← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ السِّبْطَ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْعُرْفِ وَاللُّغَةِ وَلَدُ الْوَلَدِ، فَفِي الْقَامُوسِ: السِّبْطُ - بِالْكَسْرِ - وَلَدُ الْوَلَدِ، وَالْقَبِيلَةُ مِنَ الْيَهُودِ، جَمْعُهُ أَسْبَاطٌ، وَفِي النِّهَايَةِ الْأَسْبَاطُ فِي أَوْلَادِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بِمَنْزِلَةِ الْقَبَائِلِ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَأَحَدُهُمْ سِبْطٌ، فَهُوَ وَاقِعٌ عَلَى أُمَّةٍ اهـ. وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْإِنْزَالِ إِلَيْهِمْ أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ أَنْبِيَاءَ، إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ نَبِيًّا، وَالْبَاقُونَ مَأْمُورُونَ بِاتِّبَاعِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] ثُمَّ عَلَى ثُبُوتِ نُبُوَّتِهِمْ جَمِيعًا وَعَدَمِ تَجْوِيزِ الصَّغِيرَةِ وَلَوْ سَهْوًا يَنْسَدُّ بَابُ تَأْوِيلِ مَا صَدَرَ مِنْهُمْ مِنَ الْعُقُوقِ، وَقَطْعِ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَبَيْعِ الْحُرِّ، وَقَوْلِهِمْ: ﴿أَكْلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٤] وَوَعْدِهِمْ بِالْحِفْظِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢] وَإِتْيَانِهِمْ عِشَاءً يَبْكُونَ إِظْهَارًا لِلْحُزْنِ، وَقَوْلِهِمْ: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ [يوسف: ١١] وَقَوْلِهِمْ: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩] وَطَرْحُهُمْ إِيَّاهُ فِي الْبِئْرِ مَعَ أَنَّ تَأْوِيلَهَا يُخَالِفُهُ أَقْوَالُ السَّلَفِ مِنْ إِلْزَامِ عَطَاءٍ وَالْتِزَامِ الْحَسَنِ. فَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ تَجْوِيزُ وُقُوعِ الْكَبَائِرِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سَهْوًا وَالصَّغَائِرِ عَمْدًا بَعْدَ الْوَحْيِ، وَأَمَّا قَبْلَ الْوَحْيِ فَلَا دَلِيلَ عَلَى امْتِنَاعِ صُدُورِ الْكَبِيرَةِ، وَذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ إِلَى امْتِنَاعِهَا، وَنَفَتِ الشِّيعَةُ صُدُورَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ قَبْلَ الْوَحْيِ وَبَعْدَهُ.

стр. 177

٥٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٦ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَرْبَعٌ) أَيْ خِصَالٌ أَرْبَعٌ، أَوْ أَرْبَعٌ مِنَ الْخِصَالِ، فَسَاغَ الِابْتِدَاءُ بِهِ (مَنْ كُنَّ فِيهِ) قِيلَ بِتَأْوِيلِ اعْتِقَادِ اسْتِحْلَالِهِنَّ (كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا) وَيُمْكِنُ أَلَّا يَجْتَمِعْنَ فِي مُؤْمِنٍ خُصُوصًا عَلَى وَجْهِ الِاعْتِيَادِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ) أَيْ مِنْ تِلْكَ الْخِصَالِ الْأَرْبَعِ (كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا) أَيْ يَتْرُكَهَا (إِذَا اؤْتُمِنَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ وُضِعَ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ (خَانَ) أَيْ بِالتَّصَرُّفِ غَيْرِ الشَّرْعِيِّ (وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ) أَيْ عَمْدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ (وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ) أَيْ يَنْقُضُ الْعَهْدَ ابْتِدَاءً، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِذَا حَالَفَ تَرَكَ الْوَفْدَ (وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ) أَيْ شَتَمَ وَرَمَى بِالْأَشْيَاءِ الْقَبِيحَةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الْخِصَالُ وَاسْتَمَرَّتْ فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَكُونَ مُنَافِقًا، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الْمَفْتُونُ بِهَا فَإِنَّهُ لَا يُصِرُّ عَلَيْهَا، وَإِنْ وُجِدَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهَا عَدِمَ الْأُخْرَى، قِيلَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كَالْمُنَافِقِ بِحَذْفِ أَدَاةِ التَّشْبِيهِ مِثْلَ " زَيْدٌ أَسَدٌ "، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُخْتَصًّا بِأَهْلِ زَمَانِهِ، فَإِنَّهُ ﵊ عَرَفَ بِنُورِ الْوَحْيِ بَوَاطِنَ أَحْوَالِهِمْ، وَمَيَّزَ بَيْنَ مَنْ آمَنَ بِهِ صِدْقًا وَمَنْ أَذْعَنَ لَهُ نِفَاقًا، وَأَرَادَ اطِّلَاعَ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِمْ لِيَحْذَرُوا مِنْهُمْ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِأَسْمَائِهِمْ؛ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَتُوبُ، فَلَمْ يَفْضَحْهُمْ بَيْنَ النَّاسِ؛ وَلِأَنَّ تَرْكَ التَّصْرِيحِ أَوْقَعُ فِي النَّصِيحَةِ، وَأَدَلُّ عَلَى الشَّفَقَةِ، وَأَجْلَبُ إِلَى الدَّعْوَةِ إِلَى الْإِيمَانِ، وَأَبْعَدُ عَنِ النُّفُورِ وَالْمُخَاصَمَةِ وَالِالْتِحَاقِ بِالْمُخَالِفِينَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَلَفْظُهُمْ: ( «إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» ) .

стр. 178

٥٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَالشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغُنْمَيْنِ تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٧ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَثَلُ الْمُنَافِقِ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ صِفَتُهُ الْعَجِيبَةُ الشَّأْنُ (كَالشَّاةِ الْعَائِرَةِ) أَيِ الطَّالِبَةِ لِلْفَحْلِ الْمُتَرَدِّدَةِ، مِنْ " عَارَ " ذَهَبَ وَبَعُدَ (بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ) أَيِ الْقَطِيعَيْنِ فَإِنَّ الْغَنَمَ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا تَتْبَعُ (تَعِيرُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، أَيْ

стр. 179

تَنْفِرُ، وَتَشْرُدُ (إِلَى هَذِهِ) أَيِ الْقِطْعَةِ (مَرَّةً، وَإِلَى هَذِهِ) أَيِ الْقِطْعَةِ الْأُخْرَى (مَرَّةً) أُخْرَى؛ لِيَضْرِبَهَا فَحْلُهَا، فَلَا ثَبَاتَ لَهَا عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ أَسِيرَةُ شَهْوَتِهَا، وَهُوَ تَشْبِيهٌ مُرَكَّبٌ مَحْسُوسٌ بِمَعْنًى مَعْقُولٍ تَقْرِيبًا إِلَى فَهْمِ الْمُخَاطَبِ، فَشَبَّهَ تَرَدُّدَهُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ أَيِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَافِرِينَ تَبَعًا لِهَوَاهُ وَمُرَادَاتِهِ، وَقَصْدًا إِلَى شَهَوَاتِهِ - بِتَرَدُّدِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ الَّتِي لَا تَسْتَقِرُّ عَلَى حَالٍ، وَبِذَلِكَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣] . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَزَادَ: لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا تَتْبَعُ.

стр. 180

الْفَصْلُ الثَّانِي ٥٨ - «عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: لَا تَقُلْ: نَبِيٌّ، إِنَّهُ لَوْ سَمِعَكَ لَكَانَ لَهُ أَرْبَعُ أَعْيُنٍ. فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ، وَلَا تَسْحَرُوا، وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا، وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً، وَلَا تُوَلُّوا لِلْفِرَارِ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً - الْيَهُودَ - أَنْ لَا تَعْتَدُوا فِي السَّبْتِ ". قَالَ: فَقَبَّلَا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ. قَالَ: " فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَتَّبَعُونِي؟ ". قَالَا: إِنَّ دَاوُدَ ﵇ دَعَا رَبَّهُ أَنْ لَا يَزَالَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ، وَإِنَّا نَخَافُ إِنْ تَبِعْنَاكَ أَنْ تَقْتُلَنَا الْيَهُودُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. الْفَصْلُ الثَّانِي ٥٨ - (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ) بِالْمُهْمَلَتَيْنِ وَتَشْدِيدِ الثَّانِيَةِ، هُوَ الْمُرَادِيُّ، وَسَكَنَ الْكُوفَةَ، وَحَدِيثُهُ فِيهِمْ ﵁ قَالَ: قَالَ يَهُودِيٌّ) أَيْ أَحَدٌ مِنَ الْيَهُودِ (لِصَاحِبِهِ) مِنَ الْيَهُودِ (اذْهَبْ بِنَا) الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ أَوِ التَّعْدِيَةِ (إِلَى هَذَا النَّبِيِّ) أَيْ لِنَسْأَلَهُ عَنْ مَسَائِلَ (فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: لَا تَقُلْ) أَيْ لَهُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (نَبِيٌّ) أَيْ هُوَ نَبِيٌّ (إِنَّهُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ اسْتِئْنَافٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ أَيْ لِأَنَّ النَّبِيَّ (لَوْ سَمِعَكَ) أَيْ سُمِعَ قَوْلُكَ إِلَى هَذَا النَّبِيِّ (لَكَانَ لَهُ أَرْبَعُ أَعْيُنٍ) أَيْ يَسُرُّ بِقَوْلِكَ هَذَا النَّبِيَّ سُرُورًا يَمُدُّ الْبَاصِرَةَ فَيَزْدَادُ بِهِ نُورًا عَلَى نُورٍ، كَذِي عَيْنَيْنِ أَصْبَحَ يُبْصِرُ بِأَرْبَعٍ، فَإِنَّ الْفَرَحَ يَمُدُّ الْبَاصِرَةَ، كَمَا أَنَّ الْهَمَّ وَالْحُزْنَ يُخِلُّ بِهَا؛ وَلِذَا يُقَالُ لِمَنْ أَحَاطَتْ بِهِ الْهُمُومُ: أَظْلَمَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا (فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَاهُ) أَيِ امْتِحَانًا (عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) أَيْ وَاضِحَاتٍ، وَالْآيَةُ: الْعَلَامَةُ الظَّاهِرَةُ، تُسْتَعْمَلُ فِي الْمَحْسُوسَاتِ كَعَلَامَةِ الطَّرِيقِ، وَالْمَعْقُولَاتِ كَالْحُكْمِ الْوَاضِحِ وَالْمَسْأَلَةِ الْوَاضِحَةِ، فَيُقَالُ لِكُلِّ مَا تَتَفَاوَتُ فِيهِ الْمَعْرِفَةُ بِحَسَبِ التَّفَكُّرِ فِيهِ وَالتَّأَمُّلِ، وَحَسَبِ مَنَازِلِ النَّاسِ فِي الْعِلْمِ: آيَةٌ وَلِلْمُعْجِزَةِ آيَةٌ، وَلِكُلِّ جُمْلَةٍ دَالَّةٍ عَلَى حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ آيَةٌ، وَلِكُلِّ كَلَامٍ مُنْفَصِلٍ بِفَصْلٍ لَفْظِيٍّ آيَةٌ، وَالْمُرَادُ بِالْآيَاتِ هَاهُنَا إِمَّا الْمُعْجِزَاتُ التِّسْعُ وَهِيَ: الْعَصَا، وَالْيَدُ، وَالطُّوفَانُ، وَالْجَرَادُ، وَالْقُمَّلُ، وَالضَّفَادِعُ، وَالدَّمُ، وَالسُّنُونُ، وَنَقْصٌ مِنَ الثَّمَرَاتِ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: لَا تُشْرِكُوا، كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ ذَكَرَهُ عَقِيبَ الْجَوَابِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّاوِي الْجَوَابَ اسْتِغْنَاءً بِمَا فِي الْقُرْآنِ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي خَبَرِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُمَا سَأَلَاهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ يَعْنِي: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] وَأَمَّا الْأَحْكَامُ الْعَامَّةُ الشَّامِلَةُ لِلْمِلَلِ الثَّابِتَةِ فِي كُلِّ الشَّرَائِعِ، وَبَيَانُهَا مَا بَعْدَهَا، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى حَالِ مَنْ يَتَعَاطَى مُتَعَلِّقَهَا فِي الْآخِرَةِ مِنَ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ، وَقَوْلُهُ: وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً، حُكْمٌ مُسْتَأْنَفٌ زَائِدٌ عَلَى الْجَوَابِ؛ وَلِذَا غَيَّرَ السِّيَاقَ ( «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ» ) أَيْ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ (شَيْئًا) مِنَ الْأَشْيَاءِ، أَوِ الْإِشْرَاكِ ( «وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ» ) سَبَقَ (وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ) بِهَمْزَةٍ وَإِدْغَامٍ أَيْ بِمُتَبَرِّئٍ مِنَ الْإِثْمِ. الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ لَا تَسْعَوْا، وَلَا تَتَكَلَّمُوا بِسُوءٍ فِيمَنْ لَيْسَ لَهُ ذَنْبٌ (إِلَى ذِي سُلْطَانٍ) أَيْ صَاحِبِ قُوَّةٍ، وَقُدْرَةٍ، وَغَلَبَةٍ، وَشَوْكَةٍ (لِيَقْتُلَهُ) يَعْنِي كَيْ لَا يَقْتُلَهُ مَثَلًا (وَلَا تَسْحَرُوا) بِفَتْحِ الْحَاءِ، فَإِنَّ بَعْضَ أَنْوَاعِهِ كُفْرٌ، وَبَعْضُهَا فِسْقٌ (وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا) فَإِنَّهُ سُحْقٌ وَمَحْقٌ (وَلَا تَقْذِفُوا) بِكَسْرِ الذَّالِ (مُحْصَنَةً) بِفَتْحِ الصَّادِ

