِ الْكَافِرَاتِ، فَإِنَّ قَذْفَهُ لَيْسَ مِنَ الْكَبَائِرِ، فَإِنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً فَقَذْفُهَا مِنَ الصَّغَائِرِ، وَلَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَفِي قَذْفِ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ التَّعْزِيرُ دُونَ الْحَدِّ، وَيَتَعَلَّقُ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ، وَإِذَا كَانَ الْمَقْذُوفُ رَجُلًا يَكُونُ الْقَذْفُ أَيْضًا مِنَ الْكَبَائِرِ، وَيَجِبُ الْحَدُّ أَيْضًا، فَتَخْصِيصُهُنَّ لِمُرَاعَاةِ الْآيَةِ وَالْعَادَةِ. (الْغَافِلَاتُ) عَنِ الِاهْتِمَامِ بِالْفَاحِشَةِ كِنَايَةً عَنِ الْبَرِيئَاتِ، فَإِنَّ الْبَرِيءَ غَافِلٌ عَمَّا بُهِتَ بِهِ، وَالْغَافِلَاتُ مُؤَخَّرٌ عَنِ الْمُؤْمِنَاتِ فِي الْحَدِيثِ عَكْسَ الْآيَةِ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ حَجَرٍ بِالْعَكْسِ وَفْقَ الْآيَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 171
٥٣ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ حِينَ يَغُلُّ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ; فَإِيَّاكُمْ إِيَّاكُمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٣ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يَزْنِي) بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ خَطًّا (الزَّانِي حِينَ يَزْنِي، وَهُوَ مُؤْمِنٌ) الْوَاوُ لِلْحَالِ، وَظَاهِرُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، وَأَصْحَابُنَا أَوَّلُوهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ فِي إِيمَانِهِ، أَوْ ذُو أَمْنٍ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوِ الْمُرَادُ الْمُؤْمِنُ الْمُطِيعُ لِلَّهِ، يُقَالُ: أَمِنَ لَهُ، إِذَا انْقَادَ وَأَطَاعَ، أَوْ مَعْنَاهُ الزَّجْرُ وَالْوَعِيدُ، أَوِ الْإِنْذَارُ لِمُرْتَكِبِ هَذِهِ الْكَبَائِرِ بِسُوءِ الْعَاقِبَةِ، إِذْ مُرْتَكِبُهَا لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ أَنْ يَقَعَ فِي الْكُفْرِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْإِيمَانِ، أَوْ أَنَّ الْإِيمَانَ إِذَا زَنَى الرَّجُلُ خَرَجَ مِنْهُ، وَكَانَ فَوْقَ رَأْسِهِ مِثْلَ الظُّلَّةِ، فَإِذَا انْقَلَعَ رَجَعَ إِلَيْهِ، وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ. وَقِيلَ: مَعْنَى مُؤْمِنٍ مُسْتَحٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْحَيَاءَ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ، فَلَوِ اسْتَحَى مِنْهُ وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ نَاظِرٌ لَمْ يَرْتَكِبْ هَذَا الْفِعْلَ الشَّنِيعَ، وَفِيهِ بَحْثٌ، إِذْ سُئِلَ الْجُنَيْدُ: أَيَزْنِي الْعَارِفُ؟ فَقَالَ: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا. مَعَ أَنَّ هَذَا يَرْجِعُ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ إِذَا انْتَفَى تِلْكَ الشُّعْبَةُ انْتَفَى كَمَالُ الْإِيمَانِ، لِأَنَّ الْكُلَّ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ جُزْئِهِ،
стр. 172
وَنَظِيرُهُ: لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ صِيَغَ الْأَفْعَالِ وَإِنْ كَانَتْ وَارِدَةً عَلَى طَرِيقِ الْإِخْبَارِ فَالْمُرَادُ مِنْهَا النَّهْيُ، وَيَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ رُوِيَ: " لَا يَزْنِ " بِحَذْفِ الْيَاءِ، وَ " لَا يَشْرَبِ " بِكَسْرِ الْبَاءِ تَوْفِيقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا سَبَقَ مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَالْأَعْمَالُ خَارِجَةٌ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] وَنَظَائِرُهُ. وَفِي حَمْلِهِ عَلَى النَّهْيِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ جَوَازُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَهُوَ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ كَقَوْلِ الطَّبِيبِ: لَا تَشْرَبِ اللَّبَنَ وَأَنْتَ مَحْمُومٌ، وَأَمَّا حَذْفُ الْيَاءِ فَإِنْ صَحَّ، فَهُوَ عَلَى أُسْلُوبِ لَا تَكْذِبْ وَأَنْتَ عَالِمٌ أَيْ أَنَّ كَذِبَكَ عَالِمًا أَفْحَشُ مِنْهُ غَيْرَ عَالِمٍ ( «وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) » أَيْ وَلَا يَشْرَبُ الشَّارِبُ الْخَمْرَ، وَكَذَا فِي غَيْرِهِ وَحُذِفَ، وَإِنْ كَانَ فَاعِلًا لِدَلَالَةِ الْمَقَامِ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ يَعُودُ إِلَى مُؤْمِنٍ. قَالَ الْمَالِكِيُّ: وَمِنْ حَذْفِ الْفَاعِلِ قَوْلُهُ ﵇: ( «وَلَا يَشْرَبُ، وَلَا يَنْتَهِبُ، وَلَا يَغُلُّ، وَلَا يَقْتُلُ» ) . أَيْ شَارِبٌ، وَنَاهِبٌ، وَغَالٌّ، وَقَاتِلٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٩] فِي قِرَاءَةِ هِشَامٍ أَيْ حَاسِبٌ، كَذَا نَقْلَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَوْلُهُ: غَالٌّ سَهْوٌ؛ إِذْ فَاعِلُهُ مَوْجُودٌ فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ أَحَدُكُمْ، وَقَوْلُهُ: قِرَاءَةُ هِشَامٍ يَعْنِي بِالْغَيْبَةِ فِي أَحَدِ وَجْهَيْهِ (وَلَا يَنْتَهِبُ) انْتَهَبَ وَنَهَبَ، إِذَا أَغَارَ عَلَى أَحَدٍ وَأَخَذَ مَالَهُ قَهْرًا (نُهْبَةً) بِالضَّمِّ: الْمَالُ الَّذِي يُنْتَهَبُ، فَهُوَ مَفْعُولٌ بِهِ، وَبِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ (يَرْفَعُ النَّاسُ) صِفَةُ نُهْبَةٍ (إِلَيْهِ) أَيْ إِلَى الْمُنْتَهِبِ (فِيهَا) أَيْ بِسَبَبِهَا وَلِأَجْلِهَا، أَوْ فِي حَالِ فِعْلِهَا أَوْ أَخْذِهَا (أَبْصَارَهُمْ) أَيْ تَعَجُّبًا مِنْ جَرَاءَتِهِ، أَوْ خَوْفًا مِنْ سَطْوَتِهِ، وَهُوَ مَفْعُولُ يَرْفَعُ (حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) وَالْمَعْنَى لَا يَأْخُذُ رَجُلٌ مَالَ قَوْمٍ قَهْرًا وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَيَتَضَرَّعُونَ لَدَيْهِ، وَيَبْكُونَ، وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى دَفْعِهِ - وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَإِنَّ هَذَا ظُلْمٌ عَظِيمٌ لَا يَلِيقُ بِحَالِ الْمُؤْمِنِ (وَلَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ) الْغُلُولُ: الْجِنَايَةُ أَوِ الْخِيَانَةُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَالْغِلُّ الْحِقْدُ، وَمُضَارِعُ الْأَوَّلِ بِالضَّمِّ وَهُوَ الْمُرَادُ، وَالثَّانِي بِالْكَسْرِ (حِينَ يَغِلُّ) أَيْ يَسْرِقُ شَيْئًا مِنْ غَنِيمَةٍ، أَوْ يَخُونُ فِي أَمَانَةٍ (وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَإِيَّاكُمْ إِيَّاكُمْ) نَصْبُهُ عَلَى التَّحْذِيرِ، وَالتَّكْرِيرُ تَوْكِيدٌ وَمُبَالَغَةٌ أَيْ أُحَذِّرُكُمْ مِنْ فِعْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) إِلَّا قَوْلَهُ: " وَلَا يَغُلُّ " فَإِنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ، كَذَا قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 173
٥٤ - وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «وَلَا يَقْتُلُ حِينَ يَقْتُلُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» . قَالَ عِكْرِمَةُ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ يُنْزَعُ الْإِيمَانُ؟ قَالَ: هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ثُمَّ أَخْرَجَهَا، فَإِنْ تَابَ عَادَ إِلَيْهِ هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَا يَكُونُ هَذَا مُؤْمِنًا تَامًّا، وَلَا يَكُونُ لَهُ نُورُ الْإِيمَانِ. هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ.