стр. 181

وَيُكْسَرُ، أَيْ لَا تَرْمُوا بِالزِّنَا عَفِيفَةً (وَلَا تُوَلُّوا لِلْفِرَارِ) أَيْ لِأَجْلِهِ، مِنَ التَّوَلِّي وَهُوَ الْإِعْرَاضُ وَالْإِدْبَارُ. أَصْلُهُ تَتَوَلَّوْا، فَحَذَفَ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَقِيلَ: بِضَمِّ التَّاءِ وَاللَّامِ، مِنْ وَلَّى تَوْلِيَةً إِذَا أَدْبَرَ أَيْ وَلَا تُوَلُّوا أَدْبَارَكُمْ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْفِرَارُ بِلَا لَامِ الْعِلَّةِ مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ. (يَوْمَ الزَّحْفِ) أَيِ الْحَرْبِ مَعَ الْكُفَّارِ (وَعَلَيْكُمْ) ظَرْفٌ وَقَعَ خَبَرًا مُقَدَّمًا (خَاصَّةً) مَنَّوْنًا حَالٌ، وَالْمُسْتَتِرُ فِي الظَّرْفِ الْعَائِدِ إِلَى الْمُبْتَدَأِ، أَيْ مَخْصُوصِينَ بِهَذِهِ الْعَاشِرَةِ، أَوْ حَالَ كَوْنِ عَدَمِ الِاعْتِدَاءِ مُخْتَصًّا بِكُمْ دُونَ غَيْرِكُمْ مِنَ الْمِلَلِ، أَوْ تَمْيِيزٌ، وَالْخَاصَّةُ ضِدُّ الْعَامَّةِ (الْيَهُودَ) نَصْبٌ عَلَى التَّخْصِيصِ وَالتَّفْسِيرِ، أَيْ أَعْنِي الْيَهُودَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَاصَّةً بِمَعْنَى خُصُوصًا، وَيَكُونُ الْيَهُودُ مَعْمُولًا لِفِعْلِهِ أَيْ: أَخُصُّ الْيَهُودَ خُصُوصًا، وَفِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ " يَهُودُ " مَضْمُومًا بِلَا لَامٍ عَلَى أَنَّهُ مُنَادَى، وَقَوْلُهُ: (أَنْ لَا تَعْتَدُوا) بِتَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ الْمُبْتَدَأُ مِنَ الْاعْتِدَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: أَنْ لَا تَعْدُوا بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ (فِي السَّبْتِ) أَيْ لَا تَتَجَاوَزُوا أَمْرَ اللَّهِ فِي تَعْظِيمِ السَّبْتِ بِأَنْ لَا تَصِيدُوا السَّمَكَ فِيهِ، وَقِيلَ: " عَلَيْكُمْ " اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى خُذُوا، وَ " أَنْ لَا تَعْتَدُوا " مَفْعُولُهُ، أَيِ الْزَمُوا تَرْكَ الِاعْتِدَاءِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ عَنِ الْآيَاتِ التِّسْعِ وَالْأَحْكَامِ الْعَامَّةِ جَمِيعًا، وَأَخْبَرُوا عَنْ إِحْدَاهَا، وَأَضْمَرُوا عَنْ أُخْرَاهَا عَلَى طَرِيقِ التَّوْرِيَةِ، فَأَجَابَهُمْ عَنِ الْأَمْرَيْنِ وَحَذَفَ الرَّاوِي الْأَوَّلَ، أَوْ أَجَابَهُمْ عَنِ الْمُشْكِلِ أَوِ الْمُضْمَرِ، وَتَرَكَ الْمَشْهُورَ إِمَّا لِظُهُورِهِ، أَوْ عَلَى أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ؛ وَلِذَا أَذْعَنَّا لَهُ فِي الظَّاهِرِ. (قَالَ) صَفْوَانُ (فَقَبَّلَا) أَيِ الْيَهُودِيَّانِ (يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ) ﷺ (وَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ) إِذْ هَذَا الْعِلْمُ مِنَ الْأُمِّيِّ مُعْجِزَةٌ، لَكِنْ نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ إِلَى الْعَرَبِ (قَالَ: (فَمَا يَمْنَعُكُمْ) فِيهِ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ، أَوِ الْمُرَادُ أَنْتُمَا وَقَوْمُكُمَا (أَنْ تَتَّبَعُونِي) بِتَشْدِيدِ التَّاءِ، وَقِيلَ: بِالتَّخْفِيفِ أَيْ مِنْ أَنْ تَقْبَلُوا نُبُوَّتِي بِالنِّسْبَةِ إِلَيْكُمْ وَتَتَّبَعُونِي فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ (قَالَا: إِنَّ دَاوُدَ ﵊ دَعَا رَبَّهُ أَنْ لَا يَزَالَ) أَيْ بِأَنْ لَا يَنْقَطِعَ (مِنْ ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ) إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَيَكُونُ مُسْتَجَابًا، فَيَكُونُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ وَيَتَّبِعُهُ الْيَهُودُ، وَرُبَّمَا يَكُونُ لَهُمُ الْغَلَبَةُ وَالشَّوْكَةُ (وَإِنَّا نَخَافُ إِنْ تَبِعْنَاكَ أَنْ تَقْتُلَنَا الْيَهُودُ) أَيْ فَإِنْ تَرَكْنَا دِينَهُمْ، وَاتَّبَعْنَاكَ لِقَتَلَنَا الْيَهُودُ إِذَا ظَهَرَ لَهُمْ نَبِيٌّ وَقُوَّةٌ، وَهَذَا افْتِرَاءٌ مَحْضٌ عَلَى دَاوُدَ ﵊ لِأَنَّهُ قَرَأَ فِي التَّوْرَاةِ وَالزَّبُورِ بَعْثَ مُحَمَّدٍ ﷺ النَّبِيِّ، وَأَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَأَنَّهُ يُنْسَخُ بِهِ الْأَدْيَانُ، فَكَيْفَ يَدْعُو بِخِلَافِ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ شَأْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ . وَلَئِنْ سَلِمَ فَعِيسَى مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَهُوَ نَبِيٌّ بَاقٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. (وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) وَكَذَا الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ عِلَّةٌ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.

стр. 182

٥٩ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «ثَلَاثٌ مِنْ أَصْلِ الْإِيمَانِ؛ الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، لَا تُكَفِّرْهُ بِذَنْبٍ، وَلَا تُخْرِجْهُ مِنَ الْإِسْلَامِ بِعَمَلٍ. وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُذْ بَعَثَنِيَ اللَّهُ إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الدَّجَّالَ، لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ، وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ. وَالْإِيمَانُ بِالْأَقْدَارِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٥٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ثَلَاثٌ) أَيْ خِصَالٌ (مِنْ أَصْلِ الْإِيمَانِ) أَيْ أَسَاسُهُ وَقَاعِدَتُهُ، إِحْدَاهَا أَوْ مِنْهَا ( «الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ) أَيْ الِامْتِنَاعُ عَنِ التَّعَرُّضِ بِأَهْلِ

стр. 183

الْإِسْلَامِ (لَا تُكَفِّرْهُ) بِالتَّاءِ نَهْيٌ، وَبِالنُّونِ نَفْيٌ، وَكَلَاهُمَا مَرْوِيٌّ، وَهُوَ بَيَانٌ لِلْكُفْرِ؛ وَلِذَا قَطَعَهُ عَنْهُ، وَالْإِكْفَارُ وَالتَّكْفِيرُ نِسْبَةُ أَحَدٍ إِلَى الْكُفْرِ (بِذَنْبٍ) أَيْ سِوَى الْكُفْرِ، وَلَوْ كَبِيرَةً خِلَافًا لِلْخَوَارِجِ (وَلَا تُخْرِجْهُ) بِالْوَجْهَيْنِ (مِنَ الْإِسْلَامِ بِعَمَلٍ) أَيْ وَلَوْ كَبِيرَةً سِوَى الْكُفْرِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي إِخْرَاجِ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ إِلَى مَنْزِلَةٍ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ (وَالْجِهَادُ مَاضٍ) أَيِ الْخَصْلَةُ الثَّانِيَةُ اعْتِقَادُ كَوْنِ الْجِهَادِ مَاضِيًا، أَوْ ثَانِيَتُهَا الْجِهَادُ، أَوِ الْجِهَادُ مِنْ أَصْلِ الْإِيمَانِ. وَمَاضٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُوَ مَاضٍ وَنَافِذٌ وَجَارٍ وَمُسْتَمِرٌّ (مُذْ) وَفِي نُسْخَةٍ بِالنُّونِ أَيْ مِنِ ابْتِدَاءِ زَمَانِ (بَعَثَنِي اللَّهُ) إِلَى الْمَدِينَةِ أَوْ بِالْجِهَادِ، فَمُذْ: حَرْفُ جَرٍّ، أَوْ أَوَّلُ مُدَّةِ نَفَاذِ الْجِهَادِ زَمَانَ بَعَثَنِي اللَّهُ، فَـ " مُذْ " مُبْتَدَأٌ، وَالزَّمَانُ الْمُقَدَّرُ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ آخِرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَاضٍ (إِلَى أَنَّ يُقَاتِلَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ) أَيْ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ، يَعْنِي عِيسَى أَوِ الْمَهْدِيَّ (الدَّجَّالَ) وَبَعْدَ قَتْلِ الدَّجَّالِ لَا يَكُونُ الْجِهَادُ بَاقِيًا، أَمَّا عَلَى يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ فَلِعَدَمِ الْقُدْرَةِ وَالطَّاقَةِ عَلَيْهِمْ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا وُجُوبَ عَلَيْهِمْ بِنَصِّ آيَةِ الْأَنْفَالِ، وَأَمَّا بَعْدَ إِهْلَاكِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كَافِرٌ مَا دَامَ عِيسَى ﵊ حَيًّا فِي الْأَرْضِ، وَأَمَّا عَلَى مَنْ كَفَرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ عِيسَى ﵊ فَلِمَوْتِ الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ عَنْ قَرِيبٍ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَبَقَاءِ الْكُفَّارِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَتَجِيءُ هَذِهِ الْحِكَايَةُ فِي ذِكْرِ الدَّجَّالِ (لَا يُبْطِلُهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ (جَوْرُ جَائِرٍ وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ) أَيْ لَا يُسْقِطُ الْجِهَادَ كَوْنُ الْإِمَامِ ظَالِمًا أَوْ عَادِلًا، وَهُوَ صِفَةُ مَاضٍ، أَوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ: ( «الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا» ) وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَبَعْضِ الْكَفَرَةِ، فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ دَوْلَةَ الْإِسْلَامِ تَنْقَرِضُ بَعْدَ أَيَّامٍ قَلَائِلَ، كَأَنَّهُ قِيلَ: الْجِهَادُ مَاضٍ، أَيْ أَعْلَامُ دَوْلَتِهِ مَنْشُورَةٌ، وَأَوْلِيَاءُ أُمَّتِهِ مَنْصُورَةٌ، وَأَعْدَاءُ مَلَّتِهِ مَقْهُورَةٌ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَلَعَلَّ مُحْيِيَ السُّنَّةِ أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَكَذَا الْحَدِيثُ السَّابِقُ، فَإِنَّ الْيَهُودِيَّيْنِ نَافَقَا بِقَوْلِهِمْ: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ، ثُمَّ قَوْلِهِمَا: إِنَّ دَاوُدَ ﵊ دَعَا رَبَّهُ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَقُولَا ذَلِكَ عَنِ اعْتِقَادٍ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِيهِ تَكْلَفٌ وَتَعَسُّفٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبَابَ مَوْضُوعٌ لِشَيْئَيْنِ؛ لِلْكَبَائِرِ، وَعَلَامَاتِ النِّفَاقِ، فَهَذَا الْحَدِيثُ مُنَاسَبَتُهُ لِلْكَبَائِرِ فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ كَمَا ظَهَرَ مِنْ مُخَالَفَةِ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَكَذَا الْجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَقَدْ يَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ، وَتَرْكُهُ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ السَّابِقُ فَفِيهِ الْآيَاتُ التِّسْعُ الَّتِي كُلُّهَا كَبَائِرُ، وَالْيَهُودِيَّانِ قَدْ صَرَّحَا بِثُبُوتِهِمَا عَلَى كُفْرِهِمَا، فَلَا يَكُونَانِ مُنَافِقَيْنِ، وَلَيْسَ تُوجَدُ دَلَالَةٌ فِي دُعَاءِ دَاوُدَ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَقُولَا ذَلِكَ عَنِ اعْتِقَادٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: مَعْنَى لَا يُبْطِلُهُ إِلَخْ: لَا يَجُوزُ تَرْكُ الْجِهَادِ بِأَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ ظَالِمًا بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْمُوَافَقَةُ فِيهِ، وَلَا بِأَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ عَادِلًا فَلَا يَخَافُونَ مِنَ الْكُفَّارِ، وَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الْغَنَائِمِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنَ الْجِهَادِ هُوَ إِعْلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ، فَاحْتِيجَ لِهَذَا نَفْيًا لِهَذَا التَّوَهُّمِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ شَأْنِ عَدْلِ الْعَادِلِ أَنَّهُ لَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ إِبْطَالُ الْجِهَادِ بَلْ تَقْوِيَتُهُ، وَلَمَّا نَظَرَ شَارِحٌ لِهَذَا قَالَ: تَتْمِيمٌ، وَإِلَّا فَعَدْلُ الْعَادِلِ لَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ إِبْطَالٌ. وَقِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ النَّفْيُ بِمَعْنَى النَّهْيِ (وَالْإِيمَانُ بِالْأَقْدَارِ) أَيِ الْخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ، أَوِ الْإِيمَانُ بِالْأَقْدَارِ مِنْ أَصْلِ الْإِيمَانِ، يَعْنِي بِأَنَّ جَمِيعَ مَا يَجْرِي فِي الْعَالِمِ هُوَ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ لِإِثْبَاتِهِمْ لِلْعِبَادِ الْقُدْرَةَ الْمُسْتَقِلَّةَ بِإِيجَادِ الْمَعْصِيَةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 184

٦٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا زَنَى الْعَبْدُ خَرَجَ مِنْهُ الْإِيمَانُ، فَكَانَ فَوْقَ رَأْسِهِ كَالظُّلَّةِ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ رَجَعَ إِلَيْهِ الْإِيمَانُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٦٠ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا زَنَى) أَيْ أَخَذَ وَشَرَعَ فِي الزِّنَا (الْعَبْدُ) أَيِ الْمُؤْمِنُ (خَرَجَ مِنْهُ الْإِيمَانُ) أَيْ نُورُهُ وَكَمَالُهُ أَوْ أَعْظَمُ شُعَبِهِ وَهُوَ الْحَيَاءُ مِنْ

стр. 185

اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ يَصِيرُ كَأَنَّهُ خَرَجَ؛ إِذْ لَا يَمْنَعُ إِيمَانُهُ عَنْ ذَلِكَ كَمَا لَا يَمْنَعُ مَنْ خَرَجَ مِنْهُ الْإِيمَانُ، أَوْ أَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّغْلِيظِ فِي الْوَعِيدِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذَا مِنْ بَابِ الزَّجْرِ وَالتَّهْدِيدِ، وَهُوَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ لِمَنِ اشْتُهِرَ بِالرُّجُولِيَّةِ وَالْمُرُوءَةِ ثُمَّ فَعَلَ مَا يُنَافِي شِيمَتَهُ: عُدِمَ عَنْهُ الرُّجُولِيَّةُ وَالْمُرُوءَةُ، تَعْيِيرًا وَتَنْكِيرًا لِيَنْتَهِيَ عَمَّا صَنَعَ، وَاعْتِبَارًا وَزَجْرًا لِلسَّامِعِينَ، وَلُطْفًا بِهِمْ وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الزِّنَا مِنْ شِيَمِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَأَعْمَالِهِمْ، فَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْمُتَنَافِيَيْنِ، وَفِي قَوْلِهِ ﷺ : (فَكَانَ فَوْقَ رَأْسِهِ كَالظُّلَّةِ) وَهُوَ أَوَّلُ سَحَابَةٍ تُظِلُّ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ وَإِنْ خَالَفَ حُكْمَ الْإِيمَانِ فَإِنَّهُ تَحْتَ ظِلِّهِ، لَا يَزُولُ عَنْهُ حُكْمُ الْإِيمَانِ، وَلَا يَرْتَفِعُ عَنْهُ اسْمُهُ (فَإِذَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ) قِيلَ: أَيْ بِالتَّوْبَةِ (رَجَعَ إِلَيْهِ الْإِيمَانُ) قِيلَ: هَذَا تَشْبِيهُ الْمَعْنَى بِالْمَحْسُوسِ بِجَامِعٍ مَعْنَوِيٍّ، وَهُوَ الْإِشْرَافُ عَلَى الزَّوَالِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ بِأَنَّ الْمُؤْمِنَ فِي حَالَةِ اشْتِغَالِهِ بِالْمَعْصِيَةِ يَصِيرُ كَالْفَاقِدِ لِلْإِيمَانِ، لَكِنْ لَا يَزُولُ حُكْمُهُ وَاسْمُهُ، بَلْ هُوَ بَعْدُ فِي ظِلِّ رِعَايَتِهِ، وَكَنَفِ بَرَكَتِهِ إِذَا نُصِبَ فَوْقَهُ كَالسَّحَابَةِ تُظِلُّهُ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ مَعْصِيَتِهِ عَادَ الْإِيمَانُ إِلَيْهِ، قُلْتُ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ فِي خَطَرٍ مِنَ الْكُفْرِ - نَعُوذُ بِاللَّهِ - لِأَنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ مَا قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِعَدَمِ رُجُوعِ الْإِيمَانِ إِلَيْهِ؛ وَلِذَا قَالُوا: الْمَعَاصِي بَرِيدُ الْكُفْرِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ تَعْلِيقًا (وَأَبُو دَاوُدَ) وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا، وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ.