ــ
٥٤ - (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ زِيَادَةٌ ( «وَلَا يَقْتُلُ حِينَ يَقْتُلُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» ) قَالَ عِكْرِمَةُ) مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ (قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ يُنْزَعُ الْإِيمَانُ مِنْهُ؟ قَالَ: هَكَذَا) أَيْ تَفْسِيرُهُ (وَشَبَّكَ) أَوْ قَالَ: هَكَذَا وَفَعَلَ التَّشْبِيكَ، يَعْنِي جَمَعَ بَيْنَ قَوْلِهِ هَكَذَا وَفِعْلِ التَّشْبِيكِ (بَيْنَ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَهَا) تَعْبِيرٌ لِلْأَمْرِ الْمَعْنَوِيِّ بِالْمُدْرَكِ الْحِسِّيِّ؛ تَقْرِيبًا لِلْفَهْمِ (قَالَ) كَذَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ (فَإِنْ تَابَ عَادَ إِلَيْهِ هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْإِيمَانَ يَخْرَجُ عَنْ مُرْتَكِبِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ حِينَ الِارْتِكَابِ، وَلَا يَعُودُ إِلَيْهِ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ عَلَى قَوَاعِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ فَالتَّأْوِيلُ أَنَّ كَمَالَ الْإِيمَانِ وَنُورَهُ، وَثَمَرَتَهُ، وَنَتِيجَتَهُ مِنَ الْحَيَاءِ وَالْخَوْفِ، وَالرَّحْمَةِ، وَالشَّفَقَةِ، وَالدِّيَانَةِ - تُفَارِقُهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَالتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَيَنْصُرُهُ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَنَّ الْمَعْنَى يُنْزَعُ عَنْهُ اسْمُ الْمَدْحِ الَّذِي يُسَمَّى بِهِ أَوْلِيَاؤُهُ الْمُؤْمِنُونَ، وَيَسْتَحِقُّ اسْمَ الذَّمِّ فَيُقَالُ: سَارِقٌ، وَزَانٍ، وَفَاسِقٌ. (وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ الْبُخَارِيُّ (لَا يَكُونُ هَذَا مُؤْمِنًا تَامًّا) أَيْ كَامِلًا (وَلَا يَكُونُ لَهُ نُورُ الْإِيمَانِ) أَيْ بَهَاؤُهُ، وَبَهْجَتُهُ، وَضِيَاؤُهُ، وَثَمَرَتُهُ، وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ) فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَفِي رِوَايَةٍ وَقَوْلُهُ، وَقَالَ، وَكَذَا فِي قَوْلِهِ، وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ سَمَاجَةٌ لَا تَخْفَى، قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 174
٥٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ» ". زَادَ مُسْلِمٌ: " «وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ» "، ثُمَّ اتَّفَقَا: ( «إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» ".
ــ
٥٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ: وَعَنْهُ؛ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَوِ الْبُخَارِيِّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (آيَةُ الْمُنَافِقِ) أَيْ عَلَامَةُ نِفَاقِهِ الدَّالِّ عَلَى قُبْحِ نِيَّتِهِ وَفَسَادِ طَوِيَّتِهِ، وَأَصْلِهِ مَنْ يُظْهِرُ خِلَافَ مَا يُضْمِرُ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى مَنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيُبْطِنُ الْكُفْرَ (ثَلَاثٌ) أَيْ خِصَالٌ، وَالْآيَةُ: الْعَلَامَةُ، وَإِفْرَادُهَا إِمَّا عَلَى إِرَادَةِ الْجِنْسِ أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا آيَةٌ أَنَّ الْعَلَّامَةَ إِنَّمَا تَحْصُلُ بِاجْتِمَاعِ الثَّلَاثِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ بِلَفْظِ: عَلَامَاتُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ. فَإِنْ قِيلَ: ظَاهِرُ الْحَصْرِ فِي الثَّلَاثِ فَكَيْفَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ بِلَفْظِ: أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ. . . الْحَدِيثَ؟ أَجَابَ الْقُرْطُبِيُّ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ ﵊ اسْتَجَدَّ لَهُ الْعِلْمُ بِخِصَالِهِمْ مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ، وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: لَيْسَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ تَعَارُضٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدِّ الْخَصْلَةِ كَوْنُهَا عَلَامَةً عَلَى أَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ عَدَمِ الْحَصْرِ، فَإِنَّ لَفْظَهُ مِنْ عَلَامَةِ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ، فَيَكُونُ قَدْ أَخْبَرَ بِبَعْضِ الْعَلَامَاتِ فِي وَقْتٍ وَبَعْضَهَا فِي وَقْتٍ آخَرَ. (زَادَ مُسْلِمٌ: (وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى) التَّثْنِيَةُ لِلتَّكْرِيرِ وَالِاسْتِيعَابُ. أَيْ وَإِنْ عَمِلَ عَمَلَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَإِنْ صَلَّى، وَصَامَ، وَحَجَّ، وَاعْتَمَرَ، وَقَالَ إِنِّي مُسْلِمٌ. وَهَذَا الشَّرْطُ اعْتِرَاضٌ وَارِدٌ لِلْمُبَالَغَةِ لَا يَسْتَدْعِي الْجَوَابَ. (وَزَعَمَ) أَيِ ادَّعَى (أَنَّهُ مُسْلِمٌ) أَيْ كَامِلٌ (ثُمَّ اتَّفَقَا) أَيِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، فَقَالَا: (إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ) وَهُوَ أَقْبَحُ الثَّلَاثَةِ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ (وَإِذَا وَعَدَ) أَيْ أَخْبَرَ بِخَيْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إِذْ " وَعَدَ " يَغْلِبُ فِي الْخَيْرِ، وَ " أَوْعَدَ " فِي الشَّرِّ، وَأَيْضًا الْخُلْفُ فِي الْوَعِيدِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَإِنِّي إِذَا أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ... لِمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
(أَخْلَفَ) أَيْ جَعَلَ الْوَعْدَ خِلَافًا بِأَنْ لَمْ يَفِ بِوَعْدِهِ، وَوَجْهُ الْمُغَايِرَةِ بَيْنَ هَذِهِ وَمَا قَبْلَهَا أَنَّ الْإِخْلَافَ قَدْ يَكُونُ بِالْفِعْلِ، وَهُوَ غَيْرُ الْكَذِبِ الَّذِي هُوَ لَازِمُ التَّحْدِيثِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ؛ لِأَنَّ ذَمَّ الْإِخْلَافِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ تَضْمِينِهِ الْكَذِبَ الْمَذْمُومَ إِنْ عَزَمَ عَلَى الْإِخْلَافِ حَالَ الْوَعْدِ لَا إِنْ طَرَأَ لَهُ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ عَلَامَةَ النِّفَاقِ لَا يَلْزَمُ تَحْرِيمُهَا، إِذًا الْمَكْرُوهُ لِكَوْنِهِ يَجُرُّ إِلَى الْحَرَامِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَلَامَةً عَلَى الْمُحَرَّمِ، وَنَظِيرُهُ عَلَامَاتُ السَّاعَةِ، فَإِنَّ مِنْهَا مَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ (وَإِذَا اؤْتُمِنَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ جُعِلَ أَمِينًا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ: اتُّمِنَ، بِتَشْدِيدِ التَّاءِ لِقَلْبِ هَمْزَتِهِ الثَّانِيَةِ وَاوًا وَإِبْدَالِهَا وَإِدْغَامِ التَّاءِ فِي التَّاءِ اهـ.
وَلَعَلَّ هَذَا الْإِعْلَالَ قَبْلَ دُخُولِ إِذَا عَلَيْهِ، وَمَعَ هَذَا قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] قَرَأَ وَرْشٌ وَالسُّوسِيُّ " الَّذِي يَتَّمِنُ " بِقَلْبِ الْهَمْزَةِ يَاءً، وَقُرِئَ " وَالَّذِتُّمِنَ " بِإِدْغَامٍ، وَهُوَ خَطَأٌ لِأَنَّ الْمُنْقَلِبَةَ عَنِ الْهَمْزَةِ فِي حُكْمِهَا، فَلَا تُدْغَمُ اهـ.
وَلِذَا قَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْقُرَّاءِ: قِرَاءَةُ هَذَا بِالتَّشْدِيدِ مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ، فَالصَّحِيحُ فِي الرِّوَايَةِ هُنَا إِمَّا بِالْهَمْزَةِ السَّاكِنَةِ أَوْ إِبْدَالِهَا أَلِفًا (خَانَ) وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَإِنَّمَا خَصَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ بِالذِّكْرِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْمُخَالَفَةِ الَّتِي هِيَ عَلَيْهَا مَبْنَى النِّفَاقِ مِنْ مُخَالَفَةِ السِّرِّ الْعَلَنَ، فَالْكَذِبُ الْإِخْبَارُ عَلَى خِلَافِ الْوَاقِعِ، وَحَقُّ الْأَمَانَةِ أَنْ تُؤَدَّى إِلَى أَهْلِهَا، فَالْخِيَانَةُ مُخَالَفَةٌ لَهَا، وَإِخْلَافُ الْوَعْدِ ظَاهِرٌ؛ وَلِهَذَا صَرَّحَ بِـ " أَخْلَفَ ". فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ مُشْكِلٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ قَدْ تُوجَدُ فِي الْمُسْلِمِ الْمُجْمَعِ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ بِكُفْرِهِ، قُلْنَا: اللَّامُ فِي الْمُنَافِقِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ، فَهُوَ إِمَّا
стр. 175
عَلَى التَّشْبِيهِ لِنِفَاقِ الْعَمَلِ الَّذِي لَا يُنَافِي الْإِسْلَامَ بِنِفَاقِ الِاعْتِقَادِ الَّذِي يُنَافِيهِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا فِيهِ إِظْهَارٌ بِخِلَافِ مَا أَبْطَنَ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ الِاعْتِيَادُ؛ وَلِذَا قَيَّدَ هَذَا بِإِذَا الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّكْرَارِ يَعْنِي أَنَّ النِّفَاقَ الْعَمَلِيَّ إِذَا وَقَعَ كَثِيرًا بِحَيْثُ إِنَّهُ يَصِيرُ عَادَةً قَدْ يَجُرُّ إِلَى النِّفَاقِ الْحَقِيقِيِّ بِخِلَافِ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ هَذِهِ الْخِصَالُ، أَوْ بَعْضُهَا نَادِرًا، فَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْخِصَالُ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا لِيَنْزَجِرَ الْكُلُّ عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ عَلَى آكَدِ وَجْهٍ إِيذَانًا بِأَنَّهَا طَلَائِعُ النِّفَاقِ الَّذِي هُوَ أَسْمَجُ الْقَبَائِحِ؛ لِأَنَّهُ كُفْرٌ ضَمُّوا إِلَيْهِ الِاسْتِهْزَاءَ وَالْخِدَاعَ بِرَبِّ الْأَرْبَابِ، وَمُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ، فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا مُنَافِيَةٌ لِحَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَلَّا يَرْتَعَ حَوْلَهَا، فَإِنَّ مَنْ رَتَعَ حَوْلَ الْحَمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُنَافِقِ الْمُنَافِقُ الْعُرْفِيُّ، وَهُوَ مَنْ يُخَالِفُ سِرُّهُ عَلَنَهُ مُطْلَقًا، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ: خَالِصًا ; لِأَنَّ الْخِصَالَ الَّتِي يَتِمُّ بِهَا الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ السِّرِّ وَالْعَلَنِ لَا تَزِيدُ عَلَى هَذَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: حَصَلَ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ خَمْسُ خِصَالٍ، وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: إِذَا عَاهَدَ غَدَرَ دَاخِلٌ فِي إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ. وَبِاعْتِبَارِ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى ثَلَاثٍ بَلْ إِلَى وَاحِدَةٍ هِيَ أَقْبَحُهَا، وَهِيَ الْكَذِبُ، قِيلَ: لَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّهَا خَمْسَةٌ بِاعْتِبَارِ تَغَايُرِهَا عُرْفًا أَوْ تَغَايُرِ أَوْصَافِهَا