стр. 186

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٦١ - عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: «أَوْصَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَشْرِ كَلِمَاتٍ، قَالَ: " لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَإِنْ قُتِلْتَ وَحُرِّقْتُ، وَلَا تَعُقَّنَّ وَالِدَيْكَ وَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ، وَلَا تَتْرُكَنَّ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا؛ فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ، وَلَا تَشْرَبَنَّ خَمْرًا فَإِنَّهُ رَأَسَ كُلِّ فَاحِشَةٍ، وَإِيَّاكَ وَالْمَعْصِيَةَ؛ فَإِنَّ بِالْمَعْصِيَةِ حَلَّ سَخْطُ اللَّهِ، وَإِيَّاكَ وَالْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ، وَإِنْ هَلَكَ النَّاسُ، وَإِذَا أَصَابَ النَّاسَ مَوْتٌ وَأَنْتَ فِيهِمْ فَاثْبُتْ، (أَنْفِقْ عَلَى عِيَالِكَ مِنْ طَوْلِكَ، وَلَا تَرْفَعْ عَنْهُمْ عَصَاكَ أَدَبًا وَأَخِفْهُمْ فِي اللَّهِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٦١ - (عَنْ مُعَاذٍ) ﵁ (قَالَ: أَوْصَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ أَمَرَنِي (بِعَشْرِ كَلِمَاتٍ) بِعَشَرَةِ أَحْكَامٍ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي لِأَعْمَلَ بِهَا وَأُعَلِّمَهَا النَّاسَ (قَالَ: (لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا) أَيْ بِقَلْبِكَ، أَوْ بِلِسَانِكَ أَيْضًا، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ (وَإِنْ قُتِلْتَ وَحُرِّقْتَ) أَيْ وَإِنْ عُرِّضْتَ لِلْقَتْلِ وَالتَّحْرِيقِ، شَرْطٌ جِيءَ بِهِ لِلْمُبَالَغَةِ، فَلَا يُطْلَبُ جَوَابًا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: شَرْطٌ لِلْمُبَالَغَةِ بِاعْتِبَارِ الْأَكْمَلِ مِنْ صَبْرِ الْمُكْرَهِ عَلَى الْكُفْرِ عَلَى مَا هُدِّدَ بِهِ، وَهَذَا فِيمَنْ لَمْ يَحْصُلْ بِمَوْتِهِ وَهْنُ الْإِسْلَامِ، وَإِلَّا كَعَالَمٍ وَشُجَاعٍ يَحْصُلُ بِمَوْتِهِ ذَلِكَ فَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ وَلَا يَصْبِرَ عَلَى مَا هُدِّدَ بِهِ؛ رِعَايَةً لِأَخَفِّ الْمَفْسَدَتَيْنِ، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْجَوَازِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَلَفَّظَ وَأَنْ يَفْعَلَ مَا يَقْتَضِي الْكُفْرَ، كَسَبِّ الْإِسْلَامِ وَسُجُودًا لِصَنَمٍ إِذَا هُدِّدَ، وَلَوْ بِنَحْوِ ضَرْبٍ شَدِيدٍ، أَوْ أَخْذِ مَالٍ لَهُ وَقْعٌ كَمَا أَفَادَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] الْآيَةَ. (وَلَا تَعُقَّنَّ وَالِدَيْكَ) أَيْ تُخَالِفَنَّهُمَا، أَوْ أَحَدَهُمَا فِيمَا لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً إِذْ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ ( «وَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ» )

стр. 187

أَيِ: امْرَأَتِكَ أَوْ جَارِيَتِكَ، أَوْ عَبْدِكَ بِالطَّلَاقِ أَوِ الْبَيْعِ أَوِ الْعِتْقِ أَوْ غَيْرِهَا (وَمَالِكَ) : بِالتَّصَرُّفِ فِي مَرْضَاتِهِمَا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: شَرْطٌ لِلْمُبَالَغَةِ بِاعْتِبَارِ الْأَكْمَلِ أَيْضًا أَيْ: لَا تُخَالِفْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَإِنْ غَلَا فِي شَيْءٍ أَمَرَكَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فِرَاقَ زَوْجَةٍ أَوْ هِبَةَ مَالٍ، أَمَّا بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْجَوَازِ فَلَا يَلْزَمُهُ طَلَاقُ زَوْجَةٍ أَمَرَاهُ بِفِرَاقِهَا، وَإِنْ تَأَذَّيًا بِبَقَائِهَا إِيذَاءً شَدِيدًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ ضَرَرٌ بِهَا، فَلَا يُكَلَّفَهُ لِأَجْلِهِمَا؛ إِذْ مِنْ شَأْنِ شَفَقَتِهِمَا أَنَّهُمَا لَوْ تَحَقَّقَا ذَلِكَ لَمْ يَأْمُرَاهُ بِهِ فَإِلْزَامُهُمَا لَهُ مَعَ ذَلِكَ حُمْقٌ مِنْهُمَا، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِخْرَاجُ مَالِهِ (وَلَا تَتْرُكَنَّ صَلَاةً مَكْتُوبَةً) أَيْ: مَفْرُوضَةً (مُتَعَمِّدًا) : احْتِرَازٌ مِنَ السَّهَرِ وَالنِّسْيَانِ وَالضَّرُورَةِ (فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً) أَيْ: مَفْرُوضَةً وَلَوْ نَذْرًا عَنْ وَقْتِهَا (مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ) أَيْ: لَا يَبْقَى فِي أَمْنٍ مِنَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا بِاسْتِحْقَاقِ التَّعْزِيرِ وَالْمَلَامَةِ، وَفِي الْعُقْبَى بِاسْتِحْقَاقِ الْعُقُوبَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كِنَايَةٌ عَنْ سُقُوطِ احْتِرَامِهِ؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ التَّرْكِ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْعُقُوبَةِ بِالْحَبْسِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَلِقَتْلِهِ حَدًّا لَا كُفْرًا بِشَرْطِ إِخْرَاجِهَا عَنْ وَقْتِهَا الضَّرُورِيِّ، وَأَمْرِهِ بِهَا فِي الْوَقْتِ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا، وَلِقَتْلِهِ كُفْرًا فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يُدْفَنُ بِمَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَآخَرِينَ. (وَلَا تَشْرَبَنَّ خَمْرًا فَإِنَّهُ) أَيْ: شُرْبُهَا (رَأْسُ كُلِّ فَاحِشَةٍ) أَيْ: قَبِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنَ الْفَوَاحِشِ هُوَ الْعَقْلُ؛ وَلِذَا سُمِّيَ عَقْلًا؛ لِأَنَّهُ يَعْقِلُ صَاحِبَهُ عَنِ الْقَبَائِحِ فَبِزَوَالِهِ عَنِ الْإِنْسَانِ يَقَعُ فِي كُلِّ فَاحِشَةٍ عَرَضَتْ لَهُ، وَلِذَا سُمِّيَتْ أُمَّ الْخَبَائِثِ، كَمَا سُمِّيَتِ الصَّلَاةُ أُمَّ الْعِبَادَاتِ؛ لِأَنَّهَا تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ (وَإِيَّاكَ وَالْمَعْصِيَةَ) : تَحْذِيرٌ وَتَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وَإِيذَانٌ بِأَنَّ الْمَعَاصِيَ السَّابِقَةَ أَعْظَمُهَا ضَرَرًا (فَإِنَّ بِالْمَعْصِيَةِ حَلَّ سَخَطُ اللَّهِ) أَيْ: نَزَلَ، وَثَبَتَ عَلَى فَاعِلِهَا، وَاسْمُ إِنَّ ضَمِيرُ الشَّأْنِ الْمَحْذُوفِ أَيْ: فَإِنَّهُ، وَقِيلَ: ضَمِيرُ الشَّأْنِ لَا يُحْذَفُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ تَعْظِيمُ الْكَلَامِ فَيُنَافِي الِاخْتِصَارَ، وَرُدَّ بِحَذْفِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ١١٧] وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَحَذْفُهُ مَنْصُوبًا ضَعِيفٌ فَقَدْ ضَعَّفُوهُ أَيْضًا، كَيْفَ يَقُولُ ذَلِكَ، وَقَدْ جَاءَ فِي كَلَامِهِ ﵊ فِي النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ: «أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ» ؟ ! أَيْ: فَإِنَّ الْأَمْرَ وَالشَّأْنَ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَكَ أَنْ تُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ قِيَاسًا لَا اسْتِعْمَالًا، وَمِثْلُهُ وَاقِعٌ فِي الْقُرْآنِ فِي: ﴿قَتْلُ أَوْلَادَهُمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] بِنَصْبِ (أَوْلَادَ) الْفَاصِلِ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ اهـ. وَأَرَادَ بِهِ قِرَاءَةَ ابْنِ عَامِرٍ، وَأَظْهَرُ مِنْهُ وُجُودُ أَبَى يَأْبَى فِي الْقُرْآنِ مَعَ كَوْنِهِ شَاذًّا فِي الْقِيَاسِ بِلَا خِلَافٍ ( «وَإِيَّاكَ وَالْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ» ) : تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ (وَإِنْ هَلَكَ النَّاسُ) أَيْ: بِالْفِرَارِ أَوِ الْقَتْلِ، وَإِنْ وَصْلِيَّةٌ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: شَرْطٌ لِلْمُبَالَغَةِ بِاعْتِبَارِ الْأَكْمَلِ أَيْضًا، وَإِلَّا فَقَدَ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] الْآيَةَ. أَنَّ الْكُفَّارَ حَيْثُ زَادُوا عَلَى الْمِثْلَيْنِ جَازَ الِانْصِرَافُ (وَإِذَا أَصَابَ النَّاسَ مَوْتٌ) أَيْ: طَاعُونٌ وَوَبَاءٌ (وَأَنْتَ فِيهِمْ) : الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (فَاثْبُتْ) : لِقَوْلِهِ ﵊: ( «وَإِذَا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِبَلَدٍ، وَأَنْتُمْ فِيهِ فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهُ، وَإِذَا وَقَعَ بِبَلَدٍ، وَلَسْتُمْ فِيهِ فَلَا تَدْخُلُوا إِلَيْهِ» ) ، وَحِكْمَةُ الْأَوَّلِ أَنَّ أَهْلَ الْبَلَدِ لَوْ مُكِّنُوا مِنْ ذَلِكَ لَذَهَبُوا، وَتَرَكُوا الْمَرْضَى فَيَضِيعُوا، وَالثَّانِي أَنَّ مَنْ قَدِمَ رُبَّمَا أَصَابَهُ؛ فَيُسْنِدُ ذَلِكَ إِلَى قُدُومِهِ فَيَزِلُّ قَدَمُهُ، وَمَحَلُّ الْأَمْرَيْنِ حَيْثُ لَا ضَرُورَةَ إِلَى الْخُرُوجِ، أَوِ الدُّخُولِ، وَإِلَّا فَلَا إِثْمَ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ. (وَأَنْفِقْ عَلَى عِيَالِكَ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ: مَنْ تَجِبُ عَلَيْكَ نَفَقَتُهُ شَرْعًا، وَمَحَلُّ بَسْطِهِ كُتُبُ الْفِقْهِ (مِنْ طَوْلِكَ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ: فَضْلِ مَالِكَ، وَفِي مَعْنَاهُ الْكَسْبُ بِقَدْرِ الْوُسْعِ، وَالطَّاقَةِ عَلَى طَرِيقِ الِاقْتِصَادِ، وَالْوَسَطِ فِي الْمُعْتَادِ (وَلَا تَرْفَعْ عَنْهُمْ عَصَاكَ أَدَبًا) : مَفْعُولٌ لَهُ أَيْ: لِلتَّأْدِيبِ لَا لِلتَّعْذِيبِ، وَالْمَعْنَى إِذَا اسْتَحَقُّوا الْأَدَبَ بِالضَّرْبِ فَلَا

стр. 188

تُسَامِحْهُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] عَلَى التَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ (وَأَخِفْهُمْ فِي اللَّهِ) أَيْ: أَنْذِرْهُمْ فِي مُخَالَفَةِ أَوَامِرَ اللَّهِ. وَنَوَاهِيهِ بِالنَّصِيحَةِ، وَالتَّعْلِيمِ، وَبِالْحَمْلِ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ مِنْ إِطْعَامِ الْفَقِيرِ وَإِحْسَانِ الْيَتِيمِ وَبِرِّ الْجِيرَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : وَكَذَا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَإِسْنَادُ أَحْمَدَ صَحِيحٌ لَوْ سَلِمَ مِنَ الِانْقِطَاعِ، فَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرِ بْنَ نُفَيْرٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ مُعَاذٍ.

стр. 189

٦٢ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: إِنَّمَا النِّفَاقُ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ، أَوِ الْإِيمَانُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٦٢ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ) : ﵁ مَوْقُوفًا. هُوَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَاسْمُ الْيَمَانِ حُسَيْلٌ بِالتَّصْغِيرِ، وَالْيَمَانُ لَقَبُهُ، وَكُنْيَةُ حُذَيْفَةَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْسِيُّ - بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَسُكُونِ الْبَاءِ -، هُوَ صَاحِبُ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَوَى عَنْهُ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَمَاتَ بِالْمَدَائِنِ، وَبِهَا قَبْرُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً. (قَالَ: إِنَّمَا النِّفَاقُ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ الْمُنَافِقِينَ مِنْ إِبْقَاءِ أَرْوَاحِهِمْ، وَإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَاءً عَلَى مَصَالِحَ مِنْهَا: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا سَتَرُوا عَلَى الْمُنَافِقِينَ أَحْوَالَهُمْ خَفِيَ عَلَى الْمُخَالِفِينَ حَالُهُمْ، وَحَسِبُوا أَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ فَيَجْتَنِبُوا عَنْ مُخَاشَنَتِهِمْ لِكَثْرَتِهِمْ، بَلْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَخَافُوا، وَتَقِلَّ شَوْكَتُهُمْ، وَلِذَا قَالَ ﵊: " «إِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِأَقْوَامٍ لَا خَلَاقَ لَهُمْ» ". وَمِنْهَا: أَنَّ الْكُفَّارَ إِذَا جَمَعُوا مُخَاشَنَةَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ مَنْ يَصْحَبُهُمْ كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِنُفْرَتِهِمْ مِنْهُ. وَمِنْهَا أَنَّ مَنْ شَاهَدَ حُسْنَ خُلُقِهِ ﵊ مَعَ مُخَالِفِهِ رَغِبَ فِي صُحْبَتِهِ، وَوَافَقَ مَعَهُ سِرًّا، وَعَلَانِيَةً، وَدَخَلَ فِي دِينِ اللَّهِ بِوُفُورٍ، وَنَشَاطٍ. (فَأَمَّا الْيَوْمُ) أَيْ: بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ (فَإِنَّمَا هُوَ) أَيِ: الْأَمْرُ وَالْحُكْمُ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ أَيِ: الشَّأْنُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ (الْكُفْرُ أَوِ الْإِيمَانُ) : وَالضَّمِيرُ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ أَيْ: لَيْسَ الْكَائِنُ الْيَوْمَ إِلَّا الْكُفْرَ أَوِ الْإِيمَانَ، وَلَا ثَالِثَ لَهُمَا يَعْنِي الْكُفْرَ الصَّرِيحَ، وَالْقَتْلَ، أَوِ الْإِيمَانَ سِرًّا وَعَلَانِيَةً، وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : فِي كِتَابِ الْفِتَنِ.