وَلَوَازِمِهَا، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ثَمَّةَ ثَلَاثٌ، وَهُنَا أَرْبَعٌ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَعَلَى مُقَابِلِهِ الَّذِي صَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﷺ أَعْلَمَ بِالْوَحْيِ بِثَلَاثٍ، ثُمَّ بِأَرْبَعٍ، أَوْ مَعْنَاهُ الْإِنْذَارُ وَالتَّحْذِيرُ مِنْ أَنْ يَعْتَادَ هَذِهِ الْخِصَالَ فَتُفْضِي بِهِ إِلَى النِّفَاقِ الْخَالِصِ، وَإِمَّا لِلْعَهْدِ إِمَّا مِنْ مُنَافِقِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِمَّا مِنْ مُنَافِقٍ خَاصٍّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالنِّفَاقِ هُوَ النِّفَاقُ الْعَمَلِيُّ لَا الْإِيمَانِيُّ، أَوِ الْمُرَادُ النِّفَاقُ الْعُرْفِيُّ، وَهُوَ مَا يَكُونُ سِرُّهُ خِلَافَ عَلَنِهِ، وَاسْتُحْسِنَ هَذَا؛ لِأَنَّ النِّفَاقَ الشَّرْعِيَّ وَهُوَ الِاعْتِقَادِيُّ الَّذِي هُوَ إِبِطَانُ الْكُفْرِ وَإِظْهَارُ الْإِسْلَامِ، وَعُرْفِيٌّ وَهُوَ الْعَمَلِيُّ الَّذِي هُوَ إِبِطَانُ الْمَعْصِيَةِ وَإِظْهَارُ الطَّاعَةِ، فَإِرَادَتُهُ هُنَا أَوْلَى. وَإِطْلَاقُ النِّفَاقِ عَلَى الْعَمَلِيِّ كَإِطْلَاقِ الْكُفْرِ عَلَى بَعْضِ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ ﵊: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» ) . وَأَبَى الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ مَرَّةً هَذَا الْإِطْلَاقَ، وَمَرَّةً قَالَ بِهِ، فَسَمَّى صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ مُنَافِقًا، وَيُحْكَى أَنَّهُ رَجَعَ عَنِ الْأَوَّلِ لَمَّا أَرْسَلَ لَهُ عَطَاءٌ إِذْ بَلَغَهُ عَنْهُ ذَلِكَ أَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وُجِدَتْ فِيهِمْ تِلْكَ الثَّلَاثَةُ أَفَتَرَاهُمْ مُنَافِقِينَ؟ فَسُرَّ بِمَا نَبَّهَهُ عَلَيْهِ عَطَاءٌ، وَرُوِيَ «أَنَّ مُقَاتِلًا قَالَ لِابْنِ جُبَيْرٍ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَفْسَدَ عَلَيَّ مَعِيشَتِي لِأَنِّي أَظُنُّ أَلَّا أَسْلَمَ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ أَوْ بَعْضِهَا، فَضَحِكَ وَقَالَ: قَدْ أَهَمَّنِي ذَلِكَ. فَسَأَلْتُ عَنْهُ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ فَضَحِكَا وَقَالَا: أَهَمَّنَا ذَلِكَ. فَسَأَلْنَا عَنْهُ النَّبِيَّ ﷺ فَضَحِكَ فَقَالَ: (مَا لَكُمْ وَمَا لَهُنَّ) ! أَمَّا قَوْلَيْ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ فَذَلِكَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ، ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] ، وَأَمَّا إِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ فَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٧] الْآيَةَ. وَأَمَّا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ فَذَلِكَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] الْآيَةَ، وَأَنْتُمْ بُرَآءُ مِنْ ذَلِكَ» . قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَا ذُكِرَ فِي أَوْلَادِ يَعْقُوبَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ غَيْرُ أَنْبِيَاءَ، أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ أَنْبِيَاءُ فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ مَا صَدَرَ مِنْهُمْ بِحَمْلِهِ عَلَى مُحَامِلِ التَّجَوُّزَاتِ وَالْكِنَايَاتِ الَّتِي تَقْتَضِي عَدَمَ وُقُوعِ حَقَائِقِ ذَلِكَ مِنْهُمْ؛ إِذِ الْأَنْبِيَاءُ مَعْصُومُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا عَنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَصِغَارِهَا، وَلَوْ سَهْوًا عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُونَ عَلَى خِلَافِهِ، وَيُؤَيِّدُ الْقَوْلُ بِنُبُوَّتِهِمْ بَلْ يَصِحُّ بِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦] وَهُمْ - أَعْنِي الْأَسْبَاطَ - أَوْلَادُ يَعْقُوبَ، فَالْآيَةُ مُصَرِّحَةٌ بِوُجُوبِ الْإِيمَانِ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ، وَيَلْزَمُ مِنَ الْإِنْزَالِ إِلَيْهِمْ نُبُوَّتُهُمْ كُلُّهُمُ اهـ.