стр. 190

[بَابٌ فِي الْوَسْوَسَةِ]

стр. 191

[٢] بَابٌ فِي الْوَسْوَسَةِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٦٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ، أَوْ تَتَكَلَّمْ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ [٢] بَابٌ فِي الْوَسْوَسَةِ الْخَوَاطِرُ إِنْ كَانَتْ تَدْعُو إِلَى الرَّذَائِلِ فَهِيَ وَسْوَسَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ إِلَى الْفَضَائِلِ فَهِيَ إِلْهَامٌ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مِنْ غَيْرِ الْمَعْصُومِ؛ لِأَنَّهُ لَا ثِقَةَ بِخَوَاطِرِهِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٦٣ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ) أَيْ: عَفَا (عَنْ أُمَّتِي) أَيْ: أُمَّةِ الْإِجَابَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ: تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي، أَيْ: لَمْ يُؤَاخِذْهُمْ بِذَلِكَ لِأَجْلِي فَلَهُ الْمِنَّةُ الْعُظْمَى الَّتِي لَا مُنْتَهَى لَهَا عَلَيْنَا (مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا) : بِالرَّفْعِ فَاعِلًا أَيْ: مَا خَطَرَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْخَوَاطِرِ الرَّدِيئَةِ، فَهُوَ مِنْ مَجَازِ الْمُحَاوَرَةِ، وَيَجُوزُ نَصْبُهُ مَفْعُولًا بِهِ. قِيلَ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْوَسْوَسَةَ لَازِمٌ، لَنِعْمَ وَجْهُ النَّصْبِ الظَّرْفِيَّةُ إِنْ سَاعَدَتْهُ الرِّوَايَةُ، وَرُوِيَ مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهَا بِالرَّفْعِ، وَالنَّصْبُ بَدَلُهُ (مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ) أَيْ: مَا دَامَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ الْعَمَلُ إِنْ كَانَ فِعْلِيًّا (أَوْ تَكَلَّمَ) : بِهِ أَيْ: مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ إِنْ كَانَ قَوْلِيًّا كَذَا فِي الْأَزْهَارِ، قَالَ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ فِي شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ أَفْعَالَ الْقُلُوبِ إِذَا اسْتَقَرَّتْ يُؤَاخَذُ بِهَا فَقَوْلُهُ ﷺ : «فَإِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا» ) مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ تَسْتَقِرَّ، وَذَلِكَ مَعْفُوٌّ بِلَا شَكٍّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِانْفِكَاكُ عَنْهُ بِخِلَافِ الِاسْتِقْرَارِ، ثُمَّ نَقَلَ صَاحِبُ الْأَزْهَارِ عَنِ الْإِحْيَاءِ مَا حَاصِلُهُ: أَنَّ لِأَعْمَالِ الْقَلْبِ أَرْبَعَ مَرَاتِبَ. الْأَوَّلُ: الْخَاطِرُ كَمَا لَوْ خَطَرَ لَهُ صُورَةُ امْرَأَةٍ مَثَلًا خَلَفَ ظَهْرِهِ فِي الطَّرِيقِ لَوِ الْتَفَتَ إِلَيْهَا يَرَاهَا. وَالثَّانِي: هَيَجَانُ الرَّغْبَةِ إِلَى الِالْتِفَاتِ إِلَيْهَا، وَنُسَمِّيهِ مَيْلُ الطَّبْعِ، وَالْأَوَّلُ حَدِيثُ النَّفْسِ، وَالثَّالِثُ: حُكْمُ الْقَلْبِ بِأَنْ يَفْعَلَ أَيْ: يَنْظُرُ إِلَيْهَا فَإِنَّ الطَّبْعَ إِذَا مَالَ لَمْ تَنْدَفِعِ الْهِمَّةُ، وَالنِّيَّةُ، مَا لَمْ تَنْدَفِعَ الصَّوَارِفُ، وَهِيَ الْحَيَاءُ، وَالْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ مِنْ عِبَادِهِ، وَنُسَمِّيهِ اعْتِقَادًا. وَالرَّابِعُ: تَصْمِيمُ الْعَزْمِ عَلَى الِالْتِفَاتِ، وَجَزْمِ النِّيَّةِ فِيهِ، وَنُسَمِّيهِ عَزْمًا بِالْقَلْبِ، أَمَّا الْخَاطِرُ فَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ، وَكَذَا الْمَيْلُ، وَهَيَجَانُ الرَّغْبَةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَدْخُلَانِ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ، وَهُمَا الْمُرَادَانِ بَقَوْلِهِ ﵊: (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي) الْحَدِيثَ. وَأَمَّا الثَّالِثُ، وَهُوَ الِاعْتِقَادُ: فَهُوَ مُرَدَّدٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ اخْتِيَارًا لَا يُنْكِرُهُ، وَاضْطِرَارًا يُنْكِرُهُ، فَالِاخْتِيَارِيُّ يُؤَاخَذُ، وَالِاضْطِرَارِيُّ لَا يُؤَاخَذُ، وَأَمَّا الرَّابِعُ وَهُوَ الْعَزْمُ، وَالْهَمُّ بِالْفِعْلِ، فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِهِ، وَعَلَيْهِ تَنْزِلُ الْآيَاتُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى مُؤَاخَذَةِ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ إِلَّا أَنَّهُ إِنْ تَرَكَ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ؛ لِأَنَّ هَمَّهُ سَيِّئَةٌ، وَامْتِنَاعَهُ عَنْهَا مُجَاهَدَةٌ مَعَ نَفْسِهِ فَتَكُونُ حَسَنَةً تَزِيدُ عَلَيْهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا لِعَائِقٍ، أَوْ فَاتَهَا ذَلِكَ لِعَدَمِ الْحُصُولِ كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ لِلْعَزْمِ، وَالْهِمَّةِ الْجَازِمَةِ، وَالدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: ( «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ، وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: (إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» ) . وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ صَارَ إِلَى النَّارِ، وَوَقَعَ فِيهَا بِمُجَرَّدِ الْعَزْمِ، وَالنِّيَّةِ، وَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْمَلْ وَقُتِلَ مَظْلُومًا، وَكَيْفَ لَا يُؤَاخَذُ بِأَعْمَالِ الْقَلْبِ الْجَازِمَةِ، وَالْكِبْرُ، وَالْعُجْبُ، وَالنِّفَاقُ، وَالْحَسَدُ، وَغَيْرُهَا مِنَ الْأَوْصَافِ الذَّمِيمَةِ يُؤَاخَذُ بِهَا. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ» ) . وَقَالَ: " «الْبِرُّ مَا اطْمَئِنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَتَرَدَّدَ فِي صَدْرِكَ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ» ) اهـ. أَقُولُ: الِاسْتِدْلَالُ بِالْحَدِيثِ الْأَخِيرِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْإِثْمَ عَيْنَ مَا تَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ مَا لَمْ يَسْتَقِرَّ لَا يَكُونُ إِثْمًا، فَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ مَا تَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ أَنَّهُ إِثْمٌ، أَوْ غَيْرُ إِثْمٍ فَفِعْلُهُ إِثْمٌ احْتِيَاطًا، كَمَا إِذَا تَعَارَضَ دَلِيلُ التَّحْرِيمِ، وَالتَّحْلِيلِ فِي شَيْءٍ فَيَحْرُمُ. قِيلَ: الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّجَاوُزَ الْمَذْكُورَ خَاصِّيَّةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَعَلَى التَّوْجِيهِ الَّذِي نَقَلَهُ صَاحِبُ الْأَزْهَارِ مِنَ الرَّوْضَةِ، وَالْإِحْيَاءِ يَلْزَمُ أَنَّهُ يَكُونُ عَامًّا لِجَمِيعِ الْأُمَمِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ شَخْصٌ مِنَ الْأَشْخَاصِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ مِنْ أَنَّ

стр. 192

الْوَسْوَسَةَ ضَرُورِيَّةٌ، وَاخْتِيَارِيَّةٌ، فَالضَّرُورِيَّةُ: مَا يَجْرِي فِي الصُّدُورِ مِنَ الْخَوَاطِرِ ابْتِدَاءً، وَلَا يَقْدِرُ الْإِنْسَانُ عَلَى دَفْعِهِ، فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ، وَالِاخْتِيَارِيَّةُ: هِيَ الَّتِي تَجْرِي فِي الْقَلْبِ، وَتَسْتَمِرُّ، وَهُوَ يَقْصِدُ، وَيَعْمَلُ بِهِ، وَيَتَلَذَّذُ مِنْهُ كَمَا يَجْرِي فِي قَلْبِهِ حُبُّ امْرَأَةٍ، وَيَدُومُ عَلَيْهِ، وَيَقْصِدُ الْوُصُولَ إِلَيْهَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَاصِي، فَهَذَا النَّوْعُ عَفَا اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ خَاصَّةً تَعْظِيمًا، وَتَكْرِيمًا لِنَبِيِّنَا ﵊، وَأُمَّتِهِ، وَإِلَيْهِ يَنْظُرُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَأَمَّا الْعَقَائِدُ الْفَاسِدَةُ، وَمَسَاوِئُ الْأَخْلَاقِ، وَمَا يَنْضَمُّ إِلَى ذَلِكَ فَإِنَّهَا بِمَعْزِلٍ عَنِ الدُّخُولِ فِي جُمْلَةِ مَا وَسْوَسَتْ بِهِ الصُّدُورُ اهـ. وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ. وَلِهَذَا قَيَّدَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: (مَا لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَتَكَلَّمْ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ وَسُوسَةَ الْأَعْمَالِ، وَالْأَقْوَالِ مَعْفُوَّةٌ قَبْلَ ارْتِكَابِهَا، وَأَمَّا الْوَسْوَسَةُ الَّتِي لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْعَمَلِ، وَالْكَلَامِ مِنَ الْأَخْلَاقِ، وَالْعَقَائِدِ فَهِيَ ذُنُوبٌ بِالِاسْتِقْرَارِ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ أَنَّ مَذْهَبَ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنَ الطَّيِّبِ أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَوَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا أَثِمَ فِي اعْتِقَادِهِ، وَعَزْمِهِ، وَيُحْمَلُ مَا وَقَعَ فِي أَمْثَالِ قَوْلِهِ ﵊: ( «إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلَا تَكْتُبُوا عَلَيْهِ فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَةً» ) الْحَدِيثَ. فِيمَنْ لَمْ يُوَطِّنْ نَفْسَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَإِنَّمَا مَرَّ ذَلِكَ بِفِكْرٍ مِنْ غَيْرِ اسْتِقْرَارٍ، وَيُسَمَّى هَذَا هَمًّا، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْهَمِّ وَالْعَزْمِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَخَالَفَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَالْمُحَدِّثِينَ، وَأَخَذُوا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: عَامَّةُ السَّلَفِ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَالْمُحَدِّثِينَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ لِلْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِأَعْمَالِ الْقُلُوبِ، لَكِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ هَذَا الْعَزْمَ يُكْتَبُ سَيِّئَةً، وَلَيْسَتِ السَّيِّئَةُ الَّتِي هَمَّ بِهَا لِكَوْنِهَا لَمْ يَعْمَلْهَا، وَقَطَعَ عَنْهَا قَاطِعٌ غَيْرُ خَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْإِنَابَةِ، لَكِنَّ الْإِصْرَارَ، وَالْعَزْمَ مَعْصِيَةٌ، فَصَارَ تَرْكُهُ لِخَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمُجَاهَدَتِهِ نَفْسَهُ الْأَمَّارَةِ حَسَنَةً، فَأَمَّا الْهَمُّ الَّذِي لَا يُكْتَبُ فَهِيَ الْخَوَاطِرُ الَّتِي لَا يُوَطِّنُ النَّفْسَ عَلَيْهَا، وَلَا يَصْحَبُهَا عَقْدٌ، وَلَا نِيَّةٌ، وَعَزْمٌ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ خِلَافًا فِيمَا إِذَا تَرَكَهَا لِغَيْرِ خَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ لِخَوْفِ النَّاسِ هَلْ تُكْتَبُ حَسَنَةً؟ قَالَ: لَا، لِأَنَّهُ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى تَرْكِهَا الْحَيَاءُ، وَهَذَا الْخِلَافُ ضَعِيفٌ لَا وَجْهَ لَهُ. هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي، وَهُوَ ظَاهِرٌ حَسَنٌ لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ نُصُوصُ الشَّرْعِ بِالْمُؤَاخَذَةِ بِعَزْمِ الْقَلْبِ الْمُسْتَقِرِّ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ١٩] وَقَوْلُهُ: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ. وَقَدْ تَظَاهَرَتْ نُصُوصُ الشَّرْعِ، وَإِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِ الْحَسَدِ، وَاحْتِقَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِرَادَةُ الْمَكْرُوهِ بِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، وَعَزْمِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْعَمَلِ، وَبَيْنَ مَا لَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَقِيلَ: يُؤَاخَذُ بِالْهَمِّ بِالْمَعْصِيَةِ فِي حَرَمِ مَكَّةَ دُونَ غَيْرِهَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرِدِ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥] الْآيَةَ. وَيُرَدُّ بِأَنَّ الْإِرَادَةَ هِيَ الْقَصْدُ، وَهُوَ الْعَزْمُ الَّذِي هُوَ أَخَصُّ مِنَ الْهَمِّ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: ( «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ، أَوْ تَعْمَلْ بِهِ» ) .

стр. 193

٦٤ - وَعَنْهُ قَالَ: «جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ! قَالَ: " أَوَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ " قَالُوا: نَعَمْ: قَالَ: (ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ) » . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٦٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (قَالَ: جَاءَ نَاسٌ) أَيْ: جَمَاعَةٌ ( «مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى النَّبِيِّ ﵊ فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ» ) : وَاقِعٌ مَوْقِعَ الْحَالِ أَيْ: لَسَأَلُوهُ مُخْبِرِينَ إِنَّا نَجِدُ، أَوْ قَائِلِينَ عَلَى احْتِمَالِ فَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَالْكَسْرِ، وَقِيلَ: عَلَى الْفَتْحِ مَفْعُولٌ ثَانٍ اسْأَلُوهُ، ثُمَّ الْكَسْرُ أَوْجَهُ حَتَّى يَكُونَ بَيَانًا لِلْمَسْئُولِ عَنْهُ، وَهُوَ مُجْمَلٌ يُفَسِّرُهُ الْحَدِيثَانِ الْآتِيَانِ ( «فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ» ) أَيْ: نَجِدُ فِي قُلُوبِنَا أَشْيَاءَ قَبِيحَةً نَحْوَ: مَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ وَكَيْفَ هُوَ؟ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ؟ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَاظَمُ النُّطْقُ بِهِ لِعِلْمِنَا أَنَّهُ قَبِيحٌ لَا يَلِيقُ شَيْءٌ مِنْهَا أَنْ نَعْتَقِدَهُ، وَنَعْلَمَ أَنَّهُ قَدِيمٌ، خَالِقُ الْأَشْيَاءَ، غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَمَا حُكْمُ جَرَيَانِ ذَلِكَ فِي خَوَاطِرِنَا؟

стр. 194

وَتَعَاظَمَ: تَفَاعَلَ بِمَعْنَى الْمُبَالَغَةِ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْمَبْنَى لِزِيَادَةِ الْمَعْنَى، فَإِنَّ الْفِعْلَ الْوَاحِدَ إِذَا جَرَى بَيْنَ اثْنَيْنِ يَكُونُ مُزَاوَلَتُهُ أَشَقَّ مِنْ مُزَاوَلَتِهِ وَحْدَهُ، وَلِذَا قِيلَ: الْمُفَاعَلَةُ إِذَا لَمْ تَكُنْ لِلْمُبَالَغَةِ فَهِيَ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ: نَسْتَعْظِمُ غَايَةَ الِاسْتِعْظَامِ، وَقَوْلُهُ: أَحَدُنَا؛ رُوِيَ بِرَفْعِ الدَّالِ، وَمَعْنَاهُ يَجِدُ أَحَدُنَا التَّكَلُّمَ بِهِ عَظِيمًا لِقُبْحِهِ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: يَعْظُمُ، وَيَشُقُّ التَّكَلُّمُ بِهِ عَلَى أَحَدِنَا (قَالَ: (أَوَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ) ؟ الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ التَّقْرِيرِيِّ، وَالْوَاوُ الْمَقْرُونَةُ بِهَا لِلْعَطْفِ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ: (حَصَلَ ذَلِكَ) ، وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ، وَالضَّمِيرُ لِمَا يَتَعَاظَمُ أَيْ: ذَلِكَ الْخَاطِرُ فِي أَنْفُسِكُمْ تَقْرِيرًا وَتَأْكِيدًا، فَالْوِجْدَانُ بِمَعْنَى الْمُصَادَفَةِ، أَوِ الْمَعْنَى أَحَصَلَ ذَلِكَ الْخَاطِرُ الْقَبِيحُ، وَعَلِمْتُمْ أَنَّ ذَلِكَ مَذْمُومٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ فَالْوِجْدَانُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ. (قَالُوا: نَعَمْ) . قَالَ: (ذَاكَ) : إِشَارَةٌ إِلَى مَصْدَرِ وَجَدَ أَيْ: وِجْدَانُكُمْ قُبْحَ ذَلِكَ الْخَاطِرِ، أَوْ مَصْدَرُ يَتَعَاظَمُ أَيْ: عِلْمُكُمْ بِفَسَادِ تِلْكَ الْوَسَاوِسَ، وَامْتِنَاعُ نُفُوسِكُمْ، وَتَجَافِيهَا عَنِ التَّفَوُّهِ بِهَا (صَرِيحُ الْإِيمَانِ) أَيْ: خَالِصُهُ يَعْنِي أَنَّهُ أَمَارَتُهُ الدَّالَّةُ صَرِيحًا عَلَى رُسُوخِهِ فِي قُلُوبِكُمْ، وَخُلُوصِهَا مِنَ التَّشْبِيهِ، وَالتَّعْطِيلِ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ يُصِرُّ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ مِنْ تَشْبِيهِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِالْمَخْلُوقَاتِ، وَيَعْتَقِدُهُ حَسَنًا، وَمَنِ اسْتَقْبَحَهَا، وَتَعَاظَمَهَا لِعِلْمِهِ بِقُبْحِهَا، وَأَنَّهَا لَا تَلِيقُ بِهِ تَعَالَى كَانَ مُؤْمِنًا حَقًّا، وَمُوقِنًا صِدْقًا فَلَا تُزَعْزِعُهُ شُبْهَةٌ، وَإِنْ قَوِيَتْ، وَلَا تَحُلُّ عُقَدَ قَلْبِهِ رِيبَةٌ، وَإِنْ مُوِّهَتْ، وَلِأَنَّ مَنْ كَانَ إِيمَانُهُ مَشُوبًا يَقْبَلُ الْوَسْوَسَةَ، وَلَا يَرُدُّهَا. وَقِيلَ الْمَعْنَى أَنَّ الْوَسْوَسَةَ أَمَارَةُ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ اللِّصَّ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ الْخَالِيَ، وَلِذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ ﵁، وَكَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي لَا وَسْوَسَةَ فِيهَا إِنَّمَا هِيَ صَلَاةُ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى (رَوَاهُ مُسْلِمٌ ) .