стр. 176
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ السِّبْطَ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْعُرْفِ وَاللُّغَةِ وَلَدُ الْوَلَدِ، فَفِي الْقَامُوسِ: السِّبْطُ - بِالْكَسْرِ - وَلَدُ الْوَلَدِ، وَالْقَبِيلَةُ مِنَ الْيَهُودِ، جَمْعُهُ أَسْبَاطٌ، وَفِي النِّهَايَةِ الْأَسْبَاطُ فِي أَوْلَادِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بِمَنْزِلَةِ الْقَبَائِلِ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَأَحَدُهُمْ سِبْطٌ، فَهُوَ وَاقِعٌ عَلَى أُمَّةٍ اهـ. وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْإِنْزَالِ إِلَيْهِمْ أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ أَنْبِيَاءَ، إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ نَبِيًّا، وَالْبَاقُونَ مَأْمُورُونَ بِاتِّبَاعِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] ثُمَّ عَلَى ثُبُوتِ نُبُوَّتِهِمْ جَمِيعًا وَعَدَمِ تَجْوِيزِ الصَّغِيرَةِ وَلَوْ سَهْوًا يَنْسَدُّ بَابُ تَأْوِيلِ مَا صَدَرَ مِنْهُمْ مِنَ الْعُقُوقِ، وَقَطْعِ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَبَيْعِ الْحُرِّ، وَقَوْلِهِمْ: ﴿أَكْلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٤] وَوَعْدِهِمْ بِالْحِفْظِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢] وَإِتْيَانِهِمْ عِشَاءً يَبْكُونَ إِظْهَارًا لِلْحُزْنِ، وَقَوْلِهِمْ: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ [يوسف: ١١] وَقَوْلِهِمْ: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩] وَطَرْحُهُمْ إِيَّاهُ فِي الْبِئْرِ مَعَ أَنَّ تَأْوِيلَهَا يُخَالِفُهُ أَقْوَالُ السَّلَفِ مِنْ إِلْزَامِ عَطَاءٍ وَالْتِزَامِ الْحَسَنِ. فَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ تَجْوِيزُ وُقُوعِ الْكَبَائِرِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سَهْوًا وَالصَّغَائِرِ عَمْدًا بَعْدَ الْوَحْيِ، وَأَمَّا قَبْلَ الْوَحْيِ فَلَا دَلِيلَ عَلَى امْتِنَاعِ صُدُورِ الْكَبِيرَةِ، وَذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ إِلَى امْتِنَاعِهَا، وَنَفَتِ الشِّيعَةُ صُدُورَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ قَبْلَ الْوَحْيِ وَبَعْدَهُ.