стр. 195

٦٥ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ، وَلْيَنْتَهِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يَأْتِي الشَّيْطَانُ) أَيْ: يُوَسْوِسُ إِبْلِيسُ، أَوْ أَحَدُ أَعْوَانِهِ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ عَلَى طَرِيقِ التَّلْبِيسِ (أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟) : يَعْنِي السَّمَاءَ مَثَلًا (مَنْ خَلَقَ كَذَا؟) : يَعْنِي الْأَرْضَ، وَغَرَضُهُ أَنْ يُوقِعَهُ فِي الْغَلَطِ، وَالْكُفْرِ، وَيُكْثِرُ السُّؤَالَ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ (حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟) : وَهُوَ قَدِيمٌ خَالِقٌ كُلِّ شَيْءٍ (فَإِذَا بَلَغَهُ) : ضَمِيرُ الْفَاعِلِ لِأَحَدِكُمْ، وَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ رَاجِعٌ إِلَى مَصْدَرِ يَقُولُ أَيْ: إِذَا بَلَغَ أَحَدُكُمْ هَذَا الْقَوْلَ يَعْنِي مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ، أَوِ التَّقْدِيرُ بَلَغَ الشَّيْطَانُ هَذَا الْقَوْلَ (فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ) : طَرْدًا لِلشَّيْطَانِ إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] وَإِيمَاءً إِلَى قَوْلِهِ ﵊: (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) فَإِنَّ الْعَبْدَ بِحَوْلِهِ، وَقُوَّتِهِ لَيْسَ لَهُ قُوَّةُ الْمُغَالَبَةِ مَعَ الشَّيْطَانِ، وَمُجَادَلَتِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَلْتَجِئَ إِلَى مَوْلَاهُ، وَيَعْتَصِمَ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الَّذِي أَوْقَعَهُ فِي هَذَا الْخَاطِرِ الَّذِي لَا أَقْبَحَ مِنْهُ؛ فَيَقُولُ بِلِسَانِهِ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَيَلُوذُ بِجَنَابِهِ إِلَى جَنَابِهِ أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُ شَرَّهُ، وَكَيْدَهُ، فَإِنَّهُ مَعَ اللُّطْفِ الْإِلَهِيِّ لَا أَضْعَفَ مِنْهُ، وَلَا أَذَلَّ، فَإِنَّهُ مُشَبَّهٌ بِالْكَلْبِ الْوَاقِفِ عَلَى الْبَابِ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] أَيْ: بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقُوَّةِ الْإِلَهِيَّةِ فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ تَعَالَى حِكَايَةً: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] (وَلْيَنْتَهِ) : بِسُكُونِ اللَّامِ، وَتُكْسَرُ؛ أَيْ: لِيَتْرُكِ التَّفَكُّرَ فِي هَذَا الْخَاطِرِ، وَلْيَشْتَغِلْ بِأَمْرٍ آخَرَ؛ لِئَلَّا يَسْتَحْوِذَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَوْقَعَهُ فِيهِ رَجَاءَ أَنْ يَقِفَ مَعَهُ، وَيَتَمَكَّنَ فِي نَفْسِهِ فَيَحْصُلَ لَهَا شَكٌّ وَرَيْبٌ فِي تَنْزِيهِهِ تَعَالَى عَنْ سِمَاتِ الْحُدُوثِ، وَإِنْ دَقَّتْ وَخَفِيَتْ، فَمَنْ تَنَبَّهَ، وَكَفَّ عَنِ الِاسْتِرْسَالِ مَعَ ذَلِكَ الْخَاطِرِ، وَأَشْغَلَ نَفْسَهُ حَتَّى انْصَرَفَتْ عَنْهُ فَقَدْ خَلَصَ، وَمَنْ لَا فَقَدِ ارْتَبَكَ فَيُخْشَى عَلَيْهِ مَزَلَّةُ الْقَدَمِ فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ، وَإِنَّمَا أُمِرَ بِذَيْنِكَ دُونَ الِاحْتِجَاجِ

стр. 196

وَالتَّأَمُّلِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعِلْمَ بِاسْتِغْنَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ الْمُؤَثِّرِ، وَالْمُوجِدِ ضَرُورِيٌّ لَا يَقْبَلُ احْتِجَاجًا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ شَيْءٌ يُلْقِيهِ الشَّيْطَانُ إِمَّا لِيُحِجَّكَ إِنْ جَادَلَتْهُ؛ لِأَنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلَى الْقُلُوبِ بِإِلْقَاءِ الْوَسَاوِسِ عَلَيْهَا لِيَخْتَبِرَ إِيمَانَهَا، وَوَسَاوِسُهُ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ فَمَتَى عَارَضْتَهُ بِمَسْلَكٍ وَجَدَ مَسْلَكًا آخَرَ إِلَى مَا يُرِيدُهُ مِنَ الْمُغَالَطَةِ، وَالتَّشْكِيكِ، وَإِمَّا لِيُضَيِّعَ وَقْتَكَ، وَيُكَدِّرَ عَيْشَكَ إِنِ اسْتَرْسَلَتْ مَعَهُ، وَإِنْ حَجَجْتَهُ فَلَا أَخْلَصَ لَكَ مِنَ الْإِعْرَاضِ عَنْهُ جُمْلَةً، وَالِالْتِجَاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ كَمَا قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] ثَانِيهُمَا: أَنَّ الْغَالِبَ فِي مَوَارِدَ هَذِهِ الْخَوَاطِرِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَنْشَأُ مِنْ رُكُودِ النَّفْسِ، وَعَدَمِ اشْتِغَالِهَا بِالْمُهِمَّاتِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْهَا، فَهَذَا لَا يَزِيدُهُ فِكْرُهُ فِي ذَلِكَ إِلَّا الزَّيْغَ عَنِ الْحَقِّ، فَلَا عِلَاجَ لَهُ إِلَّا الِالْتِجَاءَ بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ، وَالِاعْتِصَامَ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ. قَالَ الْخَطَّابِيِّ: لَوْ أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مُحَاجَّتِهِ لَكَانَ الْجَوَابُ سَهْلًا عَلَى كُلِّ مُوَحَّدٍ أَيْ: بِإِثْبَاتِ الْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَةِ عَلَى أَنْ لَا خَالِقَ لَهُ تَعَالَى بِإِبْطَالِ التَّسَلْسُلِ، وَنَحْوِهِ كَاسْتِحْضَارِ أَنَّ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ دَاخِلَةٌ تَحْتَ اسْمِ الْخَلْقِ، فَلَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: مَنْ خَلَقَ الْخَالِقِ لَأَدَّى إِلَى مَا لَا يَتَنَاهَى، وَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِمَذَمَّةِ عِلْمِ الْكَلَامِ، وَدَلَالَةٌ عَلَى حُرْمَةِ الْمِرَاءِ، وَالْمُجَادَلَةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِذَاتِ اللَّهِ، وَصِفَاتِهِ، وَإِيمَاءٌ إِلَى صِحَّةِ إِيمَانِ الْمُقَلِّدِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 197

٦٦ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ: هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ؟ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا؛ فَلْيَقُلْ: آمَنَتُ بِاللَّهِ، وَرُسُلِهِ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٦ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : (لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ) أَيْ: يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَنِ الْعُلُومِ، وَالْمَوْجُودَاتِ، وَالتَّسَاؤُلُ جَرَيَانُ السُّؤَالِ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْعَبْدِ، وَالشَّيْطَانِ، أَوِ النَّفْسِ، أَوْ إِنْسَانِ آخَرَ أَيْ: يَجْرِي بَيْنَهُمَا السُّؤَالُ فِي كُلِّ نَوْعٍ (حَتَّى) : يَبْلُغَ السُّؤَالُ إِلَى أَنْ [ ( «يُقَالَ: هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ» ؟) : قِيلَ: لَفْظُ هَذَا مَعَ عَطْفِ بَيَانِهِ الْمَحْذُوفِ، وَهُوَ الْمَقُولُ مَفْعُولُ يُقَالُ؛ أُقِيمَ مَقَامَ الْفَاعِلِ، وَ (خَلَقَ اللَّهُ) تَفْسِيرٌ لِهَذَا، أَوْ بَيَانٌ، أَوْ بَدَلٌ، وَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ أَيْ: هَذَا الْقَوْلُ، أَوْ قَوْلُكَ هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ وَالْجُمْلَةُ أُقِيمَتْ مَقَامَ فَاعِلِ يُقَالُ: (فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا؟) : إِشَارَةٌ إِلَى الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ، وَمِنْ ذَلِكَ حَالٌ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا أَيْ: مَنْ صَادَفَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ وَالسُّؤَالِ، أَوْ وَجَدَ فِي خَاطِرِهِ شَيْئًا مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ الْمَقَالِ (فَلْيَقُلْ) أَيْ: فَوْرًا مِنْ حِينِهِ (آمَنَتُ بِاللَّهِ، وَرُسُلِهِ) أَيْ: آمَنَتُ بِالَّذِي قَالَ اللَّهُ، وَرُسُلُهُ مِنْ وَصْفِهِ تَعَالَى بِالتَّوْحِيدِ، وَالْقِدَمِ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ، وَإِجْمَاعُ الرُّسُلِ هُوَ الصِّدْقُ وَالْحَقُّ، فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ؛ ثُمَّ هَذَا الْقَوْلُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الْعِلْمِ وَالتَّحْقِيقِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى طَرِيقِ التَّقْلِيدِ. هَذَا الَّذِي ظَهَرَ لِي فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ كُفْرٌ، فَمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ فَلْيَتَدَارَكْهُ بِكَلِمَةِ الْإِيمَانِ، فَفِي كَوْنِهِ مُرَادًا نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّائِلِ الْمُجَادِلِ الَّذِي هُوَ مِنْ جُمْلَةِ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ، أَوِ الْجِنِّ عَلَى التَّغْلِيبِ، كَمَا يَنْصُرُهُ الْحَدِيثُ السَّابِقُ، وَلَا مِنَ الْمَسْئُولِ؛ لِأَنَّهُ مُؤْمِنٌ صَرِيحُ الْإِيمَانِ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَلْيَقُلْ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَسْئُولِ كَقَوْلِهِ: فَلْيَسْتَعِذْ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِذَا قِيلَ: يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَسْتَعِيذَ، ثُمَّ يَقُولُ آمَنَتُ بِاللَّهِ، وَرُسُلِهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: فَإِنَّ ذَلِكَ يَذْهَبُ عَنْهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : رَوَى مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى هَذَا السِّيَاقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ، وَفِي رِوَايَتِهِ حَتَّى يُقَالَ هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحَدِيثُ عَلَى هَذَا السِّيَاقِ مُحْتَمِلٌ لِغَيْرِ مَا ذَكَرَهُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ هَذَا اللَّهُ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرًا. أَوْ هَذَا مُبْتَدَأٌ، وَاللَّهُ عَطْفُ بَيَانٍ، وَخَلَقَ الْخَلْقَ خَبَرُهُ، وَأَكْثَرُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ يَرْوُونَهُ عَلَى هَذَا السِّيَاقِ فَيُرَجَّحُ إِذًا عَلَى السِّيَاقِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَصَابِيحِ، وَأَنَّ كِلَاهُمَا (صِحَاحٌ.

стр. 198

٦٧ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ، وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ:. قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَإِيَّايَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٦٧ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) : ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) : مَا نَافِيَةٌ، وَمِنْ زَائِدَةٌ لِاسْتِغْرَاقِ النَّفْيِ لِجَمِيعِ الْأَفْرَادِ، وَمَنْ فِي مِنْكُمْ تَبْعِيضِيَّةٌ أَيْ: مَا أَحَدٌّ مِنْكُمْ (إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ لِأَنَّ فَاعِلَهُ مَعْلُومٌ مِنَ التَّوْكِيلِ بِمَعْنَى التَّسْلِيطِ (قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ) أَيْ: صَاحِبُهُ مِنْهُمْ لِيَأْمُرَهُ بِالشَّرِّ، وَاسْمُهُ الْوَسْوَاسِ، وَهُوَ وَلَدٌ يُولَدُ لِإِبْلِيسَ حِينَ يُولَدُ لِبَنِي آدَمَ وَلَدٌ، وَقَوْلُهُ: (وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ) أَيْ: لِيَأْمُرَهُ بِالْخَيْرِ، وَاسْمُهُ الْمُلْهِمُ، وَلَيْسَ هَذَا فِي الْمَصَابِيحِ، لَكِنْ ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي كِتَابِهِ، وَالصَّغَانِيِّ فِي الْمَشَارِقِ عَنْ مُسْلِمٍ، كَذَا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ. وَذَكَرَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ. وَفِي رِوَايَةِ: قَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ، وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ اهـ. فَصَاحِبُ الْمِشْكَاةِ اخْتَارَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الْجَامِعَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ ظُهُورُ خِسَّةِ الْعَاصِي، وَشَرَفِ الطَّائِعِ (قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) أَيْ: لَكَ قَرِينٌ مِنَ الْجِنِّ؟ وَالْقِيَاسُ، وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِصِيغَةِ الْمَرْفُوعِ الْمُنْفَصِلِ، وَكَذَا فِي الْجَوَابِ يَعْنِي (قَالَ: (وَإِيَّايَ) أَيْ: وَلِي ذَلِكَ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَقُولَ: وَأَنَا فَأَقَامَ الضَّمِيرَ الْمَنْصُوبَ مَقَامَ الْمَرْفُوعِ الْمُنْفَصِلِ، وَهُوَ سَائِغٌ شَائِعٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى، وَإِيَّاكَ نَعْنِي فِي هَذَا الْخِطَابِ، فَقَالَ: نَعَمْ، وَإِيَّايَ لِأَنَّ الْخِطَابَ فِي مِنْكُمْ عَامٌّ لَا يَخُصُّ الْمُخَاطَبِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ بَلْ كُلُّ مَنْ يَصِحُّ أَنْ يُخَاطَبَ دَاخِلٌ فِيهِ كَأَنَّهُ قِيلَ: مَا مِنْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ مِنْ أَحَدٍ، وَهَذَا إِنْ قُلْنَا إِنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْخِطَابِ، وَقِيلَ: عَطْفٌ عَلَى مَحَلٍّ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ الْمُقَدَّرِ تَقْدِيرُهُ قَالُوا: قَدْ وُكِّلَ بِهِ وَإِيَّاكَ، قَالَ: وُكِّلَ بِهِ وَإِيَّايَ (وَلَكِنَّ اللَّهَ) : بِالتَّشْدِيدِ، وَيُخَفَّفُ (أَعَانَنِي عَلَيْهِ) أَيْ: بِالْعِصْمَةِ، أَوْ بِالْخُصُوصِيَّةِ (فَأَسْلَمَ) : بِضَمِّ الْمِيمِ، أَوْ فَتْحِهَا فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: فَأَسْلَمُ بِالضَّمِّ أَيْ: أَسْلَمُ أَنَا مِنْهُ، وَالشَّيْطَانُ لَا يُسْلِمُ، وَفِي جَامِعِ الدَّارِمِيِّ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَسْلَمَ بِالْفَتْحِ أَيِ: اسْتَسْلَمَ، وَذَلَّ، وَانْقَادَ، وَالْخَطَّابِيُّ ذَهَبَ إِلَى الْأَوَّلِ، وَالْقَاضِي عِيَاضُ إِلَى الثَّانِي، وَهُمَا رِوَايَتَانِ مَشْهُورَتَانِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: اللَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَلَا يُسْتَبْعَدُ مِنْ فَضْلِهِ أَنْ يَخُصَّ نَبِيَّهُ هَذِهِ الْكَرَامَةَ أَعْنِي إِسْلَامَ قَرِينِهِ، وَبِمَا فَوْقَهَا. قِيلَ: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﵊: (فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ) : قُلْتُ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ مُؤَيِّدٌ لِلْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ، وَقِيلَ أَسْلَمَ: أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: فَأَنَا أَسْلَمُ مِنْكُمْ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُجْرِي بَعْضَ الزَّلَّاتِ فِي بَعْضِ السَّاعَاتِ بِوَسْوَسَةٍ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ فِي أَعَمِّ الْأَوْقَاتِ كَذَا قِيلَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، إِذْ يُحْتَمَلُ كَوْنُ الْوَسْوَسَةِ مِنَ النَّفْسِ دُونَ الشَّيْطَانِ، وَعَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّ الْقَرِينَ مِنَ الْجِنِّ رُبَّمَا يَدْعُوهُ إِلَى الْخَيْرِ، وَقَصْدُهُ فِي ذَلِكَ الشَّرَّ بِأَنْ يَدْعُوَهُ إِلَى الْمَفْضُولِ فَيَمْنَعَهُ عَنِ الْفَاضِلِ، أَوْ أَنْ يَدْعُوَهُ إِلَى الْخَيْرِ لِيَجُرَّهُ إِلَى ذَنْبٍ عَظِيمٍ لَا يَفِي خَيْرُهُ بِذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ عُجْبٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَلِذَا قِيلَ: مَعْصِيَةٌ أَوْرَثَتْ ذُلًّا وَاسْتِحْقَارًا خَيْرٌ مِنْ طَاعَةٍ أَوْرَثَتْ عُجْبًا وَاسْتِكْبَارًا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الظَّاهِرُ أَنَّ اسْتِبْعَادَ سُفْيَانَ لِإِسْلَامِهِ إِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ عِفْرِيتًا، لَا لِكَوْنِهِ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْلِيسَ لِمَا فِي حَدِيثٍ حَسَنٍ: أَنَّ هَامَّةَ بْنَ إِبْلِيسَ جَاءَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ حَضَرَ قَتْلَ هَابِيلَ، وَأَنَّهُ اجْتَمَعَ بِنُوحٍ فَمَنْ بَعْدَهُ، ثُمَّ طَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ السَّلَامَ مِنْ عِيسَى فَرَدَّ ﵊، وَطَلَبَ أَنْ يُعَلِمَّهُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ فَعَلَّمَهُ الْوَاقِعَةَ، وَالْمُرْسَلَاتَ، ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١] ، ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 199

٦٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ) : ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ الشَّيْطَانَ) أَيْ: كَيْدَهُ، وَوَسْوَاسَهُ (يَجْرِي) أَيْ: يَسْرِي (مِنَ الْإِنْسَانِ) أَيْ: فِيهِ، وَقِيلَ عُدِّيَ يَجْرِي بِمِنْ عَلَى تَضْمِينِ مَعْنَى التَّمَكُّنِ أَيْ: يَتَمَكَّنُ الْإِنْسَانَ فِي جَرَيَانِهِ (مَجْرَى الدَّمِ) أَيْ: فِي جَمِيعِ عُرُوقِهِ، وَالْمَجْرَى إِمَّا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أَيْ: يَجْرِي مِثْلَ جَرَيَانِ الدَّمِ فِي أَنَّهُ لَا يُحَسُّ

стр. 200

بِجَرْيِهِ كَالدَّمِ فِي الْأَعْضَاءِ شَبَّهَ سَرَيَانَ كَيْدِهِ، وَجَرَيَانَ وَسَاوِسِهِ فِي الْإِنْسَانِ بِجَرَيَانِ دَمِهِ فِي عُرُوقِهِ، وَجَمِيعِ أَعْضَائِهِ، فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَمَكُّنِهِ مِنْ إِغْوَاءِ الْإِنْسَانِ، وَإِضْلَالِهِ تَمَكُّنًا تَامًّا، وَتَصَرُّفِهِ فِيهِ تَصَرُّفًا كَامِلًا بِوَاسِطَةِ نَفْسِهِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ النَّاشِئِ قُوَاهَا مِنَ الدَّمِ، وَلَقَدْ صَدَقَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ حَيْثُ قَالَ: الشَّيْطَانُ فَارِغٌ، وَأَنْتَ مَشْغُولٌ، وَهُوَ يَرَاكَ، وَأَنْتَ لَا تَرَاهُ، وَأَنْتَ تَنْسَى الشَّيْطَانَ، وَهُوَ لَا يَنْسَاكَ، وَمِنْ نَفْسِكَ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْكَ عَوْنٌ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] وَقَالَ : ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] ) أَوِ اسْمٌ مَكَانَ ظَرْفٍ لِيَجْرِيَ، وَمِنَ الْإِنْسَانِ حَالٌ مِنْهُ أَيْ: يَجْرِي فِي الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ كَائِنًا مِنَ الْإِنْسَانِ، أَوْ بَدَلُ الْبَعْضِ مِنَ الْإِنْسَانِ، أَيْ: يَجْرِي فِي الْإِنْسَانِ حَيْثُ يَجْرِي فِيهِ الدَّمُ، أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَنْفَكُّ عَنِ الْإِنْسَانِ مَا جَرَى دَمُهُ فِي عُرُوقِهِ أَيْ: مَا دَامَ حَيًّا، وَقِيلَ: يَجُوزُ إِرَادَةُ الْحَقِيقَةِ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ قَادِرَةٌ بِأَقْدَارِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كَمَالِ التَّصَرُّفِ ابْتِلَاءً لِلْبَشَرِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيهِ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَنَسٍ، وَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَةَ عَنْ صَفِيَّةَ.

стр. 201

٦٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ، غَيْرَ مَرْيَمَ، وَابْنِهَا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) : ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا مِنْ بَنِي آدَمَ) أَيْ: مَا مِنْ أَوْلَادِهِ، وَالْمُرَادُ هَذَا الْجِنِّيِّ (مَوْلُودٌ إِلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ) : رُفِعَ مَوْلُودٌ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ الظَّرْفِ لِاعْتِمَادِهِ عَلَى حَرْفِ النَّفْيِ، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَعَمُّ عَامِّ الْوَصْفِ فَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ يَعْنِي مَا وُجِدَ مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ مُتَّصِفٌ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَوْصَافِ حَالَ وِلَادَتِهِ إِلَّا بِهَذَا الْوَصْفِ أَيْ: مَسِّ الشَّيْطَانِ لَهُ كَأَنَّهُ ﵊ يَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ، وَالْأَوْلِيَاءَ لَا يَمَسُّهُمُ الشَّيْطَانُ، فَهُوَ مِنْ قِصَرِ الْقَلْبِ الَّذِي يُلْقَى لِمُعْتَقِدِ الْعَكْسِ، وَقِيلَ: مَا: هِيَ غَيْرُ عَامِلَةٍ هُنَا حَتَّى عِنْدَ الْحِجَازِيَّةِ لِتَقَدُّمِ الْخَبَرِ، وَهُوَ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى مُبْتَدَئِهِ، وَهُوَ مَوْلُودٌ (حِينَ يُولَدُ) : قَالُوا: الْمُرَادُ بِالْمَسِّ الْحِسِّيِّ لِقَوْلِهِ ﵊: ( «كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَطْعَنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبِهِ حِينَ يُولَدُ» ) . وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْوَجْهُ أَنْ يُرَادَ مِنَ الْمَسِّ الطَّمَعُ فِي الْإِغْوَاءِ فَيَرُدُّهُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ (فَيَسْتَهِلُّ) أَيْ: يَصِيحُ (صَارِخًا) : رَافِعًا صَوْتَهُ بِالْبُكَاءِ، وَهُوَ حَالٌ مُؤَكَّدَةٌ، أَوْ مُؤَسَّسَةٌ أَيْ: مُبَالَغَةٌ فِي رَفْعِهِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالِاسْتِهْلَالِ مُجَرَّدُ رَفْعِ الصَّوْتِ، وَبِالصُّرَاخِ الْبُكَاءُ (مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ) أَيْ: لِأَجْلِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي التَّصْرِيحِ بِالصُّرَاخِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَسَّ عِبَارَةٌ عَنِ الْإِصَابَةِ بِمَا يُؤْذِيهِ لَا كَمَا قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: مِنْ أَنَّ مَسَّ الشَّيْطَانِ تَخْيِيلٌ، وَاسْتِهْلَالُهُ صَارِخًا مِنْ مَسِّهِ تَصْوِيرٌ لِطَمَعِهِ فِيهِ كَأَنَّهُ يَمَسُّهُ، وَيَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَيْهِ، وَيَقُولُ: هَذَا مِمَّنْ أُغْوِيهِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الرُّومِيِّ: لِمَا تُؤْذِنُ بِهِ الدُّنْيَا مِنْ صُرُوفِهَا ... يَكُونُ بُكَاءُ الطِّفْلِ سَاعَةَ يُوَلَدُ إِذَا أَبْصَرَ الدُّنْيَا اسْتَهَلَّ كَأَنَّهُ ... بِمَا هُوَ لَاقٍ مِنْ أَذَاهَا يُهَدَّدُ وَإِلَّا فَمَا يُبْكِيهِ مِنْهَا، وَإِنَّهَا ... لَأَوْسَعُ مِمَّا كَانَ فِيهِ، وَأَرْغَدُ فَمِنْ بَابِ حُسْنِ التَّعْلِيلِ فَلَا يَسْتَقِيمُ تَنْزِيلُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُنَافِيهِ (غَيْرَ مَرْيَمَ، وَابْنِهَا) : حَالٌ مِنْ مَفْعُولِ يَمَسُّ؛ قَالَهُ ابْنُ حَجْرٍ، وَاسْتِثْنَاؤُهُمَا لِاسْتِعَاذَةِ أُمِّهَا حَيْثُ قَالَتْ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] وَتَفَرُّدُ عِيسَى، وَأُمِّهِ بِالْعِصْمَةِ عَنِ الْمَسِّ لَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهِمَا عَلَى نَبِيِّنَا ﷺ إِذْ لَهُ فَضَائِلَ، وَمُعْجِزَاتٍ لَمْ تَكُنْ لِأَحَدٍ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِي الْفَاضِلِ جَمِيعُ صِفَاتِ الْمَفْضُولِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَنَظِيرُهُ خَبَرُ الطَّبَرَانِيِّ: «مَا أَحَدٌّ مِنْ بَنِي آدَمَ إِلَّا وَقَدْ أَخْطَأَ، أَوْ هَمَّ بِخَطِيئَةٍ إِلَّا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا» . قُلْتُ: وَأَبْلَغُ مِنْ هَذَا أَنَّ شَيْطَانَهُ أَسْلَمَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) :

стр. 202

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعَنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِإِصْبَعَيْهِ حِينَ يُوَلَدُ غَيْرَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ذَهَبَ يَطْعَنُ فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ» ، وَفِي أُخْرَى لِلْحَاكِمِ، وَغَيْرِهِ: ( «كُلُّ وَلِيدٍ الشَّيْطَانُ نَائِلٌ مِنْهُ تِلْكَ الطَّعْنَةَ، وَلَهَا يَسْتَهِلُّ الْمَوْلُودُ صَارِخًا إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مَرْيَمَ وَابْنِهَا فَإِنَّ أُمَّهَا حِينَ وَضَعَتْهَا قَالَتْ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] فَضُرِبَ دُونَهَا حِجَابٌ فَطَعَنَ» ) اهـ. وَلَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْهَمَهَا بِأَنْ دَعَتْ هَذَا الدُّعَاءَ حَالَ الْوَضْعِ لَا بَعْدَهُ فَقَوْلُهُ: حِينَ وَضَعَتْهَا أَيْ: أَرَادَتْ وَضْعَهَا، فَلَا يُشْكِلُ أَنَّ الْمَسَّ يَكُونُ حَالَ الْوَضْعِ فَكَيْفَ امْتَنَعَ لِأَجْلِ ذَلِكَ الدُّعَاءِ؟ وَقَوْلُهَا فِي الْآيَةِ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا﴾ [آل عمران: ٣٦] بِمَعْنَى أَعَذْتُهَا وَعَدَلَ إِلَى الْمُضَارِعِ لِإِرَادَةِ الِاسْتِمْرَارِ، أَوْ لِحِكَايَةِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْمَفْهُومُ مِنَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْحَدِيثَ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ سَابِقًا هُوَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ فَقَوْلُهُ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَحَلُّ نَظَرٍ إِلَّا أَنْ يُقَالَ مُرَادُهُ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَعْنًى، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ لَكِنَّ ذِكْرَ لَفْظِ كُلِّ بَنِي آدَمَ إِلَخْ. أَيْضًا مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ فَتَأَمَّلْ.

стр. 203

٧٠ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «صِيَاحُ الْمَوْلُودِ حِينَ يَقَعُ نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٧٠ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (صِيَاحُ الْمَوْلُودِ) أَيْ: سَبَبُ صَيْحَتِهِ فِي بُكَائِهِ (حِينَ يَقَعُ) أَيْ: يَسْقُطُ، وَيَنْفَصِلُ عَنْ أُمِّهِ (نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ) أَيْ: إِصَابَةٌ بِمَا يُؤْذِيهِ، وَقِيلَ النَّزْغُ طَعْنَةٌ خَفِيفَةٌ أَيْ: وَسْوَسَةٌ، فَإِنَّ النَّزْغَ هُوَ الدُّخُولُ فِي أَمْرِ الْفَسَادِ، وَالشَّيْطَانُ إِنَّمَا يَبْغِي بِلَمَّتِهِ إِفْسَادَ مَا وُلِدَ الْمَوْلُودُ عَلَيْهِ مِنَ الْفِطْرَةِ اهـ. وَالْمُعَوَّلُ هُوَ الْأَوَّلُ إِذْ لَا إِفْسَادَ عِنْدَ الْوِلَادَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : الْمَذْكُورُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ.

стр. 204

٧١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ يَفْتِنُونَ النَّاسَ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلَتُ كَذَا، وَكَذَا فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا. قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكَتُهُ حَتَّى فَرَّقَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ. قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ، وَيَقُولُ: نَعَمْ أَنْتَ " قَالَ الْأَعْمَشُ: أَرَاهُ قَالَ: " فَيَلْتَزِمُهُ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٧١ - (وَعَنْ جَابِرٍ) : ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ) أَيْ: سَرِيرَهُ (عَلَى الْمَاءِ) : وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَى الْبَحْرِ، وَالصَّحِيحُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ تَمَرُّدِهِ، وَطُغْيَانِهِ وَضْعُ عَرْشِهِ عَلَى الْمَاءِ يَعْنِي جَعْلَهُ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرًا عَلَيْهِ اسْتِدْرَاجًا لِيَغْتَرَّ بِأَنَّ لَهُ عَرْشًا عَلَى هَيْئَةِ عَرْشِ الرَّحْمَنِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] وَيَغُرُّ بَعْضَ السَّالِكِينَ الْجَاهِلِينَ بِاللَّهِ أَنَّهُ الرَّحْمَنُ كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِ الصُّوفِيَّةِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي النَّفَحَاتِ الْأُنْسِيَّةِ فِي الْحَضَرَاتِ الْقُدْسِيَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قِصَّةُ ابْنِ صَيَّادٍ حَيْثُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «أَرَى عَرْشًا عَلَى الْمَاءِ فَقَالَ لَهُ ﵊: (تَرَى عَرْشَ إِبْلِيسَ» ) ، وَقِيلَ: عَبَّرَ عَنِ اسْتِيلَائِهِ عَلَى الْخَلْقِ، وَتَسَلُّطِهِ عَلَى إِضْلَالِهِمْ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ (ثُمَّ يَبْعَثُ) أَيْ: يُرْسِلُ (سَرَايَاهُ) : جَمْعُ سَرِيَّةٍ، وَهِيَ قِطْعَةٌ مِنَ الْجَيْشِ تُوَجَّهُ نَحْوَ الْعَدْوِ لِتَنَالَ مِنْهُ، وَفِي النِّهَايَةِ هِيَ طَائِفَةٌ مِنَ الْجَيْشِ يَبْلُغُ أَقْصَاهَا أَرْبَعَمَائَةٍ تُبْعَثُ إِلَى الْعَدُوِّ، وَسُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ خُلَاصَةَ الْعَسْكَرِ، وَخِيَارَهُمْ مِنَ الشَّيْءِ السِّرِّيِّ، وَهُوَ النَّفِيسُ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ يُبْعَثُونَ سِرًّا وَرُدَّ بِأَنَّ لَامَهُ رَاءٌ، وَلَامَهَا يَاءٌ (يَفْتِنُونَ النَّاسَ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَكَسْرِ التَّاءِ أَيْ: يُضِلُّونَهُمْ، أَوْ يَمْتَحِنُوهُمْ بِتَزْيِينِ الْمَعَاصِي إِلَيْهِمْ حَتَّى يَقَعُوا فِيهَا (فَأَدْنَاهُمْ) أَيْ: أَقْرَبَهُمْ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ إِبْلِيسَ (مَنْزِلَةً) : مَرْتَبَةً (أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً) أَيْ: أَكْبَرُهُمْ إِضْلَالًا، أَوْ أَشَدُّهُمُ ابْتِلَاءً (يَجِيءُ أَحَدُهُمْ) : جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِقَوْلِهِ: أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً (فَيَقُولُ) أَيْ: أَحَدُهُمْ (فَعَلْتُ كَذَا، وَكَذَا) أَيْ: أَمَرْتُ بِالسَّرِقَةِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ مَثَلًا (فَيَقُولُ) أَيْ: إِبْلِيسُ (مَا صَنَعْتَ شَيْئًا) أَيْ: أَمْرًا كَبِيرًا، أَوْ شَيْئًا مُعْتَدًّا بِهِ (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ (ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ مَا تَرَكْتُهُ) أَيْ: فَلَانًا (حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ) : هَذَا، وَإِنْ كَانَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ أَمْرًا مُبَاحًا، وَظَاهِرُهُ خَيْرٌ، وَلِذَا قَالَ