стр. 177
٥٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٦ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَرْبَعٌ) أَيْ خِصَالٌ أَرْبَعٌ، أَوْ أَرْبَعٌ مِنَ الْخِصَالِ، فَسَاغَ الِابْتِدَاءُ بِهِ (مَنْ كُنَّ فِيهِ) قِيلَ بِتَأْوِيلِ اعْتِقَادِ اسْتِحْلَالِهِنَّ (كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا) وَيُمْكِنُ أَلَّا يَجْتَمِعْنَ فِي مُؤْمِنٍ خُصُوصًا عَلَى وَجْهِ الِاعْتِيَادِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ) أَيْ مِنْ تِلْكَ الْخِصَالِ الْأَرْبَعِ (كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا) أَيْ يَتْرُكَهَا (إِذَا اؤْتُمِنَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ وُضِعَ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ (خَانَ) أَيْ بِالتَّصَرُّفِ غَيْرِ الشَّرْعِيِّ (وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ) أَيْ عَمْدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ (وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ) أَيْ يَنْقُضُ الْعَهْدَ ابْتِدَاءً، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِذَا حَالَفَ تَرَكَ الْوَفْدَ (وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ) أَيْ شَتَمَ وَرَمَى بِالْأَشْيَاءِ الْقَبِيحَةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الْخِصَالُ وَاسْتَمَرَّتْ فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَكُونَ مُنَافِقًا، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الْمَفْتُونُ بِهَا فَإِنَّهُ لَا يُصِرُّ عَلَيْهَا، وَإِنْ وُجِدَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهَا عَدِمَ الْأُخْرَى، قِيلَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كَالْمُنَافِقِ بِحَذْفِ أَدَاةِ التَّشْبِيهِ مِثْلَ " زَيْدٌ أَسَدٌ "، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُخْتَصًّا بِأَهْلِ زَمَانِهِ، فَإِنَّهُ ﵊ عَرَفَ بِنُورِ الْوَحْيِ بَوَاطِنَ أَحْوَالِهِمْ، وَمَيَّزَ بَيْنَ مَنْ آمَنَ بِهِ صِدْقًا وَمَنْ أَذْعَنَ لَهُ نِفَاقًا، وَأَرَادَ اطِّلَاعَ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِمْ لِيَحْذَرُوا مِنْهُمْ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِأَسْمَائِهِمْ؛ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَتُوبُ، فَلَمْ يَفْضَحْهُمْ بَيْنَ النَّاسِ؛ وَلِأَنَّ تَرْكَ التَّصْرِيحِ أَوْقَعُ فِي النَّصِيحَةِ، وَأَدَلُّ عَلَى الشَّفَقَةِ، وَأَجْلَبُ إِلَى الدَّعْوَةِ إِلَى الْإِيمَانِ، وَأَبْعَدُ عَنِ النُّفُورِ وَالْمُخَاصَمَةِ وَالِالْتِحَاقِ بِالْمُخَالِفِينَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَلَفْظُهُمْ: ( «إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» ) .
стр. 178
٥٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَالشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغُنْمَيْنِ تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٧ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَثَلُ الْمُنَافِقِ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ صِفَتُهُ الْعَجِيبَةُ الشَّأْنُ (كَالشَّاةِ الْعَائِرَةِ) أَيِ الطَّالِبَةِ لِلْفَحْلِ الْمُتَرَدِّدَةِ، مِنْ " عَارَ " ذَهَبَ وَبَعُدَ (بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ) أَيِ الْقَطِيعَيْنِ فَإِنَّ الْغَنَمَ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا تَتْبَعُ (تَعِيرُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، أَيْ
стр. 179
تَنْفِرُ، وَتَشْرُدُ (إِلَى هَذِهِ) أَيِ الْقِطْعَةِ (مَرَّةً، وَإِلَى هَذِهِ) أَيِ الْقِطْعَةِ الْأُخْرَى (مَرَّةً) أُخْرَى؛ لِيَضْرِبَهَا فَحْلُهَا، فَلَا ثَبَاتَ لَهَا عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ أَسِيرَةُ شَهْوَتِهَا، وَهُوَ تَشْبِيهٌ مُرَكَّبٌ مَحْسُوسٌ بِمَعْنًى مَعْقُولٍ تَقْرِيبًا إِلَى فَهْمِ الْمُخَاطَبِ، فَشَبَّهَ تَرَدُّدَهُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ أَيِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَافِرِينَ تَبَعًا لِهَوَاهُ وَمُرَادَاتِهِ، وَقَصْدًا إِلَى شَهَوَاتِهِ - بِتَرَدُّدِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ الَّتِي لَا تَسْتَقِرُّ عَلَى حَالٍ، وَبِذَلِكَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣] . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَزَادَ: لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا تَتْبَعُ.
стр. 180