стр. 205

تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] ، وَلَكِنَّهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ قَدْ يَجُرُّ إِلَى الْمَفَاسِدِ يَصِيرُ مَذْمُومًا، وَيَحُثُّ عَلَيْهِ الشَّيَاطِينُ، وَيَفْرَحُ بِهِ كَبِيرُهُمْ، وَلِذَا قَالَ ﵊: " «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ» ) . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] (قَالَ) : ﵊ (فَيُدْنِيهِ مِنْهُ) أَيْ: فَيُقَرِّبُ إِبْلِيسُ ذَلِكَ الْمُغْوِي مِنْ نَفْسِهِ مِنَ الْإِدْنَاءِ، وَهُوَ التَّقْرِيبُ (فَيَقُولُ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ، وَيَقُولُ أَيْ: إِبْلِيسُ لِلْمُغْوِي (نِعْمَ أَنْتَ) أَيْ: نِعْمَ الْوَلَدُ، أَوِ الْعَوْنُ أَنْتَ عَلَى أَنَّهُ فِعْلُ مَدْحٍ، وَفَاعِلُهُ مُضْمَرٌ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَقِيلَ: حَرْفُ إِيجَابٍ، وَأَنْتَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ: أَنْتَ صَنَعْتَ شَيْئًا عَظِيمًا، وَقَوْلُ ابْنِ الْمَلَكِ هُوَ الصَّوَابُ هُوَ الْخَطَأُ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الرِّوَايَةِ مَعَ احْتِيَاجِهِ إِلَى التَّكَلُّفِ، وَالتَّعَسُّفِ فِي تَوْجِيهِ صِحَّةِ الدِّرَايَةِ، (قَالَ الْأَعْمَشُ) : وَهُوَ أَحَدُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ (أُرَاهُ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ: أَظُنُّ أَبَا سُفْيَانَ طَلْحَةَ بْنَ نَافِعٍ الْمَكِّيَّ، وَهُوَ الرَّاوِي عَنْ جَابِرٍ كَذَا فِي الْأَزْهَارِ نَقَلَهُ السَّيِدُ جَمَالُ الدِّينِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ضَمِيرُ الْفَاعِلِ لِلْأَعْمَشِ، وَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ لِجَابِرٍ، وَقِيلَ: أَظُنُّ النَّبِيَّ ﵊، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ (قَالَ: فَيَلْتَزِمُهُ) : فَإِنَّهُ إِمَّا عَطْفٌ عَلَى فَيُدْنِيهِ، أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ كَذَا قِيلَ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى فَيَقُولُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَالْمَعْنَى فَيُعَانِقُهُ مِنْ غَايَةِ حُبِّهِ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُحِبُّ كَثْرَةِ الزِّنَا، وَغَلَبَةِ أَوْلَادِ الزِّنَا لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ، وَيَهْتِكُوا حُدُودَ الشَّرْعِ، وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلَدُ زَانِيَةٍ) . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ فِي سُنَنِهِ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الزِّنَا يَعْسُرُ عَلَيْهِ اكْتِسَابُ الْفَضَائِلَ، وَيَتَيَسَّرُ لَهُ أَخْلَاقُ الرَّذَائِلَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا أَحْمَدُ.

стр. 206

٧٢ - وَعَنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنَّ التَّحْرِيشَ بَيْنَهُمْ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٧٢ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ جَابِرٍ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولٌ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ الشَّيْطَانَ) : يَحْتَمِلُ الْجِنْسَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ إِبْلِيسُ رَئِيسُهُمْ (وَقَدْ أَيِسَ) أَيْ: صَارَ مَحْرُومًا، وَيَئِسَ (وَمِنْ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ) : اخْتَصَرَ الْقَاضِي كَلَامَ الشُّرَّاحِ، وَقَالَ: عِبَادَةُ الشَّيْطَانِ عِبَادَةُ الصَّنَمِ؛ لِأَنَّهُ الْآمِرُ بِهِ، وَالدَّاعِي إِلَيْهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ [مريم: ٤٤] وَالْمُرَادُ بِالْمُصَلِّينَ الْمُؤْمِنُونَ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﵊: " نَهَيْتُكُمْ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ ": سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ أَشْرَفُ الْأَعْمَالِ، وَأَظْهَرُ الْأَفْعَالِ الدَّالَةِ عَلَى الْإِيمَانِ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ: أَيِسَ مِنْ أَنْ يَعُودَ أَحَدٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عِبَادَةِ الصَّنَمِ، وَيَرْتَدَّ إِلَى شِرْكِهِ (فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) : وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ ارْتِدَادُ أَصْحَابِ مُسَيْلِمَةَ، وَمَانِعِي الزَّكَاةِ، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنِ ارْتَدَوْا بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوا الصَّنَمَ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ دَعْوَةَ الشَّيْطَانِ عَامَّةٌ إِلَى أَنْوَاعِ الْكُفْرِ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِعِبَادَةِ الصَّنَمِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمُصَلِّينَ لَا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الصَّلَاةِ، وَعِبَادَةِ الشَّيْطَانِ كَمَا فَعَلَتْهُ الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى، ثُمَّ الْجَزِيرَةُ هِيَ كُلُّ أَرْضٍ حَوْلَهَا الْمَاءُ، فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مُفَعْوِلَةٍ مِنْ جَزَرَ عَنْهَا الْمَاءُ أَيْ: ذَهَبَ، وَقَدِ اكْتَنَفَتْ تِلْكَ الْجَزِيرَةِ الْبِحَارُ، وَالْأَنْهَارُ كَبَحْرِ الْبَصْرَةِ، وَعُمَانَ وَعَدَنٍ إِلَى بِرْكَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّتِي أَهْلَكَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ بِهَا، وَبَحْرِ الشَّامِ، وَالنِّيلِ، وَدِجْلَةَ، وَالْفُرَاتِ أُضِيفَتْ إِلَى الْعَرَبِ لِأَنَّهَا مَسْكَنُهُمْ، وَنُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ مَكَّةُ، وَالْمَدِينَةُ، وَالْيَمَنُ قِيلَ إِنَّمَا خَصَّ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ لِأَنَّ الدِّينَ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَتَعَدَّ عَنْهَا، وَقِيلَ لِأَنَّهَا مَعْدِنُ الْعِبَادَةِ، وَمَهْبِطُ الْوَحْيِ (وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ) : خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: هُوَ فِي التَّحْرِيشِ، أَوْ ظَرْفٌ لِمُقَدَّرٍ أَيْ يَسْعَى فِي التَّحْرِيشِ (بَيْنَهُمْ) أَيْ: فِي إِغْرَاءِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَالتَّحْرِيضِ بِالشَّرِّ بَيْنَ

стр. 207

النَّاسِ مِنْ قَتْلٍ، وَخُصُومَةٍ، وَالْمَعْنَى لَكِنَّ الشَّيْطَانَ غَيْرُ آيِسٍ مِنْ إِغْرَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَمْلِهِمْ عَلَى الْفِتَنِ بَلْ لَهُ مَطْمَعٌ فِي ذَلِكَ، قِيلَ: وَلَعَلَّهُ أَخْبَرَ عَمَّا يَجْرِي فِيمَا بَعْدَهُ مِنَ التَّحْرِيشِ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ أَيْ: أَيِسَ الشَّيْطَانُ أَنْ يُعْبَدَ فِيهَا لَكِنْ طَمِعَ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَ سَاكِنِيهَا، وَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ فَكَانَ مُعْجِزَةً لَهُ ﵊. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ.

стр. 208

الْفَصْلُ الثَّانِي ٧٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنِّي أُحَدِّثُ نَفْسِي بِالشَّيْءِ لَأَنْ أَكُونَ حُمَمَةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِهِ قَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ أَمْرَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. الْفَصْلُ الثَّانِي ٧٣ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) : ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ) أَيِ: الرَّجُلُ (إِنِّي أُحَدِّثُ نَفْسِي) أَيْ: أُكَلِّمُهَا بِالسِّرِّ يَعْنِي تُوَسْوِسُنِي فَإِنَّهُ غَيْرُ اخْتِيَارِيٍّ، أَوْ مَعْنَاهُ أَرُدُّ عَلَيْهَا (بِالشَّيْءِ) : هُوَ فِي قُوَّةِ النَّكِرَةِ مَعْنًى، وَإِنْ كَانَ مَعْرِفَةً لَفْظًا لِأَنَّ (اَلْ) فِيهِ لِلْجِنْسِ، وَالْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ بَعْدَهُ صِفَةٌ لَهُ، وَهِيَ قَوْلُهُ (لَأَنْ أَكُونَ حُمَمَةً) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ أَيْ: فَحْمًا (أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِهِ) أَيْ: بِشَيْءٍ، لَكَوْنِي حُمَمَةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ التَّكَلُّمِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ مِنْ غَايَةِ قُبْحِهِ لِتَعَلُّقِهِ بِالْخَوْضِ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا لَا يَلِيقُ بِهِ سُبْحَانَهُ مِنْ تَجْسِيمٍ، وَتَشْبِيهٍ، أَوْ تَعْطِيلٍ، وَنَحْوِهَا، وَاللَّامُ لِلْقَسَمِ، أَوْ لِلِابْتِدَاءِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْمَلَكِ: اللَّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى أَدَاةِ الشَّرْطِ لِلْإِيذَانِ بِأَنَّ الْجَوَابَ بَعْدَهَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَسَمٍ قَبْلَهَا لَا عَلَى الشَّرْطِ، وَمِنْ ثَمَّ تُسَمَّى لَامَ الْمُؤْذِنَةِ، وَتُسَمَّى الْمُوَطِّئَةَ لِأَنَّهَا وَطَّأَتِ الْجَوَابَ لِلْقَسَمِ أَيْ: مَهَّدَتْهُ لَهُ نَحْوُ: ﴿لَإِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ [الحشر: ١٢] الْآيَةَ: كَذَا ذَكَرَهُ فِي مُغْنِي اللَّبِيبِ. (قَالَ) : ﵊ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) : شُكْرًا لِمَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى أُمَّتِهِ (الَّذِي رَدَّ أَمْرَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ) : الضَّمِيرُ فِيهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلشَّيْطَانِ، وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ، وَالْأَمْرُ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ وَاحِدَ الْأَوَامِرِ، وَأَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الشَّأْنِ يَعْنِي كَأَنَّ الشَّيْطَانَ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالْكُفْرِ قَبْلَ هَذَا، وَأَمَّا الْآنَ فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِمْ سِوَى الْوَسْوَسَةِ، وَلَا بَأْسَ بِهَا مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهَا قَبِيحَةٌ، وَالتَّعَوُّذُ بِاللَّهِ مِنْهَا، أَوِ الْمَعْنَى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ شَأْنَ هَذَا الرَّجُلِ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْوَسْوَسَةِ، وَهِيَ مَعْفُوَّةٌ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 209

٧٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «إِنَّ لِلشَّيْطَانَ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ، وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً: فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانَ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ، وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ، وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ؛ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَيَحْمَدُ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ الْأُخْرَى؛ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) . ثُمَّ قَرَأَ ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨] » ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٧٤ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ لِلشَّيْطَانِ) أَيْ: إِبْلِيسَ، أَوْ بَعْضِ جُنْدِهِ (لَمَّةً) : اللَّمَّةُ بِالْفَتْحِ مِنَ الْإِلْمَامِ، وَمَعْنَاهُ النُّزُولُ، وَالْقُرْبُ، وَالْإِصَابَةُ، وَالْمُرَادُ بِهَا مَا يَقَعُ فِي الْقَلْبِ بِوَاسِطَةِ الشَّيْطَانِ، أَوِ الْمَلَكِ (بِابْنِ آدَمَ) أَيْ: بِهَذَا الْجِنْسِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْإِنْسَانُ (وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً) : فَلَمَّةُ الشَّيْطَانِ تُسَمَّى وَسَوْسَةً، وَلَمَّةُ الْمَلَكِ إِلْهَامًا (فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ) : كَالْكُفْرِ، وَالْفِسْقِ، وَالظُّلْمِ (وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ) أَيْ: فِي حَقِّ اللَّهِ، أَوْ حَقِّ الْخَلْقِ، أَوْ بِالْأَمْرِ الثَّابِتِ كَالتَّوْحِيدِ، وَالنُّبُوَّةِ، وَالْبَعْثِ، وَالْقِيَامَةِ، وَالنَّارِ، وَالْجَنَّةِ (وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ) : كَالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ (وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ) : كَكُتُبِ اللَّهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْإِيعَادُ فِي اللَّمَّتَيْنِ مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ، وَالْوَعِيدُ فِي الِاشْتِقَاقِ كَالْوَعْدِ

стр. 210

إِلَّا أَنَّ الْإِيعَادَ اخْتَصَّ بِالشَّرِّ عُرْفًا يُقَالُ أَوْعَدَ إِذَا وَعَدَ بِشَرٍّ إِلَّا أَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ فِي الْخَيْرِ لِلِازْدِوَاجِ، وَالْأَمْنِ عَنِ الِاشْتِبَاهِ بِذِكْرِ الْخَيْرِ بَعْدَهُ كَذَا قَالُوا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي وَأَمَّا عِنْدَ التَّقْيِيدِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ بِالتَّجْرِيدِ فِيهِمَا، أَوْ بِأَصْلِ اللُّغَةِ، وَاخْتِيَارِ الزِّيَادَةِ لِاخْتِيَارِ الْمُبَالَغَةِ (فَمَنْ وَجَدَ) : أَيْ فِي نَفْسِهِ، أَوْ أَدْرَكَ، وَعَرَفَ (ذَلِكَ) أَيْ: لَمَّةَ الْمَلَكِ عَلَى تَأْوِيلِ الْإِلْمَامِ، أَوِ الْمَذْكُورِ (فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ) : أَيْ: مِنَّةٌ جَسِيمَةٌ، وَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَاصِلَةٌ إِلَيْهِ، وَنَازِلَةٌ عَلَيْهِ إِذْ أَمَرَ الْمَلَكَ بِأَنْ يُلْهِمَهُ (فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ) أَيْ: عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ الْجَلِيلَةِ حَيْثُ أَهَّلَهُ لِهِدَايَةِ الْمَلَكِ، وَدَلَالَتُهُ عَلَى ذَلِكَ الْخَيْرِ تَصْدِيقًا وَتَحْصِيلًا، ثُمَّ مَعْرِفَةُ الْخَوَاطِرِ وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَهَا مَحَلُّ بَسْطِهَا كُتُبُ الصُّوفِيَّةِ، وَقَدْ بَيَّنَهَا الْغَزَالِيُّ فِي مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ تَبْيِينًا لَطِيفًا، وَاتَّفَقَ الْمَشَايِخُ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مَأْكَلُهُ مِنَ الْحَرَامِ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْوَسْوَسَةِ وَالْإِلْهَامِ، بَلْ قَالَ الدَّقَّاقُ: مَنْ كَانَ قُوتُهُ مَعْلُومًا أَيْ: بِأَنْ لَمْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ الْإِلْهَامُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ لَكِنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِي مَعْرِفَةِ وَسَاوِسِ النَّفْسِ، وَمَكَايِدِ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَهَا هُنَا، وَأَخَّرَهَا أَوَّلًا لِأَنَّ لَمَّةَ الشَّيْطَانِ شَرٌّ، وَالِابْتِلَاءُ بِهَا أَكْثَرُ، فَكَانَتِ الْحَاجَةُ بِبَيَانِهَا أَمَسُّ، وَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَدَّمَ لَمَّةَ الْمَلَكِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهَا، وَإِشْعَارًا بِأَنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ (وَمَنْ وَجَدَ الْأُخْرَى) أَيْ: لَمَّةَ الشَّيْطَانِ (فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرِّجِيمِ) : وَلْيُخَالِفْهُ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا الشَّيْطَانُ عَبْدٌ مُسَخَّرٌ أُعْطِيَ لَهُ التَّسْلِيطُ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ هُنَا فَلْيُعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَأَدُّبًا مَعَهُ إِذْ لَا يُضَافُ إِلَيْهِ إِلَّا الْخَيْرُ (ثُمَّ قَرَأَ) : ﷺ اسْتِشْهَادًا ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨] أَيْ: يُخَوِّفُكُمْ بِهِ، ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨] أَيْ: بِالْبُخْلِ، وَالْحِرْصِ، وَسَائِرِ الْمَعَاصِي، فَإِنَّ حُبَّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، أَوْ مَعْنَاهُ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ لِيَمْنَعَكُمْ عَنِ الْإِنْفَاقِ فِي وُجُوهِ الْخَيْرَاتِ، وَيُخَوِّفُكُمُ الْحَاجَةَ لَكُمْ، أَوْ لِأَوْلَادِكُمْ فِي ثَانِي الْحَالِ سِيَّمَا فِي كِبَرِ السِّنِّ، وَكَثْرَةِ الْعِيَالِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ أَيِ الْمَعَاصِي، وَهَذَا الْوَعْدُ، وَالْأَمْرُ هُمَا الْمُرَادَانِ بِالشَّرِّ فِي الْحَدِيثِ، وَتَتِمَّةُ الْآيَةِ: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً﴾ [البقرة: ٢٦٨] أَيْ: لِذُنُوبِكُمْ عَلَى الصَّبْرِ فِي الْفَقْرِ، وَالطَّاعَةِ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ عِنْدِهِ عَدْلًا، أَوْ فَضْلًا، أَيْ: يَعِدُكُمْ زِيَادَةَ الْخَيْرِ عَلَى الْمَغْفِرَةِ، وَثَوَابَ الطَّاعَةِ بِالْأَضْعَافِ الْمُضَاعَفَةِ، أَوْ خَلَفًا فِي الدُّنْيَا، وَعِوَضًا فِي الْعُقْبَى ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧] : تَذْيِيلٌ لِلْكَلَامِ السَّابِقِ إِشَارَةٌ إِلَى سِعَةِ مَغْفِرَتِهِ، وَرَحْمَتِهِ، وَوُفُورِ عِلْمِهِ بِأَحْوَالِ الْعِبَادِ وَمَصَالِحِهِمْ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : وَتَعْرِيفُ الْغَرَابَةِ، وَتَفْصِيلُهَا مَتْنًا، وَإِسْنَادًا مَذْكُورٌ فِي أُصُولِ الْحَدِيثِ.

стр. 211

٧٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ، حَتَّى يُقَالَ: هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ فَقُولُوا: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الجن: ٢٢] ، ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] ، ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص: ٣] ، ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] ، ثُمَّ يَتْفُلُ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ عَمْرٍو بْنِ الْأَحْوَصِ فِي بَابِ خُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ــ ٧٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) : ﵁ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ) أَيْ: لَا يَنْقَطِعُونَ عَنْ سُؤَالِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فِي أَشْيَاءَ (حَتَّى يُقَالَ هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ) : مَرَّ الْبَيَانُ فِيهِ (فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟) : فَلَمَّا جَرَّ كَثْرَةُ السُّؤَالِ إِلَى الْجَرْأَةِ عَلَى الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَعَنْ قِيلَ وَقَالِ، أَوِ الْمُرَادُ

стр. 212

بِالتَّسَاؤُلِ حِكَايَةُ النَّفْسِ، وَحَدِيثُهَا، وَوَسْوَسَتُهَا، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ التَّفْلِ، وَالِاسْتِعَاذَةِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ: (فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ فَقُولُوا اللَّهُ أَحَدٌ) : يَعْنِي قُولُوا فِي رَدِّ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، أَوِ الْوَسْوَسَةِ اللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ مَخْلُوقًا، بَلْ هُوَ أَحَدٌ، وَالْأَحَدُ هُوَ الَّذِي لَا ثَانِيَ لَهُ فِي الذَّاتِ، وَلَا فِي الصِّفَاتِ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] : الْمَرْجِعُ فِي الْحَوَائِجِ الْمُسْتَغْنِي عَنْ كُلِّ أَحَدٍ ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص: ٣] ، ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] : تَقَدَّمَ (ثُمَّ لْيَتْفُلْ) : بِسُكُونِ اللَّامِ الْأُولَى، وَيُكْسَرُ، وَبِضَمِّ الْفَاءِ، وَيُكْسَرُ أَيْ: لِيَبْصُقْ أَحَدُكُمْ، أَوْ هَذَا الرَّجُلُ يَعْنِي الْمُوَسْوَسَ (عَنْ يَسَارِهِ) : كَرَامَةً لِلْيَمِينِ، وَقِيلَ اللَّمَّةُ الشَّيْطَانِيَّةُ عَنْ يَسَارِ الْقَلْبِ، وَالرَّحْمَانِيَّةُ عَنْ يَمِينِهِ (ثَلَاثًا) أَيْ: لِيُلْقِ الْبُزَاقَ مِنَ الْفَمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كَرَاهَةِ الشَّيْءِ، وَالنُّفُورِ عَنْهُ كَمَنْ يَجِدُ جِيفَةً، وَالتَّكْرَارُ مُرَاغَمَةٌ لِلشَّيْطَانِ، وَتَبْعِيدٌ لَهُ لِيَنْفِرَ مِنْهُ، وَيَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يُطِيعُهُ فِيهِ، وَيَكْرَهُ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ مِنْهُ (وَلْيَسْتَعِذْ) : ضُبِطَ بِالْوَجْهَيْنِ (بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) : وَالِاسْتِعَاذَةُ طَلَبُ الْمُعَاوَنَةِ عَلَى دَفْعِ الشَّيْطَانِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ) : أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ (فِي بَابِ خُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) .

стр. 213

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٧٦ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «لَنْ يَبْرَحَ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ، حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ ؟) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِمُسْلِمٍ (قَالَ: قَالَ اللَّهُ : إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يَزَالُونَ يَقُولُوا: مَا كَذَا؟ مَا كَذَا؟ حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ » .؟ . الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٧٦ - (عَنْ أَنَسٍ) : ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَنْ يَبْرَحَ النَّاسُ) أَيْ: لَنْ يَزَالُوا، وَلَنْ يَنْقَطِعُوا، وَإِفَادَتُهُ الْإِثْبَاتَ؛ لِأَنَّهُ كَزَالَ يُفِيدُ مَعْنَى النَّفْيِ، وَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ نَفْيٌ آخَرُ أَثْبَتَهُ؛ لِأَنَّ نَفْيَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ (يَتَسَاءَلُونَ) أَيْ: مُتَسَائِلِينَ يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، أَوْ تُحَدِّثُهُمْ أَنْفُسُهُمْ بِالْوَسْوَسَةِ (حَتَّى يَقُولُوا هَذَا اللَّهُ) : مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ (خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) : اسْتِئْنَافٌ، أَوْ حَالٌ، وَقَدْ مُقَدَّرَةٌ، وَالْعَامِلُ مَعْنَى اسْمِ الْإِشَارَةِ، أَوْ هَذَا مُبْتَدَأٌ، وَاللَّهُ عَطْفُ بَيَانٍ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ خَبَرُهُ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ (فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ : قَاسُوا الْقَدِيمَ عَلَى الْحَادِثِ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى مُحْدِثٍ، وَيَتَسَلْسَلُ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى خَالِقٍ قَدِيمٍ، وَاجِبِ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ، وَمَحَلُّ تَحْقِيقِ هَذَا الْمَرَامِ كُتُبُ الْكَلَامِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِمُسْلِمٍ قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ : (قَالَ اللَّهُ : فَيَكُونُ الْحَدِيثُ قُدْسِيًّا (وَإِنَّ أُمَّتَكَ) أَيْ: أُمَّةَ الدَّعْوَةِ، أَوْ بَعْضَ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ بِطَرِيقِ الْجَهَالَةِ، أَوِ الْوَسْوَسَةِ مِنَ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ (لَا يَزَالُونَ يَقُولُونَ) أَيْ: بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، أَوْ فِي خَوَاطِرِهِمْ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِمْ (مَا كَذَا مَا كَذَا) : كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَقِيلَ وَقَالَ؛ أَيْ: مَا شَأْنُهُ، وَمَنْ خَلَقَهُ (حَتَّى يَقُولُوا) أَيْ: حَتَّى يَتَجَاوَزُوا الْحَدَّ، وَيَنْتَهُوا إِلَى أَنْ يَقُولُوا: (هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ : وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْحَدِيثِ إِعْلَامُهُ تَعَالَى لِنَبِيَّهُ ﵊ مِمَّا سَيَقَعُ مِنْ أُمَّتِهِ لِيُحَذِّرَهُمْ مِنْهُ.

стр. 214

٧٧ - وَعَنْ عُثْمَانِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ﵁، قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي، وَبَيْنَ قِرَاءَتِي يُلَبِّسُهَا عَلَيَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خِنْزِبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ، وَاتْفُلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا) فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي» . رَوَاهُ مَسْلِمٌ. ــ ٧٧ - (وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ) : هُوَ الثَّقَفِيُّ، اسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الطَّائِفِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهَا حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَخِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ، وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، ثُمَّ عَزَلَهُ عُمَرُ، وَوَلَّاهُ عُمَانَ، وَالْبَحْرَيْنِ، وَكَانَ وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ، وَهُوَ أَحْدَثُهُمْ سِنًّا، وَلَهُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَذَلِكَ سَنَةَ عَشْرٍ، وَسَكَنَ الْبَصْرَةَ، وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ، وَلَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَعَزَمَتْ ثَقِيفٌ عَلَى الرِّدَّةِ قَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ ثَقِيفٍ كُنْتُمْ آخِرَ النَّاسِ إِسْلَامًا فَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ النَّاسِ رِدَّةً فَامْتَنَعُوا عَنِ الرِّدَّةِ. رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ ﵁. ( «قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي، وَبَيْنَ صَلَاتِي، وَبَيْنَ قِرَاءَتِي» ) أَيْ: يَمْنَعُنِي مِنَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ مِنَ الشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ بِدَلِيلِ تَثْلِيثِ التَّفْلِ، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ، وَلْيَتْفُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ غَيْرَ مُتَوَالِيَاتٍ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ التَّفْلِ وَالتَّعَوُّذِ عَلَى مَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَالْمَعْنَى جَعَلَ بَيْنِي وَبَيْنَ كَمَالِهِمَا حَاجِزًا مِنْ وَسْوَسَتِهِ الْمَانِعَةِ مِنْ رُوحِ الْعِبَادَةِ، وَسِرِّهَا، وَهُوَ الْخُشُوعُ وَالْخُضُوعُ (يُلَبِّسُهَا عَلَيَّ) : بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبَالَغَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ ظَاهِرَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَكَسْرِ ثَالِثِهِ أَيْ: يَخْلِطُ، وَيُشَكِّكُنِي فِيهَا أَيْ: فِي الصَّلَاةِ أَوِ الْقِرَاءَةِ، أَوْ كُلِّ وَاحِدَةٍ، وَالْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ حَالَ، وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ذَاكَ شَيْطَانٌ) أَيِ: الْمُلَبِّسُ أَيْ: خَاصٌّ مِنَ الشَّيَاطِينِ لَا رَئِيسُهُمْ (يُقَالُ لَهُ خِنْزِبٌ) : بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ، ثُمَّ نُونٍ سَاكِنَةٍ، ثُمَّ زَايٍّ مَكْسُورَةٍ، أَوْ مَفْتُوحَةٍ. كَذَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَهُوَ مِنَ الْأَوْزَانِ الرُّبَاعِيَّةِ كَزِبْرِجٍ، وَدِرْهَمٍ، وَيُقَالُ أَيْضًا بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالزَّايِ، حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَنَظِيرُهُ جَعْفَرٌ، وَيُقَالُ أَيْضًا بِضَمِّ الْخَاءِ وَفَتْحِ الزَّايِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيَصِحُّ فَتْحُ الْخَاءِ مَعَ ضَمِّ الزَّايِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذَا الْوَزْنُ فِي الرُّبَاعِيِّ الْمُجَرَّدِ، وَلَيْسَ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الْجَرِيءُ عَلَى الْفُجُورِ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنَ الْقَامُوسِ. (فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ) أَيْ: أَدْرَكْتَهُ وَعَلِمْتَهُ (فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ) : فَإِنَّهُ لَا خَلَاصَ مِنْ وَسْوَسَتِهِ إِلَّا بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ، وَحِفْظِهِ وَمَعُونَتِهِ (وَاتْفُلْ) : بِضَمِّ الْفَاءِ، وَيُكْسَرُ (عَلَى يَسَارِكَ) أَيْ: عَنْ يَسَارِكَ كَمَا فِي نُسْخَةٍ إِشَارَةً إِلَى التَّنَفُّرِ، وَالتَّبَعُّدِ عَنِ الْوَسْوَسَةِ الَّتِي تَجُرُّ إِلَى كِتَابَةِ صَاحِبِ الْيَسَارِ، أَوْ إِلَى طَرِيقَةِ أَصْحَابِ الشِّمَالِ (ثَلَاثًا) أَيْ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِزِيَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْمُبَاعَدَةِ (فَفَعَلْتُ ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذَكَرَ مِنَ التَّعَوُّذِ، وَالتَّفْلِ (فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ) أَيِ: الْوَسْوَاسَ (عَنِّي) : بِبَرَكَتِهِ ﵊ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 215

٧٨ - وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: إِنِّي أَهِمُ فِي صَلَاتِي فَيَكْبُرُ ذَلِكَ عَلَيَّ فَقَالَ لَهُ: امْضِ فِي صَلَاتِكَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَذْهَبَ ذَلِكَ عَنْكَ حَتَّى تَنْصَرِفَ، وَأَنْتَ تَقُولُ: مَا أَتْمَمْتُ صَلَاتِي. رَوَاهُ مَالِكٌ. ــ ٧٨ - (وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أَيِ: ابْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَحَدِ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ الْمَشْهُورِينَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ، وَكَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ. قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: مَا أَدْرَكْنَا بِالْمَدِينَةِ أَحَدًا نُفَضِّلُهُ عَلَى الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَائِشَةُ وَمُعَاوِيَةُ، وَعَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ، وَلَهُ سَبْعُونَ سَنَةً. (أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: إِنِّي أَهِمُ) : بِكَسْرِ الْهَاءِ، وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ (فِي صَلَاتِي) : يُقَالُ: وَهَمْتُ فِي الشَّيْءِ بِالْفَتْحِ أَهِمُ وَهْمًا إِذَا أُذْهِبَ وَهْمُكَ إِلَيْهِ، وَأَنْتَ تُرِيدُ غَيْرَهُ، وَيُقَالُ: وَهَمْتُ فِي الْحِسَابِ أُوهَمُ، وَهْمًا إِذَا غَلِطْتَ فِيهِ، وَسَهَوْتَ (فَيَكْبُرُ) : بِالْمُوَحَّدَةِ الْمَضْمُومَةِ أَيْ: يَعْظُمُ (ذَلِكَ) أَيِ: الْوَهْمُ (عَلَيَّ) : وَرُوِيَ بِالْمُثَلَّثَةِ مِنَ الْكَثْرَةِ أَيْ: يَقَعُ كَثِيرًا هَذَا الْوَهْمُ عَلَيَّ (فَقَالَ لَهُ: امْضِ فِي صَلَاتِكَ) : سَوَاءٌ كَانَتِ الْوَسْوَسَةُ خَارِجَ الصَّلَاةِ، أَوْ دَاخِلَهَا، وَلَا تَلْتَفِتْ إِلَى مَوَانِعِهَا (فَإِنَّهُ لَنْ يَذْهَبَ ذَلِكَ عَنْكَ) : فَإِنَّهُ ضَمِيرٌ لِلشَّأْنِ، وَالْجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لَهُ، وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْوَهْمِ الْمَعْنِيِّ بِهِ الْوَسْوَسَةُ، وَالْمَعْنَى لَا يَذْهَبُ عَنْكَ تِلْكَ
следующие страницы →