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٨ - «عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: لَا تَقُلْ: نَبِيٌّ، إِنَّهُ لَوْ سَمِعَكَ لَكَانَ لَهُ أَرْبَعُ أَعْيُنٍ. فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ، وَلَا تَسْحَرُوا، وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا، وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً، وَلَا تُوَلُّوا لِلْفِرَارِ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً - الْيَهُودَ - أَنْ لَا تَعْتَدُوا فِي السَّبْتِ ". قَالَ: فَقَبَّلَا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ. قَالَ: " فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَتَّبَعُونِي؟ ". قَالَا: إِنَّ دَاوُدَ ﵇ دَعَا رَبَّهُ أَنْ لَا يَزَالَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ، وَإِنَّا نَخَافُ إِنْ تَبِعْنَاكَ أَنْ تَقْتُلَنَا الْيَهُودُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٨ - (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ) بِالْمُهْمَلَتَيْنِ وَتَشْدِيدِ الثَّانِيَةِ، هُوَ الْمُرَادِيُّ، وَسَكَنَ الْكُوفَةَ، وَحَدِيثُهُ فِيهِمْ ﵁ قَالَ: قَالَ يَهُودِيٌّ) أَيْ أَحَدٌ مِنَ الْيَهُودِ (لِصَاحِبِهِ) مِنَ الْيَهُودِ (اذْهَبْ بِنَا) الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ أَوِ التَّعْدِيَةِ (إِلَى هَذَا النَّبِيِّ) أَيْ لِنَسْأَلَهُ عَنْ مَسَائِلَ (فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: لَا تَقُلْ) أَيْ لَهُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (نَبِيٌّ) أَيْ هُوَ نَبِيٌّ (إِنَّهُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ اسْتِئْنَافٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ أَيْ لِأَنَّ النَّبِيَّ (لَوْ سَمِعَكَ) أَيْ سُمِعَ قَوْلُكَ إِلَى هَذَا النَّبِيِّ (لَكَانَ لَهُ أَرْبَعُ أَعْيُنٍ) أَيْ يَسُرُّ بِقَوْلِكَ هَذَا النَّبِيَّ سُرُورًا يَمُدُّ الْبَاصِرَةَ فَيَزْدَادُ بِهِ نُورًا عَلَى نُورٍ، كَذِي عَيْنَيْنِ أَصْبَحَ يُبْصِرُ بِأَرْبَعٍ، فَإِنَّ الْفَرَحَ يَمُدُّ الْبَاصِرَةَ، كَمَا أَنَّ الْهَمَّ وَالْحُزْنَ يُخِلُّ بِهَا؛ وَلِذَا يُقَالُ لِمَنْ أَحَاطَتْ بِهِ الْهُمُومُ: أَظْلَمَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا (فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَاهُ) أَيِ امْتِحَانًا (عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) أَيْ وَاضِحَاتٍ، وَالْآيَةُ: الْعَلَامَةُ الظَّاهِرَةُ، تُسْتَعْمَلُ فِي الْمَحْسُوسَاتِ كَعَلَامَةِ الطَّرِيقِ، وَالْمَعْقُولَاتِ كَالْحُكْمِ الْوَاضِحِ وَالْمَسْأَلَةِ الْوَاضِحَةِ، فَيُقَالُ لِكُلِّ مَا تَتَفَاوَتُ فِيهِ الْمَعْرِفَةُ بِحَسَبِ التَّفَكُّرِ فِيهِ وَالتَّأَمُّلِ، وَحَسَبِ مَنَازِلِ النَّاسِ فِي الْعِلْمِ: آيَةٌ وَلِلْمُعْجِزَةِ آيَةٌ، وَلِكُلِّ جُمْلَةٍ دَالَّةٍ عَلَى حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ آيَةٌ، وَلِكُلِّ كَلَامٍ مُنْفَصِلٍ بِفَصْلٍ لَفْظِيٍّ آيَةٌ، وَالْمُرَادُ بِالْآيَاتِ هَاهُنَا إِمَّا الْمُعْجِزَاتُ التِّسْعُ وَهِيَ: الْعَصَا، وَالْيَدُ، وَالطُّوفَانُ، وَالْجَرَادُ، وَالْقُمَّلُ، وَالضَّفَادِعُ، وَالدَّمُ، وَالسُّنُونُ، وَنَقْصٌ مِنَ الثَّمَرَاتِ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: لَا تُشْرِكُوا، كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ ذَكَرَهُ عَقِيبَ الْجَوَابِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّاوِي الْجَوَابَ اسْتِغْنَاءً بِمَا فِي الْقُرْآنِ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي خَبَرِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُمَا سَأَلَاهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ يَعْنِي: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] وَأَمَّا الْأَحْكَامُ الْعَامَّةُ الشَّامِلَةُ لِلْمِلَلِ الثَّابِتَةِ فِي كُلِّ الشَّرَائِعِ، وَبَيَانُهَا مَا بَعْدَهَا، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى حَالِ مَنْ يَتَعَاطَى مُتَعَلِّقَهَا فِي الْآخِرَةِ مِنَ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ، وَقَوْلُهُ: وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً، حُكْمٌ مُسْتَأْنَفٌ زَائِدٌ عَلَى الْجَوَابِ؛ وَلِذَا غَيَّرَ السِّيَاقَ ( «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ» ) أَيْ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ (شَيْئًا) مِنَ الْأَشْيَاءِ، أَوِ الْإِشْرَاكِ ( «وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ» ) سَبَقَ (وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ) بِهَمْزَةٍ وَإِدْغَامٍ أَيْ بِمُتَبَرِّئٍ مِنَ الْإِثْمِ. الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ لَا تَسْعَوْا، وَلَا تَتَكَلَّمُوا بِسُوءٍ فِيمَنْ لَيْسَ لَهُ ذَنْبٌ (إِلَى ذِي سُلْطَانٍ) أَيْ صَاحِبِ قُوَّةٍ، وَقُدْرَةٍ، وَغَلَبَةٍ، وَشَوْكَةٍ (لِيَقْتُلَهُ) يَعْنِي كَيْ لَا يَقْتُلَهُ مَثَلًا (وَلَا تَسْحَرُوا) بِفَتْحِ الْحَاءِ، فَإِنَّ بَعْضَ أَنْوَاعِهِ كُفْرٌ، وَبَعْضُهَا فِسْقٌ (وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا) فَإِنَّهُ سُحْقٌ وَمَحْقٌ (وَلَا تَقْذِفُوا) بِكَسْرِ الذَّالِ (مُحْصَنَةً) بِفَتْحِ الصَّادِ
следующие страницы →